← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لطف الله وعنايته بأوليائه لما عدل أخوة يوسف عن قتل يوسف ﵇ بناءً على مشورة أخيهم وألقوه في البئر ما كانوا يظنون أن يوسف ﵇ سيخرج من هذه البئر حياً، بل كانوا يظنون أنه سيلقى حتفه في ذلك البئر، وما كان يوسف ﵊ -لولا يقينه بربه- يظن أنه سوف يخرج من هذا البئر، ولكن الله تعالى له لطف خفي، وهذا اللطف لربما يتأخر ولا يأتي إلا في ساعة الصفر، وفي آخر لحظة من لحظات احتياج هذا الإنسان إلى رحمة الله . من يصدق أن يوسف ﵇ يلقى في البئر طفلاً ليصبح في يوم من الأيام ملك مصر؟ إنها آية من آيات الله ، فعلى المؤمنين أن يتمسكوا بطاعة الله، وعليهم التسليم والرضا بقضاء الله وقدره في أي أمر من الأمور التي تصيبهم، فإذا كانوا كذلك فليبشروا من الله بالفرج، فلما ألقي يوسف ﵇ في البئر جاءت قافلة تريد مصر، فأرسلوا واردهم الذي يطلب لهم المياه فأدلى دلوه فتعلق به يوسف ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:١٩]، ولما ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها اشتراه عزيز مصر، وأوصى ملك مصر زوجته به خيراً ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١] ثم علمه الله الحكمة وتأويل الأحاديث، وهذا كله من لطف الله بأوليائه الصالحين، فالمرء إذا تعرف إلى الله في حال الرخاء عرفه الله في حال الشدة، وإذا أعرض عن الله في حال الرخاء فإن الله يتركه في وقت الشدة، ولذلك يوسف ﵊ أنقذه الله من كل هذه المحن والشدائد العظام والأحداث الجسام، قال الله : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١]. فقد نرى ولياً من أولياء الله يحيط به العدو من كل جانب، وتتكالب عليه فتن الحياة الدنيا ومصائبها وآفاتها، حتى يظن الناس أنه قد هلك، وأنه لا يستطيع الخلاص من ذلك كله، فإذا به يتخلص بقدرة الله وفضله وكرمه، كما قال ﵊: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فيوسف ﵊ عرفه الله في وقت الشدة والضيق وخلصه، وندب إليه سيارة من الناس كانوا يسيرون في صحراء سيناء، ووقعوا على تلك البئر فأخرجوه منها، ثم أصبح هذا الغلام في يوم من الأيام ملكاً على مصر.

стр. 597

استشعار رقابة الله تمنع العبد من الوقوع في المحرمات عرضت امرأة العزيز نفسها على يوسف، وطلبت منه أن يفعل بها الفاحشة، وكانت من أجمل النساء، إضافة إلى أنها سيدته، والمسيطرة عليه وعلى شئون البيت، بل وعلى العزيز نفسه، وكان يوسف ﵇ شاباً في ريعان شبابه، وبحاجة إلى هذا الأمر وإلى إشباع غزيرته، وشهوة الجنس شهوة سريعة الاشتعال، لا تعطي المرء فرصة للتفكير، ولربما يغفل المرء عن إيمانه فيقع فيما حرم الله. ولكن يوسف ﵊ -بحفظ من الله لما عرضت عليه هذه الشهوة في خلوة لا يطلع عليه إلا الله قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣]. فالإنسان في مثل هذه المواقف عليه أن يراقب الله ، لاسيما إذا عرضت عليه هذه الشهوة وهو بعيد عن أعين الناس، ولذا كان أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، كما في الحديث: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله). وتأمل معي هذا الموقف! رجل تدعوه امرأة إلى الفاحشة، والمرأة ذات مكانة عالية، ولربما فرضت نفسها بالقوة على هذا الرجل، إضافة إلى أنها باهرة الجمال، والجمال كما هو معلوم من أشد ما يغري الرجل بالمرأة، ولكن مع ذلك كله رفض فعل الفاحشة، وقال: إني أخاف الله. فكان جزاؤه أن جعل الله له جنتين جنة لسكنه، وجنة لأزواجه وخدمه، وإنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] فلابد من أن يتفكر العبد ويتذكر ساعة الوقوف بين يدي الله ، ولذلك مدح الله تعالى الذين يخشون ربهم بالغيب فقال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢] غابوا عن أعين الناس، ولكنهم استشعروا عظمة نظر الله إليهم، وذلك كله يدل دلالة واضحة على ثبات نبي الله يوسف ﵇ في مثل هذه المواقف، التي لا يثبت فيها إلا من زكى الله قلبه وطهر نفسه.

стр. 598

تأييد الله لأوليائه في أحلك الظروف وأشدها جعل الله لأوليائه الصالحين في أحلك المواقف وأصعب الظروف فرجاً ومخرجاً، ويتضح هذا الأمر بجلاء من خلال ما حصل من امرأة العزيز مع يوسف ﵇، لما جاء العزيز زوجها ووجد المرأة تلاحق يوسف ﵇ داخل الدار، فقلبت القضية وجعلت يوسف ﵇ كأنه هو الذي يراودها عن نفسها، وهذا الظلم شديد الوقوع على النفس ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٢] فقلبت القضية ضد يوسف ﵇، وادعت أن يوسف ﵇ يلاحقها ويراودها عن نفسها، وليس لدى يوسف ﵇ من الأدلة ما يستطيع أن يبرئ به نفسه؛ لأنه ضعيف مغلوب على أمره، خادم داخل البيت كالرقيق يباع ويشترى، من سيدافع عنه في مثل هذه الحال؟ ومن سيعيد إليه ماء وجهه وكرامته؟ ومن سيرد إليه اعتباره؟ فتلك المرأة اتهمته زوراً وبهتاناً حيث قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥]. ولكن الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض أنطق طفلاً رضيعاً مازال في المهد في بيت امرأة العزيز، وشهد شهادة حق، وجعل هذه الشهادة مؤيدة بالبينات الواضحة ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧] فأصبح العزيز أمام الأمر الواقع، فعرف أن الذي فعل هذه الجريمة هو زوجته وليس يوسف ﵊. فأظهر الله براءة يوسف ﵇ بطريقة ما كان أحد يفكر فيها أو يتصورها، وما كان يوسف ﵇ يظن أن طفلاً في المهد سوف ينطق ليشهد ببراءته، فإن هذه تعتبر آية من آيات الله ، وهكذا يظهر الله الحق على لسان ذلك الطفل الرضيع. ولقد وصل ضعف الغيرة ببعض الرجال إلى أنه يرى زوجته تراود شاباً ثم لا يتمعر وجهه ولا يغضب لمحارمه فضلاً أن يغضب لله ، ولذلك تجد أن العزيز لم يغضب لما تأكد أن زوجته فيها فساد في فطرتها وانحراف في أخلاقها، وإنما قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف:٢٩] وهذا في الحقيقة ليس موقف الرجال حينما يرون الخنا في أهليهم، نسأل الله السلامة والعافية، وهذه الدياثة التي يقول عنها الرسول ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) فالرجل العاقل ذو الغيرة عليه أن يغضب في مثل هذه الأمور، وأن يضع حداً لهذه الزوجة التي تسعى إلى الفاحشة بنفسها، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 599

تحمل المؤمنين للأذى وثباتهم على الحق في المرة الأخرى أمرت امرأة العزيز يوسف ﵇ أن يفعل معها الفاحشة بالقوة وهددته بالسجن إن امتنع من فعل الفاحشة، فجمعت النساء اللواتي كن يلمنها على حب يوسف ﵇ لتريهن ما فيه من جمال ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] فأغرين امرأة العزيز بهذا الشاب، ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢]. ففي المرة الأولى كان عرضاً سريعاً خفيفاً، لكنه في هذه المرة أصبح عرضاً إجبارياً، إما أن يفعل بها الفاحشة أو السجن، ولكنه فضل السجن على الوقوع في الفاحشة، فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] فابتلى يوسف ﵇ بحب النساء له؛ لأنه فيه نضارة، فتوسل إلى الله بأن يصرف عنه مكر النساء، حتى لا يقع فيما حرم الله، لكنه فضل العيش في السجن على الوقوع في شيء مما حرمه الله . ولقد أصبح كثير من الناس اليوم لا يطيق السجن ولا ساعة من نهار، ولربما يترك كثيراً من أوامر الله مخافة أن يدخل السجن، وأصبح كثير من الدعاة في أيامنا الحاضرة يتأخرون عن واجبهم خشية أن يدخلوا السجن، وأصبح كثير من المصلحين يرجعون من منتصف الطريق حتى لا يتعرضوا للأذى، وهذه من أكبر البلايا التي أصيب بها الناس في هذا العصر. يوسف ﵊ فضل العيش في السجن على أن يفعل شيئاً حرمه الله ، وهؤلاء استرخوا وناموا واستلذوا العيش الطيب وركنوا إلى الحياة الدنيا، فلا يقومون بواجبهم في الدعوة إلى الله تعالى، لا سيما من كان منهم من العلماء الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق، ولكنهم لم يصدعوا بكلمة الحق خوفاً من البشر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] فالناس اليوم أحوج ما يكونون إلى معرفة الحق، وحاجتهم إلى ذلك أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والهواء. ولذلك ذكر الله عن قوم يبدءون مشوارهم بالإيمان، ولكنهم يرجعون من منتصف الطريق دون أن يكملوا مسيرتهم إلى الله والدار الآخرة، فإذا أوذي أحدهم بسبب إيمانه ارتد عن الدين، وجعل ما يصيبه من أذى الناس سبباً صارفاً له عن الإيمان كعذاب الله الشديد الذي يصرف الإنسان عن الكفر، وكان مقتضى إيمانهم أن يصبروا ويتشجعوا، ويروا في العذاب عذوبة وفي المحنة منحة، فإن العاقبة للمتقين، يقول الله عن هؤلاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] إن الذي يرجع من منتصف الطريق دون أن يكمل مشواره كالذي يكون على طرف من الجيش فإن أحس بظفر أو غنيمة استقر وإلا فر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ [الحج:١١]. والمؤمن بمقدار ما تزيد الفتنة والبلاء والعذاب أمامه بقدر ما يزيد إيمانه ويقينه بالله والثقة بنصره ، والمؤمن الحق حينما يرى العقبات في طريقه يزداد ثقة بالطريق الذي يسير فيه، وإذا رأى الطريق ممهدة مفروشة بالورود والرياحين فإنه يشك في صحة هذا المسار، وهذا هو الصحيح بالنسبة لسير المسلم إلى ربه ، ولذلك وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ الذين تحزبوا ضدهم وأحاطوا بهم من كل جانب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢] أي: من المحنة والابتلاء، ثم النصر على الأعداء ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٣]. وفي عصرنا الحاصر نصبت العقبات في طريق الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وتحولت السجون إلى معتقلات للمؤمنين، ولربما لو عملنا إحصائية في سجون العالم الإسلامي هل الذين يدخلونها أكثر من الجامحين الفسقة المجرمين أم من الدعاة الصالحين لرأينا أن جُلّ من يدخل هذه السجون هم المصلحون والدعاة إلى الله ﵎، وهذا دليل على صحة الطريق إلى الله والدار الآخرة. فعلى الداعية المخلص أن يصدع بكلمة الحق، وأن يتحمل في سبيل ذلك كل ما يلاقيه حتى لو تحمل السجن مدى الحياة، وعليه أن يتحمل الأذى ما دام ذلك في ذات الله؛ لأن الله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. فعلى الدعاة أن يعلموا أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم في بيعة سابقة مصدقة في التوراة والإنجيل والقرآن، فليس هناك خيار في مثل هذا العمل، وإنما الأمر هو جبن يصيب بعض الناس فيرجع من منتصف الطريق، يخشى على نفسه أو على ماله أو على أهله، أو يخشى أن يدخل السجن، وما عرف أن يوسف ﵊ لبث في السجن بضع سنين، وأن موسى ﵊ قال له الطاغية الجبار: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] وأن محمداً ﷺ لبث في السجن ثلاث سنوات مقاطعاً في الشعب. المسألة هي مسألة ابتلاء، والله ليس عاجزاً أن ينصر أولياءه، وإنما الله تعالى يريد أن يتميز المؤمن الصادق من الكاذب المنافق، يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] فتمييز الخبيث من الطيب لا يكون إلا عند الشدائد وعند الأمور العظام، أما إذا كان الناس كلهم على مستوى كامل في الإيمان وكلهم أتقياء وليس هناك من يؤذي الدعاة والمصلحين لو كان الأمر كذلك لكان الناس كلهم دعاة ومصلحين، ولتعطلت الحكمة من خلق النار، والله يقول: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]. إذاً التهديد لا يضير المؤمن، والمؤمن كذلك لا يقدم شهوة حاضرة على غيب تأكد من أنه سوف يلاقيه، ولذلك لما هددت امرأة العزيز يوسف ﵇ بالسجن قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] وهذا يعتبر في الحقيقة أعلى درجات الإيمان، يرفض الشهوة في الحرام، ويتحمل في سبيل هذا الرفض أن يكون سجيناً ذليلاً طريداً عن ملك العزيز، لكنه يعرف أنه ما زال يعيش في ملك الله وفي كنفه وحفظه، وفعلاً يدخل يوسف ﵊ السجن، ويبقى في السجن بضع سنين؛ لأنه رفض الحرام، ولأن الله يريد أن يبتلي يوسف ﵇، ويريد أن يعلم الناس كيف يواجهون الطغاة والمتجبرين في الأرض، وكيف يواجهون الشهوات التي تعترض طريقهم، وأنه لا سبيل للخلاص منها إلا بالإيمان بالله والاعتصام به ﷻ .

стр. 600

الإحسان وأثره العظيم في كسب قلوب المدعوين لربما يفكر أحد الناس بأن يكون من المصلحين، لكنه لا يقدم للناس وللمجتمع خيراً ولا خدمة، ولا يمتلك موهبة جذب قلوب الناس إليه، وليس عنده لباقة، مثل هذا لا ينجح في مهمته، ولذلك تأثر السجناء بدعوة يوسف عليه الصلاة السلام لما رأوا من إحسانه، فلما جاءوا إليه قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] فإحسان يوسف ﵇ هو الذي جذبهم إليه فجعلهم يذعنون لنصائحه وتوجيهاته ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] وغيرها من التوجيهات التي كان يمليها عليهم يوسف ﵊.

стр. 601

اقتناص الفرص المناسبة لبذل النصيحة على الداعية أن يقدم النصيحة مع حاجة الناس إليه، حتى يتقبل الناس هذه النصيحة بدافع الحاجة، ويكون من المحسنين فيقبلون عليه، فإذا أقبل الناس عليه فإن عليه أن يستغل فرصة ما يقدمه من خدمة في سبيل الدعوة، ولذلك لما قال الغلامان: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف:٣٦] استغل الفرصة يوسف ﵊، وقدم لهما من النصائح ما يستفيدان منها مقابل أن يقضي حاجتهما، فقال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، فهما ما جاءا ليعظهما وإنما جاءا ليعبر لهما الرؤيا، لكنه رأى أنه يقدم هذه النصيحة قبل أن يعبر لهما الرؤيا؛ لأنهما بحاجة ماسة إلى أن يعبر ويفسر لهما رؤياهما التي رأياها في المنام، وهذا أيضاً منهج في الدعوة إلى الله تعالى، كما أن المنهج الأول ينبني على أن الداعية أن يقدم بين يدي دعوته إحساناً ومعروفاً لهؤلاء الناس حتى يكون محبوباً لدى الجميع فإن عليه أيضاً أن يقدم النصيحة وهي ملفوفة بلفائف حاجة هؤلاء الناس.

стр. 602

العبادة والحكم صنوان لا يفترق أحدهما عن الآخر ومن هذه النصائح التي قدمها يوسف ﵊ أن العبادة والحكم صنوان لا يفترق أحدهما عن الآخر ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]. ومعنى ذلك الكلام أن الحكم يجب أن يكون لله كما أن العبادة لله، فالحكم جزء من العبادة، والعبادة أصل يدخل فيها الحكم، وعلى هذا فإن من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر لا شك عندنا في ذلك، فإذا كانت العبادة لله فالحكم يجب أن يكون لله، ولذلك الذين يحكمون بين الناس بآرائهم ويأتون بقوانين البشر وآراء الرجال إنما هم من رءوس الطواغيت؛ لأنهم يدعون الناس إلى عبادتهم، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه فهو أحد رءوس الطواغيت الخمسة الذين أخبر عنهم النبي ﷺ . وبذلك يتضح ضلال العلمانيين -قاتلهم الله أنى يؤفكون- الذين يزعمون أن العبادة لله والحكم ليس لله، والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فليس هناك فرق بين الحكم وبين العبادة، فالحكم جزء من العبادة، والعبادة أصل، ومن فروعها الحكم، فمن عبد معبوداً فإن عليه أن يخضع لحكمه، فالذين يستمدون أنظمتهم من فرنسا ومن بلاد الكفر هم عباد لهؤلاء الكفرة، ومن أخذ حكمه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو عبد لله ، وبمقدار ما يدنو المرء من العبودية لله بمقدار ما يزيد شرفه، كما قال الفضيل بن عياض ﵀: ومما زادني شرفاً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا لكن ذلك الذي يكون عبداً لمخلوق من المخلوقين يأخذ قوانينه وأنظمته وتشريعاته منه هو عبد لذلك المخلوق. فالحكم والعبادة لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولذا كان من وصايا يوسف ﵊: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فهذا أمر من أوامر الله ويجب على المسلمين أن يحكموا شرع الله في كل صغيرة وكبيرة، فالحاكم بغير ما أنزل الله من رءوس الطواغيت، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] والمتحاكم إلى غير الله يصدق فيه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠].

стр. 603

ظهور الحق ولو بعد أمد الحق لابد من أن يظهر وإن اختفى مدة من الزمن، فقد بقي يوسف ﵊ في السجن بضع سنين، وأصبح الناس في أرجاء مصر يتحدثون بأن يوسف يهوى امرأة العزيز، وأصبح يوسف ﵊ مشوه السمعة، ولم يُقَلْ عنه: إنه سجن لأنه رفض الفاحشة خوفاً من الله . وبقيت سمعته ملطخة مدة من الزمن إلى أن أظهر الله الحق، فالحق لابد أن يظهر وإن غطاه ما غطاه من ظلام الليل، ولذلك اعترفت امرأة العزيز بالحقيقة وقالت: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف:٥١ - ٥٢] فاعترف المجرم بجريمته وأثبت نزاهة المتهم الذي ما كان موضعاً للتهمة في يوم من الأيام، وهذه سنة من سنن الله في خلقه، فعلى المؤمن أن يتحمل ويصبر على ما يلاقيه من أذى وفتن وتهم في سبيل دينه دعوته، حتى يأتي ذلك اليوم الذي يظهر الله فيه براءته على الملأ أجمعين، قال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢].

стр. 604

النهي عن أن يمدح المسلم نفسه لا يجوز للمسلم مهما كان تقياً نقياً أن يزكي نفسه، بل عليه أن يكون على خوف من أن يقلب الله قلبه؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولأن الله هو الذي يزكي من يشاء، ولذلك نجد أن امرأة العزيز لما قالت: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١] قال يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣] على خلاف بين المفسرين هل هذا من كلام يوسف ﵇ أو من كلام امرأة العزيز، فنفس أي إنسان معرضة للفتنة، ومعرضة للبلاء، ومعرضة للمعصية إلا إذا رحم الله هذه النفس، فإذا رحم الله هذه النفس زكاها وطهرها وحفظها من الفتن، كما حفظ الله ﷻ نفس يوسف ﵊ أمام أشد أنواع الفتن التي اعترضت سبيله.

стр. 605

جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الكفاءة هناك نصوص تنهى المسلم عن طلب الولاية، فقد ورد أن الرسول ﷺ نهى أبا ذر ﵁ عن طلب الولاية، كما نهى أيضاً عبد الرحمن بن سمرة ﵁ عن ذلك وقال له: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تطلب الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها) فطلب الإمارة يعتبر خلاف الشرع؛ لأن الذي يطلب الإمارة إما أنه يريد أن يرتفع على الآخرين في هذه الحياة، ومن منطلق القوة ربما يبطش بهؤلاء البشر، أو أنه يزكي نفسه، وكلاهما خطأ، ولكن يوسف ﵊ طلب الولاية على بيت المال وعلى وزارة المالية في مصر، فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] فكيف نستطيع أن نجمع بين هذه الآية وبين ما ورد في الأحاديث من النهي عن طلب الإمارة؟ يمكن أن نوجهها بأن القاعدة الشرعية تنص على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقد ورد شرعنا بخلافه، وهذا في شريعة يوسف ﵊. ونستطيع أن نقول -وهو الأقرب والله أعلم-: إن يوسف ﵊ رأى أن البلد قد أقبلت على خطر، وأقبلت على مجاعة شديدة لربما أهلكت البلاد والعباد من خلال الرؤيا التي رآها العزيز، حينما رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، فرأى أن يتولى أمر مالية مصر لتكون الخزانة محفوظة لا يتلاعب بها أحد كما يتلاعب كثير من الناس بأموال الدول الإسلامية اليوم، والرسول ﷺ يقول: (وإن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة) لأن مال المسلمين محترم أكثر من مال الفرد، فكما أنه تقطع يد السارق إذا سرقت مال الفرد فإن أموال الدولة والمسلمين محترمة أكثر من ذلك؛ لأنها يدلي فيها كل واحد من هؤلاء المسلمين، فرأى يوسف ﵊ أن العالم قد أقبل على هاوية وعلى مجاعة، وأنه لو تولى أمر هذه البلاد فإنه سوف يصلح الأمور، ولذلك يقول العلماء: إذا علم من يطلب الولاية أنه يستطيع أن يقوم بها على خير وجه، وأن غيره ربما يقصر فتتدهور الأمور ففي مثل هذه الحال يطلب الإمارة ويطلب الولاية ويطلب السلطة. كما قال يوسف ﵊: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].

стр. 606

لا تحمل نفس ذنب غيرها كان أهل الجاهلية يغيرون على قوم فيبيدونهم عن آخرهم بسبب ذنب رجل واحد، وكذلك اليوم لا تسل عما يحدث، أمم تباد بسبب أخطاء أفراد، ويؤخذ الكثير بجريرة رجل واحد. أما في دين الله فإن كل امرئ بما كسب رهين في الدنيا والآخرة، فلا يؤخذ أحد بذنب غيره، ولذلك لما قال إخوة يوسف ليوسف ﵊: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف:٧٨ - ٧٩] مع أنهم عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم ليكون بدلاً عن الذي وجدوا المتاع عنده وهو أخو يوسف، لكنه يريد أن يصدر تشريعاً عاماً إلى يوم القيامة، فقال حكاية عن لسان يوسف ﵊: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩] فالذي يأخذ غير المذنب يعتبر ظالماً لنفسه وظالماً للأمة. فلا يؤخذ الابن بذنب الأب، ولا يؤخذ الأب بذنب الابن، فـ الحجاج بن يوسف وهو أشد رجل عرفه تاريخ الإسلام قساوة، كان قد أصدر ذات يوم قراراً بأنه إذا فقد الرجل فسوف يأخذ كل أهله وذويه حتى يجد ذلك الرجل، فقالوا له: لكن الله تعالى يقول: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف:٧٩] فقال: كذب الحجاج وصدق الله.

стр. 607

الشكوى إلى الله لا إلى الخلق الشكوى يجب أن تكون لله وحده، وهذا هو منهج الأنبياء والمصلحين وكل مؤمن، فالشكاية التي ترفع لغير الله مذلة، ولذلك فإن يعقوب ﵊ بالرغم مما أصابه من الحزن، وبالرغم من أنه يعلم أن يوسف ما زال موجوداً على قيد الحياة لأن الله تعالى أوحى إليه بذلك لكنه لم يشك إلى أحد أولاده الأحد عشر مع أنهم يستطيعون أن يبحثوا عن يوسف، وإنما قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] لأن الشكاية لغير الله مذلة، ومن نزلت به بلية أو فتنة أو مصيبة فأنزلها بخلق الله لم يزيدوه إلا ضعفاً، ومن أنزلها بالله فإن لله خزائن السماوات والأرض، وهو وحده القادر على تنفيس الهموم وتفريج الكروب.

стр. 608

عدم اليأس من روح الله لا يجوز اليأس ولو قامت كل الأسباب التي تدل على أن هذا الأمر ليس له حل؛ لأن اليأس معناه القنوط من رحمة الله، والله هو مسبب الأسباب وهو قادر على إيجاد الحلول لكل المعضلات والملمات، وكل شيء عنده بمقدار وبأجل مسمى، فاليأس من روح الله ومن رحمة الله كفر بالله ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] والمسلم عليه مهما تأخرت إجابة دعوته أو حصول مطلوبه في هذه الحياة أن يطرق باب الكريم دائماً وأبداً بالدعاء والتضرع، وبمقدار ما يتوسل ويتضرع بين يدي الله بقدر ما يحصل مقصوده وينال مراده؛ فإن الله كريم جواد، ولذلك فإنه لا يجوز اليأس من روح الله .

стр. 609

التقوى والصبر مفتاح كل خير أعتقد -والله أعلم- أن القصة كلها تدور حول التقوى والصبر، وأنها مفتاح لكل خير، فما حدث ليوسف ولأبيه يعقوب، وما حصل من الفتن العظيمة من إلقائه في البئر، ومن بيعيه وشرائه، ومن أذية يوسف ﵊ في بيت العزيز، ومن السجن، ومن الأذى الشديد كل ذلك درس من دروس هذه الحياة، من أجل أن يعلم الله الناس الصبر، وأن طريق الجنة صعبة وعرة، فالجنة حفت بالمكاره، فهذا نبي من أنبياء الله لقي من الأذى ولقي من الفتن والبلايا ما لا يتحمله إلا عظماء الرجال. ولذلك الله تعالى أخبر أن هناك عاملين هما السبب في أن يصل يوسف إلى ما وصل إليه من حكم بلاد مصر هما التقوى والصبر، فالذي لا يتقي الله لا يدرك مطلوبه، والذي لا يصبر ويتحمل في سبيل دينه كل مشقة وكل عناء قد ينقلب على عقبيه، ولذلك الله تعالى قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]. ولذلك تعتبر هذه الآية هي خلاصة القصة والهدف منها، ولا يمكن أن يصل العبد إلى مطلوبه وينال مراده إلا بالتقوى والصبر.

стр. 610

العفو عند المقدرة العفو عند عدم المقدرة أمر يسير؛ لأن الإنسان عاجز عن أن ينال من عدوه، لكن حينما يظفر بعدوه ثم يعفو ويتجاوز عنه ويبحث عما عند الله من الجزاء فإن هذا يعتبر أفضل طريق إلى الله والدار الآخرة، ولذلك فإن يوسف ﵊ بالرغم مما فعل به إخوته من إلقائه في البئر، والمخاطرة بحياته، ثم أذية أبيه بفقد يوسف هذه المدة الطويلة التي قال بعض المفسرين: إنها بلغت أربعين سنة حتى ذهب بصره، ومع ذلك كله عفا عن إخوته رغم قدرته على إنزال أشد العقوبات قساوة بهم، وقابل إساءتهم بالإحسان ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩١ - ٩٢] وهذا هو العفو عند المقدرة، فإن هذه صفات العظماء الأجلاء، الذين يتحملون في سبيل دعوتهم كل أذى، ولذلك فإنه عفا عنهم وقال: (لا تثريب) و (لا) هنا نافية للجنس، نفى هنا حتى العتاب، أي: لا أعاتبكم أبداً. وكونه ينفي العتاب دليل على أنه قد تجاوز عن هذا الذنب الذي فعلوه معه. إن العفو عند المقدرة هو أفضل طريق يستطيع أن يكسب فيه المرء القلوب، ولذلك الرسول ﷺ لما ظفر بأهل مكة يوم الفتح، وكان يستطيع أن يقطع رءوس القوم الذين آذوه لمدة ثلاث عشرة سنة إضافة إلى ثماني سنوات وهو مطارد في المدينة، ثم لما دخل مكة فاتحاً قال ﵊ في خطبته: (أيها الناس! ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء) ولذلك دخل الناس في دين الله أفواجاً بسبب العفو عند المقدرة، ولذلك يوسف ﵊ عفا أيضاً عند المقدرة، وقال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٢].

стр. 611

قصة يوسف منهج لكل داعية يريد نجاح دعوته قصة يوسف ﵊ منهج لكل داعية يريد أن ينجح في دعوته في هذه الحياة، ومنهج لكل مصلح يريد أن يكون لإصلاحه أثر في هذه الحياة، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: قل يا محمد: سبيل يوسف ﵇ هي سبيلي أنا أيضاً في الدعوة إلى الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. هذا هو سبيل المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فلا بد أن نتقيد بهذا السبيل، ونتقي ونصبر ونحسن العمل، ونتحمل الأذى في سبيل الله ، ونتحمل كل ما نلاقيه في ذات الله ومن أجل دين الله ، وهذا سبيل يوسف ﵊، وهذا سبيل محمد ﷺ وسبيل جميع المرسلين، وهي سبيل كل داعية، أما الداعية الذي يريد أن يسير في ركب هذه الدعوة دون أن يتحمل سجناً، أو دون أن يتحمل أذى، أو دون أن يبتلى في دينه، أو دون أن تعرض عليه شهوات الحياة الدنيا من نساء ومال ومركز وأذى وقتل وتعذيب فمثل هذا لا يسير على سبيل معتدلة، بل على سبيل معوجة، أما السبيل المعتدلة فهي ما عرفناه في قصة يوسف ﵊ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. ولذلك فإن السبيل الذي يجب أن يأخذ منه الدعاة بصفة خاصة والمسلمون بصفة عامة منهجهم كتاب الله ، فإنه فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا.

стр. 612

مجيء النصر في آخر أشواط الكفاح النصر قد يتأخر، فتضيق صدور، وييئس أقوام، ويرجع أقوام كثر من منتصف الطريق، ويرفع كثير من الناس أيديهم عن الدعوة، وقد يتراجع الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر دون أن يكملوا المشوار، وقد يستكثر الدعاة المصلحون المجاهدون في سبيل الله مدة الجهاد، وكل ذلك لا يجوز في حياة المسلمين أبداً بأي حال من الأحوال؛ لأن النصر لا يأتي إلا في آخر شوط من أشواط الكفاح والجهاد، فإذا اشتدت الأمور وعظمت، ووصل الأمر إلى حد اليأس من بعض الناس حينئذٍ يأتي النصر، ولا يأتي النصر في أول الطريق إنما يأتي في آخر الطريق، ولو جاء في أول الطريق لما كان هناك كفاح وجهاد، ولكنه يأتي في آخر شوط من أشواط الكفاح ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] والله يقول في آية أخرى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. علينا أن نوطن أنفسنا ونحن نضع أول قدم نسلكها في هذا السبيل إلى الله والدار الآخرة والكفاح في سبيل حياة الأمم وسعادتها في الدنيا والآخرة، نوطن أنفسنا على أن الطريق وعرة، وأنها مملوءة بالعقبات، لكن لنتأكد أنه في آخر شوط من أشواط هذا الطريق سوف يأتي نصر الله ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 613

غربة الإسلام لقد جاء الإسلام والناس في غربة شديدة، فثبت الصحابة رضوان الله عليهم أمام تلك الغربة وأهلها، وتمسكوا بدين الله رغم ما لاقوه من شدائد وآلام، حتى تغلبوا على تلك الغربة، وقضوا عليها في مدة وجيزة، وأقاموا دولة الإسلام، ولكن أخبر المصطفى ﷺ أن الغربة سوف تعود، وهاهي قد عادت بكل مظاهرها، فلزاماً على المسلم الحق أن يقف أمام هذه الغربة، وأن يثبت في وجهها، وذلك بالثبات على دين الإسلام كما ثبت عليه الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 614

الغربة الأولى الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله الذي يجمع القلوب ويوحد بينها، ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] وأصلي وأسلم على البشير النذير، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: أحبتي في الله! أشكر الله تعالى ثم أشكر لكم هذا الحضور المبارك، سائلاً الله أن يجعلني عند حسن ظنكم بي، وأنا دون ما تظنون بكثير، ولكني أسأل الله تعالى أن يوفقنا للحكمة وفصل الخطاب. عن رسول الله ﷺ أنه قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) وفي رواية: (الذين يصلحون إذا فسد الناس) وفي رواية: (الذين يصلحون ما أفسد الناس). إننا نستطيع أن نتكلم عن هذا الحديث من خلال عدة عناصر: أولاً: الغربة الأولى. ثانياً: كيف اجتاز سلفنا الصالح تلك الغربة فقامت دولة الإسلام السامقة. ثالثاً: كيف نام المسلمون فعادت الغربة مرة أخرى. رابعاً: غربتنا اليوم وأهم مظاهرها. خامساً: كيف نستطيع أن نجتاز الغربة التي نعيشها اليوم. من خلال هذه العناصر نستطيع أن نتحدث قليلاً عن هذا الموضوع المهم، لا سيما في هذه الظروف العصيبة من تاريخ أمتنا الإسلامية، علماً أننا لا نتناسى ولم نتناس هذه الصحوة المباركة، التي أرى اليوم أهم مظاهرها في الشباب الملتزم بدينه، وأسأل الله أن يثبت الأقدام. أخي في الله! الغربة الأولى لا تحتاج إلى مزيد حديث، فلقد حدثنا التاريخ عنها حديثاً طويلاً، وكيف كان المستضعفون من المسلمين في صدر الإسلام الأول يلاقون من العناء، لا سيما بعد أن جهر الرسول ﵊ بدعوته، وأنزل الله عليه قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] فصعد الصفاء وقال: (يا بني فلان، ويا بني فلان) حتى اجتمع القوم حوله فقال: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)! فبدأ الصراع بين الحق والباطل، علماً أن الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الحياة الدنيا، وسيبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها. يقول الله تعالى لأبينا آدم وإبليس مخبراً عن قدم الصراع بين الحق والباطل: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣] ثم إن إبليس طلب من الله أن يؤخره ويمهله إلى يوم يبعثون، فأعطاه الله المهلة إلى يوم الوقت المعلوم. كل هذه الفترة الطويلة ميدان للصراع بين الحق والباطل، ولا يمكن للحق أن يهادن الباطل ولا يمكن للباطل أن يهادن الحق، سنة الله في هذه الحياة، ولكن لله جنود السماوات والأرض. ومن هنا بدأ الصراع في حياة نبينا محمد ﷺ بين الحق والباطل، حتى لقي الرسول ﷺ وصحابته من الأذى في سبيل الدعوة مالا يخفى على أحد من المسلمين، كما سطره لنا تاريخ الإسلام، وكما أشارت إليه السنة النبوية، بل كما أشار الله إليه في القرآن. صور الله لنا تلك المرحلة -وهي مرحلة سوف تتكرر عبر التاريخ- صورها الله بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، ثم يقول الله : ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. تصوروا مقدار المحنة التي مرت بالأمة (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله). فقوله: (وَزُلْزِلُوا) أي: كأن الأرض تضطرب بالمسلمين من شدة ما يلاقونه من عدوهم. ثم أيضاً تزيد هذه الشدة إلى أن يتساءل الرسل ويتساءل أتباع الرسل: (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)؟ وتصور حينما يقول الرسول: متى نصر الله؟ استبطاء للنصر لا يأساً منه. وتصور حينما يقول المؤمنون الذين يأخذون الوحي طرياً من فم رسول الله ﷺ : متى نصر الله؟ فهذا يدل على أن الأمة قد وصلت إلى مستوى لا يطاق وإلى شدة لا تتحمل، ثم يجيب الله بقوله: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). ثم يصور لنا خباب بن الأرت ﵁ مستوى المحنة التي وصل إليها المسلمون في الصدر الأول بقوله: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد رداءه في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقعد الرسول ﷺ وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيحفر له في الأرض، فيوضع المنشار على مفرق رأسه فيفلق فلقتين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصرفه ذلك عن دين الله، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). هذه هي المحن التي تعترض سبيل المؤمنين دائماً وأبداً، فالله تعالى يقول للمؤمنين: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠] وهذا الاستفهام استفهام توبيخي وإنكاري بحيث يجب أن نصبر؛ لأن الله قد امتحن المؤمنين بأعدائهم دائماً وأبداً، ولولا ذلك لما كانت الجنة للمؤمنين؛ لأن الجنة سلعة الله وهي غالية، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، والجنة لا تدرك إلا بمثل هذه الخطا الحثيثة، فليس طريق الجنة مفروشاً بالورود والرياحين ولكنه محفوف بالمكاره والأمور العظام.

стр. 615

كيفية اجتياز السلف للغربة وإقامة الدولة الإسلامية القوية لقد أدرك سلفنا الصالح كيف يتجاوزون مرحلة الغربة، وكانوا يتطلعون إلى الجهاد في سبيل الله، والله تعالى يقول لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء:٧٧] حتى إذا أذن الله لهم بالجهاد في سبيل الله قامت دولة الإسلام في أقرب وأسرع وقت عرفه التاريخ، فكان سلفنا الصالح يتسابقون إلى الجنة أكثر من تسابق الناس في أيامنا الحاضرة إلى الحياة الدنيا ومتاعها. كان أحدهم يقول ومعه تمرات: (والله إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل هذه التمرات وكان شابان من شباب المسلمين يتسابقان في وسط المعركة كل منهما يبحث ويقول: أين أبو جهل؟ لا عشت إن عاش؛ لأني علمت أنه يؤذي رسول الله) ثم ينقضان عليه كالصقرين يتسابقان إلى قطع رأسه. أدرك المسلمون كيف يجتازون تلك المرحلة، وإذا أردت دليلاً على ذلك فسل: أين قبور أصحاب رسول الله ﷺ الذين بلغ عددهم في حجة الوداع ما يزيد على مائة ألف؟! إنها متناثرة في أرض الله الواسعة تحت الشمس، انطلقوا يبشرون هذا العالم بدين الله ، ولم تمض إلا مدة وجيزة حتى رفرف علم الإسلام على أكثر المعمورة، حينما علم المسلمون الأوائل كيف يتجاوزون هذه المرحلة، رفرف علم الإسلام على أكثر المعمورة، حتى كان أحد خلفاء الدولة الإسلامية في بغداد -وهو هارون الرشيد - يرفع رأسه إلى السماء ويقول: أيتها السحابة أمطري حيث شئت، فسيأتيني خراجك ولو بعد حين. ويذهب قتيبة بن مسلم إلى جهة المشرق ويفتح البلاد، ويستقر في بلاد ما رواء النهر ثم يجلس ذات يوم مع أصحابه ويقول: يا قوم! أي بلاد أمامي؟ فيقولون: يرحمك الله أيها القائد، إنها بلاد الصين. فيقول: والله لا أرجع إلى بلادي حتى أطأ بقدمي هاتين أرض الصين، وأضع وسام المسلمين على الصينيين، وأفرض عليهم الجزية. ثم تصل الأخبار إلى ملك الصين، ويخاف من هذا الجيش اللجب الذي أقبل يحمل أرواحه بأكفه، فأرسل إلى قتيبة يقول: هذه تربة من أرضنا بصحاف من ذهب يطؤها قتيبة وهو في مكانه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسام، وهذه الجزية وستصل إليه كل عام في بلاده. من منطلق القوة والعزة التي هي لله ولرسوله وللمؤمنين. أما عقبة بن نافع فقد سار في بلاد المغرب وفتح شمال أفريقيا ووصل إلى تونس الحالية، وعزم وصمم على أن يبني مدينة القيروان، حتى إذا أقبل عليها وصمم على بنائها أتى إليه أهل البلد وقالوا: يرحمك الله أيها القائد، هذه أرض مخيفة ومسبعة، كل الفاتحين يرجعون دونها، ابحث عن مكان آخر. فيقول: والله لا بد من أن أبني مدينة هنا لتكون معقلاً للمسلمين مهما كلف الثمن ومهما عز المطلب. ثم يقف على جانب الغابة ويقول: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد ﷺ جئنا هنا لنشر الإسلام. ومن يستطيع أن يخاطب الوحوش؟! وكيف تفهم الوحوش كلام عقبة بن نافع؟ يقول شاهد عيان -كرامة من الله لهذا القائد المخلص-: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها من الغابة وتتركها لـ عقبة بن نافع. ثم يسير عقبة بن نافع ﵁ إلى بلاد المغرب ويغرز قوائم فرسه في المحيط الأطلسي ويقول: والله لو أعلم أن وراء هذا الماء بشراً لخضته إليهم على فرسي هذا. هكذا قامت دولة الإسلام بالجهاد، وهكذا استطاع المسلمون بمعونة الله أن يجعلوا تاريخهم مضيئاً مشرقاً في صفحات هذه الحياة، ثم يدور الفلك دورته ويعيد التاريخ سيرته، وينام المسلمون على اللهو والمتاع كما هو الحال اليوم، ولا يستيقظون إلا على الأشلاء والجماجم والدمار، تضيع بلاد الأندلس وتضيع الحضارات، وتضيع الأمم، وتصبح وصمة عار في تاريخ البشرية كلها، ويتقلص المسلمون في مواقع محدودة من بلادهم، وتتمزق هذه البلاد حتى تصبح ما يقرب من مائة دولة. بعد ذلك تعود هذه الغربة العنيفة التي لا تساويها غربة أبداً في تاريخ البشرية، ولذلك فقد عادت الغربة التي حدثنا عنها رسول الله ﷺ بجميع حذافيرها، وأصبحت هناك مظاهر نستطيع أن نقول من خلالها: إن هذه الغربة سوف تكون بداية النهاية إن لم ينتبه المسلمون لهذه الغربة.

стр. 616

غربتنا اليوم وأهم مظاهرها يمكن أن نصف أهم مظاهر الغربة في أمور:

стр. 617

توسيد الأمر إلى غير أهله إن توسيد الأمر إلى غير أهله في هذه الغربة الجديدة ما كان ليوسد لولا أن الله له في كل يوم شأن ويصرف الأمور لحكمة، وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن الأمر إذا وسد إلى غير أهله فإن ذلك يعتبر بداية النهاية، ويعتبر علامة من علامات الساعة، ويعتبر ضياعاً لأمور المسلمين، وحقاً نقول: إن أكثر أمور المسلمين الآن موضوعة في غير أهلها. وقول الرسول ﷺ : (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) يقول شراح الحديث: يشير إلى أن أمر المسلمين يصبح كالوسادة يعتمد عليها الإنسان ويتلذذ بأمور المسلمين، بدلاً من أن يجعلها عبئاً ومسئولية. كما قال أبو بكر الصديق ﵁ في مستهل خلافته: (ألا إني لست بخيركم، ولكني أثقلكم حملاً) ولكن هذا الحمل الذي أشار إليه أبو بكر الصديق ﵁ أصبح الآن كالوسادة، فإن كثيراً من ولاة أمر المسلمين اليوم يتمتعون بهذا الأمر، ويعتبرونه منطلقاً لشهواتهم وإشباع رغباتهم، ولو كان الأمر بيد أهله في بلاد المسلمين لما حدث ما حدث من الأحداث المؤلمة التي تعتبر في الحقيقة أثراً أسود وصفحة سوداء في تاريخ الأمة الإسلامية. ومن هنا نستطيع أن نقول: لا يمكن أن تعود الأمور إلى نصابها حتى يكون الأمر في كل بلاد المسلمين بيد أهله الشرعيين الذين يحكمون بما أنزل الله ، والذين يقودون سفينة الحياة إلى ما يرضي الله .

стр. 618

تنحي علماء المسلمين عن القيادة يعتبر هذا مظهراً من مظاهر الغربة التي أصيبت بها الأمة الإسلامية في أيامنا الحاضرة، والعلماء دائماً وأبداً في كل عصر وفي كل بلد هم الذين يجب أن يقودوا العالم، ويجب أن يتحملوا المسئولية كلها ليقولوا للمخطئ: أخطأت. لكن حينما يتخلى العلماء -وهذا هو ما يحدث في جل العالم الإسلامي- حينما يحدث التخلي من علماء المسلمين إما أن يتقلد الأمر غير أهله وهذا أمر خطير، ولذلك نشاهد هذا في جل الأحيان، وإما أن يكون الحمل الثقيل على من دون هؤلاء العلماء من طلبة العلم فيكونوا عبئاً ثقيلاً، وحينئذ يؤدي بهم هذا إلى أذى يوجه إليهم من كل جانب، وإلى نقد وإلى سجون وإلى معتقلات؛ لأن هؤلاء العلماء الذين تخلوا وهم أهل لهذه المسئولية وهم الواجهة بين أي دولة وبين أي حكومة وبين شعبها حينما يتخلون عن هذه المسئولية يصعب الأمر ويثقل الحمل.

стр. 619

المطالبة بحقوق المرأة التي ليست لها إن من المظاهر التي يمتاز بها عصرنا وتمتاز بها غربتنا ظهور المرأة ومطالبتها بحقوق ليست لها، أو وجود أشخاص يندسون في المجتمع يطالبون بأن تعطى المرأة حقوقاً ليست لها، وهؤلاء المندسون يتهمون المجتمع الإسلامي بالتخلف، بل يتهمون الله بالظلم، ويتهمون نبيه محمداً ﷺ بالظلم، ويتهمون كتاب الله الذي أنزله تبياناً لكل شيء بأنه لم يعط المرأة حقها. ولذلك فإننا نشاهد ونسمع ونقرأ وصكت آذاننا كلمات منذ سنين طويلة تقول: حرية المرأة. وتقول: النصف الثاني من المجتمع معطل، فالمجتمع لا يتنفس إلا برئة واحدة. وتتحدث عن التخلف والرجعية، إلى غير ذلك من الأمور التي جعلتنا نسأم حديث هؤلاء وننفر منه. والسبب في ذلك أن أعداء الإسلام يقرءون تاريخ البشرية أكثر مما نقرأ، فيقرءون أن المرأة حينما تنحرف ينحرف المجتمع كله من ورائها، وأنهم حينما يدفعونها إلى الوراء ويتظاهرون بأنهم يدفعونها إلى الأمام لتطالب بحقوقها وحريتها أو لتلقي الخمار أو لتفعل شيئاً من ذلك إنما يفسدون المرأة، وحينئذ تكون في متناول أيديهم ويصطادونها في الماء العكر، ويعلمون أن أي أمة من الأمم لا تسقط من عين الله إلا حين تنحرف فيها المرأة، أو حين تخرج المرأة متبرجة، وإذا أردت الدليل على ذلك فاقرأ ما فعله بنو إسرائيل في عهد موسى ﵊، واقرأ ما يكتبه أعداء الإسلام: لا أحد أقدر على جر المجتمع إلى الدمار من المرأة، فعليك بالمرأة، اتخذوا من المرأة وسيلة لإفساد المجتمعات. يقول أحدهم: إن كأساً وغانية يستطيعان أن يفعلا بالمسلمين أكثر مما يفعله ألف مدفع. وغير ذلك من الأمور التي كانوا يعرفون أنها سوف تسبب هذه المشاكل للأمة الإسلامية. ونحن أيضاً نسينا أن فتنة النساء أعظم فتنة، وأن رسولنا ﷺ يقول: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)، وأن الرسول ﵊ جعلها في كفة والدنيا بكل زينتها ومتاعها في كفة أخرى فقال: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) علماً أن النساء يدخلن في الكفة الثانية؛ لأنهن جزء من الحياة الدنيا. هذه الأمور كلها دفعت بأعداء الإسلام -سواءٌ أكانوا من الداخل أم من الخارج- إلى أن يستخدموا المرأة وسيلة لتدمير المجتمعات، وأكبر ظني -بل أنا لا أشك- بأن هؤلاء هم أعداء الدولة، ولربما لا تدرك الدولة أن هؤلاء هم أعداؤها إلا حينما يقع ما نحاذره، نسأل الله أن يقينا ويقي الدولة شره، إن هذه الأمور يسعى هؤلاء إلى تحقيقها، نسأل الله أن يبطل مساعيهم حتى لا ينجحوا في مهمتهم. أيها الأخ الكريم! المرأة أكرمها الإسلام، ولا يمكن أن يكون هناك نظام من أنظمة الحياة أو دستور من دساتيرها يعطي المرأة حقاً أكثر مما يعطيه كتاب الله ، فالمرأة كانت في يوم من الأيام متاعاً يورث، وكانت لا ترث إلى أن أنزل الله في ميراثها قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧] والمرأة كانت إذا مات زوجها يتسابق أولاده من غيرها عليها فأيهم ألقى عليها رداءه أولاً فهو أحق بها يتصرف بها كيف يشاء، ولو أراد أن ينكحها فله ذلك، أو أراد أن يبيعها فهي سلعة له رخيصة، حتى أنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩]. لقد احترم القرآن المرأة ووضع لها من الحقوق ما لا يمكن أن تحصل عليها من أي جهة أخرى، وهذا القرآن كما قال الله عنه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] وقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] وهؤلاء يعرفون أن المرأة لم تكن تدرك في جاهليتها جزءاً مما أدركته في إسلامها، لكنهم يريدون أن تنحرف المرأة لينحرف المجتمع، ولتتدهور الأمور، ولتكون النهاية هي البوار والدمار، ولذلك فإننا نقول لهؤلاء الذين يدعون إلى حقوق المرأة وإلى تحريرها وإلى أمور لا تخفى نقول لهم: اخسئوا؛ فإن الله هو الذي أكرم المرأة واحترمها، وأعطاها حقوقها كاملة، لكنكم حينما تطالبون بحرية المرأة وبحقوقها إنما تريدون أن تجعلوها لقمة سائغة لكم؛ لأنكم أشربتم وأشربت نفوسكم حب الفاحشة، وتريدون من هذه المرأة المسلمة أن تسقط كما سقطت المرأة في كثير من البلدان إلا ما شاء الله. ومن حيث يعود أعداؤنا وينادون بحفظ المرأة وصيانتها ينطلق هؤلاء فيبدءون من حيث ينتهي عدوهم، وهذه تعتبر فتنة وبلية ومصيبة لا بد من أن ننتبه لها، وتعتبر أهم مظاهر الانحطاط في هذا العصر، وتعتبر أيضاً أهم مظاهر الغربة التي نعيشها اليوم. ولا تستطيع المرأة أن تقود المجتمع أو يكون لها كيان؛ لأن الله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، فيجب أن تكون القيادة بيد الرجال، ولكن ذلك لا يعني أن تهان المرأة بل يجب أن تكرم.

стр. 620

محاولة تغيير هوية الإسلام نجد في هذه الغربة ونلاحظ أن أعداء الإسلام يحاولون كل المحاولات وبشتى الوسائل أن يغيروا الهوية الإسلامية، سواء في الشكل والصورة أو في الأنظمة أو في أي أمر من الأمور، حتى لقد رأيناهم يسمون الأمور التي يتحاشى المسلم أن يفعلها بغير أسمائها حتى يلطفوها، فهم الذين سموا لنا الخمر مشروبات روحية، وهم الذين سموا لنا اللهو واللعب والفسوق فناً، وهم الذين سموا لنا النفاق مجاملة، والكذب دبلوماسية، وغير هذا من الأمور والألقاب التي أحدثوها من أجل أن يقضوا على الهوية الإسلامية حتى في ألفاظها، ولذلك فإنهم يحسنون هذه الأمور بهذه الألفاظ وهذه الأسماء التي يختارونها في هذا العصر، وهي تعتبر من مظاهر غربة الأمة الإسلامية في تاريخها الحاضر.

стр. 621

وجود أناس يفتون بغير علم حين يبرز على الساحة الإسلامية أناس يدعون أنهم مصلحون وأنهم علماء فمثل هؤلاء يقول الله عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢] هؤلاء الذين ما تركوا باباً من أبواب المحرمات إلا وفكروا فيه وبحثوا فيه بغير علم وروية، ولكن بجهل وحقد على الإسلام، حتى لقد سمعنا منهم من يكتب عن الربا ويقول: الربا نظام اقتصادي لا تستغني عنه الحياة، والربا مباح سوى الأضعاف المضاعفة. وأكبر ظني أن هذا -بل لا أشك- لو استطاع أن يتخلص من تحريم الربا بالأضعاف المضاعفة لتخلص منه. ولقد عجبنا كثيراً حينما يظهر ويبرز مثل هؤلاء الذين يريدون أن يخرجوا على إجماع المسلمين، ويريدون أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] فهم لا يتكلمون عن الربا وحده، ولكن هناك من يطرق باب الربا ليحله للناس، وهناك من يطرق باب حرية المرأة وحقوقها ليقول للناس: إن المرأة مضطهدة ومظلومة. وهناك وهناك، ولذلك فإنهم هم الذين يتسلمون أكثر أمور الحياة في أيامنا الحاضرة، حينما تخلى العلماء والمصلحون عن هذه الحياة.

стр. 622

تحول السجون إلى معتقلات للمؤمنين لم يعرف الناس السجون إلا وسائل إصلاح للفاسدين والمفسدين، الذين إذا انتشروا في المجتمع أفسدوا في المجتمع، ثم إذا بهذه السجون تتحول إلى معتقلات في جل العالم الإسلامي للمؤمنين، ولو قمت بإحصائية عن الذين يدخلون السجون اليوم لوجدت أكثرهم من الصالحين والمصلحين في جل بلاد الله الواسعة، وكأن هذا التاريخ يعيد نفسه حينما لبث يوسف في السجن بضع سنين، وحينما قال فرعون لموسى: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] وهذا مما يدل على انحراف في استعمال السجن. وهؤلاء الذين تفتح لهم السجون في أيامنا الحاضرة أكثرهم المؤمنون الذين يقولون للناس: اتقوا الله تعالى. ومن يفعل شيئاً من ذلك فإنه سوف يسقط من عين الله، ولربما دعوة مظلوم في جوف الليل الآخر في سجن من هذه السجون تطيح بأمة وتسقط دولة؛ لأن الله تعالى يرفع دعوة المظلوم فوق الغمام، ثم يقول: لأنصرنك ولو بعد حين. وحينئذ لا تعجب حين ترى أمور الأمة الإسلامية تنهار يوماً بعد يوم بسبب سوء استعمال هذه السجون وتحويلها إلى معتقلات.

стр. 623

السخرية والطعن في الدين إن السخرية والطعن في الدين ليس جديداً، بل هو موجود في كل عصر، وذلك حين تنحرف الأمة عن منهج الله ، فنقرأ عن تاريخ المشركين الأولين في الغربة الأولى قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١] فيقول الله ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤]. وفي الحياة الآخرة إذا أدخل الله هؤلاء الساخرين من دين الله نار جهنم قال لهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١١]. هذه قضية تمر في كل فترة تضعف فيها الأمة الإسلامية، يسخر أعداء المسلمين من الإسلام، مثل أن يقول أحدهم: انظر إلى لحيته! انظر إلى ثوبه القصير! إلى غير ذلك، كما يسخرون من الحجاب ومن المرأة المحجبة. وهذه السخرية خطيرة جداً، بل هي ردة عن الإسلام، بل إن فاعلها عند الله من أئمة الكفر وليس من الكافرين فحسب، فالذي يسخر من اللحية أو الحجاب مرتد عن الإسلام؛ لأنه حينما يسخر من رجل مسلم بسمات الإسلام الموجودة في شكله أو في ثوبه أو في أي أمر من أموره إنما يسخر من الإسلام، والله تعالى قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة:١٢] وفي قراءة: (إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون) جردهم الله من الإيمان، وجعلهم من أئمة الكفر، وأمرنا بأن نقاتل هؤلاء الذين يسخرون من الإسلام ويضحكون منه، ولكن الله يسخر منهم أيضاً.

стр. 624

جعل المنكر معروفاً والمعروف منكراً إن جعل المنكر معروفاً والمعروف منكراً قد أخبر الرسول ﷺ بأن ذلك سوف يوجد في فترة من الفترات وفي عصر من العصور، وذلك في المرحلة الأخيرة من حياة الأمة الإسلامية، أي أن النهاية قد قربت حينما يعود المعروف منكراً والمنكر معروفاً. ولو أردنا أن نستعرض حياة الأمة الإسلامية في أيامنا الحاضرة لرأينا ذلك، كان المفترض أن يتحرك المصلحون ليصلحوا فساد الفاسدين، فإذا بنا نرى كثيراً من المصلحين ينامون إما خوفاً على الحياة، وإما طعماً في المال، وإما لهدف من الأهداف الأخرى، ثم إذا بأعداء الإسلام يستأسدون، فبدل أن يتحرك المصلحون للإصلاح تحرك المفسدون للإفساد، وهذه سنة الله في الحياة لا بد من أن تنشغل هذه الحياة بأي أمر من الأمور، فإما أن تنشغل بالإصلاح وإما أن تنشغل بالإفساد، وهؤلاء المفسدون كالفئران، فالفئران لا تتحرك إلا حينما يسكن لها الجو وحين لا تسمع صوتاً، حينئذ تتحرك وتفسد وتقرض في المتاع وتهلك الحرث والنسل. والخفاش أيضاً لا يتحرك ولا يطير من وكره إلا حينما يخيم الظلام، وحينئذ يعود المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ولذلك لو نظرنا الآن إلى النقد الذي يوجه من الناس إلى الناس لوجدنا أن الفسقة أكثر ما يوجهون اللوم والعتاب إلى الصالحين، أكثر من أن يوجه الصالحون العتاب واللوم إلى أولئك الفسقة والعصاة، بل إن السخرية من دين الله والضحك على أذقان المسلمين والتحرك المشين في كل نواحي الحياة أصبح الآن بيد هؤلاء إلا ما شاء الله، ولذلك عاد المعروف منكراً الآن والمنكر معروفاً. ولربما تنشأ ناشئة في هذه الفترة فلا تعرف المنكر ولا المعروف بسبب مشاهدتها للمنكر حين يغزو المعروف ويظهر المعروف بصورة الضعيف الذي لا يصمد أمام المنكر ولا يدحره.

стр. 625

فساد وسائل الإعلام إن فساد وسائل الإعلام من أخطر الأشياء على الأمة؛ لأن الإعلام بتقنيته الحديثة وصل إلى قعر بيوت المسلمين، وأصبح البيت بكامله بنسائه وأطفاله يشاهد أفلاماً أتت من بلاد لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وهذه الأفلام تفتقد الرقابة التي تخشى الله في كثير من الأحيان، فتصل هذه الأفلام إلى قعر بيوت المسلمين فتنشأ ناشئة من أبناء المسلمين تشاهد الرقص والغناء في مستهل حياتها وفي أيام نعومة أظفارها، ولربما تصاب بالازدواجية في فهمها حينما ترى هذه الناشئة القرآن يتلى بجوار أغنية، أو حديث الرسول ﷺ بجوار مسرحية مختلطة أو ما أشبه ذلك، فتنشأ هذه الناشئة لا تفرق بين الحلال والحرام، ولا تعرف الخير من الشر؛ لأن هذه الازدواجية قد انطبعت في أذهانها منذ طفولتها ومنذ أيامها الأولى. فإعلام المسلمين عندما يصنع في بلاد الكافرين يؤثر في حياة كثير من الأمم، ولعل أكثر ما يحدث من الفتن التي تشمئز لها القلوب المؤمنة والتي تحاول أن تخرج المرأة من إطارها لعل ذلك جاء من وسائل الإعلام، بل لا شك أنه جاء من وسائل الإعلام، فشوهت الحقائق، حيث جعل الإعلام تعدد الزوجات جريمة في المجتمع، والإتيان بفتاة أجنبية من الخارج أجمل من الزوجة لتقوم بالخدمة داخل البيت يعتبر هذا تطوراً وتقدماً، وكذلك الإتيان بسائق يخلو بالأهل من زوجة وأخت وابنة ويذهب بهن إلى المدرسة وإلى السوق يعتبر هذا من التطور والرقي والتقدم إلى غير ذلك، إضافة إلى ما تبثه وسائل الإعلام من اختلاط بين الجنسين تثبت للناس أن الاختلاط ليس بشيء مشين وإنما هو رقي وتقدم، وأن الذين يدعون إلى عزل المرأة عن الرجال إنما هم أعداء للمرأة، وأن المرأة باستطاعتها أن تنتج أكثر مما ينتجه الرجال، إلى غير ذلك من الأمور التي وصلت إلى قعر بيوت المسلمين. فمن كان يتصور أن بيوت المسلمين -بل أقول: وجل بيوت العلماء والصالحين إلا ما شاء الله- انتشرت فيها هذه الأفلام، ووصلت إلى قعرها هذه المسلسلات؟ من كان يتوقع هذا في يوم من الأيام؟! لقد مضت فترة ليست بالبعيدة كنت تقف عند بيت رجل من هؤلاء الصالحين أو العلماء لا تسمع إلا دوياً كدوي النحل من تلاوة كتاب الله والبكاء من خشية الله ، ثم إذ بهذه البيوت تتحول إلى هذا المستوى، حتى في الثلث الأخير من الليل لا تسمع إلا اللهو واللعب والرقص والموسيقى، فهذا من أعجب الأمور التي ما كان للعقل أن يتصورها لولا أن أصبحت خبراً وأمراً لا شك فيه. حتى على متن الهواء في الطائرة على بعد آلاف الأمتار عن الأرض تنشر هذه الأفلام، وفيها الجنس وفيها الحرام، وفيها أمور تقشعر منها نفوس المؤمنين، وكان المشركون قبلنا إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فهل المشركون الذين يعبدون الأصنام من دون الله وهم على سطح الماء يخافون من الله أكثر ممن يخاف هؤلاء الموحدون وهم على متن الهواء بين السماء والأرض؟! إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن كثيراً من القلوب قد أشرب بمعصية الله ، وأن هذه الأمة يخطط لها تخطيطاً رهيباً، وأنها قد فقدت -أو كادت أن تفقد- خشية الله حتى على متن الهواء بين السماء والأرض. إن وسائل الأعلام خطيرة، وإن أكثر الفساد الذي حل في المجتمعات الإسلامية بصفة خاصة والمجتمعات الإنسانية بصفة عامة من وسائل الإعلام، وإني أحذر من هذه الوسائل التي لم تدع بيت شعر ولا مدر إلا دخلته، فاحذرها وحاربها بكل ما أوتيت من قوة.

стр. 626

فساد الاقتصاد إن من مظاهر هذه الغربة فساد الاقتصاد الذي أصبح الآن يسمى اقتصاداً ولكن الله يسمي هذا النوع المنحرف رباً، واعتبر الله الربا من أكبر المحرمات، وجعله حرباً لله ورسوله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٧٩] أي: تتركوا الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]. ثم أيضاً يتهدد ويتوعد الله من يداوم على أكل الربا بالخلود في نار جهنم، مع أن الخلود في نار جهنم من خصائص الكافرين والمشركين، يقول : ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. ومن هنا نقول: إلى متى تتعامل الأمة الإسلامية بالربا؟ وإلى متى ونحن لا نرى الأمة الإسلامية تقلع عن هذا الجرم العظيم وعن هذه الحرب لله ورسوله؟ أليس الله الحكيم الخبير الذي شرع أنظمة الحياة ووضع أموراً للتعامل بهذا المال كأي شيء آخر؟ فلماذا لا يستغني المسلمون بما أباح الله عما حرم الله؟ أقول: يجب على الأمة الإسلامية أن تنظر في اقتصادها، وأن لا تتعامل بما حرم الله، وعلى المسلم أن يقاطع البنوك التي أعلنت حرباً لله وحرباً لرسوله، أن يقاطعها مقاطعة تامة، وأن ينمي أمواله فيما أباح الله ، وإلا فإن الربا من لم يأكله أصابه من غباره أو دخانه، والرسول ﷺ : لعن في الربا آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: (هم في الإثم سواء). لا بد من أن تقيم الأمة الإسلامية نظام اقتصادها على ما أباح الله ، لا بد من أن يشكل في كل بلد إسلامي بصفة عامة وفي بلد الحرمين الشريفين بصفة خاصة لجنة شرعية تخاف الله وعندها وعي واطلاع على الأنظمة الاقتصادية التي أباحها الله ، لتقيم نظامها الاقتصادي على وفق شرع الله وما أباح الله، قبل أن تصهر هذه الأجسام التي أكلت الربا بالنار؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (أي جسم نبت من سحت فالنار أولى به). فالربا أمره خطير ويتساهل فيه كثير من الناس، وأنظمة العالم اليوم تكاد تجمع على أنها لا تستطيع أن تقيم نظام اقتصادها إلا على هذا الربا، ولكننا على ثقة من أن الله الذي حرم الربا وسد أمامنا هذه الطريقة المنحرفة أنه فتح لنا آلاف الأبواب لننمي أموالنا فيما أباح الله .

стр. 627

التبرج نقصد بالتبرج هذه الخلاعة المشينة التي بلي بها عالمنا اليوم، فإننا نرى تبرجاً فظيعاً لم يمر مثله حتى في الجاهلية الأولى، يقول الله : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، هذا التبرج الذي أخذت كل بلد منه بنصيب، وبمقدار ما يكون لهذه الدولة ولهذه الأمة من نصيب من المحافظة يكون نصيبها أقل بالنسبة للتبرج، حتى وصل الأمر إلى عراء كامل في بعض بلاد الله ، لا سيما في البلاد غير الإسلامية، وهذا التبرج من أكبر وسائل الوقوع في الفاحشة، والوقوع في الفاحشة يسقط الإنسان من عين الله ، ولذلك لا تعجب حينما ذكر الله الزنا في سورة النور ثم ذكر وسائل الوقاية إلى أن قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآية، وهذا التبرج أدى إلى فساد عريض، وأدى إلى فتنة عمياء انتشرت في العالم الإسلامي، وهذا التبرج خلاف ما كان معروفاً في الجاهلية الثانية؛ لأن الجاهلية الثالثة التي نعيشها اليوم أبعد بكثير عن الإسلام في هذا الأمر من الجاهلية الثانية. تصور أنه حينما كانت الجاهلية الأولى خرجت فيها المرأة عارية تطوف حول البيت، وانتشر الفساد في الأرض، ثم جاءت الجاهلية الثانية التي كانت قبيل بعثة الرسول ﷺ فبالغت في صيانة المرأة خوفاً عليها من الفساد، حتى وأدوا الفتاة وهي حية، قال الله : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨]. لكن في أيامنا الحاضرة تبرجت المرأة خلاف ما كان في تلك الجاهلية، وأبرزت زينتها، وطالبت بحقوقها، وأيضاً هي لا تقف عند حد، فكلما أعطيت من الحرية المزعومة طالبت بما هو أكثر من ذلك، ولذلك فإن التبرج الذي شاهدته نساؤنا في وسائل الإعلام أصبح موضة من موضات هذا العصر، فإن لم يكن موجوداً فلا بد من أن تكون هي المطالبة به.

стр. 628

محاربة الإسلام بأبنائه ومن ينتسبون إليه الأمر الأخير من مظاهر هذه الغربة -وهو أعجبها وأقساها وأعنفها- أن يحارب الإسلام بأبناء الإسلام، ومن كان يصدق بذلك؟! ما كنا -والله- نصدق، حتى لقد كنا نسمع مقالات تقال من أعدائنا مفادها أن شجرة الإسلام شجرة سامقة عميقة في الأرض، لا تستطيعون أن تقطعوها إلا بغصن من أغصانها، وما كنا نعلم ماذا يقصدون بهذه المقالة، حتى رأينا من أبناء الإسلام من تربى على أعين هؤلاء الأعداء ليكون هو الغصن الذي يحاول أعداء الإسلام أن تقطع به هذه الشجرة. إن أعداء الإسلام الذين يتربصون بنا الدوائر، والذين كانوا يغزون بلاد المسلمين من الشرق والغرب يريدون أن يطيحوا بالأمة الإسلامية وأن يزيلوا هويتها من هذا الوجود، إنهم قد ربوا أفراخاً لهم في بلادهم، وغسلوا أدمغتهم في بلاد الشرق والغرب، وملئوا قلوبهم حقداً على الأمة الإسلامية، فجاءوا وهم يحملون هذا الحقد الدفين، وصار همهم أن يهدموا هذا الإسلام بأيديهم وأيدي الكافرين، وإن هذا من أعجب الأمور، يقول الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند وحينما كان الإسلام يُحارَبُ بـ أبي جهل وأبي لهب في أيامه الأولى كان الأمر واضحاً، ولكن حينما أصبح الإسلام في أيامنا الحاضرة يحارب بأحمد ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن وسيف الدين وسعد الدين وعماد الدين أصبح الأمر مصيبة كبرى، وصدق الصادق المصدوق ﷺ ، فلقد حدثنا عنه حذيفة بن اليمان ﵁ في حديث طويل معجزة للرسول ﷺ يحكي واقعنا اليوم، يقول حذيفة: (كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. قال: فقلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتني، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قال: فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها. قال: قلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) قوله: (من جلدتنا) أي: من أبناء المسلمين، ويحملون في جيوبهم الهوية الإسلامية، ولربما يكونون من أبناء الصالحين والعلماء، ومن لهم مجد عريق في حماية هذا الدين، ثم إذا بهؤلاء الأبناء معولاً هداماً في شجرة الإسلام السامقة. قوله: (ويتكلمون بألسنتنا) أي: باللغة العربية الفصحى. فلم يأتوا من الشرق ولا من الغرب، ولكن نشئوا في بيوت المسلمين، فهذا هو سوء التربية، وهذا هو الواقع الذي نعيشه. وأيم الله إن الإسلام في أيامنا وفي بلادنا هذه بصفة خاصة يحارب بأبناء المسلمين أكثر من أن يحارب بالكافرين؛ لأن أعداء الإسلام وثقوا بهؤلاء الذين سوف يقومون بهذه المهمة، ولذلك سلموهم الأمر وأصبحوا يراقبونهم من بُعْدٍ. ومن خلال ذلك لا تعجب وأنت ترى من ينتسب للإسلام يطعن في الإسلام من الأمام ومن الخلف، ولكن هذا هو الوعد الذي أخبر الله عنه، والذي ينتظر من زمن بعيد، قال : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، فإذا كانت هناك غيرة على دين الله، وإذا كان هناك غضب لله فإن هذا اليوم هو يومه، فالعالم الإسلامي جله يحارب فيه الإسلام من أبناء جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا، وإذا لم يغضب المسلمون لدين الله ولله فويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة.

стр. 629

طرق ووسائل التخلص من الغربة نتحدث عن العنصر الأخير من عناصر هذا الحديث، وهو: كيف الخروج من هذا المأزق؟! وكيف نستطيع أن نجتاز هذه المرحلة العصيبة من مراحل هذه الغربة التي لم يمر في تاريخ البشرية مثلها منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها؟ ليس هناك سبيل إلا الجهاد، وليس هناك سبيل إلا أن نتوجه إلى أولي الأمر، لا سيما في بلاد الحرمين التي تعتبر جزيرة آمنة مطمئنة، يأوي إليها المستضعفون من كل بلاد العالم، فما يكاد أحد يؤذى في بلده إلا ويأوي إلى هذا البلد الذي جعله الله مأمناً ومهوىً لأفئدة المسلمين أجمعين، وجعل لنا فيه حرماً آمناً، ويتخطف الناس من حولنا، وأرغد لنا في العيش، وأنعم علينا نعمه تترى، يقول الشاعر: أرى خلل الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون لها ضرام وإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها كلام فإن لم يطفها عقلاء قومي يكون وقودها جثث وهام فعلينا أن نتقدم إلى المسئولين في بلادنا بطلبات واقتراحات ورجاء، ونقول لهم بلسان الحال وبلسان المقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩]. فهناك فساد عريض انتشر في هذه الأرض، سافر -يا أخي- إلى أي سفارة من سفاراتنا في الخارج، والله لقد رأيت إحدى سفاراتنا يؤكل فيها بأوانٍ من الفضة التي يقول عنها الرسول ﷺ : (الذي يأكل في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) ولدي دليل على ذلك، وعليها شعار الدولة، وقد رأيت في سفاراتنا سكرتيرات من أجمل البنات، وكذلك الخطوط السعودية في كل مكان من الأرض يديرها فتيات، لتأتي المصائب والبلاء، وآخر حدث افتتاح في مدينة عنيزة لمستشفى جديد، وهذا المستشفى يديره صليبيون نصارى، مدير المستشفى صليبي نصراني، ومدير الإدارة صليبي نصراني، ورئيس التنفيذ صليبية نصرانية، حتى المحاسب صليبي نصراني، إلى هذا الحد وصل بنا الأمر! وأظن أن سبب حصول مثل هذا هو أننا لا نناصح ولاة الأمر. وأكبر ظني أنهم لا يدرون عن كثير من هذه الأمور، ولو قمنا لله مثنى وفرادى وزاحمنا ولاة الأمر الذين يقولون: إنهم قد فتحوا أبوابهم لكل من يريد أن يدلهم على خير. لو فعلنا ذلك فلا أظن أنهم سوف يردون طلباً، لا سيما وأننا في أيام محنة وفتنة لا يخلصنا منها إلا أن نعود إلى ربنا . وأقسم بالله على أن المضيفات في الخطوط السعودية لا يساوي لباسهن أي لباس في أي دولة من دول العالم في قصر الثياب وفي التبرج، وهذه مصيبة وهذا بلاء، فلنناصح المسئولين عن الخطوط السعودية لعلهم يتقون الله . وهناك أمور كثيرة لا بد من أن نقوم لها غاضبين لله ، ولكن بعقل وحكمة، وأقصد بالحكمة وضع الأمور في مواضعها، لا بد من أن نقول للمحسن: أحسنت. ولا بد من أن نقول للمسيء: أسأت. ولا بد من أن نناصح المسئولين؛ لأن هذا واجب، والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم واجبة، أما إذا سكتنا عن النصيحة فويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة، وكذلك إذا لم يقبل ولاة الأمر نصيحتنا فويل لهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة:٢٠٦]، أما أن نخاف البشر وأن نجابي في دين الله فحينئذ لا تبقى بقية من ديننا، فما هو موقفنا بين يدي الله الذي يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]؟ أخي الكريم! الأيام التي نعيشها عصيبة، وما نزل عذاب إلا بذنب، ولن يرفع إلا بتوبة، فهل سنجدد التوبة مع الله ؟ فالعدو يحيط بنا من كل جانب، من حدود العراق إلى البحر الأحمر إلى الجنوب الغربي إلى الشرق، في كل مكان عدونا يحيط بنا، الذين أكلوا خيراتنا وأموالنا هم الآن الذين يحملون الحقد، فإلى أي طريق نفر؟! أين المفر؟! قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]. وأقول: أيها المسلمون! أصلحوا أوضاعكم، وناصحوا المسئولين وراسلوهم، وقولوا لهم: اتقوا الله فإننا نعيش في أمن ورخاء وسلام ويتخطف الناس من حولنا، ووالله الذي لا إله غيره إن لم نقم لله مثنى وفرادى دعاة ومصلحين فإن العذاب أقرب إلى أي واحد منا من شراك نعله.

стр. 630

الأسئلة

стр. 631

فساد الأنظمة الاقتصادية والسياسية الأسباب والعلاج السؤال ما الرد على من يقول: إن سبب فساد بعض الأنظمة الموجودة كالنظام الاقتصادي والسياسي، وسبب وجود الغربة هو تخلف العلماء وعدم المشاركة في القرارات الشرعية التي تساير ما أتت به هذه الحضارة الحديثة، ويضرب مثالاً لذلك بوجود الأنظمة الاقتصادية الحالية، والسبب هو عدم وضع البديل الإسلامي المناسب، ومن أقواله أيضاً: إن تدريس الفقه الإسلامي ومناهجه يعتبر خاطئاً، بسبب بقاء التدريس على كتب القدماء؟ الجواب هذا الكلام فيه نقد للقدماء، وهذا خطأ بين؛ لأن القدماء خدموا الإسلام، وهم في قرن خير من قرننا، وإن كان في قرننا خير والحمد لله، لكني أوافق الأخ السائل على بعض ما يقول، فالعلماء قصروا في هذا الجانب، ولم يقدموا الحلول الشرعية لدولة ما من الدول التي فسد اقتصادها أو قام على الربا وما حرم الله، وأكبر ظني أن كثيراً من هؤلاء العلماء في عزلة عن الأنظمة الحديثة، ولكن هناك أمر آخر لا نغفل عنه، وهو أن هؤلاء العلماء أكثرهم ما أُخذ رأيه في هذه الأمور، وهذه أنظمة اقتصادية جاءتنا من الخارج، وقيل لنا: إن نظام الحياة لا يقوم إلا عليها. ولو كانت جائرة ولو كانت ربا ولو كانت حرباً لله ورسوله، وإن كان طائفة من العلماء أرادوا أن يغيروا، لكنهم لم يغيروا إلا شيئاً يسيراً، ونحن هنا نستطيع أن نقترح على الدولة -وهي لا شك أمثل دولة نعتمد عليها بعد الله أنها إذا كانت تريد أن تحارب هذا الربا العظيم الذي هو حرب لله ورسوله فباستطاعتها -لا سيما في هذا العصر الذي -والحمد لله- كثر فيه علماء الاقتصاد الإسلامي الواعون- أن تشكل لجنة ونخبة من صالحي العلماء المدركين للأوضاع الاقتصادية وأنظمة الحياة الحديثة وأن تكلفهم بهذه المهمة، وقد سبق أن كتبنا لبعض المسئولين واقترحنا عليهم أشخاصاً معروفين، ولهم وزن وثقل في المجتمع، وأعتقد أن مثل هؤلاء لو وكل إليهم الأمر لأغنوا هذه البلاد عن الأنظمة الاقتصادية المنحرفة المحرمة التي تحارب الله ورسوله. وأملنا في الله ثم في الدولة كبير، لا سيما أنها دائماً وأبداً -إن شاء الله- سوف تبحث عن الحلول التي تخلص فيها هذا البلد مما حرم الله ، فالعلماء مسئولون عما انتشر من الربا، سواء أكانت هذه المسئولية بإيجاد الحلول للدولة، أو بمطالبة الدولة أو أي دولة في بلاد العالم الإسلامي أن تزيل الربا، ولكنهم لم يعطوا الأمر حقه حتى يستطيعوا أن ينطلقوا منطلقاً قوياً، ولكن لنا أمل في الله أن تشكل الحكومة في هذه الظروف لجنة من العلماء المدركين المخلصين الذين يهتمون بهذه الأمور ليقوموا بهذا العمل، أما الأصل فإن العلماء أكثر ما يغزى الإسلام من قبلهم حينما يتهاونون في الأمر، ولذلك ما حلت أنظمة البشر وقوانين الرجال في بلاد من بلاد الله إلا بسبب ضعف القضاة أو تساهلهم في أمر من أمور القضاء، فتكثر القوانين الوضعية حينما يفسد نظام الحياة، وحينما يعجز القضاة الشرعيون عن حلها، فحينئذ يظهر الفساد في السياسة وفي الاقتصاد وفي كل الأنظمة، والله المستعان.

стр. 632

اقتراح بدعوة الجاليات غير المسلمة إلى الإسلام السؤال لقد عرف عن فضيلة الشيخ عبد الله أنه يرحل إلى الخارج للدعوة إلى الله، لكن ألا يعد وجود الجاليات الكبيرة داخل المملكة من الفرص الكبيرة التي يمكن من خلالها أن ننظم حلقات للدعوة، حيث ندعو هؤلاء إلى الإسلام إذ هم موجودون في داخل المملكة؟ وهل هناك جهود في هذا الأمر؟ الجواب الصحيح أن هذه فرصة فاتتنا من سنين طويلة، فبدل أن نغزوهم في بلادهم من منطلق قوتهم لا نستطيع أن نؤثر إلا على المسلمين منهم، ولكن وجودهم في بلادنا هذه ومنذ سنوات طويلة غفل عنه كثير من المصلحين، فما رأينا واحداً من هؤلاء -إلا في النادر في السنوات الماضية- دخل في الإسلام، وإننا كثيراً ما نرى من أبناء المسلمين من يرتد عن الإسلام على أيدي هؤلاء، سواء أعلن ردته أو لم يعلن ردته، ولكن -والحمد لله- في هذه الأيام الأخيرة افتتحت في كل مدن المملكة -بل وفي بعض القرى- مكاتب للجاليات من غير المسلمين، لتعليمهم أمور الدين الإسلامي، ودعوتهم إلى الله ، ونشر المطبوعات، ورئاسة البحوث وعلى رأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وجزاه الله خيراً قدمت جهداً في هذا الأمر، فطبعت بجميع لغات العالم مطبوعات، وأعطت تراخيص لمكاتب في كل مدن المملكة وبعض قراها لتقوم بهذه المهمة باسم مكاتب لتوعية الجاليات، ولكن نرجو المزيد من ذلك، ونرجو أن لا يدخل في بلادنا كافر إلا ويخرج منها وهو مسلم، وهذا ليس بغريب؛ لأن هذه أرض طاهرة، وكذلك لا يجوز أن نجمع فيها أكثر من دين، فيجب أن نقلل فيها من عدد اليهود والنصارى والوثنيين، والله المستعان على ما يحدث، لكن إذا وجدوا يجب أن ندعوهم إلى الإسلام لعلهم يرجعون إلى أهلهم مؤمنين.

стр. 633

علاج الحيرة الموجودة عند شباب الصحوة السؤال نحن شباب الصحوة أحياناً نصاب بشيء من الحيرة هل نكون مع بعض الدعاة الذين يسمون معتدلين عند بعض الناس، أم نكون مع بعض الدعاة المجاهدين المخلصين، فما هي حقيقة هذا الأمر؟ وكيف تزول هذه الحيرة عند كثير من الشباب؟! الجواب الإنسان إذا أراد أن ينضم إلى مجموعة ما فلينضم إلى جماعة المسلمين، هذا هو ما أوصى به الرسول ﷺ حذيفة، قال حذيفة: (فقلت: يا رسول الله! فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين) ولذلك فإننا نقول: على المسلم أن يلزم جماعة المسلمين، وأن يختار أفضل فئة تدعو إلى الله وتدافع عن هذا الدين، ولعل هذه الظروف التي نعيشها الآن جعلت هذا النوع من هؤلاء الدعاة في نظر طائفة من الناس متشددين أو متطرفين كما يسمونهم، والحقيقة أن هذا هو الإسلام الذي نعرفه في شرع الله من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن وجوده في هذه الفترة التي منيت بالانحراف جعل هؤلاء كأنهم متطرفون أو متشددون. والحقيقة أن الإنسان إذا أراد أن يبحث فليبحث عن أفضل فرقة، أن يبحث عن الفرقة التي تغضب لله إذا رأت محارم الله تنتهك، لكن لا تفقد الحكمة، والحكمة لها معنيان: الحكمة وضع الأمور في مواضعها، والحكمة بمعنى اللين، وأقصد بالحكمة وضع الأمور في مواضعها؛ لأن الأمة الإسلامية لا بد من أن تكون لها قوة تحمي هذا الدين، وليس غريباً أن ينزل الله الحديد كما أنزل الكتب السماوية فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، فوضع الحديد بجوار الكتب السماوية، وهذا يدل على أن المسلمين لا بد من أن تكون لهم قوة، ولا نعني -أيضاً- بذلك أن نكون أناساً ثوريين وأن نحطم ونكسر ونقتل لا، لا نفعل شيئاً من ذلك، وإنما علينا أن نغضب لله بحيث تكون قوتنا كقوة الحديد والنار حينما تنتهك محارم الله ، يقول حسان: لا خير في حق إذا لم تحمه حلق الحديد وألسن النيران فالقوة هي المطلوبة، لكن يجب أن تكون هذه القوة باعتدال وبتوازن وبانضباط، حتى لا تجر مشاكل على الأمة الإسلامية، وحتى لا تفسد عليها أمنها.

стр. 634

حقيقة الجهاد في أريتريا وواجب المسلمين نحوهم السؤال لقد علمنا أنك اعتنيت كثيراً بمشكلة المسلمين في أريتريا والجهاد في أريتريا، ونود أن تعطينا فكرة عن الجهاد الإسلامي في أريتريا حتى تتضح الأمور في أذهانهم؟ الجواب هذا حديث يطول، لكن ألخصه في كلمات: أريتريا منذ ثلاثين عاماً وهي مبتلاة بألد أعداء الله ، ولعل أحدنا يظن أني أعني الحبشة وليس كذلك، فالحبشة عدو حاقد نصراني شيوعي ملحد، لكن ابتليت أريتريا بما هو أشد من ذلك من أبناء جلدتها، من الذين تقدموا ليحرروا البلاد فإذا بهم يزيدون الطين بلة، وخلال السنوات الثلاثين التي مضت والأمور تتردى في أريتريا، حتى وصل الأمر إلى خبر نشرته صحيفة (المسلمون) منذ سنتين تقول فيه: إنه تؤخذ الفتيات من البيوت قهراً ويقتل الآباء الذين يعارضون، ويوضعن في مواطن تفريخ -أي: في معسكرات- لينزوا عليهن من لا أقول: البر والفاجر؛ لأن الكل فاجر، بل المسلم والنصراني، ويلدن أولاداً، ويعتبرون هؤلاء الأولاد صغار الثورة، ويرجون من وراء ذلك أن تحول أريتريا إلى بلد إلحادية. هذا الأمر دفع كثيراً من علماء المسلمين الأريتريين الذين درسوا في الجامعات الإسلامية هنا وهناك وفي كل مكان إلى أن اجتمعوا وتعاهدوا على الجهاد في سبيل الله، وجمعوا منظمات متفرقة في منظمة واحدة اسمها: (حركة الجهاد في سبيل الله) ويديرها واحد وخمسون من علماء أريتريا في مجلس شورى، وهؤلاء الآن يكادون أن ينجحوا في مهمتهم لو قيض الله لهم مالاً، وبقي دوركم أنتم -أيها الإخوة المسلمون- يا من تملكون المال، فلماذا لا تتقدمون لهؤلاء بالمال لعل الله أن يفتح على أيديهم أريتريا؟ وهي ليست بأقل خطراً من أفغانستان علينا، بل إن أريتريا لا تبعد عنا إلا عشرات الأميال فقط، وهي تشكل خطراً لا سيما في هذه الجبهات التي تكافح فيها الاحتلال الأثيوبي. وعلى كلٍ فالجهاد في سبيل الله قائم هناك، ولكنه يفقد المال، بل يفقد لقمة العيش الضرورية، بل إن الأريتريين الذين يزيدون على مليون مسلم يعيشون الآن داخل السودان يموت عدد منهم جوعاً في هذه الأيام أكثر من أي مجاعة مرت عليهم في تاريخهم، حتى المجاعة التي سمعنا أخبارها منذ سنوات هم الآن يعيشون مجاعة أشد من تلك لأسباب كثيرة، ولعل من أهم أسبابها أحداث الخليج، وغلاء الأسعار هناك، حتى أصبح المسلمون يموتون جوعاً، فهم بحاجة إلى طعام إضافة إلى أنهم بحاجة إلى سلاح يقاتلون به عدوهم. وعلى كل فإني أدعو المسلمين إلى المساهمة لمساعدة إخوانهم الأريتريين، فهم أحوج ما يكونون إلى المال، لعل الله أن يفتح على أيديهم، ولعلنا نتقي شر تلك المنطقة وما يسمى بالقرن الأفريقي الذي يهدد أمن المنطقة كلها.

стр. 635

واجب المسلمين تجاه المجاهدين في أفغانستان وغيرها السؤال مع الأحداث الأخيرة صرفت أذهان كثير من المسلمين -مع الأسف الشديد- عن الجهاد في فلسطين، وعن الجهاد الأفغاني الكبير الذي ما يزال يحاول أن يقتلع الإلحاد من بلاد الأفغان، فنود لو يذكر الناس قليلاً بواقع الجهاد الأفغاني؟ الجواب حينما نتحدث عن الجهاد في بلد لا نتحدث عنه لأنه الوحيد في الساحة، لا، فالجهاد في أفغانستان لا ننساه ولن ننساه أبداً، والجهاد في فلسطين لا يمكن أن يغيب عن عقولنا، وأيضاً لا ننسى إخواناً لنا في جنوب الفلبين يجاهدون في سبيل الله، كل هؤلاء لا نغفل عنهم ولا ننساهم. أما الجهاد في أفغانستان فإننا نسمع أخباره -والحمد لله- وهو مرفوع الرأس، حتى لقد كان من الأخبار التي وردتنا أن عدو الله الحاكم في أفغانستان ظلماً وعدواناً يراسل القادة الذين يحيطون بكابل ويقول لهم: أنتم إخواني وأنا أخوكم أصلي وأطبق شعائر الإسلام، فارحمونا فقد أزعجتمونا ودعونا. فماذا رد الأخ القائد جزاه الله خيراً عليه؟ هل رد عليه يقول: نقتسم البلاد نحن وأنت؟! لا. وإنما كتب في أسفل خطابه -كما يقول شاهد عيان-: بسم الله الرحمن الرحيم. من فلان إلى عدو الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] التوقيع: فلان. وهذا يدل -والحمد لله- على أنه صادر من منطلق قوة، لكن المال هو الذي يسير هذا الجهاد، والحمد لله على أن أكثر من سير الجهاد في أفغانستان هم شباب المملكة العربية السعودية، وهم أكثر الناس شهداء من غير الأفغان في تلك المناطق والحمد لله، وإننا نرجو المزيد من ذلك، وهذا يدل على وعي شباب المملكة العربية السعودية. إذاً لا بد من المال؛ لأن المال هو الذي يقوم بالجهاد، لا سيما أن أيام الشتاء إذا أقبلت فالثلوج ترتفع في تلك الجبال إلى أمتار من شدة البرودة، وربما تبلغ درجة البرودة إلى عشر أو عشرين درجة تحت الصفر في بعض الأحيان، فمن يستطيع مواجهة ذلك؟! إنهم القوم الذين عاهدوا الله على الجهاد، وهم أيضاً بحاجة إلى شيء من مالنا يتقون به البرد والعدو، والله المستعان.
следующие страницы →