← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الإخلاص لله سبحانه ثم يقول : (وَسَعَى لَهَا) والجار والمجرور هنا يعطينا شرطاً جديداً، قد يكون هناك سعي لكنه ليس لها، وإنما لغيرها، فالمنافقون يسعون لا للآخرة وإنما للدنيا، والعلمانيون يريدون أن يتخذوا مما يشبه السعي للحياة الآخرة جسراً وممراً لخديعة الناس بأنهم مسلمون ومتدينون، وهكذا كل الفئات الأخرى، فلا بد أن يكون السعي ابتغاء مرضاة الله ومن أجل إعزاز هذا الدين. (سَعْيَهَا) وهذا شرط رابع أيضاً، فالأسلوب والمعنى يتم (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الكلام تام، لكن قوله تعالى: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) يعطينا شرطين جديدين: أن يكون السعي خالصاً لوجه الله ، وأن يكون سعياً لها، ما يناسب حجمها، وكم من الناس من يسعى الآن، لكن ليس هو سعيها الذي يوصل إليها، وإننا لنمر ببعض الأضرحة من أجل العبرة لنرى ماذا يعمل المسلمون حول الأضرحة والقبور، فنرى أموراً عجيبة لا أطيقها أنا ولا أنت ولا أتقى الناس، حركات وعبادة من أول الليل إلى آخره حتى الصباح، يهزون أجسامهم، ويرهقونها، لكن ليس سعياً للآخرة، وإن كان في ظاهر أمره حسب ما يعتقدون أو يموهون بأنه هو السعي المطلوب، يتمسح بالقبر ويطوف حوله، يخشع ويسجد، ويتمرغ بالأتربة حوله، إلى غير ذلك. وكذلك أصحاب البدع الذين يبذلون أموالهم وجهدهم في سبيل بدعة من البدع، هذا هو ليس سعيها، سعيها هو كما فعله الرسول ﷺ ، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، حتى إذا قلنا لأحدهم: لا تذهب -يا أخي- إلى قبر الرسول ﷺ وتسأل حاجتك من دون الله، واذهب إلى الله، فقد قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، والرسول ﷺ نفسه كان يفر إلى الله، ويقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] إذا قيل لهم ذلك قالوا: أنتم لا تحبون الرسول ﵊. نقول: أنتم الذين لا تحبونه؛ لأن محبة الرسول ﷺ ليست محبة عاطفة كمحبة الزوجة، ومحبة الأولاد، وإنما هي محبة عاطفة ومحبة متابعة، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. إذاً نحن مطالبون بأن نسعى لها سعيها لا سعياً لغيرها، سعياً يناسب حجم الآخرة وطريق الآخرة الطويل، وسعياً أيضاً يناسب المنهج الذي جاء به محمد ﷺ خالصاً صواباً، وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله التي نرددها في الأذان، وفي الإقامة، وفي الصلاة وفي كل شيء، معناها: طاعته وتصديقه واتباعه، وأن لا نعبد الله إلا بما شرع، فمن عبد الله على غير ما شرع الرسول ﷺ فأعماله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً. ومن عبد الله على غير ما شرع الرسول ﷺ فهو العدو اللدود للرسول ﷺ وإن كان عمله في الظاهر يعجبك وكأنه عبادة، لكن لا بد أن يكون موافقاً صواباً لما جاء به محمد ﷺ ، وإن عملنا عملاً لم يعمله الرسول ﷺ فهو مردود علينا، ومن عمل عملاً ليس عليه أمر الرسول ﷺ ولا سلفنا الصالح -لا سيما الخلفاء الراشدون المهديون من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - وعلى غير المنهج الصحيح فإن الله تعالى يرده على صاحبه ولا يقبله، لماذا؟ لأن من يفعل ذلك يتهم الرسول ﷺ بالتقصير، وأنه ما بلغ الرسالة كلها، فـ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ما كانوا يقيمون مولد ذكرى مولد الرسول ﷺ ، ويأتي شخص بعد أربعة عشر قرناً من الزمن يقول: لا، إن من احترام الرسول ﷺ أن نقيم مولده! والرسول ﷺ ما عمل في ليلة النصف من شعبان أو ليلة الإسراء والمعراج أو ما أشبه ذلك عبادة حتى نحييها نحن فنقول: بدعة حسنة. والرسول ﷺ كان يقول في كل خطبة جمعة: (وكل محدثة بدعة). إذاً هو يكذب الرسول ﷺ عندما يقول: هذه بدعة حسنة. ويتهم الرسول ﷺ بالتقصير حينما يأتي بعبادة ما فعلها الرسول ﷺ ولا السلف الصالح، ويدعي أن يحب الرسول ﷺ أكثر من محبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ حينما يحدث عبادة ما فعلها هؤلاء. فالمسألة خطيرة، بل إنه تكذيب للرسول ﷺ حينما قال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها) بل تكذيب لله حينما قال في آخر آية نزلت من القرآن عشية عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ولذلك هؤلاء لا يستطيعون أن يدخلوا بدعة في دين الله إلا ويخرجوا مقابلها سنة؛ لأن الدائرة مقفلة وضيقة ومحدودة، لا تتسع لغير ما جاء من عند الله ، فلا يمكن أن يدخل بدعة في وسط هذه الدائرة إلا ويميت سنة من سنن الرسول ﷺ . إذاً لا بد من تنفيذ قوله تعالى: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) ليس سعياً كما يروق لك، وكما يعجبك، العبادات مشروعة من عند الله ، وعلماء المسلمين يقولون: الأصل في العبادات التحريم، أي عبادة محرمة إلا إذا ورد دليل عليها، بخلاف العادات فالأصل فيها الإباحة إلا ما ورد دليل بتحريمه، فلو أن واحداً من الناس قال: الصلوات الخمس أنا أؤمن بها، لكني أريد أن أضع صلاة سادسة لأنه يوجد فصل طويل بين الصبح والظهر، وأريد أن أضع الصلاة السادسة بين الظهر والصبح في منتصف الضحى نقول: أنت مبتدع وكافر، وأنت مرتد عن دين الله. مع أنه أحدث عبادة صلاة سادسة، فنقول: لا. الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. فلو أن أحداً قال: أنا سوف أعتاد عمرة في يوم من الأيام أعتمر فيه نقول: العمرة عبادة، لكن لما وضعتها في وقت معين من دون دليل يحدد ذلك الوقت فإن هذا بدعة، وكل بدعة ضلالة، وهكذا. إذاً -أيها الأخ الكريم- لا بد من أن نسير على منهج الرسول ﷺ ، ولا بد من أن نسعى لها سعيها، لا سعياً كما يعجبنا نحن، بل كما أمر به الرسول ﷺ .

стр. 562

من شروط العمل المقبول الإيمان الشرط الأخير قوله تعالى: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) مصدق مقتنع، فلا نريد إيماناً كإيمان أبي العلاء المعري، فـ أبو العلاء المعري له قصيدة يقول في مضمونها في آخر حياته لما تاب: أنا سوف أعمل ولا يضرني هذا العمل الصالح، إن كان ما جاء به حق فأنا عملت، وإن كان ما جاء به باطل فأنا ما تكلفت شيئاً. وهذا ليس من الإيمان، الإيمان أن تعمل وأنت مقتنع بأن هذا هو الدين الحق، أن تعمل وأنت تعرف أنه ليس هناك طريق للجنة إلا من خلال هذا الدين. (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) إيماناً جازماً، لو قطعت في سبيل هذا الإيمان وفي سبيل هذا المنهج والمبدأ الذي هداك الله إليه فإنك لا تبالي، كما قال السحرة: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. أيها الأخ الكريم! يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩] هذا السعي المشكور الذي يشكره الله ويقبله، ويرضاه، ويثيب عليه، ويعطي عليه الجنة، أما السعي الذي تختاره أنت لنفسك لا يرتبط بمنهج مرسوم من لدن حكيم خبير، ولا بطريقة الرسول ﷺ التي هدانا الله إليها وأرشدنا إليها ﷺ وتركنا عليها في أولها وآخرها الجنة، فمن سعى غير هذا السعي وسلك غير هذا المسلك فسعيه غير مشكور.

стр. 563

الأسئلة

стр. 564

حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت السؤال ما حكم إهداء قراءة القرآن للميت، ويذكر في ذلك حديث: (يس قلب القرآن، اقرءوها على موتاكم)؟ الجواب أولاً: نبدأ من آخر السؤال: (يس قلب القرآن، اقرءوها على موتاكم) هذا حديث لم يثبت، وفيه ضعف، ولو صح هذا الحديث فمعناه: اقرءوا على الموتى في ساعة الاحتضار؛ لأنها تخفف نزع الروح. أما بالنسبة لإهداء القرآن للميت فنحن ملزمون باتباع منهج الرسول ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، واختلف العلماء في العبادات البدنية والمالية أيها يصل إلى الميت، ويكادون أن يكونوا قد اتفقوا على وصول العبادات المالية كالحج لأنه يعتبر عبادة مالية، وإن كان عبادة بدنية لكن الأصل فيه المال، أن تحج عن أبيك وعن أمك، فهذا ورد فيه أدلة خاصة، كذلك الزكاة والصدقة، كأن تبني مسجداً وتهدي ثوابه لأبيك الميت، أو لأمك الميتة، وتتصدق على فقير عن أبيك أو أمك، فهذا يكاد يجمع علماء المسلمين على وصوله إلى الميت، وإنما اختلفوا في العبادات البدنية، وهناك أدلة تدل على أن العبادات البدنية لا تصل، اللهم إلا إذا كانت قضاءً، كمن مات وعليه صوم فصام عنه وليه قضاء، أما أن تهدي عبادة هكذا فأعتقد أنها ليست من شرع الله، ولا تصل إلى الميت العبادات البدنية، تقول: أصلي وأهدي هذه الصلاة إلى الميت لا يجوز هذا ولا تصل إليه، وإنما تصل إليه العبادات المالية، أما البدنية فالذي أعتقده أنها لا تصل. لكن يمكن أن تقرأ القرآن وتدعو للميت أو للحي قريبك أو غير قريبك، يمكن أن تختم القرآن وعند ختم القرآن دعوة مستجابة تدعو لأبيك الميت أو لأمك الميتة، أما أن تهدي ثواب القرآن فالقرآن ليس مالاً يهدى.

стр. 565

حكم حج المرأة بدون محرم السؤال أنا امرأة لست متزوجة، وحججت مع نساء بدون محرم، هل حجي صحيح؟ الجواب السفر بدون محرم لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم) والرجل الذي اكتتب غازياً قال: يا رسول الله! إن زوجتي خرجت حاجّة. فأمره النبي ﷺ أن يرجع عن الغزو مع أن الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال- ليحج مع زوجته، فهذا أكبر دليل على أنه لا بد من المحرم. لكن نقول للأخت السائلة: لعلها إن شاء الله على حج صحيح، خصوصاً أنها جاءت من جدة، وجدة قريبة، لكن نحن ننصح الأخوات أن لا يأتين حتى من جدة إلا مع محرم؛ لأن هذه عبادة، لكن المسلمين وقعوا اليوم في أمور خطيرة جداً يجب أن يسأل عنها، فما مقدار الإثم الذي يكسبه ذلك الرجل الذي يستورد من الفلبين أو من أندونيسيا امرأة تقطع آلاف الأميال بدون محرم؟ هذا هو الإثم الحقيقي. وكذلك نقول للأخت الحاجّة: أرجو أن تحتاط في المستقبل هي أو غيرها، بحيث لا تحج إلا ومعها محرم حتى ولو كانت من جدة؛ لأن جدة عند بعض العلماء مسافة سفر، لكن نقول لهذه الأخت: لعل الله أن يتقبل منها، وحتى لو قدر أن الحج بدون محرم لا يؤثر على الحج، فالحج مقبول عند الله ولو بدون محرم، لكن فيه إثم ومعصية للرسول ﷺ الذي أمر بالمحرم، أما الحج فهو صحيح.

стр. 566

حكم من حاضت ولم تطهر إلا ليلة عرفة وأرادت القران السؤال امرأة أتاها الحيض ولم تطهر إلا ليلة عرفة، ونوت الحج مفرداً، وتريد أن تجعل النسك قراناً، وقد طافت وسعت يوم الحادي عشر، فهل يمكن تحويل النسك إلى القران بدلاً من الإفراد؟ الجواب يظهر أنها متمتعة في الأول، والتمتع يحول إلى قران ولا يحول إلى إفراد، ونقول: تلقائياً أنت عندما حضت تحولت إلى قارنة لا مفردة، أما أنها نوت الإفراد فهذا خطأ؛ لأنها جاءت بحج وعمرة، فما يمكن أن تحول إلى حج فقط، فأنا أقول: تحولت إلى قارنة تلقائياً، وتحويلك إياه إلى مفردة خطأ، إذاً أنت قارنة فعليك دم القران؛ لأنك فاتتك العمرة وعملت الحج، وأعمال القارن والمفرد متساوية، ليس بينهما فرق إلا بالنية والدم، فعليك دم القران، فأنت قارنة إن شاء الله، ولك أجر الحج والعمرة، وليس عليك شيء في ذلك.

стр. 567

حكم من نزلت منها قطرات الدم قبل طواف الإفاضة ثم نزل الدم غزيراً بعد الطواف السؤال تناولت حبوباً لتأخير موعد الدورة، وأثناء تناولي نزلت بعض نقاط الدم قبل موعد طواف الإفاضة الذي لا يوافق موعد الدورة الشهرية، ثم توقف هذا الدم في يوم الطواف، وبعد أن طفت زادت كمية الدم، مما يدل على أنها قد تكون دورة شهرية رغم تناول الحبوب، فما حكم هذا الطواف؟ الجواب الحبوب هذه تغير مجرى العادة، وتؤثر على رحم المرأة. وعلى كلٍ فهذه الأخت أنا أنصحها بأن تطوف ما دامت باقية وهي طاهرة قبل أن تسافر، إذا ذهبت تطوف طواف الوداع وتنوي به طواف الإفاضة، ويكفي عن طواف الوداع؛ فإنها إذا فرضنا أنها طافت وهي غير طاهرة تعوض بطواف آخر؛ لأنها ما سافرت، فما دامت موجودة فأنا أنصحها بأنها إذا طهرت أن تذهب لتطوف، ويكفيها عن طواف الوداع، وطواف الإفاضة معروف وقته إلى آخر شهر ذي الحجة ليس مقيداً بوقت معين.

стр. 568

حكم تأخير الحاج طوافه وسعيه حتى تطهر زوجته ليطوفا ويسعيا مترافقين السؤال إذا حاضت المرأة فهل يجوز لزوجها أن يؤخر معها الطواف والسعي؛ لأنها لم تطهر إلا في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة؟ الجواب نعم. فإن شهر ذي الحجة كله وقت للطواف، فإلى آخر يوم من شهر ذي الحجة يصح الطواف، فالزوج والزوجة لو أخرا الطواف -ولو بدون سبب- إلى يوم أربعة عشر أو خمسة عشر أو إلى يوم عشرين أو تسعة وعشرين جاز، المهم أنه لا يسافر إلا بعد أن يطوف طواف الإفاضة، وأن تسافر هي إلا بعد أن تطوف طواف الإفاضة، سواء أخرا يوماً أو أكثر، ولا يقرب الزوج زوجته حتى ينهيا أعمال الحج؛ لأن الطواف ركن من أركان الحج وليس فيه تحلل نهائي. ولهما أن يرجعا إلى جدة إذا كان لضرورة مثل أن تطول المدة، لكن على أن لا يقربها الزوج حتى يرجعا إلى مكة لأداء الطواف بعد أن تطهر؛ لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج.

стр. 569

حكم من طاف للإفاضة ناوياً معه الوداع السؤال من طاف طواف الإفاضة مع طواف الوداع ثم أتى بسعي هل يجزئه، علماً بأن آخر عهده السعي وليس الطواف؟ الجواب الحقيقة هذا السؤال معقول، والأمر مشكل وكثير السؤال عنه، لكن العلماء الذين يفتون بجعل طواف الإفاضة مغنياً عن طواف الوداع ولو كان السعي بعده فالقاعدة المعروفة أنه لا يجوز طوف الوداع إلا بعد انتهاء كل أعمال الحج، فلو طفت قبل أن ترمي لا يصح طواف الوداع، فكيف إذا طفت قبل أن تسعى وهو ركن من أركان الحج، وكأنك ودعت وبقي عليك ركن من أركان الحج وهو السعي. إلا أن العلماء يقولون: إن الطواف والسعي مرتبط أحدهما بالآخر، فالسعي يعتبر آخر عهده بالبيت، فلا يمنع ذلك أن يسعى بعد طواف الوداع الذي هو طواف الإفاضة؛ لأنه آخر عهده بالبيت، ولأن السعي مرتبط بالطواف، حتى إن العلماء يقولون: لا يصح السعي إلا بعد الطواف، فهذا دليل على أن أحدهما مقترن بالآخر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 570

الوصايا العشر إن شرع الله كامل وشامل لجميع نواحي الحياة، فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، ومن تلك الأوامر والنواهي ما ذكره الله في في سورة الأنعام من الوصايا، فقد ذكر فيها مجمل أحكام الشرع.

стр. 571

أهمية التمسك بدين الله منهجاً وسلوكاً وعبادة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراًَ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم! صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك ونبيك محمد، وارض -اللهم- عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فنشكر الله على نعمه وفضله وإحسانه، ونسأل الله تعالى أن يوفق العاملين لتبليغ دعوة الله لتصل إلى قلوب الناس بعد أن تصل إلى مسامعهم، كما أسأله أن يوفقنا جميعاً لأن نكون من الذين قال الله عنهم: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]. أيها الأخ الكريم! لقد كنت أفكر كثيراً في اختيار موضوع يتناسب والوضع الذي نعيشه اليوم، لاسيما أن الوضع الذي نعيشه اليوم وضع قد انفتحت فيه كثير من الثغرات، فأصبح المتحدث في أي مناسبة لا يدري ما يقول؟ ولا يدري من أين يبدأ؟ وهنا ثغرات واضحة فتحها أعداء الإسلام في أوساط المجتمعات الإسلامية، فوفقت إلى آيات تتحدث عن عشر نصائح وعشر وصايا، يسميها علماء التفسير (الوصايا العشر)، ويقول فيها عبد الله بن مسعود رضي الله: (من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات الثلاث في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥١ - ١٥٣]). هذه هي الوصايا العشر التي يعنيها عبد الله بن مسعود ﵁، والتي يقول عنها: (هي وصية رسول ﷺ التي عليها خاتمه). ونحن في مجتمع إسلامي اختلط حابله بنابله، نكاد أن نفقد كثيراً من هذه الوصايا العشر في غمرة الحضارات الملفقة التي وفدت على بلاد المسلمين من الشرق والغرب، ولكننا لا نتشاءم، بل نتفاءل ونحن -والحمد لله- نرى هذه الصحوة، وهذا الشباب الذي رفض كل هذه المبادئ وأقبل على دينه، وأقبل على ربه وعلى كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ منهجاً وسلوكاً وعبادة، فأعداء الإسلام وإن كادت أن تفلس -أو قد أفلست- مطامعهم في بلاد الإسلام إلا أنهم لن يألوا جهداً في سبيل عرقلة مسيرة هذه الصحوة الإسلامية، وصدق الله العظيم الذي يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]، ويقول: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧]، وبمقدار ما تتجه الشعوب إلى دينها وإلى ربها وإلى سنة نبيها محمد ﷺ تزيد هذه العراقيل في طريقها، وتتجه أنظار الطامعين وأنظار المفسدين إلى هذه البلاد، وبلادنا هذه -والحمد لله- هي البلاد الوحيدة التي تطبق شرع الله في الأرض، وهي البلاد الوحيدة التي لم تدنسها أقدام الاستعمار لحظة من الزمن، وهي البلاد الوحيدة التي ليس فيها كنيسة ولا معبد لغير الإسلام، ولذلك فإن التركيز عليها يكاد أن يكون أكثر من أي بلد آخر، ولعلنا نشاهد ذلك حينما يتصارع الحق والباطل، ولكن الباطل هو كما أخبر الله عن مصيره: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨].

стр. 572

أهمية التوحيد وفضله، وخطر الشرك وضرره نعود إلى الوصايا العشر بشيء من التفصيل؛ لأن واحدة منها تستغرق عدة دروس، ولكني سأمر عليها مرور الكرام، ولربما يستوقفني بعضها حينما يكون لها صلة بالواقع المرير الذي يعيشه كثير من العالم الإسلامي، وهذه الوصايا العشر علينا أن نصغي وأن نصيخ بأسماعنا لها، خاصة أن الله يقول في مقدمتها: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام:١٥١]، وأصل كلمة "تعال" في اللغة العربية من العلو، وهو: الارتفاع، وإن كانت الصيغة تستعمل لمطلق النداء، فإذا ناديت أحداً -ولو كان في مستواك- تقول له: تعال. إلا أن معناها اللغوي قد يكون مقصوداً في مثل هذه المناسبة، فعلى المسلم إذا أراد أن يسمع كلام الله أن يتعالى عن المجتمع الآثم وعن الأفكار المنحطة وعن الأوضاع الساكنة، من أجل أن يسمع كلام الله ، أما أن يسمعه بأذن قد أقفلت فإنه لا يكاد أن يسمع كلام الله أبداً. وقوله تعالى: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] هذه الوصايا العشر تبدأ بالتوحيد، والتوحيد ليس بالأمر السهل، فأمر التوحيد عظيم؛ فإن التوحيد هو القاعدة وهو الركيزة التي تُبنى عليها عبادة الإسلام، وتُبنى عليها عقيدة المسلم، وأي بناء ليس له أساس فإنه قابل للانهيار، والتوحيد استحق أن يبقى رسول الله ﷺ في مكة في حياته المكية لمدة ثلاث عشرة سنة وهو يقول للناس: (قولوا: لا إله إلا الله) لا يزيد على ذلك، ولربما يلفت الأنظار طول هذه المدة، ولكن حينما نرى أثر التوحيد في العبادة وضعف العبادة بدون توحيد لا نستكثر هذه المدة، فإنها مدة استطاعت أن ترسي عقيدة التوحيد بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.

стр. 573

أهمية التذكير بقضية التوحيد والتحذير من الشرك قد يقول بعض الناس: إن الحديث عن قضية التوحيد الآن أصبح لا فائدة فيه، وكثير من المغفلين يقول: قضية التوحيد اليوم لا حاجة لها، ولم تعد الآن اللات والعزى ومناة وهذه الأصنام التي تحدث عنها القرآن الكريم تُعبد من دون الله، فالعقلية الإنسانية الآن تطورت، ووصل الإنسان إلى سطح القمر، ويفكر فيما فوق ذلك، ووصل إلى أعماق الأرض، فلا يتوقع في يوم من الأيام أن ينحت الإنسان معبوداً له من الحجارة أو من الحديد أو من الخشب ليعبده من دون الله! وهذا فيه شيء من الحق وفيه شيء من الباطل، فحقاً أننا لم نر اللات والعزى ومناة تعبد، وهذا لن يعود مرة أخرى، ولكننا نرى أوثاناً تنتشر في العالم الإسلامي تعبد كاللات والعزى ومناة. فإن من يسافر خارج المنطقة التي انتشرت فيها دعوة الحق ودعوة التوحيد ليذهب قريباً إلى الحدود يوافقني على ما أقول، حيث يرى هناك أوثاناً تُعبد من دون الله، فوالله لقد رأيت بعيني أناساً يسجدون أمام القبور، ويولون ظهورهم نحو الكعبة المشرفة، ويسيلون ويذرفون الدموع أكثر مما يذرف حول كعبة الله المشرفة! ولقد رأينا بأعيننا أناساً يطوفون بالقبور، ولا يُسمح لهم إلا بشوط واحد من كثرة الزحام، فيقول الذين يتولون سدنة هذه القبور: اعمل شوطاً وسر! لا يسمحون إلا بشوط من شدة الزحام، ولقد رأينا أناساً يعفرون وجوههم بأتربة هذه القبور، ويخضعون لهؤلاء الأموات، ويمدون أكف الضراعة لغير الله ، وينحرون الذبائح، وينذرون النذور! إن هذا الواقع واقع مرير، وإذا قيل لأحدهم: اتق الله يا أخي، أين معنى قولك: لا إله إلا الله يقول: هؤلاء قوم صالحون نرجو شفاعتهم يوم القيامة. فنقول له: يا أخي -إن صح التعبير بكلمة يا أخي لمثل هذا-! إن الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا إذا أصابتهم الشدة يفزعون إلى الله وحده، ولكن مثل هؤلاء ينسون الله وتوحيده في الرخاء وفي الشدة، ويقول المشركون الأولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وما أشبه كلامك بكلام أولئك! فأنت تقول: هؤلاء رجال صالحون نرجو شفاعتهم، وأولئك المشركون الأولون الذين حُكم بخلودهم في نار جهنم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فمن يستطيع أن يفرق بين المقالتين؟! ولذلك فإن العالم الذي يقف اليوم على حافة الهاوية أشرك بالله ، وأصبح يعبد هؤلاء الأموات من دون الله ، وهذا الشرك ما زال يزيد وينمو، وكنت في تصوري السابق أظن أنه سينتهي في عصر العلم والتطور، فإذا بي حينما أسير إلى أي بلد من البلاد الإسلامية سوى بلد الحرمين الشريفين -حماها الله تعالى بعقيدة التوحيد- أجد كثيراً من هذا الأمر، إلا ما شاء ربك. وهذا نوع من الشرك، والله يقول: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١]، فكلمة (شيئاً) لها معنىً جديد؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم، و (شيئاً) هنا قد نفهم منها التحقير، وقد نفهم منها التعظيم، أي: حتى لو كان شيئاً حقيراً أو شيئاً عظيماً. ولا تعجب يا أخي؛ فإنه دخل النار رجل في ذباب، وذلك بأنه قرب ذباباً لغير الله فدخل النار، فأصبح مخلداً في نار جهنم.

стр. 574

ذكر بعض أنواع الشرك إن الذين يذبحون الذبائح أمام القبور ولأرواح الأموات وينسون الخالق المتفرد بالوحدانية أشركوا بالله ، فأصبحوا حطباً لجهنم، وصاروا مخلدين في نار جهنم بنص القرآن: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢]. وهذا نوع من الشرك لا يجوز أن نترك التحذير منه، وبمقدار ما نستطيع من قوة يجب أن نوقظ هؤلاء الذين ما زالت في قلوبهم جذوة الإيمان تلتهب، فما دفعهم إلى هذا العمل إلا روحانية في نفوسهم، لكنها روحانية غير مبنية على علم، بل هي تقوم على أساس الجهل، ومن هنا فهؤلاء المساكين يرهقون أنفسهم في شيء يشبه العبادة، لكن ذلك لم يخلصهم من عقاب الله ؛ لأن الطريق واضحة، ومثلهم كمثل الذين قال الله فيهم: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، ومثلهم كمثل الذين قال الله فيهم: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. ووالله العظيم إننا لا نُجدّ في عبادتنا كما يُجدّ هؤلاء، ولكن لما كانوا على غير بصيرة من أمرهم، وعلى غير حقيقة من منهجهم لم يغن ذلك عنهم من الله شيئاً. فهذا نوع مما يُعبد من دون الله، وهناك أنواع كثيرة، هناك أوثانٌ تعبد، وهناك زعماء يشرعون للناس ما لم يأذن به الله، ويقولون للناس: هذا حلال وهذا حرام. ثم يتبعهم الناس على بصيرة أو على غير بصيرة، فيضل الناس الطريق وراء هؤلاء الزعماء الذين جاءوا بقوانين وأنظمة وأفكار ومذاهب وضعوها للبشر، ووضعوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فهذه أوثان تُعبد من دون، ولذلك لما قرأ الرسول ﷺ : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، قال عدي بن حاتم: والله -يا رسول الله- ما عبدناهم. قال: (أليسوا يحلون ما حرم الله فتطيعونهم؟! ويحرمون ما أحل الله فتطيعونهم؟! قال: بلى. قال: فتلك عبادتكم لهم) أو كما قال رسول الله ﷺ ، وفي أيامنا الحاضرة يكاد أن يجمع أكثر العالم الإسلامي على تحكيم آراء البشر، ويضعون كتاب الله وراء ظهورهم. وهذا نوع من الشرك الأكبر؛ فإن صاحبه إن اعتقد بأن هذه القوانين وهذا الأنظمة هي خير من القرآن والسنة أو تساويهما فهو كافر مرتد، وهو مخلد في نار جهنم. وهناك عبادة أنواع من الزعماء بتقديم أوامرهم على أوامر الله ، ويخافون من البشر أكثر مما يخافون الله ، ولربما تفتي طائفة من علمائهم خلاف حكم الله ابتغاء مرضات هؤلاء الزعماء، وهذا نوع من العبادة، وهذا نوع من الشرك، وأولئك نوع من الأوثان. وهناك عبادة الدنيا وعبادة المادة تنتشر في كثير من الناس، فأحدهم يبيع دينه بعرض من الدنيا، يسمع أن مركزاً من مراكز الربا يعطيه شيئاً من المال أكثر ولو كان ذلك حراماً، ولو كان بنص القرآن أنه حرام، ولو أجمع علماء المسلمون على تحريم الربا، لكن حبه لهذه الشهوة أصبح يعمي بصره ويضله الطريق، وهذا على خطر، فإذا امتلأ قلبه بحب الدنيا وغفل عن الله وعن الحياة الآخرة فقد يقع في قلبه نوع من هذا الشرك الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١]. وأيضاً هناك الوظيفة والمركز يُعبدان من دون الله ، ولربما يتنازل طائفة من الناس عن كل ثروة في الحياة من ثروات دينه، وعن كل مطلب نبيل من مطالب دينه في سبيل وظيفته أو في سبيل مركز يحصل عليه، وهذا أيضاً على خطر أن يدخل في شرك العبادة أو في شرك العمل، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (تعس عبد الخميصة، تعيس عبد الخميلة) فعبد الخميصة هو الذي يعبدها ويحب من أجلها ويبغض من أجلها، قال ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس). وهناك من يعبد الهوى ويعبد الشيطان، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، ويقول الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] وعبادة الشيطان هي أن تطيعه فيما يأمرك به لتغفل عن أمر الله في سبيل طاعتك للشيطان والهوى والشهوة. وكل هذه آلهة ما زالت على قيد الوجود، ولربما ينمو جزء منها في كثير من العالم الإسلامي بسبب غفلة المسلمين عن دينهم، وبسبب إهمال كثير من علماء المسلمين في تبيين الحق والباطل لهؤلاء الناس حتى ضلوا الطريق من هذا الجانب. أيها الأخ الكريم! إذاً نفهم من قول الله : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) أن كلمة (شيئاً) وراءها معانٍ عظيمة، فإذا فقدت آلهة كانت تعبد بالأمس، وحطمها الإسلام، وحينما جاء رسول الله ﷺ إلى مكة فاتحاً حطمها بسيفه وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١]، فإن في أيامنا الحاضرة آلهة لا يقل خطرها عن تلك الآلهة التي كانت تُعبد من دون الله . بل إن الذين بُعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا يعطون الولاء لهذه الآلهة مع الله لا من دون الله، ويعطونها هذا الولاء في فترات الرخاء، أما في فترات الشدة فإن الله يقول فيهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، أما هؤلاء ففي فترة الرخاء والشدة ما يزالون يعبدون هذه الآلهة، وما زالوا يعطونها الولاء من دون الله، لا مع الله ! فهذه هي الوصية الأولى من وصايا الله في هذه الآيات، ولا أريد أن أطيل فيها أكثر من ذلك.

стр. 575

الوصية بالوالدين ثم جاءت الوصية الثانية: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الأنعام:١٥١]، فحق الله هو الحق الأول، وحق الوالدين يأتي بعد حق الله مباشرة، بشرط أن لا يتعارض مع حق الله، فإذا تعارض مع حق الله فإنه مرفوض؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولذلك يقول الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨]، ويقول : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥]. إذاً حق الوالدين حق عظيم، لكنه خاضع لحق الله ، ولذلك لا يجوز أن يطغى، ولذلك لما أسلم سعد بن أبي وقاص ﵁ أعرضت أمه عن الطعام، وقالت: يا سعد! والله! إن الطعام والشراب حرامان علي حتى تترك دين محمد. فصار هذا الرجل بين عاطفة الأمومة وبين عقيدة الإيمان التي استنار بها قلبه، فوقف عند أمه ونفسها تتقعقع، واستمرت أمه على إعراضها عن الطعام، ولكن العقل غلب العاطفة، فقال: اسمعي يا أماه: والله لو كانت لك مائة نفس خرجت واحدة بعد الأخرى ما تركت ديني؛ فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فأكلت، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥] إذاً علينا أن نرعى حق الوالدين، ولكن علينا أن نضعه في المرتبة الثانية.

стр. 576

تحريم قتل الأولاد خوف الفقر ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١]، هذه الآية يقول الله تعالى فيها: (مِنْ إِمْلاقٍ)، وقال في آية أخرى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١]. فالإملاق -الذي هو: الفقر- موجود في هذه الآية، ولذلك الله تعالى قدم هنا رزق الآباء على رزق الأبناء؛ لأن الإملاق موجود، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم ْ)) [الأنعام:١٥١]، ولكن في سورة الإسراء لما كان الفقر متوقعاً لا محققاً قدم الله رزق الأبناء على رزق الآباء، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]. وهذه عادة خبيثة كانت في الجاهلية، حيث كان أحدهم يخشى أن يزيد عدد أولاده، وليس هناك إيمان بالله ويقين، فكان يقتل بعضاً من الأولاد خشية الفقر، كما كان أحدهم يقتل البنت خشية العار في بعض الأحيان، ولذلك الله تعالى هنا خلص الإنسان من أن يستذله أبوه بالقتل، وتكفل الله برزق الأب وبرزق الابن في آنٍ واحد، كما قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١].

стр. 577

تحريم الفواحش ووجوب الحذر من فعل أسبابها ثم قال : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]، والفواحش: جمع فاحشة. والفاحشة في اللغة العربية هي الشيء الواسع، والفاحشة في اصطلاح الشرع هي الذنب العظيم، لكن يغلب إطلاق الفاحشة على فاحشة الزنا؛ لأنها تعتبر من أعظم الذنوب، إن لم تكن أعظم الذنوب بعد الإشراك بالله . ومن دقة القرآن العظيم أن الله قال: (لا تقربوا)، ولم يقل: ولا تفعلوا الفواحش. فنريد أن نحدد الفرق بين الفعل والقربان، فالفعل هو الاقتراف، والقربان معناه الدنو، وعلى هذا فإن قول الله : (ولا تقربوا) يعطينا معنىً آخر حتى نحتاط لهذه الفاحشة، فلا ندنو منها؛ لأننا حينما ندنو منها نقع فيها غالباً، إلا من عصمه الله ، كما قال ﷺ : (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه)، وإذا كان الذنب فاحشة فإنه تستحق هذه الفاحشة أن يمنع عن الدنو منها فضلاً عن مواقعتها. ولذلك أقول وبكل لوعة: مُهدت اليوم في العالم الإسلامي كل سبل الفاحشة، فأصبح الدنو منها وشيكاً، وأصبح الناس على خطر من الوقوع في هذه الفاحشة، كيف ذلك؟ سخرت أكمل وسائل هذه الحياة من أجل وقوع الناس في هذه الفاحشة، كما قال الله : ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧]. فإن قيل: كيف ذلك؟ فنقول: إنك حينما تلقي نظرة سريعة على واقع العالم الإسلامي اليوم -ونكاد أن نقول: كله. وإذا حابينا نقول: جله- تجد أنه قد وجد فيه السبيل لهذه الفاحشة. فحين نأتي إلى فاحشة الزنا -مثلاً- نجد أن وسائل الإعلام أكثرها يخدم هذه الفاحشة باسم التسلية، وباسم الترفيه، وأصبح الإعلام يقرب من هذه الفاحشة، وما عليك إلا أن تحرك موجات التلفاز أو موجات المذياع، أو أي وسيلة من وسائل النشر والإعلام لترى فيها الدعاية لهذه الفاحشة، سواء أكانت بصورة مباشرة أم غير مباشرة، وبصورة مقصودة أم غير مقصودة. إن السبل قد مُهدت، حيث نجد تلك السبل في كثير من وسائل الإعلام -خاصة المرئية- التي غُزي بها المسلمون في عقر دارهم، وأصبحت خطراً لم يترك بيت شعر ولا مدر إلا دخله، وأصبح من الصعب أن يتقي الإنسان هذه الوسائل، وأصبحت تأتينا بأفلام رخيصة فيها رقص واختلاط ومسرحيات تمهد للجريمة، وتعلم المرأة الخيانة الزوجية، وتعلمها كيف تتخلص من هذه الضوابط التي يسمونها قيوداً لتقع في فخ أعداء الإسلام، وهذه المسرحيات لو أمسكتها من أول خيط إلى آخر خيط فيها -إلا ما شاء الله- لوجدتها تهدم الأخلاق والفضائل، وتعلم المرأة الخيانة الزوجية، وهذا ينتشر في التلفاز في كثير من الأحيان في أكثر العالم الإسلامي. ثم تأتي أغانٍ خليعة صفيقة مؤلمة جارحة لقلب المؤمن، فتجدها تنتشر في بيوت المسلمين حتى تغيرت وانقلبت كثير من بيوت المسلمين رأساً على عقب، فتلك البيوت التي كان بالأمس لا يُسمع فيها إلا دوي القرآن ما بين راكع وساجد في الليل منيبين إلى الله تغيرت، فلا تكاد تقف أمام بيت من بيوت المسلمين إلا وتسمع الرقص والموسيقى والمسرحيات والأغاني والأمور الفظيعة، مما يدمي قلب المؤمن ويخيفه على دينه، إلا أن الله تكفل بحفظ هذا الدين وبحفظ منهجه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. فهذا يأتي عن طريق هذه الوسائل، وأخطر من ذلك تلك الوسائل التي ليست عليها رقابة، والتي تتسرب إلى بيوت المسلمين ومجتمعاتهم بطريقة سرية، فمن رآها يخبر بأنه رأى فيها ما هو أكبر من ذلك من الفواحش المكشوفة التي تعلم الإنسان كيف يفعل الفاحشة مباشرة. وكثير من المجلات تهدف إلى هذا الهدف الخبيث، وتقرب الناس من الفاحشة، ابتداءً من صورة الغلاف، حينما يختارون لها أجمل فتاة في شكل عارٍ، إلى آخر سطر من أسطرها، فكلها دعاية، حتى الدعايات للبضائع التي تُباع أصبحت تبث من خلال المرأة وجمالها وتفسخها، وعلى حساب أخلاقها وحريتها من قوم يزعمون أنهم يبحثون عن حقوق المرأة وعن حرية المرأة، حتى الجو لم يخل من ذلك، فإذا كان قد ظهر الفساد في البر والبحر فقد ظهر الفساد أيضاً في الجو، فلا تكاد تركب طائرة بتاتاً حتى تقابلك فتاة وضعت من أجل جذب أبصار هؤلاء الركاب، ومن أجل إيجاد شيء في نفوسهم من الفتنة، وليس لها هم إلا أن تمشط شعرها، وأن تعرض جمالها، وأن تستعمل الأصباغ والأدهان من أجل أن تزيد مرضاً من في قلبه مرض! فهذه مصائب كلها عمت وطمت، لا يجوز أن نغمض أعيننا عنها مهما كان الثمن، ومهما عز المطلب؛ لأننا أمة يجب أن نقول كلمة الحق في المنشط والمكره وفي العسر واليسر. وهذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ [الأنعام:١٥١]، وأي سبيل للبعد عن الفواحش وأنت لا تستطيع أن تركب الطائرة إلا وأمامك فتاة، وعن يمينك فتاة، وعن شمالك فتاة؟! وأي وسيلة للبعد عن هذه الفاحشة ولا يكاد -إلا ما شاء ربك- أن يخلو بيت من بيوت المسلمين من هذه الوسائل التي أصبحت نقطة وصل بين الإنسان وبين الفاحشة إلا من عصمه الله تعالى؟! ولذلك تعبير القرآن تعبير دقيق، فلم يقل الله : ولا تفعلوا الفواحش. حتى لا يقول إنسان من الناس: أنا أريد أن أدنو من الفاحشة حتى لا يكون بيني وبينها إلا ذراع، وعلي أن أضبط وأن أكبح جماحي حتى لا أقع في هذه الفاحشة. ولكن الأمر كما قال رسول الله ﷺ : (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه). فلنحذر هذه المقدمات؛ لأنها ستؤدي إلى هذه النتائج، ولقد نشأ عن هذه المقدمات مرض في نفوس كثير من الناس، فأصبحوا كمن يشرب الماء المر ولا يروى أبداً، ولذلك فإن هؤلاء مطالبهم لا تقف عند حد؛ لأن هذا الفساد وصل إلى بيوتهم، ثم وصل إلى قلوبهم، ثم ما زالوا يريدون أكثر من ذلك، فهم غير راضين عن هذه الأوضاع، ويعتبرون أن هذه الأوضاع مازالت تعيش تخلفاً وتأخراً، فعلينا أن نأتي بالضربة القاصمة، وذلك عن طريق حرية المرأة وحقوق المرأة، فقامت دعوات في الصحف التي تنشر في البلاد الإسلامية تتهم الحجاب بأنه تقوقع، وتتهم الحجاب بأنه من مخلفات القرون الوسطى، ويهاجمون دين الله، والله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، ثم يقول: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، ويقول هؤلاء: يجب على المرأة أن تشارك الرجل في كل أمر من أمورها، ويجب أن ترفض هذا الحجاب؛ لأن هذا الحجاب إنما هو إهانة للمرأة، وحينما ترفض هذا الحجاب عليها أن تشارك الرجل في كل عمل من أعماله، بحيث لا يختص الرجل بعمل وتختص المرأة بعمل آخر. وصدق رسول الله ﷺ حين قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

стр. 578

وجوب الحذر من دعاة الانحراف والانحلال وفي الوقت الذي تنادي فيه الأمم التي سبقتنا إلى هذا الانحراف بضبط هذه المرأة حتى لا يقع الناس فيما وقعوا فيه، ثم يتراجعون عن هذه المسيرة المنحرفة إلى طريق الاستقامة في هذه الفترة ما زال فينا دعاة يدعون إلى انحراف المرأة باسم حقوق المرأة وحريتها، ولا أدري أي حقوق وأي حرية هم يدعون إليها؟! ولا أظن أن المرأة ستعيش مكرمة ومعززة أكثر منها في بلادنا، وبمقدار محافظة المرأة على دينها تكون أكثر تعظيماً وأكثر تقديراً. إن المرأة في بلاد الكفر لا يمكن أن تحصل على لقمة العيش حتى تكدح ليلها مع نهارها، وإن المرأة لا تستطيع أن تحصل على لقمة العيش حتى تتنازل عن شرفها وعرضها، ولكنها في بلادنا -والحمد لله- تحصل على كل وسائل المتاع والراحة وهي في قعر بيتها. ولا أدل على ذلك من هذه المهور، فإن أي بلد تنحل أخلاقها وتتخلف فيها المرأة تسقط فيها المهور، وبمقدار محافظة البلد على المرأة ترتفع المهور، وهذا يدل على ثمنيتها ونفاستها في نفوس القوم. إن علينا أن لا نغتر بهذه الدعوات؛ لأن هذه الدعوات وليدة تلك الأمراض التي وصلت إلى قعر بيوت هؤلاء، أو وليدة تلك الأمراض التي حُقنت وغسلت فيها أدمغة كثير من القوم الذي عاشوا في بلاد الكفر، ودرسوا أفكار القوم، وعاشوا هناك مدة من الزمن، فرجعوا متنكرين لدينهم، فأصبحوا عوامل هدم في بلادهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين. وصدق رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان ﵁، وهذا الحديث يتجسد اليوم تجسداً واقعياً في أرض المسلمين، يقول حذيفة بن اليمان ﵁: (كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. قال: فقلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قال: فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قال حذيفة ﵁: فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقال حذيفة ﵁: صفهم لنا يا رسول الله! قال: قوم من جلدتنا) فأسماؤهم محمد، وعبد الله، وأحمد، وليس منهم أحد يدعى أبا جهل أو يدعى أبا لهب، ولكن اسمه محمد وأحمد وعبد الله وعبد الرحمن، وتربى في أحضان أبوين مؤمنين، ولكن تربية الكافرين قد ملأت مخه وغسلته, وأزالت ما فيه من خير, وملأته شراً وحقداً على أمته, قال: (دعاةٌ على أبواب جهنم, من أجابهم إليها قذفوه فيها, قال: قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: قوم من جلدتنا, ويتكلمون بألسنتنا) , فهم ينطقون اللغة العربية, ولا يحتاجون إلى ترجمة, ولذلك فإن هؤلاء أخطر على المسلمين من أعدائهم الذين يحيطون بهم من كل جانب؛ لأن هؤلاء يندسون في المجتمعات الإسلامية, ويفسدون من حيث يصلح الناس. فلننتبه لهؤلاء الناس, ولنحذر هؤلاء الهدامين, وما أكثرهم بين المسلمين اليوم! ولقد حاول هؤلاء أن يحققوا لأعدائهم مطالبهم حينما قال أحدهم: إنكم لن تستطيعوا أن تقطعوا شجرة الإسلام إلا في غصن من أغصانها. وهم الآن يحاولون أن يقطعوا شجرة الإسلام في غصن من أغصانها، ولكن الله متم نوره وغالب على أمره. وبمقدار ما ينشط هؤلاء الهدامون يتجه الناس إلى دين الله ، وهذه سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً. إذاً علينا أن نحذر هؤلاء، كما أن علينا أن نحذر من أن نقرب من الفاحشة، فالاختلاط الآن يُخطط له في كثير من أرض المسلمين، فكثير من البلاد التي لم يعد الاختلاط فيها منهجاً رسمياً يُخطط له فيها، وهؤلاء من خبثهم وحقدهم على الإسلام واستغفالهم للمسلمين الواعين يقولون: إن خلط الرجل مع المرأة إنما يعطي هذا الرجل وهذه المرأة مناعة، بحيث تزول هذه الحواجز، وتتحطم هذه الأمور المخيفة، فيصبح الأمر طبيعياً. ولقد كذبوا، فبمقدار ما أزالوا هذه الحواجز زادت الجريمة، وانتشرت الفاحشة بين المسلمين، وهذه هي مقاصد أعداء الله، وهذه هي تربيتهم، أما تربية الله لهذه المرأة فعلينا أن نعيها، فإن الله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣٠ - ٣١] أي: إلا ما ظهر قهراً وقسراً لا ما أظهرته هي. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، إلى قوله في آخر الآية: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فإذا كانت المرأة نهيت عن أن تضرب برجلها على الأرض بشدة حتى لا يُسمع صوت الخلخال فكيف بها تخرج ترقص وتغني أمام الناس، ويسمعون صوتها، ويرون جسمها ومفاتنها؟! وما الفرق بين أمر الله وبين واقع كثير من أبناء العالم الإسلامي الذين نسأل الله أن يردهم إلى الجادة وإلى الطريق المستقيم؟!

стр. 579

خطر الاختلاط ويزيد الأمر خطورة، ويأبى أعداء الإسلام إلا أن يوجد الاختلاط في أكثر بيوت المسلمين، ثم تنفتح مادة على قوم كانوا يعيشون في فقر ومسغبة، ويفجِّر الله لهم ثروة من وراء آلاف الأقدام، فيتحول الفقير إلى غني، فيأبى إلا أن يكفر نعمة الله ، فهذه فتاة خادمة يؤتى بها من أقصى البلاد في جمالها وفي عنفوان شبابها لتعيش مع أبناء هذا الرجل أو معه، وليخلو بها، ولتسافر معه، وكأنها زوجة من زوجاته! ثم يأتي الآخر بقائد للسيارة ليسلم له أغلى وأشرف ما يملك في هذه الحياة من شرفه وكرامته، فيغدو بالبنات وبالزوجة إلى هنا وهناك، وعلى ساحل البحر، وفي أي مكان من الأرض، ويخلو بإحداهن وتخلو به في البيت وخارج البيت! ويأتي ذاك بمربية لتربي أولاده على خلاف الفطرة، وكثيراً ما تكون مشركة أو كافرة، وهب أنها مسلمة، فإن تقاليدها وأخلاقها تختلف كثيراً عن الأوضاع التي يجب أن يعيشها المسلمون في مثل بلادنا، وكل ذلك يحدث في غمرة الثراء وفي غمرة النعمة وفي غمرة الرخاء الذي اُبتلي به القوم، وصدق الله حيث أخبرنا بأنه يبتلي هذا الإنسان بالفقر والمسغبة، حتى إذا لم يُجْدِ فيه ذلك شيئاً يفتح له أبواب النعيم، حتى إذا لم يرع ويرجع إلى الله فإن عقوبة الله أقرب إليه من شراك نعله، فلننتبه لهذا؛ فإني أخشى أن تنطبق هذه الآيات على مثل مجتمعنا في مثل هذا البلد الذي كان بالأمس يعيش في فقر وفي خوف وذعر، وهو اليوم تنفتح عليه خزائن الحياة الدنيا من كل جانب، يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤]، فقر ومصائب، حتى إذا لم تجد هذه فيهم شيئاً كانت العاقبة: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف:٩٥]، فبدل الفقر أصبحت عندهم مليارات وملايين وأرقام في بنوك يعجز الناس عن إحصائها، وأمم تموت حولنا في أفريقيا جوعاً، ولكن يأبى كثير من الناس إلا أن تبقى هذه الأرقام يحاسبون عليها بين يدي الله يوم القيامة بعدما تفسدهم في هذه الحياة الدنيا إلا ما شاء ربك، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف:٩٥]، فقد زاد المال، وزاد العدد، وزاد الرخاء، وإذا قيل لأحدهم: اتق الله؛ فهذه نعمة لها ضد يقول: ضدها قد انتهى. والله يحدثنا عن ذلك قبل أن يقوله الناس: ﴿حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف:٩٥]، ما هي النتيجة؟ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥]. وهكذا الله يمتحن الناس بالمصائب والآفات والفقر والمسغبة، وإذا لم ينفع ذلك فيهم فإن لله خزائن السماوات والأرض، والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فيفتح لهم أبواب الخيرات وأبواب النعيم ابتلاء من الله ، فإذا لم ينفع الثاني بعدما لم ينفع الأول فإن الله يقول: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥]. وكل هذه الأمور علينا أن ننتبه لها، وإذا كان منا من اُبتلي بشيء من ذلك فعليه أن يتقي الله ، وعليه أن يحذر سخط الله، وأن لا يستعمل نعمة الله في معصيته، فيا أخي! بأي وسيلة تحل لك فتاة تأتي بها من الهند أو من مصر أو من جنوب شرق آسيا، أو من أي مكان من الأرض ليست منك ولست منها، وليس معها محرم؟! أيها الأخ الكريم! إن الله يحذرنا من الفواحش فيقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]، ولذلك الله تعالى هدد هؤلاء القوم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ وتوعدهم بالنار، وكان أحدهم يقتل بنته خشية العار، علماً أن الدوافع مطلوبة ونبيلة؛ لأنه فعل ذلك محافظة على عرضه، لكن في ذلك مبالغة في هذا الأمر، وهذا هو شأن الجاهلية الثانية؛ حيث إنها جاءت ترد فعل الجاهلية الأولى، حيث تفسخت فيها المرأة، أما الجاهلية الأولى فإن أحدهم كان يكره المرأة، فإذا ولدت له فتاة إما أن يدسها في التراب، وإما أن يمسكها على هون خشية أن تصيبه بعار في يوم ما، ولذلك الله قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]، والمراد بالنفس التي حرم الله تعالى النفس المعصومة التي لا يحل قتلها، والمراد بالحق ما أباح الشرع، وما أمرنا به من إقامة القصاص، ومن إقامة الحدود، ومن قتل القاتل، فهذه سنة الله تعالى التي تضبط الحياة والتي تحفظ للحياة توازنها واستقامتها.

стр. 580

تحريم أكل مال اليتيم بغير حق ثم قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، فإن مال اليتيم حرام على الإنسان أن يتعدى عليه إلا لمصلحة اليتيم، وذلك كما إذا أراد تنميته.

стр. 581

وجوب إيفاء الكيل والميزان، ووجوب القول بالعدل ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام:١٥٢]، والله عذب أمة لأنها نقصت المكاييل والموازين. ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢]، فإذا قلت أي مقالة -يا أخي- فعليك أن تخشى الله ، وعليك أن تستعمل العدل في هذا الأمر؛ لأن العدل أمر لابد منه، ولا تكون الأمور إلا به.

стр. 582

وجوب الوفاء بالعهد ثم قال سبحانه: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، فلا تعاهدوا الله وتنقضوا هذا العهد والميثاق، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٢].

стр. 583

وجوب الاستقامة على صراط الله المستقيم ثم جاءت الوصية العاشرة لتكون طابعاً، ولتكون جامعة لكل الوصايا السابقة، فقال الله فيها: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ولما قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية الأخيرة خط خطاً طويلاً مستقيماً وقال: (هذا صراط الله. ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً فقال: هذه هي السبل. ثم قرأ هذه الآية، وقال: وعلى كل سبيل منها شيطان، وعليها سدل مرخاة، وفي هذا السبيل -أي: المستقيم- منادٍ ينادي، فإذا أراد أحد أن يلج إحدى هذه السبل قال له: ويحك! لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه إلى يوم القيامة)، أو كما قال رسول الله ﷺ . وهذه الآية ذكرت أن سبيل الله واحدة، وأن السبل الملتوية المنحرفة كثيرة جداً، ولعل واقعنا اليوم -ونحن نعيش أحزاباً وفئات وأفكاراً ومذاهب شتىً- يجعلنا نتصور معنى هذه الآية تصوراً كاملاً، وكيف لا والرسول ﷺ قد فسر لنا هذه الآية في قوله ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)؟! فما عليك -يا أخي- وأنت تبحث عن سبيل النجاة، وأنت تبحث عن سبيل السعادة وأنت تطلب وتنشد طريق الجنة إلا أن تفتش في نفسك، وإلا أن تفتش في بيتك، وإلا أن تفتش في أولادك وأهلك، فإن كانوا على المنهج الذي جاء به رسولنا ﷺ دون زيادة أو نقص فعليك أن تشكر الله، وأن تسأل الله الثبات على هذا الأمر، وإن كنت في أهلك أو في نفسك أو في بيتك على غير المنهج الذي جاء به رسولنا ﷺ فعليك أن تخشى الله في نفسك أولاً، ثم تخشى الله في هذه الذرية وفي هؤلاء الأهل الذين استرعاك الله عليهم، لتعود إلى الطريق المستقيمة التي أمرك الله بسلوكها في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].

стр. 584

وجوب الحذر من الغلو في الدين إن مما يحزن أنه في أيامنا الحاضرة توجد مذاهب وأفكار تنتسب إلى الغلو وتزيد في دين الله ، وإذا مُني ديننا وإذا مُنيت أمتنا الحاضرة وإذا مُني زماننا الحاضر بأناس خالفوا أوامر الله وتنكبوا عن منهجه فلقد مُني بما هو أخطر من ذلك، حيث مُني بأناس يغيرون ويبدلون في شرع الله ، ويشرعون للناس ما لم يأذن به الله، ويغلون في دين الله ، ويأتون بأشياء ما فعلها رسول الله ﷺ ، وأقسم بالله العظيم على أنه لو بُعث فينا اليوم نبينا محمد ﷺ لحمل السلاح على هؤلاء الذين يشرعون في دين الله ما لم يأذن به، وهؤلاء الذين يأتون بعبادات ما شرعها الله ولا شرعها رسوله، قبل أن يحمل السلاح على الملاحدة والشيوعيين الذين ينكرون الخالق والدين؛ لأن أولئك أناس أعلنوا كفرهم بالله ، أما هؤلاء الذين غلوا في دين الله فصاروا يضيفون إلى دين الله أشياء لم يشرعها رسول الله ﷺ قد كذبوا الله الذي قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، واليوم هو يوم عرفة في حجة الوداع، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وكذبوا رسول الله ﷺ حينما قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، فقالوا: هذه عبادة، وهذه بدعة حسنة، وهذا أمر محبوب، فندخل هذا وهذا في دين الله . حتى كاد دين الله أن لا يثبت في أذهان هؤلاء، وأن لا يقر له قرار في نفوسهم. وهذا أمر ينتشر في كثير من بلاد المسلمين، حيث تراهم يشرعون أموراً لم يشرعها الله ، وإني خائف عليهم من قول الرسول ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، أما تلك الواحدة فإن منهجها واضح، وإن دينها بين، فهذا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أكبر منهج لدين الله، وهذه سنة رسول الله ﷺ ما زالت وستبقى إلى يوم القيامة غضة طرية، وهذا تاريخ المسلمين في الصدر الأول الذي أمرنا بالاقتداء بهم من الخلفاء الراشدين ﵃، أما هؤلاء الذين جاءوا ببدعة سموها بدعة حسنة فنسوا أن الرسول ﷺ يقول: (وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) فقالوا: لا يا رسول الله، ليست كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة. فكلما استحسنته نفوسهم جاءوا به وأضافوه إلى دين الله، فأصبح هذا الدين غير ثابت في نفوس هؤلاء، وهذا أمر خطير انتبهوا له أيها المسلمون، وقفوا عند حدود الله؛ فإن الزيادة في دين الله أعظم عند الله من النقص في دينه؛ فإن من زاد في دين الله فقد وضع نفسه إلهاً يشرع لنفسه وللناس، وأما من نقص في دين الله فإنه عاصٍ، وهو تحت مشيئة الله وإرادته، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. إذاً علينا أن ننتبه لهذا الخطر، وأن نحذر، وأن نسلك سبيل الله، فإن سبيل الله واحدة، وليس هناك إلا سبيل واحدة، ولذلك جاءت السبيل هناك مفردة وجاءت السبل متعددة، فقال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. أسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينه رداً جميلاً، وأن يوفقهم للوقوف عند حدود الله وعند أوامر الله، فلا يزيدون في دين الله ما لم يشرعه الله أياً كانت هذه الزيادة، ولا ينقصون في دين الله. فيتعرضون لعقوبة الله وسخطه، كما أسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يوفق ولاة المسلمين لرفع راية الإسلام على الوجه الذي يرضيه عنا وعنهم، وأسأله أن يجعل أمرنا وأمر المسلمين كافة فيمن خاف الله واتقاه، ونفذ أحكامه، وحكَّم شرعه ظاهراً وباطناً في كل صغيرة وكبيرة، وأن يقينا جميعاً ولاة السوء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 585

الأسئلة

стр. 586

نصيحة للشباب السؤال ما هي نصيحتك للشباب التي يجب أن يلتزموا بها، وأن يقوموا بها في هذا العصر؟ الجواب نصيحتي للشباب ولغير الشباب أن يثبتوا أقدامهم على هذه الأرض التي أصبحت اليوم تهتز بكثير من الناس، وأصبح كثير من الناس الآن على مفرق طريقين بين الحق والباطل، فأوصي هؤلاء الشباب أن يثبتوا أقدامهم، وأن يلتزموا بأوامر الله ، وأوصيهم بما أوصى به رسول ﷺ حذيفة بن اليمان، فإن حذيفة بن اليمان لما أخبره الرسول ﷺ بما سيحدث قال: (يا رسول الله! فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال: قلت: يا رسول! وإن لم يكن يومئذ للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: فاهرب بدينك، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك). ولكن جماعة المسلمين ستبقى -بإذن الله- إلى يوم القيامة؛ لأن الرسول ﷺ قد أخبرنا في الحديث الصحيح فقال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله -أو حتى تقوم الساعة-) ولذلك فإني أقول لهؤلاء الشباب: عليهم أن يلتزموا، وأن لا يتسرعوا في مفهومهم أو في تصوراتهم أو في أي أمر من أمورهم، كما أن عليهم أن لا يغتروا بهذه الحضارات الملفقة التي جاءت من الشرق والغرب، فإنما هي -كما أخبر الله كسراب بقيعة، والحق هو الذي يبقى، وهذه ستزول؛ لأن الله قد حكم بأن هذا الدين سيبقى إلى يوم القيامة، ولذلك فإني أدعو هؤلاء الشباب إلى أن يثبتوا على دين الله ، خاصة هؤلاء الشباب الذين منَّ الله عليهم بالاتجاهات الخيرة، فأصبحنا نتفاءل بهم كثيراً، وقد كان كثير من الناس يتشاءم، ويظن أن فلاناً وفلاناً من الناس فقط هم الذين سيحرسون دين الله في الأرض، فإذا بالأمر يأتي فجأة، فيتجه شباب المسلمين إلى الله تعالى في كل مكان من أرض الله الواسعة، حتى في بلاد الكفر، فقد ذهب كثير من أبناء المسلمين إلى هنالك، ولربما تكون هناك نوايا سيئة لطائفة من الناس، ويتوقعون أن فلانا سيفسد حينما يذهب إلى بلاد الكفر، فإذا به يعود قد زاد إيماناً وصلابة في دينه وقوة في عقيدة، فأوصي هؤلاء وأولئك جميعاً بأن يثبتوا على دين الله، وأن لا يتأثروا بما يحيط بهم من أخطاء وأخطار، وأن يتمثل أحدهم بقول الشاعر قاصداً ربه : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب كما أدعوا هؤلاء الشباب إلى أن يثقفوا وأن يوعوا إخوانهم الذين أُصيبوا بما أصيبوا به من تخلف أو ضرر في دينهم.

стр. 587

نصيحة للنساء السؤال كثير من الأخوات المسلمات بحاجة إلى توجيه نصيحة لهن، خاصة من تخلط في أمورها بين التبرج وغيره من الأمور التي اُبتلي بها كثير من النساء في هذا العصر؟ الجواب نقول للأخوات: عليهن أن يعلمن أنهن يُغزين في أيامنا الحاضرة أكثر مما يُغزى غيرهن، فتزهد إحداهن في الدين في كثير من الأحيان، ويقال لها: إن هذا الدين قد كبح جماح المرأة، وقد أغلقها عن الناس، وقد عطل نصف المجتمع، وقد ذهب الناس بحرية المرأة في أيامنا الحاضرة، والدين يكبت هذه المرأة. وغير ذلك من الكلمات التي نسمعها وتسمعها المرأة، وهذه في الحقيقة لا أعتقد أنها ستؤثر على المرأة المؤمنة التي تقرأ كتاب الله ؛ لأنها تعرف حقوق المرأة قبل أن يأتي هذا الدين، وتعرف حقوق المرأة بعد أن جاء هذا الدين، فتتصور واقعها يوم كانت في الجاهلية، حيث كانت تُدفن خشية العار، وكانت لا ترث حتى ورثها الله ، بل كانت تُورث، فكانت المرأة إذا مات زوجها يتسابق أحد أولاده من غيرها فأيهم وضع عليها رداءاً كان أحق بها، حتى أنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، فلا أعتقد أن واحدة من الأخوات المسلمات تتأثر بذلك، خاصة أننا نعيش في فترة قد تعلمت فيها المرأة وتثقفت، فأصبحت تعرف ما لها وما عليها، وتعرف ماضيها وحاضرها، فأدعو هذه المرأة إلى أن لا تنخدع بهذه الدعايات المضللة التي تفد إلينا من الشرق أو من الغرب أو تصنع في بلادنا وفي صحفنا، وعليها أن لا تغتر بشيء من ذلك، فإن الله قد أكرمها بالإسلام، كما أدعوها إلى أن لا تتنازل عن شيء من كرامتها، أو شيء من حجابها، أو تظهر شيئاً من زينتها؛ لأن الله قد ضرب لها مثلاً بأفضل النساء، ونادى أفضل النساء بأعظم نداء، فعلى هذه المرأة أن تلتزم بهذا النداء، وهو قول الله : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣]، ثم لا ننسى الآية الآتية بعدها: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فعلى المرأة المسلمة أن تبلغ دين الله إلى النساء الأخريات؛ لأن معنى قوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) معناه أمر للمرأة المسلمة -خاصة زوجات رسول الله ﷺ بأن تبلغ دين الله لهذا العالم، وأسأل الله تعالى أن يثبت أقدام النساء كما أسأله أن يثبت أقدام الرجال.

стр. 588

حكم التمسح والطواف بالأضرحة السؤال بعض الفرق التي تعيش معنا اليوم وتتمسح بالأضرحة وتسألها الحاجات من دون الله يقول بعض أفرادها: إن الآيات التي وردت في بيان أن عبدة الأصنام يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى نزلت في قوم معينين، وهم كفار مكة أو مشركوا قريش الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ . فما هو ردكم؟ الجواب الحقيقة أن هذا الكلام خطير؛ لأن معنى ذلك أن القرآن سيُحصر في وقت معين، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف:١٥٨]، فالرسول ﷺ هو رسول الله إلى يوم القيامة، وأي آية نزلت في فترة فإنها تتحدث عن كل الفترات إلى يوم القيامة، وعلى هذا فإننا نقول لهؤلاء: اتقوا الله ، ولا ترموا المسلمون وتقذفوهم في النار، وعليكم أن تبينوا لهم طريق الحق، وعليكم أن تبينوا لهم أن الأوثان التي تُعبد من دون الله أياً كانت هذه الأوثان فإنها أوثان، وإذا كان هؤلاء يعتقدون أنها تقربهم إلى الله يوم القيامة ويرجون شفاعتها فإن هذه الكلمة لا تختلف أبداً عن قول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فالمشركون قالوا: (نعبدهم)، وهؤلاء قالوا كلمة غير كلمة (نعبدهم)، فالاختلاف لفظي، أما الحقيقة فإن ما يفعله كثير من الناس اليوم حول الأضرحة بل حول قبر الرسول ﷺ هو شرك، ولو ذهب أحدنا الآن إلى قبر رسول الله ﷺ لرأى طائفة من الناس قد أداروا ظهورهم إلى كعبة الله المشرفة، واتجهوا إلى رسول الله ﷺ وهم خاشعون، ويقولون: يا رسول الله! أعطنا كذا. فمن كان يتصور أن هذا سيوجد في المسلمين فضلاً عن أن يوجد في بقعة من أفضل بقاع الأرض وهي مدينة رسول الله ﷺ وفي مسجده، فالشرك قد عاد برمته، ولما قال رجل للرسول ﷺ وهو حي: ما شاء الله وشئت أنكر عليه وقال: (أجعلتني لله نداً؟!) فكيف والرسول ﷺ ميت؟! والعجيب في هؤلاء أننا إذا قلنا: إن الرسول ﷺ ميت قالوا: لا. الرسول حي. فنقول: كفرتم بالله إذا قلتم: إن الرسول حي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، فكيف يقول الله تعالى: إنه ميت وأنت تقول: هو حي؟ وقال تعالى: ﴿أَفَإِْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، ولذلك لما اضطرب الناس عند أن مات رسول ﷺ ، وبعضهم أنكر موت رسول الله ﷺ قام أبو بكر ﵁ على الملأ وقال: (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات). والله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولكنه ميت، وهو حي حياة برزخية، حتى وفي حياته قبل موته ﷺ لا يستطيع أن يعطي الإنسان كل شيء. إذاً ليس هناك الآن لنا سبيل إلى أن نسأل الرسول ﷺ حاجة من الحاجات، وإنما علينا أن نتقرب إلى الله بحب رسول الله ﷺ ، وبالصلاة عليه، وبالسلام عليه، وتكون محبتنا ليست محبة عاطفة، فليست محبتي ومحبتك لرسول الله ﷺ كمحباتنا لأزواجنا ولأولادنا، بل محبتنا لرسول الله ﷺ محبة متابعة يجب أن تكون أعظم من العاطفة ومن غيرها، وهؤلاء إذا قيل لهم: اتقوا الله، لا تتمسحوا بقبر رسول الله، هذا أمر لا ينفع ولا يضر، لا تسألوا الرسول ﵊، بل اسألوا الله قالوا: أنتم لا تحبون الرسول ﷺ . ووالله إننا لأشد حباً لرسول الله ﷺ منهم، ولذلك فإن علينا أن نلتزم، فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ يقول قائلهم: (ألا إني متبع، ولست بمبتدع). ونحن علينا أن نتبع وأن لا نبتدع؛ لأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما الاتباع فقد أمرنا به، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، ولذلك فإني أرجو من الله أن يهدي هؤلاء الذين ضلوا الطريق ففهموا هذا الدين على غير حقيقته إن أحسنا بهم الظن، وإلا فإنهم قد أساءوا إلى هذا الدين، وصرفوا أنواعاً من العبادة لا تكون إلا لله صرفوها لمخلوق من المخلوقين، أسأل الله أن يهدينا وإياهم سواء السبيل.

стр. 589

حكم تفضيل الكفار على المسلمين السؤال هناك من المسلمين من انخدعوا بحضارة الغرب الزائفة وبهرتهم، فأصبحوا يفضلون النصارى على المسلمين بدعوى أن النصارى يصدقون في الحديث، ولا يخلفون الوعد، وشيء من هذا القبيل، فيقولون: إن النصارى أفضل من المسلمين، ولا ينقص النصارى إلا أن يصلوا ويصوموا ليكونوا في غاية الكمال البشري، فما رأيكم في هذه المقالة الخبيثة؟ الجواب تفضيل النصارى أو غير المسلمين على المسلمين كفر وردة، والله تعالى نهانا عن موالاة غير المسلمين فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:٥٥]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، ولو أردنا أن نحصر الآيات في مثل هذه المواضيع لوجدناها كثيرة، وهذه الحجة الشيطانية انخدع بها طائفة من ضعاف النفوس من المسلمين، فقالوا: إن هناك أخلاقاً وفضائل يتمتع بها النصارى أكثر من المسلمين، وهذا فيه شيء من الحق، وفيه شيء من الباطل، أما أنهم أفضل من المسلمين فهذا أمر باطل، وأما أن هناك أخلاقاً يتمتع بها النصارى -هي في الحقيقة من أخلاق المسلمين- فهذا فيه شيء من الحق وماذا يريد الشيطان من البيت الخرب، فما دامت نفوسهم قد خربت ومصيرهم إلى النار فالشيطان لا يتوعد إلا أن يخرج الناس من الجنة، ومادام قد أخرج هؤلاء من الجنة وأدخلهم النار فإنه قد انشغل بغيرهم من المسلمين، فغيَّر كثيراً من أخلاقهم وفضائلهم، أما أولئك فإن ما لديهم من الفضائل لا ينفعهم عند الله شيئاً، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥] أي: بعمله، كأن يبني المساجد، ويبني المدارس، ويبني المستشفيات، لكنه غير مؤمن ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥]، أي: نعطيهم الجزاء في الدنيا؛ لأن الله لا يظلم أحداً. فلا يغتر أحد بعمل هؤلاء الكافرين، فإنه يُعجل الجزاء لهم في الحياة الدنيا حتى لا يبقى لهم نصيب في الحياة الآخرة، وما لديهم من الأخلاق والفضائل فإنما هو موروث من أخلاق المسلمين يوم استقر المسلمون في بلاد الغرب، وحينما فتح المسلمون مناطق كثيرة من بلاد الكفر، ثم بعد ذلك انتشرت هذه الأخلاق وهذه الفضائل وهذه العادات، حتى إذا تقلص الإسلام من نفوس هؤلاء بقيت تلك الأخلاق. وعلى كلٍ فإن الشيطان لم يحارب هذه الأخلاق في نفوس هؤلاء؛ لأنه سواء استقاموا على هذه الأخلاق والفضائل أو انحرفوا عنها فهم حطب لجهنم.

стр. 590

حكم الغلو في الأنبياء والصالحين السؤال هناك من يغالي في الأحياء، فيتمسح ببعض الأحياء كالعلماء -مثلاً- ويقبل أقدامهم، ويكاد يسجد لهم من دون الله، فنرجو إلقاء الضوء على هذه المسألة؟ الجواب الخضوع لغير الله لا يجوز، إلا فيما أباح الشرع من أن يتواضع الإنسان لوالديه أو العلماء من باب التقدير والاحترام فقط، أما أن يصل إلى تقبيل الأقدام أو أن يصل إلى الانحناء كما يفعله طائفة من الناس إذا أراد أحدهم أن يحيي الآخر فينحني أمامه فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا لا يكون إلا لله ، فإذا كان الله تعالى قد نهانا أن نعبد غيره أو أن نصرف نوعاً من العبادة لغيره فإن ما نقدمه للأحياء أو للأموات على حد سواء، فكل ذلك صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله ، فإذا انحنيت أمام قبر ميت أو أمام أعتاب حي أو أمام أي مخلوق من المخلوقات انحناءً لا يكون لله فقد صرفت نوعاً من العبادة لغير الله، وهذا أيضاً يدخل في باب الشرك، إلا أن هذا يوجد أمام الأموات أكثر من الأحياء، كما يحصل عند الولي فلان والسيد فلان، بل عند الرسول ﷺ الذي قال: (اللهم! لا تجعل قربي وثناً يُعبد) ويقولون: لا. لابد أن يُعبد قبرك يا رسول الله. فيذهبون وينحنون أمام قبر رسول الله ﷺ ، ويذرفون الدموع، ولا يقولون كما أمرنا الرسول ﷺ أن نسلم عليه أو نصلى عليه: (السلام عليك يا رسول الله)، وإنما يقولون: يا رسول الله! أعطنا كذا. يا رسول الله! أعطنا كذا. والله تعالى أخبرنا أن رسول الله ﷺ لا يملك نفعاً ولا ضراً لأحد، إلا أن يهتدي الناس بما جاء به من الهدى، كما قال : ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٨]، وإذا كان هؤلاء يقولون: إن رسول الله صلى الله ﷺ يستطيع أن يغيثنا في هذا الأمر وهو ميت فإنهم ينكرون وفاته، ويكفرون من هذه الناحية؛ لأنهم ينكرون آيات كثيرة من كتاب الله تخبرنا بأن الرسول ﷺ قد مات كما يموت سائر البشر، إلا أن الله تعالى يرد عليه روحه إذا سلم عليه أحد ليرد ﵇، وحفظ جسده من أن تأكله الأرض، أما الرسول ﷺ فهو ميت، ولربما يغالي أحدهم ويقول: إن الرسول خُلق من نور، والله تعالى يقول له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠]، والبشر يختلف عن النور؛ لأن البشر هو الذي له جسم يباشر الأشياء، ويقولون: لا. فالرسول خلق من نور، وليس له ظل. فنقول لهؤلاء: اتقوا الله! فأنتم تكذبون الله الذي يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠]، وتكذبون رسولنا ﷺ الذي يقول: (ألا إنما أنا بشر)، ويقول أحدهم: هو أول المخلوقات. ونقول له: كذبت، فالرسول ﷺ ليس أول المخلوقات، ويزيده شرفاً أن يكون آخر الرسل، وهو أعظمهم وأفضلهم عند الله ، وهو سيد ولد آدم، وهؤلاء يأتون بأشياء ليس لها أدلة، ويشرعون في دين الله ما لم يأذن به الله، ومن هنا ضل القوم الطريق، نسأل الله لنا ولهم الهداية والاستقامة.

стр. 591

الجمع بين حديث: (كل بدعة ضلالة) وحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة) السؤال يشكل على بعض الناس الجمع بين قول النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة)، وبين قوله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، فما هو الجمع بينهما؟ الجواب ليس هناك إشكال بين الحديثين، وكلاهما حديثان صحيحان، فقوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) حديث صحيح، وكان الرسول ﷺ يخطب به يوم الجمعة، وقوله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة) هذا أيضاً حديث صحيح، وله مناسبة. وأما كيف نجمع بينهما فنقول: كل بدعة ضلالة، لكن السنة إذا غفل عنها الناس ونسيها الناس ثم جاء أحد المسلمين وذكر المسلمين بهذه السنة فحينئذٍ نقول: سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأن الحديث الذي فيه: (من سن في الإسلام سنة حسنة) سببه أن الرسول ﷺ دعا إلى الإنفاق والبذل، فقام رجل ومعه صرة من مال كادت يده أن تعجز عن حملها، فسلمها للرسول ﷺ أمامه علناً، فقام الناس وتدافعوا، وصار كل واحد منهم يقدم شيئاً من المال، ولذلك قال الرسول ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن في الإسلام سيئة). إذاً من أحيا سنة غفل عنها الناس فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن أمات سنة عمل بها الناس وجعل البدعة بدلها فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، أما الأصل فإن الدين كامل، وكل بدعة ضلالة. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 592

دروس وعبر من قصة يوسف ﵇ إن قصة يوسف من أروع القصص وأعجبه في القرآن الكريم؛ وذلك لما فيها من العبر والعظات، وأنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن ذل إلى عزّ، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، وفيها يظهر لطف الله تعالى وعنايته بأوليائه وأصفيائه، وتأييد الله لهم في أحلك الظروف وأشدها، وغير ذلك.

стр. 593

بين يدي سورة يوسف ﵇ الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن قصة يوسف ﵊ مليئة بالوعظ والتذكير، والترغيب والترهيب، ويتبين من خلالها الفرج بعد الشدة، وتيسير الأمور بعد تعسرها، وحسن العواقب المشاهدة في هذه الدار. فيجب علينا أن نأخذ من هذه القصة العظة والعبرة، لا سيما وأن المبتلى في هذه القصة نبي من خيار أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. وقد اشتملت على محن وعلى أمور عظام تعجز عن حملها الجبال، ثم يتحملها ولي من أولياء الله ؛ لنأخذ من قصته الدروس والعبر، وهذه السورة نستطيع أن نلخص محتواها في جزء من آية وردت فيها، فإن يوسف ﵊ حينما انكشف أمره لإخوته قال لهم: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] ونستطيع أن نلخص هدف السورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]، فالتقوى والصبر هما سبب السعادة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فقصة يوسف ﵇ من أروع وأعجب القصص التي وردت في القرآن الكريم، لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن ذل إلى عز، ومن فرقة وشتات إلى انضمام وائتلاف، فتبارك من قصها وجعلها عبرة لأولى الألباب. وسنتحدث عما تيسر من الدروس والعبر المستفادة من قصة يوسف ﵇.

стр. 594

ضرورة العدل بين الأولاد في قوله تعالى: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف:٨] ذهب طائفة من المفسرين إلى أن إخوة يوسف الأحد عشر أنبياء، وهم الأسباط الذين يذكرهم الله في كل آية يعدد فيها الأنبياء، فقد أخذتهم الغيرة بسبب تقديم يعقوب ﵇ يوسف في المحبة، فإن يوسف عليه الصلاة السلام نال من أبيه محبة شديدة، حتى ما كان يسمح ليوسف ﵇ أن يخرج مع إخوته لرعي الغنم، وهذه المحبة كانت من أكبر الأسباب التي أوغرت صدور إخوة يوسف ضد أخيهم يوسف ﵇. ولذلك فإن العدل بين الأولاد يعتبر أمراً مهماً لا يجوز تضييعه، ولا يجوز تفضيل بعضهم على بعض، ولذلك قال النبي ﷺ لـ أبي النعمان بن بشير ﵄: (إني لا أشهد على جور، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) حينما أراد أن يفضل أحد الأولاد على بعض، ولذلك ما يحدث من العقوق من الأولاد لربما يكون أكبر أسبابه هو عدم العدل بين الأولاد، فهؤلاء بينوا العلة التي جعلتهم يغارون من أخيهم يوسف ﵇ حيث قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف:٨] حتى قالوا لأبيهم عليهم الصلاة السلام جميعاً: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] ثم أدى ذلك إلى أن يفكروا في قتل أخيهم، فقالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩] وهذا دليل على أن تفضيل أحد الأولاد دون الآخرين يغرس الحقد والكراهية لهذا الولد المفضل، ولربما يصل إلى ذلك الأب فيكون سبباً من أسباب العقوق.

стр. 595

الصبر على الابتلاء وعدم الجزع المسلم عند البلاء لابد أن يصبر، فإن الله خلق هذه الحياة وهي مبنية على الأكدار، يقول الشاعر: بنيت على كدر وأنت تريدها صفواً من الآفات والأكدار فمن أراد أن تصفو له الحياة فعليه أن يراجع حسابه؛ لأنه يحاول أمراً مستحيلاً، فالدنيا مليئة بالمصاعب والمتاعب التي تعكر صفو هذه الحياة، وأما الراحة الأبدية والسعادة السرمدية ففي الآخرة في جنة عرضها السماوات والأرض، ولذلك أنبياء الله ﵊ يلاقون في هذه الدنيا من العناء والتعب ما لا يتحمله غيرهم، ولكنهم يقابلون هذه البلايا وهذه الفتن بالصبر، ولذلك لما فوجئ يعقوب ﵇ بالقصة المكذوبة المصطنعة في أن يوسف قد أكله الذئب قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، والصبر الجميل هو الذي لا يكون معه جزع، وما ورد من حزن يعقوب ﵇ على ولده يوسف فإنما هي عاطفة الأب نحو ابنه، فالصبر هو طريق الفرج، وهو طريق الجنة ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فإذا ابتلي الإنسان بمصيبة أو بنكبة في نفسه أو ماله أو أهله أو في أي شيء من الأمور. فعليه أن يصبر الصبر الجميل، ويعقوب ﵊ قال لما فقد ابنه يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] وقال لما فقد ابنه الآخر: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣].

стр. 596

لطف الله وعنايته بأوليائه لما عدل أخوة يوسف عن قتل يوسف ﵇ بناءً على مشورة أخيهم وألقوه في البئر ما كانوا يظنون أن يوسف ﵇ سيخرج من هذه البئر حياً، بل كانوا يظنون أنه سيلقى حتفه في ذلك البئر، وما كان يوسف ﵊ -لولا يقينه بربه- يظن أنه سوف يخرج من هذا البئر، ولكن الله تعالى له لطف خفي، وهذا اللطف لربما يتأخر ولا يأتي إلا في ساعة الصفر، وفي آخر لحظة من لحظات احتياج هذا الإنسان إلى رحمة الله . من يصدق أن يوسف ﵇ يلقى في البئر طفلاً ليصبح في يوم من الأيام ملك مصر؟ إنها آية من آيات الله ، فعلى المؤمنين أن يتمسكوا بطاعة الله، وعليهم التسليم والرضا بقضاء الله وقدره في أي أمر من الأمور التي تصيبهم، فإذا كانوا كذلك فليبشروا من الله بالفرج، فلما ألقي يوسف ﵇ في البئر جاءت قافلة تريد مصر، فأرسلوا واردهم الذي يطلب لهم المياه فأدلى دلوه فتعلق به يوسف ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:١٩]، ولما ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها اشتراه عزيز مصر، وأوصى ملك مصر زوجته به خيراً ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١] ثم علمه الله الحكمة وتأويل الأحاديث، وهذا كله من لطف الله بأوليائه الصالحين، فالمرء إذا تعرف إلى الله في حال الرخاء عرفه الله في حال الشدة، وإذا أعرض عن الله في حال الرخاء فإن الله يتركه في وقت الشدة، ولذلك يوسف ﵊ أنقذه الله من كل هذه المحن والشدائد العظام والأحداث الجسام، قال الله : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١]. فقد نرى ولياً من أولياء الله يحيط به العدو من كل جانب، وتتكالب عليه فتن الحياة الدنيا ومصائبها وآفاتها، حتى يظن الناس أنه قد هلك، وأنه لا يستطيع الخلاص من ذلك كله، فإذا به يتخلص بقدرة الله وفضله وكرمه، كما قال ﵊: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فيوسف ﵊ عرفه الله في وقت الشدة والضيق وخلصه، وندب إليه سيارة من الناس كانوا يسيرون في صحراء سيناء، ووقعوا على تلك البئر فأخرجوه منها، ثم أصبح هذا الغلام في يوم من الأيام ملكاً على مصر.

стр. 597

استشعار رقابة الله تمنع العبد من الوقوع في المحرمات عرضت امرأة العزيز نفسها على يوسف، وطلبت منه أن يفعل بها الفاحشة، وكانت من أجمل النساء، إضافة إلى أنها سيدته، والمسيطرة عليه وعلى شئون البيت، بل وعلى العزيز نفسه، وكان يوسف ﵇ شاباً في ريعان شبابه، وبحاجة إلى هذا الأمر وإلى إشباع غزيرته، وشهوة الجنس شهوة سريعة الاشتعال، لا تعطي المرء فرصة للتفكير، ولربما يغفل المرء عن إيمانه فيقع فيما حرم الله. ولكن يوسف ﵊ -بحفظ من الله لما عرضت عليه هذه الشهوة في خلوة لا يطلع عليه إلا الله قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣]. فالإنسان في مثل هذه المواقف عليه أن يراقب الله ، لاسيما إذا عرضت عليه هذه الشهوة وهو بعيد عن أعين الناس، ولذا كان أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، كما في الحديث: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله). وتأمل معي هذا الموقف! رجل تدعوه امرأة إلى الفاحشة، والمرأة ذات مكانة عالية، ولربما فرضت نفسها بالقوة على هذا الرجل، إضافة إلى أنها باهرة الجمال، والجمال كما هو معلوم من أشد ما يغري الرجل بالمرأة، ولكن مع ذلك كله رفض فعل الفاحشة، وقال: إني أخاف الله. فكان جزاؤه أن جعل الله له جنتين جنة لسكنه، وجنة لأزواجه وخدمه، وإنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] فلابد من أن يتفكر العبد ويتذكر ساعة الوقوف بين يدي الله ، ولذلك مدح الله تعالى الذين يخشون ربهم بالغيب فقال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢] غابوا عن أعين الناس، ولكنهم استشعروا عظمة نظر الله إليهم، وذلك كله يدل دلالة واضحة على ثبات نبي الله يوسف ﵇ في مثل هذه المواقف، التي لا يثبت فيها إلا من زكى الله قلبه وطهر نفسه.

стр. 598

تأييد الله لأوليائه في أحلك الظروف وأشدها جعل الله لأوليائه الصالحين في أحلك المواقف وأصعب الظروف فرجاً ومخرجاً، ويتضح هذا الأمر بجلاء من خلال ما حصل من امرأة العزيز مع يوسف ﵇، لما جاء العزيز زوجها ووجد المرأة تلاحق يوسف ﵇ داخل الدار، فقلبت القضية وجعلت يوسف ﵇ كأنه هو الذي يراودها عن نفسها، وهذا الظلم شديد الوقوع على النفس ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٢] فقلبت القضية ضد يوسف ﵇، وادعت أن يوسف ﵇ يلاحقها ويراودها عن نفسها، وليس لدى يوسف ﵇ من الأدلة ما يستطيع أن يبرئ به نفسه؛ لأنه ضعيف مغلوب على أمره، خادم داخل البيت كالرقيق يباع ويشترى، من سيدافع عنه في مثل هذه الحال؟ ومن سيعيد إليه ماء وجهه وكرامته؟ ومن سيرد إليه اعتباره؟ فتلك المرأة اتهمته زوراً وبهتاناً حيث قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥]. ولكن الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض أنطق طفلاً رضيعاً مازال في المهد في بيت امرأة العزيز، وشهد شهادة حق، وجعل هذه الشهادة مؤيدة بالبينات الواضحة ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧] فأصبح العزيز أمام الأمر الواقع، فعرف أن الذي فعل هذه الجريمة هو زوجته وليس يوسف ﵊. فأظهر الله براءة يوسف ﵇ بطريقة ما كان أحد يفكر فيها أو يتصورها، وما كان يوسف ﵇ يظن أن طفلاً في المهد سوف ينطق ليشهد ببراءته، فإن هذه تعتبر آية من آيات الله ، وهكذا يظهر الله الحق على لسان ذلك الطفل الرضيع. ولقد وصل ضعف الغيرة ببعض الرجال إلى أنه يرى زوجته تراود شاباً ثم لا يتمعر وجهه ولا يغضب لمحارمه فضلاً أن يغضب لله ، ولذلك تجد أن العزيز لم يغضب لما تأكد أن زوجته فيها فساد في فطرتها وانحراف في أخلاقها، وإنما قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف:٢٩] وهذا في الحقيقة ليس موقف الرجال حينما يرون الخنا في أهليهم، نسأل الله السلامة والعافية، وهذه الدياثة التي يقول عنها الرسول ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) فالرجل العاقل ذو الغيرة عليه أن يغضب في مثل هذه الأمور، وأن يضع حداً لهذه الزوجة التي تسعى إلى الفاحشة بنفسها، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 599

تحمل المؤمنين للأذى وثباتهم على الحق في المرة الأخرى أمرت امرأة العزيز يوسف ﵇ أن يفعل معها الفاحشة بالقوة وهددته بالسجن إن امتنع من فعل الفاحشة، فجمعت النساء اللواتي كن يلمنها على حب يوسف ﵇ لتريهن ما فيه من جمال ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] فأغرين امرأة العزيز بهذا الشاب، ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢]. ففي المرة الأولى كان عرضاً سريعاً خفيفاً، لكنه في هذه المرة أصبح عرضاً إجبارياً، إما أن يفعل بها الفاحشة أو السجن، ولكنه فضل السجن على الوقوع في الفاحشة، فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] فابتلى يوسف ﵇ بحب النساء له؛ لأنه فيه نضارة، فتوسل إلى الله بأن يصرف عنه مكر النساء، حتى لا يقع فيما حرم الله، لكنه فضل العيش في السجن على الوقوع في شيء مما حرمه الله . ولقد أصبح كثير من الناس اليوم لا يطيق السجن ولا ساعة من نهار، ولربما يترك كثيراً من أوامر الله مخافة أن يدخل السجن، وأصبح كثير من الدعاة في أيامنا الحاضرة يتأخرون عن واجبهم خشية أن يدخلوا السجن، وأصبح كثير من المصلحين يرجعون من منتصف الطريق حتى لا يتعرضوا للأذى، وهذه من أكبر البلايا التي أصيب بها الناس في هذا العصر. يوسف ﵊ فضل العيش في السجن على أن يفعل شيئاً حرمه الله ، وهؤلاء استرخوا وناموا واستلذوا العيش الطيب وركنوا إلى الحياة الدنيا، فلا يقومون بواجبهم في الدعوة إلى الله تعالى، لا سيما من كان منهم من العلماء الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق، ولكنهم لم يصدعوا بكلمة الحق خوفاً من البشر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] فالناس اليوم أحوج ما يكونون إلى معرفة الحق، وحاجتهم إلى ذلك أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والهواء. ولذلك ذكر الله عن قوم يبدءون مشوارهم بالإيمان، ولكنهم يرجعون من منتصف الطريق دون أن يكملوا مسيرتهم إلى الله والدار الآخرة، فإذا أوذي أحدهم بسبب إيمانه ارتد عن الدين، وجعل ما يصيبه من أذى الناس سبباً صارفاً له عن الإيمان كعذاب الله الشديد الذي يصرف الإنسان عن الكفر، وكان مقتضى إيمانهم أن يصبروا ويتشجعوا، ويروا في العذاب عذوبة وفي المحنة منحة، فإن العاقبة للمتقين، يقول الله عن هؤلاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] إن الذي يرجع من منتصف الطريق دون أن يكمل مشواره كالذي يكون على طرف من الجيش فإن أحس بظفر أو غنيمة استقر وإلا فر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ [الحج:١١]. والمؤمن بمقدار ما تزيد الفتنة والبلاء والعذاب أمامه بقدر ما يزيد إيمانه ويقينه بالله والثقة بنصره ، والمؤمن الحق حينما يرى العقبات في طريقه يزداد ثقة بالطريق الذي يسير فيه، وإذا رأى الطريق ممهدة مفروشة بالورود والرياحين فإنه يشك في صحة هذا المسار، وهذا هو الصحيح بالنسبة لسير المسلم إلى ربه ، ولذلك وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ الذين تحزبوا ضدهم وأحاطوا بهم من كل جانب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢] أي: من المحنة والابتلاء، ثم النصر على الأعداء ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٣]. وفي عصرنا الحاصر نصبت العقبات في طريق الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وتحولت السجون إلى معتقلات للمؤمنين، ولربما لو عملنا إحصائية في سجون العالم الإسلامي هل الذين يدخلونها أكثر من الجامحين الفسقة المجرمين أم من الدعاة الصالحين لرأينا أن جُلّ من يدخل هذه السجون هم المصلحون والدعاة إلى الله ﵎، وهذا دليل على صحة الطريق إلى الله والدار الآخرة. فعلى الداعية المخلص أن يصدع بكلمة الحق، وأن يتحمل في سبيل ذلك كل ما يلاقيه حتى لو تحمل السجن مدى الحياة، وعليه أن يتحمل الأذى ما دام ذلك في ذات الله؛ لأن الله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. فعلى الدعاة أن يعلموا أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم في بيعة سابقة مصدقة في التوراة والإنجيل والقرآن، فليس هناك خيار في مثل هذا العمل، وإنما الأمر هو جبن يصيب بعض الناس فيرجع من منتصف الطريق، يخشى على نفسه أو على ماله أو على أهله، أو يخشى أن يدخل السجن، وما عرف أن يوسف ﵊ لبث في السجن بضع سنين، وأن موسى ﵊ قال له الطاغية الجبار: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] وأن محمداً ﷺ لبث في السجن ثلاث سنوات مقاطعاً في الشعب. المسألة هي مسألة ابتلاء، والله ليس عاجزاً أن ينصر أولياءه، وإنما الله تعالى يريد أن يتميز المؤمن الصادق من الكاذب المنافق، يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] فتمييز الخبيث من الطيب لا يكون إلا عند الشدائد وعند الأمور العظام، أما إذا كان الناس كلهم على مستوى كامل في الإيمان وكلهم أتقياء وليس هناك من يؤذي الدعاة والمصلحين لو كان الأمر كذلك لكان الناس كلهم دعاة ومصلحين، ولتعطلت الحكمة من خلق النار، والله يقول: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]. إذاً التهديد لا يضير المؤمن، والمؤمن كذلك لا يقدم شهوة حاضرة على غيب تأكد من أنه سوف يلاقيه، ولذلك لما هددت امرأة العزيز يوسف ﵇ بالسجن قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] وهذا يعتبر في الحقيقة أعلى درجات الإيمان، يرفض الشهوة في الحرام، ويتحمل في سبيل هذا الرفض أن يكون سجيناً ذليلاً طريداً عن ملك العزيز، لكنه يعرف أنه ما زال يعيش في ملك الله وفي كنفه وحفظه، وفعلاً يدخل يوسف ﵊ السجن، ويبقى في السجن بضع سنين؛ لأنه رفض الحرام، ولأن الله يريد أن يبتلي يوسف ﵇، ويريد أن يعلم الناس كيف يواجهون الطغاة والمتجبرين في الأرض، وكيف يواجهون الشهوات التي تعترض طريقهم، وأنه لا سبيل للخلاص منها إلا بالإيمان بالله والاعتصام به ﷻ .

стр. 600

الإحسان وأثره العظيم في كسب قلوب المدعوين لربما يفكر أحد الناس بأن يكون من المصلحين، لكنه لا يقدم للناس وللمجتمع خيراً ولا خدمة، ولا يمتلك موهبة جذب قلوب الناس إليه، وليس عنده لباقة، مثل هذا لا ينجح في مهمته، ولذلك تأثر السجناء بدعوة يوسف عليه الصلاة السلام لما رأوا من إحسانه، فلما جاءوا إليه قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] فإحسان يوسف ﵇ هو الذي جذبهم إليه فجعلهم يذعنون لنصائحه وتوجيهاته ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] وغيرها من التوجيهات التي كان يمليها عليهم يوسف ﵊.
следующие страницы →