← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الآثار المترتبة على كون زعيم القوم أرذلهم وواجب المسلمين تجاه ذلك يقول الرسول ﷺ : (وكان زعيم القوم أرذلهم). الزعيم هو صاحب السلطة أياً كانت هذه السلطة، سواءٌ أكانت سلطة كبرى أم دونها، والسلطة في العالم الإسلامي وفي الدولة الإسلامية يجب أن تكون للصالحين، فإبراهيم ﵊ كما حكى الله عنه قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] فكان جواب الله تعالى له أن قال: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]. إذاً يجب أن تكون السلطة في أيدي الصالحين؛ لأنهم الذين يطبقون شرع الله ويحكمون بما أنزل الله ولا يبغون به بدلاً؛ لأنهم يعلمون أن من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر مرتد، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]. وهذه السلطة تعتبر نيابة من الله واستخلافاً لرسوله ﷺ في هذه الأرض، فهو الخليفة الأول ﷺ لهذه الأمة، وما زال الخلفاء الراشدون ومن بعدهم يتوارثون هذا الحكم حسب المصلحة، حتى وصل إلى واقعنا اليوم. يجب أن يكون أصحاب السلطة هم أقرب الناس إلى الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] لكن حينما يكون زعيم القوم فاسقهم تأتي البلية، ولربما يكون منهم كفرة طغاة كما نشاهده اليوم في جل العالم الإسلامي، فهؤلاء الزعماء يحكّمون شريعة الطاغوت وقوانين البشر، ويحكُمون الناس بالظلم والاستبداد، ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ولو كره المشركون. وانظر -يا أخي- لترى من الذي يتولى أمور المسلمين اليوم في جل العالم الإسلامي؟! من هؤلاء؟! وستجد الجواب واضحاً حين تنظر إلى أفعال هؤلاء الحكام، إننا نخشى نزول العذاب إلا أن يعفو الله ويتجاوز ويصفح؛ لأنه إذا كان زعيم القوم أرذلهم فحينئذ يأتي البلاء وتأتي الفتنة. نسأل الله أن يهدي قادتنا وولاة أمر المسلمين كافة إلى الطريق المستقيم وإلى الجادة، فنحن نشكر الله على تطبيق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في بلادنا، ونرجو من الله أكثر من ذلك، ونرجو أن يحارب الفساد في الأرض؛ فإن الله تعالى يقول لولاة المسلمين كافة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]. ولا أزيد على ذلك في هذا الموضوع، وإنما نحن نبحث عن العافية، لكن ليعلم أنه إذا ساد القبيلة فاسقها فانتظر العقوبة، وإذا أردت الدليل على ذلك فليس هناك أدل من كلام الله وكلام رسوله، فانظر ماذا حدث في لبنان؟ وماذا يحدث في كل مكان من الأرض؟ أين الأندلس؟ وأين فلسطين؟ وأين أماكن كثيرة؟

стр. 527

الآثار المترتبة على لعن آخر هذه الأمة أولها قوله: (ولعن آخر هذه الأمة أولها) ما هو الجزاء المترتب على ذلك، إنه كما قال ﷺ : (فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء) هل يمكن لآخر هذه الأمة أن تلعن أولها وأولها هم الذين أخذوا هذا الدين من فم رسول الله ﷺ طرياً ونقلوه إلينا، ونقل عنهم حتى وصل إلينا في أيامنا الحاضرة وكأننا نعيش مع رسول الله ﷺ وجهاً لوجه؟! هل يمكن لآخر هذه الأمة أن تلعن أولها وأولها هم الذين أقاموا دولة الإسلام السامقة التي رفرف علمها على جل المعمورة؟! نعم يوجد في آخر هذه الأمة في أيامنا الحاضرة من يلعن أولها، أول هذه الأمة وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، بل لم يسلم منهم خيرة الصحابة، وهم أبو بكر وعمر. لقد أصبح كثير من آخر هذه الأمة في وقتنا يتجردون من كل قديم، فهؤلاء الحداثيون قد لوثوا وجه التاريخ في أيامنا الحاضرة، فهم يلعنون أول هذه الأمة، إن لم يلعنوهم بألسنتهم فإنهم يلعنونهم بأحوالهم وواقعهم، فهم يخرجون على كل قديم ويريدون كل جديد أياً كان هذا الجديد. نقول لهؤلاء: نحن نرحب بأي جديد إذا كان لا يتنافى مع المنهج الصحيح الذي جاء به محمد ﵊ من عند ربه، ونرفض كل جديد يتنافى مع ما جاء به منهجنا الصحيح، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها. هل من المعقول أن يقول أحد الحداثيين: منذ نزول سورة تبت ومجيء محمد ﷺ ونحن في تأخر؟! نعم. يقول ذلك. إذاً هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مجددين يلعنون أول هذه الأمة ويسبونها، ويعتبرون أنها نقطة تخلف، حتى قال قائلهم ذات يوم: إنك لا تتصور تطلعنا وتلهفنا إلى حياة إنسانية منظورة منذ ثلاثة آلاف عام. انظر إلى هذا الحد، حتى فترة التاريخ الإسلامي عند هذا وغيره يعتبرها في تخلف. وهذا داروين الملحد الملعون يقول: كان الإنسان قرداً فصار إنساناً، أو كان حشرة تعفنت على وجه الأرض فصارت إنساناً. فقول هذا القائل: نحن ما زلنا نتطلع إلى حياة إنسانية يعني: لم نصل بعد إلى ما قاله دارون الملحد الملعون. إنها مصيبة وبلية. إذاً إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، واعتبروا كل قديم متخلفاً، ورحبوا بكل جديد دون أن يعرضوه على الفكرة الصحيحة وعلى المنهج الصحيح فانتظر عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع. أيها الأخ الكريم! لا ننسى ولا نتغافل هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي أسأل الله أن يحفظها وأن يبارك فيها، وأن يهدي المسئولين والقادة ليحيطوها بسياج منيع حتى تؤدي ثمارها، وبالرغم من وجود هذه الصحوة الإسلامية المباركة في هذه الفترة العصيبة من فترات التاريخ فإننا نرجو من الله مزيداً من الخير والاستقامة؛ لأن الله قد وعدنا بإظهار هذا الدين فقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. أخي في الله! العقوبات متوقعة في مثل هذه الفترات من فترات التاريخ، ولولا رحمة الله وكرمه ومنته وفضله وإحسانه لكانت هذه الأمة أثراً بعد عين، فهذا الربا قد أعلن عنه في وضح النهار أمام المسلمين، وأصبحنا بين كل فترة وأخرى نرى أرباع وأعشار متعلمين ممن يفتون بحل الربا، ويقولون: ليس هناك رباً إلا ربا الأضعاف المضاعفة، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، ويقول: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. ذنوب عظيمة أسأل الله أن يرزقنا سرعة التوبة والإنابة منها. كما أسأل الله أن يوفق القادة والمسئولين وأصحاب الحل والعقد في بلادنا الطيبة المباركة التي تهوي إليها أفئدة العالمين أجمعين، والتي يستقبلها العالم الإسلامي في كل يوم خمس مرات في أفضل وأعظم فريضة أسأل الله تعالى أن يوفقهم للضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بالأخلاق أو بالفضائل أو بالمعتقدات. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 528

أخطار تهدد الأسرة المسلمة إن المرأة جوهرة ودرة وكنز ثمين، وقد حفظها الإسلام وصانها ووضع سياجاً منيعاً من أجل الحفاظ عليها، فأمرها بالقرار في بيتها، وشرع لها الحجاب، ومنعها من الاختلاط بالرجال، إلا أن أعداء الله من الكفرة المجرمين، والمنافقين الشهوانيين ما فتئوا يكيدون ليلاً ونهاراً للوصول إلى هذه الدرة؛ كي يشوهوا جمالها وبهاءها، ويلبسوها العار والمذلة، فبثوا قنواتهم، ونشروا مجلاتهم، وعرضوا أزيائهم، حتى يفتنونها عن دينها.

стр. 529

تجنيد المرأة لهدم المجتمعات الحمد لله الذي خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، والحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الصراع بين الحق وبين الباطل قديم قدم الحياة الدنيا، وباق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. الصراع بين الحق والباطل بدأ منذ اللحظة التي خلق الله فيها آدم وتمرد إبليس عن السجود له وأهبط الله الجميع إلى الأرض، ﴿قَاْلَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة:٣٦]، ومنذ ذلك الوقت والصراع بين الحق والباطل باق وقديم، وسيبقى هذا الصراع، وسيكون للحق أعوان وأنصار وللباطل أعوان وأنصار ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، الصراع بين الحق والباطل قديم وباق، ويختار الله للحق أنصاراً، ويجند أقوام أنفسهم -أيضاً- للدفاع عن الباطل، لكن الباطل مهما ظهر ومهما انتفخ ومهما غر ضعاف العقول فإن مصيره إلى الزوال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨]، ومن هنا نستبشر برحمة الله وفضله. أخي في الله! يقول الله مبيناً أن أعداء الإسلام والمروجين للباطل سيتخذون من المرأة وسيلة لتدمير المجتمعات الإسلامية، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]، ثم يشير الله إلى مواقف المبطلين فيقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦٢]. وقوله تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ) دليل على أن هذا العمل من الله سنة ماضية في القديم والحديث ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢]. ولذلك فإن الصراع بين الحق والباطل كثيراً ما يستخدم فيه الباطل المرأة لتكون له حبائل، ولتكون لأهله شراكاً يصطادون فيه المسلمين عن طريق الشهوة؛ لأن الله ركب الرجل والمرأة على هذه الشهوة التي فيها من الجاذبية والشدة والقوة الدافعة ما لا يتوافر في أي جانب آخر، ولذلك فإن الله تعالى قدم شهوة النساء على كل شهوة، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤]، فأول هذا المتاع هو شهوة النساء، ولذلك فإن الرسول ﷺ يقول: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)، ويقول ﵊ مبيناً أن المرأة تساوي فتنتها جميع الفتن، وأن كل الفتن في كفة وأن فتنة المرأة في كفة واحدة، وأن كفة المرأة تكاد أن ترجح بكل كفة، يقول الرسول ﷺ : (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)، فالدنيا تساويها كلها فتنة النساء. ولذلك اهتم الإسلام بتربية المرأة والعناية بها اهتماماً بالغاً، حتى لا تكون فتنة أو وسيلة دمار، ولذلك ما قدم القرآن ذكر المرأة في أي موقف من المواقف إلا في موقف واحد، وهو الزنا، فنجد أن المرأة في كل الأمور يقدم الرجل عليها إلا في الزنا فقد ذكرها الله قبل الرجل فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]؛ لأن المرأة لديها من الدوافع والجاذبية إلى الزنا وفاحشة الزنا -نسأل الله العافية- ما لا يتوافر في أي شيء آخر، وإن امرأة واحدة لو خرجت متبرجة بين أمة لاستطاعت أن تفتن الكثير منهم إلا من عصم الله، ومن هنا قدمت المرأة على الرجل، وما قدمت في شيء آخر غير ذلك. أما أعداء الإسلام فقد أدركوا خطر هذه المرأة، وقال قائلهم: إنه لا أحد أقدر على جر المجتمعات إلى الدمار من المرأة. فاستعملت المرأة في هذا الأمر، لذلك لا نستغرب ونحن نرى أن المرأة اليوم قد أصبحت لعبة وأضحوكة ودمية بيد هؤلاء العابثين، وإذا أراد الإنسان أن يروج بضاعته وضع صورة امرأة على غلاف منتجه، حتى المجلات الساقطة التي ليس لها نصيب من الناس لابد أن توضع فيها صورة امرأة جميلة في مقدمتها حتى تكون جاذبة للمشترين، والطائرة أول ما تقابلنا فيها المرأة، وإذا كان قد ظهر الفساد في البر والبحر من قبل؛ ففي أيامنا الحاضرة ظهر حتى في الجو، والمرأة التي تشاهدها في الطائرة والله ما جاءت للخدمة؛ لأن الرجال ليس فيهم قلة، فالعالم كله يشتكي من قلة العمل، ومن شدة المئونة وقلة الوظائف إلى غير ذلك، والمرأة ليست بأقوى من الرجل، بل هي أضعف من الرجل في هذه الأمور، إنما وضعت للتسلية؛ لكي يتمتع بها هؤلاء الركاب، وبمقدار ما تتسابق شركات الطيران لتختار أجمل النساء بمقدار ما تكسب عدداً أكثر من الزبائن كما يقولون! ولقد رأيت بعيني في دولة من الدول التي تعيش بجوارنا إعلان عن اختيار مضيفات في الطائرات، ويقولون: ندفع كذا بدل تبرج! مما يدل على أن التبرج هو المقصود في هذا العمل، ولذلك إذا ركبت الطائرة ورأيت هذا العدد الهائل وهذا الطاقم الكبير من النساء لا تجد لهن شغلاً، إلا أن شركات الطيران تتسابق في اختيار أي النساء أجمل، ومع ذلك يقولون: إنهم من أنصار المرأة! حالوا بينها وبين عواطفها وأهلها وأولادها والزواج ومتاع الحياة الدنيا، ووضعوها معلقة بين السماء والأرض، واستخدموها وجعلوها دمية يتمتع بها الناس ووسيلة تسلية، ويقولون: إنهم من أنصار المرأة! هذا أكبر دليل على أن هذا العصر عصر إهانة المرأة، لا كما يزعمون أنهم من أنصار المرأة، ومن الباحثين عن حقوق المرأة وحريتها. المهم أن أعداء الإسلام أدركوا أن الخطر يكمن في الشهوة، وأن أي أمة تعرض أمامها الشهوة تنزلق قدمها فيها، لما لهذه الشهوة من الجاذبية ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وما لا يحول بينه وبين الوقوع في الفاحشة إلا الإيمان القوي، استخدموا المرأة في هذا الأمر، ولقد استخدمها بنو إسرائيل قبل ذلك، والأمم التي أرادت أن تفسد المجتمعات كانت تستخدم المرأة، وفي أيامنا الحاضرة يركز على المرأة تركيزاً عظيماً لا يساويه شيء في عظمته. من هنا نقول: إن أعداء الإسلام أدركوا الخطر الذي تشكله المرأة على المجتمع، فجندوا المرأة لهدم المجتمعات الإنسانية، وأي أمة تقع في الفاحشة فإنها تسقط من عين الله، وهذا شيء مشاهد، ونلمسه من أن أي شباب من شبابنا يتجهون إلى الفساد الجنسي، تفسد عقيدتهم، وإذا لم يعتنقوا ديانة يهودية أو نصرانية أو إلحاداً فإنهم سيتخلون عن الإسلام في الغالب، وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى شبابنا الذين يذهبون إلى البلاد المنحلة، تجد هذا الشاب لا يرجع منحل الأخلاق فقط، وإنما أيضاً منحل العقيدة، وهذا هو الهدف الذي يسعى إليه أعداؤنا في هذا الجانب. وعلى كلٍ فإن المرأة استهدفت في مثل هذه الأيام، وقامت جمعيات للمرأة الهدف من ورائها انحلال وإفساد المرأة، وإن من يسافر إلى البلاد المتبرجة يجد أن المرأة قد فقدت كل شخصيتها، وأصبحت لا تبالي حتى لو خرجت عارية، ولذلك انتشر الفساد في الحدائق والأسواق وأماكن كثيرة في البلاد الغربية التي وصلت إلى آخر مستوى، وصارت قوانينها تهبط كلما هبط هذا الإنسان، وهبط القانون حتى أصبحنا نسمع في بعض البلاد أن الشذوذ الجنسي، وزواج الذكر بالذكر ونوادي العراة أصبحت شيئاً رسمياً في تلك البلاد لا غبار عليها، والمنافقون في كل بلد الذين ينعقون ويبحثون عن حرية وحقوق المرأة يريدون ذلك، مصداقاً لقول الرسول ﷺ : (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم). وعلى كل فإن البلاد التي لا تستطيع أن تقول: نريد نوادي للبنات -وإن كانت تقال في بعض الأحيان، ولكن الظروف لا تسمح للاستجابة لها- فإنها تقول: نريد جمعيات خيرية نسوية. يصبغونها بهذه الصبغة الطيبة، ويقصدون بالجمعيات الخيرية النسوية أن تخرج المرأة في شيء يشبه الأندية الرياضية للشباب، لكنها مغطاة ومطلية بهذا الطلاء، وملفوفة بهذا الغلاف الكاذب، هذه الجمعيات النسوية التي تخرج المرأة، ولذلك في البلاد التي هي قلب بلاد الإسلام لو تتبعت أخبار بعض الجمعيات لوجدت ما يدمي القلب. وعلى كل فهذه التسمية ليست غريبة، فإن كثيراً من الآثام والجرائم التي انتشرت في المجتمعات الإسلامية اليوم سميت بغير أسمائها، فهم يسمون الخمر مشروبات روحية، والغناء فناً، والنفاق مجاملة، والكذب دبلوماسية، من خلال ذلك أيضاً سموا إخراج المرأة من بيتها جمعيات خيرية نسوية، والله تعالى يعلم ما يحدث وراء ذلك. اتهموا الإسلام أيضاً بأنه ظلم المرأة، ونصبوا أنفسهم أنصاراً للمرأة، ويقولون: الإسلام ظلم المرأة، وأباح تعدد الزوجات، وجعل الطلاق بيد الرجل، وفعل فعل إلى غير ذلك. فقالوا: إنه

стр. 530

المرأة في الجاهلية المرأة في الجاهلية قبل الإسلام -باختصار- ما كانت إنساناً معترفاً به، فكان كثير منهم يشك: هل المرأة لها روح -كما عند الرومان-؟ وهل هي إنسان؟ وهل هي من فصيلة الحيوان؟ وبعضهم يعتبرها من فصيلة الجن والشياطين، وبعضهم يعتبرها فتنة فقط لا تعدو غير ذلك، وكانت المرأة في الجاهلية الأولى تتفسخ وتنحل، كما أشار الله إلى ذلك لما قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، ثم جاءت الجاهلية الثانية كرد فعل للجاهلية الأولى، فبالغوا في إحكام القبضة على المرأة قبل الإسلام، فكانوا يعتبرونها من أشر خلق الله، وكانوا يحرمونها من أبسط الحقوق، حتى قالوا: لا ترث. فلا يرث عند أهل الجاهلية إلا من حمل السلاح وركب الفرس وعمل وعمل، أما عن المرأة فيقولون: هي إنسان ناقص ليس مكتملاً، فلا ترث. إلى أن أنزل الله قوله في سورة النساء: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ [النساء:٧] حتى الإبرة يجب إذا مات الموروث أن تأخذ المرأة نصيبها منها، ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧]، فقد أكده الله ، وسنتحدث في آخر الحديث إن شاء الله عن بعض الشبهات التي يثيرها الأعداء بالنسبة للميراث. كانت المرأة تورث أيضاً، فكان الزوج في الجاهلية إذا مات عن زوجته فإن أقرب أولاده من غيرها يرثها، فكانوا يتسابقون حينما تخرج روح الميت، فأول من يلقي عليها رداءً يكون أحق بها، ويحق له أن يتزوجها ويتمتع بها، أو يبيعها أو يتصرف بها كما يحلو له، مثلها مثل سائر المتاع الذي يورث، هذه الزوجة كانت في الجاهلية، إلى أن أنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، فأصبحت المرأة إنساناً في نظر الإسلام، بل إنساناً مكتمل الإنسانية فلا تورث. وأعظم من ذلك وأفظع منه أنها كانت توأد في الجاهلية، فقد مرت فترة طويلة في الجاهلية كان إذا بشر أحدهم بالأنثى يصير حاله كما أخبر الله ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، يعني: يتألم ويشعر بالخيبة وبالخجل أمام الناس إذا بشر ببنت ولدت له ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] يختفي عن أعين الناس؛ لأنه أصيب بمصيبة ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل:٥٩]، ويكون بين أحد أمرين: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل:٥٩] فهو يمسك هذه البنت ويحتفظ بها وهو يشعر بالذلة بين قومه ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩] يعني: بعض الأحيان يمسكها على هون وتأخذه العاطفة، فيبقيها وهو يشعر بأنه ذليل؛ لأنه ولدت له بنت، أو يدسها في التراب بأن يحفر لها وهي حية ويدفنها، وهي الموءودة التي يقول الله عنها: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. وبقي الناس على هذا الأمر طول أيام الجاهلية، إلى أن شع نور الإسلام فأصبحت المرأة إنساناً محترماً، ومع ذلك يقولون: المرأة مظلومة في الإسلام!

стр. 531

حفاظ الإسلام على حقوق المرأة لقد حافظ الإسلام على حقوق المرأة من عدة جوانب: منها: أن الإسلام اعترف بالمرأة إنساناً له حقوقه وحريته وأخذه وإعطاؤه وبيعه وشراؤه، وله جزاؤه في الآخرة، كما قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]، فشعرت المرأة بأن حقها محفوظ عند الله في الآخرة، أما في الدنيا فلها أن تزاول كل الأعمال التي تختص بالنساء من البيع والشراء والأخذ والإعطاء والاستئجار والإيجار إلى غير ذلك من المعاملات التي أعطاها الإسلام في إطار محدود، بحيث لا يؤدي ذلك إلى فساد المرأة ولا إلى فساد المجتمع. ومنها: أن الإسلام ألزم الرجل بعشرة المرأة عشرة حسنة، وحرم العشرة السيئة، فقال الله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وأثبت لها حقاً كحق الرجل، فلما ذكر الله حقوق الرجل على المرأة ذكر أن مثل هذه الحقوق للمرأة على الرجل لكنها بالمعروف، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، حتى لا تطلب المرأة حقاً لا يتناسب مع تفكيرها وتركيبها وما أراده لله لها في هذا المجتمع، ولذلك فإن الإسلام أمر بالعشرة وحرم الظلم، وأخبر الرسول ﷺ بأن: (من كانت له زوجتان ومال إلى إحداهما دون الأخرى يأتي يوم القيامة وشقه ساقط أو مائل)، وأمر بالإحسان إليها، وبالنفقة عليها، حتى قال علماء الإسلام: إن الرجل إذا عجز عن النفقة على زوجته -ولو كانت غنية- فلها أن تطالبه بذلك وتحتفظ بحقها وبمالها، وإلا فلها أن تطلب الطلاق منه، وللقاضي وللمحكمة أن تجبر الزوج الذي عجز عن النفقة على زوجته أن يطلقها إجباراً لتختار زوجاً موسراً. أي حق أكثر من هذا الحق تريده المرأة؟! ثرية وزوجها فقير ويلزم بالنفقة عليها من غير مالها، ويجبر على طلاقها إذا عجز عن النفقة عليها! هذا حق من حقوقها الذي أثبته الإسلام، كما أن الإسلام ألغى استعباد المرأة، فالمرأة -كما عرفنا- كانت مستذلة مستعبدة، فجعلها الإسلام إنساناً كاملاً له حقه وحريته في حدود. كما أثبت لها حق الميراث، فأعطاها نصف حق الرجل في بعض الأحيان, وفي بعض الأحيان تساوي الرجل، وفي بعض الأحيان قد تزيد على الرجل، وعلى كل فإن هذا الميراث -أيضاً- إنصاف للمرأة، وسيأتينا ضمن الشبهات التي يثيرها القوم في آخر الحديث إن شاء الله. وأعطاها الإسلام أيضاً حرية اختيار الزوج، لكن الزوج الصالح، فلا يجوز لأبيها أن يجبرها على رجل هي لا تقبله، صحيح أنه يجب على الأب أن يرفض اختيارها الرجل غير الصالح، لكن حينما يتقدم رجلان صالحان يستويان في الكفاءة والصلاح فالحق لها في اختيار أيهما تريد، أما لو اختارت رجلاً فاسقاً فمن باب مصلحتها أن الإسلام لا يعطيها الحرية في اختيار الزوج في مثل هذه الحال، أما إذا تقدم لها رجلان صالحان فلها أن تختار أيهما تريد إذا استويا في الصلاح أو تقاربا في الصلاح. كذلك أيضاً احترم الإسلام عواطفها الإنسانية، أما في أيامنا الحاضرة فإن الشيوعية الملحدة هي أكبر من يهين المرأة ويخرج على عواطفها ورغباتها وشهواتها الفطرية، فالشيوعية تريد من المرأة أن تكون وسيلة تفريخ، تلد الأولاد وليس لها حق العاطفة مع هؤلاء الأولاد، النساء كلهن أزواج لكل الرجال، فليس لرجل ما زوجة تخصه، هذا في نظر الشيوعية الملحدة آخر مخطط من مخططاتها، فيلغون الزواج بحيث تصبح كل امرأة في المجتمع زوجة لكل رجل من رجال المجتمع، المهم أن تنتج هذه الشيوعية الملحدة من هذه المرأة أطفالاً يكونون رجالاً لهذه الدولة، هذا هو ما يحدث الآن حتى في روسيا، ولذلك إخواننا الأفغان أكثر ما واجههم من العتو والنفور كان عن طريق جنود يسمون (الكمندوز) أبناء الزنا في روسيا، يدخلون الرجل على المرأة فتلد طفلاً فتأخذه الدولة ملكاً لها، فتربيه تربية خاصة جسمية وعقلية وحربية، ثم تزج به في الحرب، ولذلك أكثر ما استعمل هؤلاء الرجال في حرب الأفغان، وهم الذين يسمون الكمندوز، الذين -والحمد لله- أفناهم إخواننا الأفغان عن آخرهم في هذه الحرب، وقطعوهم تقطيعاً. المهم أن المرأة في نظر الشيوعية وسيلة تفريخ، بقطع النظر عن عواطفها ورغباتها وشهواتها، من أراد أن ينزو عليها من هؤلاء الرجال فله ذلك، أما هؤلاء الأولاد فإنهم يأخذون منها، ويحال بينها وبين هذه العاطفة التي هي عاطفة البنوة، التي هي أكثر ما تسعى إليه المرأة في كل فترة من فترات التاريخ، أما الإسلام فقد احترم هذه العاطفة، ولذلك حرم الزنا، وتحريم الزنا يعتبر احتراماً لهذه العاطفة؛ لأن الولد الذي تلده المرأة عن طريق الزنا لا تتمكن من الحياة معه, ولا تعترف به ولا يعترف بها، ولذلك حرم الزنا من أجل أن يبني عشاً طاهراً عن طريق الزواج، ومن أجل أن تنجب هذه المرأة أطفالاً صالحين تشبع بهم رغباتها وعواطفها، وتعيش معهم ويعيشون معها، تؤدي الواجب نحوهم في أيام طفولتهم، ويؤدون الواجب نحوها في أيام كبرها. هذه العاطفة لم يحترمها منهج ولا نظام كالإسلام، ولذلك إذا قرأنا نظرة الإسلام إلى النواحي الاجتماعية والعواطف الزوجية والبنوة وحق المرأة في هؤلاء الأطفال لا نجد نظاماً غير نظام الإسلام يحترم هذه العاطفة، والدليل على ذلك أننا إذا ضربنا صفحاً عن الشيوعية الملحدة التي لا تحترم عواطف المرأة وإنما تعتبرها وسيلة تفريخ فإننا سننظر إلى البلاد الغربية -مثلاً- ونترك البلاد الشرقية؛ لأن هذه بلاد على خلاف الفطرة، والبلاد الغربية أيضاً على خلاف الفطرة، فالولد يختفي ويغيب عن عيني والديه مدة طويلة من الزمن، ثم يقابلهما فلا تزيد مقابلته لهما على أن يشير إليهما بيده من بعد وكأنه رآهما قبل دقائق، مع أنه مضى بينه وبينهما سنوات لم يرهما؛ لأن العواطف الإنسانية قد فقدت في هذه المجتمعات الغربية. ولقد اعتنق شاب من النصارى الأوروبيين الإسلام، وسألته: لماذا اعتنقت الإسلام؟ قال: والله ما كنت أتصور أن هذه العواطف تحترم في دين كدين الإسلام، كنت أقابل أمي في مقهى أو مطعم في أوروبا بعد سنين وبعد غيبة فلا أزيد على الإشارة باليد، ولما عشت في بلاد إسلامية فرأيت الولد يأتي في الصباح فيقبل رأس أبيه، ويقبل رأس أمه، ولا يستطيع أن يعيش بعيداً عن أبيه وأمه، عرفت أن الإسلام هو دين الفطرة، وأنه هو الذي يحترم هذه العواطف. ولذلك في نظام الغرب الآن البنت إذا بلغت ثماني عشرة سنة فعليها أن تغادر البيت وتبحث لها عن مأوى غير هذا البيت، ولو على حساب عرضها وشرفها، وليس هناك عرض ولا شرف يحافظ عليه، وكذلك الابن. وعلى كلٍ فنشكر الله على نعمة الإسلام، ولذلك الذين يريدون أن يخرجوا بالمرأة عن المجتمع الإسلامي إلى المجتمع الكافر يريدون أن يقضوا على عواطف المرأة، وعلى أبسط الحقوق التي يتمتع بها حتى الحيوان، فالحيوان يتمكن من أن يعايش طفله مدة طويلة من الزمن، وتشعر بالعاطفة بين الحيوان وبين طفله وأنت تتابعهما بنظرك، أما المجتمعات الكافرة فإنها أسقط وأذل من الحيوان، ولذلك صدق الله الذي يقول: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].

стр. 532

الأخطار التي تحيط بالمرأة هي أخطار كثيرة، ولا نستطيع أن نتحدث عنها في مناسبة واحدة، ولكنا نريد أن نختار منها أهم هذه الأخطار، ولعلك تشاهد هذه الأخطار قد بدأت بالظهور في المجتمعات الإسلامية، بل بدأت تنتشر وتكثر.

стр. 533

دعاة الضلال أهم هذه الأخطار دعاة الضلال، وما أدراك ما دعاة الضلال! دعاة الضلال الذين يريدون أن يصرفوا الناس عن المنهج الصحيح ويفسدوا الفطرة، أرادوا أيضاً كذلك أن يحولوا بين المرأة وبين دينها، فقام دعاة الضلال -سواءٌ أكانوا من أعداء الإسلام الذين يأتون من الخارج، أم من أفراخهم الذين يولدون ويعيشون بيننا ويتسمون بأسماء المسلمين من أحمد ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن- في كثير من الأحيان يتحدثون عن المرأة، ويقولون: نريد حرية المرأة، نريد حقوق المرأة، نريد أن يتنفس المجتمع برئتين بدل أن يتنفس برئة واحدة، نريد ونريد إلى آخره. هؤلاء الدعاة خدعوا بعض النساء، فقالوا: الصحيح أن الإسلام ظلم المرأة. والصحف تتكلم عن ظلم المرأة، والمجلات والكتب بل وبعض الخطباء، ويقولون: حقوق المرأة ضاعت، وحرية المرأة ضاعت، ونحن نحافظ عليها. وهم أكبر عدو للمرأة. هؤلاء دعاة الضلال سواء أكانوا من الخارج أم الداخل هم أخطر شيء على المرأة في أيامنا الحاضرة، ولذلك اغتر بعض النساء بهذه الدعايات المضللة، فتبرجت المرأة وتفسخت، وخرجت عن الإطار الذي رسمه الله لها، وتنكبت الطريق الذي اختاره الله لها، وهذا يعتبر من أخطر وأعظم الأمور، مرة يقولون: الحجاب تقوقع ورجعية وتخلف، الحجاب موروث من القرون الوسطى، الحجاب موروث من دولة كذا، الحجاب ليس من الإسلام! ومرة أخرى يقولون: المرأة عليها أن تقود السيارة، وتشتغل مع الرجل، المرأة إنسان كامل إلى آخره. هؤلاء -والله- لا يريدون خيراً للمرأة، ولو أرادوا الخير لوجدوا أن أعظم نظام وأعظم منهج يحترم المرأة هو هذا الدين.

стр. 534

الإعلام الإعلام، وما أدراك ما الإعلام! وإذا قلنا: الإعلام فالمراد به المسموع والمقروء والمرئي، وكلها في أيامنا الحاضرة تكالبت على المرأة، وأعطت كل جانب من جوانب الدين نصيبه من الهدم والتخريب، لكن أعطت المرأة الجانب الأكبر، ولذلك فإن الإعلام قد فسد في كل بلاد المسلمين -ولعله يكون في جلها-، هذا الإعلام الذي أصبح الآن يواكب التطور العلمي، واستطاع أن يشبك الدنيا كلها في شبكة واحدة، فلا يحدث شيء في الغرب إلا ويصل إلى الشرق ماراً بالوسط، ولا شيء في الشرق إلا ويصل إلى الغرب ماراً بالوسط -نحن-، هذا الإعلام الذي يظهر تلك المجلات التي تبدأ من صورة الغلاف، وهي تعرض زياً للمرأة منحرفاً كله فسق ومعصية، بعد اختيار أجمل فتاة متفسخة في جزء من لباسها قد أخرجت كل مفاتنها، فإذا بكثير من النساء اللاتي ضعفت شخصيتهن أمام هذا الغزو الفكري إذا بهن يتأثرن بهذا المنظر، ثم ما بعد هذا الغلاف إلى غلاف آخر كله -إلا ما شاء الله- في كثير من الصحف هدم للأخلاق والفضائل، سواء في ذلك الشباب والشابات. نرجع مرة أخرى إلى الإذاعة والأغاني التي كلها تكسر وتخنث وانحراف، إلى التلفاز الذي يعتبر أكبر فتنة حلت بالأمة في أيامنا الحاضرة، وما تركت بيت شعر ولا مدر إلا دخلته إلا ما شاء الله، إلى غير ذلك. ونقول: من هو المسئول عن هذه الأشياء؟ المسئول هو الدولة، فهي مسئولة بين يدي الله عما يحدث، لاسيما وأن أكثر ما يحدث تحت أعين بعض المسئولين، وهم العقلاء من هذه الأمة، فالعقلاء إذا لم يستيقظوا وينتبهوا لهذا الخطر، ويقف كل واحد على الأقل على باب بيته شاهراً سلاحه فلا تتسرب إليه هذه الأزياء فهو مطالب أن ينكر المنكر في كل مكان من الأرض؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وكل واحد منا مسئول على قدر استطاعته وإمكانيته، مسلسلات كلها عشق وغرام تعلم المرأة كيف تخون الزوج، كيف تتصل بالصديق، كيف تغازل، كيف تنظر، كيف تتصرف، وأقل ما تفعله هذه المسلسلات أن تعرض لنا مجتمعاً من المجتمعات الغربية زي المرأة فيه زي سافر خطير، لا يستر إلا جزءاً من بدنها، ولربما يشوهون التاريخ الإسلامي، فكثيراً ما نسمع عن مسلسلات يعرضون فيها سير بعض الصالحين ومعه زوجته سافرة، وكأنهم يشوهون تاريخ الإسلام، ويقولون: المرأة مع الرجل يسيران جنباً إلى جنب. وربما يعرضون صورة عمر بن عبد العزيز الرجل الصالح أو فلان من الصالحين أو من السلف أو من الذين جاءوا بعدهم ومعه زوجته، من قال: إن المرأة كانت تختلط بالرجل في الإسلام؟! ما حدث هذا إلا في الجاهلية، سواء أكان في الجاهلية الأولى أم المعاصرة. إذاً عرض السفور والاختلاط والمسلسلات هذا كله من الإعلام المنحرف الذي يسبب خطراً على المرأة، بل هو من أكبر الأخطار؛ لأن كثرة المساس -كما يقال- تذهب الإحساس، ولذلك النساء اللاتي صرن يتابعن هذه المسلسلات أعتقد أن كثيراً منهن قل فيهن الحياء، والتي لم يقل فيها الحياء من المؤكد أنها أصيبت بفتنة، أصبحت المرأة تقرأ فتصل المجلات إليها في قعر بيتها، وهذه المجلات من العجيب أنها تتحدى كل الحواجز السياسية والجغرافية، وتصل إلى بيوت المسلمين، ولا ندري أين ذهبت هذه الرقابة! وأول من يتجرع كأس هذا الإعلام الذي قد انحرف في أيامنا الحاضرة هي المرأة؛ لأنها غالباً ما تكون داخل بيتها، وغالباً المرأة لديها من الشخصية ما هو أضعف من الرجل، بحيث تتقبل كل ما يعرض أمامها، ولديها من العواطف ما تصدق به كل ما يعرض أمامها، فتعتبره من الإسلام إذا كان يخالف الإسلام، وهكذا. إذاً هذا الإعلام يعتبر من أخطر الأمور التي غزيت بها المرأة، ووصل إلى قعر البيت، فأصبحت المرأة تشاهده وهي في خدر بيتها.

стр. 535

التعليم ونعني بذلك التعليم الذي لا يقف عند حد، والتعليم نحن -والله- لا ننكره، وهو حق للرجل وللمرأة، ولكن أي تعليم هذا الذي يجب أن يكون حقاً للرجل والمرأة؟ معرفة الله، ورسوله، ودين الإسلام، والحلال والحرام، وشيء من العلوم العصرية التي تستفيد منها المرأة. لكن قل لي بالله -يا أخي! -: هذه المرأة التي لا تريد أن تقف إلا عند آخر جدار في هذا التعليم، لا تقف حتى تحصل على الدكتوراه، وتدرس في الجامعات كل الفنون وكل العلوم، إذاً أين المرأة؟ ومن للبيت ولتربية الأطفال؟ ومن ومن إلى آخره. التعليم يجب أن يكون بمقياس معين، أو بحد معين، وإلى حد ومستوى معين، أما أن تكون المرأة ذات طموح بحيث لا تقف عند حد ولا شهادة ولا مؤهل ولا نوع من الفنون التي لا تحتاج إليها فهذا خطر من نواحٍ كثيرة: الناحية الأولى: أنه يذهب بزهرة شبابها، فلا تكاد تكمل المرحلة التي تطمح إليها إلا وقد كبرت سنها فأصبحت لا يرغب فيها الرجال، وهذا أول خطر من الأخطار، وهذه هي المشكلة التي عاناها العالم عن أيماننا وشمائلنا، فأصبح النساء الجامعيات ومن وراء الجامعات مكدسات، وأدى ذلك إلى فساد فيهن؛ لأن الرجال لا يرغبون فيهن؛ لأن السن أصبحت متأخرة. الناحية الثانية: أن المرأة درست كل شيء فأصبحت تتطلع لرؤية ما درسته، درست جغرافيا العالم كله، فأصبحت تتطلع إلى أن ترى هذا العالم، درست تاريخ العالم كله، فأصبحت تتطلع إلى أن ترى هذا الشيء، درست لغات أجنبية، فتريد أن تطبق هذه اللغات في مجتمعاتها التي تعيش فيها، وعلى هذا أصبح تعليم المرأة الذي لا يقف عند حد معين ولا عند نوع معين من التعليم أصبح يشكل خطراً عليها. الناحية الثالثة: أن النساء اللاتي بلغن القمة في التعليم أصبحن يتمنين ولو ربع زوج أو ثلث زوج أو نصف زوج، فلا يحصلن عليه، وهذا يعتبر من الأخطار التي لا تدركها المرأة إلا بعد أن تصل إلى الذروة والنهاية. الناحية الرابعة: العزوف عن الزواج، وهو يعتبر فرعاً عن التعليم طويل المدى الذي لا يقف عند حد ولا عند نوع معين، فأدى إلى عزوف كثير من الشباب عن الزواج، ولربما تصاب هي بعزوف من الزواج فتصبح عانسة، ثم تكون نهايتها بعد ذلك أرملة. الناحية الخامسة: المغالاة في المهور، وهذه اصطنعها أقوام لديهم من الجشع الذي لا يقف عند حد، ونسوا قول الله : ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، ونسوا قول الرسول ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، وقوله ﷺ : (أكثرهن بركة أقلهن مئونة). وقد مُني عصرنا هذا بالمغالاة في المهور، ويا ليت هذه المهور وهذه الأموال التي تبذل تصبح ملكاً للمرأة تتمتع بها في حياتها، وتقدم منها ما تشاء من أفعال الخير، بل أصبحت هذه الأموال تقدم لتحرق في ليلة واحدة في أكثر الأحيان، واذهب إلى قصور الأفراح وانظر إلى النعم والخيرات التي تضيع، واللحوم التي ترمى، والأطعمة التي تهراق في الأسواق، والمسلمون في مجاعة وشدة لا يعلمها إلا الله . هذه المهور وهذه المغالاة في المهور التي أصبح كثير منها يصرف على اللهو واللعب والمحرمات أصبحت تشكل خطراً على الرجل والمرأة، فأصبح كثير من الشباب لا يستطيع جلب هذه المهور، وأي حل يسعى إليه؟ إما أن يذهب إلى الفساد هنا وهناك، وسيجد الوسائل ممهدة، الطائرات يومية، التذاكر مخفضة، الجوازات جاهزة، وإما أن يذهب ليتزوج من الخارج بامرأة غريبة عنه وعن مجتمعه، ولربما لا يتأكد صلاحها، وهذه كلها أخطار تحيط بالمرأة، أما المرأة هنا فإن جشع وليها ومطالبه الكبيرة التي لا تقف عند حد أصبحت تحول بين هذه المرأة وبين الزواج.

стр. 536

السفر إلى الخارج اعتادت بعض الأسر أن تذهب في فصول ومناسبات الصيف والعطل وغير ذلك بمجموعها رجالها ونسائها إلى البلاد المتحللة، وترى هذه المرأة أو هذه الفتاة المحاطة بسياج من المحافظة مدة طويلة من الزمن ترى هذه المجتمعات المنحلة وكأنها طير فر من قفص، حتى إذا أراد صاحبه أن يدخله القفص مرة أخرى لا يستطيع ذلك، ولذلك نشاهد في كثير من الأحيان حينما نسافر إلى بعض البلاد نشاهد كثيراً من الفتيات اللاتي نعرف أنهن من هذه البلد المحافظة، وأنهن أجبرن على شيء ما كن يعتدنه، وأن هذه الأيام التي مرت بهن في تلك البلاد استطاعت أن تؤثر عليهن يوماً بعد يوم، وإذا بها تصبح كأنها امرأة شرقية أو غربية سواء بسواء، هذه مشكلة كبيرة نرجوا الله أن يوفق المسئولين للانتباه لها بحيث لا يتيسر السفر لهذه الأسر إلى الخارج لغير حاجة، لما للسفر من ردود فعل وأضرار واضحة.

стр. 537

التقليد طبيعة البشر -خصوصاً الضعفاء- تقليد الأقوياء، هذه قضية تاريخية مسلمة، والمرأة بصفة خاصة أقرب الناس إلى التقليد والتشبه وأخذ صفات وسمات غيرها لتتسم وتتصف بها، ولذلك فإن هذا التقليد يعتبر من أخطر الأمور التي تهدد هذه الأمة خصوصاً النساء، ولذلك الرسول ﷺ كان يحذر ويقول: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) يعني: نعم. اليهود والنصارى، ولذلك في كثير من المجتمعات الإسلامية لا تكاد تفرق بين المرأة المسلمة والكافرة، بل إن المجتمعات الإسلامية والدول الإسلامية لا تكاد تفترق عن الدول الكافرة سواءً بسواء، فإذا فتحت المسارح ودور اللهو واللعب والرقص والغناء والمحرمات في بلاد الكفر فتح مثلها في بلاد الإسلام إلا ما شاء الله. وعلى هذا نقول: إن التقليد -سواءٌ أكان على مستوى الأفراد أم الجماعات أم الدول- من مصائب هذا العصر، ولذلك فإنه يعتبر من أكبر الأخطار التي تهدد المرأة بصفة خاصة.

стр. 538

حرص الإسلام على صيانة المرأة لماذا الإسلام شدد في أمر المسلمة؟ ولماذا أصبح أمر المرأة حساساً لا كالرجل؟ نقول: لأن المرأة عارها كبير إذا انحلت أخلاقها، ومصيبتها كبيرة، ولذلك الإسلام حرم الزنا، وما شدد القرآن في موضوع بعد الشرك بالله على شيء أكثر من الزنا، بل نهى عن أن نقرب الزنا، فقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، ولم يقل: ولا تفعلوا الزنا. وإنما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] وقربان الزنا يعني الدنو منه، والدنو منه يعني القرب من هذه الفاحشة. واقرأ سورة النور، فلما حرم الله الزنا وكانت أول آية في السورة ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] جاء الحديث عن الزنا، ولما جاء الحديث عن الزنا جاء بعد ذلك الحديث عن طرق الزنا، وكيف سد الإسلام طريق الفاحشة، وأول أمر سد به الإسلام الزنا هو الحدود، فذكر الله الحد ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ثم بعد ذلك ذهب إلى الحديث عن الزنا والحديث عن الفاحشة؛ لأن الحديث عن الشيء يسهله ويبسطه، فجاء الحديث عن القذف ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، ثم استثنى الله رمي الزوجة؛ لأن رمي الزوجة قد يكون ضرورة لدى الرجل، ثم جاء الحديث عن الاختلاط؛ لأن كل هذه طرق توصل إلى الزنا وكلها لمصلحة المرأة ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] يعني: تستأذنوا ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، ثم جاء الحديث عن غض البصر، وكل واحد من هذه الأشياء لو فتح المجال فيه لوصل الناس إلى الزنا. ثم قال الله في آخر الآيات: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢ - ٣٣]، هذه وسائل جاءت كلها في النصف الأول من سورة النور، كلها من أجل أن لا يقرب الناس الزنا، أما أعداء الإسلام فإنهم قد هتكوا كل هذه الحجب، وفتحوا كل هذه الطرق، فعطلت الحدود أولاً، واعتبر تطبيق الحدود وحشية وتخلفاً ورجعية في أكثر البلاد الإسلامية، وجاءت قوانين البشر تحكم الناس بما تزعم أنه الرحمة، ولكنه الإجحاف والظلم والعدوان، ثم أصبح الحديث عن الفاحشة ميسراً، والله تعالى حرم أن يتحدث الإنسان أن فلاناً زنا إلا إذا كان عنده أربعة شهود يشهدون بذلك. إذاً معنى ذلك أن الحديث عن الفاحشة حتى لو كان حقاً منهي عنه إلا بأربعة شهود ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] إذاً الحديث عن الفاحشة في المسلسلات يعتبر أخطر؛ لأن الهدف من وراء ذلك ليس هو إنكار المنكر، وإنما الهدف إشاعة المنكر، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:١٩]. ثم بعد ذلك نتكلم عن الاختلاط، فالله تعالى يقول: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، والرسول ﷺ يقول: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) حتى لا يرى عورة، أو حتى لا يختلط جنس بجنس آخر ليس من محارمه، ونجد الآن دعوات كثيرات للاختلاط، حتى قال بعضهم: إن خلط الرجل مع المرأة يزيل هذه الوحشة بينهما. ولذلك يقولون: لو تساهلنا وخلطنا البنين والبنات في المدارس والمكاتب وغير ذلك أصبحت هذه الشهوة مفقودة وتصبح طبيعية. هذه الدعوة الشيطانية كاذبة، والدليل على كذب هذه الدعوة الشيطانية التي يزعمونها أن المجتمعات التي اختلط فيها الرجل والمرأة هي أكثر الدنيا فساداً. ولذلك نقول: هذه كلها من مكائد أعداء الإسلام. ثم بعد ذلك لما أمر الإسلام بغض البصر نجد أن المرأة في المجتمعات الإنسانية والإسلامية أيضاً -إلا ما شاء الله- نجد أنها تكشفت، فأصبحت تمشي سافرة في جل البلاد الإسلامية، وليست سافرة في وجهها فحسب، ولكنها قد كشفت عن ساقها وعن شيء من فخذها ونحرها وعضديها وذراعيها وعنقها إلى آخره، حتى أصبحت المرأة لا تعيش إلا في جزء من لباسها في كثير من البلاد، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وقوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] دليل على أن هناك صلة وثيقة بين النظر وبين الفاحشة، فقال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، والشاعر يقول: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر أيضاً نقول بعد ذلك: المرأة المسلمة أمامها خياران، وليس معنى قولنا: خياران أنها مخيرة في أحد الأمرين، بل أمامها طريقان: إما طريق السلامة وطريق الجنة، وهو الطريق الذي اختاره الله لأفضل نساء العالمين، لزوجات رسول الله ﷺ ، ومواصفاته نجدها في قول الله : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] فلا ترقق كلامها ولو بتلاوة القرآن، أي: لو أرادت أن تقرأ القرآن فلا ترقق صوتها إن كان يسمعها أجنبي منها، فكيف بها تغني أمام رجال أجانب؟! إن الفرق بين الأمر وبين الواقع كما بين المشرق والمغرب، الله تعالى حرم عليها أن ترقق صوتها ولو بتلاوة القرآن، وهي الآن تتكسر وتغني يراها الرجال أمامهم ويسمعون صوتها، والله تعالى حرم عليها أن ترقق صوتها في أي كلام ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣]. فالله تعالى يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وأعداء الإسلام يقولون: تخرج المرأة، ويجب أن تشتغل، ويجب أن تنافس الرجال، ويجب أن يتنفس المجتمع برئتين. وأنه تعالى يقول: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣ - ٣٤] يعني: بلغن دعوة الإسلام، فكما أن الرجل مكلف بتبليغ دعوة الإسلام، فكذلك أيضاً المرأة مكلفة بتبليغ دعوة الإسلام هذا هو الخط الأول الذي يعترض سبيل المرأة. وهناك خط معاكس يسعى إليه أعداء الإسلام اليوم لتسلكه المرأة، والعجيب أنهم يظهرون هذا المظهر وكأنهم أصدقاء وأحباء المرأة والمخلصون للمرأة، فهو طريق أهل النار وطريق نساء النار، وهذا الطريق هو الذي يقول الرسول ﷺ عنه: (صنفان من أمتي لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) يعني: معهم عصي يضربون الناس ظلماً، يفقدون الناس حريتهم التي أرادها الله لهم. (ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). أمام المرأة هذان الطريقان: الطريق الأول: طريق الجنة، والطريق الثاني: طريق جهنم نعوذ بالله منه، ونعيذ بالله النساء المسلمات منه.

стр. 539

المرأة في المملكة العربية السعودية لا أظن أن امرأة في العالم أدركت شرفاً أو حقاً أو حرية كمثل المرأة في بلادنا، وإذا أردت دليلاً على ذلك فاسأل إدارة تعليم البنات: كم تتقاضى البنت التي تدرس بعيداً عن بلدها قليلاً، وكم يتقاضى أخوها الذي يحمل نفس المستوى وفي نفس السن؟ تجد أن المرأة بعض الأحيان تأخذ ضعفي راتب أخيها الذي يساويها في المستوى، إذاً أي حقوق أكثر من هذه الحقوق؟ نأتي إلى الزواج، يقولون: المرأة في بريطانيا مهرها نصف جنيه استرليني. أي: ثلاثة ريالات، وبعض الأحيان تكلف هي بدفعه، فكم مهر المرأة في بلادنا؟ المرأة في بلادنا يأتيها رزقها في قعر بيتها، والمرأة في بلاد الغرب لابد أن تلهث وراء لقمة العيش، ولقد رأيت بعيني النساء وهن يركضن وراء الباصات ولو أن تتعلق إحداهن خلف السيارة لتصل إلى بيتها، ولكنها لا تصل إلى بيتها إلا في المساء، فهي تعيش معذبة طوال حياتها، والمرأة في بلادنا -والحمد لله- أميرة في بيتها، تتوافر لها كل وسائل الراحة والمتاع، وعلى الزوج أن يذهب بنفسه ليأتي بكل شيء إليها في بيتها. وبالرغم من هذا فإن أعداء الإسلام يعتبرون هذا تخلفاً ورجعية، ويعتبرون المرأة مظلومة في بلادنا، ولذلك -يا أخي- اقرأ حتى صحفنا -ولا نريد أن نجابي- فستجد هذه الصحف العجيبة تتكلم عن أن المرأة مظلومة، فالمجتمع الذي لا يتنفس إلا برئة واحدة، لماذا لا تقود المرأة السيارة؟ لماذا المرأة لا تشارك في العمل؟ أي عمل أكبر من هذا العمل الذي تشارك فيه هذه المرأة في بلادنا؟! المرأة تربي رجالاً، المرأة مفتوحة لها المدارس، لكن يجب أن يكون لذلك كله حدود، أما أولئك فإنهم يريدون أن تتيسر لهم المرأة في بلادنا كما تتيسر في بلاد أخرى، فبدل أن يأخذوا هذه المراحل الطويلة يجدون المرأة في متناول أيديهم، هذا هو هدفهم حسب ما نعتقد، ولذلك فإن الله تعالى يحكم بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين.

стр. 540

بعض الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام عن المرأة في الإسلام يقولون مثلاً: المرأة مظلومة. وما دليل ذلك؟ يقولون أول ما يقولون من هذه المشكلات: تعدد الزوجات ظلم للمرأة! نقول: أولاً: نريد أن نناقشكم نقاشاً لفظياً قبل أن نناقشكم نقاشاً شرعياً، المرأة التي يتزوجها رجل ومعه زوجة هل سلبها من إنسان يريد أن يتزوجها ويستقل بها؟ لا. هي امرأة جالسة في بيتها، وهي زيادة، وهذه الزيادة شيء مشاهد، فإن عدد النساء في كل مجتمع أكثر من الرجال، ولذلك فإن حكمة الله أن جعل للرجل أربع زوجات؛ لأن المرأة في كل مجتمع أكثر من الرجل، ولذلك تقول الإحصائيات الرسمية: إن في ألمانيا المرأة تساوي ثلاثة أرباع المجتمع، والرجل يساوي الربع، ولذلك لا يمكن استيفاء النساء في ألمانيا إلا إذا تزوج الرجل ثلاث زوجات. هذا شيء مشاهد دائماً، فانظر إلى سائر الإناث دائماً تجد أن الإناث أكثر عدداً من الذكور، إذاً: ما هو العلاج لهذا الأمر؟ العلاج لهذا الأمر أحد ثلاثة أشياء: إما أن تفسد المرأة، فجزء من النساء يستقل بالرجال، ويتزوج كل واحد واحدة وتبقى البقية للفساد، وإما أن تبقى للعنوسة، فتفقد عواطفها أيضاً، وإما أن تتزوج بزوج تشاركه فيها زوجة أخرى أو زوجتان أو ثلاث. ومن حكمة الله أن جعل هذا الأمر في الرجال والنساء، علماً أن الرجال يتعرضون للموت وللفناء أكثر مما يتعرض له النساء، فهم أكثر أسفاراً، وهم الذين يتعرضون للحروب وللنكبات أكثر من النساء، وعلى كل فإن هذا الواقع ليس له علاج إلا تعدد الزوجات. نأتي إلى نواحٍ أخرى تتناسب مع عواطف المرأة: إن أكبر هدف للمرأة في الزواج هو إنجاب الأولاد؛ لأن الأولاد عاطفة تحبها المرأة كما يحبها الرجل، وإن المرأة إذا كانت مع زوج تشاركها فيه زوجة أخرى لا يؤثر ذلك على إنجابها، فإن الرجل الذي لديه أربع أو ثلاث زوجات أو زوجتان أو زوجة واحدة كل واحدة تأخذ بنصيب من النسل بحيث لا تأخذ واحدة منها حق الأخرى، وإن أخذت شيئاً من العشرة أو الاتصال. إذاً أي ذنب في التعدد؟! الذنب في التعدد الذي يذكره هؤلاء لا حقيقة له، وعلى كل لو قلنا: إن فيه نقصاً لحق المرأة فالمرأة بحاجة إلى التعدد، ولولا أن الله أباح التعدد لما كان كل النساء يتمتعن بالرجال، اللهم إلا عن طريق غير مشروع، وهذا هو الخطر الذي يحاربه الإسلام، ولذلك فإن المجتمعات التي قامت وحاربت التعدد أصبحت نسبة النساء فيها تفيض بشكل لا يتصوره أحد، حتى أدى ذلك إلى فساد عريض في تلك المجتمعات، فأصبحت المجتمعات الكافرة تطالب في أيامنا الحاضرة في بعض الأحيان بتعدد الزوجات من أجل استهلاك هذه الطاقة النسوية الموجودة. أسأل الله أن يوفق حكومتنا للأخذ على أيدي المخربين والسفهاء، وأسأله سبحانه أن يوفق الشعوب الإسلامية كلها إلى الالتزام بالمنهج الذي رسمه الرسول ﷺ لهذه الأمة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

стр. 541

الأسئلة يقولون مثلاً: المرأة مظلومة. وما دليل ذلك؟ يقولون أول ما يقولون من هذه المشكلات: تعدد الزوجات ظلم للمرأة! نقول: أولاً: نريد أن نناقشكم نقاشاً لفظياً قبل أن نناقشكم نقاشاً شرعياً، المرأة التي يتزوجها رجل ومعه زوجة هل سلبها من إنسان يريد أن يتزوجها ويستقل بها؟ لا. هي امرأة جالسة في بيتها، وهي زيادة، وهذه الزيادة شيء مشاهد، فإن عدد النساء في كل مجتمع أكثر من الرجال، ولذلك فإن حكمة الله أن جعل للرجل أربع زوجات؛ لأن المرأة في كل مجتمع أكثر من الرجل، ولذلك تقول الإحصائيات الرسمية: إن في ألمانيا المرأة تساوي ثلاثة أرباع المجتمع، والرجل يساوي الربع، ولذلك لا يمكن استيفاء النساء في ألمانيا إلا إذا تزوج الرجل ثلاث زوجات. هذا شيء مشاهد دائماً، فانظر إلى سائر الإناث دائماً تجد أن الإناث أكثر عدداً من الذكور، إذاً: ما هو العلاج لهذا الأمر؟ العلاج لهذا الأمر أحد ثلاثة أشياء: إما أن تفسد المرأة، فجزء من النساء يستقل بالرجال، ويتزوج كل واحد واحدة وتبقى البقية للفساد، وإما أن تبقى للعنوسة، فتفقد عواطفها أيضاً، وإما أن تتزوج بزوج تشاركه فيها زوجة أخرى أو زوجتان أو ثلاث. ومن حكمة الله أن جعل هذا الأمر في الرجال والنساء، علماً أن الرجال يتعرضون للموت وللفناء أكثر مما يتعرض له النساء، فهم أكثر أسفاراً، وهم الذين يتعرضون للحروب وللنكبات أكثر من النساء، وعلى كل فإن هذا الواقع ليس له علاج إلا تعدد الزوجات. نأتي إلى نواحٍ أخرى تتناسب مع عواطف المرأة: إن أكبر هدف للمرأة في الزواج هو إنجاب الأولاد؛ لأن الأولاد عاطفة تحبها المرأة كما يحبها الرجل، وإن المرأة إذا كانت مع زوج تشاركها فيه زوجة أخرى لا يؤثر ذلك على إنجابها، فإن الرجل الذي لديه أربع أو ثلاث زوجات أو زوجتان أو زوجة واحدة كل واحدة تأخذ بنصيب من النسل بحيث لا تأخذ واحدة منها حق الأخرى، وإن أخذت شيئاً من العشرة أو الاتصال. إذاً أي ذنب في التعدد؟! الذنب في التعدد الذي يذكره هؤلاء لا حقيقة له، وعلى كل لو قلنا: إن فيه نقصاً لحق المرأة فالمرأة بحاجة إلى التعدد، ولولا أن الله أباح التعدد لما كان كل النساء يتمتعن بالرجال، اللهم إلا عن طريق غير مشروع، وهذا هو الخطر الذي يحاربه الإسلام، ولذلك فإن المجتمعات التي قامت وحاربت التعدد أصبحت نسبة النساء فيها تفيض بشكل لا يتصوره أحد، حتى أدى ذلك إلى فساد عريض في تلك المجتمعات، فأصبحت المجتمعات الكافرة تطالب في أيامنا الحاضرة في بعض الأحيان بتعدد الزوجات من أجل استهلاك هذه الطاقة النسوية الموجودة. أسأل الله أن يوفق حكومتنا للأخذ على أيدي المخربين والسفهاء، وأسأله سبحانه أن يوفق الشعوب الإسلامية كلها إلى الالتزام بالمنهج الذي رسمه الرسول ﷺ لهذه الأمة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

стр. 542

حكم الجمعيات النسوية السؤال أشرتم أثناء الحديث إلى وجود جمعيات نسوية، وقد كثر التساؤل حول هذه الجمعيات، ونرجو مزيد الحديث عنها؛ لأنها في الحقيقة لها أعمال جيدة، وملموس فيها فائدة، فما رأيكم فيها؟ الجواب الحقيقة أنا لا أعرف ما يحدث وراء هذه الجمعيات، ولا ما تزاوله النساء داخل مراكز هذه الجمعيات، لكن من المؤكد الذي لا شك فيه -أولاً- أن إخراج المرأة من البيت بهذا الشكل فيه أخطار كثيرة، والله تعالى يقول للنساء: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وهذا يؤدي إلى خروج وخروج طويل. ثانياً: تربية عواطف الأولاد؛ يلزم المرأة بأن تبقى في بيتها، ولذلك أعداء الإسلام الذين حالوا بين الطفل وبين أمه أخرجوا طفلاً لا إنسانياً ولا دينياً، الشيء المؤكد أيضاً داخل هذه الجمعيات -أو المتوقع- أن يكون هناك توسع واختلاط بين أنواع من النساء، فهناك المحافظة والمنحلة، وهناك المعتدلة والمتوسطة، وهناك ما هو أقل من ذلك، وأخشى أن تنصهر كل واحدة في الأخرى، وعلى كل فإني أخشى من أن تكون بدلاً عن الأندية الرياضية التي كنا نخاف على الشباب منها، وكانوا يقضون وقتاً طويلاً داخل أسوار هذه الأندية، وإذا كنا نخاف على الشباب فمن باب أولى أن نخاف على الشابات؛ لأن فتنة النساء لا تساويها فتنة، وعلى كل فأعتقد أن البعد عنها خير من القرب.

стр. 543

شروط خروج المرأة للأسواق السؤال هل يجوز للمرأة أن تخرج إلى الأسواق لقضاء ما تحتاجه بدون محرم، علماً بأنها ترى بعض النساء يخاطبن الباعة وجهاً لوجه، وفي إحدى زوايا المحل؟ الجواب المحرم لا يلزم إلا في حالتين: الحالة الأولى: السفر، كما قال رسول الله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم). الحالة الثانية: الخلوة بالرجل الأجنبي، لا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة إلا ومعها ذو محرم, وعلى كل فإن ذهابها إلى السوق إذا كان لحاجة ملحة وبأدب وبلباس ساتر، وبدون طيب، وبدون ملابس ضيقة ولا شفافة، وبحياء وبدون صوت جذاب فهذا شيء لا بأس به، لكن بهذه الشروط كلها، أما إذا كانت هناك نساء يخرجن ويكلمن الرجال بصوت رقيق فإن على هذه أن تبتعد، وأن تقدم النصح لهؤلاء النساء، أما منع النساء من الخروج فإن هذا لا أصل له في الشرع، فالأصل إباحة الخروج للمرأة، إلا أنه يجب أن يكون بهذه الشروط، ولكني أنا أدعو الرجال إلى أن يقوموا بحاجات النساء؛ لأني أجد كثيراً من النساء -وخصوصاً الفتيات- يتزاحمن أمام الخبازين وأمام الدكاكين، ويدخلن داخل المعارض البعيدة المدى، والتي فيها مداخل يميناً وشمالاً، وهذا كله خطر، فأنا أدعو الرجال إلى أن يقوموا بحاجات نسائهم حتى لا يحتجن إلى هذا الخروج.

стр. 544

حكم تزويج المصرين على الكبائر والفجور السؤال ابتليت بصهر يزاول شرب الخمر، ويُخشى على ابنته من بقائها معه أن يحصل لها شيء غير سوي، فهل يحاول طلاقها أم ماذا يفعل؟ الجواب الحقيقة أن هذه المشكلة تتكرر دائماً الأسئلة عنها، وكثيراً ما نسمع عن رجال تأخذهم العواطف غير الدينية ليزوجوا رجالاً لا دين لهم، وهناك ما هو أكبر، هناك من يزوج من لا يصلي، وبعض الأحيان نتصل بالتلفون ونقول: اتق الله، هذا الرجل لا يصلي! فيقول: ما لك ولي. فيزوجه وهو لا يصلي، وهذا خطر كبير، فيجب أن نبدأ من الصلاة قبل أن نبدأ بالخمر مع خطورته، فالشاب الذي لا يصلي لا يجوز أن نزوجه امرأة مسلمة؛ لأن الله تعالى حرم علينا أن نبقي المسلمة مع الكافر، فكيف نزوجه ابتداءً، والله تعالى يقول: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، والرجل الذي لا يصلي مرتد كافر خارج عن دين الإسلام، وعلى هذا نقول: إن عليك -يا أخي- أن تحتاط لابنتك، فهذه أمانة في عنقك، احذر أن تقدم المال أو النسب أو المركز أو الشهرة أو المظهر على الدين، فإنك لو قدمت أحد هذه الأشياء على الدين ندمت. ونقول: لقد ابتلي أناس بأناس يشربون الخمر فزوجوهم بناتهم، ابتلي أناس بأناس لا يصلون ولا يعرفون الله طرفة عين وزوجوهم بناتهم، وبعض هؤلاء عقلاء، لكن فقدوا هذا العقل أيام الخطبة، لكن بعد ذلك أدركوا فأصبحوا في حيرة من أمرهم، ثم أنجبت هذه البنت أولاداً، ماذا يعمل بهذا الرجل الذي لا يصلي؟ ماذا يعمل بهذا الرجل الذي يشرب الخمر؟ الحل: الوقاية خير من العلاج، فإذا أردنا أن نزوج بناتنا فعلينا أن نبحث عن الأتقى، ولذلك الرسول ﷺ لم يقل عبثاً وإنما قال: (إذا خطب منكم من ترضون دينه وخلقه)، وأنت -يا أخي- لو أردت أن تشتري داراً فإنك تبحث عن جيرانها، وهذا أولى من الجار، ولو أردت أن تشتري سلعة فإنك تبحث عن كل ما فيها من العيوب، وهذه البنت هي أول من يجب أن تهتم به ويجب أن تحافظ عليه؛ لأنها أمانة في عنقك، ولذلك أقول: عليك أن تحتاط احتياطاً كبيراً، فإذا خطب منك رجل ولو أحسنت الظن به فعليك أن تسأل عنه أياماً، من يجالسه، ماذا يستعمل، في أي مسجد يصلي، من يعرف. أما إذا تساهلت فالمصيبة ستقع، وإنا لنسمع عن أناس يفعلون الفواحش والنساء قد ضاقت منهن، ولا تدري كيف تتصرف المرأة، ويومياً يتصل بنا نساء يقول بعضهن: زوجي لا يصلي. زوجي يشرب الخمر. والعلاج صعب في مثل هذه الحالة، العلاج نملكه يوم كنا نملك رأس الخيط ونمسك برأس الخيط، فحين خطب ننظر هل يصلح أو لا يصلح، أما بعد ذلك فهناك علاج، لكن هذا العلاج يحتاج إلى قوة وشجاعة، والعلاج أنه إذا كان لا يصلي يجب أن تطلب المرأة الطلاق، أو يجب أن يطلب وليها الطلاق، بل لا يجوز للولي أن يسكت عن هذا الذي لا يصلي؛ لأن بقاء هذه المرأة المسلمة في عصمة هذا الرجل الكافر لا يجوز، حتى قال بعض العلماء: حتى الأولاد الذين ينجبهم هذا الرجل وهذه المرأة أولاد غير شرعيين، هذا رأي لبعض العلماء المعاصرين، وهم يشبهون أولاد الزنا، ما دام هو كافراً وهي مسلمة لا يجوز هذا؛ لأن هذا زواج غير شرعي، والزواج غير الشرعي يكون الأولاد فيه غير شرعيين، وعلى هذا نقول: الأمر خطير، فإذا أردت أن تزوج فابحث، وإذا ابتليت بمثل هذا فإن كان لا يصلي فعليك أن تطلب الفراق فوراً، أو يرجع إلى الإسلام، وإذا كان يشرب الخمر فعليك أن تعالج المشكلة قدر الاستطاعة؛ لأن هذه الخمرة الخبيثة ستنتقل بواسطة النطفة إلى أولاد بنتك، فيكون لك أسباط منحرفين، وربما يصابون بالجنون أو بالخبل، فعليك أن تسعى قدر الاستطاعة لإصلاح هذا الرجل ما استطعت وإلا فعليك أن تسعى في التفريق، خصوصاً قبل أن يوجد الأولاد، هذا هو ما أعتقده، والله هو المستعان. وينبغي أن يعلم أن هناك مصائب أخرى للخمر، منها تهديد أمن المرأة، ففي أي لحظة إذا كان زوجها يتناول الخمر -ولأنه يفقد عقله- ربما يقتلها في يوم من الأيام، وفي أقل الحالات أنه سوف يؤثر على عقلها وشخصيتها، وأخطر هذه الأمور: أنه ربما ينتقل هذا البلاء بواسطة النطفة إلى ذرية هذه البنت، فيكون أسباطك مصابون بمشكلة إدمان الخمر، نسأل الله العافية؛ لأن هذا يؤثر حتى على العقل.

стр. 545

حكم أخذ الزوج جزءاً من راتب المرأة السؤال امرأة موظفة لها راتب، وزوجها يريد أن يأخذ نصفه، فهل يحق له ذلك شرعاً؟ الجواب لا يحق له شرعاً، إلا إذا كان هناك شرط، مع أن هذا الشرط أعتقد أنه شرط غير صحيح وشرط فاسد، راتبها حق لها ولا يجبرها على أن يأخذ شيئاً منه، إلا إذا تطوعت هي فأعطته إياه، فلها ذلك، أما أن يجبرها فليس له ذلك أبداً، لكن له حق إجبارها على منعها من العمل هذا إذا لم يكن هناك شرط مشروط عليه.

стр. 546

رد شبهة أن كشف الحجاب يزيل الوحشة بين الجنسين السؤال هناك مشكلة تثار، وهي أن الحجاب هو سبب الفتنة، أما لو نزع الحجاب فسيكون الأمر طبيعياً، فما هو الحكم في هذا؟ الجواب هذا غير صحيح، والدليل على أنه غير صحيح أن أناساً يزعمون أن خلط الرجل بالمرأة يزيل الوحشة، ويزيل الشهوة بين الرجل والمرأة، وهم كاذبون بدليل الواقع، ولذلك نقول: نستطيع أن نرد على هذه الشبهة بالسؤال المطروح: هل المجتمعات التي أزيل فيها الحجاب فقدت منها الفتنة؟ الفتنة في البلاد التي تكشفت فيها المرأة وتبرجت أضعاف مضاعفة، بخلاف المجتمعات التي تحجبت فيها المرأة، والدليل على ذلك أيضاً أن الله قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] فهو دليل على أن هناك اتصالاً بين النظر وبين الزنا، سواء في ذلك الرجل والمرأة، وعلى كلٍ فإنها دعوى كاذبة، ونقول: هاتوا برهانكم. أما المجتمعات التي تبرجت فيها المرأة وكشفت عن وجهها وأسفرت عن كثير من جسدها فقد زادت فيها الفاحشة أضعافاً مضاعفة، ولكن لم يكن أمام أولئك إلا أن يفتحوا السبيل لهذه الفاحشة.

стр. 547

تفسير قوله تعالى: (والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) السؤال نرجو تفسير هذه الآية، وهي قول الله : ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦]؟ الجواب هذه الآية جاءت في آخر آيات الإفك، وآيات الإفك معروفة في سورة النور، فلما اتهم بعض المنافقين -واغتر بهم بعض المسلمين- زوجة الرسول ﷺ عائشة، واتهموها بالزنا كما هو معروف في قصة الإفك، وأنزل الله براءتها، وتحدث عن قصة الإفك أراد الله أن يثبت دليلاً على كذب هؤلاء الذين يزعمون الفاحشة في بيت الرسول ﷺ ، وجاء لهم بهذا الدليل العقلي، فقال: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] يعني: الرسول ﷺ طيب، ولا يمكن أن تكون زوجته إلا طيبة، وهو طاهر ولا يمكن أن تكون زوجته إلا طاهرة. وكذلك الخبيث دائماً يوفق لامرأة خبيثة، والمرأة الخبيثة توفق لرجل خبيث، فهذا دليل على أن بيت الرسول ﷺ بيت نظيف نزيه، لم يحدث فيه ما قاله هؤلاء المنافقون المروجون لهذه الفاحشة، ولكن القاعدة في التفسير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولذلك فإن الله حرم أن يتزوج العفيف بزانية حتى تتوب، كما حرم أن تتزوج العفيفة بزان حتى يتوب، كما في قوله تعالى: ((الزَّانِي لا يَنكِحُ)) [النور:٣] أي: لا يتزوج ﴿إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]، ومعنى ذلك أن هذا الحكم أصبح عاماً، فيجب أن تكون العفيفة للعفيف، والطيبة للطيب.

стр. 548

حكم تعليق الصور السؤال أنا -ولله الحمد- بار بوالدي كثيراً، وقد علقت بعض صورهما في غرفتي، فهل هذا من البر في شيء؟ الجواب هذا ليس من البر، البر له حدود، البر هو أن تحسن إلى والديك، تتلطف معهما في الكلام، تنفق عليهما، تكرم صديقهما إذا كانا ميتين، تصل الرحم التي لا توصل إلا بهما إذا كانا ميتين، إلى غير ذلك من أنواع البر والإحسان والعطف واللطف والتلطف مع الأبوين. أما تعليق الصور فأصله منهي عنه، وأول ما بدأت عبادة الأصنام بتعليق الصور، ولذلك الرسول ﷺ لما دخل مكة حطم الأصنام وصوراً كانت قد علقت في الكعبة، وبدأ يكسرها ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ﴾ [الإسراء:٨١] وعلى هذا فإن تعليق الصور في البيوت يعتبر خطراً كبيراً وخطأ، ولذلك فإني أقول: إن تعليقها وسيلة وذريعة إلى خطر أكبر، كما أن أصل التصوير بدون سبب وبدون فائدة منهي عنه، إذاً فتعليق الصور بهذا الشكل -خصوصاً الصور المكبرة، وأفظع من ذلك وأعظم من ذلك صور النساء- يعتبر من الأمور المنهي عنها.

стр. 549

حكم عمل المرأة ممرضة السؤال ما رأيكم في عمل المرأة ممرضة في المستشفيات لرعاية النساء المريضات فقط؟ الجواب الإسلام لا يعارض تعليم المرأة، كما أنه لا يعارض عمل المرأة، فقد كان من النساء المسلمات من تخرج في أيام الغزو مع الرسول ﷺ لتمريض الجرحى، وعلى كل نقول: دخول المرأة في مدرسة للتمريض، أو اشتغالها بالتمريض، أو دخولها في مستشفى للتمريض هذا الأصل فيه الحل، لكن له ضوابط وشروط وقيود، وأهم هذه الشروط أن تكون متحجبة محافظة لا تختلط برجال، ولا تخرج إلى هذا المكان إذا كان بعيداً عنها إلا بمحرم، ولا تستعمل أي نوع من المحرمات، لا تستعمل الطيب، ولا الملابس الشفافة الضيقة والقصيرة، وإذا التزمت بهذه الأشياء وكانت مع النساء وكانت محاطة بعيدة عن الرجال فأرجو أن يكون هذا من باب الحاجة والضرورة، أما إذا اختل واحد من هذه الشروط فإن النهي يأتي عن طريق هذا الشرط الذي فقد.

стр. 550

الزواج في سن مبكر السؤال أنا طالب جامعي وحيد أسرتي، ويطلبون مني أن أتزوج، مع العلم أني لا أستطيع أن أنفق على هذه الزوجة، فهل تنصحوني بأن أتزوج، أم أصبر حتى تنتهي الدراسة ثم أتوظف وآخذ الراتب؟ الجواب ننصحه بأن يبادر كما نصح الرسول ﷺ الشباب، فإنه قال في الحديث الصحيح: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج). وأقول: إن المبادرة بالزواج تعتبر من أهم الأمور التي تحصن هؤلاء الشباب، خصوصاً في وقت الفتنة الذي نعيشه اليوم، فإنه وقت خطير جداً فيه وسائل مغرية وفتن. فأقول: بادر -يا أخي- بالزواج، وإذا كان يحول بينك وبين الزواج شيء من المال فإننا ندعوا إخواننا المحسنين والذين منَّ الله عليهم بهذا المال أن يقدموا المساعدات لمثل هؤلاء، وإذا كان العائق أمام هذا الأخ أن يبني بيتاً، أو يشتري سيارة جميلة أو ما أشبه ذلك فإني أقول: اتق الله يا أخي؛ فإن الزواج يقدم على كل هذه الأشياء، فباستطاعتك أن تستأجر بيتاً، وباستطاعتك أن تملك سيارة أقل مما تفكر فيه. إن الزواج له أهمية لا تساويها أي أهمية أخرى، إن الرسول ﷺ يقول: (إذا تزوج العبد فقد حفظ شق دينه، فليتق الله في الشق الآخر) يعني أن الزواج يساوي نصف الدين، وعلى هذا فإن كثيراً من الشباب نلاحظهم في أيامنا الحاضرة إذا قيل لأحدهم: تزوج قال: أريد أن أُكَوِّن نفسي. إلى غير ذلك من الأعذار، إن الزواج يسبب الثراء، ويسبب توافر الخير بيد هذا المتزوج، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، هذا وعد من الله لمن تزوج وهو فقير أن يغنيه الله، والرسول ﷺ يقول: (ثلاثة حق على الله أن يعينهم) منهم الرجل يتزوج يريد إعفاف نفسه. فأقول: أرجو -يا أخي- أن تكون من هؤلاء الثلاثة، ولو كنت لا تملك إلا شيئاً يسيراً فإن الله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، فأنت لن ترزق المرأة حينما تتزوج بها، وإنما رزقها سيأتيها من عند الله مباشرة، وسيفتح الله عليك طرقاً من الرزق ما كنت تفكر فيها قبل أن تتزوج، فبادر يا أخي.

стр. 551

حكم قص المرأة شعر رأسها السؤال هل يجوز قص المرأة المتزوجة شعر رأسها، ونتف شعر وجهها وحاجبيها، وهل هذا يعتبر من الفتنة في شيء؟ الجواب الذي أعتقده أن المتزوجة وغير المتزوجة على حد سواء، وأن شعر الرأس إذا كانت المرأة تريد أن تقص مقدمته أو مؤخرته أو أي جهة فإنا نقول: ما هو الهدف؟ فإذا كان الهدف هو التشبه بالكافرات فهذا ممنوع ومحرم؛ لأنه لا يجوز أن يتشبه المؤمن بالكفار والمؤمنة بالكافرة. وإذا كان الهدف هو التجمل لزوجها إذا كانت متزوجة، أو لتخطب إذا كانت ستتزوج، ولا يأتي في ذهنها التشبه بالكافرات فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس؛ لأن القاعدة: (الأصل في العبادات التحريم إلا ما جاء به الشرع، والأصل في العادات الحل إلا ما ورد الشرع بتحريمه) ولم يرد الشرع بتحريم أن تقص المرأة رأسها، بل قد روي خلاف ذلك، روي أن بعض زوجات الرسول ﷺ فعل بعضهن شيئاً من ذلك، وعلى كل فإن الأصل هو الإباحة إلا إذا كان قصد هذه المرأة التشبه بالكافرات فإن هذا ممنوع، لا لذاته وإنما لغيره؛ لأنها تريد أن تتشبه بامرأة كافرة، أما الأصل فأعتقد أنه هو الإباحة، والله تعالى أعلم.

стр. 552

حكم إضاعة الأموال في تتبع الموديلات والأزياء السؤال هناك بعض النساء ترهق زوجها وتغضبه، وتجهد نفسها في شراء آخر موديلات الملابس، فما هو الحكم؟ الجواب هذه من أكبر الأخطار، تتبع الموديلات والأنواع من الألبسة التي تواجد في الأسواق، وأخطر من ذلك هؤلاء الذين يروجون هذه الأشياء، حتى كان من هذه الموديلات ما يثير الفتنة في الرجال على النساء بسبب هذه الملابس، وعلى كل فأول وأقل ما في هذه الأمور هو تضييع المال، وهذا المال هو مال الله ؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، فدل على أن هذا المال مال الله، فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيه إلا فيما يرضي الله وفي المباح، والمغالاة في الألبسة والذهب والموديلات والموضات يؤدي إلى إفساد هذا المال، وهذا المال فيه حقوق كثيرة، فلنا إخوان كثيرون يفقدون لقمة العيش، ومن الذي يستفيد من هذه الأشياء؟! مصانع تكون في بلاد الكفر، وربما تذهب كل هذه الأموال أو جل هذه الأموال إلى بلاد الكفر التي تصدر لنا هذه الألبسة وهذه الأقمشة. وعلى كل فإني أقول: نحن ملزمون بالاقتصاد، حتى لو كانت المرأة ذات مال وتحصل على المال بنفسها فإنها ملزمة بهذا المال أن تحافظ عليه وفق شرع الله ، أو كان هذا المال لزوجها فلا ترهق هذا الزوج بما لا تستفيد منه، أو بما لا يستفيد منه المجتمع، ولها أن تأخذ بنصيب من هذه الزينة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]، لكن ليس لها أن تبالغ كما يبالغ كثير من النساء في أيامنا الحاضرة، فتغير الذهب بعد كل فترة، فتخسر فيه أموالاً كثيرة، وتغير الألبسة، وتهجر هذه الملابس الجديدة التي تغيرت الموضة بالنسبة لها وجاءت موضة جديدة، هذه من أكبر الأخطار وأكبر الفتن، أسأل الله أن يوفق النساء للالتزام والمحافظة.

стр. 553

حكم أخذ الولي مهر موليته السؤال هل يجوز لولي أمر المرأة أن يأخذ مهرها وينفقه في مصالحه، وأن يدخل ذلك في قوله ﷺ : (أنت ومالك لأبيك)؟ الجواب هذا لا يجوز، والصداق للمرأة، فالله تعالى يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] دليل على أنه حق للمرأة، حتى الأب لو كان أنفق عليها وخسر أموالاً كثيرة على تربيتها ليس له حق في هذا المهر؛ لأن هذا الإنفاق واجب على الرجل يوم كان ينفق عليها؛ لأنه أمر بالإنفاق على ابنته كما أمر بالإنفاق على سائر من تلزمه النفقة عليهم، وعلى كل فإن هذا المهر للمرأة، ولا يجوز للرجل أن يأخذه بدون إذنها إلا إذا رضيت هي، كما لا يجوز للرجل أن يصرفه على موائد وحفلات الزواج بدون إذنها وبدون إرادتها، ولكن لها أن تتطوع فتقدم لأبيها أو لأي واحد من أقاربها شيئاً من هذا المهر، أما إذا كانت لا ترضى ذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه حق لها وليس حقاً له هو. أما قوله ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) فهذا له شروط، يقول العلماء: من شروطه أن لا يأخذه فيضر بالولد، وأن لا يأخذه ليتملكه ولد آخر؛ لأن فيه ظلماً، فإذا كان هذا الأب مضطراً وليس له غير هذه البنت وهو مضطر إلى النفقة، وإلى أن يعيش بشيء من هذا المال فلربما يتسامح في شيء من ذلك، أما الأصل فإنه مال للمرأة، فلا يجوز أن يأخذه ليتملكه ولد آخر، أو إذا كان يشاركه أولاد آخرون في هذا المال فكذلك لا يجوز أن يأخذه؛ لأن هذا ظلم لهذه المرأة أن يأخذه منها ليعطيه أولاده الآخرين.

стр. 554

إلزام الزوج بنفقة زوجته العلاجية السؤال علاج المرأة هل هو على الأب أم على الزوج؟ الجواب الأصل أن كل النفقة على الزوج، والعلاج جزء من النفقة، وعلى هذا نقول: إن المرأة إذا تزوجت أصبح الأب غير مسئول عنها، وأصبح الزوج ملزماً بالنفقة على زوجه في كل صغيرة وكبيرة، اللباس والعلاج والسكن والنفقة وغير ذلك من الأشياء التي لابد منها للإنسان، فالأب غير مسئول منذ أن يعقد الزوج على هذه البنت، وتصبح المسئولية هي مسئولية الزوج.

стр. 555

مجمل الأخطار التي تحيط بالمرأة السؤال ما هو مجمل الأخطار التي تلاحق المرأة؟ الجواب نستطيع أن نلخصها في أمور: فمن هذه الأخطار: دعاة الضلال الذين يخدعون المرأة باسم حقوقها وحريتها، وهؤلاء يكثرون في أيامنا الحاضرة تحت ستار تعليم المرأة، فتعليم المرأة حق من حقوقها، لكن هذا التعليم يجب أن تكون له ضوابط، فيجب أن يقف عند حد معين بحيث لا يتعارض مع سن الزواج الذي يرغب فيه في هذه المرأة, وأيضاً أنواع المعلومات ليست كلها من اختصاص المرأة، فالمرأة تختص بما تعرف فيه دينها، وتربية أولادها، والإعداد في بيتها إلى غير ذلك، مع بعض الأمور العصرية التي تحتاج إليها. كذلك العزوف عن الزواج، وهذه من الأخطار، وهذا قد يكون عن طريق المرأة نفسها أو عن طريق الرجال، وطريق الرجال كما عرفنا يكون في عنصر من هذه العناصر، وهو غلاء المهور. ومن هذه الأشياء المغالاة في المهور، وهذا قد يكون من جانب الأب أكثر؛ لأن البنت غالباً لا تطلب مقداراً معيناً من المهر، فقد يكون هذا الأب هو الذي يتسبب في المغالاة في المهور، فتفقد البركة بين الزوج والزوجة في هذا الزواج، ولذلك يكثر الطلاق بمقدار ما تزيد المغالاة في هذه المهور. كذلك تقليد الأعداء، فهذه من أكبر الأخطار، والمرأة لديها من العواطف وضعف الشخصية ما هو أكثر من الرجل، بحيث تصاب المرأة بالتقليد أكثر مما يصاب به الرجل. وأنبه على أن العزوف عن الزواج يعتبر من أكبر المشاكل، وربما تكون له أسباب تكوينية في هذه المرأة، وهذا لا تؤاخذ عليه المرأة أو الرجل، وإنما إذا كانت الأسباب عن طريق الإنسان نفسه يصطنعها ليؤدي ذلك إلى العزوف عن الزواج، وأهمها: إذا كان التعليم لا يقف عند حد، أو كانت هناك مغالاة في المهور تؤدي إلى أن ينصرف الناس عن هذه المرأة، أو كانت هناك مغالاة في النسب، بحيث يشعر هذا الرجل بأنه أعلى الناس نسباً، ولا يريد إلا نوعاً يشابهه في هذا النسب، فإذا جاءت هذه الأمور أدت إلى انصراف الناس عن هذه المرأة، فيؤدي ذلك إلى عنوستها. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 556

السعي المشكور لقد استنفر الله هذه الأمة للجهاد في سبيله، ورتب عليه العزة في الدنيا، والفوز في الآخرة، ومن الجهاد في سبيل الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو سفينة النجاة للمجتمعات والأمم، وهو صمام أمان من الهلاك والعقاب، وله شروطه وضوابطه التي حددها الشرع، والتي ينبغي على من يتعدى له أن يتعلمها ويلتزم بها.

стр. 557

همة النصارى وكسل الدعاة إلى الله نحمد الله حمداً طيباً مباركاً فيه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله ومن دعا بدعوته، ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فكل الناس يعملون، منهم من يعمل للدنيا، ومنهم من يعمل للآخرة، ومنهم من يسعى ليدمر أخلاق الأمة، ومنهم من يسعى لحماية هذه الأمة من مزالق البلاء والدمار، ومنهم من التبس عليه الأمر فأصبح سعيه في نظره مقبولاً وعند الله مرفوضاً، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥]. ولذلك يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (كل الناس يغدو -أي: يسير ابتداءً من الصباح منطلقاً مبكراً للعمل- فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) إما أن يبيعها الله ويعتقها من النار، وإما أن يوبقها، وكلهم يعملون، ولربما يتعب أعداء الإسلام الذين يحاربون الإسلام ولا يرجون الجنة أكثر من أن يتعب دعاة الخير والصلاح، لكن الفرق بيننا وبينهم: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. وإن أعجب ما أتعجب له حينما أدخل في مجاهل أفريقيا في غابات موحشة، فأرى فتياناً وفتيات من النصارى يأتون من قلب أوروبا ومن روما، يركبون البقر، ويتجولون في الغابات الموحشة، ويشربون المياه الآسنة، مع شظف العيش والبعوض والحر والمخاوف والمخاطر وهم في سن مبكرة في أيام الشباب والنعومة، ثم أتعجب وأتساءل: لماذا جاء هؤلاء؟ لماذا هؤلاء لم يتمتعوا ببلادهم التي هي متعة الناس، وهم لا يرجون الجنة؟! فأتذكر قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. لكني أعجب من كون هؤلاء أبناء النصارى وبنات النصارى الذين لم تبق فطرتهم السليمة، بل حيل بينهم وبينها، وهم حطب لجهنم إلا إذا دخلوا في الإسلام، وأسأل مرة أخرى وأقول: أين أبناء المسلمين؟ بل أين أبناء الجزيرة العربية؟ أين أبناء مكة والمدينة وما حولها الذين هم أول من حمل هذه الرسالة وأول من كُلف بها، وهم أول من يُسأل عنها يوم القيامة؟! فلا أستطيع أن أجيب نفسي؛ لأني لا أرى إلا نادراً من أولئك، أما الكثرة الساحقة فهم أبناء النصارى الذين يعيثون في الأرض فساداً. قلت: سبحان الله! سنة الله في الذين خلوا من قبل: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. وصدقني -أخي الكريم- أن هناك غابات في وسط أفريقيا ندخلها لا نصل إليها إلا بشق الأنفس، بسيارات جيب خاصة جداً، تخترق الرمال والوحوش والأمور المخيفة، ثم نجد هؤلاء الذين يعيشون طيلة حياتهم قد تطوعوا سنين طويلة في حرب أبناء المسلمين على الفطرة، يأخذون الأطفال من أمهاتهم الفقيرات، فيربون الأطفال، تربيهم المرأة على الحليب المركز، وتحتضن هذا الطفل الأسود وهي أشد بياضاً من الشمس، فتربيه كأنها تربي طفلها الذي خرج من جوفها، وأبناء المسلمين أكثرهم يغطون في نوم عميق!

стр. 558

شروط العمل المقبول عند الله تعالى يذكر الله شروطاً للعمل المقبول، بعد أن ذكر أقواماً همهم الدنيا كالآلة التي تدور وتتحرك في الوقود بدون إرادة، لا يشتغلون إلا بالدنيا، ولا يريدون إلا العاجلة، ولا يفركون في غير المتاع، يسمنون أنفسهم وأهليهم كما تسمن الماشية، لا يهتمون إلا بالطعام والشراب والجنس وما أشبه ذلك، ثم إذا قدموا على الله إذا هم على أسوأ حال، يقول الله عن هؤلاء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] ما يشاؤه الله تعالى لا ما يشاءونه هم، وليس كل ما يريدون، بل ما يريده الله ، والنتيجة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨] هؤلاء هم أصحاب العاجلة، وهؤلاء هم الذين ليس لهم هم إلا هم البهائم السائمة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]. أما النوع الثاني فهم أقوام عرفوا الهدف الذي من أجله خلقوا، والحكمة العظيمة التي من أجلها كانوا، فعرفوا أن الدنيا دار ممر وليست دار مقر، وأن الآخرة هي الحيوان، فعلموا بعين البصيرة الحكمة التي من أجلها خلقوا، فكانوا كما أخبر الله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]، فهذا هو السعي المشكور، وهذا هو الجهد المدخر عند الله ، وهذا هو العمل الذي يجب أن يكون همَّ كل الناس، لا سيما في هذه الأيام التي تبين فيها -والحمد لله- الرشد من الغي. خمسة شروط -يا أخي- لا بد منها في صحة العمل وقبوله عند الله . خمسة شروط إذا أردت أن يقبل منك العمل فلا بد من أن تهتم بهذه الشروط الخمسة، ولا بد أن تتأكد من صحة وجودها في عملك، وإلا فإن الله تعالى أخبر أن هناك أقواماً يوم القيامة يصلون النار وقد كانوا في الدنيا خاشعين عابدين، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] يعني: بالرغم من أنها خاشعة في الدنيا وعاملة تعمل الصالحات (ناصبة) تبذل جهداً كبيراً ومشقة في سبيل العمل الصالح لكنها تصلى ناراً حامية، لماذا؟! لأن هذا العمل لا يقوم على أساس عقيدة صحيحة سليمة، ولأن هذا العمل لا يوافق منهجاً سليماً جاء به محمد ﵊ من عند ربه، فكانت النتيجة: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤]. أما هؤلاء القوم فخمسة شروط تتحقق في أعمالهم، ويكون سعيهم مشكوراً.

стр. 559

قصد وجه الله تعالى والدار الآخرة بالعمل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ﴾ [الإسراء:١٩] أي عمل لا يراد به وجه الله والدار الآخرة لا ينفع صاحبه، ولذلك الله تعالى يقول عن قوم كفار عملوا خيراً: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩]، تسير في الصحراء في شدة الحر فترى كأن أمامك ماءً، وينخدع ذلك العطشان بذلك الماء ويركض، كلما قرب منه ابتعد السراب الذي على وجه الأرض، حتى يهلك هذا الإنسان وهو يتبع ذلك السراب: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] أين ذهب هذا العمل؟ كأنه رماد خفيف الحجم والوزن هبت عليه ريح شديدة فطار في الهواء؛ لأن هذا العمل رماد وليس بنار، ولأن هذا العمل صورة وليس بحقيقة. إذاً لا بد من إرادة الآخرة، والمنافقون لا يريدون الآخرة، وإنما يعملون العمل تقية حتى يعيشوا في المجتمع مع الناس، ولذلك الله تعالى لا يتقبل شيئاً من أعمالهم، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] العلمانيون -عليهم جميعاً لعنة الله إلى يوم القيامة- لا يعملون للآخرة، وإذا عملوا فإنما يعملون أموراً هم يستحسنونها فقط، فيقولون: هذا الدين عبادة فتذهب إلى المسجد، وتحج إذا جاء موسم الحج، وتتصدق على الفقراء من باب الإنسانية، وتصوم إذا جاء رمضان، لكن ما الذي يدخل الدين في أنظمتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاق؟! كل ما شئت، واشرب ما شئت، وافعل ما شئت، ولا تتقيد بهذا الدين في أي نظام؛ لأن هذا الدين للعبادة. ويقولون: (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) ولكن الله يقول: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤] ولذلك أعمالهم كسراب بقيعة. وهكذا سائر الملل والفرق التي تعبد الله بدون إرادة الآخرة، يتصدق فيقول: إنسانية وهكذا يؤوِّل كل عبادة من العبادات لمصلحة الدنيا لا لمصلحته هو في الآخرة. العمل الصالح لا يصح إلا بإرادة ونية صادقة لا يريد من ورائها جزاءً ولا شكوراً من الناس، وإنما من الله ، لا يبغي بها ثناءً من البشر، وإنما من الله ، إرادة جازمة للآخرة، هذه الإرادة لما كانت جازمة وثابتة في أعماق الفؤاد لا يستطيع أحد أن يطاردها ولو بقوة الحديد والنار، ولذلك تجد أنه كم بذل العدو في سبيل مطاردة هذا الدين فلم يفلح؛ لأنه وجد أمماً كالجبال لا يتحولون عن مواقعهم، قال الله عن مكرهم: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] لكنهم وجدوا أقواماً عرفوا الله حق المعرفة، وآمنوا به حق الإيمان، فما استطاع العدو أن ينال منهم منالاً واحداً، ولا أن يكسب منهم فرداً أبداً. ولقد كسب العدو أقواماً إيمانهم بسيط، إيمان تقليدي وراثي، ورثه هذا الإنسان من المجتمع الذي يعيش فيه، فأصبح هذا الإيمان غير ثابتٍ في أعماق القلب، وليست له جذور، فأدى ذلك إلى أن يتأثر هذا الإيمان بأول هزة، وكم نسمع أن فلاناً من الناس اهتدى واستقام، ثم نفاجأ بعد مدة وجيزة أنه استقام ورجع واستقام ورجع، السر في ذلك أن هذا الإيمان لم يتعمق في القلب، ولو تعمق في القلب ووصل إلى سويداء القلب ما كان أحد يستطيع أن يؤثر على هذا الإيمان، وسوف أضرب بعض الأمثلة: المثال الأول: أبونا إبراهيم ﵊، وصل إلى درجة من الإيمان لم يصل إليها إنسان قط إلا ما شاء ربك، يلقى في النار فيأتيه ملك من ملائكة الله فيقول: ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا، وهو في طريقه يهوي إلى نار تحرق الطير في السماء، يقول: أما إليك فلا. ما خاف من النار؛ لأنه يعرف أن النار بيد الله ، يؤمر بترك ولده الصغير الوحيد الطفل هو وأمه ليضعهما في مكة بواد غير ذي زرع، فيستجيب لأمر الله، وما قال: تأكل الطفل السباع أو تأكل أمه. وإن كان الاحتياط مطلوب في الأصل، لكن استجابة لأمر الله . ويؤمر بذبح ولده وقد بلغ معه سن السعي ثم يستجيب لأمر الله، ولم يقل: هذا ولدي الوحيد، ولقد بلغ سن السعي وأنا بحاجه إليه. فيعلم الله صدق إيمانه فيفديه بذبح عظيم، ما هو السر في ذلك؟ هل إبراهيم ﵇ ولد في بيئة متدينة، وعاش عيشة متدينة، وجد الأب يصلي والأم تصلي وقلدهما، أم أن إبراهيم ﵇ ولد في بيئة كافرة كل من فيها كافر، ليس فيها رجل واحد مؤمن إلا إبراهيم ﵇؟ ولذلك الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] هو أمة والعالم كله أمة، وهكذا يكون الرجل المؤمن أمة في عالم يخالفه في المنهج والعقيدة؟! إبراهيم عليه الصلاة السلام ولد في بيئة كافرة، وأقرب الناس إليه وأكثر الناس عداوة له أبوه، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] لكن السر في ذلك أن إبراهيم ﵊ بحث في هذا الكون لينظر من يستحق أن يعبد، فنظر مرة إلى الكوكب فقال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٩]، هنا يكون الإيمان القوي، ولذلك الله تعالى يقول لنا وللناس كافة: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٨٥] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. مثل آخر: السحرة الذين جاء بهم فرعون ليقابلوا آية الله التي جاء بها موسى ﵊، سحرة ولدوا في بيئة كافرة، بيئة سحر، ومنذ طفولتهم وهم يتدربون على السحر، ويعيشون مدة طويلة من الزمن حتى كبر سنهم وهم لا يعرفون إلا السحر والكفر بالله ، لكن هذه آية رأوها بأعينهم واستطاعت أن تمحو وتزيل كل آثار التربية السيئة التي ألفوها مدى الحياة، الذي حدث أن موسى ﵊ ألقى العصا وهي آية الله العظمى لموسى ﵊، فرأوا أن مثل هذا لا يكون سحراً، وإنما هي آية من آيات الله ؛ لأنها فوق مستوى السحر، فإنهم قد فهموا السحر وهضموه هضماً كاملاً، فلما رأوا الآية تغير كل ما في عقولهم من التفكير السابق والتربية التي حقنت في دمائهم منذ الطفولة وقبل الطفولة وبعد الطفولة إلى تلك اللحظة، والفطرة موجودة في قلب كل واحد من الناس، لكن ما الذي حدث؟! كانوا قبل لحظات يقولون: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] فماذا قالوا بعد ذلك لما رأوا الآية وماذا قال فرعون؟ خروا ساجدين لله تعالى، وهي السجدة الأولى والأخيرة بالنسبة لحياتهم العبادية، تصور -يا أخي- هذا التحول العجيب الذي يحصل! ثم ليس العجيب في أن يسجدوا لله ؛ لأن السجدة ما تكلف الإنسان جهداً كبيراً، العجيب أن أكبر طاغية في الأرض يحمل السكاكين والجلادين ويقسم لهم بأنه سوف يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم في جذوع النخل، فماذا تتصور يا أخي! ساحر ما مر على إيمانه إلا دقائق، وكل حياته في الكفر، فماذا تتصور والسكاكين أمامه والجلادون والسيوف والحراب مجهزة لتقطيعه؟! أول ما يتبادر للذهن أن هذا سيرجع؛ لأن التربية القديمة قد غلبت عليه، ولكن ما الذي حدث؟!! الذي حدث أنهم استهانوا بكل الحياة وما فيها؛ لأنهم رأوا بأعينهم آية من آيات الله، آية واحدة!! كم نرى نحن من آيات! وكم مضى علينا ونحن نعيش في ظل هذا الدين! وكم تربينا في بيئات مسلمة! لكن هؤلاء ما مرت عليهم إلا دقائق، تصوروا أنه لما قال لهم: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] ماذا قالوا؟ قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] (ما) اسم موصول تفيد العموم، كل ما تريده اعمله، لكنها للاستهانة التي لغير العاقل، أي: نحن نستهين بك وبتهديدك، وبالجلادين الذين أشرعوا السيوف لتقطيع الأيدي والأرجل، وأقبلنا على الله ، ما تستطيع أن تؤثر على هذا الإيمان. ثم تجد الاستهانة بالدنيا ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] أي: اقض ما شئت. ثم قالوا: (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] (إنما) للحصر، أي: الأمر الذي تريده منا بسيط، اقتلنا، وقطع رءوس مائة ألف ساحر، وقطع أيديهم وأرجلهم حتى يموتوا، لكن الإيمان لا تستطيع أن تصل إليه، فهم استهانوا وقالوا: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. وقالوا: ﴿إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا ل

стр. 560

السعي للآخرة أول نقطة وأول شرط من شروط السعي المشكور الإرادة، وليست كل إرادة، هناك أناس يريدون الدنيا، فلا بد من إرادة الآخرة إرادة جازمة صادقة. وهل الإرادة وحدها تكفي؟ لا تكفي وحدها، بل لا بد من السعي، والشجرة الباسقة ذات الجذور العميقة في قلب الأرض الفائدة منها محدودة إذا لم تكن لها ثمرة، والأعمال الصالحة هي ثمرة الإيمان، ولذلك الله تعالى يقول: (وَسَعَى) أي: بالأعمال الصالحة، يقول ﵊: (اغتنم خمساً قبل خمس: صحتك قبل مرضك، وحياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك، ودنياك قبل آخرتك) كم من الناس من يتغنى ويتحدث عن الإسلام اليوم لكن العمل قليل، ونحن لا نريد أن نقول ما لا نفعل ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] لابد من العمل، عمل فيما بينك وبين الله، وعمل فيما بينك وبين الناس، عمل يسعدك أنت في دنياك وآخرتك، وعمل أيضاً يسعد الأمة التي أنت تعيش فيها والجيل الذي سيأتي بعدك، وهو عمل الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لأن هذا الدين وضعه الله في أعناق هذه الأمة جيلاً بعد جيل، فإن حمله الجيل الأول جنى ثمرة حمله الجيل الذي يأتي بعده، وإن ضيعه الجيل الأول تكبد مصيبته الجيل الذي يأتي بعده، ولذلك كم عاش الناس في ظل الدولة الإسلامية الوارفة التي بناها سلفنا الصالح ﵃، وبقي المسلمون يتفيئون ظلها مئات السنين، ويسيرون أرجاء المعمورة قد رفعوا رءوسهم، إذا قيل لأحدهم: أين تذهب؟ - قال: إلى بلاد الإسلام؟ وإن قيل: من أنت؟ قال: أنا المسلم. وإن قيل: ما جنسيتك؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإن قيل: ما هويتك؟ قال: أنا مسلم. ليست هناك حدود تفرق بين الأمة الإسلامية، هذه ثمار عمل قدمها سلفنا الصالح، فماذا حدث بعد ذلك حينما نام من بعدهم؟ لم يستيقظوا إلا على الجماجم والأشلاء، ضاعت الأندلس، وضاعت دول كثيرة من بلاد المسلمين، وفي كل يوم يسقط حصن من حصون المسلمين، وفي كل يوم يتسلط الأعداء ويخرج عدو بلون جديد، حتى من أبناء جلدتنا. ما هو السر في ذلك؟ هو النوم الذي أصاب هذه الأمة إذاً لا بد من أن تستيقظ هذه الأمة، لا بد من أن تعمل لآخرتها، لا بد من أن تعمل لدنياها، لا بد من أن تعمل للجيل الذي سوف يأتي بعدها، وهذه الصحوة الإسلامية المباركة -والحمد لله- ما تركت صقعاً من أصقاع هذا العالم إلا وأخذ منها بنصيب، فلا بد من أن ترعى هذه الصحوة، لا بد من أن تقدم لها النصيحة، ولا بد من أن تقدم لها الخدمات، ولا بد من أن تقدم لها الرعاية والتربية والعلم حتى تكون ثابتة، وتكون قاعدة لمن يأتي بعدها من الأجيال اللاحقة. فهذه ثمرة الإيمان أيها الأخ المسلم، أما الإيمان التقليدي، إيمان: (وجدنا آباءنا على أمة)، إيمان (وجد أمه، تصلي فصلى مثلها) (وجد أباه يصوم فصام مثله) دون تصور لمعنى هذا فهذا الإيمان ضعيف يهتز في أي صدمة من الصدمات الصغيرة فضلاً عن الصدمات الكبيرة. لما جاءت الصحوة الإسلامية استيقظ كل أعداء الإسلام، فالنصارى كانوا إلى عهد قريب يبيعون الكنائس، ويقولون: لسنا بحاجة لنحجزها بالملايين، ولا يحضر إليها إلا كبار السن في يوم الأحد. وأول من تخلى عن هذا الدين الدول الكبرى التي كانت ترعاه، كأمريكا ودول أوروبا، فلما رأوا اتجاه المسلمين إلى الإسلام عادوا إلى دينهم المحرف المكذوب الذي ليس من دين الله المسيحي بشيء؛ لأنه محرف، وأصبحت الآن هناك عصبية دينية، وإذا أردت دليلاً على ذلك فانظروا إلى ما يوجد في بلاد الصرب الكفرة الفجرة مع إخواننا في البوسنة، وانظر إلى ما يوجد الآن في إرتيريا والحبشة ممن يسمون أنفسهم بالجبهة الشعبية وهم صليبيون، حتى إن رئيس الحبشة الجديد اسمه: ملس زيناوي ومعناه: معيد عصر النصرانية. وهذا ليس هو اسمه، لكنه تسمى بهذا الاسم (ملس زيناوي) أي: معيد عصر النصرانية. أي: سيعيد عصر هيلاسيلاسي الذي كان يذبح المسلمين بالآلاف في يوم من الأيام. فلينتبه المسلمون، مع أن في الحبشة وحدها ثلاثين مليون مسلم، وليس فيها إلا عشرة ملايين نصراني، فالمسلمون ثلاثة أرباع السكان، فليسوا أقلية، ومع ذلك يعيشون أذلة؛ لأن المسلمين تركوا الجهاد في سبيل الله، وليس هناك طريق إلى النصر إلا الجهاد في سبيل الله، وإريتريا أكثرها مسلمون، ويحكمها النصارى الصليبيون الذين يعيثون في الأرض فساداً. إذاً المسألة مسألة استيقظ فيها النصارى وخافوا أن يتساهل المسلمون بشأنهم، وماذا حدث في الفلبين؟ مائة ألف صليبي يطوقون منطقة المسلمين، ولا تظن أن المسلمين قلة في الفلبين، فعددهم ثلاثة عشر مليوناً من المسلمين والحمد لله، وأبشرك بأن أكثرهم في خير، فعندما تدخل ديار بعضهم في بعض المناطق الجبلية يفتشون السيارة حتى لا يكون فيها دخان؛ لأنه ممنوع التدخين داخل تلك البلاد، لكن عندما نزور مستشفياتنا ومراكزنا لا نرى فيها من الفلبينيين إلا النصارى، فما هو السر في ذلك؟ السر في ذلك أن المسئولية أصبحت خطيرة، فيندر أن نرى تايلاندياً أو فلبينياً مسلماً في موقع عمل حساس. وفي تايلاند ثمانية ملايين مسلم في دولة كاملة في دولة (فطاني) التهمتها سيام بما يسمى الآن (تايلاند) أي: أرض الحرية. وثلاثة عشر مليوناً من خيار المسلمين، وكما أن هناك من خيار المسلمين في تايلاند فالذين يأتون بالعمال لا يفكرون بهؤلاء المسلمين إلا في آخر وقت. إذاً هذه أمور تتطلب منا أن ننتبه للخطر الذي يحيط بالأمة الإسلامية، وهذه أمثلة وهناك ما هو أكثر من ذلك. إذاً: أنت -أيها الأخ المسلم- مطالب إلى أن تسعى، سواءٌ أكان لمصلحتك أم لمصلحة دينك، أم لمصلحة إخوانك المسلمين، وكلمة (سعى) ليس معناها مجرد عمل، معناها عمل جاد، وهناك فرق بين المشي والسعي، أقول: مشيت إلى مكتبي وسعيت إلى المسجد، ولذلك تجد أكثر الآيات والأحاديث التي تتكلم عن العمل للآخرة تأتي بلفظ السعي: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء:١٩] ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران:١١٤] ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] (سارعوا) دائماً هكذا. لكن تعال إلى الحديث عن الدنيا، يقول تعالى عنها: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] لم يقل: (فاسعوا في مناكبها) وليس معنى ذلك أن تعطل الدنيا، لا، وإنما معنى ذلك أن نفرق بين اتجاهنا للحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة، فإذا اتجهنا للحياة الآخرة فبركض وسعي، وإذا اتجهنا للحياة الدنيا فبمشي؛ لأن الله تعالى تكفل بالرزق للإنسان، ولكن لم يتكفل له الجنة، وعلى هذا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَسَعَى﴾ [الإسراء:١٩] فلا بد من الأعمال الصالحة. إذاً التحدث عن الإسلام والدندنة عن الإسلام والكتاب والسنة ما نريده إلا إذا كان معه حقائق وكان معه تطبيق على جميع المستويات الرسمية والشعبية، ما نقبل إلا ما كان مصدقاً بالعمل، وأنت -يا أخي- حينما تتحدث عن الإسلام فالإسلام كثر الكلام عنه هذه الأيام، لكن نريد تطبيقاً، نريد حياة عملية تعلمنا وتعلم الأجيال التي اتجهت إلى الله تعالى العمل للإسلام، وما هو الإسلام حقيقة، لا نريد أن تكون هناك ازدواجية في حياة الأطفال الذين يولدون في أيامنا الحاضرة ويسمعون الحديث عن الإسلام، فلا يرون العمل للإسلام إلا قليلاً، إذاً لا بد من سعي، لا بد من عمل جاد، لا بد من استغلال الفرصة قبل أن يهجم العدو على بقية بلاد المسلمين كما هجم على الكثير منها، حتى لا تكون هناك أندلس كبلاد الأندلس التي بلغت من الرقي والحضارة ما لم تبلغه حضارة اليوم، ومع ذلك لما نام المسلمون على الراحة والدعة لم يستيقظوا إلا على الدماء، ولربما يوجد في قادة الأمة الإسلامية من يريد أن يخدر هذه الشعوب، بل يوجد كثيرٌ، جلهم يخدر هذه الشعوب بالترف والنعيم والرخاء والوسائل حتى ينام هؤلاء المسلمون ولا يستطيعون الجهاد في سبيل الله، ولا يريدون أن يغيروا الأوضاع الراكدة التي ينعمون بها، وهذا خطر، فـ كعب بن مالك ﵁ وصاحباه من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ، فـ كعب بن مالك كان له بيت رشته إحدى زوجاته بالماء فأصبح بارداً، فجلس في الجو البارد والرسول ﷺ ذاهب إلى تبوك، وقعد مثله صاحباه، فما الذي حدث؟ الله تعالى أمر الرسول ﷺ بأن يهجرهم، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨]، بسبب تخلف عن غزوة واحدة. أنت -أيها الأخ المسلم- مطالب بالسعي، وأوصيك بالدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيل الله ؛ فإنه سبيل العزة والكرامة.

стр. 561

الإخلاص لله سبحانه ثم يقول : (وَسَعَى لَهَا) والجار والمجرور هنا يعطينا شرطاً جديداً، قد يكون هناك سعي لكنه ليس لها، وإنما لغيرها، فالمنافقون يسعون لا للآخرة وإنما للدنيا، والعلمانيون يريدون أن يتخذوا مما يشبه السعي للحياة الآخرة جسراً وممراً لخديعة الناس بأنهم مسلمون ومتدينون، وهكذا كل الفئات الأخرى، فلا بد أن يكون السعي ابتغاء مرضاة الله ومن أجل إعزاز هذا الدين. (سَعْيَهَا) وهذا شرط رابع أيضاً، فالأسلوب والمعنى يتم (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الكلام تام، لكن قوله تعالى: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) يعطينا شرطين جديدين: أن يكون السعي خالصاً لوجه الله ، وأن يكون سعياً لها، ما يناسب حجمها، وكم من الناس من يسعى الآن، لكن ليس هو سعيها الذي يوصل إليها، وإننا لنمر ببعض الأضرحة من أجل العبرة لنرى ماذا يعمل المسلمون حول الأضرحة والقبور، فنرى أموراً عجيبة لا أطيقها أنا ولا أنت ولا أتقى الناس، حركات وعبادة من أول الليل إلى آخره حتى الصباح، يهزون أجسامهم، ويرهقونها، لكن ليس سعياً للآخرة، وإن كان في ظاهر أمره حسب ما يعتقدون أو يموهون بأنه هو السعي المطلوب، يتمسح بالقبر ويطوف حوله، يخشع ويسجد، ويتمرغ بالأتربة حوله، إلى غير ذلك. وكذلك أصحاب البدع الذين يبذلون أموالهم وجهدهم في سبيل بدعة من البدع، هذا هو ليس سعيها، سعيها هو كما فعله الرسول ﷺ ، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، حتى إذا قلنا لأحدهم: لا تذهب -يا أخي- إلى قبر الرسول ﷺ وتسأل حاجتك من دون الله، واذهب إلى الله، فقد قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، والرسول ﷺ نفسه كان يفر إلى الله، ويقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] إذا قيل لهم ذلك قالوا: أنتم لا تحبون الرسول ﵊. نقول: أنتم الذين لا تحبونه؛ لأن محبة الرسول ﷺ ليست محبة عاطفة كمحبة الزوجة، ومحبة الأولاد، وإنما هي محبة عاطفة ومحبة متابعة، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. إذاً نحن مطالبون بأن نسعى لها سعيها لا سعياً لغيرها، سعياً يناسب حجم الآخرة وطريق الآخرة الطويل، وسعياً أيضاً يناسب المنهج الذي جاء به محمد ﷺ خالصاً صواباً، وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله التي نرددها في الأذان، وفي الإقامة، وفي الصلاة وفي كل شيء، معناها: طاعته وتصديقه واتباعه، وأن لا نعبد الله إلا بما شرع، فمن عبد الله على غير ما شرع الرسول ﷺ فأعماله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً. ومن عبد الله على غير ما شرع الرسول ﷺ فهو العدو اللدود للرسول ﷺ وإن كان عمله في الظاهر يعجبك وكأنه عبادة، لكن لا بد أن يكون موافقاً صواباً لما جاء به محمد ﷺ ، وإن عملنا عملاً لم يعمله الرسول ﷺ فهو مردود علينا، ومن عمل عملاً ليس عليه أمر الرسول ﷺ ولا سلفنا الصالح -لا سيما الخلفاء الراشدون المهديون من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - وعلى غير المنهج الصحيح فإن الله تعالى يرده على صاحبه ولا يقبله، لماذا؟ لأن من يفعل ذلك يتهم الرسول ﷺ بالتقصير، وأنه ما بلغ الرسالة كلها، فـ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ما كانوا يقيمون مولد ذكرى مولد الرسول ﷺ ، ويأتي شخص بعد أربعة عشر قرناً من الزمن يقول: لا، إن من احترام الرسول ﷺ أن نقيم مولده! والرسول ﷺ ما عمل في ليلة النصف من شعبان أو ليلة الإسراء والمعراج أو ما أشبه ذلك عبادة حتى نحييها نحن فنقول: بدعة حسنة. والرسول ﷺ كان يقول في كل خطبة جمعة: (وكل محدثة بدعة). إذاً هو يكذب الرسول ﷺ عندما يقول: هذه بدعة حسنة. ويتهم الرسول ﷺ بالتقصير حينما يأتي بعبادة ما فعلها الرسول ﷺ ولا السلف الصالح، ويدعي أن يحب الرسول ﷺ أكثر من محبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ حينما يحدث عبادة ما فعلها هؤلاء. فالمسألة خطيرة، بل إنه تكذيب للرسول ﷺ حينما قال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها) بل تكذيب لله حينما قال في آخر آية نزلت من القرآن عشية عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ولذلك هؤلاء لا يستطيعون أن يدخلوا بدعة في دين الله إلا ويخرجوا مقابلها سنة؛ لأن الدائرة مقفلة وضيقة ومحدودة، لا تتسع لغير ما جاء من عند الله ، فلا يمكن أن يدخل بدعة في وسط هذه الدائرة إلا ويميت سنة من سنن الرسول ﷺ . إذاً لا بد من تنفيذ قوله تعالى: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) ليس سعياً كما يروق لك، وكما يعجبك، العبادات مشروعة من عند الله ، وعلماء المسلمين يقولون: الأصل في العبادات التحريم، أي عبادة محرمة إلا إذا ورد دليل عليها، بخلاف العادات فالأصل فيها الإباحة إلا ما ورد دليل بتحريمه، فلو أن واحداً من الناس قال: الصلوات الخمس أنا أؤمن بها، لكني أريد أن أضع صلاة سادسة لأنه يوجد فصل طويل بين الصبح والظهر، وأريد أن أضع الصلاة السادسة بين الظهر والصبح في منتصف الضحى نقول: أنت مبتدع وكافر، وأنت مرتد عن دين الله. مع أنه أحدث عبادة صلاة سادسة، فنقول: لا. الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. فلو أن أحداً قال: أنا سوف أعتاد عمرة في يوم من الأيام أعتمر فيه نقول: العمرة عبادة، لكن لما وضعتها في وقت معين من دون دليل يحدد ذلك الوقت فإن هذا بدعة، وكل بدعة ضلالة، وهكذا. إذاً -أيها الأخ الكريم- لا بد من أن نسير على منهج الرسول ﷺ ، ولا بد من أن نسعى لها سعيها، لا سعياً كما يعجبنا نحن، بل كما أمر به الرسول ﷺ .

стр. 562

من شروط العمل المقبول الإيمان الشرط الأخير قوله تعالى: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) مصدق مقتنع، فلا نريد إيماناً كإيمان أبي العلاء المعري، فـ أبو العلاء المعري له قصيدة يقول في مضمونها في آخر حياته لما تاب: أنا سوف أعمل ولا يضرني هذا العمل الصالح، إن كان ما جاء به حق فأنا عملت، وإن كان ما جاء به باطل فأنا ما تكلفت شيئاً. وهذا ليس من الإيمان، الإيمان أن تعمل وأنت مقتنع بأن هذا هو الدين الحق، أن تعمل وأنت تعرف أنه ليس هناك طريق للجنة إلا من خلال هذا الدين. (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) إيماناً جازماً، لو قطعت في سبيل هذا الإيمان وفي سبيل هذا المنهج والمبدأ الذي هداك الله إليه فإنك لا تبالي، كما قال السحرة: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. أيها الأخ الكريم! يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩] هذا السعي المشكور الذي يشكره الله ويقبله، ويرضاه، ويثيب عليه، ويعطي عليه الجنة، أما السعي الذي تختاره أنت لنفسك لا يرتبط بمنهج مرسوم من لدن حكيم خبير، ولا بطريقة الرسول ﷺ التي هدانا الله إليها وأرشدنا إليها ﷺ وتركنا عليها في أولها وآخرها الجنة، فمن سعى غير هذا السعي وسلك غير هذا المسلك فسعيه غير مشكور.

стр. 563

الأسئلة

стр. 564

حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت السؤال ما حكم إهداء قراءة القرآن للميت، ويذكر في ذلك حديث: (يس قلب القرآن، اقرءوها على موتاكم)؟ الجواب أولاً: نبدأ من آخر السؤال: (يس قلب القرآن، اقرءوها على موتاكم) هذا حديث لم يثبت، وفيه ضعف، ولو صح هذا الحديث فمعناه: اقرءوا على الموتى في ساعة الاحتضار؛ لأنها تخفف نزع الروح. أما بالنسبة لإهداء القرآن للميت فنحن ملزمون باتباع منهج الرسول ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، واختلف العلماء في العبادات البدنية والمالية أيها يصل إلى الميت، ويكادون أن يكونوا قد اتفقوا على وصول العبادات المالية كالحج لأنه يعتبر عبادة مالية، وإن كان عبادة بدنية لكن الأصل فيه المال، أن تحج عن أبيك وعن أمك، فهذا ورد فيه أدلة خاصة، كذلك الزكاة والصدقة، كأن تبني مسجداً وتهدي ثوابه لأبيك الميت، أو لأمك الميتة، وتتصدق على فقير عن أبيك أو أمك، فهذا يكاد يجمع علماء المسلمين على وصوله إلى الميت، وإنما اختلفوا في العبادات البدنية، وهناك أدلة تدل على أن العبادات البدنية لا تصل، اللهم إلا إذا كانت قضاءً، كمن مات وعليه صوم فصام عنه وليه قضاء، أما أن تهدي عبادة هكذا فأعتقد أنها ليست من شرع الله، ولا تصل إلى الميت العبادات البدنية، تقول: أصلي وأهدي هذه الصلاة إلى الميت لا يجوز هذا ولا تصل إليه، وإنما تصل إليه العبادات المالية، أما البدنية فالذي أعتقده أنها لا تصل. لكن يمكن أن تقرأ القرآن وتدعو للميت أو للحي قريبك أو غير قريبك، يمكن أن تختم القرآن وعند ختم القرآن دعوة مستجابة تدعو لأبيك الميت أو لأمك الميتة، أما أن تهدي ثواب القرآن فالقرآن ليس مالاً يهدى.

стр. 565

حكم حج المرأة بدون محرم السؤال أنا امرأة لست متزوجة، وحججت مع نساء بدون محرم، هل حجي صحيح؟ الجواب السفر بدون محرم لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم) والرجل الذي اكتتب غازياً قال: يا رسول الله! إن زوجتي خرجت حاجّة. فأمره النبي ﷺ أن يرجع عن الغزو مع أن الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال- ليحج مع زوجته، فهذا أكبر دليل على أنه لا بد من المحرم. لكن نقول للأخت السائلة: لعلها إن شاء الله على حج صحيح، خصوصاً أنها جاءت من جدة، وجدة قريبة، لكن نحن ننصح الأخوات أن لا يأتين حتى من جدة إلا مع محرم؛ لأن هذه عبادة، لكن المسلمين وقعوا اليوم في أمور خطيرة جداً يجب أن يسأل عنها، فما مقدار الإثم الذي يكسبه ذلك الرجل الذي يستورد من الفلبين أو من أندونيسيا امرأة تقطع آلاف الأميال بدون محرم؟ هذا هو الإثم الحقيقي. وكذلك نقول للأخت الحاجّة: أرجو أن تحتاط في المستقبل هي أو غيرها، بحيث لا تحج إلا ومعها محرم حتى ولو كانت من جدة؛ لأن جدة عند بعض العلماء مسافة سفر، لكن نقول لهذه الأخت: لعل الله أن يتقبل منها، وحتى لو قدر أن الحج بدون محرم لا يؤثر على الحج، فالحج مقبول عند الله ولو بدون محرم، لكن فيه إثم ومعصية للرسول ﷺ الذي أمر بالمحرم، أما الحج فهو صحيح.
следующие страницы →