Полный текст (1 366 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فساد الأنظمة الاقتصادية والسياسية الأسباب والعلاج
السؤال
ما الرد على من يقول: إن سبب فساد بعض الأنظمة الموجودة كالنظام الاقتصادي والسياسي، وسبب وجود الغربة هو تخلف العلماء وعدم المشاركة في القرارات الشرعية التي تساير ما أتت به هذه الحضارة الحديثة، ويضرب مثالاً لذلك بوجود الأنظمة الاقتصادية الحالية، والسبب هو عدم وضع البديل الإسلامي المناسب، ومن أقواله أيضاً: إن تدريس الفقه الإسلامي ومناهجه يعتبر خاطئاً، بسبب بقاء التدريس على كتب القدماء؟
الجواب
هذا الكلام فيه نقد للقدماء، وهذا خطأ بين؛ لأن القدماء خدموا الإسلام، وهم في قرن خير من قرننا، وإن كان في قرننا خير والحمد لله، لكني أوافق الأخ السائل على بعض ما يقول، فالعلماء قصروا في هذا الجانب، ولم يقدموا الحلول الشرعية لدولة ما من الدول التي فسد اقتصادها أو قام على الربا وما حرم الله، وأكبر ظني أن كثيراً من هؤلاء العلماء في عزلة عن الأنظمة الحديثة، ولكن هناك أمر آخر لا نغفل عنه، وهو أن هؤلاء العلماء أكثرهم ما أُخذ رأيه في هذه الأمور، وهذه أنظمة اقتصادية جاءتنا من الخارج، وقيل لنا: إن نظام الحياة لا يقوم إلا عليها.
ولو كانت جائرة ولو كانت ربا ولو كانت حرباً لله ورسوله، وإن كان طائفة من العلماء أرادوا أن يغيروا، لكنهم لم يغيروا إلا شيئاً يسيراً، ونحن هنا نستطيع أن نقترح على الدولة -وهي لا شك أمثل دولة نعتمد عليها بعد الله أنها إذا كانت تريد أن تحارب هذا الربا العظيم الذي هو حرب لله ورسوله فباستطاعتها -لا سيما في هذا العصر الذي -والحمد لله- كثر فيه علماء الاقتصاد الإسلامي الواعون- أن تشكل لجنة ونخبة من صالحي العلماء المدركين للأوضاع الاقتصادية وأنظمة الحياة الحديثة وأن تكلفهم بهذه المهمة، وقد سبق أن كتبنا لبعض المسئولين واقترحنا عليهم أشخاصاً معروفين، ولهم وزن وثقل في المجتمع، وأعتقد أن مثل هؤلاء لو وكل إليهم الأمر لأغنوا هذه البلاد عن الأنظمة الاقتصادية المنحرفة المحرمة التي تحارب الله ورسوله.
وأملنا في الله ثم في الدولة كبير، لا سيما أنها دائماً وأبداً -إن شاء الله- سوف تبحث عن الحلول التي تخلص فيها هذا البلد مما حرم الله ، فالعلماء مسئولون عما انتشر من الربا، سواء أكانت هذه المسئولية بإيجاد الحلول للدولة، أو بمطالبة الدولة أو أي دولة في بلاد العالم الإسلامي أن تزيل الربا، ولكنهم لم يعطوا الأمر حقه حتى يستطيعوا أن ينطلقوا منطلقاً قوياً، ولكن لنا أمل في الله أن تشكل الحكومة في هذه الظروف لجنة من العلماء المدركين المخلصين الذين يهتمون بهذه الأمور ليقوموا بهذا العمل، أما الأصل فإن العلماء أكثر ما يغزى الإسلام من قبلهم حينما يتهاونون في الأمر، ولذلك ما حلت أنظمة البشر وقوانين الرجال في بلاد من بلاد الله إلا بسبب ضعف القضاة أو تساهلهم في أمر من أمور القضاء، فتكثر القوانين الوضعية حينما يفسد نظام الحياة، وحينما يعجز القضاة الشرعيون عن حلها، فحينئذ يظهر الفساد في السياسة وفي الاقتصاد وفي كل الأنظمة، والله المستعان.
стр. 632
اقتراح بدعوة الجاليات غير المسلمة إلى الإسلام
السؤال
لقد عرف عن فضيلة الشيخ عبد الله أنه يرحل إلى الخارج للدعوة إلى الله، لكن ألا يعد وجود الجاليات الكبيرة داخل المملكة من الفرص الكبيرة التي يمكن من خلالها أن ننظم حلقات للدعوة، حيث ندعو هؤلاء إلى الإسلام إذ هم موجودون في داخل المملكة؟ وهل هناك جهود في هذا الأمر؟
الجواب
الصحيح أن هذه فرصة فاتتنا من سنين طويلة، فبدل أن نغزوهم في بلادهم من منطلق قوتهم لا نستطيع أن نؤثر إلا على المسلمين منهم، ولكن وجودهم في بلادنا هذه ومنذ سنوات طويلة غفل عنه كثير من المصلحين، فما رأينا واحداً من هؤلاء -إلا في النادر في السنوات الماضية- دخل في الإسلام، وإننا كثيراً ما نرى من أبناء المسلمين من يرتد عن الإسلام على أيدي هؤلاء، سواء أعلن ردته أو لم يعلن ردته، ولكن -والحمد لله- في هذه الأيام الأخيرة افتتحت في كل مدن المملكة -بل وفي بعض القرى- مكاتب للجاليات من غير المسلمين، لتعليمهم أمور الدين الإسلامي، ودعوتهم إلى الله ، ونشر المطبوعات، ورئاسة البحوث وعلى رأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وجزاه الله خيراً قدمت جهداً في هذا الأمر، فطبعت بجميع لغات العالم مطبوعات، وأعطت تراخيص لمكاتب في كل مدن المملكة وبعض قراها لتقوم بهذه المهمة باسم مكاتب لتوعية الجاليات، ولكن نرجو المزيد من ذلك، ونرجو أن لا يدخل في بلادنا كافر إلا ويخرج منها وهو مسلم، وهذا ليس بغريب؛ لأن هذه أرض طاهرة، وكذلك لا يجوز أن نجمع فيها أكثر من دين، فيجب أن نقلل فيها من عدد اليهود والنصارى والوثنيين، والله المستعان على ما يحدث، لكن إذا وجدوا يجب أن ندعوهم إلى الإسلام لعلهم يرجعون إلى أهلهم مؤمنين.
стр. 633
علاج الحيرة الموجودة عند شباب الصحوة
السؤال
نحن شباب الصحوة أحياناً نصاب بشيء من الحيرة هل نكون مع بعض الدعاة الذين يسمون معتدلين عند بعض الناس، أم نكون مع بعض الدعاة المجاهدين المخلصين، فما هي حقيقة هذا الأمر؟ وكيف تزول هذه الحيرة عند كثير من الشباب؟!
الجواب
الإنسان إذا أراد أن ينضم إلى مجموعة ما فلينضم إلى جماعة المسلمين، هذا هو ما أوصى به الرسول ﷺ حذيفة، قال حذيفة: (فقلت: يا رسول الله! فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين) ولذلك فإننا نقول: على المسلم أن يلزم جماعة المسلمين، وأن يختار أفضل فئة تدعو إلى الله وتدافع عن هذا الدين، ولعل هذه الظروف التي نعيشها الآن جعلت هذا النوع من هؤلاء الدعاة في نظر طائفة من الناس متشددين أو متطرفين كما يسمونهم، والحقيقة أن هذا هو الإسلام الذي نعرفه في شرع الله من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن وجوده في هذه الفترة التي منيت بالانحراف جعل هؤلاء كأنهم متطرفون أو متشددون.
والحقيقة أن الإنسان إذا أراد أن يبحث فليبحث عن أفضل فرقة، أن يبحث عن الفرقة التي تغضب لله إذا رأت محارم الله تنتهك، لكن لا تفقد الحكمة، والحكمة لها معنيان: الحكمة وضع الأمور في مواضعها، والحكمة بمعنى اللين، وأقصد بالحكمة وضع الأمور في مواضعها؛ لأن الأمة الإسلامية لا بد من أن تكون لها قوة تحمي هذا الدين، وليس غريباً أن ينزل الله الحديد كما أنزل الكتب السماوية فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، فوضع الحديد بجوار الكتب السماوية، وهذا يدل على أن المسلمين لا بد من أن تكون لهم قوة، ولا نعني -أيضاً- بذلك أن نكون أناساً ثوريين وأن نحطم ونكسر ونقتل لا، لا نفعل شيئاً من ذلك، وإنما علينا أن نغضب لله بحيث تكون قوتنا كقوة الحديد والنار حينما تنتهك محارم الله ، يقول حسان: لا خير في حق إذا لم تحمه حلق الحديد وألسن النيران فالقوة هي المطلوبة، لكن يجب أن تكون هذه القوة باعتدال وبتوازن وبانضباط، حتى لا تجر مشاكل على الأمة الإسلامية، وحتى لا تفسد عليها أمنها.
стр. 634
حقيقة الجهاد في أريتريا وواجب المسلمين نحوهم
السؤال
لقد علمنا أنك اعتنيت كثيراً بمشكلة المسلمين في أريتريا والجهاد في أريتريا، ونود أن تعطينا فكرة عن الجهاد الإسلامي في أريتريا حتى تتضح الأمور في أذهانهم؟
الجواب
هذا حديث يطول، لكن ألخصه في كلمات: أريتريا منذ ثلاثين عاماً وهي مبتلاة بألد أعداء الله ، ولعل أحدنا يظن أني أعني الحبشة وليس كذلك، فالحبشة عدو حاقد نصراني شيوعي ملحد، لكن ابتليت أريتريا بما هو أشد من ذلك من أبناء جلدتها، من الذين تقدموا ليحرروا البلاد فإذا بهم يزيدون الطين بلة، وخلال السنوات الثلاثين التي مضت والأمور تتردى في أريتريا، حتى وصل الأمر إلى خبر نشرته صحيفة (المسلمون) منذ سنتين تقول فيه: إنه تؤخذ الفتيات من البيوت قهراً ويقتل الآباء الذين يعارضون، ويوضعن في مواطن تفريخ -أي: في معسكرات- لينزوا عليهن من لا أقول: البر والفاجر؛ لأن الكل فاجر، بل المسلم والنصراني، ويلدن أولاداً، ويعتبرون هؤلاء الأولاد صغار الثورة، ويرجون من وراء ذلك أن تحول أريتريا إلى بلد إلحادية.
هذا الأمر دفع كثيراً من علماء المسلمين الأريتريين الذين درسوا في الجامعات الإسلامية هنا وهناك وفي كل مكان إلى أن اجتمعوا وتعاهدوا على الجهاد في سبيل الله، وجمعوا منظمات متفرقة في منظمة واحدة اسمها: (حركة الجهاد في سبيل الله) ويديرها واحد وخمسون من علماء أريتريا في مجلس شورى، وهؤلاء الآن يكادون أن ينجحوا في مهمتهم لو قيض الله لهم مالاً، وبقي دوركم أنتم -أيها الإخوة المسلمون- يا من تملكون المال، فلماذا لا تتقدمون لهؤلاء بالمال لعل الله أن يفتح على أيديهم أريتريا؟ وهي ليست بأقل خطراً من أفغانستان علينا، بل إن أريتريا لا تبعد عنا إلا عشرات الأميال فقط، وهي تشكل خطراً لا سيما في هذه الجبهات التي تكافح فيها الاحتلال الأثيوبي.
وعلى كلٍ فالجهاد في سبيل الله قائم هناك، ولكنه يفقد المال، بل يفقد لقمة العيش الضرورية، بل إن الأريتريين الذين يزيدون على مليون مسلم يعيشون الآن داخل السودان يموت عدد منهم جوعاً في هذه الأيام أكثر من أي مجاعة مرت عليهم في تاريخهم، حتى المجاعة التي سمعنا أخبارها منذ سنوات هم الآن يعيشون مجاعة أشد من تلك لأسباب كثيرة، ولعل من أهم أسبابها أحداث الخليج، وغلاء الأسعار هناك، حتى أصبح المسلمون يموتون جوعاً، فهم بحاجة إلى طعام إضافة إلى أنهم بحاجة إلى سلاح يقاتلون به عدوهم.
وعلى كل فإني أدعو المسلمين إلى المساهمة لمساعدة إخوانهم الأريتريين، فهم أحوج ما يكونون إلى المال، لعل الله أن يفتح على أيديهم، ولعلنا نتقي شر تلك المنطقة وما يسمى بالقرن الأفريقي الذي يهدد أمن المنطقة كلها.
стр. 635
واجب المسلمين تجاه المجاهدين في أفغانستان وغيرها
السؤال
مع الأحداث الأخيرة صرفت أذهان كثير من المسلمين -مع الأسف الشديد- عن الجهاد في فلسطين، وعن الجهاد الأفغاني الكبير الذي ما يزال يحاول أن يقتلع الإلحاد من بلاد الأفغان، فنود لو يذكر الناس قليلاً بواقع الجهاد الأفغاني؟
الجواب
حينما نتحدث عن الجهاد في بلد لا نتحدث عنه لأنه الوحيد في الساحة، لا، فالجهاد في أفغانستان لا ننساه ولن ننساه أبداً، والجهاد في فلسطين لا يمكن أن يغيب عن عقولنا، وأيضاً لا ننسى إخواناً لنا في جنوب الفلبين يجاهدون في سبيل الله، كل هؤلاء لا نغفل عنهم ولا ننساهم.
أما الجهاد في أفغانستان فإننا نسمع أخباره -والحمد لله- وهو مرفوع الرأس، حتى لقد كان من الأخبار التي وردتنا أن عدو الله الحاكم في أفغانستان ظلماً وعدواناً يراسل القادة الذين يحيطون بكابل ويقول لهم: أنتم إخواني وأنا أخوكم أصلي وأطبق شعائر الإسلام، فارحمونا فقد أزعجتمونا ودعونا.
فماذا رد الأخ القائد جزاه الله خيراً عليه؟ هل رد عليه يقول: نقتسم البلاد نحن وأنت؟! لا.
وإنما كتب في أسفل خطابه -كما يقول شاهد عيان-: بسم الله الرحمن الرحيم.
من فلان إلى عدو الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] التوقيع: فلان.
وهذا يدل -والحمد لله- على أنه صادر من منطلق قوة، لكن المال هو الذي يسير هذا الجهاد، والحمد لله على أن أكثر من سير الجهاد في أفغانستان هم شباب المملكة العربية السعودية، وهم أكثر الناس شهداء من غير الأفغان في تلك المناطق والحمد لله، وإننا نرجو المزيد من ذلك، وهذا يدل على وعي شباب المملكة العربية السعودية.
إذاً لا بد من المال؛ لأن المال هو الذي يقوم بالجهاد، لا سيما أن أيام الشتاء إذا أقبلت فالثلوج ترتفع في تلك الجبال إلى أمتار من شدة البرودة، وربما تبلغ درجة البرودة إلى عشر أو عشرين درجة تحت الصفر في بعض الأحيان، فمن يستطيع مواجهة ذلك؟! إنهم القوم الذين عاهدوا الله على الجهاد، وهم أيضاً بحاجة إلى شيء من مالنا يتقون به البرد والعدو، والله المستعان.
стр. 636
كيف حافظ الإسلام على الفضيلة وحارب الرذيلة
لقد دعا ديننا إلى الفضيلة، وأرشد إليها، وحث عليها، ومدح أصحابها، وحارب الرذيلة، وحذر منها، وشنع على مرتكبيها، فإن داعي الفطر السليمة، والنفوس المستقيمة يدعو إلى الفضائل والمكارم، ويكره الرذائل ووسائلها وما يؤدي إليها، لذلك فديننا يوافق الفطر الصافية.
فعلى المسلم أن يحذر من الوقوع في الرذيلة ومن نشرها، لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة، بل عليه أن يتحلى بالفضائل، وينشرها في الخافقين.
стр. 637
مجمل الاحتياطات التي وضعها الإسلام لمحاربة الرذيلة
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله ﷺ وبارك، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: أحبتي في الله! القرآن هو منهج الحياة، والأمة في العصور الماضية ما كانت تفكر أن هناك نظاماً سوف ينافس القرآن، ونحن الآن نتأكد أنه لن ينافس القرآن شيء، لكن ظن أعداء الإسلام أنهم سوف ينافسون القرآن وينازعونه بأنظمتهم وقوانينهم ولكن يأبى الله إلا أن تتعقد الحياة ويختلط الحابل بالنابل حتى يعود الناس إلى كتاب الله جملة واحدة قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٩] أي: في جميع شرائع الإسلام.
ولذلك لا تعجبوا يا إخوتي! وأنتم ترون العالم اليوم وقد أمسك بالزناد ينتظر حروباً دامية، بل لا تكاد تسمع أخبار العالم عبر الأثير إلا وتسمع المجازر والمذابح، هذا ليس غريباً؛ لأن الناس إذا أعرضوا عن كتاب الله سوف يحدث أكثر من ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] وبالمفهوم من أعرض عن هدى الله فعليهم الخوف وعليهم الحزن.
وفي آية أخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٣٢ - ١٢٤].
يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة:١٣٧] (فَإِنْ آمَنُوا) أي: العالم (بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ) أيها المسلمون (فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) ولذلك يحاول الغرب عبثاً أن يقودوا هذا العالم على غير عقيدة، وعلى غير منهج من عند الله، ويأبى الله ذلك حتى يعود الناس كلهم إلى كتاب الله وإلى تشريعه.
ليعلم الناس أجمعون وليبلغ الذين يسمعون من لا يسمعون أن هذه الأمة لا تتفق إلا على منهج صحيح؛ ولذلك هنا في بلدنا هذه لها من الأمن بمقدار ما تطبق من شرع الله، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] كما أنها لو تخلفت ولم تطبق شرع الله فسيكون نصيبها من ضياع الأمن ووجود شيء من الفوضى، فلينتبه الغافل وليعلم الجاهل.
أيها الإخوة: الحلقة التي اخترناها في هذه الليلة هي: كيف حافظ الإسلام على الفضيلة وحارب الرذيلة، ولذلك اخترت لكم النصف الأول من سورة النور؛ لأن سورة النور سورة عظيمة جداً وكل القرآن عظيم، لكن لفت القرآن نظرنا إلى عظمة سورة النور، فبدأها بقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١] وكان هذا اللفت للنظر يثير الانتباه، بحيث يجب على المسلمين أن يقرءوا سورة النور، ولربما يكون في سورة النور شيء يجرح المجرمين، لكنه في الحقيقة يصلح المجتمع، ولذلك فسورة النور في نصفها الأول تحارب الرذيلة التي لها دعاة في أيامنا الحاضرة، لكنهم لا يقولون: نحن نريد الرذيلة ونريد أن ينتشر الزنا في المجتمع، وهم في الحقيقة إنما يريدون ذلك؛ لأنهم حينما يكثرون علينا في أمر المرأة، المرأة، المرأة، والله ما يريدون خيراً للمرأة، وإنما يريدون للمرأة أن تفسد فيفسد المجتمع، فتخف وطأة الطريق الطويلة التي يبحثون فيها عن الفاحشة، فتكون هذه المرأة في متناول أيديهم، ولكن يأبى الله إلا أن تبقى هذه الأمة -لاسيما في جزيرة العرب منشأ الإسلام- آمنة مطمئنة محافظة على دينها وأخلاقها، رغم أنوف هؤلاء الحاقدين.
اخترت لكم النصف الأول من سورة النور والعجيب أن هذا النصف بدأ بما يلفت النظر وختم بمثل ذلك، فأول آية فيها: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] وآخر آية في هذا النصف: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤].
هذه السورة كلها مدنية، ونصفها الأول يركز على موضوع واحد وهو موضوع الأخلاق والفضائل واحترام المرأة ومحاربة الزنا، وإقرار قواعد الفضيلة ومحاربة الرذيلة، فيقول الله في مطلع هذه السورة: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا).
ثم يبين أسساً تكفي لحماية أي مجتمع من العابثين الذين يريدون أن تشيع فيهم الفاحشة، فأول آية بعد هذه الآية قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].
إذاً: هي ركزت على محاربة الزنا، وأول احتياط جاء في هذه السورة هو الحد، وسميت الحدود حدوداً لأنها حواجز أمام النفس البشرية تمنع من الوقوع في الفاحشة؛ لأن النفوس البشرية في طبيعتها تهوى هذا الأمر؛ لأن الشهوات قد ركب عليها الإنسان وكذلك كل مخلوقات الله تعالى الحية ركبت على هذه الشهوة، ولا بد من حماية جانب الأخلاق ما دامت هذه الشهوات موجودة.
إن إقامة الحدود أمر عظيم، وما حصل في العالم الإسلامي اليوم من خلل فإن أكبر أسبابه تعطيل هذه الحدود، تراهم يتعاطفون مع المجرم ويقولون: إن تطبيق الحدود من قطع يد السارق، ورجم الزاني، وقتل القاتل، فيها قسوة ووحشية، أهذه هي الوحشية.
أم الوحشية العبث في أخلاق الناس وفي أموال الناس وفي أمن الناس وفي أعراضهم؟! الأخيرة هي الوحشية حقيقة، يقول الرسول ﷺ : (حد يقام في الأرض خير لها من أن تمطر أربعين خريفاً).
إذاً: الاحتياط الأول: هو الحد: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).
الاحتياط الثاني: هو المحافظة على سمعة المجتمع بحيث يصبح هذا المجتمع لا يتحدث فيه عن الرذيلة، لأن الحديث عن الرذيلة يخفف وطأة الجريمة على الإنسان، ولم تعد كلمة الزنا تصك الآذان؛ لأنها أصبحت مبذولة وأصبحت سهلة مألوفة لدى الناس، لذلك جاء الاحتياط الثاني: وهو حد القذف، قال : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].
الاحتياط الثالث: في جانب الاختلاط، ولذلك لا تعجبوا يا إخوتي حينما جاء أعداء الإسلام ونشروا الاختلاط في الجامعة وفي المدرسة وفي السوق وفي المكتب وفي كل شيء؛ لأنهم يعلمون أن هذا تمهيد للفاحشة.
أما الإسلام فقد حارب الاختلاط كما في قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].
الاحتياط الرابع: هو غض البصر؛ لأن النظرة سهم مسموم كما أخبر الله في الحديث القدسي بقوله: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركه من أجلي، أبدلته إيماناً يجد لذته في قلبه).
الاحتياط الخامس: الزواج، الذي يدعو إلى هجره كثير من أعداء الإسلام، ويقولون: العشق خير من الزواج، وهنا كلمة عند الإنجليز متداولة عند بعض شباب المسلمين: إذا كان اللبن يباع في الأسواق فلا حاجة إلى أن تشتري بقرة، يقولون هذا بلغتهم الخاصة.
إذاً: لا حاجة إلى الزواج ما دمت تستطيع أن تشبع هذه الرغبة من غير زوجة ترتبط بها وترتبط بك، وتطالبك بالنفقة وغيرها من التكاليف، وربما تنجب لك أولاداً وهؤلاء الأولاد يكلفونك تكاليف كثيرة لا حاجة إليها، يقولون ذلك من أجل أن ينشروا الجريمة في المجتمع.
أما الإسلام فقد ركز على هذه الأمور الخمسة وهي التي ستكون إن شاء الله موضوع حديثنا في هذه الليلة، مع مراعاة بعض الألفاظ اللغوية أو بعض الألفاظ النحوية التي تعرض لنا في هذه الآيات، وكذلك بعض الأحكام مع إشارة يسيرة إلى بعض الخلافات التي ربما نضطر إليها لتوضيح أمر من الأمور، التي أصبحت مثار جدل ككشف الوجه والكفين وما أشبه ذلك من الأمور التي يناقش فيها طائفة من الناس اليوم، وهم لا يريدون الوجه والكفين حقيقة، وإنما يريدون أن تتفسخ المرأة، لكنهم يبدءون بالوجه والكفين، ولذلك هم يقولون: إن كشف الوجه والكفين جاء به القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] كما سيأتينا إن شاء الله في الآية، وهؤلاء لو كانوا يقفون عند حد الوجه والكفين لكان الأمر معقولاً؛ لأن هذا الرأي قديم لبعض العلماء، لكن هم يريدون أن يكون هذا مدخلاً للتفسخ؛ لأن كشف الوجه يعتبر إزالة للحياء من وجه المرأة، فإذا كشفت الوجه تفعل ما تشاء.
стр. 638
حماية الفضيلة ومحاربة الرذيلة بتشريع حد الزنا
يقول الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١].
(سورة): خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه سورة.
والسورة مأخوذة إما من السوار، وهو ما يحيط باليد، أو من السور وهو الجدار المرتفع؛ لأن كل سورة من القرآن أحيطت بسور منيع من أولها إلى آخرها، فهي كالسور المنيع الذي يلتجئ إليه الخائف.
قوله تعالى: (أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) نفهم منها: أن القرآن منزل غير مخلوق، خلاف ما يقوله المبتدعة الذين أحدثوا في دين الله تعالى.
أما الفرض فمعناه في اللغة: القطع أي: قطعنا بها، والمراد بقوله: (وفرضناها) أي: ألزمنا المسلمين بها إلزاماً مع أن القرآن كله ملزم، لكن لما كانت هذه السورة تحمل أهمية خاصة في حياة الأمم وفي شرف الأمم، قال الله تعالى: (وَفَرَضْنَاهَا).
قوله: (وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) والمراد بالآيات البينات ما سنذكره إن شاء الله من الأحكام والأخلاق والفضائل في النصف الأول من هذه السورة، أو ما يأتي في آخر السورة من الآيات الكونية التي وضعها الله في هذا الكون، لتكون علامة على قدرة الله ووحدانيته تعالى.
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (لعل) أصلها للترجي في لغة العرب، لكن إذا جاءت من الله فليست للترجي وإنما هي للتوقع، أي: يتوقع تذكركم إذا قرأتم هذه السورة وعملتم بها؛ لأن الترجي لا يكون إلا من الأدنى إلى الأعلى، أما من الله فإنه لا يترجى وإنما يفرض أمره فرضاً، ولذلك يكون (لعل) هنا بمعنى اللام: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي: لتتذكروا.
بدأت الأحكام في هذه السورة بقوله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] هنا شيء يلفت النظر في هذه الآية، لا تجد آية في القرآن ولا حديثاً من أحاديث الرسول ﷺ بدأ بالمرأة وإنما يبدأ بالرجل؛ يقول الله تعالى: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، ويقول سبحانه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] وليس معنى ذلك أن المرأة محتقرة، لكن هما شيئان أحدهما أفضل من الآخر، ويبدأ بالأفضل، ولذلك جاءت هذه الآية على خلاف المعروف في آيات القرآن العظيم، حيث بدأ بالمرأة ولم يبدأ بالرجل فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) مع أننا نجد في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:٣٨] فلماذا بدأ بالمرأة؟ لأن المرأة عندها من الدوافع إلى الزنا أكثر مما عند الرجل، لكن من نعمة الله أن جعل المرأة لا تتحرك إلا إذا حركت، كما أن المرأة عندها من القدرة على نشر الفاحشة في المجتمع أكثر من قدرة الرجل، لو أن واحداً من الناس فسدت أخلاقه نعوذ بالله، وانحط في المجتمع، فإنه يفسد فرد وحده، لكن تصوروا امرأة واحدة لو فسدت في أمة لأفسدت أمة بأكملها، لو امرأة خرجت متبرجة في أكبر سوق من أسواق مدينة ما، فإنها ستفتن دين أمم ورجال كثيرين.
ولذلك قدمت المرأة على الرجل إشارة إلى أن عرض المرأة حساس، فهي إن وقعت في هذه الفاحشة نعوذ بالله سوف تدخل أولاداً على زوجها إن كان لها زوج ليسوا منه، وتدخل على مجتمعها وعلى بيتها أولاداً ليسوا شرعيين، لا تجد من يتزوجها إذا عرف أنها وقعت ذات يوم في فاحشة، بخلاف الرجل قد يُنسى أمره؛ ولذلك قدم الله تعالى المرأة على الرجل هنا من أجل أن يعلم الناس حساسية عرض المرأة، فهو أكثر حساسية من الرجل وأكثر خطورة من الرجل.
الرجل يمكن أن يفسد امرأة أو امرأتين لكن المرأة باستطاعتها أن تفسد آلاف الرجال معها.
والزنا في الشرع معناه: هو الوطء في فرج حرام، هذا يسمى زنا.
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) والجلد معناه: ضرب الجلد، ومائة جلدة هذا حكم خاص بالزاني غير المحصن؛ لأن الزاني في شرع الله على نوعين: محصن، وغير محصن.
فالمحصن هو الذي تزوج ووطأ زوجته التي يوطأ مثلها بنكاح صحيح، وهما بالغان عاقلان حران.
أما غير المحصن فهو الذي لم تتوافر فيه هذه الشروط، والمحصن يرجم بعد أن يجلد، وغير المحصن يجلد مائة جلدة ويغرب سنة، هذا شرع الله في حكم الزاني المحصن وغير المحصن، مع اختلاف بين العلماء في الجلد قبل الرجم.
أما بالنسبة للجلد والتغريب فهذا ورد في الشرع بأدلة كثيرة، وبعض العلماء يرى أن سجن المرأة لمدة سنة يكفي عن التغريب، المهم أن تغيب عن المجتمع التي فعلت فيه هذه الفاحشة.
قوله تعالى: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) هذا خطاب للحكام وللقضاة ولعامة الناس، ولذلك يا أخي! إذا مررت بامرأة تجلد أو رجل يجلد؛ بسبب الزنا فلا تجعل الرحمة في قلبك وتقول: والله هذا مسكين، أو هذه مسكينة، فتخالف أمر الله ، ولكن قل: هذا شرع الله الذي يطهر المجتمع، كما أن هذه الرأفة والرحمة لا يجوز أن تأخذ القضاة أو الحكام إلى أن يتساهلوا في تنفيذ هذه العقوبات.
والرأفة معناها: الرحمة والرقة، مع أن الله أمر المؤمنين دائماً وأبداً بالرحمة، لكن في باب الحدود لو طبقت هذه الرحمة لعطلت الحدود؛ ولذلك أصحاب القوانين الوضعية -قاتلهم الله أنى يؤفكون- في أيامنا الحاضرة يظهرون العطف على المجرم ويقولون: شهوة واحدة صغيرة في لحظة نرجم بسببها إنساناً أو نجلده مائة جلدة، هذه عقوبات قاسية، يسمونها العقوبات البشعة، وكأنهم أرحم من الله الذي يعلم ما يصلح البشر.
والحقيقة أنهم كاذبون فليست هذه رحمة، وإنما هذا تفلت من حكم الله ؛ لأنهم ابتلوا بهذه الجرائم بأنفسهم.
قوله تعالى: (إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) هذا خطاب للمؤمنين، وهذا لإثارة الإيمان في النفس أي: إن كنت مؤمناً فلا تتعاطف مع أهل الرذيلة، كما تقول لفلان: إن كنت رجلاً فافعل كذا، تريد أن تثير حمية الرجولة في نفسه.
أيضاً عقوبة أخرى يقول : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] لا يكون الجلد داخل مكتب الشرطة، ولا يكون داخل مركز الهيئة، وإنما يجب أن يكون على مرأى من الناس؛ لأن الفضيحة التي يشعر بها صاحب الجريمة يجدها في نفسه أشد من الجلد؛ والستر مطلوب دائما وأبداً، لكن إذا بلغت الحدود السلطان فلا يصلح الستر ما يقال: هذا ابن فلان أو ابن الأكرمين، أو ابن الرجال أو ابن الملوك أو ابن الأمراء يجلد داخل مكان كذا، بل يجب أن يكون على مرأى من الناس، ولا بد أن تشهد هذه العقوبة.
قوله: (طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: من المسلمين المطبقين لأوامر الله ؛ لأجل أن يشعر هذا بالفضيحة فيرتدع، ومن أجل أن يرتدع من يرى هذه الحدود وهي تقام.
وإقامة الحدود تقر عيون المؤمنين دائماً وأبداً، ولذلك يجب أن يشهد هذه العقوبة طائفة من المؤمنين.
أمر الحدود انتهينا منه في هذه الآية، أي: استقر الأمر أن يرجم الزاني إذا ثبت الزنا وكان محصناً، أو يجلد مائة جلدة إن لم يكن محصناً.
يا إخوتي! لا تظنوا أن الإسلام حينما يشرع هذه الحدود إنما يقيم مجازر، فالإسلام الذي وضع هذه العقوبة شدد في أمر ثبوت الزنا، ولذلك فإن الزنا في تاريخ الإسلام الطويل منذ أن نزلت هذه السورة إلى يومنا هذا ما ثبت بالشهادة، مستحيل أن يثبت بالشهادة؛ لأن الشهادة ليست في حد الزنا أن يرى الرجل على المرأة، وإنما هي أن يرى ذكره في فرجها عياناً، وأن يراه أربعة، حتى لو رآه واحد أو اثنان أو ثلاثة لا تقبل شهادتهم، بل لا بد من أن يكونوا أربعة شهود.
إذاً معنى ذلك: أن حد الزنا لم يثبت بالشهادة وإنما ثبت بالاعتراف، أو بالتهمة، والتهمة لا تأخذ حكم الحدود وإنما تأخذ حكم التعزير، كما يفعله القضاة والحكام من وضع عقوبات للزناة في أيامنا الحاضرة، إما أن يكون تعزيراً على تهمة أن فلاناً وجدت عنده فلانة في بيته، وهذه مظنة الزنا، لكن لا يقام عليه الحد، وإنما يعزر تعزيراً بحيث ينقص عن مقدار الحد، ولكن يجوز للقضاة والحكام التعزير وليس له حد محدد.
وإما أن يعترف الزاني، وهذا لم يثبت إلا نادراً في تاريخ الإسلام كما حدث في عهد الرسول ﷺ ثلاث مرات: قصة ماعز ﵁.
وقصة المرأة الغامدية.
وقصة الرجل الذي قال: (يا رسول الله! إن ابني هذا كان عسيفاً عند فلان فزنى بامرأته)، وقد حكم الرسول ﷺ ؛ لكن بعد أن اعترفت المرأة واعترف الرجل.
إذاً: لم يثبت الزنا إلا بطريق الاعتراف؛ لأن الاحتياطات التي وضعت في طريق هذه الحدود عظيمة وشديدة، حتى قال العلماء: لو اعترف الإنسان بالزنا ثم تراجع عن اعترافه يترك ولو بدأنا في رجمه أو جلده؛ لأنه جاء في قصة ماعز ﵁ أنه لما جاء فاعترف، وأمر الرسول ﷺ بأن يرجم، فلما بدءوا يرجمونه أوجعته الحجارة فهرب فقضوا عليه، فقال الرسول ﷺ : (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه)؛ لأنه جاء معترفاً، فهنا تراجع عن اعترافه.
قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] هذه جاءت بين حد الزنا وحد القذف، هذه الآية لها سبب في نزولها، وهو (أن امرأة تدعى أم مهزول كانت مشهورة عند الناس بالزنا نعوذ بالله، فجاء رجل من المسلمين ليخطبها، فاستشار الرسول ﷺ ، فنهاه عن نكاحها، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)).
فلا يجوز أن يتزوج امرأة عفيفة وهو ما زال مكباً ومصراً على الزنا حتى يتوب، فلا يجوز له أن يتزوج إلا امرأة زانية مثله مشهورة بالزنا،
стр. 639
حماية الفضيلة ومحاربة الرذيلة بتشريع حد القذف
بعض الناس عنده غيرة، ولا يلام على هذه الغيرة، لكن قد تصل هذه الغيرة إلى القذف بدون دليل، وهذا أمر خطير لا يقل خطورة عن أمر الزنا، كأن يقول: إن فلانة زنت، أو فلاناً زنى، وليس عنده دليل، فالله تعالى وضع عقوبة للقاذف تساوي عقوبة الزاني سوى عشرين جلدة فقط.
إذاً: القاذف عقوبته ثمانون جلدة، والزاني مائة جلدة، بل قد تكون عقوبة القاذفين مضاعفة لو أن ثلاثة شهدوا أن فلاناً زنى وليس عندهم رابع يشهد، في هذه الحالة كل واحد منهم يجلد ثمانين جلدة، يكون المجموع مائتين وأربعين جلدة على هؤلاء الثلاثة، أكثر من عقوبة الزاني بما يساوي مرتين ونصف.
إذا: ً حتى لا تنطلق الألسن بالحديث في الأعراض بدون بينة، وضع الله تعالى عقوبة القاذف بجوار عقوبة الزاني، ووضع عقوبة يقارب مقدارها مقدار عقوبة الزاني.
القذف معناه: الرمي، والمراد به هنا القذف بالزنا نعوذ بالله، والقذف من أكبر المعاصي عند الله ؛ لأن الله وضع له حداً، والكبيرة هي التي لها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة.
حرم القذف لأسباب كثيرة: السبب الأول: أنه ينفر الناس من المرأة التي قذفت، بحيث لا أحد يتزوجها في يوم من الأيام؛ ولذلك شدد الله تعالى في هذا الأمر وخص المرأة بذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤] مع أن الرمي للمحصنات وللمحصنين الرجال على حد سواء كله محرم وكل فيه حد.
إن إشاعة الفاحشة في المجتمع تسهل الجريمة، فلو بدأ الناس يتحدثون: فلان زان، وفلانة زانية، يصبح الحديث عن الزنا أمراً ميسوراً، ولذلك فإن المسرحيات التي تنشر الآن أمام المسلمين في التلفاز وفي الإذاعة خطيرة جداً؛ لأنها تأتي بكلمات كلها عشق وغرام، ولأنها تمهد السبيل للفاحشة، لا سيما حينما تظهر الصورة وفيها رجل مختلط بامرأة، وأسوأ من ذلك ظهرت الصورة لرجل من الصالحين أو من التابعين وبجواره زوجته سافرة تختلط بالرجال، فهذا تشويه لتاريخ الإسلام، إضافة إلى أن فيه إشاعة للفاحشة فهو لا يقل جريمة عن القذف، وكذلك الحديث في المسلسلات التي تنتشر اليوم في بيوت الناس وفي أسواق الناس عبر وسائل الإعلام الحديثة، كلها في الحقيقة تمهد السبيل للجريمة، فالذي شرع الحد لمن يقذف امرأة محصنة، هو أيضاً يعاقب هؤلاء الذين ينشرون الفاحشة ويريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) المحصن هو العفيف، والمحصنات هن العفيفات، لماذا سمي الرجل العفيف محصناً، وسميت المرأة العفيفة محصنة؟ كأنهم ركبوا حصاناً، والجندي إذا ركب الحصان صعب قتله، أو دخل في حصن فإذا دخل في حصن صعب قتله، وهي محصنة عفيفة محاطة بسياج منيع من حفظ الله ، ومع ذلك يقال: إنها زانية، إذاً: هذا خطير، فالله تعالى جعل عقوبة لمن يرمي المحصنة أو يرمي المحصن.
الله ذكر هنا المرأة ولم يذكر الرجل أبداً، ما قال: والذين يرمون المحصنات والمحصنين، وإنما قال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) دخل الرجل بطريق القياس والتبعية؛ لأن الرمي بالنسبة للمرأة أخطر من الرجل، لو قال واحد: بنت فلان زانية، لا يمكن لواحد من الناس أن يفكر بالزواج من هذه يوماً من الأيام، ولا يمكن لأي واحد من الناس أن يستعيد الثقة في هذه المرأة، لكن لو قال: فلان زان، قد ينسى عبر الأيام وكل الناس يزوجونه.
إذاً ذكر الله تعالى المحصنات وجعل الرجل تابعاً للمرأة في هذا الحكم؛ لأن حساسية وشفافية عرض المرأة أهم وأشد من عرض الرجل.
قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) أي: لابد من أربعة شهود، فلو جاء شخص وقال: رأيت بنت فلان تزني نعوذ بالله، نقول: بقي ثلاثة يشهدون مثل شهادتك، وإلا تجلد أنت حد القذف، ويروى: (أن عمر بن الخطاب ﵁ جاءه ثلاثة فشهدوا على فلان من الناس بالزنا، فقال: إما أن تأتوا برابع وإما أن أجلد كل واحد منكم ثمانين جلدة، وقرأ عليهم هذه الآية).
ولكن ليس معنى ذلك يا إخوان أننا إذا رأينا الفاحشة في بيت من بيوت الناس نعوذ بالله، أو في بؤرة فساد أن نتركها تقديراً لهذا، ولا نقول: في هذا البيت فلانة زنت أو فلان زنى، وإنما نقول: في هذا البيت شبهة، وندعو الصالحين وأصحاب الحل والعقد والمسئولين ونقول: تفضلوا هذا البيت تدور حوله شبهة، وحينئذ نستطيع أن نوفق بين هذه الآية الكريمة وبين الواقع الذي أصبح كثير من الناس يتحاشى أن يكشف بؤرة فساد تفسد المجتمع؛ خوفاً من أن يقع في وعيد هذه الآية، فلو قال: هذا البيت مشبوه، فهو غير قوله: فلان من الناس زنى.
إذاً: يجب على كل واحد من الناس إذا شك في سلامة بيت من بيوت المسلمين، أن يدعو السلطة والمسئولين وأصحاب الحل والعقد، من أجل أن يكتشفوا بؤرة الفساد التي يتوقعها داخل هذا البيت، لكن عليه أن يتثبت وعليه أن يتأنى في هذا الأمر، وإذا تأكد من صحة هذا الأمر فيجب على السلطة أن تتعاون معه، ولكن حينما تتهاون السلطة في مثل هذا الموضوع تعتبر خائنة لهذه الأمانة التي استرعاها الله عليها.
يقول الله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) يعني: اضربوا كل واحد منهم ثمانين جلدة وليس كلهم تقسم عليهم ثمانين جلدة.
قوله: ﴿اجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤]، انظر يا أخي! الزنا فيه عقوبة واحدة، لكن إشاعة الفاحشة في المجتمع فيه ثلاث عقوبات: الأولى: جلد كالزنا.
الثانية: إسقاط الشهادة: (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا).
(أبداً) هنا ظرف زمان أي: مدى الحياة إلا في حالة واحدة، إذا ظهر أنه تاب من هذا الذنب الذي عمله، فإنه تقبل شهادته.
الثالثة: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] أي: يعتبر من الفاسقين، يقال: الذي شهد على فلانة أو فلان بالزنا وهو ليس بصادق أو لم يثبت على ذلك يسمى فاسقاً في المجتمع.
والفاسق هو المتمرد على طاعة الله عز جل.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:٥]، فإذا تاب الإنسان قبلت شهادته، وانتفى عنه وصف الفسق، لكن لا يسقط حد القذف أبداً ولو تاب الإنسان؛ لأن حد القذف لله وللإنسان المقذوف، ويغلب فيه جانب حق الله فلا يسقط.
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) (تابوا) أي: بعد الفسق.
(وأصلحوا) أي: ظهرت علامات الإصلاح والتوبة، لكن لو قال: أنا تائب، لا نقبل توبته حتى نعرف أنه أصلح العمل، وأنه غير المنهج في قذف الناس بغير حق.
(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تبين لنا أنه لا يسقط حد القذف وإنما يسقط رد الشهادة والفسق؛ لأن مغفرة الله للأمور المعنوية، والأمور المعنوية هي الفسق وسقوط الشهادة، أما بالنسبة للحق المشترك بين الله وبين الإنسان وهو الجلد، فهذا لا يسقط بأي حال من الأحوال.
стр. 640
حماية الفضيلة ومحاربة الرذيلة بتشريع حكم الملاعنة
يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] عندما نزلت الآية السابقة شق ذلك على بعض المسلمين وخصوصاً الزوج، لو أن واحداً ابتلي بزوجة زانية؛ كأن وجد عند زوجته رجلاً في بيته وفي فراشه، ماذا يعمل؟ هل يصبر حتى يأتي بأربعة شهداء؟! ومن يستطيع ذلك؟ لأن الغيرة في قلب المؤمن لا تمهله حتى يأتي بأربعة شهداء.
لما نزلت الآية السابقة جاء هلال بن أمية يخبر أنه وجد عند امرأته رجلاً، فقال له رسول الله: البينة أو حد في ظهرك! ثم نزلت الآية.
من رحمة الله أنه استثنى الزوج مع زوجته، لا حاجة إلى أربعة شهداء وإنما يأتي أمر آخر يسمى حد اللعان أو الملاعنة.
حد الملاعنة هذا استثني من حد القذف، فحد القذف حكم ثابت إلى يوم القيامة، ولا يستثنى منه إلا من وجد عند زوجته رجلاً أو اتهم زوجته بالفاحشة نعوذ بالله، الله تعالى سامحه عن الشهود الأربعة، وطالبه بأربعة أيمان بدل الأربعة الشهود، فلا بد أن يشهد أربع مرات أمام القاضي ويسميها: والله إنها لزانية، والله إنها لزانية، والله إنها لزانية، والله إنها لزانية أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله علي إن كنت كاذباً فيما رميتها به.
إذا قال هذا الكلام فلا حاجة إلى أربعة شهود؛ لأن الله تعالى خفف على الزوج في قذف زوجته، خصوصاً إذا كان هناك ولد وهو يشك هل هذا الولد له أو ليس له؟ فهو يكره أن يدخل ولداً في بيته وفي أسرته ومع أولاده وليس من أولاده، وإن كان الحكم الشرعي (الولد للفراش)، لكن هو لا يريد أن يدخل هذا الولد في بيته ولا في أسرته.
والمرأة إذا سكتت فإنه يقام عليها الحد، ولكن لها مخرج من الحد أن تشهد أربع مرات: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، ثم تقول في الخامسة: غضب الله علي إن كان صادقاً.
هذا يسمى في حكم الشرع باللعان أو بالملاعنة.
إذاً: خفف الله تعالى عن هذه الأمة فاستثنى الأزواج مع زوجاتهم في هذا الحكم ويسمى حكم الملاعنة.
يقول الله تعالى عنه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ) (أنفسهم) هنا بالرفع بدل من شهداء لأن (إلا) هنا ملغاة تقدم عليها النفي.
(فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ) أي: يمين الزوج ضد زوجته يكفي بدل الشهادة.
وسماها الله تعالى شهادة مع أنها يمين؛ لأنها حلت محل الشهادة، ومحل أربعة شهود يشهدون بذلك.
(أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) أي: يقول: أشهد بالله إنها فعلت كذا وإني صادق فيما رميتها به من الزنا.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧] معطوف على ما قبله وهو قوله: (أربع) (والخامسة) وهي مرفوعة، أي: ويشهد الخامسة ويقول: لعنة الله علي إن كنت كاذباً، أو (والخامسةُ) هنا على الاستئناف.
قوله: (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) أي: فيما رماها به من الزنا.
إذا قال هذا الكلام سلم من الحد، ويفرق بينه وبين هذه الزوجة، وله أن ينفي الولد؛ لأنه رأى رجلاً يزني بها في يوم من الأيام، أو أنها حملت بحمل يتبرأ منه بهذه الأيمان الأربعة التي أشهد الله تعالى عليها، ودعا على نفسه باللعنة في الخامسة إن كان كاذباً، ويقام عليها الحد إلا إذا شهدت هي أربع شهادات مثله كما سيأتينا.
قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٨] (ويدرأ) أي: يدفع ويزيل، والمراد بالعذاب هنا حد الزنا، أي: ويدفع الله عنها حد الزنا بشهادتها أربع مرات بأن تقول: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، أربع مرات.
قوله تعالى: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ) أي: يدفع عن هذه المرأة المرمية بالزنا الرجم؛ لأنها محصنة.
(أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) أي: تشهد أربع شهادات حتى يدفع عنها الحد، وإلا فإن الحد لا بد من أن يقام عليها.
(أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) تقول: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، ثم تكمل الخامسة.
قال الله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩] (والخامسة) هنا منصوبة معطوفة على (أربع شهادات).
(وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا) والغضب أشد من اللعنة، لماذا كان هنا الغضب وكانت هناك اللعنة؛ لأن زنا المرأة أخطر من زنا الرجل؛ ولأن الحد الذي سوف يدفع عن المرأة أشد من الحد الذي سيندفع عن الرجل؛ ولذلك جاءت اللعنة وهي الطرد من رحمة الله بالنسبة للرجل، وجاء أشد من ذلك وهو الغضب إن كانت كاذبة فيما شهدت به.
(وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) إذا قالت هذا الكلام يفرق بينهما، ويجب على القاضي في مثل هذه الحالة أن يخوفهما بالله، ويبين لهما أن عذاب الدنيا أسهل من عذاب الآخرة، ويقول للزوج: لا حاجة إلى أن تلاعنها يا أخي؛ لأنك لو لاعنتها وأنت كاذب سوف تحل عليك لعنة الله.
وكذلك المرأة لو كانت كاذبة فسوف يحل عليها الغضب.
يقول الله ﵎ بعد ذلك في ختام آيات الملاعنة: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٠].
أي: أن الله تعالى برحمته هو الذي شرع حد اللعان؛ ليكون تخفيفاً على الأزواج.
(لولا) هنا حرف امتناع لوجود (فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) وجوابه محذوف، أي: لعاقبكم ولم يسامحكم أيها الأزواج ويعطكم هذه المسامحة التي لم يعطها عامة الناس.
стр. 641
حادثة الإفك ووجه تعلقها بالقذف والدروس المستفادة منها
قصة الإفك هي نوع من القذف، وأنواع القذف ثلاثة: الأول: قذف عام، قذف المرأة والرجل.
الثاني: قذف الزوجة من قبل الزوج وعرفنا حكمه.
الثالث: هو أخطر أنواع القذف كلها، وهو قذف زوجة من زوجات الرسول ﷺ ؛ لأن ذلك يؤدي إلى عذاب عظيم، ولذلك تجدون في قصة قذف زوجة الرسول ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] هذا في الدنيا أما في الآخرة: فقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤].
قصة قذف عائشة ﵂ استغلها بعض المنافقين، كما يستغل الآن المنافقون الفرص من أجل أن يدخلوا في المجتمعات ليشوهوها، ففي غزوة بني المصطلق وتسمى أيضاً غزوة المريسيع، والنبي ﷺ كان قد خرج بـ عائشة معه، وهو راجع من هذه الغزوة، في آخر مرحلة من مراحل الطريق نزل الرسول ﷺ هو والجيش في الليل، وعرسوا -أي: ناموا في الليل- فلما كان الصباح وكانت عائشة ﵂ تحمل في هودج ذهبت لقضاء حاجتها، ثم رجعت ورأوها رجعت، ولكنها لما رجعت وجدت أنها فقدت عقدها، فرجعت تبحث عنه، فحملوا الهودج ووضعوه على البعير وهم يظنون أن عائشة ﵂ موجودة فيه، ومشت القافلة وعائشة ليست معهم في القافلة، رجعت عائشة ﵂ ووجدت القوم قد رحلوا، فقالت: حسبي الله ونعم الوكيل، وعرفت أنها فتنة حصلت.
كان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ يسير وراء القافلة في المؤخرة، فرأى سواداً، فنظر فإذا هي زوجة الرسول ﷺ فاسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوج رسول الله ﷺ ، ونزل عن بعيره وركبت، وصار يقود البعير أمامها حتى لحق بالقوم، فاتخذها المنافقون فرصة ليطعنوا في عرض رسول الله ﷺ ، وتولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول لعنة الله عليه رأس المنافقين، وشاركه في ذلك بعض المؤمنين جهلاً، فقالوا: إنها تواعدت مع صفوان بن المعطل السلمي وتأخرت للفاحشة، وانتشر ذلك نعوذ بالله في المدينة، وما علمت عائشة إلا مؤخراً، والرسول ﷺ سمع الكلام فاعتزل عائشة ﵂، حتى أنزل الله هذه الآيات براءة لها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] إلى آخر الآيات)، ويمكن أن نمر عليها بسرعة.
والمراد بالإفك هو: أشد أنواع الكذب، والعصبة هي الجماعة، وقوله تعالى: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) الخطاب لـ عائشة ولأبيها وللمسلمين، أي: هذه القصة وإن كانت شوهت عائشة في الظاهر، لكن فيها خير وهذا الخير رآه المسلمون بعد ذلك، ألا وهو انكشاف أهل النفاق كـ عبد الله بن أبي وجماعته.
وأيضاً نزلت براءة عائشة ﵂، ونزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وثبت الله المؤمنين، وعلمهم كيف يتعاملون مع الرسول ﷺ ، وحصل خير كثير من هذه القصة، فالله تعالى يقول: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: فيه خير وإن كان في الظاهر شراً، وقد يكره الإنسان أمراً من الأمور ويكون له في هذا الأمر خير.
ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ) أي: من المؤمنين.
قوله: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ) الذي هو عبد الله بن أبي الذي أشاع الفاحشة (له عذاب عظيم).
ثم علم الله تعالى المؤمنين في مثل هذه الحال بقوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] أي: إذا رأيتم رجلاً صالحاً يقذف أو امرأة صالحة تقذف فلا تصدقوا، لاسيما إذا كانت زوجة رسول الله ﷺ ، فكيف يقع الزنا في بيت رسول الله ﷺ ؟! هذا مستحيل.
(ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) أي: كما قال بعض الصحابة لزوجته وقالت له: (قالت المرأة: هل سمعت ما قيل في عائشة؟ قال: نعم سمعت، فقال لها: هل تفكرين أنت في هذه الفاحشة؟ قالت: لا والله ما أفكر بها، قال: إذاً عائشة أفضل منك).
إذاً: قوله تعالى: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا) أي: كما أنك تظن بنفسك خيراً وبأهلك خيراً، فأولى أن تظن خيراً بزوج رسول الله ﷺ ، ولذلك فإن قذف واحد من المؤمنين يؤثر على سمعة كل المسلمين إذا كان بغير حق.
قال الله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣] أي: هلا جاءوا، مع أنهم لا يستطيعون الإتيان، ولا يمكن أن يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على ذلك، اللهم إلا إذا كانوا شهداء زور كما يزور طائفة من الناس الذين لا دين لهم الشهادة.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤] أي: أن الله تعالى رحمكم، وهذا الكلام الذي نشرتموه لولا أن الله رحمكم لأنزل على الجميع عقوبة، أي: كيف يتهم بيت الرسول ﷺ وفراش الرسول ﷺ ؟! ثم يبين الله لنا موقفنا حينما نسمع الإشاعات الكاذبة عن الصالحين والصالحات يقول الله : ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] وهذا موقف يجب أن يفقهه المسلم أمام أي فتنة من الفتن تشاع، ضد واحد من الصالحين أو واحدة من الصالحات.
يقول الله بعد ذلك: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور:١٧] أي: احذروا، وهذا تحذير للمؤمنين الذين حينما نزلت هذه الآيات تابوا فالله تعالى قبل توبتهم وقال: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ).
стр. 642
عقوبة من يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وضرورة الحذر منهم
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
الذين يريدون أن تخرج المرأة عن الإطار الذي رسمه الله لها، أو كما يزعم طائفة من الناس أنهم يطالبون بحقوق المرأة، وأن المرأة يجب أن تقود السيارة وتزيل الحجاب، فالهدف من وراء ذلك كله هو إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وهدفهم أن تنتشر هذه الفاحشة، وإذا انتشرت هذه الفاحشة هلك الحرث والنسل، يقول الله : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) والمراد بالفاحشة هنا فاحشة الزنا.
قوله: (فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) عذاب الدنيا الجلد؛ لأن القاذف يجلد، وعذاب الآخرة نعوذ بالله شديد لا سيما إذا كان المقذوف زوج رسول الله ﷺ .
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١]؛ لأن الذين بدءوا يصدقون بهذا الإفك، أو يصدقون المروجين للفساد اتبعوا خطوات الشيطان؛ لأن هؤلاء شياطين الإنس، وشياطين الإنس ينثرون الفساد في الأرض وينشرونه، ويمشي وراءهم ويتبع خطواتهم ضعاف الإيمان.
أو شياطين الجن الذين يقذفون هذه الشبهة في المجتمعات وهؤلاء يصدقون.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي: الذي يسير وراء الشيطان في كل صغيرة وكبيرة.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] تصور يا أخي! الذين يريدون أن تشيع الفاحشة اليوم في الناس، والذين يريدون أن تخرج بنات المسلمين فاجرات داعرات منحرفات، هم لا يقولون ذلك بلسان المقال، لكن أرى من خلال تصرفاتهم أنهم يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ لأنهم يريدون أن يخرجوا المرأة المسلمة من إطارها، ويريدون أن ينقضوا على آخر معقل من معاقل الإسلام في جزيرة العرب وفي أرض المقدسات، ولقد ساءهم كثيراً أن فسدت المرأة في الدنيا كلها إلا هنا، فأصبح هناك تركيز كما هو حاصل في الصحف والمجلات كثيراً وكثيراً، يجب أن تكون المرأة كذا، الحجاب كذا، التستر كذا، التقوقع، التخلف إلى غير ذلك من الأمور التي أصبحت الآن تصك آذاننا، ويشهد الله أننا قد سئمناها كثيراً، لكن لماذا هؤلاء يحبون أن تشيع الفاحشة؟ لأسباب من أهم هذه الأسباب: الأول: أن تكون المرأة لقمة سائغة في متناول أيديهم يفعلون بها الفاحشة.
الثاني: إن قلوب هؤلاء انقلبت وفسدت، وأدمغتهم غسلت في بلاد الكفر، أو من خلال أفكار ترد إليهم هنا، ففسدت فطرتهم؛ فيضايقهم أن تبقى المرأة المسلمة متمسكة بدينها؛ ولذلك تجد العلمانيين والمنحرفين والكفرة والفجرة وهم من أبناء جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، ولربما أن أحدهم لا يبالي أن تنتشر الفاحشة ولو في أهله نعوذ بالله؛ لأن فطرته فسدت.
ومن المؤكد أن من يريد أن تنتشر الفاحشة في بيت من بيوت المسلمين؛ فإنه لا يبالي أن تنتشر الفاحشة في بيته في يوم من الأيام؛ لأنه يعرف أن المجتمع كله سلسلة متصلة الحلق ملتحمة ملتصق بعضها ببعض؛ ولذلك هو يريد أن تنتشر الفاحشة بأي وسيلة من الوسائل في العالم كله.
هؤلاء لنا معهم موقف ولنا معهم حساب، ونرجو الله أن يحكم بيننا وبينهم بالحق وهو خير الحاكمين.
وهؤلاء لهم عقوبتان: عقوبة في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، يقول الله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) أما عذاب الدنيا فإننا إن شاء الله في القريب العاجل ننتظر أن يكون على أيدي الولاة الصالحين الذين سوف ينتبهون حينما يرون الخطر قد داهمهم، أو على أيدي المؤمنين الذين يغضبون لله ، ووالله إن هذا ليوشك أن يكون، لولا وجود العلماء والصالحين الذين صاروا كوابح أمام هؤلاء الشباب المندفع لدينه والذي يغضب لربه، حتى لا ينتقم من هؤلاء الذين يحاولون الإفساد في الأرض، ونرجو أن يكون ذلك على أيدي السلطة المؤمنة، بحيث يوقفون هذا التيار المنحرف الجارف، الذي يريد أن يفسد على الأمة دينها وأخلاقها.
أما عذاب الآخرة فهو أشد من عذاب الدنيا وهو النار التي أعدت للكافرين، وأعدت أيضاً لهؤلاء الذين يسيرون ويسلكون مسلك الكافرين.
فلنحذر يا إخوتي هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فهم الآن كثير وهم يظهرون التباكي على حقوق المرأة، حرية المرأة، المجتمع معطل، نقول لهم: إن الرجال لم يعمل منهم إلا أقل من عشرين بالمائة، فالمجتمع ليس معطلاً ولا حاجة إلى أن نشغل المرأة في أمور لا تهمها.
المهم يا إخوتي! انتبهوا لهذه الآية التي بينت أن فينا من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فهل نقف أمام هؤلاء مكتوفي الأيدي أو لنا معهم حساب في الدنيا، أو لنا معهم حساب في الآخرة؟! لا شك أن لنا معهم موقفاً أمام الله في الآخرة، ونرجو أن يكون لنا معهم موقف في الدنيا أمام السلطة العادلة.
والله يا إخوان: تكاثرت الظباء على خراش.
حقيقة نحن الآن لا ندري ماذا نقول؟ كل يوم نفاجأ بما يحاك ضد الفتاة من مؤمرات، فالعلمانيون يريدون إخراجها واختلاطها بالرجال في النوادي والمسابح وغير ذلك، ينبغي أن نعلن حالة الطوارئ، كيف نستمتع بالأكل والشرب والنوم وهناك عدو في الداخل وعدو في الخارج، يطوقنا من كل جانب، ويتربص بنا الدوائر.
ينبغي أن نتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٤].
نحن نسمع كثيراً هذه الأشياء ونقرؤها في الصحف، ومع ذلك لا نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وهؤلاء الذين بدءوا يحركون الأخطار من الداخل أقسم بالله إنهم أعداء الدولة، فكما أن الدولة محاطة بالعدو من الخارج فهم يريدون أن يربكوها من الداخل، كما عمل اليهود داخل المدينة يوم جاءت الأحزاب، وطوقت المدينة من كل صوب، بدأ العدو في الداخل يتحرك فقام بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، وصاروا يحركون المنافقين في الداخل ضد الرسول ﷺ ؛ لأن هناك عدواً يطوقه من الخارج.
أنا أحذر المسئولين أن يتركوا هؤلاء يعبثون، وأظن أن المسئولين فيهم خير كثير إن شاء الله، ولكن التقصير منا، وأنا لاحظت شيئاً من تقصيري أنا حينما زرت بعض المسئولين الكبار، وجدت أنه لا تصل إليهم كل هذه الأخبار ولا يصل إليهم الناس.
أقول: يا إخوتي! أحذركم أن تتساهلوا في هذا الأمر، أو تتركوا هذا العدو يعبث من الداخل، ويشغل الحكومة عن عدوها الأكبر من الخارج، والله لن يتركهم يعبثون؛ لأنه تعالى له مقاليد السماوات والأرض.
стр. 643
الأسئلة
стр. 644
شروط وضوابط عمل المرأة في الإسلام
السؤال
هل عمل المرأة الذي يدندن به كثير من الناس اليوم يعتبر باباً للرذيلة؟ الشيخ: نحن لا نعارض عمل المرأة، والإسلام لا يعارض ذلك أيضاً، لكن عمل المرأة له شروطه وضوابطه، المرأة يجب أن تكون بعيدة عن الرجال، وفي عمل يناسب تركيبها الجسمي ووعيها وفطرتها، المرأة لا تعمل في المناجم وفي المصانع، كما أنها لا تدرس كل شيء، المرأة يجب أن تكون لها دراسات خاصة، ولذلك يا إخوان! البنات اللاتي درسن بدون قيد ولا شرط هن اللاتي أحدثن الفوضى في البلاد، وبالتالي يجب أن تكون دراسة المرأة تناسب تركيبها الجسدي، وتناسب فطرتها، وتناسب حاجة البلد إليها.
أما عمل المرأة مطلقاً بهذا الشكل فهذا يعارضه الإسلام، كما قلنا: لا بد أن يوضع له قيود؛ ولا بد أن يكون عمل المرأة في حدود وفي إطار معين، ولا بد أن يكون في منأى عن الرجال، بحيث لا يؤدي إلى ضياع البيت وضياع الأسرة، وكم من الأطفال الآن من فسدت تربيته؛ بسبب خروج المرأة بدون قيد ولا شرط! يا أخي! المرأة لها عمل أكثر من عمل الرجل داخل البيت، من الذي يربي الأجيال؟ إنها المرأة، ولذلك لا نقول: المرأة طباخة أو خادمة داخل البيت، هذا ليس في الإسلام، بل نقول: المرأة مربية وإن كانت تؤدي هذه الأدوار أيضاً، لكن من باب التبع، ولها شرف أن تكون خادمة في بيتها ولا تحتاج إلى خادمة، لكن هي في الحقيقة تربي الجيل، يقول الشاعر: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت جيلاً طيب الأعراق إذاً: لابد أن نعدها لتعد لنا الجيل.
إن الذين يريدون أن تعمل المرأة بدون قيد ولا شرط لهم أهداف سيئة، وأهم أهدافهم أن تبتعد عن البيت وأن يفسد المجتمع، أو أن يتربى الأطفال على أيدي مربيات بعيدات عن الله ، أو أن يفقد الطفل الحنان والعطف الذي لا يجده إلا عند أمه، فبعض النساء لا تعرف طفلها إلا حينما تضعه، ثم لا تراه بعد ذلك إلا نادراً! ترضعه امرأة وتربيه أخرى إلى غير ذلك، حتى يخرج هذا الطفل بعيداً عن العاطفة حتى عن الإنسانية.
يا إخوان! تصوروا في البلاد التي سبقتنا إلى هذا العمل، ليس هناك عاطفة بين الولد وبين أمه، أو بين البنت وبين أمها؛ ولذلك يقولون هم أنفسهم: إن أحدنا يقابل أمه بعد سنوات من غيابه ثم لا يسلم على أمه إلا إشارة بيده من بعيد، وهذه تكفي تحية.
أنتم تشعرون تجاه الأم بالعاطفة؛ لأنكم تربيتم مع أمهاتكم ومع آبائكم؛ ولذلك من مخططات العدو فصل الولد أو البنت عن أمه منذ أيام الطفولة، ويحتجون بالعمل.
стр. 645
حكم إثبات الزنا بالتصوير أو تقرير الطبيب الشرعي
السؤال
إذا وقع الزنا، فهل يقام الحد بموجب تقرير الطبيب الشرعي، أو بالكاميرا وما أشبه ذلك؟
الجواب
لا يقع إلا بأربعة شهود أو بأربعة اعترافات، ولذلك ماعز ﵁ لما جاء وقال: (يا رسول الله! إني زنيت -ليس هناك أبلغ من هذه العبارة- فانصرف عنه الرسول ﷺ ، وجاء من الواجهه الأخرى وقال: يا رسول الله! إني زنيت أربع مرات، فقال الرسول ﷺ بعدما اعترف ماعز: لعلك قبلت؟ قال: لا، بل زنيت، فقال ﷺ : هل دخل ذلك منك في ذلك منها، قال: نعم يا رسول الله!) أي: أنه أقر على نفسه، والرسول ﷺ ينصرف عنه، لكن لما اعترف أربع مرات ثبت الحد.
إذاً: لا يجوز لنا أن نبحث نحن بطريق التصوير أو بطريق الكشف الطبي، ولو وجد شيء من ذلك فإنه لا يثبت الحد وإنما يثبت التعزير فقط، كما لو خلا الرجل بامرأة دون أن تكون هناك صورة، أو دون أن يكون هناك شهود أربعة.
إذاً: ينبغي ألا نتتبع عورات الناس، إلا إذا كانت هناك خلايا تفسد المجتمع، وبيوت مشبوهة فإنه يجب أن نراقبها ونتتبعها ونهجم عليها ونضايقها قدر الاستطاعة، لكن أن نتتبع إنساناً لا نعرف ما يحدث داخل بيته، لا يجوز، بل في مثل هذه الحال يحرم أن نتابع هذا الإنسان ما لم يكن مفسداً في المجتمع، أو لم يكن فعل الفاحشة.
أما لو كان الإنسان داخل بيته فإننا لا نتسلق عليه البيت ولا نصور ما يفعل، لا نذهب به إلى الطبيب، إلا إذا اعترف، اللهم إلا إذا كان الموقع موقع شبهة فإننا نقيم عليه التعزير، وهذا أساس من أسس الإسلام، فإن الرسول ﷺ يقول: (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً)، لكن يجب أن يؤدب ويعزر كل واحد يريد أن يفسد في المجتمع.
стр. 646
حكم الشرع في بيع أشرطة الفيديو الخليعة ومشاهدتها
السؤال
لقد انتشرت في الآونة الأخيرة محلات الفيديو التي تبيع أشرطة الفساد والخلاعة، والتي هي في الحقيقة من أكبر دواعي الزنا، بل تعتبر هي الخطوة الأولى للزنا، ففي هذه الأشرطة تجد الرجل وهو يمسك بالمرأة ويقبلها ويضمها، بل وينام معها في فراش واحد، وهما على هذه الحالة، وتسمع منهما الكلام الساقط وهذا من أقل الأمور، والغريب يا فضيلة الشيخ أن مثل هذه الأشرطة مسموح بيعها، وقد رخص لها، فما تعليقكم عليها لا سيما وقد تهاون بها كثير من الناس؟
الجواب
هذه أيضاً حلقة في هذه السلسلة سواء كانت الصور الثابتة أو المتحركة، الله تعالى حرم النظر وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] ولماذا وضعت الفروج بجوار غض البصر؛ لأن النظرة سهم مسموم والشاعر يقول: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر شرارة صغيرة تسقط على متاع أو على بيت تحرقه بكامله، ونظرة صغيرة في رأي العين تحرق أمة بكاملها، ولذلك أقول: أيها الإخوة! ما أشار إليه السائل مصيبة وبلاء حل بالأمة الإسلامية، وحقيقة أن الرقابة تغفل عن هذه الأمور، ولا أظن إن شاء الله أن المسئولين الكبار يسمحون بذلك؛ ولعل ذلك يعتبر تساهلاً من المسئولين الذين هم دونهم، ولكن هب أن المسئولين الكبار والصغار اتفقوا على ذلك، فهو لا زال محرماً والخطر موجوداً، ونحن مطالبون بأن نحمي بلادنا وأن نحمي أمتنا وأن نحمي بيوتنا من هذه الأخطار.
ولذلك أقول: إن الذي يبيع هذه الأفلام ماله محرم وكسبه نجس، وقد أخذ مالاً مقابل ضياع عرض وأخلاق أمته، وهذا من أكبر المخاطرات، وكذلك فهو يربي جسده وجسد أولاده من هذا الحرام.
أقول له: يا أخي! اتق الله ودع ما تفعل، ولا تتعامل بهذه الأشرطة وهذه الأفلام وهذه الصور؛ لأنها فتنة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، فأنت حينما تساهم في الإتيان بشريط من هذه الأشرطة، أو صورة من هذه الصور فإنه ينطبق عليك الوعيد المذكور في هذه الآية، أسأل الله لي ولك وللمسلمين العافية.
стр. 647
حكم قيادة المرأة للسيارة والرد على من أفتى بجوازها
السؤال
قرأنا قبل أيام مقالاً لـ محمد الغزالي يخالف فيه علماءنا الأفاضل من حيث تأييده للنساء في قيادة السيارة، ولهذا الداعية أفكار غريبة يستسيغها كثير من الناس، ويدندنون بها، وقد رفعه فئة من الناس في هذه المجتمعات؛ لذا نرجو من فضيلتكم نصيحة الشباب وتوجيههم لما فيه صالحهم، وفقكم الله؟
الجواب
أولاً: الشيخ محمد الغزالي رجل لا ننكر أنه داعية وله سابقة في الدعوة، ولكن القلوب أولاً بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
ثانيا: ً الغزالي وغيره من علماء المسلمين ليسوا معصومين، فقد يخطئ ويصيب، ونحن نأخذ من كلامه الصواب ونترك الخطأ، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ ، هذا أمر يجب أن نسلم به.
أما لو أن محمداً الغزالي أو كل علماء المسلمين أجمعوا على قيادة المرأة للسيارة، فنحن عندنا مقياس ثابت وهو شرع الله ، ولننظر إلى المصائب التي تترتب على قيادة السيارة من الخلوة، والسفر، والذهاب إلى محطة البنزين، والذهاب إلى الورشة، والذهاب إلى غير ذلك، كل هذه تتوقعه المرأة، ولذلك لا يفكر عاقل في أن تقود المرأة السيارة في مجتمع مسلم، هذا أمر ندعه، لكن أنا متأكد أن محمداً الغزالي والذين تساهلوا في أمر قيادة السيارة للمرأة ما عرفوا ما وراء ذلك، ظنوا أن المسألة فقط نساء خرجن يطالبن بقيادة السيارة، المخطط أكبر من ذلك، المخطط رهيب يا إخوان، إنه خروج على أوضاع قائمة وتحطيمها، وتكون هذه كواجهة فقط أو كمنظر خارجي، وهو المطالبة بقيادة السيارة، لكن الله تعالى يعلم ما في هذه القلوب.
ولذلك نحن نقول للغزالي ولغيره: نحن أدرى بمجتمعنا منك، ومجتمعنا مجتمع محافظ لا يقبل هذه الأشياء، وأنت رجل كواحد من البشر تخطئ وتصيب، نأخذ الصواب من قولك ونرفض ما يخالف ذلك، لكني أرى خلف قيادة السيارة أموراً خطيرة أسأل الله أن يجنبنا إياها؛ لأن المسألة ليست مجرد مطالبة بقيادة السيارة وإنما مطالبة بالخروج على أوضاع قائمة عشناها أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وهؤلاء يريدون أن يغيروا وأن يحطموا هذه الحواجز بين الرجل وبين المرأة.
стр. 648
حكم خروج المرأة مع السائق الأجنبي بمفردها
السؤال
إن من دواعي الزنا خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، ولقد انتشر في الوقت الحاضر خروج المرأة مع السائق وحدها، وتتعذر بقصر المسافة، فنرجو من فضيلتكم تبيين هذه النقطة؛ لأنها انتشرت انتشاراً عظيماً في هذه البلاد؟
الجواب
الخلوة أمر خطير، والرسول ﷺ يقول: (إياكم والدخول على النساء، قال رجل: يا رسول الله! أريت الحمو؟ قال: الحمو الموت) الحمو هو كل قريب للزوج، وهو أشد خطراً من غيره.
إذا اختلى رجل بامرأة لا شك أن الشيطان ثالثهما كما أخبر الرسول ﷺ ، ولا شك أن اثنين ثالثهما الشيطان لا تسأل عما سيحدث، ولو كان المشوار قصيراً أو المدة قصيرة؛ لأن الشيطان يستغل الفرص.
على كل نحن نقول: إن الخلوة محرمة، ونحن عندنا أمران يجب أن نراعيهما: السفر بدون محرم، والخلوة ولو في غير سفر، ولو كانت المسافة قصيرة، كلاهما جاء فيه خبر عن الرسول ﷺ بأنهما محرمان؛ ولذلك أنا آسف جداً أن رجلاً عنده غيرة المؤمنين من أخ وأب وزوج ثم يسلم زوجته أو أخته أو بنته لسائق يذهب بها إلى المدرسة ويعود بها إلى البيت، أنا أتعجب أن يوجد مثل هذا في المسلمين! يا أخي! يجب أن تقضي حاجتك بنفسك، وتبقى المرأة في بيتك حتى يتوافر لها من محارمها من يستطيع أن يذهب معها، إن فساد هذه المرأة خطر عظيم، وما تجنيه من خروجها سواء كان للمدرسة أو لغير ذلك، لا يساوي (١%) أو أقل من ذلك بالنسبة لما سوف تجنيه من هذه المرأة لو سقطت في غضب الله .
стр. 649
طرق ووسائل دفع الفتن ومواجهتها والداعين إليها
السؤال
في هذا الزمن الذي كثر فيه الفتن، وازدادت فيه دواعي الفاحشة بين الناس، كيف للمسلم أن يقف أمام تلك المغريات؟! بل كيف يردع أفواج الناس المنطلقة للمعصية الملهية عن تلك القضايا الأساسية في المنهج القرآني الكريم؟! وكيف نقف أمام هذه الأفواج وفقكم الله يا فضيلة الشيخ، لا سيما وأننا نرى المنافقين يبثون دعاياتهم لها ليلهوا شباب الأمة عن الأمر الأعظم ألا وهو الجهاد في سبيل الله؟
الجواب
أولاً: موقفنا كما أخبر الله : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، ووالله ما كان هؤلاء يغيبون عن عقولنا طرفة عين، بل كنا نحسب لهم ألف حساب يوم كانت الأمور تسير في مجراها الطبيعي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، ولذلك فإنه يجب أن يكون لنا موقف، وهذا الموقف يجب أن يكون حازماً، ويجب أن يكون جاداً مع هؤلاء الذين يريدون أن تتحطم سفينة الحياة في هذا المحيط المتلاطم الأطراف، يجب ألا نحقر أنفسنا، فإن الله تعالى يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
ثانيا: ً يجب أن نتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، ونقول كما قال المؤمنون وهم قلة أمام عدو كاسر حينما رأوهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠]، ثم كانت النتيجة: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥١]، وعلى هذا نقول لكم: أيها الإخوة المؤمنون! العدو لا يرحم، والعدو يتربص ونحن نيام طيلة السنين الماضية، ولربما حدث أمر تكرهه النفوس يسبب يقظة لهؤلاء الناس الغافلين النائمين، والآن جد الجد ويجب على كل مسلم أن يجند نفسه للجهاد في سبيل الله ، جهاد الكافرين والمتكبرين، والذين يريدون أن يفسدوا على الأمة أمر دينهم وحياتهم وعقيدتهم، لا بد أن نقف أمام هؤلاء وأولئك، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] فكما نجاهد الكفار أيضاً نجاهد المنافقين، ولربما يندس المنافقون في المجتمع الإسلامي، ويتباكون على الإسلام في بعض الأحيان، لكن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، ولربما أن هذه الأحداث الأخيرة قد كشفت لنا كثيراً من المنافقين، وجزى الله الشدائد كل خير.
стр. 650
حكم السفر للمعصية والمجاهرة بها
السؤال
ما حكم الذين يسافرون إلى بلاد الدعارة، ويزنون هناك جهاراً نهاراً، ويتفاخرون إذا رجعوا إلى بلادهم، ودليل ذلك ما يحملون معهم من صور وأشرطة وغير ذلك؟! فما هو العمل تجاههم، لا سيما وأننا نجد بعض أوليائهم أو بعض الصالحين من إخوانهم يتربون على أظهرهم، ويدعون لهم بالسلامة بعد عودتهم، دون الوقوف أمامهم وردعهم مما هم عليه؟
الجواب
الرسول ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) فهناك معصية، وهناك معصية أكبر منها وهي المجاهرة بها نعوذ بالله، وإذا وصل الأمر إلى المجاهرة بالمعصية جاء الخطر، ولذلك ذكر الله تعالى ثلاث مراحل للخطر في القرآن: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] قوله: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ) أي: الميل طبيعي في النفوس.
(وَلِيَرْضَوْهُ) وهذا هو الفعل.
(وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ).
فالذي يعصي الله ويستر على نفسه ويبادر بالتوبة والإنابة إلى الله ، فالله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعافي، أما الذي يرتكب المعصية ويضيف إلى المعصية معصية أكبر منها وهي المجاهرة بها فهذا لا يعافى؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).
نقول لهؤلاء: اتقوا الله فلكم أهل ولكم زوجات، ولربما لكم بنات ولكم أخوات ولكم عشيرة، أما تخشون على هؤلاء من أن يقعوا فيما حرم الله ؟! والرسول ﷺ يقول: (عفوا تعف نساؤكم) نسأل الله العفة والعافية والسلامة.
ونقول لهؤلاء الآباء: اتقوا الله فلا يذهب أولادكم إلى تلك البلاد، لا سيما الشاب الأعزب الذي لم يعرف قدر الغيرة على المحارم، والذي يرى أمام عينيه هناك أعداء الله وقد فتحوا أبوابهم لسلب أموال المسلمين وأخلاق المسلمين، اتقوا الله فلا تشجعوا هؤلاء الأولاد، ونقول للمسئولين أيضاً: اتقوا الله، فيجب أن تكون هناك عراقيل أمام سفر هؤلاء إذا كنا نخشى عليهم، والخشية موجودة والفطرة البشرية تدعو إلى ذلك.
стр. 651
ضرورة منع دخول المجلات الخليعة إلى بلاد المسلمين
السؤال
المجلات المنتشرة في الأسواق، التي تدخل بشكل دوري إلى المملكة أسبوعياً وأحياناً شهرياً، فإن فيها دعايات وإعلانات للعطور تظهر فيها صور نساء سافرات لرءوسهن وأفخاذهن وغير ذلك، فما واجبنا نحو ذلك؟! وهل تتأثر المرأة بالمقابل بصور الرجال التي تعرض في هذه المجلات، أرجو من فضيلتكم تبيين هذا الأمر الذي دهم كثيراً من البيوت وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الله المستعان! هذه حلقة من سلسلة طويلة ومخطط رهيب لإفساد الأخلاق، في التلفاز، في الإذاعة، في الصحف، في المجلات، في الكتب، في الأفكار المنحرفة، وما ذكره الأخ السائل من وجود هذه الصور حقيقة ليست دعاية للعطورات؛ لأنها مواد وأمور تافهة، وإنما هي دعاية لهدم الأخلاق، لكن هؤلاء يتخذون هذه الأمور وسيلة ليدخلوا بواسطتها إلى إفساد أخلاق الناس ودينهم.
وعلى كل نقول: إن نشر الصور الفاتنة التي أصبحت الآن تنشر الفساد في الأرض أمر خطير، ونرجو الله أن يوفق المسئولين والمراقبين على هذه المطبوعات إلى أن يمنعوا دخولها، وأن يهتموا بهذا الجانب.
لكن المشكلة أن كثيراً من هؤلاء الذين يراقبون هذه المطبوعات لا يهتمون إلا بالكلمات التي تمس أناساً معينين، أما التي تمس الدين، فإنه في النادر أن تمنع، وهذا أمر خطير يا إخوان! والله إن محارم الله وشعائر الله ودين الله أعز علينا من كل شيء في هذه الحياة، لماذا لا يشدد في هذا الجانب؟! لماذا نرضى أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؟! لماذا تدخل هذه الصور الفاتنة إلى بيوت المسلمين؟! لماذا يشتريها الأب لأولاده؟! أيرضى الفاحشة بأهله فيكون ديوثاً؟! ولا يدخل الجنة ديوث، أم يتسبب في هذه الدياثة، أم يخاطر ويغامر بهذا البيت من أجل رغبة بنت سفيهة أو ولد سفيه يطلبان منه هذه الصورة! الأمر خطير يا إخوان! نرجو الله أن ينبه الناس إلى هذا الخطر وأن يوفقهم لتدارك الأمر.
стр. 652
من هم الرجال ؟
للرجولة معنيان: الأول: الذكورة التي هي ضد الأنوثة، أما الثاني فالمقصود به أولئك الذين وصفهم الله بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهم الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً.
стр. 653
حقيقة الرجال في كتاب الله
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله الذي يجمع القلوب ويؤلف بينها، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدٌ ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء، أما بعد: فإن عنوان الكلام لو أجبنا عنه بأي جواب لنازعنا عليه الناس؛ لأن أصحاب الفن يقولون: نحن الرجال.
ولأن أصحاب اللهو واللعب يقولون: نحن الرجال.
ولأن أصحاب المال والثراء يقولون: نحن الرجال.
وهكذا كل يزعم أنه هو الذي على مستوى الرجولة الحقة، لكن نحن لن نخبر عن أنفسنا أو عن أحد من الناس بأننا نحن الرجال أو هم الرجال، بل ندع القرآن هو الذي يجيب على هذا
السؤال
من هم الرجال؟ ومن هذا المنطلق نريد أن نتحدث لنعرف حقيقة الرجال، ولنزن الناس بهذا الميزان، فمن كان على هذا المستوى فهو في مستوى الرجولة، ومن كان دون ذلك فهو لم يصل بعد إلى مستواها، وبإمكانه أن يصل إلى هذا المستوى.
стр. 654
معنى قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض)
يقول الله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] وفي قراءة: (الله نَوَّرَ السموات والأرض)، وفي قراءة ثالثة: (الله منور السموات والأرض) ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٥ - ٣٧].
стр. 655
المراد بالنور في قوله تعالى: الله نور السموات والأرض
اختلف المفسرون في معنى الآية الأولى: (الله نور السموات والأرض) فمنهم من قال: إن المراد بهذا النور هو صفة من صفات الله واسم من أسمائه، كقول الرسول ﷺ : (أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن)، والنور لا شك أنه من أسماء الله وصفاته، ولكننا نميل إلى غير هذا الرأي؛ لأن مثل هذا الرأي يؤدي إلى شيء من التشبيه؛ لأننا حينما نقول: إن المراد بالنور هنا هو اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله فهذا لا يصلح على مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن صفات الله وأسماءه لا يشبهها شيء، والله تعالى يقول: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ)، اللهم إلا إذا قلنا: إن هناك انفصالاً بين النور المذكور في أول الآية وبين ما جاء في وسط الآية، فيكون قوله تعالى الله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) هو النور الحق الذي هو اسم من أسمائه، وقوله: (مثل نوره) هذا لا شك أنه مخلوق؛ لأن الله تعالى شبهه بمشكاة فيها مصباح، وأسماء الله وصفاته لا يشابهها شيء.
والرأي الذي نميل إليه أن المراد بهذه الآية هو النور المخلوق، شبه الله نور الإيمان الذي يقذفه في قلب العبد المؤمن بأقوى نور عرفه الإنسان وقت نزول الآية، حيث قال: (كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ).
стр. 656
تشبيه الله لنوره بمشكاة فيها مصباح ووجه التشبيه في ذلك
قوله: (كمشكاة) المشكاة هي الكوة في الجدار التي لا تنفذ إلى الوراء؛ لأنها تعكس النور إلى الأمام، هذه هي المشكاة، أو المراد بالمشكاة فتيل السراج.
قوله: (فِيهَا مِصْبَاحٌ) المصباح معناه السراج.
(الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) والزجاجة هي الأجسام الشفافة التي تشف عما وراءها؛ لأنها تزيد الضوء ضياءً.
قوله: (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) الكوكب معناه: النجم، أو النجم الكبير، وفي قراءة سبعية (دريء) بالهمز، من الدرء، ومعناها: قذف الأنوار القوية.
ثم وصف الله السراج مرة أخرى فقال: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) أي: والذي يوقد هو السراج، والشجرة المباركة هنا هي شجرة الزيتون.
ثم وصف الله شجرة الزيتون التي يؤخذ منها الزيت الذي يوضع في هذا السراج بالذات، حيث يقول: (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) والشرقية هي الشجرة التي تصيبها الشمس في وقت الشروق، والغربية هي الشجرة التي تصيبها الشمس في وقت الغروب، لكن هذه الشجرة ليست شرقية فحسب، وليست غربية فحسب، لكنها شرقية غربية، أي أن شجرة الزيتون إذا طلعت الشمس أصابتها في وقت الشروق، ولا تغيب عن الشمس حتى تغرب فتصيبها في وقت الغروب؛ لأنها شجرة منفصلة عن غيرها، فيحسن زيتها ويحسن ثمرها، فيصبح زيتها لماعاً، بحيث لو نظرت إليه لرأيت كأنه يضيء دون أن تمسه النار، فكيف إذا وضع في السراج ومسته النار؟! ثم وصف الله هذا الزيت بقوله: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ)، فالنور الأول هو نور الكوة غير النافذة التي تعكس الضوء، مع نور آخر وهو نور الزجاجة، مع نور السراج الذي وضع فيه زيت شجرة الزيتون التي ليست بشرقية فقط ولا غربية فقط لكنها شرقية غربية، فهذه أنوار شديدة.
وهذا هو المشبه به، فأين المشبه؟ المشبه هو قلب المؤمن، أو الإيمان الذي يقذفه الله في قلب المؤمن.
فتقدير هذه الآية: مثل نور الله المخلوق الذي وضع في قلب المؤمن حتى يعرف به الحلال من الحرام، والضار من النافع، والخير من الشر، كمثل نور ذلك المصباح الذي وضع في كوة غير نافذة، ووضعت عليه زجاجة وأشعل فيه زيت زيتونة ليست شرقية فحسب ولا غربية فحسب، ولكنها شرقية غربية.
هذا هو المشبه وهذا المشبه به، ووجه الشبه هو اللمعان الشديد.
стр. 657
تحديد مكان تخرج الرجال ووجه علاقة الآية بالتي قبلها
يقول في الآية الثانية: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، يقول علماء التفسير: هذا جواب استفهام بياني، كأن سائلا يسأل ويقول: أين يوجد هذا الإيمان العظيم الذي هو كسراج يضيء بهذه الأوصاف المذكورة؟ فالله تعالى أجاب على هذا السؤال فقال: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) ومن هنا نعرف أين يتربى الرجال، وأين يولد الإيمان، وأين يترعرع الإيمان، وأين ينمو، كل هذا (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) وهذه البيوت هي المساجد.
قوله: (أذن الله أن ترفع) أي: تبنى وتشيد, وليس المعنى أن تزخرف وتوضع فيها الكتابات التي تلهي الناس، أو الفرش المزخرفة أو الألوان المزخرفة التي عمد إليها الناس في أيامنا الحاضرة، حتى لقد عددت في مسجد واحد قريب أكثر من ثلاثمائة قنديل يُضيء، وليس فيه إلا عشرة رجال يصلون، وهذا خلاف المألوف.
فهذه البيوت هي المساجد، وقد أذنَ الله تعالى أن ترفع حقيقة بناءً وتنظيفاً وتشييداً وتطهيراً واحتراماً وتقديساً، فلا يكون فيها لغو ولا لعب ولا كلام من كلام الدنيا، ولا بيع ولا شراء ولا إنشاد ضالة، ولا أي شيء من هذه الأشياء التي نهى الرسول ﷺ عنها، وإنما ترفع بذكر الله وتطهر لتصبح صالحة للصلاة، ولذلك من علامات الساعة أن يتباهى الناس بالمساجد، فيقال: مسجدنا أجمل من مسجدكم.
بينما لا يقال: مسجدنا أكثر جماعة من مسجدكم.
وكذلك يقال مسجدنا أكثر زخرفة من مسجدكم، ومسجدنا أفضل فرشاً وأحسن ألواناً من مسجدكم.
وهكذا.
أما الإسلام فإنه ينظر إلى الكيف لا إلى الكم، وإلى الحقيقة لا إلى الصورة، ولذلك الله تعالى قال: (أَنْ تُرْفَعَ) والمراد بها الرفعة الحسية المعقولة، والرفعة المعنوية الحقيقية.
قوله: (في بيوت) يقول المفسرون: هذه جملة متعلقة بقوله (يوقد) أي: يوقد هذا الإيمان وينشأ هذا الإيمان ويترعرع هذا الإيمان في هذه المساجد التي أذان الله أن ترفع.
قوله: (وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهْ) هذه هي الرفعة المعنوية.
ثم بين بعد ذلك التربية الحقيقية والمكان المناسب لهذه التربية فقال: (يسبح له فيها بالغدو والآصال) والمراد بالتسبيح هنا الصلاة؛ لأن التسبيح كثيراً ما يذكر في القرآن والمراد به الصلوات الخمس، وإن كان يطلق أيضاً على ذكر الله عامة.
قوله: (يسبح له فيها بالغدو والآصال) الغدو: هو أول النهار.
والآصال: آخر النهار.
فالغدو صلاة الفجر؛ لأن الغدو يبدأ من نصف الليل إلى نصف النهار، والأصيل يبدأ من نصف النهار إلى نصف الليل، ولو نظرت إلى نصف الليل الأخير ونصف النهار الأول فإنه ليس فيهما إلا صلاة واحدة وهي صلاة الفجر، وكأن صلاة الفجر أصبحت تساوي الصلوات الأربع الأخرى، بل جعلت صلاة الفجر في كفة؛ لأنها تقع في وقت الغدو، وجعلت الصلوات الأربع -الظهر والعصر والمغرب والعشاء- كلها في كفة أخرى؛ لأنها تقع في وقت الأصيل كلها، ثم قدمت صلاة الفجر على الصلوات الأربع، مما يدل على أهمية صلاة الفجر.
ولا نرى في المساجد من المسلمين في صلاة الفجر إلا قليلاً! أليست صلاة الفجر هي التي يقول الله عنها: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْر﴾ [الإسراء:٧٨] أي: وأمدح قرآن الفجر.
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.
ويقول عنها الرسول ﷺ بمعنى هذه الآية: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيصعد الذين كانوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون)، أي: في صلاة العصر وصلاة والفجر.
ويقول الرسول ﷺ : (لو يعلمون ما فيهما -أي: العشاء والفجر- لأتوهما ولو حبواً)، وأثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ويقول ﵊: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله).
стр. 658
معنى قوله تعالى: رجال لا تلهيهم تجارة
قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧].
قوله: (رجال) هذه الكلمة لها معنيان: الأول معروف، والثاني لا يعرفه إلا القليل من الناس، والمقصود هنا الاثنان جميعاً.
المعنى الأول: كلمة رجل ضد الأنثى، تقول: هذا رجل وهذه امرأة.
وهذا المعنى يعرفه كل الناس.
المعنى الثاني: أن كلمة رجل تدل على تعظيم هذا الجنس من الرجال، ولذلك لا ترد أو قل أن ترد كلمة (رجال) في القرآن أو في السنة إلا وتدل على معنىً آخر غير معنى الذكورية زيادة على معنى الذكورية، مثلاً: ابنك أعجبك عمله فتقول له: أنت رجل.
فأنت لا تقصد بقولك: (أنت رجل) ضد الأنثى، لا؛ لأنه يعرف أنه رجل، وأنت تعرف قبل ذلك أنه رجل، لكنك تقصد بذلك أنه قد اكتملت فيه معنى الرجولة فأصبح في مستوى الرجال، ولذلك قوله: (رجال) هنا ليس معناها ذكوراً فقط، وإن كانت تعطينا معنىً وحكماً شرعياً بأن صلاة الجماعة لا تجب على الإناث وإنما تجب على الذكور فقط، لكن كلمة (رجال) تعطينا معنىً آخر، وهو أنه قد استكملوا صفات الرجولة فأصبحوا في مستوى الرجال وفي مصاف الرجال حقاً، ولذلك لم ترد إلا نادراً كلمة (رجال) في القرآن كهذه؛ لأنها مدحت أهل المساجد فقالت: (رجال) وفي ذكر الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ [يوسف:١٠٩]، وفي ذكر المجاهدين في سبيل الله: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، ووردت في صفة أهل الأعراف: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦]، وهذه كلها تدل على تعظيم ورفع مستوى هؤلاء الرجال، أي: ليسوا ذكوراً فحسب ولكنهم رجال، ولذلك جاءت بلفظ التنكير، والتنكير دائماً يدل إما على التحقير أو على التعظيم، والمراد به هنا التعظيم.
إذاً قوله: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ) أي: ذكور وصلوا إلى مستوى الرجال حقاً، فأصبحوا يستحقون كلمة (رجال) التي لا يستحقها كثير من الناس.
стр. 659
صفات الرجال الذين تربوا في المساجد
ما هي صفات هؤلاء الرجال؟ انظر إلى صفات هؤلاء الرجال، لعل الله أن يجعلنا منهم وممن يربي أولاده حتى يكونوا في هذا المستوى من الرجولة.
أولاً: (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).
ثانياً: (يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) هاتان صفتان لهؤلاء الرجال في الدنيا، أما جزاؤهم في الآخرة فيقول سبحانه عنه: ﴿لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨].
стр. 660
عدم انشغالهم بالدنيا عن ربهم وطاعته وذكره
الصفة الأولى: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ).
يقول المفسرون: إن هؤلاء الرجال لهم تجارة ولهم بيع وشراء وأموال ومصانع ومتاجر ومزارع، لكنهم يضعونها في أيديهم، ويضعون الحياة الآخرة في قلوبهم، ولذلك لما رأى أحد أصحاب رسول الله ﷺ أحد المسلمين كان قد رفع الميزان في يده يزن البضاعة للمشتري، فلما سمع المؤذن يقول: (الله أكبر) وضع الميزان دون أن يكمل الوزن، ثم هرول إلى المسجد وأغلق دكانه، فقال: (هؤلاء هم الذين عناهم الله بقوله: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]).
ولا يظنن أحد أن المراد بهؤلاء أنهم قوم يعيشون عالة على الناس ويتكففون الناس، وأنهم يعيشون على أوساخ الناس وفتات الصدقة، لا، ولكنهم قوم لهم أعمال، إلا أنهم جعلوا هذه الأعمال المادية الدنيوية في أيديهم والآخرة في قلوبهم، ولذلك وصفهم الله بهذه الصفات: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).
أيها الأخ الكريم! نحن الآن نعيش على طرفي نقيض في هذه الحياة، فمن الناس من أغرق في المادية إغراقاً كاملاً وأهمل الروح، وهذا يتمثل في الإلحاد والشيوعية الحاقدة الكافرة، فقدسوا المادة وأهملوا الروح، وأصبحت المادة هي منتهى أمنياتهم.
وهناك آخرون أوغلوا في الروحانية وألغوا المادة إلغاءً نهائياً، وصار دينهم، أما دين الإسلام فإنه يوجب على المسلم أن تكون له صنعة وأن تكون له تجارة وأن تكون له وسيلة كسب، لكن هذه كلها لا تلهيه عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك الله تعالى جعلنا -أمة المسلمين- أمة وسطاً بين طرفي نقيض، فلسنا بالأمة المادية التي تقدس المادة وتعبد المادة ولا تعترف إلا بها، ولا بالصوفية التي تهمل الجسد وتقدس الروح، ولكننا أمة كما يقول الله : (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).
وهنا كلمة نقولها لإخواننا التجار: اصدقوا في المعاملة، وتعاملوا مع الناس بأمانة وصدق، واكسبوا هذا المال من الحلال، وأنفقوه في وجوه الخير، واحذروا كسب الحرام، واحذروا أن تلهيكم هذه الأموال عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحينئذٍ أبشروا فإن الله قال للرجل الغني الشاكر الذي فتح الله له كنوز الدنيا: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]، كما قال للرجل الفقير الصابر: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤].
وعلى هذا نقول: هؤلاء الرجال لهم تجارة، ولكن تجارتهم في أيديهم وليست في قلوبهم، فإذا دخل أحدهم في الصلاة وقال: (الله أكبر)، لا تأتي هذه التجارة في مخيلته، فلا يبيع ولا يشتري ولا يأخذ ولا يعطي وهو يصلي، بل هو واقف بين يدي الله كما أمر الله ، لكنه حينما ينصرف من صلاته فإنه الرجل الذي يتعامل مع الناس بأمانة وصدق، والتاجر الصدوق له أجره عند الله ، وهنا مدح الله المؤمنين وهم أصحاب تجارة فقال: (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)، والفرق بين التجارة والبيع أن التجارة هي التي تكون بالإيراد والاستيراد والبيع الإجمالي، أما البيع فالمراد به البيع الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم.
стр. 661
خوفهم من يوم القيامة
الصفة الثانية: (يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ).
إن الناظر إلى واقع الناس اليوم -مقارنة بما في هذه الآية- يجد الفرق البعيد الواضح، قوم تربوا في المساجد وقلوبهم معلقة بالمساجد، ولا يعرفون أي طريق إلا طريق الجنة، ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم هم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وفي المقابل هناك قومٌ يفسقون ويفسدون ويركبون كل المناكر، ولا يتركون معصية من معاصي الله إلا ويركبونها، ثم تجدهم يضحكون بملء أفواههم، الصنف الأول قوم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهؤلاء في غفلة لا ينتبه أحدهم إلا حينما يأتي ملك الموت ليجلس عند رأسه ويقول: (أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله) أما الصنف الأول فإنه كما أخبر الله عنهم أنهم يخشون الله ويبيتون لربهم سجداً وقياماً ويخافون من النار ويقولون: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان:٦٥] ولذلك من خاف أدلج، يقول عمر بن عبد العزيز ﵁: إنه لا يأمن غداً إلا من خاف وحذر في هذا اليوم.
أما الذين يلهون ويلعبون ويضحكون ويسرحون ويمرحون دون قيود ودون ضوابط لا ينتبه أحدهم إلا في ساعة الموت، فالويل لهؤلاء إن لم ينتبهوا قبل ذلك.
وهنا يقول الله عن هؤلاء المتقين: (يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) هذه ناحية.
الناحية الأخرى التي يجب أن نفهمها من هذه الآية: أن غلاة الصوفية يقول قائلهم: أنا أعبد الله لا خوفاً من عذابه ولا طمعاً في جنته.
وكيف تعبد الله؟ قال: أعبد الله محبة له.
وهذه كلمة يقولها غلاة الصوفية، كما كانت تقول رابعة العدوية: والله ما عبدت الله خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته وإنما عبدته محبة له.
فهذه كلمة ساقطة؛ فالمؤمنون الرجال الذين تربوا في المساجد يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، بل أعظم من هؤلاء المرسلون عليهم الصلاة والسلام، لما ذكرهم الله في سورة الأنبياء قال في آخر قصصهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] (رغباً ورهباً) أي: رغبة مما عند الله من المثوبة، وخوفاً فيما عند الله من العذاب.
هذه هي صفة المؤمن، ونحن نعبد الله محبة له، لكن -أيضاً- نعبده خوفاً من ناره وطمعاً في جنته، ولذلك الله تعالى يقول عن هؤلاء الأتقياء الصالحين: (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).
قوله: (يخافون يوماً) ما هو هذا اليوم؟ هو يوم القيامة الذي يغفل عنه كثير من الناس، فلا يتصورون ساعة القدوم على الله، ولا يتصورون ساعة الموت، ولا يتصورون ساعة القبر، ولا يتصورون يوم يقوم الناس لرب العالمين، ولا يتصورون يوم تتطاير الصحف فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، ولا يتصورون الوزن الذي يقول الله عنه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨]، ولا يتصورون الصراط الذي يقول الله عنه ويقسم على ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١ - ٧٢]، هنا الله تعالى ذكر صفات المؤمنين الذين تربوا في المساجد.
قوله: (يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) ما معنى: (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ)؟ أي: من شدة الخوف يضطرب القلب حتى يتحرك بشدة، فينتقل من مكانه إلى الحنجرة.
وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨]، وذلك من شدة الخوف، فانظر -يا أخي- حينما تخاف أو حينما يزعجك أمر كيف يضطرب قلبك بسرعة حتى ينسد النفس؟! إذاً يتقلب القلب في ذلك المكان وفي ذلك الزمان حتى يصل إلى الحنجرة، والأبصار -أيضاً- تتقلب فتقفز من أماكنها إلى أعلى الرأس، وهذا شيء نشاهده حينما يصاب الإنسان بذعر، يرتفع بصره إلى السماء، وكأن البصر قد قفز من مكانه إلى أعلى الرأس، هذه هي صفات المؤمنين الذين تربوا في المساجد، رجال يسبحون الله دائماً وأبداً ويخافون من الله .
стр. 662
جزاء الرجال الذين تربوا في المساجد عند الله
أما الجزاء والنتيجة والثمرة لهذا الخوف فيقول الله: ﴿لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨]، فالله تعالى كريم لا يضيع عمل عامل منا من ذكر أو أنثى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
ولذلك الله تعالى يقول: (لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) أي: يجازيهم بالحسنات ويتجاوز عن السيئات، والسيئات المراد بها هنا الصغائر، أما الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة، ولكن لو قدم هذا الإنسان على الله بملء الأرض خطايا وهو على ملة التوحيد ولا يشرك مع الله أحداً كائناً من كان، ولا يكون هناك في قلبه ند لله فإنه يقدم على رب رحيم غفور، يقول في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)، وهذا من فضل الله ، وهذا دليل على أهمية التوحيد في حياة الناس، فإذا صلح التوحيد صلحت الأعمال بعد ذلك كلها، لكن إذا اختل جانب التوحيد ولو اختلالاً يسيراً فإننا نخاف على المخل حينئذ، فاهتم بالتوحيد أخي الكريم، ولا تصرف نوعاً من العبادة لغير الله كائناً من كان هذا المخلوق، ولو كان أفضل البرية محمداً ﷺ ، ولذلك أقول: إن علينا أن ننزه الله تنزيهاً كاملاً، وأنا آسف كثيراً لما نراه من اتجاه طائفة كثيرة من المسلمين إلى أصحاب الأضرحة والقبور، وأصبحت الأضرحة يطاف بها ويتمسح بها وتسأل منها الحاجات من دون الله ، وتقرب لها القرابين وتنذر لها النذور وتصرف الأموال وتذرف الدموع حولها، ويطوف الناس بها كما يطوفون حول الكعبة، وهذا موجود في جل بلاد الإسلام، ونشكر الله ، فبلدتنا حماها الله بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نسأل الله أن يجزيه عنا وعن المسلمين خير الجزاء، حفظها الله بسببه، ولذلك فإن أهل العالم المتحضر الآن يسألون أصحاب القبور ويطوفون حول قبورهم كما يطوف المسلمون حول الكعبة المشرفة، ولا يرى ذلك إلا من يسافر خارج هذه البلاد المباركة.
ولكني أقول: هناك وسائل يسيرة وقليلة بدأت الآن تغزو مساجدنا وبيوتنا نريد أن ننزه المسلمين منها، وعلى سبيل المثال: نجد في بعض المساجد مكتوباً (الله، محمد)، ولو قلنا لواحد من الناس الجهال -لا أقصد العقلاء-: لماذا هذا الفعل؟ لقال: أنتم لا تحبون الرسول ﷺ .
نقول: والله ما دفعنا إلى هذا القول إلا محبة رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي دعانا إلى التوحيد، وقضى ثلاثة عشرة سنة وهو يقول للناس (قولوا: لا إله إلا الله)، أما أن نضع اسم رسول الله ﷺ بجوار اسم الله سواء بسواء دون أن نرفع أحدهما على الآخر فإن هذا أخشى أن يكون وسيلة في يوم من الأيام إلى البدعة أو الشرك.
وهناك أناس كثيرون يقولون: يا الله.
يا رسول الله.
وأخشى من هذه المعلقات التي تعلق في المسجد وفيها (الله) و (محمد) بجوارها أن يأتي يوم من الأيام يضاف إليها (ياء) كما يصنع أصحاب المذاهب الهدامة الذين يعبدون الرسول ﷺ ، وايم الله لو بعث الرسول ﷺ فينا اليوم لقطع رءوس هؤلاء قبل أن يقطع رءوس الملاحدة والفسقة والعصاة؛ لأن الشرك أمره خطير، ولإن التوحيد هو مفتاح الجنة، ولا يدخل الجنة إلا موحد, فقد حرم الله على النار من قال: (لا اله إلا الله).
قوله: (لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) أي: فيعطيهم الله أكثر مما عملوا.
ولذلك يقدم المرء يوم القيامة على الله فيجد أعمالاً كالجبال قد سجلت في صحائف أعماله, فيقول: والله -يا رب- ما عملت هذه الأعمال.
فيقول: بلى، كنت تفعل كذا، وكنت تقضي حاجات الناس، وكنت إلى آخره.
فلا تحقر من المعروف شيئاً ولو أن يلقى المسلم أخاه المسلم بوجه طليق, فإن هذه تحسب حسنة له يجدها يوم يقدم على الله .
قوله: (لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) هذا هو مثل المؤمنين، وهؤلاء هم الأتقياء الذين تربوا في المساجد.
стр. 663
المخالفون للتربية المسجدية
стр. 664
المخدوعون
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩] هذا القسم مخدوع يظن أنه يعمل الصالحات، لكن عمله لا يقبل عند الله لأحد ثلاثة أسباب: إما أن هذا العمل يفقد الإيمان, أو أن هذا العمل يفقد الإخلاص لله ، أو أنه يفقد المتابعة للرسول ﷺ ؛ لأن أي عمل لا تتوافر فيه هذه الشروط الثلاثة -إيمان، وإخلاص، ومتابعة للرسول ﷺ لا يقبل عند الله ، وهذا هو العمل الصالح الخالص الذي يقوم على قاعدة الإيمان.
قد يقدم المرء كل ماله ويفتح به المدارس والمستشفيات ويبني القناطر والترع والجسور، ويقدم كل أفعال الخير للناس، لكنه يقدم ذلك بدافع الإنسانية، وقد يصوم ويصلي ويؤدي الواجبات، لكنه غير مؤمن في قرارة نفسه وغير مقتنع بالدين من أصله، وقد يؤدي أعمالاً نعجز نحن أن نؤدي جزءاً منها، لكنها لا تبدأ ولا تنتهي بمتابعة النبي ﷺ ، وإنما كلما أعجبه شيء من هذه الأعمال فعله، ونسي أن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، فكلما أعجبه شيء من العبادات فعله، وهكذا حتى إذا قدم على الله لا يجد شيئاً من هذه الأعمال أبداً.
فما هو مثل هذه الرجل الذي لا يقوم عمله على الإخلاص والمتابعة والإيمان؟ مثله كمثل إنسان كان يسير في صحراء فعطش وليس معه ماء، وكان في شدة القيظ والحر، فرأى من بعيد شيئاً كالماء على سطح الأرض يسميه أهل اللغة (السراب) وسمي السراب لأنه يتسرب كما يتسرب الماء، وإذا كان ممتداً بين السماء والأرض يسمونه (الآل) فصار يركض وراء هذا السراب, وكلما قرب من هذا السراب ابتعد هذا السراب، حتى يهلك دون هذا السراب، حتى السراب لم يجده فضلاً عن أن يجد الماء, هذا هو المثل الذي ضربه الله لمن عمله ظاهره الخير وباطنه الفساد.
فيكون العمل فاسداً ولو كان ظاهره الخير إذا فقد أحد ثلاثة شروط: الإيمان بالله ، والإخلاص لله ، والمتابعة للرسول ﷺ , فبدون هذه الشروط يكون العمل كالسراب، وفي آية أخرى قال الله : ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم:١٨] فلو هبت الريح على رماد فإنها لا تترك منه ذرة واحدة.
قوله: (بقيعة) أي: أرض مستوية.
قوله: (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) أي: ولا سراباً.
أما في يوم القيامة فأعماله هذه يجدها، قال سبحانه: (ووجد الله عنده فوفاه حسابه) أي: لم يظلمه الله.
لكن عمله كان فاسداً؛ لأنه لا يقوم على قاعدة الإيمان والإخلاص والمتابعة، والله لا يظلم مثقال ذرة، فأرسل المرسلين ليكونوا قدوة للبشر، ولينذروهم وليبشروهم.
وهذا المثل ضربه الله للذي لا يأخذ منهجه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإنما أخذ منهجه من آبائه وأجداده، أو من مجتمعه ولو كان المجتمع منحلاً أو فاسداً، قال الله عنهم وعن رسولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٣ - ٢٤].
إذاً المسلم يأخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن العلماء الموثوقين الذين يثق بإيمانهم ودينهم، وليحذر التقليد، خاصة في أصول دينه؛ لأنه حينما يقلد في أصول دينه يسير على منهج آبائه وأجداده، وقد يضل الطريق من هذه الناحية، فيكون عمله -نسأل الله العافية والسلامة- كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
стр. 665
المفسدون العصاة
هناك نوع آخر فاسد وعمله فاسد، ويعرف أن عمله فاسد، ومع ذلك يضع السيئة تلو السيئة والكبيرة فوق الصغيرة والأكبر من الكبيرة فوق الكبيرة، ولربما يمرق من الدين نعوذ بالله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] فتراه يترك الواجبات ويرتكب كل المحرمات وهو يعرف ذلك، هذا ضرب الله له مثلاً آخر غير مثل الرجل الأول، قال : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور:٤٠]، فلو أن واحداً منا غاص في بحر عميق كثير الماء عظيم اللجة، وكان البحر مضطرباً بالأمواج، وكان فوق هذه الأمواج أمواج أُخر، وكان فوق الأمواج الثانية سحاب وهو في قعر البحر فإنه يصبح وكأنه في أشد ما يكون من الظلام، بحيث لو رفع يده وهي أقرب أعضائه إليه لينظر إليها لم يرها، هذا هو المشبه به، والمشبه هو صاحب الكبائر الذي ركب كل الذنوب -نعوذ بالله- وأدبر عن الله ، وترك الواجبات وفعل المحرمات، إذا قدم على الله لا يجد إلا ظلاماً في ظلام، إلا أن يعود إلى ربه قبل أن تعاجله المنية.
стр. 666
الفرق بين رجال المساجد ورواد محاضن الفساد
إن أي قوم يتربون بعيدين عن المسجد فإن عاقبتهم وخيمة، وأي قوم يتربون في المساجد فهم الرجال الذين سيخلصون هذه الأمة في مستقبلها القريب والبعيد من أزمات كثيرة، ولذلك أقول: لا سبيل إلى إصلاح أبنائنا وإصلاح الأجيال القادمة والأمم اللاحقة إلا أن يتربى هؤلاء الشباب في المساجد في حلق الذكر ومجالس العلم، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، ويحضرون الصلوات الخمس، ويقفون أمام الرجال العقلاء، ويعرفون الله حق المعرفة، ويتصورون ساعة الوقوف بين يدي الله ، وحينئذٍ سيكون هؤلاء رجالاً.
أما لو ربينا أبناءنا في أماكن أخرى أمام الأفلام والمحرمات والمواخير ودور الفساد والخمر وما أشبه ذلك فستنشأ ناشئة لا تعرف الله ، ولا تعرف حق الآباء ولا حق الأهل ولا العشيرة، ولا حق الوطن، ولا حق المستقبل، ولا حق الأجيال اللاحقة.
فالشباب الذين يتربون في المساجد هم الذين يعمرون هذه الحياة، ولذلك فإنه يلزم أي واحد منا أن يربي أولاده في المسجد، وأن يأخذهم معه إلى المسجد حيث أمر الرسول ﷺ بقوله: (مروا أبناءكم للصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع).
стр. 667
نماذج من شباب ورجال المساجد
المساجد هي التي ربت الرجال، اقرأ تاريخ البشرية بصفة عامة، واقرأ تاريخ الإسلام بصفة خاصة لتعرف كيف ربى الإسلام الرجال، شباب في سن المراهقة، لكن كانت عقولهم ومستوياتهم فوق عقول الرجال في أيامنا الحاضرة، فهذا أسامة بن زيد ﵁ حب رسول الله وابن حب رسول الله ﷺ قاد الجيش إلى بلاد الشام وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقد جهز هذا الجيش ﷺ قبل وفاته، فلما مات رسول الله ﷺ اختلف أبو بكر وعمر هل يسير هذا الجيش إلى بلاد الشام أو يبقى، فـ عمر ﵁ يرى أن يبقى هذا الجيش لحراسة المدينة، وأبو بكر يرى أن يذهب هذا الجيش تحقيقاً لتجهيز رسول الله ﷺ وأمره، وفعلاً يسير هذا الجيش ويظهر قوةً للأمة الإسلامية، ويبين للرومان أن الأمة الإسلامية بالرغم من وفاة رسولها ﷺ أنها ما زالت بخير، وأنها أرسلت هذا الجيش الجرار إلى بلاد الشام من المدينة، ويقوده رجل لا يتجاوز الثامنة عشر من عمره.
وهذا محمد بن القاسم رحمة الله عليه رجل في السابعة عشرة من عمره قاد جيشاً إلى بلاد السند، وفتح لنا شبه القارة الهندية التي تعتبر الآن من أكثر بلاد الإسلام كثافة، فتحها هذا الشاب وهو لا يتجاوز السابعة عشرة من عمره.
ومن هؤلاء الرجال عقبة بن نافع ﵁، الرجل الذي كان يقود جيشاً في شمال أفريقية، ويسابق الشمس على مطالعها، ويصل بجيشه إلى تونس الحالية، وعندما أراد أن يبني مدينة القيروان لتكون قاعدة للمسلمين في شمال أفريقية أتى إليه أهل تلك البلاد وقالوا له: يرحمك الله أيها الأمير! هنا غابات رجع الفاتحون دونها, فلن تستطيع أن تبني فيها مدينة القيروان.
فيقول لهم: لابد من أن أبني فيها مدينة القيروان.
ويقف على جانب الغابة ويخاطب الوحوش ويقول: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد ﷺ جئنا هنا لننشر الإسلام.
يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها تخلي الغابة لـ عقبة بن نافع ليقيم عليها مدينة القيروان.
ثم يسير هذا البطل المؤمن ابن المسجد متجهاً إلى جهة الغرب حتى يغرز قوائم فرسه في مياه المحيط الأطلسي ويقول: لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً لخضته إليه على فرسي.
وينشر الإسلام في شمال أفريقية ويستشهد هناك.
أما قتيبة بن مسلم فإنه اتجه شرقاً, ففتح بلاد ما وراء النهر وتوغل فيها، ثم سأل أصحابه ذات يوم وقال: أي بلد أمامنا؟ فقالوا: يرحمك الله هذه بلاد الصين.
فقال: والله لا أرجع إلى أهلي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين, وأضع وسم المسلمين على الصينيين, وأفرض عليهم الجزية.
ثم تصل الأخبار إلى ملك الصين, فيخاف من قتيبة بن مسلم رحمة الله عليه, ويرسل صحافاً من الذهب قد ملئت بتراب الصين ويرسل أبناءه الأربعة ويرسل الجزية ويقول: هذه تربة الصين ليبر قتيبة بقسمه ويطأها وهو في مكانه, وهذه هي الجزية، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم وسم العرب.
ثم يعود قتيبة بن مسلم إلى بلاده بعد أن نشر الإسلام في أقصى الشرق.
стр. 668
أهمية المسجد في تخريج الرجال
المساجد مازالت -ولن تزال- وستبقى بإذن الله تربي الرجال حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وإذا أردت دليلاً على ذلك فانظر إلى ما أحدثته المساجد في أيامنا الحاضرة, فهذه الصحوة الإسلامية المباركة العارمة التي أصبحت تقض على العدو مضجعه، فلا ينام من الليل إلا قليلاً, هؤلاء هم من إنتاج المساجد, أما إنتاج الأماكن الأخرى فلا أريد أن أذكره؛ لأن له مكاناً آخر.
إذاً المساجد هي بيوت الله, والرجال لا يتربون تربية حقة إلا في المساجد, والذين نشئوا في المساجد وعلقت قلوبهم بالمساجد هم خير البشرية، وهم الذين سيعيدون لهذه الأمة مجدها وعزتها وكرامتها، ويوم أعرض الناس عن المساجد مدة طويلة من الزمن، وقبل أن تكون هذه الصحوة الإسلامية المباركة رأينا المصائب تترى وتتوالى على هذه الأمة، فأصبحت بلاد المسلمين تتساقط بأيدي الكافرين حصناً بعد حصن، وبلداً بعد بلد، ودولة بعد دولة، وتقسم بلاد المسلمين بمقدار ما أعرض الناس عن هذه المساجد، ويوم يعود الناس إلى هذه المساجد يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء.
стр. 669
ضرورة تربية النشء في المساجد والتحذير من التفريط عن ذلك
الأمانة التي بين أيدينا عظيمة، والله سائلنا عن هذه الأمانة، ألا وهي الذرية، وهذه الذرية إذا تربت في المساجد فسنجني ثمارها بالبر والصلة؛ لأن رسول الله ﷺ قد أخبرنا بأن الولد الصالح يستفيد منه أبوه في حياته بالبر ويستفيد منه أيضاً بعد موته، يقول ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
وفي الآخرة، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١]، والمؤمنون هم الذين يفعلون الأسباب، وذلك بأن يربوا هذه الذرية وفق المنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه، وفي المسجد بصفة خاصة، ثم يمدون أكف الضراعة لله ويقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤].
أما النوع الآخر الذي يفرط في هذه الأمانة وينشغل بمتاع الحياة الدنيا عن تربية هذا النشء فإن أخوف ما أخاف عليه أن يجني ثمار هذا التفريط عما قريب، فيكون العقوق وتكون القطيعة، وأتوقع أن يكون هذا الولد مصيبةً على أبويه، أما في الحياة الآخرة فإنها المصيبة الكبرى، يوم يوقف هذا الولد وتوقف تلك البنت وهذا الأب وتلك الأم بين يدي الله أحكم الحاكمين ويقول الولد لربه: يا رب! زد أبي هذا عذاباً ضعفاً من النار؛ فإنه خانني فلم يحسن تربيتي.
أخي الكريم! الرجال لا يتربون إلا في المساجد، فعلينا أن نبذل كل ما في وسعنا وطاقتنا لننشئ أولاداً صالحين تقر بهم أعيننا في الحياة الدنيا، وتقر بهم عيون المجتمع، وحينئذٍ فإن الله بمقدار ما يقدمه هذا النشء الصالح الذي ربيناه في المسجد سيكتب لنا الحسنات؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
ألا فلنكن من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١].
والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فلنحفظ هذا النشء، ولنصن هذه الذرية من قرناء السوء، ومن هذا الفساد العريض الذي انتشر في المجتمعات الإسلامية، ولنحفظهم من الأفلام والمحرمات، ومن اللهو واللعب، ولنتق الله في هذه الأمانة.
стр. 670
الأسئلة
следующие страницы →