Полный текст (1 366 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
شروط الأكل من رزق الله
حينما نعود إلى الآية الأولى نجد أن الأكل من رزق الله، والأكل مما في الأرض لا بد أن يتوافر فيه شرطان: الشرط الأول: أن يكون حلالاً طيباً، فعلى المؤمنين خاصة أن يجتنبوا الحرام، سواء في ذلك الحرام لذاته، وهو ما حرم من أجل ذاته؛ كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو ما حرم من أجل غيره من أموال الناس، ومما يحصل عليه من الكسب الحرام.
الشرط الثاني: ألا يتبعوا حينما يأكلون رزق الله في الأرض خطوات الشيطان، ولا يسيروا على آثاره ويتبعوا نهجه، سواء في ذلك شياطين الإنس أم شياطين الجن، ثم بين النهي عن اتباع خطوات الشيطان والأمر بالسير على أوامر الله فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠].
стр. 492
ابتلاء الله لعباده بالعطاء والحرمان من النعمة
معشر المسلمين! إن سنة الله في هذه الحياة أن يذيق هذا الإنسان رحمته، والمراد بالرحمة هنا: نعمة المال ولذته، حتى إذا عض على هذه النعمة بالنواجذ نزعها الله من الكافر والباغي نزعاً، حتى إذا أبدله النعمة إثماً وأبدله المال فقراً، وأبدله الصحة مرضاً والأمن خوفاً؛ نسي ما كان بالأمس، وظن أن نعمة الله لن تعود إليه أبداً منذ تلك اللحظة التي يفارقها.
يقول الله عن هذا الأمر: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ [هود:٩]، (نزعناها) أي: أخذناها بقوة وبشدة وبسرعة إذا لم يكن أهلاً لهذه النعمة: ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود:٩ - ١١].
معشر المسلمين! إن سنة الله في الحياة أن يرد الناس إليه طوعاً أو كرهاً، وحينما ينحرف الناس عن دين الله، وحينما يتنكبون عن طريقه المستقيم، يبتليهم في بادئ الأمر بالفقر والمسغبة والخوف والجوع والأمراض والأسقام، فإما أن يتراجعوا ويعودوا إلى الله ، وإما يتمادوا في غيهم، فإن الله يمتحنهم في المرحلة الثانية بالنعيم، يمتحنهم بالنعم والأمن والأرزاق تأتيهم رغداً، ثم بعد ذلك إذا لم يعرفوا قدر نعمة الله عليهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر.
تجدون هذه المعاني كلها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ١٠٠].
معشر المسلمين! وهكذا يمتحن الله الناس عامة بالفقر والمسغبة، ثم يمتحنهم بعد ذلك بالمتاع والنعيم، فإذا لم يؤثر فيهم هذا وذاك فإن أخذه إليم شديد.
стр. 493
استدراج الله تعالى للعاصي بالنعم
معشر المسلمين! ولربما يغتر طائفة من الناس بهذا النعيم، ويظنون أنه مقياس السعادة، وأنه علامة من علامات الرضا، وإذا ناقشت هؤلاء قالوا: الناس في خير! الناس في نعمة! هؤلاء الكافرون منذ القدم يرفلون في نعم الله ولم يأخذهم، ونسوا عند طرحهم لهذه الشبهة أن الله يقول: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
أما هؤلاء الكافرون الذين يرفلون منذ القدم في نعم الله فإن الله يقول عنهم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
معشر المسلمين! إياكم واستعمال المقاييس! وإياكم أن تخدعكم هذه النعمة! وأنا حينما أخاف لا أخاف على أولئك المخضرمين الذين عاشوا فترة الجوع والمسغبة والخوف والجوع؛ فإن هؤلاء يدركون نعمة الله عليهم اليوم في كثير من الأحيان -وإن كان كثير منهم قد غير وبدل- ولكني أخشى على هذه الناشئة الجديدة التي ولدت وكما يقول المثل: وفي أفواهها ملاعق من ذهب، لا تسمع إلا عن مئات المليارات من ميزانية الدولة، ثم يظنون أن هذا النعيم كان قديماً، وأنه سيبقى لهم إلى الأبد! معشر المسلمين! احذروا هذا الفهم الخاطئ، واعلموا أن الله يقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]، أي: ندنيهم من العذاب درجة بعد درجة، بطريق لا يدركون أنه من العذاب، وأقرب ما يكون ذلك حينما تكون العقوبة نوعاً من النعيم في ظاهر الأمر.
أيها المؤمنون! استجيبوا لأمر الله، واستقيموا على دينه، واعلموا أن النعمة قد تصيب القوم مع طاعة الله، وقد تكون علامة من علامات الرضا، أو نوعاً من الجزاء العاجل يعجله الله للمؤمنين، يقول سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٧]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٩٦].
стр. 494
أخذ الله تعالى لمن كفر نعمته ولم يشكره عليها
إن علينا أن نشكر هذه النعمة، فلا نستعملها في معصية الله، ولا نقابلها بكفر المنعم ، فلسنا بحاجة إلى معاهد للموسيقى، أو ننفق أموال الله في مثل هذا السبيل؛ فإن الرسول ﷺ يقول: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة).
إن الجهاد في سبيل الله الذي يفتح اليوم ذراعيه للمؤمنين أفضل طريق يجب أن ننفق فيه أموالنا وأموال المسلمين.
فاستقيموا واحذروا سخط الله، وإياكم أن تغركم هذه النعمة، فلقد قص الله علينا أخبار كثير من الأمم كانوا في نعيم أكبر من هذا النعيم، وكان هذا النعيم فتنة، كما في قصة عاد الذين تجبروا في الأرض، وآتاهم الله من النعيم أكثر مما آتى غيرهم من الأمم فقالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٥ - ١٦].
أما قارون فقد قال الله عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، وقد قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٦ - ٧٨]، فيقول الله له: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨].
وكان قد اغتر بهذا النعيم طائفة من قومه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، ولكن العقلاء والمؤمنين يقولون لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * َأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢]، ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
أما بعضهم فلقد يسر الله له كل وسائل المتاع فاغتر وانخدع وتكبر على الله وعلى عباده، فانتقم الله منه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٥ - ٥٦].
ولعلكم تقرءون قصة سبأ، أولئك الذين آتاهم الله من المتاع حتى كان يسير السائر من اليمن إلى الشام في قرى متواصلة تظله الأشجار، فلما كفروا نعمة الله أوقع بهم العقوبة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٥ - ١٧].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 495
شكر النعم سبب لدوامها
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وكلوا من فضله ونعمته، واشكروا له إن كنتم إياه تعبدون.
لقد أمر الله المؤمنين بأن يتمتعوا بما في الحياة الدنيا من المتاع، وبين أنه خلق ذلك من أجلهم، بل خلق الحياة الدنيا والآخرة كل ذلك من أجلهم، يقول : ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
المؤمنون هم مطالبون بأن يقابلوا حق الله بالشكر: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:٦٠]، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١]، ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨].
أما الذين يستغلون نعمة الله ويخونونها، ويستخدمونها في معصيته، فأولئك شر الخلق في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله بأن نقوم بالشكر شكراً عملياً لا قولياً: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وإذا كانت هناك نماذج في الأرض كثيرة استغلت نعمة الله في معصيته فقد أخذها أخذ عزيز مقتدر، كما قص الله علينا قصة سليمان الذي آتاه الله الملك والحكمة، ولكنه أدرك نعمة الله عليه وقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].
معشر المسلمين! إن الذين يستغلون نعم الله في معصيته إنما يعذبون أنفسهم بعقوبة الله في الدنيا قبل الآخرة: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
أما نحن اليوم فإننا نرفل في هذا المتاع العريض، والأمن قد أرخى سدوله في بلادنا؛ بسبب تحكيم شريعة الله ، ويتخطف الناس من حولنا، فلم نؤد في الحقيقة شكر هذه النعمة.
حينما كنا فقراء كنا أطوع لله وأتقى له منا اليوم، أما اليوم فإن أقل ما نتحدث عنه بالنسبة لما حصل في بلادنا التي بليت بهذا النعيم -ولا أقول منحت هذا النعيم- أن اعتمدنا على غيرنا في تربية أولادنا اتخذنا الخادمات الكافرات أو المتمسلمات أو -على أحسن الفروض- المسلمات، واختلطن بنا واختلطنا بهن اتخذنا الصحافة في كثير من الأحيان وسيلة لهدم الأخلاق والفضائل.
حينما كنا في فقر ومسغبة كنا أتقى وأطوع لله ، ونسينا أنه هو الذي يقول لنا: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٢ - ١٣٥].
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عنا معهم، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
اللهم اجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها عليك، وأتمها علينا بفضلك ورحمتك.
اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وعبادك الصالحين أننا ننكر على كل من استعمل نعمتك في معصيتك، فلا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
﴿اتْلُ مَاْ أُوْحِيَ إِلِيْكَ مِنَ الْكِتَاْبِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 496
السبع المثاني
سورة الفاتحة هي فاتحة القرآن، والسبع المثاني، والرقية الشافية، وأم القرآن، وهي التي من أخذ بها هدي ووقي، وفاز برضا الرحمن.
ولفاتحة القرآن معان جليلة، ومقاصد نبيلة، وفضائل عديدة، من أخذ بها أجر، ومن تدبرها ازداد علماً وهدى.
стр. 497
هل البسملة آية من القرآن أم لا ؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد: فهذه الحلقة الأولى من تفسير كتاب الله تحتوي على سورة الفاتحة.
سورة الفاتحة اختلف في البسملة: هل هي آية من السورة، أم أنها زيادة؟ كما أنه قد اختلف في هذه البسملة في كل سورة من سور القرآن، فقيل: إنها آية من الآيات، وقيل: إنها بداية واستفتاح لكل سورة، وليست بآية إلا في سورة النمل، فهي جزء من آية في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، أما من قال: إن البسملة آية من كتاب الله ، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧].
فإذا قيل: إن السبع المثاني هي سورة الفاتحة؛ والقرآن العظيم هو بقية القرآن، وهذا من باب الاهتمام بسورة الفاتحة، فإن الآية السابعة هي البسملة؛ لأنها ست آيات دون البسملة، والآية السابعة هي البسملة، وعلى هذا فتصبح البسملة في سورة الفاتحة أو في أي سورة أخرى آية من القرآن، أي: لا تكون تلاوة كتاب الله إلا بعد هذه البسملة.
стр. 498
أهمية سورة الفاتحة وما ورد فيها من فضائل
سورة الفاتحة لها أهمية عظيمة:
стр. 499
سورة الفاتحة رقية يرقى بها المريض
أولاً: هي للرقية: فقد كان يرقى بها المريض فيشفى بإذن الله ، فهي كافية للرقية، كما في قصة القوم الذين أرسلهم الرسول ﷺ في سرية، فضافوا على قوم فلم يضيفوهم، فجلسوا قريباً منهم، فلدغ سيدهم، فجاءوا إلى هؤلاء القوم وقالوا: هل منكم من راق؟ قال رجل منهم: نعم أنا راق، لكني لا أرقيكم إلا بكذا وكذا من الغنم، فقالوا: أرق سيدنا، فقرأ عليه سورة الفاتحة؛ فزال أثر اللدغة وكأنما نشط من عقال، فأخذوا عدداً من الغنم، وقيل: عددها ثلاثون، وجاءوا بها إلى المدينة، وكأنهم تحرجوا، أي: تحرج بعض الصحابة أن يأكل من هذه الغنم وقد أخذت رقية على كتاب الله ، فلما جاءوا إلى المدينة أخبروا الرسول ﷺ فقال: (وما أدراك أنها رقية؟ اقسموها واضربوا لي بسهم)، أي: أن هذا المال الذي أخذوه على هذه الرقية جائز، فأخذ من ذلك أن سورة الفاتحة كافية للرقية، فتقرأ على المريض أياً كان هذا المرض، وبإذن الله يشفى.
стр. 500
سورة الفاتحة هي السبع المثاني
ثم سورة الفاتحة أيضاً هي كما سماها الله : السبع المثاني، على رأي طائفة من العلماء وهم الجمهور، وقيل: إن المراد بالسبع المثاني: السبع الطوال، ولكن الرأي الأول أرجح، والله أعلم.
стр. 501
سورة الفاتحة ركن في الصلاة
وتمتاز أيضاً سورة الفاتحة بأنها ركن في كل ركعة في كل صلاة، سواء كانت نافلة راتبة أو غير راتبة، أو فريضة؛ فإنها لا تصح الصلاة إلا بقراءة سورة الفاتحة، بدليل قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
وتسمى فاتحة الكتاب؛ لأنها أول سورة في القرآن العظيم، فيبدأ القرآن بسورة الفاتحة.
والعلماء متفقون على أنها لا تصح الصلاة السرية بالنسبة للإمام والمنفرد إلا بقراءة هذه السورة، فالمأموم في الصلاة السرية يلزمه أن يقرأ سورة الفاتحة، واختلف في الصلاة الجهرية إذا لم يترك الإمام فرصة بين الفاتحة وبين السورة الأخرى، وعلى هذا فإن هذا الخلاف واضح، بحيث إن قراءة الفاتحة ركن في كل صلاة، وفي الصلاة الجهرية مع الإمام فإنه اختلف في لو لم يترك الإمام سكتة، فإنه يجوز أن يتركها ويتحملها الإمام، ولكن إذا ترك الإمام سكتة وكانت هناك أية فرصة أو في سكتات الإمام المتقطعة فإنه في مثل هذه الحال لا بد أن تقرأ، واختلفوا فيما إذا لم يترك فرصة، وحينئذ فإنه يلزم أن يقرأها في أي حالة من الحالات، والذين قالوا: تسقط إذا لم يسكت الإمام ولم يترك سكتات، ففي مثل هذه الحال فإنها تسقط عند طائفة من العلماء، أما من استدل بحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وقال: إنها لا تصح أي صلاة إلا بها، فريضة كانت أو نافلة سرية أو جهرية مع الإمام أو بدون إمام منفرداً أو مأموماً، فإنه يقول: لا بد أن تقرأ في أي حالة من الحالات، ولو كان الإمام يقرأ، واستدلوا بحديث أن الرسول ﷺ نهى عن منازعة القرآن، وقال: (إلا بفاتحة الكتاب) أي: في مثل هذه الحال.
وعلى هذا فإن هذه السكتة ولو كانت قليلة يستطيع أن يقرأ فيها المأموم سورة الفاتحة ولو بسرعة، أو يوزعها على السكتات، المهم أنه لا بد أن يقرأها.
أما الذين قالوا: لا يجوز أن يقرأها المأموم إذا كان مع الإمام في صلاته الجهرية، فاستدلوا بقول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
إذاً: سورة الفاتحة تعتبر أعظم سورة في القرآن العظيم، كما أن آية الكرسي أعظم آية، والدليل على أنها أعظم سورة في القرآن: أن الله أثنى عليها، وجعلها منة ونعمة منه على الرسول ﷺ ، كما في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، فالسبع المثاني هي الفاتحة، وسميت مثاني لأنها تتكرر في كل ركعة، فيكررها المسلم عدة مرات في اليوم الواحد، معنى (مثاني) أي: مثنى مثنى، أي: تكرر مرة بعد مرة.
وجعل القرآن كله في كفة، وسورة الفاتحة في كفة، إضافة إلى أنها رقية كما ذكرنا، إضافة إلى أن هذه السورة لا تصح الصلاة إلا بها في أي ركعة من الركعات فرضاً كانت أو نفلاً.
وعلى هذا نعرف أن سورة الفاتحة أعظم سورة في كتاب الله ، بالرغم من قصرها، وقد جاء في الحديث أن الله يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله : حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال الله : أنثى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، قال الله : مجدني عبدي، ثم يقول الله : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)، ويصبح آخر السورة النصف الثاني كله دعاء، في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، آمين.
ولذلك الله يقول بعد ذلك: (ولعبدي ما سأل)، والسؤال هنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
وعلى هذا فإنه يتوقع الهداية من الله لكل من يكرر هذه الفاتحة؛ لأنها لا تقوم الصلاة إلا بها؛ ولأنها هي الركن الأول من أركان الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، فإن أركان الصلاة تبدأ بتكبيرة الإحرام وتثنى بقراءة الفاتحة، فالفاتحة ركن في كل ركعة كما ذكرنا سابقاً.
стр. 502
تفسير سورة الفاتحة
والآن نشرع في تفسير هذه السورة.
стр. 503
معنى الاستعاذة
نبدأ أولاً بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: فمعنى (أعوذ) أي: ألتجئ وأعتصم بالله .
(من الشيطان): المراد بالشيطان كل متمرد من الإنس والجن والطير، فهناك شياطين الإنس، وهناك شياطين الجن، فشياطين الإنس: هم من ضل الطريق من بني آدم، وبدءوا يضلون الناس عن الطريق المستقيمة، وأما شياطين الجن: فالمراد بهم الشياطين من أبناء إبليس، وهم الذين يضلون الناس عن الطريق، ولكن شياطين الإنس والجن كما قال الله : ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، ولذلك فإن الإنسان قبل أن يبدأ أي قراءة، وفي كل حالة ينظر أن الشيطان قد تدخل في أمر من أموره، أو بدأ يسول له، فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، خصوصاً عند بداية القرآن، فإن الله يقول عند بداية القرآن: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، كما في سورة النحل، وعلى هذا فإن معنى (قرأت القرآن) أي: إذا أردت القراءة؛ لأن الاستعاذة تكون قبل القراءة، وعلى هذا فإن المسلم عليه أن يبدأ كل شيء بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
ثم أيضاً هذه الاستعاذة تبعد شياطين الجن، وربما أنها لا تبعد شياطين الإنس إلا حينما تستعيذ بالله منه مباشرة، وربما شياطين الإنس يحتاجون إلى جهد أكبر وهو البعد عنهم.
فعلى المسلم أن يبتعد دائماً عن المتمردين من البشر، وأن يبتعد عن مجالسهم ومخالطتهم، إضافة إلى أنه يستعيذ بالله منهم، كما أنه يستعيذ بالله من شياطين الجن، وعلى هذا فإنك تستعيذ بالله من شياطين الإنس والجن، إلا أن شياطين الإنس يحتاجون إلى زيادة وهي الابتعاد عن مواقعهم، كما قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨].
أيضاً يقول العلماء: الشيطان مأخوذ من (شاط) أو من (شطن)، فإذا كان من (شاط) فمعناه: احترق؛ لأن الشيطان محترق، أما إذا كان من (شطن) فمعناه: البعد، والشطان معناه: الرباط البعيد، فيسمى شطاناً، وعلى هذا فإنه مبعد عن رحمة الله ، فنقول: هو مأخوذ من (شطن) أي: ابتعد عن رحمة الله ، أو من (شاط) بمعنى احترق، والشيطان مبعد عن رحمة الله ، ومحترق، فهو يأخذ كلا المعنيين اللغويين.
و (الرجيم): فعيل بمعنى: مفعول، أي: مرجوم، والشيطان مرجوم بآيات الله ، ومرجوم بالذكر الذي لا يمكن الشيطان من وصول بني آدم، أيضاً الشيطان مرجوم بالنجوم؛ لأن الشياطين كانوا يسترقون السمع قبل بعثة محمد ﷺ ، فيصعد بعضهم فوق بعض إلى أن يصلوا إلى السماء، ويلتقطون من الوحي كلمة واحدة، ويضيفون إليها تسعاً وتسعين كذبة، ثم ينزلون بها فيخبرون بها الكهان، وبعد بعثة محمد ﷺ سلط الله عليهم هذه الشهب التي نلاحظها في السماء تنطلق من النجوم، والله يقول حكاية عن شياطين الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ [الجن:٩]، أي: بعد بعثة محمد ﷺ : ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]، ولذلك فعلى المسلم أن يكثر دائماً من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 504
معنى البسملة
يقول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، فهي كما قيل: آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة، وقيل: إنه يبدأ بها للبركة إن لم تكن آية من كل سورة، وقيل: إنها آية من سورة الفاتحة فقط؛ لأنها هي المكملة للسبع الآيات التي يقول الله عنها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧].
(بسم الله) الباء: للاستعانة، أي: أستعين مبتدئاً بسم الله الرحمن الرحيم.
و (الله، والرحمن، والرحيم): كلها أسماء من أسماء الله الحسنى، وكان أهل الجاهلية ينكرون اسم (الرحمن) من أسماء الله ، فكانوا يكتبون (باسمك اللهم) ويقولون عن (الرحمن): لا نعرف رحماناً إلا رحمان اليمامة، وهو صنم من أصنامهم، وينكرون الرحمن، وإن كانوا يؤمنون بالرحيم من أسماء الله ، ولذلك كانوا يكتبون: باسمك اللهم، ويكرهون كلمة (الرحمن)، ولا يؤمنون بها اسماً من أسماء الله ، ورد الله عليهم في سورة الإسراء بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
ومما يذكر في هذا المقام قصة سهيل بن عمرو ﵁ حين كان مشركاً، حينما أرسله أهل مكة ليعمل صلحاً مع الرسول ﷺ يوم الحديبية، يوم جاء الرسول ﷺ للعمرة ومنعوه من دخول مكة، فأرسلوا سهيل بن عمرو من أجل الصلح، وأن تقف الحرب سنين معينة، وأن يرجع الرسول ﷺ إلى المدينة دون أن يتم عمرته، وأن يحلق رأسه، كما هو النظام الموجود في ذلك الوقت، وهو أيضاً أصبح حكماً شرعياً، ويرجع، فجاء سهيل بن عمرو ﵁ -وكان مشركاً في ذلك الوقت- فجلس مع الرسول ﷺ يكتبون العهود والمواثيق التي اتفقوا عليها، فقال الرسول ﷺ لـ علي: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأننا لا نؤمن بالرحمن، فقام عمر رضي الله غضبان وقال: يا رسول الله! دعني أكسر ثنيتيه، فقال: يا عمر! اتركه، فلما بدءوا قال: اكتب باسمك اللهم)؛ لأنهم لا يريدون كلمة (الرحمن)، وبعد ذلك قال الرسول ﷺ : (اكتب هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله مع سهيل بن عمرو، فقال: لا تكتب رسول الله؛ لأننا لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال: اكتب: هذا ما اتفق عليه محمد بن عبد الله مع سهيل بن عمرو؛ فغضب عمر ﵁ وقال: يا رسول الله! دعني أقطع عنقه، فقال: اتركه يا عمر! فلعله أن يقف موقفاً نحمده عليه).
وفعلاً لما مات الرسول ﷺ وكان سهيل بن عمرو قد دخل في الإسلام وحسن إسلامه، وكان من زعماء أهل مكة الموجودين يوم مات الرسول ﷺ ، وارتد كثير من العرب عن الإسلام، بعد ذلك وقف سهيل بن عمرو ﵁ على باب الكعبة وقال: يا أهل مكة! أنتم آخر من دخل في الإسلام، فلا تكونوا أول من يخرج منه، يقول المؤرخون: فما ارتد واحد من أهل مكة بسبب كلمة سهيل بن عمرو ﵁.
ومعنى (الرحمن): الرحمة العامة، أما (الرحيم) فمعناه: الرحمة الخاصة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، فرحيم على وزن (فعيل) بمعنى: فاعل، أي: راحم، فرحمن ورحيم معناهما متقارب: من الرحمة، ولكن كلمة (الرحمن) أعم لكل الناس، و (الرحيم) خاصة بالمؤمنين، ولذلك يقولون: الرحمن: رحمة عامة، والرحيم: رحمة خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
стр. 505
تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين)
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وفي قراءة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ويوم الدين: هو يوم القيامة والجزاء، فمالك ذلك اليوم هو الله ، والله تعالى هو مالك الدنيا والآخرة، لكن ربما يكون هناك -كما هو معروف- ملك محدود الزمن والملكية لواحد من ملوك الدنيا، أو لأي واحد من عامة الناس، لكن هذا الملك في الحقيقة مدته محدودة أيضاً، لكن يوم الدين هو مملوك لله وحده، وقد جاء في الأثر أن الله يوم القيامة يقول: (﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم﴾ [غافر:١٦]؟ فلا يجبه أحد -حينما يفني هذه الخلائق- ثم يرد الله على نفسه بنفسه ويقول ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]،)، فقد يكون هناك من ملوك الدنيا أو من عامة الناس من يملك شيئاً من هذه الدنيا، لكن يوم القيامة يستقل الله بملكه فلا يملكه أحد سواه .
أيضاً الدين معناه: الجزاء، كما تقول العرب: كما تدين تدان، يعني: كما تحاسِب تحاسُب، أي: مالك يوم القيامة، وهو يوم المحاسبة أو يوم الجزاء؛ لأن يوم الدين هو يوم جزاء وليس فيه عمل، بخلاف أيام الدنيا فإنها أيام عمل وليس فيها جزاء، وقد يكون فيها شيء من الجزاء، فالله قد يعطي شيئاً من الجزاء يعجله لبعض أوليائه في الحياة الدنيا، بخلاف أعدائه، فإن الله يعجل لهم الجزاء كله في الدنيا، فمن عمل عملاً ظاهره الصلاح لكنه بدون نية وبدون إيمان؛ فإن الله يعجل له جزاءه في الدنيا، ولا تبقى له في الحياة الآخرة حسنة واحدة، ولذلك يقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥].
وهذا هو ما نشاهده في عالمنا اليوم حينما نرى أقواماً كفروا بالله ، أو تمردوا على طاعته، أو عصوا، أو أسرفوا في المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، ثم نجد أن الله يمدهم بالأهل والمال والبنين والصحة والعافية، وربما نشاهد بلادهم فيها من الخيرات أكثر مما هو في بلاد المسلمين، وعندهم من النعيم والرخاء أكثر مما في أيدي عباد الله المؤمنين، فلعل السر في ذلك -والله أعلم- أن الله تعالى عجل لهم حسناتهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ﴾ [هود:١٥]، و (نُوَفِّ): أي: نعطيهم أجرهم كاملاً غير منقوص: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦] نعوذ بالله! ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦]، أي: كان باطلاً في الدنيا وحبط أيضاً في الحياة الآخرة، فصنعهم يحبط في ذلك اليوم، وكان باطلاً في الحياة الدنيا لأنه غير مقبول عند الله ؛ لأنه لا يصاحبه الإيمان أو لا تصاحبه المتابعة للرسول ﷺ ، أو لا يصاحبه إخلاص العبادة لله .
وهذا أيضاً هو معنى قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء:١٨]، أي: الحياة الدنيا بعمله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، هؤلاء يأخذون جزاءهم في الدنيا، فيوم دينهم أي: جزاؤهم يأخذونه في الدنيا، أما المؤمنون فإن الله قد يبعد عنهم رخاء الحياة الدنيا، فقد يعيشون فقراء أو محرومين أو معذبين أو مسجونين أو ما أشبه ذلك، ثم نجد أن الله يدخر لهم ذلك في الحياة الآخرة؛ لأن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، بل إن الله يقول: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر:١٥ - ١٧]، يقول: كلا! أي: لا هذا أكرمه ولا هذا أهانه، فإن الإكرام والإهانة هو في الحقيقة في الدار الآخرة، أما في الحياة الدنيا فقد يكرم الله من لا يستحق ذلك استدراجاً أو جزاءً على عمل قدمه في الحياة الدنيا، كأن يبني المدارس، أو يحفر الترع، أو يبني القناطر، أو ما أشبه ذلك مما ينفع الناس لكن بدون نية، فالله تعالى يجعل جزاءه في الحياة الدنيا.
أما المؤمنون فإن الله تعالى وإن عجل لهم شيئاً من ذلك في الحياة الدنيا، لكن الجزاء الأكبر مدخر لهم في الحياة الآخرة، وهذا معنى قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، أي: مالك يوم الجزاء، فهو الجزاء الحقيقي.
كما أن في ذلك اليوم أيضاً جزاء الكافرين والعصاة، فإن كل واحد يأخذ جزاءه في تلك الدار إذا لم يتجاوز الله عن سيئاته، كما يجزي المؤمنين بالجنة في الدار الآخرة، فإنه يجزي الكافرين بالعذاب وكذلك العصاة، إذا لم يتجاوز الله عنهم؛ لأن الكفار مخلدون في النار، وعصاة المؤمنين تحت مشيئة الله وإرادته، فإذا تابوا تاب الله عليهم، وإن ماتوا على معاصيهم فإن الله تعالى قد يعذبهم وقد يعفو عنهم، وإذا عذبهم فإنهم لا يخلدون في النار إذا ماتوا على الدين والتوحيد والطاعة لله ، وإن كانت عندهم ما عندهم من المعاصي ولو كانت كبائر لم يتجاوز الله عنها.
إذاً: قول الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، أي: مالك يوم الجزاء، وعلى هذا فإن يوم الدين ويوم الجزاء هو يوم القيامة، والله تعالى مالك أيام الدنيا ويوم الدين، لكن ملك الدنيا قد يظن أحد من الناس أنه يملك فيه شيئاً، يملك بيته يملك أرضه يملك عقاره يملك أهله وماله وداره يملك الملك دولته ويتصرف هذا التصرف، لكن الملك المطلق يكون في يوم الدين لله ؛ لأنه لا يبقى ملك لأحد في ذلك اليوم إلا من يملكه الله ، كما قال الله عن المؤمنين أنهم يقولون: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤]، وهذا هو التمليك المطلق الدائم، لكنه بتمليك الله ، أما ذلك اليوم فالذي يملكه ويملك التصرف فيه، ويملك أيضاً الجزاء، ويملك من يشاء ويحرم من يشاء هو الله ، ولذلك خص يوم القيامة بقوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
إذاً: الدين معناه: الجزاء والحساب، وهذا دليل على أن الله هو الذي يحاسب الإنسان بنفسه، ويحاسبه بناءً على علمه أولاً، بما فعل الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وما سجلته هذه الصحائف التي سجلت على كل إنسان، كما جاء في الحديث: (إن الله ينشر على عبده يوم القيامة تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، وهي صحائف الأعمال، فيقول الله : أتنكر من ذلك شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ ألك عذر؟ ألك حسنة؟ فيقول الإنسان: لا والله يا رب! فيظن أنه قد هلك، فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنة، إنك لا تظلم، فيؤتى ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فتوضع في كفة، وتوضع تلك السيئات العظيمة كلها في كفة، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات)؛ لأن هذا الإنسان حقق لا إله إلا الله وعمل بمقتضاها.
وعلى هذا فإن الجزاء من عند الله ، والله تعالى هو الذي يحاسب هذا الإنسان، حتى إن الله كما جاء في الحديث: (يحاسب عبده ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -أي: عن شماله- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)، وبالرغم من كثرة الخلائق يوم القيامة فإن الحساب يكون في لحظة واحدة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩٩]، لأنه قد اطلع، وقد أودع الله في هذه الحياة الدنيا شهوداً تشهد على هذا الإنسان: فأولها كما ذكر الله : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس:٦١].
الأمر الثاني: أولئك الملائكة، الذين يقول الله عنهم: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١ - ١٢].
الأمر الثالث: الأرض، فإن الأرض شاهدة على الإنسان؛ لأنه لا يمكن أن يفعل الإنسان شيئاً إلا على وجه الأرض، حتى لو كان في جو السماء، فالأرض مطلعة وتشهد عليه يوم القيامة؛ لأن الله يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤]، قال رسول الله ﷺ : (أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل علي فلان كذا في يوم كذا وكذا، وعمل علي فلان كذا في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها).
أيضاً جعل الله هناك شهوداً آخرين: كالناس يشهد بعضهم على بعض، كما جاء في الحديث: (مرت ذات يوم جنازة فأثنى عليها الناس خيراً، فقال رسول الله ﷺ : وجبت، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال الرسول ﷺ : وجبت، فقالوا: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: الأولى أثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، والثانية أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه).
أيضاً: الشاهد الأكبر بعد الله هو الرسول ﷺ ، فإنه جاء في قول الله في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد
стр. 506
تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد)
ثم قال الله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، هذه الآية تحمل مطلق العبادة والاستعانة بالله ، وأنه ليس هناك عبودية لأحد إلا لله ، وليس هناك معبود إلا الله ، ونأخذ كلمة التوحيد المطلقة من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؛ لأن (إياك) مفعول لنعبد، و (نعبد) فعل مضارع، والفاعل نحن، وتقديم المفعول على الفعل والفاعل مما يدل على الاختصاص، وهذه قاعدة في اللغة العربية: كلما قدم ما حقه التأخير فإنه يدل على الاختصاص، وعلى هذا فإنه يصبح قولنا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، أي: لا نعبد أحداً سواك، ولذلك جاء الضمير منفصلاً؛ لأنه تقدم عن مكانه، وتقدمه للحصر؛ لأنه كلما قدم ما حقه التأخير فيكون حصراً.
إذاً: معنى قول الله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي: لا نعبد إلا إياك، ونأخذ الحصر من تقديم ما حقه التأخير، وعلى هذا فإن هذه الآية بجزئها الأول حصرت العبودية لهذا الإنسان لله وحده، أي: لا نعبد أحداً سواك، وعلى هذا فإنها تحتوي على كلمة التوحيد المطلقة التي لا تقبل أي جدال ولا شك، ولذلك لما أطلق التمجيد لله في تخصيصه بالعبادة، وتخصص هذا الإنسان بالعبودية لله ، قال الله كما في الحديث: (مجدني عبدي)، عند هذه الآية، فالتمجيد معناه: الثناء الكامل وإضافة المجد كله لله .
وعلى المسلم وهو يكررها في كل ركعة من صلاته أو في غير الصلاة أن يفهم حقيقتها، فإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، فلا يحني ظهره لغير الله ، ولا يطأطئ رأسه لغير الله ، ولا يضع أشرف عضو من أعضائه -وهو الوجه- على الأرض إلا لله .
وعلى هذا فإن الله في مثل هذه الآية خص نفسه بالألوهية، ولذلك يرفضها المشركون؛ لأنهم يعبدون آلهة الكفر مع الله ، ولو قالوا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فإنهم يقولون: نعبد الآلهة الأخرى مع الله التي تقربنا إلى الله زلفى، ولذلك فإنهم يرفضون (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأنهم يعرفون أن معناها: لا نعبد أحداً سواك، وهم مضطرون -كما يظنون في قرارة نفوسهم الضالة- أنهم لا بد أن يضعوا هذه الآلهة واسطة بينهم وبين الله ، كما في قوله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
أما إذا تفهمت يا أخي الكريم! (إياك نعبد)، فإنك تفهم أن معناها الحقيقي: لا يمكن أن يكون هناك معبود غير الله ، ولا هناك عابد لله يعبد مع الله غيره، ونحن نرى أو نسمع أن هناك عشرين ألف ضريح يعبد من دون الله في هذا العالم، وقد رأيت كثيراً منها يحج إليها طائفة من الناس، ويتمرغون حول هذه القبور، ويطوفون بها، ويسألونهم الحاجات من دون الله ، ويقولون: إنها تقربنا إلى الله زلفى، كما قال المشركون الأولون، إلا أنهم يغيرون اللفظ فقط ويقولون: هذه ترمز إلى رجال صالحين، وهذه قبور أناس صالحين نرجو شفاعتهم يوم القيامة، والحقيقة أن هذا يشبه إلى حد بعيد بل لا يختلف أبداً عن قول المشركين الأولين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، والله لا يحتاج إلى واسطة، فمجرد ما يرفع يديه هذا الإنسان إلى السماء، أو يقول: الله أكبر في الصلاة؛ ينفتح الحجاب بينه وبين الله ، ويسأل الله من خيري الدنيا والآخرة دون أن يحتاج إلى وساطة؛ لأن الله لا يريد أن يسأل بجاه أحد، أو بصلاح صالح، أو بأي شيء آخر، وأن يجعل بينه وبين الله واسطة.
وعلى هذا: فإن أصحاب الأضرحة والقبور في أيامنا الحاضرة ضلوا الطريق حينما يقولون: هؤلاء الصالحون نرجو شفاعتهم في الآخرة، وأشبهوا المشركين الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
وربما يكون هذا الكلام -في بلادنا هنا والحمد لله- قد لا يفهمه كثير من الناس، لاسيما الذين لم يسافروا خارج هذه البلاد، فإن بلادنا هذه -والحمد لله- حرسها الله تعالى بدعوة سلفية منذ مئات السنين، دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، التي جددت لنا دعوة التوحيد التي جاء بها محمد ﷺ ، حينما اتفق مع أمير هذه البلاد محمد بن سعود رحمة الله عليهم أجمعين، فتعاهدوا على كلمة التوحيد، وهدمت القبور والأضرحة كلها، فبلادنا -والحمد لله- خالية تماماً إذا لم نذكر ما يوجد من القلة الذين يأتون من بلاد انتشرت فيها الوثنيات والشركيات في بلادهم، ثم يذهبون إلى قبر الرسول ﷺ ، فقد يأتون بشيء من الشركيات التي نسأل الله أن يوفق المسئولين -وهم ما زالوا يحاربونها- أن يزيدوا في محاربتها؛ لأن مكة والمدينة -حرسهما الله تلتقي فيهما عدة حضارات من حضارات العالم، كما تلتقي فيها جنسيات العالم، فيأتي أناس يحملون هذه الفكرة التي هي في بلادهم، وربما يقول أحدهم في بلادنا هنا حينما يصل إلى مكة والمدينة: إذا كنا هناك نعظم ونقدس أناساً عاديين فأولى بهذا التعظيم وهذا التقديس الرسول ﷺ ، فربما يأتون بشيء من شركياتهم، وهذا هو ما نشاهده في بعض الأحيان حول قبر رسول الله ﷺ ، وفي مسجد الرسول ﷺ ، التي هي مركز التوحيد سابقاً.
لكن -والحمد لله- نجد في سلطتنا الخير الكثير، فهم ما زالوا ولم يزالوا وسيستمرون إن شاء الله على محاربة هذا الفكر الذي يرد ويأتي به أناس ربما لا يفهمون الحقيقة الواقعية في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى أن بلادنا لا يوجد فيها الشرك، خصوصاً هذه المناطق التي نعيش فيها نحن هنا في نجد وما حولها؛ لأنها بلد انتشرت فيها قاعدة التوحيد والحمد لله، وجددها المجددان محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود رحمة الله عليهما، فنشكر الله على هذه النعمة، ونسأل الله أن يزيد المسئولين في هذا البلد إيماناً ويقيناً وتوحيداً، وأن يثبتنا وإياهم على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
стр. 507
تفسير قوله تعالى: (وإياك نستعين)
قال تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فكما أنه قد خص بالعبودية فإنه خص أيضاً بالاستعانة، (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، أي: لا نستعين إلا بك، ونقول فيها من الناحية اللغوية كما قلنا في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): قدم مفعول (نستعين) وهو (إياك)، والفاعل مستتر، وتقديم ما حقه التأخير يدل على نفس المعنى السابق في (إياك نعبد)، أي: لا نستعين بأحد سواك، وعلى هذا فإن الاستعانة تعتبر جزءاً كبيراً عظيماً حساساً من أجزاء العبودية لله ، أي: فلا نصرف نوعاً من العبادة؛ لأن الاستعانة بغير الله أو بمخلوق من المخلوقين في أمر لا يقدر عليه إلا الله أمر لا يجوز، وهو أيضاً يخل بجانب التوحيد، بل يقضي على التوحيد.
وعلى هذا نقول: الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه وهو حي فلا بأس أن تستعين به وتقول: يا أخي! ساعدني في كذا، أما إذا كان ميتاً فلا تجوز الاستعانة به بأي حال من الأحوال؛ لأن الميت هو بحاجة إلى الحي، حتى الرسول ﷺ لا نستعين به بعد موته، وإذا ذهبنا إلى قبره ﵊ فإننا نسلم عليه بعد أن نزور مسجده، فنقف عند قبره نسلم عليه ولا نستعين به، وإنما نصلي ونسلم ونثني عليه بما هو أهله ﵊، ونسأل الله شفاعته في الآخرة، لكن لا نسأله شيئاً، وهو أقدر الخلق في حياته ﵊ على كل شيء، وقد هدانا الله تعالى بسببه، لكنه بعد موته لا يستطيع أن يقدم لنا أي خدمة أو أي معونة مادية، إلا أن نتبع سنته ونموت على ملته، ونسأل الله الثبات على ملته.
هذا هو الأمر الذي نستفيده منه، بل هو ﷺ بحاجة إلى أن نصلي عليه، والصلاة على الرسول ﷺ معناها الدعاء، إذاً: هو بحاجة إلى دعائنا ﵊ بعد موته، ونحن بحاجة إلى الله مباشرة بحيث لا نستعين إلا بالله ، فكيف إذاً بمن يستعين بالأموات الذين أصبحوا رفاة ويذهبون إليهم ويقولون: يا فلان! أعطني كذا؟! تذهب المرأة التي لا تحمل -نعوذ بالله- فتجلس عند صاحب الضريح، سواء كان تقياً أو براً أو فاجراً وتقول: أنا لا أحمل! تسأله وكأنه أصبح إلهاً مع الله ، وهو لا يملك لها ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً؛ بل إن الأموات ونحن نمر بقبورهم نسلم عليهم وندعو لهم، فكيف يدعو هذا الإنسان المصاب ويذهب إلى ميت؟! ألا يفر إلى الله ؟! فيذهب هذا المريض إلى صاحب هذا القبر ويقول: أعطني الصحة والعافية! عياذاً بالله! وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف:١٩٤]، وعلى هذا فإن كل ميت لا يمكن أن يساعد حياً، وكل حي قد يستطيع أن يساعد، لكن فيما لا يقدر عليه لا يجوز أن نسأله، كأمور الآخرة، أو مغفرة الذنوب وما أشبه ذلك، ولو كان حياً، أما الميت فإنه لا يجوز أن نعطيه شيئاً من الدعاء، أو نسأله حاجة من الحاجات؛ لأنه أصبح تراباً، وهو أيضاً رهين في قبره بما قدمه في حياته الدنيا، فقد يكون من أهل السعادة، وقد يكون من أهل الشقاوة، وقبره إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، حتى لو فني جسمه فإن روحه باقية، وهي التي تعود إلى مكانها يوم يأذن الله ببعث الخلائق.
إذاً: هذا هو معنى قولنا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، أي: لا نعبد إلا أنت يا رب، ولا نستعين إلا بك، لكن ذلك لا يمنع أن تستعين بحي في أمور محدودة يستطيع عليها، وتطلب منه المساعدة والعون، لكنك حينما تطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ، أو تطلب هذا الأمر من ميت أياً كان هذا الميت؛ سواء كان من المرسلين أو من عامة الناس، فإنك في الحقيقة تطلب المستحيل؛ لأن هذه الأمور لا يملكها إلا الله ، والرسول ﷺ وإن كان حياً حياة برزخية في قبره كما نؤمن بذلك، إلا أنه ميت ﵊، بخلاف ما يقوله غلاة الصوفية والمارقون: أن النبي ﷺ حي، ويقولون: محمد خلق من نور، وليس له ظل، وهذا كله في الحقيقة كفر بالله ، وكفر بما جاء من عند الله ، وما جاء عن الرسول ﷺ ، فالله تعالى أخبر بأنه ميت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، أي: ستموت: ﴿أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، إذاً: الموت يقع عليه كما وقع على جميع الأنبياء، والخلاف في الذي لم يمت في الحقيقة هو عيسى ﵊، كما دل القرآن عليه حيث قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، علماً أن طائفة من المفسرين يقولون: قوله: (إني رافعك إلي) فيه تقديم وتأخير في المعنى لا في اللفظ، أي: رافعك ومتوفيك، فالله رفعه إلى السماء وتوفاه، ويوم القيامة قبل أن تقوم الساعة حينما يخرج المسيح الدجال ينزله الله إلى الأرض، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب كما جاء في الحديث.
إذاً: موت الأنبياء موت حقيقي، لكن حياتهم برزخية، وقد حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم كما جاء ذلك في الحديث، أما الموت فإنه كتبه الله على كل كائن حي بما في ذلك المرسلون عليهم الصلاة والسلام، وفي يوم القيامة يموت كل شيء حتى الملائكة، وآخر من يموت حملة العرش بعد أن يموت ملك الموت، ويفني الله هذا العالم كله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، فالذين يقولون: محمد غير ميت وهو حي، هم في الحقيقة يكفرون بالقرآن، ويكفرون بما جاء به الرسول ﷺ من عند الله من الكتاب والسنة، ويكذبون الرسول ﷺ في بشريته حينما قال: (ألا أنما أنا بشر)، فلم يخلق من نور، وإنما خلق من لحم ودم، وهذا معنى بشر، وليس هو أول المخلوقات؛ لأن أول مخلوقات البشر هؤلاء هو آدم ﵊، كما أخبر الله : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠].
وكل هذه من شطحات الصوفية الذين ضلوا الطريق، وأضلوا كثيراً من الناس في أيامنا الحاضرة وعبر سنين طويلة، وسوف يسألون يوم القيامة بين يدي الله عن كل من ضل على أيديهم، وعن كل ما افتروه على الله ، وكذبوا به رسوله ﷺ ، بالرغم من أنهم يزعمون أنهم يحبون الرسول ﷺ أكثر من غيرهم.
وعلى هذا نفهم قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، أن الاستعانة أيضاً كالعبودية، وهذا نفهم منه أن الاستعانة نوع من العبادة، بل هي جزء مهم من جزئيات العبادة؛ لأن الله ذكرها بعد العبودية مباشرة، وبالرغم من أنها جزء من جزئيات العبودية إلا أنها أصل من أصول العبودية لله ، الرسول ﷺ يقول: (وإذا استعنت فاستعن بالله)، لا تسأل غير الله ، وذلك كله مرتبط بقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، أي: الاستعانة يجب أن تكون لله وحده لا شريك له.
стр. 508
تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)
ثم بعد ذلك بدأ الدعاء الذي يقول الله عنه: (ولعبدي ما سأل)، في قوله تعالى في النصف الثاني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، و (اهْدِنَا) لا بد أن تقرأ بهذا اللفظ؛ لأن هناك من العامة من يقرؤها: (أَهدنا) نعوذ بالله! وهذه القراءة تزيل اللفظ رأساً على عقب، وهي أيضاً تحريف في كتاب الله ، ولا يعذر الإنسان في ذلك، بل يجب أن يتعلم سورة الفاتحة من أولها إلى آخرها، بحركاتها وسكناتها، فإن من قرأ: (أهدنا) فيكون المعنى من الهدية، فالصلاة تعتبر غير صحيحة، سواء قرأها الإمام أو قرأها المنفرد أو المأموم، فلا بد أن يقرأها بهذا اللفظ: (اهْدِنَا)؛ لأن (اهْدِنَا) من الهداية، وهنا المطلوب الهداية، ومعنى (اهْدِنَا) أي: دلنا على الصراط المستقيم، ولا شك أن الذي يقرؤها ممن دله الله على الصراط المستقيم، فكيف يقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وهو ما وقف يصلي بين يدي الله إلا بعد أن اهتدى إلى الصراط المستقيم؟ فنقول: إن لها معنيين: أي: دلنا على الصراط المستقيم، وإذا اهتدينا إليه ثبتنا عليه، ويكون معنى (اهدنا) بالنسبة للمسلم وهو يقرؤها أي: اهدنا إليه هداية تامة مطلقة؛ لأن هناك من يزعم ويظن أنه على الصراط المستقيم، لكنه ضل الطريق، كما قلت لكم في غلاة الصوفية الذين انحرفوا عن الطريق، وكما يوجد في العلمانيين في هذا العصر، يقولون: إن هذا الدين دين عبادة، والقرآن نزل للعبادة، والمسلم مكلف بالعبادة فقط من عند الله ، أما بالنسبة لأنظمة الحياة فيقول هؤلاء العلمانيون: هذه ليست لله وإنما هي للبشر، هذا لله وهذا لشركائهم، ولذلك يرون أن هذا الدين لا يتدخل في أنظمة الحياة: لا في الأنظمة الاقتصادية، ولا في الأنظمة السياسية، ولا في الأنظمة الأخلاقية، ولا في الأكل ولا الشرب ولا اللباس، إنما يقول هؤلاء العلمانيون قاتلهم الله: إن معنى هذا الدين أن تذهب إلى المسجد تصلي إذا جاء وقت الصلاة، وتصوم إذا جاء رمضان، وتحج إذا جاء الحج وتعتمر إلى غير ذلك من العبادات، أما أموال الناس ومعاملاتهم وسلوكهم وحكمهم وسياستهم فيقولون: لا يتدخل الدين في ذلك، فهذا منهج العلمانيين.
أما الصوفية فإنهم يصرفون أنواعاً من العبادة لغير الله ، ويبدأ ذلك من البدع والعياذ بالله! والبدع كما قال الرسول ﷺ في كل خطبة جمعة: (كل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وعلى هذا: فإن أي بدعة فإنها تعتبر ضلالة في الحقيقة، وعلى هذا فإن المسلم مطالب بأن يسأل الله دائماً الهداية، فإذا كان ذلك الإنسان ضالاً وهو يسأل الله الهداية ويقول: أنا مهتدي، وهو ضال في الحقيقة، كما ذكرت عن هؤلاء الذين يزعمون أنهم على الصراط المستقيم، فهؤلاء أشد الناس فتنة يوم القيامة، وهم في الدنيا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً قال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤]، وأخبر الله عنهم في مكان آخر بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩].
فهؤلاء الذين يعبدون الله على غير بصيرة أو بدون قاعدة التوحيد، أو المنافقون أو من كانت عندهم شطحات عظيمة تخرجهم من الملة: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤]، و ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]، و (السراب) معناه: الشيء الذي يرى في شدة الحر وكأنه ماء للعطشان، فيركض وراءه، وكلما قرب ابتعد، والحقيقة أنه ليس ماءً، وإنما هو فقط أمام عينيه، وهكذا أعمال هؤلاء القوم الذين يحسبون أنهم على حق وهم على ضلال، ولذلك يروى أن علياً ﵁ كان يسير في الطريق ذات يوم في صحراء، فمر بدير من أديرة اليهود فنادى، فأطل عليه راهب كانت الدموع تسيل على لحيته، فلما رآه علي ﵁ قال: صدق الله العظيم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية:٢]، أي: في الدنيا، ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤]، أي: في الآخرة، فلا ينفع مثل هذا إيمانه؛ لأنه يبكي على غير منهج صحيح، ولذلك نلاحظ كثيراً من الناس يصرفون وقتاً كبيراً للعبادة، لكن هذه العبادة إما مبنية على قاعدة البدعة أو الشرك بالله ، أو عمل ليس على المنهج الذي جاء به محمد ﷺ ، ليس صواباً غير مقبول.
ولذلك المسلم يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، فيطلب الهداية إن كان عنده شيء من الأخطاء التي تضله عن الطريق أو هناك من يضله، يسأل الله تعالى أن يهديه، ثم يسأل الله الثبات أيضاً على ذلك، أي: ثبتنا على الصراط المستقيم؛ لأن الهداية هي دلالة وثبات، فالله تعالى هو الذي يدل الإنسان على الطريق المستقيم، وقد يضل أذكى الناس كما نشاهد في أيامنا الحاضرة، فإن الذين صنعوا الكمبيوتر والأجهزة الدقيقة، وصعدوا في الفضاء، ووصلوا إلى القمر، وغاصوا في أعماق الأرض، واكتشفوا أشياء دقيقة جداً، ما هداهم الله إلى هذا الطريق المستقيم؛ لأن الله لا يهدي إلا من يريد، والهداية لا تقوم على الذكاء، أو على الآباء والأمجاد، أو أبناء الذوات أو ما أشبه ذلك، وإنما تقوم على توفيق من الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، ولذلك المسلم يكررها في كل ركعة، وفي غير الصلاة أيضاً: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
وهذا دعاء يطلب من الله وإن كان أمراً في ظاهره، لكنه لا يكون من الأقل للأعلى إلا دعاء، فالأمر له عدة حالات: فإذا كان من الأعلى أو من المساوي قد يكون أمراً، لكن إذا كان من الأقل إلى الأعلى فمعناه دعاء وتضرع بين يدي الله ، وطلب من الله الهداية والثبات، وعلى هذا فإن معنى قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، أي: ثبتنا عليه، سؤال من الله أن يثبتهم على الصراط المستقيم.
والمسلم دائماً عليه أن يتأكد من صحة المسار، ومن تأكده أن يكثر من قول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، بل إذا قالت له نفسه شيئاً من الغرور، يسأل الله الثبات، وإن لم تقل له نفسه شيئاً من هذا الغرور فالرسول ﷺ وهو أفضل الخلق وأحسنهم عملاً وإخلاصاً ومتابعة لأوامر الله كان دائماً يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، ونحن أولى بأن نقول ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ولم يقل: أسلموا، وإنما قال: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وجاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -يعني: قرب الأجل- فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، وقال الرسول ﷺ أيضاً في أهل النار: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -أي: فيما يظهر للناس- فيسبق عليه الكتاب -أي: يقرب الأجل- فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، ويأتي إذا قرب الأجل ما قدره الله له في اللوح المحفوظ، نسأل الله الثبات، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، فهو في طول حياته -نعوذ بالله- ضال، لكن الله أراد له الهداية وحسن الخاتمة، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) نسأل الله الثبات والموت على الملة.
قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، أي: ثبتنا عليه، وهذا الثبات هو الذي يحرس هذا الإنسان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وكم نرى من الناس من هو على صلاح وتقى، ولكن الله أراد له الضلالة وسجل عليه الشقاوة في جبينه يوم كان في بطن أمه وفي اللوح المحفوظ؛ لأن أول ما خلق الله القلم فقال له: (اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، فكتب ذلك كله في اللوح المحفوظ، فنرى صلاحاً وتقى في إنسان، ثم إذا به ينحرف نعوذ بالله! وقد نرى والحمد لله ما هو أكثر من ذلك في أيامنا الحاضرة، أناساً رأيناهم في ضلال، حتى إذا جاء الله بهذه الصحوة الإسلامية المباركة، وهذا الاتجاه الطيب، وجدنا أن هؤلاء والحمد لله أصبحوا في مقدمة الصالحين، وقد يكونون أبناء أناس فسقة ومن الله عليهم بالهداية، لاسيما في هذا العصر الذي أثلج -والحمد لله- صدور المؤمنين ما نشاهده من اتجاه إلى دين الله ، نسأل الله لهم الثبات والاتزان والانضباط، حتى لا يتعدوا الحدود التي شرعها الله .
стр. 509
معنى الصراط المستقيم
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، الصراط المستقيم: هو طريق الجنة، وطريق الإسلام قبل ذلك، وسمي صراطاً لأن الصراط معناه: الطريق، والمستقيم معناه: الذي لا ينحرف، وقد فسرت هذه الآية الآية الأخرى في آخر سورة الأنعام، وهي قول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣]، الذي هو دين الإسلام وطريق الجنة، ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ومعنى السبل أي: الطرق الأخرى، والرسول ﷺ لما قرأ هذه الآية في سورة الأنعام في آخرها خط خطاً طويلاً مستقيماً وقال: (هذا صراط الله -يعني: الذي يوصل إلى الجنة- وعليه داع يدعو إليه)، خطوطاً منحرفة يميناً ويساراً وقال: (هذه هي السبل، وعلى كل واحد منها شيطان).
ولذلك يقول العلماء: إنه كلما جاء الصراط المستقيم أو دين الإسلام أو الطريق الموصل إلى الجنة جاء بلفظ المفرد، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣]، وأما إذا جاءت الطرق المنحرفة فإنها تذكر بلفظ الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]؛ لأن طرق النار كثيرة نعوذ بالله! وطريق الجنة واحد، ليس هناك في الجنة إلا طريق واحدة، وهي طريق الإيمان والتوحيد والمتابعة للرسول ﷺ ، والمرسلين قبله قبل أن تنسخ أديانهم.
وعلى هذا فإن هذه القاعدة مطردة، كلما جاء الصراط أو السبيل بلفظ الجمع فالمراد به طرق النار نعوذ بالله! والطرق المنحرفة، كما رسم الرسول ﷺ ، وكما جاء في هذه الآية، ولكن ورد في قول الله في آخر آية في سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فلم تأت حسب ما أعرف (سبل) مجموعة إلا في هذه الآية، وهي من سبل الطريق المستقيم، قال بعض العلماء عنها: (سبلنا) أي: الطرق التي تنتهي بطريق واحدة، فكأنها ممرات تنتهي بطريق واحدة، وهي طريق الجنة وهو الصراط المستقيم، ولذلك فإن السبل وإن تعددت إذا كانت تنتهي بطريق واحدة فهي طريق الجنة؛ كما جاءت في آخر آية من سورة العنكبوت.
ولذلك فإننا نجد أيضاً أن هذه السبل -كما أخبر الرسول ﷺ على كل واحد منها شيطان، وهؤلاء الشياطين منتشرون من شياطين الإنس والجن في أيامنا الحاضرة، وفي كل عصر من العصور، يدعون الناس إلى هذه السبل المنحرفة، وكما جاء في الحديث نفسه الذي ذكرته: (أن على كل واحد منها شيطاناً)، وهذا الشيطان قد يكون من شياطين الإنس، وقد يكون من شياطين الجن، وقد يكون من الجميع، قال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وهذا نجده في هؤلاء المنصرين والمهودين في أيامنا الحاضرة، أو نجده في الذين يدعون الناس إلى الضلال ولو كانوا من أبناء المسلمين، ومن أبناء جلدتنا، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
ولذلك فإن المسلم مطالب أن يكون على المنهج المستقيم، وأن يكون متبعاً لا مبتدعاً، ثم أيضاً المسلم مطالب بأن يسأل الله الثبات على ذلك، وعليه أن يبحث عن أفضل فرقة، وأفضل أمة، فيضم صوته إلى صوتها، ويضم نفسه إلى مجموعتها؛ حتى لا يضل الطريق، ولذلك أخبر الرسول ﷺ في حديث رواه حذيفة بن اليمان قال: (كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني - ثم قال في آخر الحديث:- دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال حذيفة: قلت: صفهم لنا يا رسول الله! قال: قوم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قال: فقلت: يا رسول الله! فماذا تأمرنا إن أدركنا ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم، قال: فقلت: يا رسول الله! وإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: اعتزل تلك الفرق ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).
وعلى هذا يا أخي الكريم! فإن على المسلم أن يتقي الله ، وأن يبحث دائماً عن الصواب، وعن الطريق المستقيمة في هذا الأمر، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، إذاً تسأله الثبات على دين الإسلام، وهذا الطريق كما أخبر الرسول ﷺ بأن أوله في الدنيا، وهو طريق الاستقامة، وآخره في الجنة، نسأل الله أن نسلكه جميعاً، وأن يهدينا إليه، وأن يجنبنا السبل الضالة حتى لو كان يتقمصها ويتبناها من أبناء جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا.
стр. 510
تفسير قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)
ثم وضح الله هذا الصراط المستقيم فقال : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، ومعنى (صراط): أي: طريق، و (صراط) هنا بدل من الصراط، ولذلك نجد أنها منصوبة كما نصبت الصراط، لكن تلك بـ (أل) وهذه مضافة؛ لئلا تجتمع (أل) والإضافة، أي: طريق الذين أنعمت عليهم، والمراد بالذين أنعم الله عليهم: هم المؤمنون، فالله أنعم على المؤمنين، وأضل الكافرين عن هذا الطريق.
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، أي: من عباد الله المؤمنين، وهذه النعمة المراد بها نعمة الإسلام، وليس المراد بها نعمة المادة فقط التي يسألها ويطلبها ويسعى إليها كثير من الناس، فنعمة الإسلام هي أكبر نعمة، وأكبر ما من الله به على واحد من الناس أن هداه لهذا الدين، ولذلك أخبر الله فقال: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، أي: أنعمت عليهم بالهداية، وأنعمت عليهم بالتوفيق، وقد ضل عن هذا الطريق أناس كثر، ولذلك قال هنا في أولها: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وأخبر بأن هؤلاء الذين هداهم الله هم الذين أنعم الله عليهم، كما قال الله في سورة النساء: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩]، أي: نعمة الهداية في الدنيا، ونعمة الجنة والدرجة العالية في الحياة الآخرة، ولذلك قال الله : (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، أي: نعمة سابغة، وهي أعظم نعمة، فنعمة المال والأهل والولد كل هذه في الحقيقة تعتبر نعمة، لكنها وإن كانت نعمة في الحقيقة إلا أنها نعمة دون النعمة الكبرى، فالنعمة الكبرى هي هداية الإسلام، وما أنعم الله على أحد أفضل وأكثر مما أنعم به في الهداية إلى الإسلام، وهذا معنى قوله تعالى: (أنعمت عليهم) وهم المسلمون.
стр. 511
تفسير قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
ثم بين أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم هم المسلمون، والدليل أنهم مسلمون أن الله تعالى قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، والمغضوب عليهم: هم اليهود، والضالون: هم النصارى، وكل من غضب الله عليه من المسلمين فإنه سلك مسلك اليهود، وكل من ضل الطريق بعد الهداية والتوفيق من الله فإنه يعتبر من الضالين في حساب النصارى، وإن كان المغضوب عليهم في الأصل هم اليهود، والضالون هم النصارى.
وكلمة (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، تدل على أن المغضوب عليهم أشد خطراً وسوءاً وإجراماً من الضالين؛ لأن الإنسان إذا ضل الطريق هو في الحقيقة ترجى له الهداية، لكن الذي يغضب الله عليه فإنه يعتبر أسوأ الناس؛ لأن الله غضب عليه وقال: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة:٦٠]، فالمغضوب عليهم: هم اليهود؛ بدليل هذه الآية التي في سورة المائدة: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٦٠].
وسمى اليهود مغضوباً عليهم؛ لأن كتبهم السماوية التي نزلت على أنبيائهم كلها تذكر صفة محمد ﷺ ، ولكنهم كانوا ينتظرون قبل بعثة الرسول ﷺ أنه سيبعث، ويعدون العرب في مكة والمدينة، كانوا يخبرون أهل المدينة بأنه سيبعث رجل من العرب هذه صفاته، وهذا اسمه إلى غير ذلك، فلما بعث محمد ﷺ كفروا به، ولذلك يقول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:١٠١] وهم اليهود، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٠١]، وكذلك النصارى معهم: ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٠١]، الذي هو التوراة والإنجيل الذي جاء بصفات محمد ﷺ ، نبذوا حتى كتبهم وراء ظهورهم وكفروا به؛ لأنه أخبر عن محمد ﷺ ، ولذلك غضب الله تعالى عليهم وتوعدهم بالنار، بل جعلهم أشر أنواع الكفار، كما في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢].
علماً يا أخي الكريم! أن هذه الآية لا تدل على أن النصارى إخوة للمسلمين، كما يقول بعض المارقين -نعوذ بالله- أنهم أهل كتاب سماوي، وأنهم لا يكفرون، فإن تكفيرهم أمر مطلوب، ومن لم يكفرهم فقد كفر بالله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، لكن هذه الآية تدل على أن اليهود أشد عداوة وأخطر على الإسلام من النصارى، ولكن العداوة مشتركة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فالعداوة موجودة من الجميع، إلا أن التفضيل هنا يزيد اليهود عداوة، ولكن النصارى أعداء أيضاً.
وكما نشاهد في عالمنا اليوم كيف أن النصارى الآن يقفون في وجه هذا الدين كما وقف اليهود، وهم الآن يدمرون بلاد المسلمين، ويدمرون اقتصادهم وأخلاقهم فيما يبثونه في بلاد المسلمين من هذه المحرمات إلى غير ذلك.
واليهود والنصارى يشتركون في العداوة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، لكن في الحقيقة العداوة عند اليهود أشد، ولذلك سماهم الله تعالى مغضوباً عليهم، وقدمهم في الذكر هنا مقابل المؤمنين، ولكنه ذكر بعد ذلك النصارى فقال: (وَلا الضَّالِّينَ)، أي: لا هؤلاء ولا هؤلاء، والمراد بالضالين: النصارى، وليس معنى ضالين أنهم ضلوا الطريق، وأنهم ما بلغتهم الرسالة؛ لأن الذي لم تبلغه الرسالة لا يحاسب، والله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فمعنى: ضالون أي: ضلوا الطريق على بصيرة، هذا هو معنى ذلك، لكنهم أقل خطراً من اليهود، وأقل جرماً من اليهود.
وعلى هذا فإننا نعتبر أن الطريق المستقيم هو طريق واحدة، أما الطرق المنحرفة فهي لليهود والنصارى وأصحاب البدع والخرافات والوثنيين، وغيرهم من أصحاب الملل حتى من أصحاب الدعوة من الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ، ففيهم ضالون كما قال الرسول ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، أي: أمة الدعوة والبلاغ الذين بعث الرسول ﷺ لبلاغهم، على ثلاث وسبعين فرقة، بل قد يكون بعضهم ممن يحمل الهوية الإسلامية، فنجد أن العلمانيين يحملون الهوية الإسلامية، ونجد أن غلاة الصوفية يحملون الهوية الإسلامية، وأصحاب القبور يحملون الهوية الإسلامية والاسم الإسلامي، لكن ذلك كله لا ينفعهم؛ لأن الإسلام ليس دين هوية وإنما هو منهج عمل.
وعلى هذا فإننا نستعيذ بالله تعالى في كل صلاة من منهج اليهود والنصارى، ثم إذا أكملنا الفاتحة نقول: (آمين)، و (آمين) ليست آية من القرآن، وليست آية من الفاتحة، ومعناها: اللهم استجب؛ لأن آخر سورة الفاتحة يعتبر دعاءً، والله تعالى يقول: (ولعبدي ما سأل)، فنقول: (آمين) أي: اللهم استجب؛ لأن آمين اسم فعل أمر بمعنى: استجب يا ربنا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 512
أثر الذنوب والمعاصي
للذنوب آثار وخيمة على الفرد والمجتمع، فما نزل بلاء، ولا منع عطاء إلا بذنب، وما حلّ قحط إلا بذنب، ولا وقعت نكبة إلا بذنب، ولا خيم ذل على أمة من الأمم إلا بسبب الذنوب، فاتق الله أخي المسلم! وخلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها عل الله أن يرفع عنك وعن أمتك البلاء.
стр. 513
مقدمة عن أثر المعاصي على الأمم
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله الذي ينذر ويعذر، ويبين لنا أسباب الخير والسعادة وأسباب البلاء والشقاوة، حتى لا نضل السبيل، هو الذي ذكر النار في سورة الرحمن وما فيها من العذاب ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]؛ لأن بيان العذاب في الدنيا نعمة من الله .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحكم الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين أجمعين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء، وجزاه خير ما يجزي به نبياً عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
وبعد: إن للذنوب خطورة في حياة البشرية، وذلك شيء نجده في القرآن العظيم، قال الله : ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٠].
وحينما يذكر الله عقوبة أمة من الأمم في القرآن العظيم يقول بعد ذلك: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] أي: وقوعها على ظالمي هذه الأمة ليس بعيداً.
ولولا دعوة رسول الله ﷺ لهذه الأمة لحل بها البلاء العام، ولكن الله قد وضع في عنق كل فرد من أفراد هذه الأمة مسئولية تبليغ هذا الدين جيلاً بعد جيل، فاستجاب الله دعوة رسوله ﷺ أن لا يهلك أمته جميعاً.
أما المعاصي فإنها محارم الله، والرسول ﷺ يقول: (وحد حدوداً فلا تعتدوها) والله يغار على محارمه أكثر مما يغار أي واحد منا على محارمه؛ لأن الله له غيرة أعظم من غيرة أي واحد منا على محارمه، ولكن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولذلك يقول : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
أيها الأخ الكريم! من هنا يجب علينا أن نقف ملياً في قصص القرآن العظيم؛ لنرى ماذا فعل الله بالظالمين وأصحاب المعاصي والملاحدة والطغاة والمتجبرين الذين عتوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد.
ولقد سأل عثمان بن عفان ﵁ أعربياً فقال: يا أعرابي! أين الله؟ فقال الأعرابي: بالمرصاد.
فقال عثمان: (والله لقد سمعتها من فم هذا الأعرابي ولها وقع).
من هذا المنطلق يجب علينا أن نقف لنرى ماذا فعل كثير من الناس في حدود الله ومحارم الله وفرائضه وواجباته، لقد تعدى عليها كثير منهم، والله تعالى يسدل عليهم ستره، ويرغد عليهم رزقه، ويسبغ عليهم خيراته؛ لأن الله تعالى لطيف بعباده ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل:٦١].
стр. 514
الآثار المترتبة على اتخاذ الفيء دولاً
أخي الكريم! موضوع حديثنا حديث عن رسول الله ﷺ ، والحديث وإن كان فيه ضعف لكن له ما يقويه من أحاديث أخرى ومن الواقع، فيأخذ درجة القبول، يقول رسول الله ﷺ : (إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور، وظهر الزنا، وأكرم الرجل مخافة شره، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء، وزلزلة، وخسفاً، ومسخاً، وقذفاً وآيات تتابع كنظامٍ بالٍ انقطع سلكه فتتابع)، وفي حديث آخر: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء).
نتحدث عن هذه الخصال لنرى مدى مطابقتها لواقعنا، وهل في هذه الأمة من تجرأ على هذه الأمور؟! وما هي النتيجة؟! قوله: (إذا اتخذ الفيء دولاً) الفيء في اللغة: هو ما يؤخذ من العدو، وفي الشرع: هو ما يؤخذ من العدو بدون قتال.
ثم صار الفيء يطلق على كل أموال المسلمين العامة، فصار بيت مال المسلمين يسمى فيئاً؛ لأنه يعتبر مصرفاً من مصارف الفيء، كما قال الله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر:٧] وقال في الآية التي قبلها: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر:٦].
وإذا كان الفيء بيت مال المسلمين، فإن لبيت مال المسلمين الحرمة أعظم من أي مال من أموال الناس؛ لأن مال واحد من الناس يخص ذلك الواحد، ولربما يعفو عن حقه في يوم من الأيام، لكن بالنسبة لبيت مال المسلمين فإنه يتعلق به كل واحد من هؤلاء المسلمين الذين لهم حق ولهم صلة في هذا المال، فالتعدي على بيت مال المسلمين يعتبر من أكبر المعاصي التي تسبب سخط الله أياً كان هذا التعدي، ولذلك فإن اتخاذ الفيء دولاً والتلاعب به بحيث يصبح دولة بين الأغنياء من الناس يعتبر سبباً من أسباب البلاء والفتنة.
стр. 515
الآثار المترتبة على جعل الأمانة مغنماً
قوله: (والأمانة مغنماً) الأمانة هي ما استودعه الإنسان مما يجب حفظه من أموال المسلمين، والأمانة وإن كانت في معناها الاصطلاحي الشرعي أعم من ذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] وهي مسئولية التكليف أياً كانت هذه الأمانة، لكنها قد تطلق على المال المودع عند بعض الناس ليحفظه وليتحمل مسئوليته أمام الله ، فإذا اتخذت الأمانة مغنماً بحيث يصبح هذا الأمين الذي يأتمنه الناس على شيء من أموالهم يعتبرها فرصة ويعتبرها غنيمة ليتلاعب بهذا المال فذلك بلاء عظيم.
والأمانة هي أول ما نفقد من ديننا، كما جاء في الحديث: (أول ما تفقدون من دينكم الأمانة) إذا وجد ذلك كان ذلك إيذاناً بعقوبة من الله ، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] فالأمانة مسئولية عظيمة عرضت على السماوات والأرض والجبال فأشفقن منها، وتحملها هذا الإنسان وسوف يسأل عنها، ومن هذه الأمانة أموال المسلمين التي يؤتمن عليها هذا الإنسان، فيتحمل مسئوليتها أمام الله .
стр. 516
الآثار المترتبة على جعل الزكاة مغرماً
قوله: (والزكاة مغرماً) الزكاة في اللغة: النماء والطهارة.
وفي الشرع: هي جزء من المال فرضه الله في أموال الأغنياء يقدمونه للفقراء قربة لله ، وهذه الزكاة أمرها عظيم، والدليل على عظم أمرها أن الله تعالى قرنها بالشرك حيث قال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] وقد قرنها أيضاً بالصلاة في مواضع كثيرة، فيندر أن تمر بنا آية من آيات الصلاة إلا وتذكر الزكاة بعدها، كما أنها طهارة للمزكي وللمال وللمجتمع، فالمجتمع الذي تؤدى زكاته مجتمع طاهر نظيف، لا توجد فيه اللصوصية ولا الخيانات ولا السطو ولا السرقة؛ لأن هذه الظواهر السلبية غالباً ما توجد في المجتمعات المحتاجة المضطرة.
ولذلك لما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ أرسل يحيى بن سعيد إلى أفريقيا ليجبي الزكاة، فجمع أموالاً عظيمة من الزكاة، وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: إن الإسلام قد أغنى الناس ولم نجد أحداً يأخذ الزكاة.
فكتب جواباً قال فيه: اشتر بها رقاباً وأعتقهم في سبيل الله.
ولذلك تقول الإحصائيات الرسمية في عصور الإسلام الأولى خلال أربعمائة سنة: إنه لم تقطع فيها إلا أربع أيدي فقط، على اتساع العالم الإسلامي الذي يمتد من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.
ما السر في ذلك؟ السر في ذلك هو أن الإسلام رفع مستوى الناس، سواءٌ أكان من الناحية الاقتصادية، أم من الناحية الثقافية والعلمية، أم مما أشبه ذلك، وعرفهم بالله حق المعرفة، ولذلك فإن الزكاة تعتبر زكاة حقيقية؛ لأنها تطهر المجتمع من التحاسد والتباغض والتنافر وغيرها من الأمراض، كما تطهر الفرد من الشح، وتزكي المال وتزيده وتنميه.
أما إذا أصبحت الزكاة مغرماً وخسارة، بحيث إذا طولب هذا الإنسان بهذه الزكاة كأنه يطالب بأن يحمل جبلاً على ظهره، وصارت ثقيلة على النفوس، فمثل هؤلاء الناس حببت إليهم الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة.
ولربما يزيد هذا المال عند هؤلاء فتعجز الأرقام عن حصره أو تكاد، وتعجز البنوك عن استيعابه أو تقارب، ثم إذا بأحدهم يحسب هذا المال العظيم ثم يحسب زكاته العظيمة بمقدار عظمة هذا المال، ثم يغلبه الشح والنفس الأمارة بالسوء، فتصبح هذه الزكاة كأنها غرامة عليه، فيؤديها بثقل وتبرم، ولربما يمنعها فلا يعطيها مستحقها فتزل به القدم، كما فعل الله بذلك المنافق الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
فقال: قليل تؤدي شكره خير لك من كثير لا تطيقه.
ثم يأتي مرة أخرى ويقول: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
فيقول: يا فلان! أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفس محمد بيده لو أردت أن تسير معي جبال الدنيا ذهباً لسارت.
فيأتي في الثالثة ويقول: يا رسول الله! والله لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه.
فيقول الرسول ﷺ : اللهم! ارزقه مالاً.
قال: فاتخذ غنماً فنمت كما تنمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى بها، فكان لا يشهد جمعة ولا جماعة مع رسول الله ﷺ ، ثم بعث رسول الله ﷺ رجلين يأخذان الصدقة من هذا المنافق فقال: والله ما هذه إلا جزية) فأنزل الله في هذا المنافق وأمثاله قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة:٧٥] وكلما جاءت كلمة (منهم) في سورة التوبة فالمراد بها المنافقون؛ لأن الله تعالى لم يكشفهم بأسمائهم وإنما أتى في شأنهم بضمير الغائب (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٦ - ٧٧].
واليوم نخاف على كثير من أرباب الأموال الكثيرة؛ لأنهم حينما يحسبون هذه الأموال والممتلكات ثم ينظرون إلى ربع عشرها فيرونه مالاً عظيماً يضنون بالزكاة ويتخذونها مغرماً، ولذلك من العجيب في مثل هذا الوقت الذي فاض فيه المال أنه يوجد في قارة أفريقيا مائتان وخمسون مليوناً من الناس يهددهم الموت بالمجاعة، وأنا رأيت بعيني أناساً يتساقطون على الأرض من الجوع في بلاد ليس بيننا وبينها إلا هذا البحر، ونحن عندنا -والحمد لله- من الأموال ما نعرفه جميعاً.
ولو أننا اقتصدنا في بذخنا وموائدنا شيئاً قليلاً لأغنينا إخواننا المسلمين الذين تسلط عليهم الكفرة بتنصيرهم وتكفيرهم وتهويدهم بسبب لقمة العيش، خبزة يرسم عليها الصليب ولا يأكلها هذا الإنسان الجائع الفقير إلا بعد أن يرى الصليب بعينيه.
أكثر من عشرة ملايين من المسلمين تنصروا في أندونيسيا بسبب عدم اهتمام المسلمين بهؤلاء المسلمين في أندونيسيا وغيرها، لقد تنصر كثير من المسلمين في أندونيسيا، وفي أفريقيا وفي جنوب شرق آسيا وفي مناطق كثيرة، ولو أن المسلمين أدوا زكاة أموالهم بهذه النسبة اليسيرة لأغنوا أولئك الفقراء عن أعدائهم الذين لا يقدمون لهم لقمة العيش إلا بثمن، وهذا الثمن أن يتنازل كثير منهم عن عقيدته ودينه.
أيها الأخ الكريم! دعت الكنيسة إلى التبرع فجمعت مليار دولار في يوم واحد، واليوم تقوم جمعيات كبيرة متناثرة في العالم الإسلامي لتجمع شيئاً من المال في أيام فلا تحصل على معشار هذا المبلغ الذي جمع في يوم واحد على يد الكنيسة، وتصور هذا المليار كم ينصر؟ ولماذا اختاروا ملياراً بالذات؟ لأن عدد المسلمين مليار مسلم، فقال بعضهم لبعض: نجمع مليار دولار لننصِّر بها ملياراً من المسلمين.
أي: كل المسلمين.
ولذلك كان من تخطيطهم أن تصبح قارة أفريقيا كلها نصرانية خلال عشر سنوات، ولكن الله من ورائهم محيط، قال : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].
إضافة إلى أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وأمر واجب مطلوب، فهي أيضاً ضمان لهؤلاء المسلمين من أن ينحرفوا عن دينهم، ومن حكمة الله أن تسقط الشيوعية، وكنا ننتظر ذلك منذ أمد؛ لأنها قالت: إنها سوف تضع على هذه الأرض جنة أحسن من الجنة التي يعد الله الناس بها في الآخرة.
مع أنهم لا يؤمنون بالله ولا بالجنة ولا بالآخرة، ثم إذا بها تتساقط تحت أقدام المسلمين والحمد لله.
إذاً ليس هناك إلا الإسلام الذي سوف يسد الحاجة ويرد الحق إلى نصابه، ويعتبر سقوط الشيوعية من الأمور المتوقعة؛ لأن الله يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد:١٧].
وبقي أولئك الذين يقدمون الدرهم والدينار لحرف أبناء المسلمين عن دينهم، فما على هذه الأمة إلا أن تجتهد في الدعوة، وأن تقدم هذا المال في سبيل الله، حتى لا تكون الزكاة مغرماً، أما إذا أصبحت الزكاة مغرماً -أي: ثقيلة على النفوس وغرامة شديدة حينئذ- فلربما يبخل الإنسان بالزكاة فيغضب الله فينقطع المطر فيهلك الحرث والنسل، والرسول ﷺ يقول: (ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا).
فالزكاة أمرها عظيم، ليست فقط ركناً من أركان الإسلام، لكنها إضافة إلى ذلك هي ضمان للفقراء، وحماية لهذا الدين، وضمان وحماية لبقاء الأمة الإسلامية على الأرض، بحيث يشعر هؤلاء الفقراء بحقهم، ولو تعدت هذه الزكاة الحدود السياسية فذهبت إلى أفريقيا، وذهبت إلى جنوب شرق آسيا حسب هذه الحاجة.
والحمد لله على أنه في بلادنا أصبح الفقراء فيها يضاهون الأغنياء.
ولقد رأيت قصر رئيس جمهورية دولة يزيد سكانها على مائة مليون يوجد من فقرائنا هنا من يملك قصراً أكبر من قصر ذلك الرئيس، وفيه من الأثاث أعظم من أثاث قصر ذلك الرئيس.
ارتفع -والحمد لله- هنا مستوى المعيشة، وأصبح الفقراء ملوكاً في أيامنا الحاضرة، ولكن لا ننسى إخواناً لنا تربطنا بهم رابطة العقيدة، يقول الله : ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:٥٢]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
стр. 517
ظاهرة تعلم العلم لغير الدين وما يترتب على ذلك
قوله ﷺ : (وتعلم لغير الدين) من أسباب العذاب أن يطلب العلم لغير الدين.
وهذه معجزة عجيبة، فما كان في العصور الأولى أحد يفكر أن يفهم معنى: (وتعلم لغير الدين)؛ لأنهم كانوا لا يطلبونه إلا للدين ورضا الله ولمعرفة الله ولعبادة الله، ثم حدث حدث خطير فتعلم لغير الدين، وأصبحت هناك منافسة على الشهادات وحب البروز والظهور، والتنافس على الوظائف والمراكز، وأصبح كثير منهم يتعلم حتى علم الشرع لغير الدين، وإذا قيل له: لماذا؟ قال: أريد أن أؤمن مستقبلي وأؤمن حياتي.
ويقصد بحياته ومستقبله الحياة الدنيا.
السعي للحياة الدنيا أمر مطلوب، أما أن يتخذ طلب العلم الشرعي الذي به يعرف الله ويعبد الله لهدف من أهداف الدنيا فيعتبر ذلك بداية النهاية، وأعرف رجالاً كثيرين درسوا في كليات الشريعة ودرجوا في هذه الحياة منذ عشرات السنين، وكنا نظن أنهم سوف يغيرون وجه التاريخ حينما يكونون رجال علم وأصحاب مناصب إلى غير ذلك، وسيعيدون الإصلاح للأمة، وإذا بهم يقفون عند حد الوظيفة، ثم لا يفكر أحدهم إلا في ترقية، أو في مرتبة، أو في سمعة، أو في شرف، وذلك أخطر ما يكون على هذا الإنسان، يقول ﵊: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لِدِينِه).
أيها الأخ الكريم! إذا تعلم لغير الدين، وإذا ذاب علماء المسلمين في المجتمع، وإذا أصبح الناس يتنافسون في الشهادات، وإذا أصبح طالب العلم يطلب العلم ليباري العلماء أو ليماري السفهاء فإن الأمر خطير.
أخي! إذا عرفت شريعة الله من خلال جامعة أو كلية أو مدرسة فإن عليك أن تبلغ ما عرفته؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) (رب مبلغ أوعى من سامع)، أما أن ينتهي الأمر بهذا الإنسان الذي أمضى سنوات طوالاً من عمره في العلم إلى أن يذوب في المجتمع فلا نرى له أثراً، ولربما لا تمضي عليه إلا مدة وجيزة حتى ينسى كل ما تعلمه من شرع الله ؛ لأنه لم يتحرك بهذا العلم، وكذلك تراه يشاهد الأمم وهي تتهاوى في الحضيض بسبب الجهل والمعاصي، ثم لا نسمع له صوتاً يقول فيه كلمة الحق، بالرغم من أنه خريج كلية الشريعة، أو أصول الدين، أو نال شهادة الماجستير في هذا المستوى، أو ما فوق ذلك من الدكتوراه أو غيرها من الشهادات العملاقة التي يتسابق ويتنافس عليها الناس، ثم حين تعلم لغير هذا الدين أصبحت بركة هذا العلم مسلوبة، وأصبح هذا العلم لم ينتفع به حتى صاحبه، أو لربما انتفع به بمفرده بحيث لا يستفيد منه هؤلاء الناس، وهذا العلم سيكون حجة على هذا الإنسان يوم القيامة.
إذا تعلم لغير الدين فإن ذلك يعتبر بادرة من بوادر العذاب من الله .
فلا تعجب -أيها الأخ- وأنت ترى هذه الجامعات الإسلامية في العالم وهي لا تحصى في عددها، وتنتج سنوياً الأعداد الهائلة من هؤلاء الشباب المثقفين ثقافة إسلامية، والمتعلمين علماً شرعياً، ثم لا نرى من يعتلي هذه المنابر ليقول كلمة الحق لهؤلاء الناس إلا الندرة القليلة مما جعلهم محط أنظار الناس، فأصبحوا معرضين لأشياء كثيرة.
نحن نطالب جميع العلماء ونطالب الذين عرفوا شرع الله أن يبلغوا هذا الدين تبليغاً كاملاً، أما إذا كان هدفهم فقط هو الدنيا فإن أول من تسعر به النار يوم القيامة ثلاثة، رجل قرأ القرآن وحفظه وعلمه غيره، لكنه لغير الله، فهذا يوقفه الله بين يديه يوم القيامة فيسأله، ثم يأمر به فيسحب إلى النار نعوذ بالله من ذلك.
إذاً لا بد من إخلاص النية لله ، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢].
стр. 518
الآثار المترتبة على طاعة الرجل لزوجته مقابل عقوق أمه
قوله: (وأطاع الرجل زوجته وعق أمه) هل يوجد في المسلمين من يفعل مثل هذا؟! هذه الأم التي حملتك داخل جوفها وهناً على وهن، ثم وضعتك وهناً على وهن، ثم أرضعتك مدة من الزمن، ثم إذا بها تسهر ليلها مع نهارها من أجل راحتك ومصلحتك، ثم بعد هذا كله تقدم عليها الزوجة! حينما يقع مثل ذلك فهذه بداية العقوبة، وحينما نقول ذلك لا نتغافل عن حق الزوجة، فللزوجة حق كما أن للوالدين حقاً، إلا أن حق الزوجة لا يطغى على حق الوالدين، فالله يقرن حق الوالدين بحقه مباشرة، فيقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
стр. 519
تحذير الأبناء من إبعاد الآباء وإدناء الأصدقاء
قوله: (وأدنى صديقه وأقصى أباه) عجيب أن يحدث مثل هذا! كم من هؤلاء الشباب الذين لم يعرفوا بعد قدر الأبوة وفضلها، والذين لم يصيروا بعد آباءً لأنهم مازالوا أبناءً، والذين لا يعترفون بهذا الحق لذويه! ومن يقدم صديقه على أبيه؟! ولذلك تجد أن طائفة من هؤلاء الشباب الذين ابتلوا بهذه الفتنة يندر أن تجده مع أبيه، وإنما دائماً وأبداً مع صديقه، ولربما يكون ذلك الصديق منحرفاً، وهذه تعتبر بلية كبرى، الأب المربي العطوف صاحب النعمة قبل الحمل وبعد الحمل، وقبل الولادة وبعد الولادة هل نقدم عليه الصديق؟! الصديق له حق، ولكنه لا يأتي إلا بعد درجة بعيدة من حقوق الوالدين، أما أن يدني صديقه ويجفو أباه ليصبح الصديق في نظره أعظم وأعلى درجة من ذلك الأب فهذه تعتبر من بداية العقوبة ومن البلايا والفتن.
وبر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله ، وبر الوالدين دين وقرض يقدمه ذلك الولد ليجني ثماره حينما يكون أباً، إن حسناً فحسناً وإن قبيحاً فقبيحاً، يقول ﵊: (بروا بآبائكم تبركم أبناؤكم) ولذلك نشاهد ذلك في الواقع، فالأبناء البررة الذين أدوا حقوق الوالدين يمن الله عليهم بأولاد بررة صالحين يؤدون حقهم.
ولذلك فإني أقول: لا بد أن نرعى هذا الحق من حقوق الله وهو بر الوالدين وصلة الرحم، فالله تعالى يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] ونقرأ في الحديث قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم طريق الخروج من باب الغار ولم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، لم يتوسلوا بالمخلوق؛ لأن التوسل بالمخلوق شرعاً لا يجوز، والتوسل بالأعمال الصالحة جائز ومطلوب، فهذا أحدهم يقول: (إنه كان لي والدان، وإنه نأى بي المرعى ذات يوم فجئت بغبوقهما فوجدتهما نائمين، فأمسكت بالقدح الذي فيه اللبن ووقفت على رأسيهما طوال الليل ولم أغبق قبلهما أهلي ولم أوقظهما حتى استيقظا قرب الفجر فناولتهما اللبن فشربا، اللهم! إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة قليلاً.
فكما أن الأعمال الصالحة تنجي الإنسان من عذاب الله يوم القيامة فهي تخلص الناس من مخاوف الحياة الدنيا ومخاطرها، ولذلك يقول الله : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١] وكم من الناس من وقع في مشكلة فخلصه الله بسبب طاعة، أما إذا أدنى الرجل صديقه وجفا أباه فإن ذلك يكون سبباً من أسباب العقوبة، نعوذ بالله.
стр. 520
التحذير من اتخاذ المساجد لغير ما أعدت له
قول الرسول ﷺ : (وظهرت الأصوات في المساجد) المساجد بيوت الله يجب أن تعظم وأن تحترم، فلا يجوز أن يكون فيها شيء غير ذكر الله وما قرب إليه، أما أن تصبح المساجد سوقاً للبيع والشراء والمزاد، وما أشبه ذلك من أحاديث الناس التي لا تقربهم من الله ، أو تكون ميداناً للغو واللعب والسباب والنزاع والخصام والشجار، أو تكون مرتعاً للجهال والعابثين فإن ذلك يعتبر ظهوراً للأصوات في المساجد، وظهور الأصوات في المساجد يعتبر سبباً من أسباب عقوبة الله .
стр. 521
الآثار المترتبة على انتشار الخمور وشربها
يقول الرسول الله ﷺ في هذه الآيات والعلامات: (وشربت الخمور) فمن هذه الخصال الخمس عشرة شرب الخمور، والخمر ما خامر العقل وغطاه، والإنسان مطالب أن يواجه هذه الحياة مواجهة حقيقية بعقله، ومن أجل ذلك منح الله هذا الإنسان العقل، ولذلك نجد أن العقل محترم، والخطاب دائماً يتوجه إلى العقل، يقول : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤] ويقول سبحانه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩] وأولو الألباب هم أصحاب العقول.
من هنا كان العقل هو مناط التفكير، وكان الإنسان أفضل مخلوقات الله على الإطلاق بهذا العقل، فقد فضل الله بني آدم وكرمهم وحملهم في البر والبحر، ورزقهم من الطيبات، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً.
لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان أي: لولا العقل لكان الأسد أفضل من الإنسان؛ لأن الأسد أقوى من الإنسان.
والفيل أكبر جسداً من الإنسان، لكن تجد هذا الإنسان بعقله يسيطر على هذه المخلوقات كلها بإرادة الله ، ولولا وجود العقل لما شرع التكليف، فالعقل هو مناط التكليف، وبهذا العقل يحاسب الإنسان وحده يوم القيامة دون هذه البهائم التي أصبحت في خدمة الإنسان.
ثم يأتي إنسان ليتعدى على هذا العقل بما حرم الله، وقد حرم الله الخمر وكل ما خامر العقل وغطاه، والخمر من أكبر البلايا التي حلت بهذه الأمة، ولذلك تجد أن هذه الخمرة الخبيثة عالج القرآن أمرها علاجاً طويلاً، وتدرج في تحريمها تدرجاً مكيناً، حتى يقتلعها من قلوب الناس، وكان هذا التدرج في التحريم على أربع مراحل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧] هذه إشارة.
ثم جاءت المرحلة الثانية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
ثم جاءت المرحلة الثالثة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣].
فحرمت الخمر في بعض المواقع وفي بعض الأوقات ليكون تمهيداً للحكم النهائي الكريم، وهي المرحلة الرابعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١] فقالوا: (انتهينا انتهينا) ولما نزلت الآية الأخيرة كانت كئوس الخمر عند شفاه بعض هؤلاء الناس فأراقوها اتباعاً وخضوعاً واستسلاماً لأمر الله ، وكان بعضهم قد شرب الخمر فأدخل أصبعه في فاه ليستقيء ما شربه، بل زيادة على ذلك سألوا عن مصير الذين ماتوا وفي أجوافهم شيء من الخمر قبل أن تحرم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣] يعني: قبل التحريم ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣].
أيها الأخ الكريم! هكذا تستجيب النفوس المؤمنة لأوامر الله فوراً، فلا تقدم على أمر الله أي شهوة أو رغبة أو هوى، ثم يدور الفلك دورته ويعيد الزمان سيرته، وتخلف خلوف ينتشر فيها الخمر في أيامنا الحاضرة، ومن العجيب أن المروجين لها يحببونها إلى الناس ويسمونها مشروبات روحية.
فما معنى روحية؟ أي أنها تطرب الروح وتؤنسها.
ولذلك يقولون في بعض الأحيان: ممنوع تناول المشروبات الروحية.
قاتلها الله وقاتل من سماها مشروبات روحية، كيف تكون روحية؟! هي ضد الروح، وضد الخلق، وضد العقل، لكنها سميت مشروبات روحية كما سمي الغناء في أيامنا الحاضرة فناً، وكما سمي الربا اقتصاداً، وكما سمي النفاق مجاملة، وكما سمي الكذب دبلوماسية، وهكذا، أصبحت المحرمات تغير أسماؤها مع بقاء حقائقها؛ لأجل تلطيفها وتحبيبها إلى النفوس الخبيثة.
فليس الغناء فناً، وليس الربا اقتصاداً، وليست الخمر مشروبات روحية، لكن لا تعجب، فنحن اليوم نعيش فترة من آخر فترات التاريخ في حياة البشرية، فقد تنتشر فيها الخمر، ولربما توضع في ثلاجات البيوت، تراها النساء ويراها الأطفال، ليشب الطفل وهو يشك في تحريمها أو يعتبرها من أطيب الطيبات.
لا تعجب وأنت تسير في أرض الله الواسعة في جل العالم الإسلامي فترى اللافتات واللوحات تقول: هذا ضار.
أو ما أشبه ذلك، لا تعجب حينما ترى الخمر توزع على الركاب مجاناً على متن الهواء في كل طيران العالم إلا في طيران بلادنا -والحمد لله- أسأل الله أن يحفظها.
المشركون الأولون كانوا إذا ركبوا على سطح الماء دعوا الله مخلصين له الدين، أما هؤلاء فلا أظن إلا أن الإيمان بالله قد فقد من قلوبهم، أو من قلوب كثير منهم، فيعصون الله على متن الهواء بين السماء والأرض، على بعد آلاف الأمتار من الأرض، فتشرب الخمور وتعرض المضيفة التي ليس لها شرط إلا أن تكون جميلة وقادرة على فتنة الناس، تسرح شعرها، وتلبس الملابس القصيرة إلى ما فوق الركبة، وتختلط بالركاب في الطائرات، وتوزع البسمات على الناس، ولربما لا يحصل ذلك إلا لركاب الدرجة الأولى الذين يدفعون أجرة أكثر، أما الدرجة السياحية فإنهم لا يستحقون مثل هذا، إلى غير ذلك.
أيها الأخ! إذا شربت الخمور بجميع أنواعها فقد آذن هذا العالم بخراب، صحيح أن المخدرات تجد مكافحة اليوم، وتستحق أن تكون لها مكافحة، حتى الأمم الكافرة والدول الكافرة تعاقب على تناول المخدرات، وهذا يجب أن يكون؛ لأنها تفسد الأمم والشعوب، وتجمد العقول، لكن يجب أن يجد الخمر مثل هذا المكافحة ومثل هذه المحاربة؛ لأن الخمر هي الأصل والمخدرات تقاس عليها قياساً، هذا هو الواقع.
وأقول لإخواني المسلمين: حاربوا الخمور واكشفوا مواقعها، وتعاونوا مع الدولة والمسئولين؛ لأنها ما انتشرت في أمة من الأمم إلا وسقطت من عين الله ، ولأن انتشار الخمور في بلاد المسلمين يؤدي إلى انهيارها وتدهورها ودمارها، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 522
الآثار المترتبة على اتخاذ المغنيات وآلات اللهو وحكم اتخاذها
قوله: (واتخذت القينات والمعازف) القينات: المغنيات الراقصات.
سواءٌ أكن يرقصن أمام الناس مباشرة، أم يرقصن في أفلام مصورة يعرضن فيها مفاتنهن وجمالهن في هذه الحياة.
والمعازف: هي آلات اللهو والغناء.
إذا انتشرت هذه وتلك فهي بداية العقوبة، وهي علامة من علامات غضب الله ، ويخشى أن تأتي بعدها المصائب التي ذكرها الرسول ﷺ الله عليه وسلم.
ويقول الرسول ﷺ : (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) رواه البخاري.
والحر: الفرج، والمراد بالحر الزنا، والزنا الآن مستحل في جل بلاد العالم الإسلامي، وله أماكن معروفة، وأخوف ما أخاف أن كثيراً من شبابنا يرتادونها؛ لأننا نراهم حينما تكون هناك العطل والمناسبات يشدون الرحال إلى تلك البلاد بطريقة جنونية.
وكذلك الحرير، وهو من المحرمات على الرجال، والخمر، فهذه الثلاثة أجمع علماء المسلمين على تحريمها.
وكذلك المعازف، والمراد بالمعازف الموسيقى.
والعلماء يقولون: إن دلالة الاقتران تدل على التحريم، فإذا عطف شيء على شيء أخذ حكمه، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (الحر والحرير والخمر)، ثم قال: (والمعازف) ودلالة الاقتران عند جمهور علماء المسلمين دلالة قوية.
وعلى كل لا أظن أن أحداً يخالف إلا من شذ في تحريم المعازف والموسيقى، لكن تعال معي -يا أخي! - لنرى أن الموسيقى اليوم في بيوت المسلمين وفي أسواق المسلمين وفي سياراتهم وفي دكاكينهم حتى في هواتفهم، الموسيقى التي أصبحت الآن في الإذاعة وفي التلفاز وفي المسجلات وفي أشياء كثيرة، أصبحت الآن وسيلة تسلية، عندما تطلب من إنسان أن يعطيك فرصة دقيقة أو أقل من دقيقة ليحولك على رقم آخر فإنك تسمع الموسيقى؛ لأنهم يعتبرون الموسيقى وسيلة تمتيع لهذه النفوس، وهكذا النفوس حينما تنحرف عن الجادة المستقيمة تتمتع بما حرم الله .
أضف إلى ذلك القينات والمغنيات اللاتي تتبرم إحداهن وتتمايل وتولول الليل كله، بحيث تنحرف معها النفس الضعيفة، هذا شيء منتشر ولا يحتاج إلى دليل ولا أحد يكذب به، ولو عملنا إحصائية في جل بيوت المسلمين لوجدناها مملوءة بهذه الأشياء مع الأسف، والذي لا يملك التلفاز عنده الإذاعات تغني، أو أشرطة قينات ومعازف، لكن ما هو الحل؟! وكيف المخرج؟ إن الأمر خطير، فالرسول ﷺ أخبر بأن هؤلاء الأقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، وقال هنا في هذا الحديث: (وانتشرت القينات والمعازف).
والله تعالى حرم الغناء -كما يقول العلماء- في ثلاث آيات من القرآن الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٦١] والسمود معناه: الغناء واللهو.
كما يقول علماء اللغة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] ويقسم عبد الله بن مسعود بالله تعالى على أن هذه الآية في الغناء، وهو من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ .
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤] يقول العلماء: إنها في الغناء.
أما بالنسبة للأحاديث فهي كثيرة في تحريم الغناء وآلات الموسيقى واللهو.
أما الواقع فإنه لا يبرر حل هذه الأشياء، فنحن نأسف كثيراً أن تكون بيوت المسلمين التي كانت إلى عهد قريب لا تسمع لها إلا دوياً كدوي النحل في جوف الليل الآخر، وبكاء من خشية الله ، وتلاوة للقرآن، أما اليوم فبيوت المسلمين إلا ما شاء الله حتى بيوت كثير من العلماء والصالحين قد ابتليت بفتنة الغناء والموسيقى، فأصبحت لا تسمع إلا رنين الموسيقى، ولربما تسمع الرقص والغناء في الأشرطة وجميع الوسائل الأخرى.
أما الفيديو فهو الذي جاء يعرض الجنس الآن، حتى على متن الهواء تعرض أفلام الجنس، فهؤلاء ألا يتقون الله ؟! ألا يكونون -على الأقل- مثل المشركين الذين إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين؟! ألا يتركون هذه الأشياء ولو في الساعات الحرجة الخطيرة التي لربما تتحطم فيها الطائرة في لحظة واحدة فتكون نكبة على مئات البشر؟! إن هذا يدل على الضعف من خشية الله في نفوس كثير من الناس.
لقد اتخذت القينات وأصبحت الأفلام والفيديو والأجهزة الأخرى التي نعلمها تشترى بالأموال الطائلة، هذا أمر خطير، فما على هؤلاء الناس إلا أن يتوبوا إلى الله .
يا أخي! عندك في بيتك نساء، والنساء يتأثرن سريعاً بهذه الأفلام والموسيقى والرقص والغناء، فاتق الله في النساء، وفي بيتك أطفال، أترضى أن تنشأ هذه الناشئة من الأطفال وهي تحفظ من الأغاني أكثر مما تحفظ من كتاب الله؟ أنت مسئول عنهم بين يدي الله يوم القيامة، أترضى أن يكون أول ما تنفتح له آذان هؤلاء الأطفال آلات اللهو والرقص والغناء والموسيقى، وتنفتح أعينهم على المومسات والفاسقات والراقصات والمغنيات والممثلات في مسرحيات وتمثيليات فاضحة كلها عشق وغرام واختلاط ودعوة إلى الإباحية؟! اتق الله -يا أخي- في هذه الأمانة، فأهلك أمانة ائتمنك الله عليهم فلا تفرط فيهم؛ فإن الله يقول لك ولي وللناس أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
أتستطيع أن تتحمل هذه النار التي وقودها الناس والحجارة؟ إنها نار أوقد عليها ثلاثة آلاف عام حتى أصبحت سوداء مظلمة تذوب الحجارة من حرها، فكيف بجسد هذا الإنسان؟! اتق الله -يا أخي- في هذه الأمانة، وحارب هذه المنكرات وطهر بيتك منها، وأنت مسئول عن رعيتك داخل البيت؛ لأنك إن عجزت أن تصلح أوضاع الناس في خارج هذا البيت فليس لك عذر بين يدي الله يوم القيامة إن أهملت بيتك ولم تصلحه، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨].
إن وجود هذه المنكرات في بيوت المسلمين أمر خطير أياً كان منشؤها، أنت مسئول وحدك يوم القيامة، وتموت وحدك، وتدفن وحدك، ويأتيك الملكان في قبرك وحدك، وتبعث يوم القيامة وحيداً، وتوزن أعمالك وحدك، إذاً أنت عليك أن تخلص نفسك.
ويحك يا أخي! بادر إلى التوبة، وطهر هذا البيت من القينات والمعازف، فإن وجود هذه الأشياء في بيت من بيوت المسلمين يسبب غضب الله ، إضافة إلى ما يلاقيه أولادك وأهلك وذووك من فتنة ينشأ عليها الصغير ويشب عليها الشاب ويهرم عليها الشيخ، ولربما يأتي ذلك اليوم الذي لا تنكر النفس هذه الأشياء، وأظن أنه قد وجد اليوم من لا ينكر هذه الأشياء، والله ذكر أسباب ومراحل المعصية فقال: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام:١١٣] وهذه هي المرحلة الأولى، ثم قال: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ [الأنعام:١١٣] وهذه هي المرحلة الثانية، ثم قال: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] حينئذ يقل الحياء، فإذا قل الحياء وقع ما أخبر به ﷺ بقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
стр. 523
العقوبات المترتبة على ظهور الزنا والصلة بينه وبين اتخاذ المغنيات والمعازف
أخي في الله! من علامات العقوبة ومن أسباب العقوبة إذا اتخذت القينات والمعازف ظهور الزنا، إذاً الصلة بين اتخاذ القينات والمعازف وبين ظهور الزنا واضحة، فإن النظرة الحرام يعقبها الفعل الحرام، والسماع الحرام يعقبه الفعل الحرام، ولذلك الله ذكر الزنا في سورة النور ثم قال بعده بآيات: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وقال بعد ذلك: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فقد نهيت المرأة أن تحرك رجلها لتضرب الأرض بشدة، حتى لا يسمع صوت الخلخال رجل فيفتن بهذه المرأة التي سمع في رجلها صوت الخلخال، فكيف بالمرأة التي ترقص وتغني وتتمايل وتهتز بثياب عارية؟! إن النتيجة خطيرة، ولذلك دعا الله في آخر الآيات التي تأمر بغض البصر إلى التوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
إن ظهور الزنا نتيجة حتمية من نتائج انتشار القينات والمعازف، وإن الفتن يجر بعضها بعضاً، يقول الشاعر: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر فالشرارة الصغيرة تحدث حريقاً يلتهم مدينة بأكملها، والنظرة الصغيرة تلتهم الأخلاق والفضائل، وتحط هذا الإنسان من عين الله ، فعلينا أن نبادر بالتوبة حتى لا يظهر الزنا، وإذا أردت دليلاً على ذلك فانظر إلى من سبقنا إلى هذه الأشياء بمدة وجيزة من الزمن، حين انتشرت القينات والمعازف وفسد الإعلام، ماذا كانت النتيجة؟ لقد انحرفت المرأة، وفتحت دور الدعارة أبوابها علناً في وضح النهار، وانتشر زواج الذكر بالذكر باسم القانون الذي تحميه تلك الدول التي سبقت إلى الفساد والمعصية، وأصبحت قوانين تلك الدول تتردى، فكلما هبط هذا الإنسان درجة واحدة عن إنسانيته هبط القانون أكثر مما يهبط هذا الإنسان.
أيها الأخ الكريم! علينا أن نخشى الله ، فنحن نعيش في نعمة وفي رخاء وفي رغد من العيش وفي أمن وطمأنينة، ويتخطف الناس من حولنا، ونحن نرفل بنعمة الله في ظل شريعة الله ، فلنحافظ عليها ولنتمسك بها؛ لأنه إذا ظهرت القينات والمعازف ظهر الزنا، وإذا ظهر الزنا انتشرت الأمراض والأوبئة، يقول ﵊: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الأوجاع والأمراض التي لم تكن في أسلافهم) والأوجاع التي لم تكن في أسلافنا والتي كانوا لا يعرفونها قد كثرت اليوم وانتشرت، ولم يستطع الطب الحديث علاجها، بالرغم مما يقدمه الطب الحديث من خدمات متوافرة، وهذه الأمراض تسابق الشمس على مطالعها، بسبب انتشار الزنا الذي هو من أقبح القبائح وأعظم المحرمات.
стр. 524
الآثار المترتبة على إكرام الرجل مخافة شره
يقول الرسول ﷺ بعد ذلك: (وأكرم الرجل مخافة شره).
في واقعنا اليوم يكرم الرجل مخافة شره، هناك رجال كثيرون يكرمون مخافة شرورهم، يقول الشاعر: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد وهذا أعظم شيء على النفس، واليوم نجد أن كثيراً من الناس يحترمون لا حباً لهم في دينهم ولا في دنياهم، وهناك من لا خير فيه ولا صلاح ولا استقامة، ثم إذا بهؤلاء يحتفى بهم في المجالس وتصفق لهم الجماهير، وتفتح لهم الطرقات في جل العالم الإسلامي، والعجيب أن هؤلاء الذين يحترمون مخافة شرورهم، لم يسلم المسلمون بعد من شرورهم، فالطغيان قد انتفخ في أرضنا اليوم، وامتلأت السجون في جل العالم الإسلامي، وكان المفروض أن تكون تلك السجون سجوناً للجامحين والمنحرفين، فإذا بها تتحول معتقلات للأتقياء والصالحين والدعاة والمصلحين.
يكرم الرجل مخافة شره؛ لأنه رجل طاغية مفسد ذو بطش وإفساد في الأرض، أو لأنه عين يتجسس وينقل أخبار المسلمين مقلوبة إلى ولاة الأمر وإلى أصحاب الحل والعقد، كأن يقول لهم: إن هذا يحرض.
أو: إن ذاك يدعو إلى نزع يد الطاعة.
وما علم أولئك الولاة أن هؤلاء الذين يعتلون المنابر -وأقسم على ذلك- أنهم أكثر إخلاصاً من هؤلاء الذين ينقلون الأخبار إليهم.
وإذا كان أولئك الولاة مستقيمين على شرع الله ممتثلين أمره فهؤلاء الذين يعتلون المنابر يعلمون أن في أعناقهم لهم بيعة، وهذه البيعة يحرم عليهم نقضها بأي حال من الأحوال؛ لأنهم يعلمون أن الفتن لا تجر وراءها إلا فتناً أعظم منها، ومع ذلك كله فهناك كثير من هؤلاء الذين يتولون أمر المسلمين يفقدون الثقة بهؤلاء الدعاة والمصلحين، وفي المقابل فأصحاب المنابر والدعاة يفقد كثير منهم الثقة بالولاة، وما علموا أن دينهم يلزمهم بالطاعة ويحرم عليهم نزع يد الطاعة، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله برهان.
وعلى هذا نقول: إذا حصل إكرام الرجل مخافة شره في المسلمين دل دلالة واضحة على انحراف عريض في الأمة الإسلامية وفي المجتمع الإسلامي، ودل دلالة واضحة على أن هذه الأمة ليست بخير، وأنها معرضة لعقوبة الله ، وإنما يجب أن يكرم الرجل لتقواه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وعلى هذا يجب أن يكون التقدير للصالحين والأتقياء، وبمقدار ما يزيد صلاح هذا الإنسان يجب أن يرتفع في أعين الناس أكثر فأكثر، وحينما ينحرف فيجب على المسلمين أن يسقطوه من حسابهم حتى يرجع إلى الجادة، أما أن يكرم الرجل مخافة شره وبمقدار ما يقدمه من أذية لهؤلاء الناس يكرمونه ويقدرونه فهذا -كما قلنا- يدل دلالة واضحة على أن هذه الأمة قد انحرفت عن خطها المستقيم.
стр. 525
من علامات نزول العذاب بالناس أن يسود القبيلة الفساق
قوله: (وساد القبيلة فاسقهم) القبيلة يجب أن تكون لها قيادة، ويجب أن يكون العقلاء هم أصحاب الحل والعقد؛ لأنهم الذين يضبطون الأمور ويحلون المشاكل، ويحقون الحق ويبطلون الباطل، ولأنهم الذين يديرون دفة هذه القبيلة وهذه العشيرة، حينئذ لابد من أن تكون القيادة لهؤلاء الصالحين، لكن إذا كانت القيادة لغير الصالحين وساد القبيلة فاسقهم، وكان الفسقة هم أصحاب الحل والعقد في القبيلة وفي الأمة فحينئذ يصبح الأمر خطيراً؛ لأن الحياة سفينة، ولأن هذه السفينة تحتاج إلى قيادة حكيمة، وهذه القيادة هي التي تسير بهذه السفينة في خضم هذه الحياة إلى ساحل النجاة، فإذا كان ربان هذه السفينة منحرفاً ضالاً عاصياً فاسقاً فإن هذه السفينة ستصاب بعطل، أو ترسو في غير مكانها، وحينئذ تفسد الحياة ويتنغص العيش، ولربما تغرق السفينة، أما إذا ساد القبيلة صالحوها فذلك دليل على أن هذه القبيلة قد عرفت كيف تتعامل مع الله ، وكون زعيم القبيلة هو الأصلح والأتقى فذلك هو الأحق والأولى.
стр. 526
الآثار المترتبة على كون زعيم القوم أرذلهم وواجب المسلمين تجاه ذلك
يقول الرسول ﷺ : (وكان زعيم القوم أرذلهم).
الزعيم هو صاحب السلطة أياً كانت هذه السلطة، سواءٌ أكانت سلطة كبرى أم دونها، والسلطة في العالم الإسلامي وفي الدولة الإسلامية يجب أن تكون للصالحين، فإبراهيم ﵊ كما حكى الله عنه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] فكان جواب الله تعالى له أن قال: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤].
إذاً يجب أن تكون السلطة في أيدي الصالحين؛ لأنهم الذين يطبقون شرع الله ويحكمون بما أنزل الله ولا يبغون به بدلاً؛ لأنهم يعلمون أن من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر مرتد، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
وهذه السلطة تعتبر نيابة من الله واستخلافاً لرسوله ﷺ في هذه الأرض، فهو الخليفة الأول ﷺ لهذه الأمة، وما زال الخلفاء الراشدون ومن بعدهم يتوارثون هذا الحكم حسب المصلحة، حتى وصل إلى واقعنا اليوم.
يجب أن يكون أصحاب السلطة هم أقرب الناس إلى الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] لكن حينما يكون زعيم القوم فاسقهم تأتي البلية، ولربما يكون منهم كفرة طغاة كما نشاهده اليوم في جل العالم الإسلامي، فهؤلاء الزعماء يحكّمون شريعة الطاغوت وقوانين البشر، ويحكُمون الناس بالظلم والاستبداد، ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ولو كره المشركون.
وانظر -يا أخي- لترى من الذي يتولى أمور المسلمين اليوم في جل العالم الإسلامي؟! من هؤلاء؟! وستجد الجواب واضحاً حين تنظر إلى أفعال هؤلاء الحكام، إننا نخشى نزول العذاب إلا أن يعفو الله ويتجاوز ويصفح؛ لأنه إذا كان زعيم القوم أرذلهم فحينئذ يأتي البلاء وتأتي الفتنة.
نسأل الله أن يهدي قادتنا وولاة أمر المسلمين كافة إلى الطريق المستقيم وإلى الجادة، فنحن نشكر الله على تطبيق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في بلادنا، ونرجو من الله أكثر من ذلك، ونرجو أن يحارب الفساد في الأرض؛ فإن الله تعالى يقول لولاة المسلمين كافة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١].
ولا أزيد على ذلك في هذا الموضوع، وإنما نحن نبحث عن العافية، لكن ليعلم أنه إذا ساد القبيلة فاسقها فانتظر العقوبة، وإذا أردت الدليل على ذلك فليس هناك أدل من كلام الله وكلام رسوله، فانظر ماذا حدث في لبنان؟ وماذا يحدث في كل مكان من الأرض؟ أين الأندلس؟ وأين فلسطين؟ وأين أماكن كثيرة؟
стр. 527
الآثار المترتبة على لعن آخر هذه الأمة أولها
قوله: (ولعن آخر هذه الأمة أولها) ما هو الجزاء المترتب على ذلك، إنه كما قال ﷺ : (فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء) هل يمكن لآخر هذه الأمة أن تلعن أولها وأولها هم الذين أخذوا هذا الدين من فم رسول الله ﷺ طرياً ونقلوه إلينا، ونقل عنهم حتى وصل إلينا في أيامنا الحاضرة وكأننا نعيش مع رسول الله ﷺ وجهاً لوجه؟! هل يمكن لآخر هذه الأمة أن تلعن أولها وأولها هم الذين أقاموا دولة الإسلام السامقة التي رفرف علمها على جل المعمورة؟! نعم يوجد في آخر هذه الأمة في أيامنا الحاضرة من يلعن أولها، أول هذه الأمة وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، بل لم يسلم منهم خيرة الصحابة، وهم أبو بكر وعمر.
لقد أصبح كثير من آخر هذه الأمة في وقتنا يتجردون من كل قديم، فهؤلاء الحداثيون قد لوثوا وجه التاريخ في أيامنا الحاضرة، فهم يلعنون أول هذه الأمة، إن لم يلعنوهم بألسنتهم فإنهم يلعنونهم بأحوالهم وواقعهم، فهم يخرجون على كل قديم ويريدون كل جديد أياً كان هذا الجديد.
نقول لهؤلاء: نحن نرحب بأي جديد إذا كان لا يتنافى مع المنهج الصحيح الذي جاء به محمد ﵊ من عند ربه، ونرفض كل جديد يتنافى مع ما جاء به منهجنا الصحيح، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.
هل من المعقول أن يقول أحد الحداثيين: منذ نزول سورة تبت ومجيء محمد ﷺ ونحن في تأخر؟! نعم.
يقول ذلك.
إذاً هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مجددين يلعنون أول هذه الأمة ويسبونها، ويعتبرون أنها نقطة تخلف، حتى قال قائلهم ذات يوم: إنك لا تتصور تطلعنا وتلهفنا إلى حياة إنسانية منظورة منذ ثلاثة آلاف عام.
انظر إلى هذا الحد، حتى فترة التاريخ الإسلامي عند هذا وغيره يعتبرها في تخلف.
وهذا داروين الملحد الملعون يقول: كان الإنسان قرداً فصار إنساناً، أو كان حشرة تعفنت على وجه الأرض فصارت إنساناً.
فقول هذا القائل: نحن ما زلنا نتطلع إلى حياة إنسانية يعني: لم نصل بعد إلى ما قاله دارون الملحد الملعون.
إنها مصيبة وبلية.
إذاً إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، واعتبروا كل قديم متخلفاً، ورحبوا بكل جديد دون أن يعرضوه على الفكرة الصحيحة وعلى المنهج الصحيح فانتظر عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع.
أيها الأخ الكريم! لا ننسى ولا نتغافل هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي أسأل الله أن يحفظها وأن يبارك فيها، وأن يهدي المسئولين والقادة ليحيطوها بسياج منيع حتى تؤدي ثمارها، وبالرغم من وجود هذه الصحوة الإسلامية المباركة في هذه الفترة العصيبة من فترات التاريخ فإننا نرجو من الله مزيداً من الخير والاستقامة؛ لأن الله قد وعدنا بإظهار هذا الدين فقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
أخي في الله! العقوبات متوقعة في مثل هذه الفترات من فترات التاريخ، ولولا رحمة الله وكرمه ومنته وفضله وإحسانه لكانت هذه الأمة أثراً بعد عين، فهذا الربا قد أعلن عنه في وضح النهار أمام المسلمين، وأصبحنا بين كل فترة وأخرى نرى أرباع وأعشار متعلمين ممن يفتون بحل الربا، ويقولون: ليس هناك رباً إلا ربا الأضعاف المضاعفة، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، ويقول: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
ذنوب عظيمة أسأل الله أن يرزقنا سرعة التوبة والإنابة منها.
كما أسأل الله أن يوفق القادة والمسئولين وأصحاب الحل والعقد في بلادنا الطيبة المباركة التي تهوي إليها أفئدة العالمين أجمعين، والتي يستقبلها العالم الإسلامي في كل يوم خمس مرات في أفضل وأعظم فريضة أسأل الله تعالى أن يوفقهم للضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بالأخلاق أو بالفضائل أو بالمعتقدات.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 528
أخطار تهدد الأسرة المسلمة
إن المرأة جوهرة ودرة وكنز ثمين، وقد حفظها الإسلام وصانها ووضع سياجاً منيعاً من أجل الحفاظ عليها، فأمرها بالقرار في بيتها، وشرع لها الحجاب، ومنعها من الاختلاط بالرجال، إلا أن أعداء الله من الكفرة المجرمين، والمنافقين الشهوانيين ما فتئوا يكيدون ليلاً ونهاراً للوصول إلى هذه الدرة؛ كي يشوهوا جمالها وبهاءها، ويلبسوها العار والمذلة، فبثوا قنواتهم، ونشروا مجلاتهم، وعرضوا أزيائهم، حتى يفتنونها عن دينها.
стр. 529
تجنيد المرأة لهدم المجتمعات
الحمد لله الذي خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، والحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الصراع بين الحق وبين الباطل قديم قدم الحياة الدنيا، وباق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الصراع بين الحق والباطل بدأ منذ اللحظة التي خلق الله فيها آدم وتمرد إبليس عن السجود له وأهبط الله الجميع إلى الأرض، ﴿قَاْلَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة:٣٦]، ومنذ ذلك الوقت والصراع بين الحق والباطل باق وقديم، وسيبقى هذا الصراع، وسيكون للحق أعوان وأنصار وللباطل أعوان وأنصار ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، الصراع بين الحق والباطل قديم وباق، ويختار الله للحق أنصاراً، ويجند أقوام أنفسهم -أيضاً- للدفاع عن الباطل، لكن الباطل مهما ظهر ومهما انتفخ ومهما غر ضعاف العقول فإن مصيره إلى الزوال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨]، ومن هنا نستبشر برحمة الله وفضله.
أخي في الله! يقول الله مبيناً أن أعداء الإسلام والمروجين للباطل سيتخذون من المرأة وسيلة لتدمير المجتمعات الإسلامية، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]، ثم يشير الله إلى مواقف المبطلين فيقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦٢].
وقوله تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ) دليل على أن هذا العمل من الله سنة ماضية في القديم والحديث ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
ولذلك فإن الصراع بين الحق والباطل كثيراً ما يستخدم فيه الباطل المرأة لتكون له حبائل، ولتكون لأهله شراكاً يصطادون فيه المسلمين عن طريق الشهوة؛ لأن الله ركب الرجل والمرأة على هذه الشهوة التي فيها من الجاذبية والشدة والقوة الدافعة ما لا يتوافر في أي جانب آخر، ولذلك فإن الله تعالى قدم شهوة النساء على كل شهوة، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤]، فأول هذا المتاع هو شهوة النساء، ولذلك فإن الرسول ﷺ يقول: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)، ويقول ﵊ مبيناً أن المرأة تساوي فتنتها جميع الفتن، وأن كل الفتن في كفة وأن فتنة المرأة في كفة واحدة، وأن كفة المرأة تكاد أن ترجح بكل كفة، يقول الرسول ﷺ : (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)، فالدنيا تساويها كلها فتنة النساء.
ولذلك اهتم الإسلام بتربية المرأة والعناية بها اهتماماً بالغاً، حتى لا تكون فتنة أو وسيلة دمار، ولذلك ما قدم القرآن ذكر المرأة في أي موقف من المواقف إلا في موقف واحد، وهو الزنا، فنجد أن المرأة في كل الأمور يقدم الرجل عليها إلا في الزنا فقد ذكرها الله قبل الرجل فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]؛ لأن المرأة لديها من الدوافع والجاذبية إلى الزنا وفاحشة الزنا -نسأل الله العافية- ما لا يتوافر في أي شيء آخر، وإن امرأة واحدة لو خرجت متبرجة بين أمة لاستطاعت أن تفتن الكثير منهم إلا من عصم الله، ومن هنا قدمت المرأة على الرجل، وما قدمت في شيء آخر غير ذلك.
أما أعداء الإسلام فقد أدركوا خطر هذه المرأة، وقال قائلهم: إنه لا أحد أقدر على جر المجتمعات إلى الدمار من المرأة.
فاستعملت المرأة في هذا الأمر، لذلك لا نستغرب ونحن نرى أن المرأة اليوم قد أصبحت لعبة وأضحوكة ودمية بيد هؤلاء العابثين، وإذا أراد الإنسان أن يروج بضاعته وضع صورة امرأة على غلاف منتجه، حتى المجلات الساقطة التي ليس لها نصيب من الناس لابد أن توضع فيها صورة امرأة جميلة في مقدمتها حتى تكون جاذبة للمشترين، والطائرة أول ما تقابلنا فيها المرأة، وإذا كان قد ظهر الفساد في البر والبحر من قبل؛ ففي أيامنا الحاضرة ظهر حتى في الجو، والمرأة التي تشاهدها في الطائرة والله ما جاءت للخدمة؛ لأن الرجال ليس فيهم قلة، فالعالم كله يشتكي من قلة العمل، ومن شدة المئونة وقلة الوظائف إلى غير ذلك، والمرأة ليست بأقوى من الرجل، بل هي أضعف من الرجل في هذه الأمور، إنما وضعت للتسلية؛ لكي يتمتع بها هؤلاء الركاب، وبمقدار ما تتسابق شركات الطيران لتختار أجمل النساء بمقدار ما تكسب عدداً أكثر من الزبائن كما يقولون! ولقد رأيت بعيني في دولة من الدول التي تعيش بجوارنا إعلان عن اختيار مضيفات في الطائرات، ويقولون: ندفع كذا بدل تبرج! مما يدل على أن التبرج هو المقصود في هذا العمل، ولذلك إذا ركبت الطائرة ورأيت هذا العدد الهائل وهذا الطاقم الكبير من النساء لا تجد لهن شغلاً، إلا أن شركات الطيران تتسابق في اختيار أي النساء أجمل، ومع ذلك يقولون: إنهم من أنصار المرأة! حالوا بينها وبين عواطفها وأهلها وأولادها والزواج ومتاع الحياة الدنيا، ووضعوها معلقة بين السماء والأرض، واستخدموها وجعلوها دمية يتمتع بها الناس ووسيلة تسلية، ويقولون: إنهم من أنصار المرأة! هذا أكبر دليل على أن هذا العصر عصر إهانة المرأة، لا كما يزعمون أنهم من أنصار المرأة، ومن الباحثين عن حقوق المرأة وحريتها.
المهم أن أعداء الإسلام أدركوا أن الخطر يكمن في الشهوة، وأن أي أمة تعرض أمامها الشهوة تنزلق قدمها فيها، لما لهذه الشهوة من الجاذبية ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وما لا يحول بينه وبين الوقوع في الفاحشة إلا الإيمان القوي، استخدموا المرأة في هذا الأمر، ولقد استخدمها بنو إسرائيل قبل ذلك، والأمم التي أرادت أن تفسد المجتمعات كانت تستخدم المرأة، وفي أيامنا الحاضرة يركز على المرأة تركيزاً عظيماً لا يساويه شيء في عظمته.
من هنا نقول: إن أعداء الإسلام أدركوا الخطر الذي تشكله المرأة على المجتمع، فجندوا المرأة لهدم المجتمعات الإنسانية، وأي أمة تقع في الفاحشة فإنها تسقط من عين الله، وهذا شيء مشاهد، ونلمسه من أن أي شباب من شبابنا يتجهون إلى الفساد الجنسي، تفسد عقيدتهم، وإذا لم يعتنقوا ديانة يهودية أو نصرانية أو إلحاداً فإنهم سيتخلون عن الإسلام في الغالب، وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى شبابنا الذين يذهبون إلى البلاد المنحلة، تجد هذا الشاب لا يرجع منحل الأخلاق فقط، وإنما أيضاً منحل العقيدة، وهذا هو الهدف الذي يسعى إليه أعداؤنا في هذا الجانب.
وعلى كلٍ فإن المرأة استهدفت في مثل هذه الأيام، وقامت جمعيات للمرأة الهدف من ورائها انحلال وإفساد المرأة، وإن من يسافر إلى البلاد المتبرجة يجد أن المرأة قد فقدت كل شخصيتها، وأصبحت لا تبالي حتى لو خرجت عارية، ولذلك انتشر الفساد في الحدائق والأسواق وأماكن كثيرة في البلاد الغربية التي وصلت إلى آخر مستوى، وصارت قوانينها تهبط كلما هبط هذا الإنسان، وهبط القانون حتى أصبحنا نسمع في بعض البلاد أن الشذوذ الجنسي، وزواج الذكر بالذكر ونوادي العراة أصبحت شيئاً رسمياً في تلك البلاد لا غبار عليها، والمنافقون في كل بلد الذين ينعقون ويبحثون عن حرية وحقوق المرأة يريدون ذلك، مصداقاً لقول الرسول ﷺ : (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم).
وعلى كل فإن البلاد التي لا تستطيع أن تقول: نريد نوادي للبنات -وإن كانت تقال في بعض الأحيان، ولكن الظروف لا تسمح للاستجابة لها- فإنها تقول: نريد جمعيات خيرية نسوية.
يصبغونها بهذه الصبغة الطيبة، ويقصدون بالجمعيات الخيرية النسوية أن تخرج المرأة في شيء يشبه الأندية الرياضية للشباب، لكنها مغطاة ومطلية بهذا الطلاء، وملفوفة بهذا الغلاف الكاذب، هذه الجمعيات النسوية التي تخرج المرأة، ولذلك في البلاد التي هي قلب بلاد الإسلام لو تتبعت أخبار بعض الجمعيات لوجدت ما يدمي القلب.
وعلى كل فهذه التسمية ليست غريبة، فإن كثيراً من الآثام والجرائم التي انتشرت في المجتمعات الإسلامية اليوم سميت بغير أسمائها، فهم يسمون الخمر مشروبات روحية، والغناء فناً، والنفاق مجاملة، والكذب دبلوماسية، من خلال ذلك أيضاً سموا إخراج المرأة من بيتها جمعيات خيرية نسوية، والله تعالى يعلم ما يحدث وراء ذلك.
اتهموا الإسلام أيضاً بأنه ظلم المرأة، ونصبوا أنفسهم أنصاراً للمرأة، ويقولون: الإسلام ظلم المرأة، وأباح تعدد الزوجات، وجعل الطلاق بيد الرجل، وفعل فعل إلى غير ذلك.
فقالوا: إنه
стр. 530
المرأة في الجاهلية
المرأة في الجاهلية قبل الإسلام -باختصار- ما كانت إنساناً معترفاً به، فكان كثير منهم يشك: هل المرأة لها روح -كما عند الرومان-؟ وهل هي إنسان؟ وهل هي من فصيلة الحيوان؟ وبعضهم يعتبرها من فصيلة الجن والشياطين، وبعضهم يعتبرها فتنة فقط لا تعدو غير ذلك، وكانت المرأة في الجاهلية الأولى تتفسخ وتنحل، كما أشار الله إلى ذلك لما قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، ثم جاءت الجاهلية الثانية كرد فعل للجاهلية الأولى، فبالغوا في إحكام القبضة على المرأة قبل الإسلام، فكانوا يعتبرونها من أشر خلق الله، وكانوا يحرمونها من أبسط الحقوق، حتى قالوا: لا ترث.
فلا يرث عند أهل الجاهلية إلا من حمل السلاح وركب الفرس وعمل وعمل، أما عن المرأة فيقولون: هي إنسان ناقص ليس مكتملاً، فلا ترث.
إلى أن أنزل الله قوله في سورة النساء: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ [النساء:٧] حتى الإبرة يجب إذا مات الموروث أن تأخذ المرأة نصيبها منها، ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧]، فقد أكده الله ، وسنتحدث في آخر الحديث إن شاء الله عن بعض الشبهات التي يثيرها الأعداء بالنسبة للميراث.
كانت المرأة تورث أيضاً، فكان الزوج في الجاهلية إذا مات عن زوجته فإن أقرب أولاده من غيرها يرثها، فكانوا يتسابقون حينما تخرج روح الميت، فأول من يلقي عليها رداءً يكون أحق بها، ويحق له أن يتزوجها ويتمتع بها، أو يبيعها أو يتصرف بها كما يحلو له، مثلها مثل سائر المتاع الذي يورث، هذه الزوجة كانت في الجاهلية، إلى أن أنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، فأصبحت المرأة إنساناً في نظر الإسلام، بل إنساناً مكتمل الإنسانية فلا تورث.
وأعظم من ذلك وأفظع منه أنها كانت توأد في الجاهلية، فقد مرت فترة طويلة في الجاهلية كان إذا بشر أحدهم بالأنثى يصير حاله كما أخبر الله ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، يعني: يتألم ويشعر بالخيبة وبالخجل أمام الناس إذا بشر ببنت ولدت له ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] يختفي عن أعين الناس؛ لأنه أصيب بمصيبة ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل:٥٩]، ويكون بين أحد أمرين: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل:٥٩] فهو يمسك هذه البنت ويحتفظ بها وهو يشعر بالذلة بين قومه ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩] يعني: بعض الأحيان يمسكها على هون وتأخذه العاطفة، فيبقيها وهو يشعر بأنه ذليل؛ لأنه ولدت له بنت، أو يدسها في التراب بأن يحفر لها وهي حية ويدفنها، وهي الموءودة التي يقول الله عنها: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩].
وبقي الناس على هذا الأمر طول أيام الجاهلية، إلى أن شع نور الإسلام فأصبحت المرأة إنساناً محترماً، ومع ذلك يقولون: المرأة مظلومة في الإسلام!
следующие страницы →