Полный текст (1 366 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الفرق بين رجال المساجد ورواد محاضن الفساد
إن أي قوم يتربون بعيدين عن المسجد فإن عاقبتهم وخيمة، وأي قوم يتربون في المساجد فهم الرجال الذين سيخلصون هذه الأمة في مستقبلها القريب والبعيد من أزمات كثيرة، ولذلك أقول: لا سبيل إلى إصلاح أبنائنا وإصلاح الأجيال القادمة والأمم اللاحقة إلا أن يتربى هؤلاء الشباب في المساجد في حلق الذكر ومجالس العلم، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، ويحضرون الصلوات الخمس، ويقفون أمام الرجال العقلاء، ويعرفون الله حق المعرفة، ويتصورون ساعة الوقوف بين يدي الله ، وحينئذٍ سيكون هؤلاء رجالاً.
أما لو ربينا أبناءنا في أماكن أخرى أمام الأفلام والمحرمات والمواخير ودور الفساد والخمر وما أشبه ذلك فستنشأ ناشئة لا تعرف الله ، ولا تعرف حق الآباء ولا حق الأهل ولا العشيرة، ولا حق الوطن، ولا حق المستقبل، ولا حق الأجيال اللاحقة.
فالشباب الذين يتربون في المساجد هم الذين يعمرون هذه الحياة، ولذلك فإنه يلزم أي واحد منا أن يربي أولاده في المسجد، وأن يأخذهم معه إلى المسجد حيث أمر الرسول ﷺ بقوله: (مروا أبناءكم للصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع).
стр. 667
نماذج من شباب ورجال المساجد
المساجد هي التي ربت الرجال، اقرأ تاريخ البشرية بصفة عامة، واقرأ تاريخ الإسلام بصفة خاصة لتعرف كيف ربى الإسلام الرجال، شباب في سن المراهقة، لكن كانت عقولهم ومستوياتهم فوق عقول الرجال في أيامنا الحاضرة، فهذا أسامة بن زيد ﵁ حب رسول الله وابن حب رسول الله ﷺ قاد الجيش إلى بلاد الشام وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقد جهز هذا الجيش ﷺ قبل وفاته، فلما مات رسول الله ﷺ اختلف أبو بكر وعمر هل يسير هذا الجيش إلى بلاد الشام أو يبقى، فـ عمر ﵁ يرى أن يبقى هذا الجيش لحراسة المدينة، وأبو بكر يرى أن يذهب هذا الجيش تحقيقاً لتجهيز رسول الله ﷺ وأمره، وفعلاً يسير هذا الجيش ويظهر قوةً للأمة الإسلامية، ويبين للرومان أن الأمة الإسلامية بالرغم من وفاة رسولها ﷺ أنها ما زالت بخير، وأنها أرسلت هذا الجيش الجرار إلى بلاد الشام من المدينة، ويقوده رجل لا يتجاوز الثامنة عشر من عمره.
وهذا محمد بن القاسم رحمة الله عليه رجل في السابعة عشرة من عمره قاد جيشاً إلى بلاد السند، وفتح لنا شبه القارة الهندية التي تعتبر الآن من أكثر بلاد الإسلام كثافة، فتحها هذا الشاب وهو لا يتجاوز السابعة عشرة من عمره.
ومن هؤلاء الرجال عقبة بن نافع ﵁، الرجل الذي كان يقود جيشاً في شمال أفريقية، ويسابق الشمس على مطالعها، ويصل بجيشه إلى تونس الحالية، وعندما أراد أن يبني مدينة القيروان لتكون قاعدة للمسلمين في شمال أفريقية أتى إليه أهل تلك البلاد وقالوا له: يرحمك الله أيها الأمير! هنا غابات رجع الفاتحون دونها, فلن تستطيع أن تبني فيها مدينة القيروان.
فيقول لهم: لابد من أن أبني فيها مدينة القيروان.
ويقف على جانب الغابة ويخاطب الوحوش ويقول: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد ﷺ جئنا هنا لننشر الإسلام.
يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها تخلي الغابة لـ عقبة بن نافع ليقيم عليها مدينة القيروان.
ثم يسير هذا البطل المؤمن ابن المسجد متجهاً إلى جهة الغرب حتى يغرز قوائم فرسه في مياه المحيط الأطلسي ويقول: لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً لخضته إليه على فرسي.
وينشر الإسلام في شمال أفريقية ويستشهد هناك.
أما قتيبة بن مسلم فإنه اتجه شرقاً, ففتح بلاد ما وراء النهر وتوغل فيها، ثم سأل أصحابه ذات يوم وقال: أي بلد أمامنا؟ فقالوا: يرحمك الله هذه بلاد الصين.
فقال: والله لا أرجع إلى أهلي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين, وأضع وسم المسلمين على الصينيين, وأفرض عليهم الجزية.
ثم تصل الأخبار إلى ملك الصين, فيخاف من قتيبة بن مسلم رحمة الله عليه, ويرسل صحافاً من الذهب قد ملئت بتراب الصين ويرسل أبناءه الأربعة ويرسل الجزية ويقول: هذه تربة الصين ليبر قتيبة بقسمه ويطأها وهو في مكانه, وهذه هي الجزية، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم وسم العرب.
ثم يعود قتيبة بن مسلم إلى بلاده بعد أن نشر الإسلام في أقصى الشرق.
стр. 668
أهمية المسجد في تخريج الرجال
المساجد مازالت -ولن تزال- وستبقى بإذن الله تربي الرجال حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وإذا أردت دليلاً على ذلك فانظر إلى ما أحدثته المساجد في أيامنا الحاضرة, فهذه الصحوة الإسلامية المباركة العارمة التي أصبحت تقض على العدو مضجعه، فلا ينام من الليل إلا قليلاً, هؤلاء هم من إنتاج المساجد, أما إنتاج الأماكن الأخرى فلا أريد أن أذكره؛ لأن له مكاناً آخر.
إذاً المساجد هي بيوت الله, والرجال لا يتربون تربية حقة إلا في المساجد, والذين نشئوا في المساجد وعلقت قلوبهم بالمساجد هم خير البشرية، وهم الذين سيعيدون لهذه الأمة مجدها وعزتها وكرامتها، ويوم أعرض الناس عن المساجد مدة طويلة من الزمن، وقبل أن تكون هذه الصحوة الإسلامية المباركة رأينا المصائب تترى وتتوالى على هذه الأمة، فأصبحت بلاد المسلمين تتساقط بأيدي الكافرين حصناً بعد حصن، وبلداً بعد بلد، ودولة بعد دولة، وتقسم بلاد المسلمين بمقدار ما أعرض الناس عن هذه المساجد، ويوم يعود الناس إلى هذه المساجد يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء.
стр. 669
ضرورة تربية النشء في المساجد والتحذير من التفريط عن ذلك
الأمانة التي بين أيدينا عظيمة، والله سائلنا عن هذه الأمانة، ألا وهي الذرية، وهذه الذرية إذا تربت في المساجد فسنجني ثمارها بالبر والصلة؛ لأن رسول الله ﷺ قد أخبرنا بأن الولد الصالح يستفيد منه أبوه في حياته بالبر ويستفيد منه أيضاً بعد موته، يقول ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
وفي الآخرة، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١]، والمؤمنون هم الذين يفعلون الأسباب، وذلك بأن يربوا هذه الذرية وفق المنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه، وفي المسجد بصفة خاصة، ثم يمدون أكف الضراعة لله ويقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤].
أما النوع الآخر الذي يفرط في هذه الأمانة وينشغل بمتاع الحياة الدنيا عن تربية هذا النشء فإن أخوف ما أخاف عليه أن يجني ثمار هذا التفريط عما قريب، فيكون العقوق وتكون القطيعة، وأتوقع أن يكون هذا الولد مصيبةً على أبويه، أما في الحياة الآخرة فإنها المصيبة الكبرى، يوم يوقف هذا الولد وتوقف تلك البنت وهذا الأب وتلك الأم بين يدي الله أحكم الحاكمين ويقول الولد لربه: يا رب! زد أبي هذا عذاباً ضعفاً من النار؛ فإنه خانني فلم يحسن تربيتي.
أخي الكريم! الرجال لا يتربون إلا في المساجد، فعلينا أن نبذل كل ما في وسعنا وطاقتنا لننشئ أولاداً صالحين تقر بهم أعيننا في الحياة الدنيا، وتقر بهم عيون المجتمع، وحينئذٍ فإن الله بمقدار ما يقدمه هذا النشء الصالح الذي ربيناه في المسجد سيكتب لنا الحسنات؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
ألا فلنكن من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١].
والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فلنحفظ هذا النشء، ولنصن هذه الذرية من قرناء السوء، ومن هذا الفساد العريض الذي انتشر في المجتمعات الإسلامية، ولنحفظهم من الأفلام والمحرمات، ومن اللهو واللعب، ولنتق الله في هذه الأمانة.
стр. 670
الأسئلة
стр. 671
البطاقة التعريفية للشيخ عبد الله الجلالي
السؤال
نريد من فضيلة الشيخ عبد الله أن يقدم لنا بطاقته الشخصية؟
الجواب
أخوكم عبد الله الجلالي، تخرجت من كلية الشريعة عام (١٩٨١م)، ودرست في المعاهد العلمية، والآن أدرس في جامعة الإمام أحياناً في القصيم في كلية الشريعة، وما عندي أكثر من هذا.
стр. 672
المحافظة على الفرائض وترك المنكرات خير عظيم في الرجل
السؤال
أنا شاب ملتزم والحمد لله، ولكنني كسول في النوافل، فأنا قليل القراءة للقرآن الكريم، وقليل القيام في الليل، وقليل الصيام من النوافل، فهل أنا من الرجال مع وجود هذه العيوب، رغم أنني أصلي وأصوم ونسبة المعاصي قليلة ولله الحمد؟
الجواب
الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) إلى آخر الحديث، فالفرائض إذا أديناها نرجو من الله خيراً، ولا نعتمد على عملنا وإنما نعتمد على رحمة الله؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)، أما النوافل فإنها تزيد الإنسان قرباً من الله ، ولذلك -كما في الحديث القدسي- يقول الله : (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) أسأل الله لي ولك -يا أخي- الثبات ما دمت تؤدي الفرائض وبعض النوافل، ولكن زد من النوافل بقدر الاستطاعة؛ لأن هذه النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة، فإذا حاسب الله عبده يوم القيامة ونقصت الأعمال قال الله : (انظروا هل لعبدي من تطوع؟) فتطوع الصلاة تكمل به فرائض الصلاة يوم القيامة، وتطوع الحج يكمل به فريضة الحج يوم القيامة، وتطوع الصوم يكمل به فرض الصيام يوم القيامة، وهكذا سائر النوافل.
أقول: يا أخي! إن رأس الإيمان هو خشية الله ما دمت قد تركت المنكرات وأديت الواجبات، لكن علينا أن نسابق إلى الخيرات ونسارع إليها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] والخيرات يدخل فيها الفرائض والنوافل، ونسابق الناس إليها، ونسأل الله أن يتوفانا وإياكم على ملة التوحيد؛ لأن من مات لا يشرك بالله شيئاً مع ما يؤديه من الفرائض وكان قد تخلص من حقوق الناس نرجو له الخير عند الله .
стр. 673
حقيقة المؤمن بين الدنيا والآخرة
السؤال
إن الرجال الذين يتربون في المساجد هم من المؤمنين، لكن هل يعني هذا أنهم يمكن أن يبتعدوا عن واقع الحياة والناس خارج المسجد؟
الجواب
هنا ذكر الله تعالى الرجال وقال: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٧]، والعلماء والمفسرون ذكروا معنيين لهذه الآية: فبعضهم قالوا: ليست لهم تجارة وليست لهم أعمال.
على حد قول الشاعر: على لاحب لا يهتدى بمناره أي: ليس له منار يهتدى به.
وجمهور المفسرين على أن لهم تجارة، ويؤيد هذا الرأي سبب النزول، أو قول بعض الصحابة حينما رأى الصحابة وهم يغلقون متاجرهم ويهرولون إلى المسجد قال: (في هؤلاء نزل قول الله : ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]).
وعلى هذا نقول: إن هؤلاء لهم تجارة، لكن هذه التجارة لم تلههم عن ذكر الله ، أما أن ينعزل المسلم عن المجتمع فلا، لا ينعزل عن المجتمع، وإنما المسلم يتعامل مع الناس في حدود ما أباح الله ، لكن هذا التعامل لا يجوز أن يشغله عن ذكر الله ، فإن شغله عن ذكر الله أصبح هذا التعامل حراماً لا لذاته وإنما لما ترتب عليه، ولذلك نعرف من أصحاب رسول الله ﷺ أصحاب أموال، وأصحاب متاجر، وأصحاب أعمال، كـ عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، لكن هذه الأعمال كانوا يتخذونها قربة إلى الله ، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٧ - ١٨]، فدل على أن الأتقى قد يكون صاحب مال، والأتقى هو أفضل الناس وأكثرهم تقوى.
إن التجرد من الحياة الدنيا أمر غير مطلوب في شرع الله ، ونحن نعرف قصة الصحابة الثلاثة ﵃ الذين فكروا في شيء من التنطع في الدين فجاءوا إلى بيت رسول الله ﷺ وسألوا عن عمله في السر، فلما أخبروا قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد، وقال الثاني: أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر.
وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء.
فلما علم الرسول ﷺ غضب وقام خطيباً وقال: (أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
إذاً الرهبانية في الإسلام والانقطاع للعبادة وترك العمل هذا أمر غير مقبول، فالمسلم كما وصفه الله بقوله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، ونعرف الوصايا التي قدمها العقلاء لـ قارون -ولو قبلها لكان خيراً له- حيث حكى الله قولهم: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧].
إذاً نقول لهؤلاء الناس: اشتغلوا في الدنيا بقدر الاستطاعة، لكن اشتغلوا للآخرة فوق ذلك، واجعلوا الدنيا في أكفكم والآخرة في قلوبكم.
أما أن تطغى وتزيد أعمال الدنيا على أعمال الآخرة، أو أن يتخذ الإنسان هذه الدنيا وسيلة لمعصية الله فهذا الذي لا يصح من المؤمن، لكن إذا اتخذها وسيلة لطاعة الله ومطية لحياة أفضل فهذه هي صفة المؤمن.
стр. 674
كيفية تذوق طعم الإيمان
السؤال
إنني ملتزم منذ مدة طويلة ولله الحمد، ولكنني لم أتذوق حلاوة الإيمان حتى الآن، فكيف يتم ذلك؟
الجواب
يقول الرسول ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاًً)، فما دمت قد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً فأنت ذقت طعم الإيمان، والإيمان ليس طعماً يذاق ويشعر الإنسان أو كل الناس بطعمه، الإيمان في الحقيقة لذة لا تساويها أي لذة في هذه الحياة، ونعمة لا تساويها أي نعمة، ولكني أقول: ما دمت -يا أخي- قد بدأت الطريق إلى الله ، وسرت سيرة حميدة فلابد من أن تذوق طعم الإيمان، وإني أخشى من أنك لم تلتزم كل الالتزام؛ لأنك حينئذ لو التزمت كل الالتزام لذقت طعم الإيمان.
والحقيقة أن طعم الإيمان يدركه المؤمن، وطعم الإيمان هو هذه السعادة وهذه اللذة التي يشعر بها الإنسان داخل نفسه، وإن كان في مصائب خارج نفسه، وهي التي يقول الله عنها: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] ويقول عنها : ﴿وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣].
ويقول عنها ابن تيمية رحمة الله عليه: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
ويقصد بجنة الدنيا لذة الإيمان.
ويقول عنها إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة الإيمان لجالدونا عليها بالسيوف.
هذه اللذة تدركها يا أخي، فأنت تشعر بالراحة والطمأنينة، بل تشعر بالخلود؛ لأن غير المؤمن لا يشعر بالخلود، فهو يعتبر أن الموت هو النهاية، أما أنت -أيها المؤمن- فإنك تعتبر الموت هو البداية وليس النهاية، وتؤمن بقضاء الله وقدره، فإذا أصابتك مصيبة لا تجد جزعاً في نفسك؛ لأنك مؤمن، أما ذلك البعيد فإنه لا يستطيع أن يتحمل أي مصيبة من المصائب؛ لأنه لا يجد لذة الإيمان، وإذا أردت الدليل على ذلك فاقرأ أخبار العالم الذي تجرد من لذة الإيمان، كيف أصبح الانتحار عندهم يسجل بالثانية والدقيقة في هذا العالم؛ لأنهم لم يذوقوا بعض طعم ولذة الإيمان، أسأل الله أن يذيقني وإياك والمسلمين كافة طعم الإيمان.
стр. 675
حقيقة البطل بين الماضي والحاضر
السؤال
كنا عندما تذكر البطولة والبطل لا تنصرف العقول إلا إلى حمزة وخالد وعلي وأسامة وأمثالهم، واليوم أصبحت العقول تنصرف إلى أبطال المصارعة والملاكمة والكرة، فما الفرق بين بطولة هؤلاء وبطولة أولئك؟
الجواب
الحقيقة أنه ليس هناك تقارب حتى يكون هناك فرق، وأن الفساد الذي بدأ يصور لنا البطولة في هذا النوع من أصحاب الملاكمة وغيرها إنما هو بسبب فساد في الأذواق وانحراف في الفطرة، حتى أصبحنا لا نتصور معنى البطولة، كما أصبحنا لا نتصور معنى الرجولة، وعلى هذا فإن الرسول ﷺ قد أخبرنا بأن الأمانة سوف تفقد حتى يقال للرجل: ما أحلمه ما أعظمه وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان؛ لأن الموازين والمعايير والمقاييس قد اختلت في أيامنا الحاضرة، فأصبحت هناك موازين ومقاييس غير الموازين والمقاييس التي يجب أن يأخذ بها الناس، لكن في إمكان الناس بأن يقرءوا تاريخهم الحق فيعرفوا من هو البطل ومن هم الرجال، ليعرفوا بعد ذلك الفرق بين البطل في الماضي والبطل في الحاضر.
стр. 676
التحذير من قضاء الفراغ في الحرام والدعوة إلى استغلال الفراغ في المباح
السؤال
نريد إسداء نصيحة للشباب، خاصة في شأن الأيام التي تعتبر أيام إجازة مدرسية، وقد يستغلها بعض الشباب في اللهو الذي أدخلوا عليه كلمة (بريء) فما معنى بريء؟ وهل هناك بريء وغير بريء؟
الجواب
نعم هناك بريء وهناك غير بريء، بريء من الله وبريء من الدين، وهناك شيء غير بريء.
والحق أن الفراغ من أكبر العوامل التي تضر بالناس وبالشباب بصفة خاصة، كما قال الشاعر: إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة والذي حدث اليوم هو أن هناك فراغاًَ وأن هناك شباباً وهناك جدة، فأصبحت هذه الأشياء تستغل فيما لا يرضي الله ، سيما عند غفلة المصلحين والموجهين والمربين.
إن عشرات الآلف، بل مئات الآلاف من شباب المسلمين يذهبون اليوم إلى بلاد لا تعرف الله ولا تعرف الدين ولا تعرف الخلق ولا تعرف أي شيء من ذلك، ويكون الزحام على الطيران وعلى دوائر الجوازات على أشده، والمصيبة أن هناك خدمات تقدم لهؤلاء الشباب وتسهيلات وتخفيضات ودعايات ليُذهب بهم إلى تلك البلاد الكافرة، ولقد رأيت بعيني الشاب يتأبط الشابة في المطعم وفي السوق وأمام الناس دون حياء من الله أو خجل من الناس، وهؤلاء الشباب هم من أبناء المسلمين، يرتدي أحدهم الشماغ والثوب والعقال ولا يبالي وكأنها زوجته، ولربما يخجل من أن يمسك يد زوجته أمام الناس، وهذا يحدث في مثل هذه الإجازات، وكثير من شبابنا يرقبون عقارب الساعة ينتظرون مثل هذه الفرص، وهذه من أكبر البلايا.
فالشباب المؤمن لا يعرف الفراغ، فحياته كلها مشغولة فيما يرضي الله ، وهناك فرص يجب أن يستغلها هؤلاء الشباب قبل أن يستغلها العدو لينفذ من خلالها إلى عقول هؤلاء الشباب، المكتبات الآن تعرض شتى أنواع العلوم والمعارف، وتشتكي إلى الله قلة الرواد، وكذلك مدارس تحفيظ القرآن، فنحن لا نريد أن نحجز الناس عن أماكن الترفيه، لكن نقول: يجب أن يكون في حدود المباح، أما إذا وصل الأمر إلى المحرم فهنا يكون الخطر.
وأنا أدعو إخواني المؤمنين إلى أن يتفقدوا شبابهم وأولادهم، وأن يُربوهم التربية الطيبة، وأن يختاروا لهم الرفقة الصالحة، وحينئذٍ سيكون ذلك كله -بإذن الله- حماية وصيانة لهؤلاء الشباب عن هذه الأشياء الخطيرة التي أشرت إلى شيء منها، والله المستعان.
стр. 677
حقيقة الخشوع في الصلاة
السؤال
ورد عن عمر أنه كان يجهز الجيش وهو في صلاته، فكيف نجمع بين هذا وما عرف عنهم ﵃ من الخشوع؟
الجواب
لا شك أن الخشوع هو لب الصلاة، والله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، ولا أدري هل يصح هذا القول عن عمر أو لا يصح؟ ولو صح هذا القول عن عمر فيكفي أن عمر ﵁ إنما يشتغل في الصلاة بما يرضي الله ، أما نحن فنشتغل بأعمالنا وحاجاتنا وببيعنا وشرائنا، هذا هو الذي يحدث كثيراً لدى كثير من الناس، لكني أشك في صحة ذلك عن عمر؛ لأن هذه الصلاة لا يجوز أن يكون فيها شيء غير الصلاة، بحيث يتصور هذا الواقف بين يدي الله عظمة الموقف، فيتصور هذه العظمة فلا يفكر في أي شيء غير هذه الصلاة.
стр. 678
حكم من يخرج بأهله إلى المحلات التجارية لشراء حاجاتهم
السؤال
ما الحكم في الظاهرة التي نشاهدها في هذه الأيام، عندما يأخذ الرجل زوجته أو أخته أو بنته إلى المحلات التجارية، وإن كان بزعمه أنها مغطاة، مع ما ينتشر في هذه المحلات من الأسباب التي تعرضها للفتنة؟
الجواب
هذا خير من الذي يترك زوجته أو أخته أو ابنته تذهب إلى المحلات التجارية لوحدها، وخير من هذا وذاك الذي يقضي حاجة أهله وهم في بيوتهم.
وعلى كلٍ فالعصر الذي نعيشه اليوم عصر فتنة، والمسلم مطالب بأن يتقي هذه الفتنة، والله تعالى يقول للنساء: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] ويقول عن الرجال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ومعنى ذلك أن الرجل مطالب بأن يحضر كل حاجات أهله، حتى لا يضطر أهله إلى الخروج من المنزل إلى مكان آخر، لكن يتسامح في هذا الخروج إذا كان يخرج معها محرمها وهي محجبة ولا ترى فتناً تعترض سبيلها، ولا تدخل المحلات التجارية التي لربما تؤدي إلى أن تستهين بالاختلاط بالرجال، فإذا وجدت كل هذه الاحتياطات فالأمر أسهل.
стр. 679
حكم العادة السرية ونصيحة لمن يمارسها
السؤال
بعض الشباب يمارس العادة السرية، فما هي نصيحتكم لهؤلاء الشباب عافانا الله وإياهم؟
الجواب
لا شك أن العادة السرية مما نهى الله عنه، فالله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فقد حدد الله الإباحة في أمرين: الزوجة وملك اليمين، وما سوى ذلك فقد عد الله تعالى فاعله من العادين، أي: متعدياً لحدود الله .
والعادة السرية من التعدي لحدود الله ، لكن لا شك أنها أخف من الزنا، فلو رأى أنه سيقع في الزنا لا محالة في أي لحظة من اللحظات، وأراد أن يخرج هذا الماء بهذه الطريقة لكان أسهل؛ لأنه ارتكب أخف الضررين، لكن العادة السرية -كما يقول العلماء- لا شك أنها محرمة ومنهي عنها، ومضرة بالصحة وبالعقل أيضاً، ومضرة بالحياة التناسلية، وتؤدي إلى إفساد هذا الماء الذي يجب أن يكون لإنتاج الذرية الصالحة، وعلى هذا فإنها منهي عنها، فمن ابتلي بها فعليه أن يبادر بالتوبة، وأن يأخذ بالاحتياطات، وأهم هذه الاحتياطات هي الزواج، فالله لما ذكر الزنا في سورة النور وذكر أسبابه، ذكر ما يحول بين المسلم وبين الزنا، وذكر آخرها وأهمها بقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، ولذلك ندعو الذي ابتلي بهذه العادة إلى الزواج والمبادرة إليه؛ لأنه يعتبر حصانة، كما قال ﵊: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج).
стр. 680
الآثار المترتبة على كثرة تكاليف الزواج
السؤال
نود الحديث عن تكاليف الزواج؛ حيث وإن المتزوج يكلفه الزواج إلى مائة وعشرين ألف ريال، وأنا أرغب في الزواج، ولكن ليس عندي هذا المبلغ، فلعل الله أن يهدي آباء البنات الذين حالوا بيننا وبين الحلال؟
الجواب
يقول الرسول ﷺ : (أكثرهن بركة أيسرهن مئونة)، قوله: (أكثرهن بركة) أي: المرأة التي مهرها قليل تكون كثيرة البركة.
وبالمفهوم أن المرأة التي مهرها كثير تكون قليلة البركة، وهذا ما نشاهده، فالزوج الذي يستدين أموالاً كثيرة ليتزوج ثم يتزوج فإنه يعيش مع هذه المرأة ويشعر بأنها عبء ثقيل عليه؛ لأنها كانت سبباً في هذه الديون وهذه الالتزامات والقروض التي أصحبت في ذمته، ولعل هذه من أكبر الأشياء التي نشاهدها.
أما الطلاق فإنه من خلال تتبعنا لأحوال الناس نجد أنه يكثر بمقدار ما تكثر مئونة الزواج، فالذين يتزوجون في الفنادق الراقية ويذبحون الأنعام الكثيرة لا تبقى زوجاتهم معهم كثيراً، والذين يحصلون على المرأة بتكاليف أقل وأسهل غالباً يوفقون في زواجهم، ولذلك أقول: علينا أن نتعاون في هذا الأمر؛ لأنه ليس هناك إلا طريقان: طريق حلال وطريق حرام، فالطريق الحلال هو الزواج، والطريق الحرام هو الزنا، والطريق الحلال يحتاج إلى تعاون الناس أجمعين ليقع الزواج، اسيما ونحن في فترة كثرت فيها الفتن والمغريات، وعرضت المرأة أمام الناس، فأصبحت من أكبر المشاكل التي تعترض سبيل الناس وسبيل الشباب العزاب بصفة خاصة.
ففي الطائرة تعرض المرأة، وفي المحلات التجارية وفي غير ذلك، فهذه الفتنة لا يقضي عليها إلا الزواج، بحيث يستغني الإنسان بالحلال عن الحرام، وبالتعدد أيضاً، فنحن ندعو المسلمين إلى التعدد بمقدار ما تتوافر النساء، ندعوهم إلى زيادة عدد النساء؛ لأن حكمة الله تقتضي ذلك، سيما في هذه الأيام المتأخرة؛ لأن نسبة النساء والبنات في الولادة أكثر من الأولاد، إضافة إلى عزوف كثير من شبابنا عن الزواج، إضافة إلى تزوج كثير من شبابنا من الخارج، إضافة إلى أسباب كثيرة، مثل كثرة القتل في صفوف الرجال بسبب الحروب، ولذلك نقول: الزواج سنة رسول الله ﷺ وسنة المرسلين من قبله، ولابد من أن نتعاون في إقامة هذه السنة، وأفضل طريق نتعاون فيه هو تخفيف هذه المهور.
وفي الحقيقة أنا أخالف الذين يقولون: إن المهور كثيرة.
لأني أرى كثيراً من الشباب يملك الواحد منهم سيارة قيمتها تساوي قيمة وتكاليف الزواج، لكني أقول أيضاً: على الآباء أن يخففوا هذه التكاليف، سيما الأموال الضائعة التي نشاهدها في بعض البيئات من إقامة الموائد الضخمة التي يرمى فيها اللحم للكلاب وجزء كبير من العالم الإسلامي اليوم يموت جوعاً، وهذا من الإسراف الذي حرم الله ، والتبذير الذي يقول الله عنه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] أما لو كان المال يعود إلى حلي للمرأة وملابس أو أشياء تستفيد منها المرأة لكان الأمر أسهل، أما وقد عاد الأمر إلى موائد وإسراف وبذخ ومكابرة فإن هذا يصبح خطيراً.
أما ما أشار إليه السائل بأن تكاليف الزواج قد تصل إلى مائة وعشرين ألفاً فهذا من المصائب ومن البلايا، وأنا أحذر الولي الذي يريد أن يجعل زواج ابنته أو موليته بمائة وعشرين ألفاً أو أكثر أو أقل، أحذره وأخاف عليه أن يفشل هذا الزواج، فترد عليه بنته عما قريب وهي مثقلة بالأولاد الذين يحولون بينها وبين زواج آخر، لتصبح مطلقة في بيته، أقول: علينا أن نتقي الله ، وأن نخفف المهور والتكاليف، وأن نسن في المجتمع سنة حسنة، حتى يكون لنا أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وأدعو العقلاء ورؤساء القبائل المسئولين وأصحاب الحل والعقد ومن يستطيع أن يتدخل في مثل هذه الأمور أن يقفوا أمام هذا النهم وهذه الشدة في تكاليف الزواج، حتى يتمكن كل الشباب من الزواج، وحينئذ نسلم من كثير من هذه الفتن التي غزيت بها بلادنا وغزي بها مجتمعنا، والله المستعان.
стр. 681
المرأة وما يراد بها
إن الصراع بين الحق والباطل، والتدافع بين أهلهما على وجه هذه البسيطة سنة من سنن الله تعالى في خلقه، ومحاور هذا الصراع تختلف من حين لآخر، ولعل المرأة من أبرز محاوره، لذلك يسعى الأعداء لتسييرها خلف ركب العبث والشهوات، وأنى لهم ذلك وقد جعل الشرع لأتباعه سورة النور وغيرها من وسائل عدة يدفعون بها الباطل، ويردعونه، ويعيدون الأمور إلى نصابها.
وإن الباطل مهما صال وجال بشبهاته وشهواته إلا أنه زائل زاهق، وسيحق الله الحق وينصر جنده.
стр. 682
سنة الصراع بين الحق والباطل
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، والشكر لله الذي يثبت المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الظالمين ويفعل ما يشاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله؛ أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين؛ فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة؛ فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية جمعاء خير الجزاء، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة في الله! إن الله جعل للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وجعل للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، سنة الله، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
وانطلاقاً من هذه السنة كان الصراع على أشده بين الخير والشر، وبين الإيمان والكفر، هذا الصراع بدأ مع بدء الخليقة الأولى: ﴿َقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦]، ولن ينتهي أبداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، لكن سنة الله تقتضي أن يظهر الحق لا محالة، وأن يندحر الباطل لا شك، ولربما كانت هناك بعض إرهاصات أو أدلة تدل على أن الباطل ظاهر، لكن الشيء الذي يجب أن يؤمن به كل مؤمن: أن الدين لله ، وهو الذي يحميه، وأنه سوف يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأن الحق لا يستطيع أن يقف معه الباطل على رجليه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨]، ولربما تحيط بالأمة الإسلامية في فترة من فترات ضعفها أو امتحانها وابتلائها أشياء تخيف بعض الناس على مستقبل هذا الدين، ولكن الشيء الذي لا شك فيه: أن دين الله ظاهر، وأن الحق باق خالد، وأن الباطل زبد، وأن الزبد سيذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس في الأرض، وهذا هو ما نشاهده من خلال الأحداث التي تبدو في أول أمرها رهيبة مخيفة لكنها زبد كما أخبر الله .
أيها الإخوة! من خلال هذه السنة أن يكون الصراع بين الحق والباطل باقياً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومن أجل أن يكون لله جنود في الأرض يبرزون، وأن يتخذ منهم شهداء؛ كان هذا الصراع لابد منه، وهذا الصراع يختلف حسب فترات التاريخ، فلربما تكون دولة هذا الصراع بأيدي المؤمنين، ولربما تكون دولته بأيدي غيرهم، أي أن الله يداول هذه الأيام بين الناس كما قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
стр. 683
الوسائل الحديثة التي يحارب بها العدو الإسلام
وهذا الصراع أيضاً يختلف؛ فلربما يكون بالقوة المسلحة، وهذا هو ما درج عليه التاريخ الأول، فكان أعداء الإسلام يقفون أمام قوة الإسلام بقوة، فإذا بقوة هذا العدو تنهار وتتحطم أمام قوة الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥]، فتتحطم أمامه هذه القوى بكل ما أوتيت من قوة وشجاعة وسلاح وعتاد وعدد وفير، ولو كانت قوة الإسلام حسب رأي العين صغيرة الحجم لكنها عظيمة في الحقيقة.
стр. 684
لجوء العدو إلى سلاح محاربة الأفكار والقيم
ومن أجل ذلك التحطم للعدو الذي وقف أمام الجحافل الإسلامية، بدأ يفكر في طرق ملتوية يظن أنه سوف يستطيع أن يدمر بها القوى الإسلامية، فلجأ أخيراً إلى ما يسمى بالحرب الباردة أو حرب الأفكار، فكان الصراع بين فكر وفكر، ولو كان هذا الصراع متجرداً لكانت القوة والأفكار الإسلامية بلا شك هي الغالبة، ولكن حينما تكون هناك عوائق في طريق الفكر الإسلامي وهو يصارع الأفكار المنحرفة، فربما تتمكن الأفكار المنحرفة فترة من الزمان في صقع من أصقاع الأرض، إلا أن النهاية: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨]، بإذن الله تعالى.
ومن هذا الصراع الفكري الذي يقوم على أشده في هذه الفترات المتأخرة من تاريخ البشرية، كانت هناك وسائل يتخذها العدو من أجل القضاء على الأمة الإسلامية، ولربما ينخدع بعض المسلمين بهذه الأفكار، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٧].
ومن هذا المنطلق نعرف أن أهداف العدو ليست مكتفية بمقدار من الانحراف لهذه الأمة، وإنما يريدون أن نميل ميلاً عظيماً؛ فالله تعالى أكد الميل بقوله: (مَيْلًا)، ثم وصفه بقوله: (عَظِيمًا)، وهذا يدلنا على أن العدو لا يرحم، وأنه لا يقبل منا إلا أن يتخلى المسلم عن دينه، وينحرف عن مبادئه، ولذلك بث كل وسائله وأفكاره، وأعلن على الملأ بأنه لا يستطيع أن يقطع شجرة الإسلام إلا في غصن من أغصانها، ومن هنا دبر المؤامرات والمكائد من أجل حرف أبناء المسلمين عن دينهم.
стр. 685
استخدام العدو سلاح الشهوة الجنسية والمرأة في محاربة الإسلام
لما علم العدو الحاقد أن الأمة تقاس بشبابها، وأن الشباب هم عنوان الأمة، وأنه إن استطاع أن يقوض بنيان الشباب استطاع أن يقضي على هذه الأمة من أصولها؛ لما علم ذلك سلك المسلك الخبيث، واتجه إلى غصن الشباب، ثم أيضاً كانت هناك دراسات نفسية متعمقة تبحث في الميول والوسائل التي يستطيع بها العدو أن يقتنص أبناء المسلمين، فاتخذ كل الوسائل من أجل أن يقضي على شباب الأمة الإسلامية، وركز على جانب الشهوة في ذلك.
جانب المرأة يعلم الأعداء علم اليقين أنها أكبر وسيلة يستطيع أن يصطاد بها الشباب عن طريق الشهوة الجنسية الفطرية التي ركبها الله في الإنسان: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤]؛ فأولى هذه العوامل النساء، ولذلك فإن العدو قد اتخذ من المرأة وسيلة في اقتناص شباب الأمة الإسلامية ورميهم في الحضيض.
لذلك أيها الأخ المسلم! يجب أن تدرك أن العدو إنما يريد الشباب، وأنه يريد أن يقضي عليه بأسرع وقت ممكن، وأنه قد سبر غور هذه الحياة، واستطاع أن يدرس نفسيات الأمم، وأنه ينطلق من خلال دراسة وافية يظن أنه يستطيع بها أن يقوض بنيان الأمة الإسلامية من أصوله وأساسه، فمن خلال الشباب نجد التركيز على المرأة في بلاد الكفر بل وفي بلاد الإسلام.
ومن هنا كان وضع المرأة وضعاً خطيراً، وكانت المرأة مستهدفة استهدافاً خاصاً لذاتها ولغيرها، أي: من أجل القضاء عليها هي شخصياً، ومن أجل القضاء على شباب الأمة الإسلامية؛ ولذلك فإن الله يعلم ما يصلح البشرية وما يفسدها.
стр. 686
كيف حارب الإسلام الرذيلة وعالج الشهوة
لقد عالج الله مشكلة الشهوة والنساء علاجاً لن يستطيع أحد أن يقدم للبشرية علاجاً ناجعاً مثله، وذلك في النصف الأول من سورة النور، وهذا ليس غريباً فإن الله تعالى يقول عن القرآن: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وهذه السورة العظيمة في مطلعها ما يلفت النظر، وفي منتصفها أيضاً ما يلفت النظر، وأحيطت الآيات التي تدور حول الشرف والفضيلة ومحاربة الرذيلة بهاتين الآيتين اللتين يلفتان النظر، أول آية من هذه السورة: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]، وآخر آية في هذا النصف الذي يعالج مشكلة الأخلاق والانحراف والفضيلة: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤]، وما بين هاتين الآيتين كله علاج ومحاربة للرذيلة حتى لا تحل في أمة من الأمم؛ لأن أعداء الإسلام سوف يركزون على هذا الجانب من جوانب الرذيلة؛ فيستطيعون أن يصطادوا الرجل من خلال المرأة في الماء العكر.
стр. 687
معالجة الإسلام للشهوة بمنع الزنا وإقامة الحد عليه
ولقد ذكرت السورة في نصفها الأول جوانب مهمة يجب أن يفهمها المسلم، لاسيما وأن الله تعالى قال قبل ذكر هذه الجوانب: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١]، مع أن كل القرآن أنزله الله وفرضه وأنزل فيه آيات مبينات، لكن لما كانت هذه الآيات لها أثر عميق في دنيا البشرية وفي عالم الناس؛ كانت تستحق هذا المطلع، ولذلك وضعت الطرق والوسائل التي تضمن للأمة الإسلامية الاحتفاظ بأخلاقها وفضائلها حتى لا تقع في حبائل العدو.
وأول شيء ذكره الله : هو الحد؛ لما ذكر الزنا الذي هو ضد الفضيلة ذكر الحدود التي هي حواجز أمام النفس البشرية حتى لا تقع في هذه الجريمة، والتي يقول عنها الرسول ﷺ : (لحد يقام في الأرض خير لها من أن تمطر أربعين خريفاً)، أي: أربعين سنة؛ فالحدود رحمة للبشرية.
ودع عنك هؤلاء الفجرة سواء كانوا من أعدائنا الكفرة، أو من المنسوبين إلى الإسلام من الخارج، أو من أبناء جلدتنا والذين يتكلمون بألسنتنا، والذين يعتبرون الحدود وحشية وتخلفاً ولا تصلح لهذا العصر، أما الله فإنه يعتبرها رحمة كما اعتبر القصاص حياة، وأي رحمة هي؟! إنها رحمة تضمن سلامة الأخلاق والفضائل، وصيانة العقول والأديان والأنساب والسمعة، إلى غير ذلك.
ولذلك الوسيلة الأولى من وسائل محاربة الرذيلة والحفاظ على المرأة وكرامتها ومحاربة الزنا الذي هو من أعظم الفواحش عند الله : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
الوسيلة هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، يعني: حتى الرحمة يجب أن يتجرد منها الإنسان في مثل هذا المكان؛ لأن الرحمة التي يزعمها أعداء الإسلام حينما يتعاطفون مع المجرم، أو حينما يقولون: إن الحدود وحشية، هم يعرفون أنهم ليسوا بأرحم به من الله الذي هو أرحم الراحمين، ولكنهم يريدون أن يشوهوا الإسلام من هذا الجانب، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، ثم قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢].
стр. 688
منع الإسلام من الكلام في الأعراض وإقامة حد القذف
لابد من وجود عامل صيانة المرأة واحترامها ومحاربة الرذيلة وفاحشة الزنا حتى لا تنتشر في المجتمع، وهو جانب السمعة؛ لأن الإنسان بسمعته الحسنة وإن لم يكن لديه دين، أو كان لديه دين لكنه ليس على مستوى يحول بينه وبين هذه الشهوة الصارخة، قد يحافظ على شرفه وكرامته وسمعته، لكن سمعته وشرفه وكرامته حينما تنخدش، يصبح كما قال الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام وحينئذ لا يبالي أن يفعل الفاحشة أو يتركها ما دامت هذه السمعة قد تلوثت وما دامت هذه الصفة قد انحرفت، ولذلك يشدد الله تعالى في هذا الجانب ويضع عقوبة على من يقذف إنساناً بالزنا دون أن يكون لديه أربعة شهود، فمن شهد على إنسان بالزنا ولم يستطع أن يكمل أربعة شهود يشهدون على ذلك؛ فإنه يستحق الجلد ثمانين جلدة حتى ولو كان صادقاً، حتى لو رأى هذه الفاحشة بعينيه، محافظة على السمعة؛ لأن بقاء السمعة الطاهرة في مجتمع من المجتمعات إنما يعني ذلك أن هذا المجتمع مجتمع محافظ، ولأن سقوط واحد من الناس في سمعته في المجتمع يؤدي إلى أن لا يبالي في سمعته بعد ذلك، مثل الثوب الأبيض النظيف يحافظ عليه صاحبه ما لم يصب بدنس بسيط، لكنه حينما يصاب بدنس لا يبالي صاحبه أن يصاب بعد ذلك بأي نوع من أنواع الدنس، ولذلك الله تعالى وضع حد القذف ثمانين جلدة، فليس بينه وبين حد الزنا إلا عشرون جلدة، حتى لو كانوا ثلاثة شهود يشهدون فإنهم يجلدون مائتين وأربعين جلدة كل واحد منهم يجلد ثمانين جلدة، من أجل أن تبقى السمعة طيبة في المجتمع، ومن أجل ألا تكون الأعراض مهانة، فيتحدث هذا أن فلاناً زنا، وذلك يتحدث أن فلانة زنت، دون أن يكون هناك أدلة ثابتة، ولذلك الله تعالى وضع حد القذف احتياطاً حتى لا يكون الزنا.
وحينما يضع الله حد القذف لا يريد من الناس أن يدسوا رءوسهم بالرمل وهم يرون الفاحشة أمام أعينهم، ولكنه يطالبهم بأن يثبتوا هذه الفاحشة بأربعة شهود، أو بأربعة اعترافات حتى تبقى السمعة طيبة، أو حتى يقام الحد، أما أن يشاع عن جريمة تحدث في المجتمع ولا يكون لها حد؛ لأنها لم تثبت بأربعة شهود أو بأربعة اعترافات؛ فهذا يؤدي إلى أن يستسهل الناس هذه الجريمة وتلك الفاحشة.
إذاً أيها الإخوان: ما يحدث في المجتمع اليوم من أحاديث العشق والغرام والخيانات الزوجية والمسرحيات الصارخة، والأفلام المنحرفة، هذه كلها تعتبر سبيلاً تمهد الطريق إلى الزنا، ولو أن الإسلام أقيم حقاً في العالم الإسلامي لأقيم الحد على هؤلاء الذين يتحدثون عن هذه الفاحشة بصدق أو بكذب بهزل أو بجد، هذا جانب من الجوانب المهمة التي سد الإسلام فيها طريق الفاحشة.
стр. 689
منع الاختلاط والتحذير منه
الاختلاط هو: أن يختلط الذكر بالأنثى سواء كان بخلوة أو بدون خلوة، لكنه اختلاط يؤدي إلى تقارب بين الرجل والمرأة، هذا الاختلاط حاربه الإسلام، وأعطى المسلم ما يسميه العصر الحديث بحرية المأوى، ونهى الإنسان أن يدخل على إنسان آخر قبل أن يستأذن ويسلم؛ حتى إذا كانت هناك عورة مكشوفة أو إذا كان أصحاب بيت لا يرغبون في دخول هذا الداخل يطلبون منه الرجوع، حتى قال الله في هذا الاستئذان: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، هكذا الإسلام يحارب الاختلاط بين الذكر والأنثى؛ لأن الاختلاط يؤدي إلى هذه الجريمة الشنعاء، نعوذ بالله من شرها.
ونعني الاختلاط بجميع أنواعه، والخلوة بجميع أنواعها: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، ونهى الرسول ﷺ أن تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم؛ حتى يتميز الإنسان بأهله وبشرفه عن إنسان آخر، ولذلك فإن الاختلاط من أخطر الأمور.
وتقوم في أيامنا الحاضرة دعايات مضللة، تقول: إن الوحشة بين الرجل والمرأة هي السبب في وقوع الفاحشة، ونستطيع نحن أن نقضي عليها بالاختلاط وبالسفور وبالتبرج، يقولون ذلك عدواناً وبهتاناً وزوراً، ونقول لهم: كذبتم، إن المجتمعات الفاسدة التي انتشر فيها الاختلاط والتبرج، وأصبح فيها السفور نظاماً شائعاً، واختلط فيها الطالب بالطالبة على مقاعد الدراسة ومدرجات الجامعة والعمل إلى غير ذلك، هي المجتمعات التي أعطت الرقم القياسي في الانحراف والفساد، إذاً هم كاذبون؛ لكنهم كما قال الله : ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢].
إذاً: الاختلاط بين الجنسين والخلوة سواء كان داخل البيت كما يوجد في أيامنا الحاضرة بين الخادمة ورب البيت، وبين سائق السيارة وبنات المنزل حيث يخلو بالبنت ويذهب بها إلى المدرسة والسوق، كل ذلك من الاختلاط الذي حرمه الله ، وأشار إليه بقوله: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٧]، وما دام الله هو الذي يقول: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)، فنتأكد أن هذا هو الخير، وأن المصلحة في هذا الأمر.
стр. 690
الأمر بغض البصر عن المحرمات
من الأمور المهمة الشريفة التي تحافظ على الأعراض والبيوت والأسر وتحارب الفاحشة منع النظر، الذي يقول الله عنه في الحديث القدسي: (النظر سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه من أجل مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه)، ولذلك فإن النظر من أخطر الأمور، والنظر كما يقول عنه العلماء: إنه بريد الزنا.
بل إن الله قرن في آيات القرآن بين النظر وبين فاحشة بين الزنا؛ فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١]، ما صلة الأول بالثاني؟ لأن النظرة هي التي توصل غالباً إلى الفاحشة، وإلى فعل الجريمة، لذلك يقول الشاعر: جل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر شرارة صغيرة يحتقرها الإنسان تطير على متاعه فتحرق البيت والحي كله، ولربما تحرق المدينة كلها وهي شرارة صغيرة في أولها، ونظرة يلقيها الإنسان دون أن يحسب لها أي حساب؛ وربما تحدث ما هو أكبر من ذلك، ولذلك فإن من الوسائل التي اتخذها الإسلام لحماية المجتمع من الفاحشة ولصيانة المرأة المسلمة من الفاحشة، هو غض البصر سواء في ذلك الرجل والمرأة، ولذلك قال تعالى عن الرجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، يعني: لا تخفى على الله النظرة الصغيرة التي يلقيها الإنسان، وقال أيضاً عن المرأة: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]؛ لأن إبداء الزينة هي سبب للفت النظر.
ولذلك لا تعجوا حينما نجد أن الزنا -نعوذ بالله من شره وسوئه- هو الجريمة الوحيدة التي قدم الله تعالى فيها المرأة على الرجل، فإنك لا تجد في الكتاب ولا في السنة آية أو حديثاً نبوياً قدمت فيه المرأة على الرجل إلا في آية واحدة في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]، ما قال الله تعالى: الزاني والزانية، لماذا؟ لأن المرأة قد تملك أكثر الأسباب التي تؤدي إلى الفاحشة، ولذلك قدمها الله تعالى، لكن نجد في باب السرقة مثلاً أن الله تعالى قدم السارق على السارقة، وفي كل الآيات يقدم الله تعالى الرجل على المرأة، لكن قدمها في باب الزنا لأن امرأة واحدة باستطاعتها أن تفتن أمة أو أمماً، ولذلك هنا نقول: إن المرأة وضعها خطير.
стр. 691
الحث على الزواج
يأتي بعد ذلك دور مهم من أدوار حماية المجتمع من الفاحشة وهو دور الزواج: يقول الله عنه وهو يثبت أنه آخر وسيلة من وسائل حماية المجتمع من الفساد: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وفي نفس السورة: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢ - ٣٣].
إذاً: خمسة أشياء جاءت في هذه السورة آخرها الزواج.
والإسلام دين واقعي يواجه الأمور على حقيقتها، وليس ديناً يعيش في عالم الخيال كما توجد أنظمة صنعها البشر للبشر لا تقدر العاطفة، ولا الواقع، ولا تواجه الأمور على طبيعتها، فالشهوة طبيعية وفطرية في هذا الرجل بل وفي المرأة، ولما حرم الإسلام الزنا لابد أن تصرف هذه الشهوة مصرفاً طبيعياً مباحاً، لذا كان الزواج هو الطريقة الوحيدة لصرف هذه الشهوة فيما أباح الله ، ولذلك ذكر الله تعالى الزنا في أول هذه الآيات، وذكر الزواج في آخر هذه الآيات؛ حتى يعرف الإنسان كيف يتصرف، وكيف يشبع هذه الشهوة الفطرية مما أباح الله بدلاً مما حرم الله ؟ ولذلك نقول: الزواج حصن منيع كما أخبرنا الله ، فقال للمتزوجات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤]، وسمى المتزوج أيضاً محصناً، وقال عنه الرسول ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج)، ومعنى أحصن: أي كالحصان، فالإنسان المقاتل إذا ركب الحصان يمتنع ويحمي نفسه من القتل غالباً، وكالحصن الذي يتستر فيه الإنسان في المعركة، فيحميه من وقع السهام، فالمتزوج كأنه وقع في حصن، أو كأنه ركب حصاناً فيتقي شر عدوه، ولذلك نقول: الزواج هو الوسيلة الخامسة من الوسائل الخمس التي أرشد إليها الله لمكافحة الجريمة، هذا هو المنهج السليم الذي دعانا الله إليه، وبعد ذلك لنعرج إلى موضوعنا الذي اختاره الإخوة، وهو المرأة المسلمة وما يراد بها.
стр. 692
ضياع حقوق المرأة في مجتمع الحضارة
إن أعداء الإسلام يكرهون المرأة والرجل، ويكرهون الإسلام كله، ويريدون أن نضل السبيل، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، إنهم يناقضون كل هذه الأشياء، فيقولون عن الحدود بأنها وحشية وقسوة، وإن كانت تصلح في عصر الخيمة والبعير لكنها لا تصلح في عصر الطائرة والصاروخ والمركبة الفضائية؛ هكذا يقولون، ونسوا أو تناسوا أن هذا القرآن من لدن حكيم خبير، يعلم ما حدث في الماضي، وما يحدث في المستقبل، وما يصلح البشرية! ثم قالوا أيضاً عن القلب: لا مانع أن يتمتع المجتمع ولو عن طريق السماع، فكانت هناك مسرحيات، وكانت هناك أمور هائلة ومصائب كبيرة تصك أذان المؤمنين من خلال وسائل الإعلام تتحدث عن الفاحشة والجريمة والخيانات الزوجية، إلى غير ذلك مما هو في الأفلام، وقالوا عن الاختلاط: إنه رقي وتحضر، وإن المجتمع الذي لا يختلط -كما ذكرت لكم سالفاً- تصبح فيه وحشة بين الذكر والأنثى، ويصبح هذا الرجل دائماً يلهث وراء هذه المرأة، لكنه حينما يختلط بها ويندمج معها، ويراها مكشوفة أمام عينيه، وتكون سهلة له، يصبح الأمر طبيعياً فتزول هذه الوحشة! كما يقولون.
ونحن نقول لهم: كذبتم ورب الكعبة؛ لأن المجتمعات التي تساهلت في شأن المرأة، والتي تفسخت فيها المرأة واختلطت بالرجل، هي المجتمعات التي أثبتت الرقم القياسي في الانحراف في الفاحشة والجريمة، ولذلك فإن البلاد التي يقولون عنها إنها راقية، فيها إحصائيات للاختطاف وللخيانات الزوجية وللفواحش وللقتل وللسلب تسجل بالدقيقة أو بالثانية، وأصبح الأولاد غير الشرعيين في البلاد التي يزعم أهلها بأنها بلغت مستوى عالياً من الحضارة والتقدم، فاستطاعت أن تقضي على الوحشة بين الرجل والمرأة، أصبحت المحاضن ودور الأيتام والأطفال اللقطاء والأولاد غير الشرعيين تشتكي من هذا الفيض العظيم الذي لا تستطيع أن تتحمله.
والبلاد التي تبرجت فيها المرأة وانحلت، بلغت أيضاً مستوى من الرذيلة لا نظير له، وهذه مشكلة، والمشكلة الأكبر منها أن تقوم في المجتمعات الإسلامية أمم منحرفة تطالب بشيء كان العدو وما زال يحذرنا منه، حيث وقع فيه فأصبح يعض أصابع الندم، ويضرب يداً بيد على ما كسبت يداه، ويريد هؤلاء المنحرفون أن يبدأ المسلمون من حيث ينتهي العدو، وهذه تعتبر من أطم البلايا وأكبر المصائب، ولذلك فإنهم يتهمون المجتمع الإسلامي بأنه مجتمع متقوقع متخلف، أصبحت فيه المرأة كما يقولون: سوداء مظلمة، أصبحت معطلة وطاقة لا يستفاد منها، مجتمع لا يتنفس إلا برئة واحدة، مجتمع منحرف ضال متخلف؛ لأن المرأة لا تقود فيه السيارة؛ لأن المرأة لا تشتغل فيه بجوار الرجل، وكما يقول الشاعر: أرى خلل الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام وإن لم يطفها عقلاء قوم يكون وقودها جثث وهام ولنا درس في الأمم التي سبقتنا إلى هذا الأمر، تلك الأمم التي أصبحت المرأة لا كيان ولا وجود لها، بل إن القوانين التي تتابع المجتمع المنحرف في سيره أصبحت تهبط بمقدار ما يهبط هذا الإنسان، فإذا هبط الإنسان درجة هبطت هي درجتين من أجل أن تحقق للإنسان في أنظمتها الأشياء التي يريدها هذا الإنسان المنحرف، حتى لقد سمعنا في الأخير نواد للعراة في بعض دول الكفر، وسمعنا الشذوذ الجنسي، وزواج الذكر بالذكر أصبح أمراً رسمياً في بعض البلاد الكافرة، ورأينا بأعيننا دوراً للدعارة في وضح النهار، وتحمل تصريحات من الدولة في بعض البلاد الإسلامية، وتحرسها عيون تلك الدول بل رأينا ما هو أخطر من ذلك، رأينا شباباً ألهبته هذه الأفلام الجنسية الصارخة التي جاءت بمهمة خطيرة في البلاد المحافظة كبلادنا هذه، فرأينا كثيراً من الشباب يرقبون عقارب الساعة، وينتظرون الفرص التي تسنح لهم ليذهبوا إلى بلاد لا تعرف أعرافاً ولا أخلاقاً ولا ديناً.
فرأينا مع الأسف الشديد الخطر الداهم، ونحن نرى أبناء المسلمين يذهبون إلى بلاد الدعارة والمخدرات وبلاد والفساد إلى آخره، حتى رأينا هذه الطائرات وهي تستعد قبل هذه المواسم بمدة طويلة، وهي تسجل هؤلاء الشباب ليذهبوا إلى بلاد لا تعرف خلقاً ولا ديناً ولا فضيلة، والضحية في ذلك كله هي المرأة، بل إن الأمة الإسلامية كلها تعتبر ضحية لهذا الواقع الأليم، فانتشرت المخدرات في بلاد المسلمين بسبب هذه البلاد التي لا تحترم أي فضيلة ولا تحسب لها أي حساب.
وفي هذه الفترة التي رأينا المرأة تباع وتؤجر، ويتعامل فيها بعض هؤلاء الناس كما يتعاملون بأبسط الأمتعة؛ رأينا مع ذلك كله ضجة كبرى وصحية عارمة تزعم أنها تسعى لحقوق المرأة، وهل حرية المرأة أبقت للمرأة أي حقوق؟ هل تعلمون أيها الإخوان! أن في تايلاند البلد الكافرة التي يسافر لها شباب المسلمين بالآلاف يومياً، هل تعلمون أن البنت هناك تباع كما تباع الماعز في الأسواق، وتؤجر كما تؤجر الشقق بأبسط الأثمان؟ أم هل علمتم أيها الإخوان! أن المخدرات في تلك البلاد تباع كما تباع المشروبات المباحة في بلادنا؟ إذاً: لماذا يذهب شبابنا إلى هناك؟ ولماذا تسقط المرأة إلى هذا المستوى؟ وإذا كانت المرأة قد سقطت على أيدي هؤلاء المخربين إلى هذا المستوى ودون ذلك، فلماذا يزعم مدعو الحضارة أن للمرأة حقوقاً، وأنهم يطالبون بهذه الحقوق؟ أي حقوق بقيت؟ إن الله تعالى هو الذي أثبت حقوق المرأة، فكانت المرأة تورث في يوم من الأيام، إلى أن أنزل الله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، فكان الرجل إذا توفي وله أولاد من غير هذه المرأة التي خلفها وراءه؛ يتسابق أولاده فأيهم وضع عليها رداءه يكون أحق بها؛ إن شاء تزوجها، وإن شاء نكحها بدون زواج، وإن شاء باعها، وإن شاء فعل فيها ما يريد، إلى أن أنزل الله قوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا).
وأرى المرأة في عالم الحضارة المزعومة في القرن العشرين حضارة الجاهلية الثالثة التي لم تسبق مثلها جاهلية قط في انحرافها أرى المرأة قد سقطت عن ذلك المستوى بكثير، فأصبحت المرأة تباع وتشترى، وتؤجر وتمتهن وتحرم حتى متعة الحياة الزوجية الراشدة الثابتة التي تبنى على قواعد سليمة، وعلى عش سليم حتى يكون لها أولاد، وحتى تتحقق لها العاطفة التي أعطاها الله حتى للحيوان؛ التي هي عاطفة الإنجاب والأولاد، لكن المرأة في عصر الحضارة المزعومة تحرم من ذلك كله في كثير من الأحيان، لقد سقطت المرأة فأصبحت في بريطانيا لا تساوي نصف جنيه إسترليني تدفعه هي لتبحث عن زوج لعلها تجد فيه عشاً آمناً.
والمرأة في بلادنا مكرمة والحمد لله، ولكن يقوم اليوم أناس على قدم وساق من مدعي الحفاظ على حقوق المرأة وعلى حرية المرأة يقولون: إنها امرأة مهضومة، مع أنه لا يحصل عليها الرجل غالباً إلا بأموال طائلة، لنفاستها وعزتها وكرامتها.
إذاً أيها الإخوان: المرأة يريد لها أعداؤها كما يقول الله : ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، ويريد الله لها العزة والكرامة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٦].
إذاً: علينا أن نعرف أعداء المرأة، وعلى المرأة أن تعرف أعداءها، وألا تنسى أعداءها أو تتجاهلهم في غمرة الادعاءات الكاذبة المزعومة التي كثر فيها أنصار المرأة، ولكن لا نجد لها نصيراً إلا دين الله ، الذي أنزل حقها في الميراث، وكانت محرومة عبر القرون الماضية؛ حتى أنزل الله قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ [النساء:٧]، حتى الإبرة يجب أن تقاسمها إخوانك: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧]، كل ذلك يؤكد حقها.
стр. 693
أعداء المرأة وشبهاتهم حولها
أيها الإخوان! أعداء الإسلام الذين يكرهون المرأة والمجتمع والأخلاق هم على نوعين: نوع من الخارج يسهل اتقاؤه والحذر منه.
ونوع من الداخل وهم الذين يقول عنهم الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على الحر من وقع الحسام المهند فإذا كان الإسلام يحارب بيد أبنائه فهنا يكمن الخطر، ومن هنا تأتي المصيبة والبلية، ولذلك فكثيراً ما نجد هؤلاء الذين ينتقدون الإسلام بتشريعاته -وهم من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا- نجدهم يضعون شبهات وعراقيل في طريق المرأة المسلمة، حتى يحولوا بينها وبين ربها، وبينها وبين دينها، وبينها وبين كتاب ربها ، وهو القرآن الذي هو دستور الأمة الخالد، وذلك من خلال شبه يقذفونها في هذا المجتمع، فمن الأشياء البسيطة التي وجدت الآن: عراك عنيف في الصحف والرسوم الكاريكاتيرية والإذاعات وغيرها عن تعدد الزوجات على سبيل المثال، حتى أصبح الأمر الآن أمام طائفة من الناس أعظم من الزنا، بل إن أحدهم لو سمع أن أحداً زنى ألف زنية -نعوذ بالله- لكان ذلك أسهل في نظره من أن يتزوج بزوجة أخرى، ويقولون: هذا إهانة للمرأة.
стр. 694
شبهة تعدد الزوجات والرد على أباطيلها
الحقيقة أن هؤلاء لا يستحقون الرد، ولكننا نريد أن نضع على هذه الشبهة شيئاً من الضوء حتى يبين لهؤلاء الأعداء إن كانوا يبحثون عن الحق -وأظنهم لا يبحثون عنه- شيئاً من حكمة الله التي تتجلى في هذا الأمر.
نقول: تعدد الزوجات أمر مستحب ومسنون، والذي بواسطته نستطيع أن نستهلك الطاقة البشرية النسوية التي تكثر في أيامنا الحاضرة ويقل معها الرجال، وقلة الرجال سواء كان في حصول الولادة، أو في الأحداث التي تطحنهم أكثر من النساء سواء كان في الحروب أو في الحوادث المفاجئة، أو لأي سبب من الأسباب، ولذلك أخبرنا الرسول ﷺ بأنه في آخر الزمان يقل الرجل وتكثر النساء، حتى يصل الحد إلى أن يكون لخمسين امرأة الرجل الواحد يلذن به من قلة الرجال، وهذا شيء نشاهده، وطبيعة في خلق الله كله، فالإناث دائماً أكثر من الذكور، ولو نظرت إلى الدجاج كنموذج واضح، وأردت أن تعد نسل الدجاجة لتحصي الذكر من الأنثى لوجدت الذكر لا يساوي إلا العشر تقريباً بالنسبة لإنتاج الدجاجة، وهكذا سائر الحيوانات، وبنو آدم أيضاً لهم نصيب من هذه الكثرة وتلك القلة.
وما هو السبيل الذي نستطيع أن نكفل به حماية المجتمع من الفساد، وإغناء هذه النساء اللاتي يزداد عددهن أضعافاً مضاعفة عن الرجال؟ ثم أيضاً إعطاء كل واحدة منهن الفرصة لتتمتع برجل أو بنصف أو بثلث أو بربع رجل، والفرصة الكبرى التي تنشدها المرأة هي أن تعيش في عش زوج على قواعد صحيحة، وأن تنجب أولاداً تشبع بهم عاطفتها، وليس هناك طريق لتحقيق هذا إلا أحد سبيلين: إما الزنا وإما التعدد.
والزنا هو فساد الأمم وفساد المجتمعات، والتعدد هو الحكمة التي أرشدنا الله إليها في قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، والعجيب أن أعداء الإسلام لا يغفلون في مخيلتهم هذه القاعدة وهذا الاختلاف في التوازن في عدد الرجال والنساء، وهذه العاطفة الشهوانية التي فطر الله عليها الناس، وهذه الحاجة الملحة التي تفرض على الرجل أو تبيح له أكثر من زوجة حتى يستطيع أن يسد حاجة نفسه وغيره، ولكن لما كانوا أعداءً حاقدين على الإسلام كانوا يتناسون ذلك كله، ويعتبرون ذلك تخلفاً ورجعية وإهانة للمرأة، وتضييعاً لحقوقها.
إذاً: هم يريدون من المرأة أن تكون منحرفة، ولا يريدون منها أن تكون مستقيمة، ويريدون منها أن تنجب أولاداً بالسفاح بدل أن تنجب أولاداً بالنكاح الصحيح، ولذلك يحاربون تعدد الزوجات حتى أصبح في مجتمع بعض البلاد الإسلامية -إن لم أقل في مجتمعنا هنا- من السهل أن يأتي الرجل بشابة من الفلبين أو من أي بلد، وهي فتاة جميلة يضعها في بيته ويخلو بها هو أو أولاده، وهذا يعتبر تحضراً ورقياً وأمراً يفرضه العصر كما يقولون، البيوت الواسعة النظيفة المفروشة تفرض علينا أن نأتي بهذا، لكن لو أن واحداً من الناس فكر في زوجة أخرى لأصبح هذا في نظر طائفة من هؤلاء الناس متخلفاً وليس بتقدمي.
وهكذا تنعكس المفاهيم، وذلك مصداق قول رسول الله ﷺ : بأنه سيأتي زمان يعود فيه المنكر معروفاً والمعروف منكراً، فأصبح المعروف الذي هو تعدد الزوجات، والذي تطالب به بعض بلاد الكفر كألمانيا في أيامنا الحاضرة؛ لأن نسبة الرجل إلى المرأة يساوي ثلاثة الأضعاف، لكن في بعض بلاد الإسلام يعتبرون تعدد الزوجات تخلفاً، والرقي والتقدم هو أن نجمل بيوتنا بشيء من هذه الخادمات، وكأنها أثاث يوضع مع البيت، ونختارها من أجمل وأصغر الفتيات، ونأتي بها من وراء آلاف الأميال، بعيدة عن أهلها وطبيعتها لنضعها في مجتمع محافظ، أسال الله أن يحفظه من أيدي هؤلاء المخربين.
إذاً: أصبح الإتيان بخادمة ولو كانت كافرة تربي الأطفال على خلاف الفطرة، هو التقدم والرقي، وأصبح تعدد الزوجات الذي شرعه الله من فوق سبع سماوات من أجل أن يكون هناك تناسق بين الذكر والأنثى، ومن أجل أن يكون هناك استهلاك للطاقة البشرية إذا زاد أحد الجنسين على الآخر، يعتبر هذا هو التخلف! ولذلك فإنهم يريدون بالمرأة سوءاً.
ومن إرادتهم للمرأة سوءاً أن يشغلوا زوجها بخادمة أجمل منها، فلقد تكون هذه المرأة عجوزاً، أو مريضة، أو لا تستطيع أن تقوم بحقوق الزوج، لكنهم يحرمونه في نظرهم من زوجة أخرى على فراش مباح طاهر، ولربما يعيش مع تلك المرأة التي جاءت باسم مربية أو خادمة، ومن هنا ينتشر الفساد العريض في الأرض، والرسول ﷺ يقول: (إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض).
ولقد انخدعت طائفة من النساء بهذه الدعايات، وقلن: إن تعدد الزوجات أمر يضر بالمرأة، وهؤلاء النساء لا ينظرن إلى هذه الحياة إلا من زاوية ضيقة، فحقدت بعض النساء اللواتي لا يفهمن الإسلام على الإسلام، كيف يبيح تعدد الزوجات، ولكني أرى الكثير الغالب والحمد لله لم يتأثر بهذه الدعايات المضللة؛ لأننا نعيش فترة وعي بالنسبة للمرأة، فلقد تعلمت المرأة وقرأت وكتبت وفهمت دينها، فأصبح كثير منهن لا يتأثرن بهذه الدعايات المضللة.
ولكننا نقول: إن علينا أن نكون على حذر من هؤلاء الذين يلفون الباطل بلفائف مكشوفة في الحقيقة يريدون أن يروجوا هذا الباطل.
стр. 695
شبهة جعل الطلاق بيد الرجل
أيها الإخوان! إن الذين يشوهون الإسلام يقولون مثلاً: لماذا الطلاق؟! وإذا كان ولا بد من الطلاق فلماذا يكون بيد الرجل فقط؟! وهم يريدون من ذلك أن تقوم المرأة التي لا تفهم الإسلام كما قام في باكستان مجموعة من النساء اللواتي لم يفهمن الإسلام فهماً صحيحاً يقلن: لماذا الطلاق بيد الرجل ولا يكون بيد المرأة؟ ونسي هؤلاء أو تناسوا العقلية الكبيرة التي يمتاز بها الرجل على المرأة، والتأني والتؤدة التي يعطيها الله بعض خلقه دون بعض، ولذلك يقول علماء النفس: لو كان الطلاق بيد المرأة لوقع في اليوم عدة مرات؛ لأن المرأة بعواطفها وبتسرعها واستجابتها لرغباتها، وانصياعها أمام شهواتها دفعة واحدة، قد تفعل شيئاً من ذلك، ولذلك فإن حكمة الله تتجلى حينما أعطى الطلاق للرجل لا للمرأة؛ لأن الرجل إذا أراد أمراً فكر فيه وتأنى؛ ولأن الله لا يريد أن يقع الطلاق؛ لأن الطلاق يهدم الأسر، ويقوض البيوت، ولذلك نجد أن القرآن عالج مشكلة الطلاق علاجاً لا يمكن أن يكون مثله في أي نظام من أنظمة الأرض وأنظمة البشر التي يصنعونها لأنفسهم أو لغيرهم، الإسلام أمر الرجل بأن يصبر على المرأة ولو كرهها كراهية شديدة: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، الرسول ﷺ يقول: (لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر)، وإذا توترت العلاقات يقول الله بعد ذلك: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، كل هذا من باب التأديب، وإذا توترت العلاقات وزاد الأمر سوءاً: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥].
إذا أعيت كل هذه الحلول وكان لابد من الفراق، حينئذ يكون الطلاق هو الحكمة والمصلحة؛ لأنه هو آخر علاج يجب أن يقدم لهذين الزوجين ما داما قد تنغص عندهما العيش، وما دامت الحياة الزوجية قد فسدت، ولابد إذاً من حل هذا الزواج، ولكن يجب أن يكون على قواعد أخرى ثابتة، فيكون هناك طلاق السنة وطلاق بدعة، وحينئذ من أراد أن يطلق فإنه يتحرى طلاق السنة، ولربما في هذه الفترة التي ينتظر فيها طلاق السنة تعود الأمور إلى مجاريها.
ثم أيضاً إذا طلق يجب أن تكون طلقة واحدة، ويعطى ثلاثة أشهر أو ثلاث حيضات وأطهار حتى ينظر في أمره، ويجب عليها أن تبقى في بيت زوجها حتى ينظر إليها دائماً لعله يرغب فيها في يوم من الأيام: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١]، وحينئذ يعطيه الله الطلقة الأولى والطلقة الثانية، وإذا كانت الثالثة كان الفراق الأبدي حتى تنكح زوجاً غيره.
كل ذلك علاج حتى لا يكون الطلاق بسرعة، ولو كان الطلاق بيد المرأة لكانت المرأة لا تملك هذه القوى العقلية بطبيعتها وفطرتها، وإن كان منهن من يملك ذلك لكن النظر إلى الغالب، فلربما يقع الطلاق فجأة وتتهدم البيوت وتنهار الأسر، ثم أيضاً لا يعتبر الطلاق فساداً للعلاقات، وإنما يقول الله: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، ويعد الله كل واحد من المطلق والمطلقة أن له نصيباً في هذه الحياة، ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠].
إذاً: الطلاق الذي شرعه الله بعد علاج طويل، وسعي حثيث حتى تعود هذه العلاقات إلى طبيعتها؛ وهو يعتبر في الحقيقة من فضائل هذا الدين، وحينما يعتبرونه من التخلف أو الوحشية فقد كذبوا على الله ، وكذبوا على دين الله.
стр. 696
شبه في حقوق المرأة المالية والاجتماعية
يريدون من المرأة المسلمة أيضاً: أن تخرج على الأوضاع الاقتصادية، ويقولون: أيتها المرأة! لماذا يعطيك الإسلام نصف ما يعطي الرجل من الميراث؟ ألست إنساناً كالرجل له حقوقه ومتطلبات حياته؟ ونسي هؤلاء أو تناسوا التكاليف المالية التي يطالب بها الإسلام الرجال ولا يطالب بها النساء، فالله يطالب الرجل بتكاليف الزواج، فالمهر يدفعه الرجل ولا تدفعه المرأة، مؤن البيت والسكن والكسوة والنفقة، كل ذلك يلتزم به الزوج ولا تلتزم به الزوجة، الدية يطالب بها الرجال ولا تطالب بها النساء، وهكذا كثير من الأمور التي تلزم الرجال ولا تلزم النساء، ولو عملنا حساباً لرجل وامرأة أخوين ورثا أباهما فأخذ الابن الثلثين وأخذت البنت الثلث، ثم نظرنا إلى هذا المال بعد مدة قصيرة من الزمن، لوجدنا أن ثلث المرأة لم ينقص درهماً واحداً، وأن ثلثي الرجل قد استهلك كله في مؤن وتكاليف الزواج ومصاريف البيت وغير ذلك من الأمور التي تلزم الرجال ولا تلزم النساء.
وهذه حكمة الله ، فهو يعطي الرجل بمقدار ما يعطي المرأة مرتين، ويعطي المرأة نصف ما يعطي الرجل مراعاة لهذه الظروف التي تتطلب مالاً من الرجل ولا تتطلب مالاً من المرأة.
ويقول الذين يريدون سوءاً بهذه المرأة: إن الإسلام يظلم المرأة، لماذا لا يقبل شهادتها في كثير من الأمور؟ وإذا قبل شهادتها في الأمور المالية، لماذا يعتبر شهادتها نصف شهادة الرجل؟ يقولون هذا الكلام، ونسوا ما فطر الله عليه المرأة من عواطف رقيقة لا تستطيع فيها أن تتحمل حتى الشهادة.
فمثلاً في الجنايات والحدود والقصاص، المرأة لا تستطيع أن تنظر إلى شيء من ذلك؛ لأنها سريعة التأثر، فلو نظرت إلى رجل يقتل إنساناً أو يجرحه أو يضربه، أو رأت قصاصاً أو أي جريمة من الجرائم وحد من الحدود لا تستطيع أن تنظر إليها؛ لأن عواطفها رقيقة، ولذلك لم يقبل الله شهادتها في مثل هذه الأمور، وإنما قبل شهادتها في أمر واحد فقط، وهي في الأمور المالية محافظة على أموال الناس، ولكن الله أيضاً لم يظلمها ولم يبخسها حقها حينما اعتبر شهادتها نصف شهادة الرجل؛ لأن الله تعالى بين السبب في ذلك وقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة:٢٨٢]، أي لئلا تضل إحداهما، أو كراهية أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، والمرأة بطبيعتها ومشاغلها وشئونها الخاصة والعامة لا تستطيع أن تضبط كل هذه الأمور كما يضبطها الرجل، ولذلك جعل الله تعالى شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد في الأمور المالية فقط من أجل مراعاة هذه العواطف، ومراعاة لهذه الذاكرة التي امتلأت بأشياء كثيرة أكثر من الرجل.
стр. 697
ثياب أعداء المرأة الجدد
على كل أيها الإخوان: المرأة مستهدفة، وأعداء الإسلام يركزون على المرأة؛ لأنهم يعرفون خطورتها في المجتمع، ولذلك يقول قائلهم: إنه لا أحد أقدر على جر المجتمع إلى الدمار من المرأة؛ فعليكم بالمرأة، فاتخذوا من المرأة وسيلة ولكنهم تفننوا فلم يأتوا باسم إهانة المرأة، وإنما جاءوا باسم حقوق المرأة، وحرية المرأة، وما أشبه ذلك.
أي حق للمرأة، وأي كرامة للمرأة الكافرة أو المسلمة التي انخدعت بالدعايات المضللة ونحن نراها بهذا الشكل؟ أصبحت لعبة بأيدي الرجال، حتى أنها فقدت كل عواطفها الإنسانية وأصبحت وسيلة تسلية، انظر إليها وهي في الطائرة تقوم بدور الخدمة، وأنت تلاحظها وكأنها وضعت دمية يتسلى بها هؤلاء الرجال، أو انظر إليها في المتاجر التي تعرض بضائعها من خلال فتاة جميلة يعتبرونها وسيلة للإغراء، إذاً: أصبحت المرأة دمية ولعبة بأيدي هؤلاء العابثين، في وقت يزعمون فيه أنهم يدافعون عن حقوقها وحريتها.
أما المرأة المسلمة فقد أكرمها الله وصانها عن ذلك، وأمرها بأن تلتزم حتى تكون في مصاف زوجات رسول الله ﷺ ، وقال لها كما قال لزوجات رسول الله ﷺ : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، لا ترقق صوتها مع الرجال الأجانب حتى تثير الفتنة، ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، لا تذهبن إلى العمل، فالرجال هم الذين يقومون بهذا الدور، وحينما يقول الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، لا يريد المرأة أن تكون خادمة فحسب في البيت، وإنما يريد أن تكون مربية في البيت، ولذلك الذين يزعمون أن المرأة قد عطل منها المجتمع، فشغلوا المرأة، ولم يستطيعوا أن يعوضوا هذا البيت إلا بخادمتين أو بثلاث أو بأربع مربيات يقمن بالدور الذي كانت تقوم به هذه المرأة في بيتها يوم كانت تقوم بدورها حقيقة، فالله تعالى يقول لهن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، يقول العلماء: إما من الوقار أو من القرار، فإذا كان من الوقار فبقاء المرأة في بيتها هو الوقار، وإذا كان من القرار فإن بقاء المرأة في بيتها أيضاً هو المصلحة.
﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وأظن أن التبرج الموجود الآن لا يقل عن تبرج الجاهلية الأولى، ولذلك فإن الجاهلية الثانية وهي ما جاء قبيل الإسلام شددت في أمر المرأة، حتى قال قائلهم وإن كنا لا نوافقه على ذلك: إياك وشم العامرية إنني أخشى عليها من فم المتكلم وكانوا يقتلون البنت خشية العار، وخوفاً مما حدث في الجاهلية الأولى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، والله تعالى يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، وإذا كانت هذه هي الوسائل التي يذهب فيها الله الرجس عن أهل بيت رسول الله ﷺ ، فإن أي رجل يريد أن يذهب الرجس عن بيته فإن هذه وسائل إذهاب الرجس عن أي بيت من بيوت المسلمين.
ولذلك أيها الإخوان! يجب أن لا نخسر هذه المرأة، بل نقوم بتربيتها وفق منهج صحيح جاء من عند الله ، ولا نغتر بأعداء الإسلام فإن أعداء الإسلام والله لن يرحمونا ولن يتركونا حتى نكون مثلهم، وحتى نضل السبيل، والله حذرنا من موالاتهم ومشابهتهم، فقال : ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، لا نركن إليهم بتقليد، ولا بتشبه، ولا بأي أمر من الأمور.
أيها الإخوان! أعداء المرأة هم الذين يظهرون اليوم بثياب أنصار المرأة، وبأنهم يدافعون عن حقوق المرأة وعن حريتها، ولكننا على ثقة أن كل من طالب بحقوق المرأة لا يستطيع أن يعطيها جزءاً بسيطاً مما أعطاها الله الذي كرمها، فقال : ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥].
ولذلك نقول: لا ننخدع بهذه الدعايات المضللة، المرأة المسلمة عليها أن تعرف عدوها، وعليها أن تقرأ كتاب ربها بتفهم وتدبر ويقظة، وعليها أن تعرف عدوها من صديقها، وحينئذٍ فإننا على ثقة -بإذن الله- أنها لن تنخدع بهذه الدعايات المضللة.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 698
الأسئلة
стр. 699
خطر الخلوة المحرمة وعلاقتها بالزنا
السؤال
هل تعتبر الخلوة جانباً من جوانب الزنا؟
الجواب
أنا ما قلت إنه جانب من جوانب الزنا، وإنما قلت: وسيلة من وسائل الزنا، فالله تعالى حرم الخلوة، وقال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧]، وحرمها الرسول ﷺ فقال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وإذا كان الشيطان هو الثالث لاثنين؛ فإن ذلك يسبب فتناً كثيرة؛ لأن الشيطان لن يترك الأمور تمشي بطبيعتها.
ولذلك أقول: اجتنب هذه الخلوة سواء كانت في سيارة، أو مصعد، أو داخل بيت، أو أي مكان، وحينما يحدث شيء من ذلك نحن لا نقول: إن الفاحشة ستحدث لا محالة، ولكننا نقول: هذه الحال خطر؛ لأن الشيطان سيكون ثالث الرجل والمرأة إذا انفردا، فعليك أن تبتعد سواء كان في المصعد أو غيره، فإذا دخلت المصعد ودخلت عليك امرأة تترك المصعد لها، إلا إذا كان معكما أحد ثالث، وحينئذ تفقد الخلوة، إما أن تخلو بها فالشيطان قد يلعب على أحد منكما، أو عليكما جميعاً.
стр. 700
حكم ذهاب المرأة إلى المسجد الحرام برفقة زوجها
السؤال
أنا شاب متدين ومتزوج من فتاة متدينة -ولله الحمد- ونحن سعيدان في حياتنا؛ إلا أنني أسكن في مكة، وكلما أردت الذهاب للحرم المكي أرادت زوجتي الذهاب معي، ونظراً لصعوبة الدخول مع طفلها أطلب منها أن تلزم بيتها، أجابت بالحديث الشريف: (وليسعك بيتك)، فماذا تقول لها ولأمثالها، وبماذا تنصحني؟
الجواب
الحديث: (وليسعك بيتك)، حديث صحيح، والرسول ﷺ سئل عن السلامة من الفتن فقال: (ابك على خطيئتك، واحفظ عليك لسانك، وليسعك بيتك)، وهذا عام للرجل والمرأة، وكلمة: (ليسعك بيتك)، ليس معناها: لا تخرج، وإنما معناه: لا تخرج إلا لحاجة، وذلك يكون عند الفتن، والحمد لله هذه الفتن التي أشار إليها الحديث لم توجد بعد، وعلى كل فإن المرأة خير لها بقاؤها في بيتها كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وحتى خروجها للمسجد جائز، لكن بقاؤها في بيتها أفضل لها، كما أخبر الرسول ﷺ ، وبقاؤها في قعر البيت أفضل لها من بقائها في طرف من أطراف البيت، وصلاتها في أقصى خدرها في بيتها أفضل لها، لكن لا يجوز منعها من المسجد كما جاء ذلك في الحديث: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وصلاتهن في بيوتهن خير لهن).
وعلى هذا نقول لك: جائز أن تذهب بها إلى المسجد الحرام، وذلك لا ينافي السنة، لكن بشروط: أن تكون غير متطيبة، وغير متبرجة، ومحتشمة، وحينئذ لا تمنعها من ذلك إذا كنت تستطيع إيصالها بأي وسيلة من الوسائل، لكن ذلك أمراً ليس بلازم؛ لأن صلاة الجماعة إنما هي واجبة على الرجال دون النساء؛ لأن الله تعالى يقول عن المساجد: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، أي: لا نساء؛ لأن النساء لا يطالبن بصلاة الجماعة، لكن ما دامت ترغب في الذهاب إلى المسجد الحرام فحاول ألا تمنعها؛ لأن في ذلك مضاعفة للحسنات بالنسبة لها؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام أي مسجد الكعبة الذي ترى فيه الكعبة يساوي مائة ألف صلاة فيما سواه.
وعلى هذا نقول: إن الذهاب بها أفضل، ما دامت هذه المضاعفة موجودة، ولكن ذلك لا يلزمك؛ لأنه ليس من الواجبات بالنسبة لك.
أما إذا كان هناك خطر على الطفل، أو خطر عليها هي، أو خطر من أي شيء من الأشياء، فهذا يكون سبباً من الأسباب التي تمنع من الذهاب بها إلى المسجد، لكن إذا لم يكن هناك سبب يحول بينها وبين الذهاب إلى المسجد الحرام، فالأفضل أن تذهب بها ولك أجر وهي لها أجر لمضاعفة الحسنات.
стр. 701
دور المرأة في المجتمع
السؤال
يقال: إن المرأة نصف المجتمع، ما هو قول فضيلتكم حيال ذلك المعنى، وجزاكم الله خيراً؟ الجوب: حقيقة هي نصف المجتمع؛ لأن النساء شقائق الرجال، فهي نصف المجتمع من حيث العدد أو الأهمية أو المسئولية، حيث يتعاون الرجل والمرأة على أعباء هذه الحياة، لكنها مهمة أيضاً في المجتمع؛ لأنها تقوم بدور تربية الأولاد، خلاف ما يظنه أعداء الإسلام من أننا نبقيها للخدمة فقط، والحقيقة أن الخدمة أيضاً أمر تؤجر عليه المرأة في بيتها، لكنها تقوم بدور أهم من الخدمة وهو تربية الأولاد، ولذلك فإن الأم لها دور في تربية أولادها وإعدادهم إعداداً صالحاً سليماً أكثر من دور الزوج أيضاً، وذلك إذا تولت الفترة الأولى التي يندر أن يكون الأب مع أولاده فيها التي هي فترة الطفولة إلى حد التمييز، ولذلك تكاد أن تنفرد بتربية الأولاد في هذه الفترة، بل إنها أيضاً تتولى ما بعد ذلك، ولذلك فإن لها دوراً هاماً يجب أن تقوم به.
стр. 702
التبرج والسفور ودور الرجال والنساء في الحدِّ منه
السؤال
نظراً لكثرة التبرج، وخروج النساء كاسيات عاريات، حتى المتحجبة قد تتحجب بحجاب بعيد عن الشروط الشرعية، وهذا يدل على مستوى الجهل الذي حل بالنساء، فما الحل، وما دور المرأة المتدينة تجاه ذلك، وما دور الرجال تجاه ذلك أيضاً؟
الجواب
الحل هو العودة إلى حكم الله ، وإلى القرآن الذي أرشد المرأة إلى سبل الفضيلة، وكما قلت لكم: إن الله ذكر التبرج كسبب من أسباب الزنا؛ لأن الله تعالى لما ذكر في سورة النور الزنا ذكر له أسباباً، وذكر من أسبابه التبرج، وذكر من أسباب العفة غض البصر وإحصان الفرج، ولذلك نقول: هذا التبرج الذي أشار إليه الأخ السائل أصبح الآن خطيراً، سواء كان في صور المواجهة التي يشاهدها الإنسان من هذه المرأة وجهاً لوجه، أو من الصور المتحركة التي يشاهدها كثير من الناس من خلال الأفلام، أو من خلال الصور الثابتة، أو من جهات أخرى.
ولذلك نقول: إن التبرج محرم، والتبرج معناه: إظهار الزينة.
من البرج وهو المكان المرتفع الذي يرى من بعيد، والتبرج له طرق شتى ووسائل متعددة، سواء في ذلك إخراج زينة البدن، أو إخراج الثياب الجميلة، أو لبس الملابس الرقيقة أو الضيقة أو ما أشبه ذلك من الطرق الأخرى، وعلى هذا نقول: إن المرأة المسلمة لا تتبرج ولا تخرج شيئاً من جسدها ولا تفتن الناس.
وهي حينما تفتن هؤلاء الناس تسأل يوم القيامة عن كل من كانت سبباً في فتنته وضلاله، ولذلك تتحمل هذه المسئولية، وتتحمل هذا الأمر الذي تنشره في هذا المجتمع.
والتبرج أيضاً ورد فيه أحاديث شديدة منها قوله ﷺ : (صنفان من أمتي لم أرهما بعد؛ رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).
والمرأة المسلمة أنصحها بأن تقتدي بزوجات رسول الله ﷺ ، وهي ما أشار الله إليه بقوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، يعني: لا ترقق صوتها: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، أي: تبليغ دعوة الإسلام.
ولذلك فإنا ننصح الفتيات المؤمنات اللاتي هداهن الله في هذه الفترة أن يقمن بدور الدعوة والإصلاح، فإن المرأة تتقبل من المرأة أكثر مما تتقبل من الرجل، وأن تكون داعية إصلاح وعفة وطهارة، والله تعالى يكتب لها أجر الجهاد في سبيل الله تعالى، كما ندعو أيضاً الآباء والأولياء والرجال عامة أن يربوا هذا النشء تربية إسلامية صحيحة، حتى لا يكون في هذا المجتمع هذه الأشياء التي نحذرها ونخاف من نتائجها.
هذه النساء أمانة أيها الرجل! أيها الولي! أباً كنت أو أخاً، أو مسئولاً أي مسئولية من المسئوليات، هذه أمانة في عنقك: عليك أن تخشى الله ، فإن الرسول ﷺ قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الأب راع في بتيه ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وهذه المسئولية تكون بين يدي الله يوم القيامة؛ فإن الله تعالى إذا أوقف الناس بين يديه للحساب يوم القيامة، جاءت هذه البنت وقالت لله : يا رب! زده عذاباً ضعفاً في النار -تعني أباها- إنه خانني، ولم يربني تربية صالحة، فلنتق الله في هذه الذرية، فلا تبرج، ولا سفور، ولا ازدحام مع الرجال، ولا اختلاط، ولا نغتر بهذه الدعايات فإن أعداء الإسلام يريدون أن نضل السبيل، والله المستعان عليهم.
стр. 703
حكم ولاية المرأة في الإسلام
السؤال
ينقل عن الكاتب خالد محمد خالد مقولة مفادها: بأن تعيين رئيسة وزراء باكستان لرئاسة المسلمين من الرجال والنساء أمر لم يحرمه الإسلام، بدليل أن بلقيس كانت ملكة على أهل سبأ، واستشهد الكاتب بأن عهد الرسول ﷺ كن النساء شقائق الرجال، واستشهد بمقولة عمر بن الخطاب: (أصابت امرأة وأخطأ عمر)، وحديث: (النساء شقائق الرجال)، وفسرها بأنها تعطي حقاً للمرأة في ولاية المسلمين، فما رأيكم جزاكم الله خيراً في ذلك؟
الجواب
خالد محمد خالد لا تغتروا به، وقد كان رجلاً منحرفاً ويقال: إنه استقام، وكان من قبل رجل يحارب الإسلام، وإن كان ينتسب فترة من الزمان إلى علماء الإسلام، وهو يحارب الإسلام، وحتى بعد أن هداه الله إلى الإسلام -كما يقول- من يقرأ كتبه مثل رجال حول الرسول وما أشبه ذلك يجد في الرجل أنه لم يلتزم بعد، ولذلك إذا مر بالمتقشفين من الصحابة رضي الله يزيد عليهم؛ لأنه رجل كأنه داعية للاشتراكية، وعلى كل فالله تعالى هو الذي يتولى حساب هذا الرجل، فلا نغتر به ولا بأمثاله، ولا نأخذ ديننا من الناس وإنما نأخذه من كتاب الله تعالى وسنة الرسول ﷺ .
والرسول ﷺ الهادي لنا يقول: (ما أفلح أمر ولوا أمرهم امرأة)، ويكفينا ذلك، ولذلك أول مرة في تاريخ الإسلام تحكم امرأة بلداً إسلامياً، أما استدلال هذا الرجل بقصة بلقيس، فـ بلقيس امرأة كافرة، بدليل قولها بعد ذلك: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، والله تعالى يقول عنها قبل ذلك: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل:٤٣]، إذاً: كيف نستدل بها، ونحن الآن نناقش قضية إسلامية لا قضية عالمية.
أثر عمر ﵁ لما أراد أن يحدد المهور كما استدل الكاتب هذا، فلم تحكم، وإنما كانت تبدي رأيها، ونحن نقبل رأي المرأة كما نقبل رأي الرجل إذا أرادت أن تبديه، وقد تصيب المرأة ويخطئ الرجل لا شك في ذلك.
أما حديث: (النساء شقائق الرجال)، فصحيح أنهن شقائق الرجال، لكن أن تحكم المرأة على الرجال! هذا خلاف المألوف في تاريخ الأمة الإسلامية، ولذلك نقول: إن الرسول ﷺ يقول: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وأولئك الذين تولى أمرهم امرأة الله تعالى يتولى شأنهم نحن لا ندري ماذا في الغيب، ولكننا نقول: الرسول ﷺ يقول: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
أما خالد محمد خالد فأنا لا أحذركم من كتبه، ولكن أقول: لا تطمئنوا إلى كتبه، ولا تنسجموا معها، فالرجل يقول: إنه استقام، وكان منحرفاً وأظنه هو الذي قال: لا يؤمر بقطع يد السارق كما لا يؤمر بقطع ذكر الزاني؟ اعتراض على الله .
وعلى كل فإننا نقول: حتى لو قدرنا أن هذا الرجل استقام، فهو بشر يخطئ ويصيب، لكني أنا أشك في كتبه وآمر بالحذر لمن أراد أن يقرأ كتب خالد محمد خالد أو غيره من الذين مروا بفترة من الفترات التي فيها انحراف، والله المستعان.
стр. 704
حكم لعن النساء المتبرجات
السؤال
بعض الشباب يلعن النساء المتبرجات عندما يراهن، فهل هذا يجوز، مستدلاً بحديث رسول الله ﷺ : (العنوهن فإنهن ملعونات)؟
الجواب
هذا لا يجوز، والرسول ﷺ نهى عن لعن المرأة الزانية، لما رجم الرسول المرأة الغامدية وقد زنت واعترفت بالزنا وولدت من الزنا، ولعنها أحد الصحابة لما أصابه شيء من دمها وهو يرجمها، قال: (لا تلعنها فإنها تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم).
وعلى كل فإن لعن الحي لا يجوز حتى لو كان كافراً بعينه؛ لأن اللعن معناه التسبب بالطرد والإبعاد عن رحمة الله ، ويا حبذا لو دعونا لهن بالهداية.
أما أن الرسول قال: (العنوهن فإنهن ملعونات)، أظنه ليس في المرأة المتبرجة، وإنما في المرأة التي تريد أن تنافس الرجل على طبيعته وفطرته لا المرأة المتبرجة، أما المرأة المتبرجة فإنها امرأة عاصية، نسأل الله تعالى أن يردها إلى الطريق المستقيم، ونرشدها نحن إلى الطريق المستقيمة، أما اللعن فإنه ليس من صفات المؤمن: (ليس المؤمن باللعان ولا الطعان).
стр. 705
حكم الخلوة بالمرأة في السفر
السؤال
هل يجوز لي أن أحمل معي في السيارة نساء لسن بمحارم لي ومعهن أحد محارمي كأمي أو زوجتي أو أختي؟
الجواب
نعم يجوز إذا لم يكن ذلك سفراً، المهم ألا تكون واحدة؛ لأنها لو كانت واحدة لكانت خلوة والخلوة محرمة، أما أن يكون العدد أكثر من واحدة، حتى لو لم يكن معك أحد من محارمك، إلا أن الاحتياط أن يكون معك من محارمك من تستأنس به، المهم ألا تكون خلوة وألا يكون هناك سفر، فإذا كانت هناك خلوة فإن هذا محرم؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (لا يخلون رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وإذا كان هناك سفر فلا يجوز ولو كان عدد من النساء ما دمن لسن من المحارم، ولو كانت معك محرم من محارمك كزوجتك أو أختك؛ لأن النساء اللاتي يسافرن معك بدون محرم عملن محرماً، وأنت أيضاً عملت محرماً؛ لأن في هذا معصية لله ولرسوله ﷺ حينما نهى أن تسافر المرأة بدون محرم.
وهناك رأي لبعض العلماء يقولون: إذا كانت هناك رفقة نساء فيجوز أن تسافر معهن امرأة ليس معها محرم ما دامت مع نساء ولو كان سفراً طويلاً، لكن هذا الرأي وإن كان صاحبه محترماً إلا أنه خلاف الحديث: (لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم)، والرسول ﷺ علم أن رجلاً اكتتب في غزوة كذا وكذا لما قال الرسول ﷺ : (لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم، قال: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وزوجتي ذهبت حاجة، قال: ارجع فاذهب مع زوجتك فحج معها)، كون الرسول ﷺ يرد رجلاً عن القتال في سبيل الله من أجل أن يحج مع زوجته حتى لا تسافر إلا مع محرم دليل قاطع على أنه لا يحل للمرأة أن تسافر إلا ومعها محرم ولو كان معها رفقة؛ لأن الرسول ﷺ لم يسأل صاحب هذه المرأة أمعها رفقة أم ليس معها رفقة؟ والله أعلم.
следующие страницы →