Полный текст (1 366 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
حكم الاعتكاف في المسجد الحرام مع الخروج لإمامة الناس في مسجد آخر
السؤال
أنا إمام مسجد وأريد أن أعتكف في المسجد الحرام، فهل يجوز لي أن أذهب إلى المسجد وأصلي بالناس التراويح، ثم أحضر لأكمل اعتكافي؟
الجواب
يا أخي! اعتكف في مسجدك فهذا أحسن لك، أما أن تترك مسجدك فهذا لا يصح؛ لأنك تترك واجباً وتعمل سنة، أما أن تعتكف في المسجد الحرام وتذهب في كل وقت لتصلي الصلوات الخمس وصلاة التراويح فأخشى أن يخل هذا بالاعتكاف، إذا اعتكفت في مسجدك كان ذلك أولى.
стр. 737
كيفية الدعوة إلى الله بين الأقارب
السؤال
وضح لنا كيفية الدعوة إلى الله في وسط الأقارب؟
الجواب
الدعوة إلى الله تعالى في وسط الأقارب كالدعوة إلى الله تعالى خارج الأقارب، بل ربما تكون الأولى أسهل، فتحضر يا أخي جماعاتهم وجلساتهم، وتقدم لهم النصيحة والأشرطة والكتب المفيدة، وتخوفهم بالله تعالى، وتذكرهم بالله واليوم الآخر والجنة والنار وما أشبه ذلك، وهذا طريق جيد في الدعوة إلى الله ، لكن يجب أن يكون بلباقة ورقة لا كما يعمله بعض الأبناء مع آبائهم وأهليهم حينما يهتدي هؤلاء الأبناء يصطدمون مع الآباء، ويستعملون الغلظة والشدة، وهذا لا يجوز.
стр. 738
التعاون على إزالة المنكر بالحكمة والنصيحة
السؤال
يقول شخص: إنه شاهد في هذه العمارة مطعماً يختلط فيه الرجال بالنساء؟
الجواب
نعم أنا شاهدت ذلك، وأرى أن نقدم خطاباً إلى الأخ عبد الرحمن فقيه، وأنا أعرف أنه يحب الخير، ونقترح عليه أن يعزل مكاناً خاصاً للعائلات، ويكون أيضاً مغطى غير مكشوف كواقع هذا المطعم، والأخ الشيخ عبد الرحمن فقيه يحب الخير فلو قدم له خطاب موقع من عدد كبير من الإخوة، وطلبوا منه أن يعزل قسم العائلات عن القسم العام، أنا متأكد أنه سوف يستجيب، وأنا مستعد أن أساهم معكم في نصحه وتبليغه.
стр. 739
حكم العمل في مؤسسات التأمينات الاجتماعية
السؤال
ما حكم العمل في المؤسسات العامة للتأمينات الاجتماعية؟
الجواب
يا أخي! ما أعرف أنا نظام التأمينات الاجتماعية الموجودة عندنا هنا، فإذا كانت تأمينات اجتماعية تؤمن مثلاً على الحياة أو تؤمن على البضائع، وتكون بالمغامرة والقمار والميسر فإن هذا العمل محرم، وفي اعتقادي أن التأمينات الاجتماعية التي تتعاطى هذه الطريقة، بأن يدفع التاجر مبلغاً من المال، وتضمن هذه الشركة الخسارة أو التلف للبضاعة أو على النفس أو ما أشبه ذلك، فهذا يدخل في الميسر الذي حرمه الله ، فإذا كان العمل محرماً فلا يجوز العمل فيه، كالعمل في البنوك مثلاً باعتبارها تحارب الله بالربا فإنه لا يجوز العمل فيها.
стр. 740
حكم مقاطعة المرأة لزوجها الذي أخطأ في حقها
السؤال
ما حكم مقاطعة المرأة زوجها، ولو كان الزوج هو الذي غلط عليها، أفيدونا بارك الله فيكم؟
الجواب
خير لها أن تصبر؛ لأن مقاطعته وأذيته يسبب الطلاق الذي هو من أخطر الأمور والرسول ﷺ يقول: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) وكما أمر الله الزوج أن يتحمل زوجته ويتحمل منها الأخطاء، كذلك أيضاً على المرأة من باب أولى أن تتحمل أخطاء الزوج، فأنا أرى أن تصبر وتحتسب وسوف يجعل الله لها فرجاً ومخرجاً.
стр. 741
حكم تأدية صلاة الوتر ثلاث ركعات مستقلات
السؤال
ما رأيكم فيمن صلى الوتر ثلاث ركعات مستقلات؟
الجواب
نعم يجوز أن يصلي الوتر ركعة واحدة أو ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة بسلام واحد دون فصل، المهم أن ينتهي بواحدة.
стр. 742
حكم حديث: من صلى علي ثمانين مرة
السؤال
يقول النبي ﷺ : (من صلى علي ثمانين مرة غفرت له خطاياه ثمانين عاماً) نرجو من فضيلتكم شرح هذا الحديث مع حكم صحته؟
الجواب
هذا الحديث مؤكد أنه غير صحيح، لكن يقول ﵊: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً) هذا الحديث صحيح، أما ثمانون لم يمر علي، وواضح أن هذا الحديث غير صحيح.
стр. 743
حكم العمل في المكاتب العقارية
السؤال
ما حكم العمل في المكاتب العقارية، مع أنه لو أجر لشخص شقة أخذ منه نقوداً؟
الجواب
إذا كانت هذه المكاتب العقارية تخادع الناس وتكذب على الناس وتأخذ أموالهم بطريقة غير شرعية لا يجوز العمل فيها، فعليك يا أخي! حين تمر بمثل هذه القضية التي فيها لعبة وأكل لأموال الناس بالباطل أن ترفضها.
стр. 744
عقبات في طريق الشباب
إن مرحلة الشباب مرحلة مباركة، ففيها القوة والنشاط والحيوية والعمل، إلا أنها في المقابل تكثر فيها العقبات والمزلات، فإذا لم يكن الشاب مستقيماً على طاعة الله، ومعتصماً بربه، فإنه يزل ويضل، فلذلك كان على الشباب المسلم أن يستعينوا بالله في تذليل العقبات، وأن يسعوا في إزالتها بالطرق المشروعة، والابتعاد عن الأبواب الممنوعة.
стр. 745
الصراع بين الحق والباطل سنة كونية
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بيَّن الحجة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أحبتي في الله! الموضوع هو: (عقبات في طريق الشباب)، نسأل الله أن يوفقنا للقول السديد، وأن يصلح البواطن، ويجعلها خيراً من الظواهر، ويجعل الظواهر صالحة، كما يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
أيها الإخوة! منذ أن أهبط الله أبانا آدم وزوجه حواء إلى الأرض والصراع بين الحق والباطل على أشده، قال : ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، هذا هو الصراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، بين جند الرحمن وجند الشيطان.
ولقد كتب الله في هذا الوجود أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والصراع الذي هو قديم قدم الحياة الدنيا بين الحق والباطل سيبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لكن هذا الصراع يتأثر بما حوله وما يحيط به من جنود لله ، فبمقدار ما يصمم المؤمنون على مصارعة الباطل ومجادلته ومجالدته ينخفض صوت الباطل، ويظهر صوت الحق، وبمقدار ما يضعف المؤمنون يتحرك دعاة الباطل في الظلام؛ لأنهم كالخفافيش لا يخرجون إلا حينما يُفقد الضوء، ولذلك كما أن لله جنوداً في السماوات والأرض فإن الحق ظهر، والحمد لله، وانقشعت سحابة الباطل يوم صمم المؤمنون على الجهاد في سبيل الله، والمسلمون في كل معركة من معاركهم يثبتون جدارة منقطعة النظير، والعدو الذي كان يخطط وينظم ويرتب لحرب الإسلام منذ غزوة الأحزاب وإلى يومنا هذا أظهر فشله وإفلاسه في حرب المواجهة، فاتجه العدو الحاقد للإطاحة بالأمة الإسلامية، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف:٨].
стр. 746
استخدام أعداء الإسلام الحرب الفكرية ضد المسلمين
ولذلك أيها الإخوة! يظهر الحق فتختفي تلك الجنود التي تحارب الإسلام، وتقوم بحرب باردة فكرية تمثل صراعاً عنيفاً من الداخل لا من الخارج.
ومن هنا استطاع العدو أن ينجح بعض النجاح في حرف كثير من أبناء المسلمين عن الجادة، ولقد أدرك العدو الحاقد أن الأمة إنما تقاس بشبابها، وإنما تتطور بأبنائها، وبمقدار ما تقدمه الأمة من خدمة لإخراج هذا الشباب وإظهاره بالمظهر اللائق يعجز دعاة الباطل عن النيل من الإسلام، فكانت هناك تخطيطات رهيبة من الداخل وأفكار وأدمغة وخبراء تشتغل في الظلام، تريد أن تطفئ نور الله، والله غالب على أمره.
стр. 747
تركيز أعداء الإسلام في حربهم الفكرية على جانبي: المرأة والشباب
ولذلك نقول أيها الإخوة!: إن الحرب الفكرية التي بدأت منذ أن فشل العدو في حرب المواجهة كلها تتوجه في الغالب إلى أمرين أو إلى جانبين من جوانب هذه الأمة: الجانب الأول: المرأة.
الجانب الثاني: الشباب.
وليس صدفة اختيار هذين الأمرين؛ فالمرأة كما قال قائلهم: إنه لا أحد أقدر على جر المجتمع إلى الدمار من المرأة، فعليكم بالمرأة! وهذه حرب كان يتسلح بها أعداء الإسلام قبل الإسلام منذ أمد بعيد.
أما الجانب الآخر فهو التركيز على شباب الأمة الإسلامية؛ لأن حرف أبناء المسلمين يعني: حرف الأجيال اللاحقة كما يعتقد هؤلاء.
ومن هنا كان المخطط رهيباً وموجهاً للشباب، فلا تعجبوا أيها الإخوة! وأنتم ترون وسائل كثيرة كلها تخدم هذه المهمة، وتقوم بهذا الدور، ثم لا تعجبوا أيضاً من الجانب الآخر إذا رأيتم كثيراً من أبناء المسلمين قد انحرف عن الجادة! وأخطر وأخبث من ذلك أن يُتخذ هذا النوع من أبناء المسلمين شوكة في الجسم الإسلامي وغصناً -كما يقولون- من أغصان الشجرة الإسلامية به تقطع الشجرة الإسلامية كما يتوقع أولئك، وكما قالوا: إنكم لا تستطيعون أن تقطعوا الشجرة الإسلامية إلا بغصن من أغصانها، ويقصدون بذلك: تربون من أبناء المسلمين من يقوم بقطع هذه الشجرة، وهم غصن من أغصانها.
كل هذه الآمال وأكثر من ذلك قد خابت والحمد لله، ولذلك في الفترة التي كانت المقاييس المادية والنفوس الضعيفة تتوقع أن ينتهي الإسلام من الوجود، وأن يخلو من هذه الأرض، زدات الصحوة، فكل هذه المقاييس -والحمد لله- قد أظهرت فشلها، وكذب زاعموها، وفي هذه الفترة العصيبة التي جندت فيها كل وسائل التقنية وجميع وسائل الأعلام لإنتاج الوسائل التي تهدف إلى الإطاحة بالأمة الإسلامية زادت الصحوة الإسلامية، كما قال : ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]، وكما قال : ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٢٦]، وهذا بالنسبة لنا نحن ليس صدفة؛ لأننا لا نؤمن بالصدفة، وليس أمراً جاء فلتة؛ لأننا لا نؤمن بالفلتة، ولكن هذا الأمر هو نتيجة جهد من جانب، ومن الجانب الأعظم هو توفيق من الله ؛ فإن الله تعالى قد وعد بأن يظهر هذا الدين على الدين كله، وأن يمكنه في الأرض، وأن يبدل هذا الخوف أمناً بشرط: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، هذا وعد الله لا يتخلف.
لذلك لا تعجبوا حينما ترون هذه الصحوة الإسلامية المباركة تحطم كل ما يقف في طريقها، وتبدأ بصغار الشباب بصفة خاصة، لا تعجبوا في هذه الفترة؛ فإن هذا هو أمر الله ووعد الله الذي لا يتخلف.
أيها الإخوة! بالرغم من هذه الصحوة الإسلامية المباركة وبالرغم من هذه اليقظة التي أثلجت صدور المسلمين في أبنائهم، إلا أن من العجيب أنها في أبناء عامة الناس أحسن منها في أبناء علماء المسلمين وأبناء الصالحين؛ ليثبت الله لهؤلاء الناس أن القوة لله جميعاً، وأن الله غالب على أمره.
стр. 748
العقبات التي تعترض سبيل الشباب وتعرقل مسيرة الصحوة
أيها الإخوة! بالرغم من هذه الصحوة الإسلامية ففي الساحة الإسلامية وفي دنيانا اليوم عقبات ما زالت تعترض سبيل الشباب، وتعرقل هذه الصحوة، ولولا أن الله يداول الأيام بين الناس لما رأينا هذا الالتزام وهذه الاستقامة في مثل هذه الفترة التي فيها من العقبات ما فيها، ولكننا نشكر الله أولاً وآخراً؛ فله الفضل من قبل ومن بعد.
وهناك عقبات كثيرة جداً سوف نتعرض لجزء منها في هذا الحديث، وأظن أنها قد أثرت على كثير من الشباب، حتى بعض الشباب الذين اتجهوا إلى ربهم، فلربما تجذبهم إليها جذباً في بعض الأحيان، فيكون هناك شيء من التقلب، وهذا التقلب حدثنا عنه الصادق المصدوق ﷺ بقوله: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا).
فهناك عقبات في طريق الشباب كثيرة أهمها:
стр. 749
حب المركز والجاه
حب المركز والعلو والسيطرة والجاه: وهذه تُعتبر من أكبر العوامل، وكم كان الناس يعلقون آمالاً عظاماً في شباب كانت لهم طموحات وفي رجال كانوا أصحاب فكرة، فإذا بهم يصلون إلى المركز، ثم يتغير شيء من مسارهم إن لم يتغير كله، وهذه من الفتن التي تفتن كثيراً من الناس عن دينهم.
стр. 750
الشهوة المحرمة
ثانياً: الشهوة الحرام التي أصبحت تُعرض على كثير من شبابنا بهذه الأفلام، فلها آثار وخيمة في نفوس هؤلاء الشباب؛ مما أدى إلى أن تسقط بعض أخلاق هؤلاء الشباب، ثم لا يجدون مبرراً لواقعهم إلا أن يتخلصوا من الفكرة النبيلة التي من الله بها عليهم.
стр. 751
الخوف من الموت
ثالثاً: خوف الموت: فقد ضعف اليقين في نفوس طائفة من شباب المسلمين، وظنوا أن الخوف يبعد الموت، وأن الإقدام يدني الموت، ونسوا أن الله يقول: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥] وأن الله قد كتب أجل الإنسان كما كتب رزقه، وكما كتب عمله يوم كان في بطن أمه شقياً أو سعيداً، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوا أحداً من الناس لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت القلم وجفت الصحف، كما جاء معنى ذلك عن الرسول ﷺ .
فالأرزاق بيد الله مقدرة من لدن حكيم خبير، والآجال كذلك مقدرة كما قدرت الشقاوة والسعادة، وعلى هذا فالأجل بيد الله .
стр. 752
قصة عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ مع قيصر
وتذكرني هذه العناصر الثلاثة بقصة شاب مؤمن عرضت عليه كل مغريات الحياة، وأهمها هذه الثلاثة: حب الحياة، وكراهية الموت، والمركز والشهوة التي تجذب إلى نفسها بقوة، فرفضها، وخرج من هذه الفتن الثلاث معافىً قد رفع رأس نفسه، ورفع الأمة الإسلامية جمعاء.
والقصة باختصار كما يرويها المؤرخون: أن رجلاً من قادة المسلمين في غزوة اليرموك في بلاد الشام يدعى عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، أرسله عمر ﵁ في جيش المسلمين، فوقع أسيراً في بلاد الروم، وكان شاباً يتقد ذكاءً وحماساً وتقىً واستقامة، فأعجب السجانون بهذا الشاب في عبادته وصلاحه واستقامته، فقيل لقيصر الروم الخبر عنه فقال: جيئوني به.
يريد أن يعرض عليه الفتن الثلاث التي أوردتها لكم.
فلما مَثُلَ ﵁ بين يدي قيصر قال له: يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي، فنظر إليه نظرة ازدراء واحتقار وقال: والله! لو كانت لي الدنيا بأسرها ما تركت شيئاً من ديني! هذه عقبة استطاع أن يتخطاها رحمة الله عليه, فشعر قيصر الروم بالذلة أمام هذا الرجل المؤمن العملاق، وقال: ردوه إلى السجن، وزيدوا في تعذيبه، بدل أن يكون مساعداً لقيصر الروم أصبح سجيناً معذباً، لكن ذلك في سبيل دينه، فقال قيصر: دلوني على طريقة أستطيع أن أفتن بها هذا الرجل، فقالوا: الشهوة، إنه شاب بعيد عن أهله منذ أشهر طويلة، وتستطيع أن تجذبه عن طريق الشهوة، فجاءت فكرة أخرى، فقال: جيئوني بأجمل فتاة في بلادي، فجيء بها، فأغريت بالمال لتفتن عبد الله، فجردت هذه الفتاة من كل ملابسها، وأُدخلت عليه، وهو منكب يتلو القرآن، فلما رآها قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! إنها الفتنة، فأغمض عينيه، وصارت تتابعه وترمي نفسها في أحضانه، وهو مكبل بالأغلال، وكلما اتجهت إلى جهة انحرف إلى جهة أخرى، وبقيت مدة تطارده، وهو ينصرف عنها، فأيست منه، فقالت: أخرجوني، فلما أخرجوها قالت: والله! لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر، والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر! فيئست المحاولة الثانية التي تفتن اليوم كثيراً من أبناء المسلمين، وإذا أردتم الدليل على ذلك فاسألوا شركات الطيران: كم يسافر من أبناء المسلمين اليوم إلى أماكن فيها كثير من الفساد! فتحير قيصر الروم وقال: لابد أن تعطوني طريقاً أستطيع أن أفتن بها هذا الرجل، يريد أن يسترد ماء وجهه الذي ضاع أمام شاب من أبناء المسلمين، فقالوا: الموت، فكل الناس يفرون من الموت، فجيء بقدر عظيم، فأُشعلت تحته النار حتى تحول القدر إلى قطعة حمراء من النار، فقال: جيئوني بـ عبد الله بن حذافة ورجل من أصحابه الذين كانوا يلازمونه، فجيء بـ عبد الله بن حذافة ﵁ وجيء بصديقه الذي لا يفارقه، فأمر قيصر أن يُؤخذ صديق عبد الله ويُرمى في القدر، فرُمي في القدر، فصار دخاناً، فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله ﵁، وكان قيصر يراقبه، فلما رأى الدمعة قد سالت من عين عبد الله ظن أن الرجل قد خاف من الموت، فالتفت إليه وقال: يا عبد الله! أنت ستكون بعده، قال: اخسأ يا عدو الله! لقد رأيتني أبكي، والله ما بكيت خوفاً من الموت، والله ما جئت إلى بلدك هنا إلا لأطلب الشهادة في سبيل الله، ولكني بكيت لأن صاحبي هذا كان من أعز الناس عليّ، وكان يسابقني إلى الجنة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الدار الآخرة، فكنت إذا صليت ركعتين في الليل صلى أربعاً فصليت ثماني ركعات في جنح الليل، وإذا صام في الهاجرة يوماً صمت يومين، وكان أمنيتي أن أسبقه إلى الجنة، فالآن أبكي لأنه سبقني إلى الجنة.
انظروا عظمة الرجال أيها الإخوة! إنهم شباب في عقول رجال كبار، فتحير الرجل أمام هذا البطل المؤمن، ماذا يفعل؟ فقال: يا عبد الله! أريد منك شيئاً واحداً فقط، تقبل رأسي وأطلق سراحك، قال: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] لن أقبل رأسك ولو قطعتني إرباً إرباً، قال: يا عبد الله! تقبل رأسي وأطلق جميع أسرى المسلمين في بلاد الروم، فانظر كيف أصبح الرجل يتنازل عن مطالبه؛ لأنه يريد فقط أن يسترد مكانته التي فقدها أمام هذا الشاب المؤمن، قال: ما دام الأمر بهذا الشكل أعطني فرصة ثلاثة أيام أستخير ربي، قال: لك ثلاثة أيام، فردوه إلى السجن وشددوا عليه، وجيء به بعد ثلاثة أيام فقال: رأيت ألا أقبل رأس رجل كافر، وافعل ما تشاء، قال: يا عبد الله! تضع شفتيك على رأسي وأطلق جميع أسرى المسلمين من بلاد الروم، فوضع شفتيه على رأسه، ويُقال: إنه ﵁ بصق على رأسه، فأمر بإطلاق جميع أسرى المسلمين الذين كانوا في بلاد الروم.
وفي الطريق كانوا يلومون عبد الله ويقولون: يا عبد الله! كيف تضع شفتيك على رأس رجل كافر من أجلنا؟ فيقول: يا قومي! والله لقد بصقت على رأسه حينما وضعت شفتي على رأسه، فعلم عمر بن الخطاب ﵁ وهو في المدينة بما فعله عبد الله بن حذافة، فقال لأهل المدينة جميعاً: إن على كل واحد منكم أن يخرج لاستقبال عبد الله بن حذافة، وأن يقبل رأسه.
فهذا نموذج من الشباب الذين يربيهم الإسلام، ويحتضنهم أولياء الله، وهؤلاء ما زالوا ولم يزالوا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهم قوة ضاربة في الأرض أمام الطغيان والكفر والجبروت، قال : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣].
وإذا أردتم دليلاً على ذلك فتتبعوا ما يحدث في الساحة الإسلامية تجدون العجب العجاب، فهؤلاء قوم لا يخافون من الموت؛ لأنهم يرون أن الموت في مثل هذا الطريق شهادة، والشهادة ترفع الإنسان في أعلى درجات الجنة يوم القيامة، كما قال ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله؛ ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض).
والجهاد في سبيل الله أنواع كثيرة، ولذلك عرفوا أن بينهم وبين الله بيعة، وإذا أردتم نموذجاً واضحاً فتتبعوا أخبار أفغانستان في أيامنا الحاضرة فستجدون شباباً في مستهل العمر يؤكدون هذه البيعة بينهم وبين الله ، ولا يضنون بأنفسهم ولا بدمائهم ولا بأرواحهم.
أيها الإخوة! لكن هذه عقبات في الحقيقة لا ننكرها، وهي تعترض سبيل كثير من الشباب.
стр. 753
سوء التربية
ومن هذه العقبات أيضاً: سوء التربية: وسوء التربية يعني أن المسئولين عن تربية هؤلاء الناشئة لا يقومون بالدور الذي أُنيط بأعناقهم، ولا يقومون بما أوجب الله عليهم تجاه إعداد النشء، وهذا تقصير مشترك بين الأب وبين المدرسة وبين البيئة وبين أناس كثيرين؛ ولذلك يجب على كل واحد من المسلمين أن يعد هذا الجيل إعداداً صالحاً مستقيماً وفق المنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه، وعلى منهج سلفنا الصالح، فالأب يشعر بهذه المسئولية، والمدرس يشعر أيضاً بهذه المسئولية، والأم تشعر بهذه المسئولية، وولاة الأمر أيضاً يشعرون بهذه المسئولية، وكل واحد من الناس يشعر بهذه المسئولية، فيقوم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنظف البيئة الإسلامية؛ بحيث تصبح تربة طيبة صالحة لهذه البذور الإسلامية الصالحة الموجودة.
ولذلك فإننا نقول: هناك تساهل في التربية أيها الإخوان! وهناك مسئولية عظيمة جداً، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨].
وليس هناك اختلاف بين الآية الأولى والثانية، فالآية الأولى تتحدث عن التربية عموماً، والآية الثانية تتحدث عن مسئولية الآباء تجاه الأبناء، ويقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، والرسول ﷺ يقول: (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته)، فلو قام كل واحد منا بهذا الدور الذي وضعه الله في أعناقنا وخاطبنا الرسول ﷺ من منطلق الواجب لتضافرت الجهود في سبيل تربية هذه الناشئة، ولزالت هذه العقبة.
стр. 754
ضعف دعاة الحق
ومن هذه العقبات: ضعف دعاة الحق: فدعاة الحق قد يَضعفون في بعض الأحيان، وقد يُضعفون، وقد تكون هناك عراقيل تُوضع في طريقهم، وهذا ليس عجيباً؛ لأن الجنة حفت بالمكارة؛ ولأن النار حفت بالشهوات، فدعاة الحق مسئولون عن أي تخلف يحصل في أبناء المسلمين.
أيها الإخوة! إنه لما نشط دعاة الحق كانت من ثمار نشاطهم هذه الصحوة الإسلامية المباركة، ولكن بمقدار ما يهبط دعاة الحق يقوم دعاة الباطل؛ لأن دعاة الباطل كالفئران، لا تتحرك إلا حينما يسكن الجو، فإذا سكنت الأصوات وهدأ الجو خرجت، ثم إذا سمعت الأصوات دخلت في جحورها؛ ولذلك لا تعجبوا يا إخوتي! فإن الساحة الإسلامية تغص بدعاة الباطل، وهم يستغلون كثيراً من الفرص وكثيراً من الوسائل، ولا يبالي كثير منهم، حتى وصلوا في هجومهم على الإسلام وعلى الدين إلى النيل من كرامة رسول الله ﷺ خير البرية، وحتى سمعنا في أشعارهم الساقطة الهابطة من يتناول الله ! فلماذا وُجد هذا؟ وُجد لأن دعاة الحق تأخروا، والفارغ لابد أن يمتلئ، والساحة لابد أن يُوجد فيها شيء، فإذا تأخر هؤلاء قام أولئك، وإذا نشط هؤلاء تأخر أولئك.
إذاً: سنة الله تعالى في هذه الحياة أنه لابد أن تكون هناك حركة وعمل ودعوة ونشاط، وهذه إما أن تكون للحق أو للباطل، لكن من المؤكد أن الحق لو تحرك فإنه سوف يدمغ الباطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨].
إذاً: ضعف دعاة الحق يُعتبر عاملاً من عوامل دعاة الباطل، ونشاطهم يُعتبر عاملاً من عوامل اندحار الباطل بإذن الله تعالى؛ والواقع أكبر دليل على ذلك.
стр. 755
خطر دعاة الباطل وخاصة إذا كانوا من أبناء جلدتنا
تأتي المصيبة وتكون أكبر حينما يكون دعاة الباطل من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا، وأظن بل أتأكد أن المخربين الذين نذروا حياتهم للنيل من هذا الدين قد ربوا أفراخاً لهم في بلاد المسلمين، ورعوهم رعاية كاملة مدة من الزمن، سواء كانوا في بلاد المسلمين أو خارج بلاد المسلمين، ثم قذفوا بهم إلى بلاد المسلمين، وحينئذ قاموا بهذه المهمة، وصاروا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين.
وقد حدثنا حذيفة بن اليمان ﵁ حديثا عجيباً فاسمعوه، يقول حذيفة عن هذا النوع من البشر الذين يفسدون ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين: (كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، ثم جاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قال: وما دخنه يا رسول الله؟! قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، يقول حذيفة: فقلت: يا رسول الله! -اسمعوا لهذه الفقرة الأخيرة- وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال حذيفة: فقلت: صفهم لنا يا رسول الله! قال: هم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا).
ومعنى (من جلدتنا) يعني: من أبنائنا وأبناء أعمامنا ومن أبناء أخوالنا ومن أبناء أجدادنا ومن نفس الجنسية، لم يأتوا من الشرق ولا من الغرب، وإنما ولدوا في بلاد الفطرة، وعاشوا في بيوت الفطرة، لكن هذه الفطرة أُفسدت حين تعرضت لعوامل الفساد المعروفة.
وقوله: (ويتكلمون بلغتنا)، أي: اللغة العربية الفصحى، ولربما يتباكون في بعض الأحيان على الإسلام، ولربما يدبجون خطبهم أو أحاديثهم أو يستفتحون كتبهم أو مؤلفاتهم أو مقالاتهم بالتعاطف مع الإسلام؛ ليلفوا الباطل بلفائف من الحقيقة، لكنها مكشوفة.
وأظن هؤلاء لا يحتاجون الآن إلى بحث كبير، فهم يعيشون في بلاد المسلمين وبكل طلاقة، وربما يكونون أصحاب أمور مهمة، أو ربما يحصلون على مراكز كبيرة في بلاد المسلمين، ومن منطلق هذه المراكز يعملون، وهذا يوجد في كثير من بلاد المسلمين، وأكثر البلاد التي أصيبت بالنكبة أصيبت على أيدي شبابها.
قال حذيفة: (فماذا تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك) انتبه ﵁، ونحن الآن أدركناهم وهي معجزة تحققت للرسول ﷺ ، قال: (الزم جماعة المسلمين وإمامهم، قال: فقلت: يا رسول الله! وإن لم يكن يومئذ للمسلمين جماعة، قال: فر بدينك، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)، لكن نحن لا ندعو المسلمين الآن إلى الفرار؛ لأن هذا يُعد من الفرار من الزحف؛ ولأن بقاء المسلمين والمجاهدين والعاملين والمصلحين في الساحة خصوصاً في هذه الظروف أصبح أمراً مطلوباً.
فدعاة الباطل هم أكثر من يشوهون الإسلام، لا سيما إذا كانوا من أبناء الجلدة، وممن يتكلمون باللغة، ولذلك يقول الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على الحر من وقع الحسام المهند إذ كون واحد بعيد منك ليس بغريب أن يظلمك، لكن حينما يظلمك واحد من قرابتك يصبح ذلك شديداً على النفس أشد من وقع السيف المهند الحاد الشديد على اللحم؛ لأن القرابة يجب أن يحموا هذه القرابة، ويجب أن يحافظوا على اللحم والدم، أما إذا كان من أبناء المسلمين من يطعن في الإسلام فهنا تأتي المصيبة والبلية، بل أنا متأكد أن الطعن الذي حصل من أبناء المسلمين على الإسلام أكثر مما حصل من أعداء الله ، وتحضرني مناسبتان في هذا: الأولى: هناك رجل اسمه محمد ممن ينتسب إلى الإسلام، وأظنه في مهد الإسلام الأول، يقول في قصيدة لا أستطيع أن أنطق بها، ولكن آتي لكم بشيء من ملخصها: إن تأخر البشرية بدأ من محمد الهاشمي، ومن نزول سورة (تبت)! تصوروا هذا الإفك العظيم، هذا أكثر من الردة؛ لأن الردة معناها: الخروج عن الإسلام، لكن هذا طعن في الإسلام، والله تعالى سمى من يقول مثل هذا المقال إماماً في الكفر، كما في قوله سبحانه: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، يعني: هو وراء الردة بكثير؛ لأنه من أئمة الكفر.
وفي نفس الفترة يقول رجل كافر يهودي يدعى برنارد شو عن الإسلام: إن محمداً لو بعث اليوم لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة.
فذلك مسلم ويدعى محمداً، وهذا عدو للإسلام يدعى برنارد شو، ذلك يقول: إن نزول سورة (تبت) ومجيء محمد الهاشمي سبب تأخر العالم! وهذا يقول: لو بعث محمد اليوم لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة.
إذاً: لا حاجة إلى أن يشتغل أعداء الإسلام من الخارج للطعن في الإسلام وللنيل من الإسلام.
ونتعدى هذا الموضوع؛ لأن هذا موضوع شائك، وننتقل إلى موضوع آخر من الأمور التي تعرقل مسيرة هذا الشباب إلى ربه، وتكون عقبة في طريقهم.
стр. 756
عدم استقامة إعلام المسلمين
من العقبات: عدم استقامة إعلام المسلمين: فالإعلام هو: الصحافة والكتاب والإذاعة والتلفاز والأشرطة والفيديو، والأشياء التي قدمتها لنا وسائل التقنية بكثرة وبسرعة وبتطور هائل، وهذه تستغل في بعض الأحيان في بلاد المسلمين استغلالاً سيئاً، بل في أكثر الأحيان، بل أظن أن هذه الوسائل لا يأتي بها الذين يصنعونها ويروجون لها في كثير من الأحيان إلا لتكون وسيلة دمار، مع أننا لا نجردها من أن تكون وسيلة للصلاح، فكثيراً ما تكون وسيلة للإصلاح.
لكن أنا أحكي عن الواقع لا عن المقصود، فهذه إذا استغلت استغلالاً سيئاً رديئاً تكون لها آثار وخيمة وسيئة، حتى ولو نشط المصلحون في الدعوة؛ لأن من شروط الاستقامة والالتزام والطاعة طهارة البيئة؛ لأن النفوس البشرية بطبيعتها تميل إلى هذه الأشياء، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤]، وكل هذه الوسائل وكل هذه الأمور المحبوبة للنفوس يتقدمها النساء والشهوة.
وعلى كلٍ هذه الوسائل عرف صانعوها وعرف مروجوها الذين يكرهون الإسلام أنها وسيلة جذابة، ولذلك تجدون أن في أكثر المجلات ابتداءً من صورة الغلاف تُوضع صورة أجمل فتاة من أجل أن تكون جاذبة، ثم بعد ذلك يُوضع بين الدفتين ما الله به عليم، هذا بالنسبة للمجلات وللصحف.
وبالنسبة للوسائل المرئية والمسموعة فإنها أيضاً تحمل سموماً كثيرة، وهذه تلوث البيئة، حتى المصلحون لا ينجحون نجاحاً كاملاً وهذه موجودة في المجتمع؛ لأن من شروط نجاح الإصلاح أن تكون هناك بيئة نظيفة طاهرة، يلتقي الشاب بشيخه أو بزميله أو بالذي يوجهه، ثم ينطلق منه فيجد أمامه بيئة صالحة وبيتاً صالحاً نظيفاً طيباً طاهراً، أما أن يتأثر ثم يجد هذه الأشياء المغرية تفاجئه في الشارع وتفاجئه في البيت وتتابعه في كل ليلة وفي كل ساعة فهذه غالباً تؤثر، ولذلك استطاع العدو أن يستغل وسائل الإعلام في بلاد المسلمين، فجعل منها وسيلة من وسائل انحراف أبناء المسلمين.
وهذه الأفلام تأتي وتتعدى وسائل الرقابة، وتنتشر وتُباع بأثمان باهظة، ولا تتعجبوا من ذلك! لأن من ورائها أقواماً يحقدون على الإسلام، ويريدون أن يروجوها كما يروجون المخدرات التي أصبحت الآن تتسرب إلى بلاد المسلمين بطريقة يعجز عنها أي إنسان يحاول أن يقف في وجهها، وهذه الأفلام تتسرب أيضاً، وهي أخطر من المخدرات، ونحن نرجو من المسئولين الذين يحاربون المخدرات أن يحاربوا هذه التي تخدر الغيرة أيضاً، وتخدر الشاب، وتذيبه في مجتمع غير مجتمعنا؛ حتى أصبحت تعرض الجنس، وتعرض اللواط أمام الشباب، وتعرض أموراً خطيرة جداً! فهذه الأفلام أصبح يروجها أعداء الإسلام، وليس عجيباً أن يروجوها؛ لأن هذه مهمتهم، فهم يقومون بدورهم، والله تعالى يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧] وهم يُعتبرون مخلصين في القيام بمهمتهم ودورهم، لكن نحن ما موقفنا من هذه الأشياء: هل قمنا بالدور الذي أناطه الله في أعناقنا؟ قال : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠]، فلابد من أن يكون هناك دفع يدفع الله هؤلاء الناس بعضهم ببعض، وإلا فإن أعداء الإسلام لا يرحمون الأمة الإسلامية، ولا يفكرون إلا في انحرافها، ويخططون الليل والنهار ويشتغلون في ظلام الليل من أجل أن ينحرف أبناء الإسلام، وهم لا يرجون جزاءً ولا شكوراً، إنما مصيرهم إلى النار.
والله إننا نتعجب حينما نرى نشاط أعداء الإسلام في باطلهم وضعف المسلمين في مهمتهم! كنت ذات يوم في دولة من دول أفريقيا التي غزاها النصارى من كل فج عميق، ووصلنا إلى غابة من الغابات بعيدة، لم نصل إليها إلا بشق الأنفس، وبتعب شديد، بسبب وجود حر شديد، وبعوض، ومياه متكدرة، ومع ذلك لما وصلنا وجدنا من شباب أوروبا وشابات أوروبا فتياناً وفتيات أظنهم في سن العشرين كل واحد منهم قد احتضن طفلاً من أطفال المسلمين الضائعين الذين يهاجرون من دولة إلى دولة، فقلت: سبحان الله! كيف جاء هؤلاء؟ وماذا يريدون؟ هؤلاء هم بعيدون عن الجنة، ويعرفون بأنهم يدعون إلى دين فاسد؛ فهم يريدون أن ينَّصروا أبناء المسلمين وهم يعلمون أن النصرانية قد انتهت مهمتها في هذه الحياة، وأنها لن تعود مرة أخرى، بل أكثرهم ملاحدة.
ولكن أعجب من ذلك أني قلت: أين أبناء المسلمين؟ ولماذا لا يأتي من أبناء المسلمين الذين يزيدون عن المليار؟ وأين ثروات المسلمين وهم يملكون أكبر ثروة في العالم؟ ولماذا لا تصل إلى هذا المكان؟ ولماذا لا يصل أبناء المسلمين هذا المكان؟ حتى رأينا من أبناء المسلمين من يولد على الفطرة وينتهي يهودياً أو نصرانياً أو ملحداً على أيدي هؤلاء! وليس عجيباً! فهناك أب فقير ابتلاه الله بكثير من الأولاد، وليس في يده شيء، ونام المسلمون على المتاع، وجاءه هؤلاء النصارى واليهود والبوذيون وربوا أبناءه، وساعدوه في تربية أولاده، فليس غريباً أن ينحرف هذا أو ينحرف أولاده، ولكن الغريب أن يتأخر المسلمون عن مهمتهم.
إذاً: أيها الإخوة! لم يقم المسلمون حقيقة بالدور الذي أناطه الله بهم.
стр. 757
سوء اختيار الصحبة
ومن هذه العوامل التي تؤثر الآن على كثير من الشباب: سوء اختيار الصحبة: فنرى كثيراً من الآباء منذ طفولة ولده وفي أول أيامه لا يبالي من يصاحب هذا الولد، ثم يكبر هذا الولد فلا يستطيع ذلك الأب أن يعزل هذا الولد عن هؤلاء الأصحاب الذين ألفهم منذ طفولته، ثم تكون هناك مشاكل وفتن كثيرة وخطيرة، فالله حذرنا من موالاة هؤلاء، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣]، ويقول الله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:٥٥]، ويحذرنا الرسول ﷺ من مجالسة هؤلاء فيقول: (لا تجالس إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي).
والقرآن يحذر من صحبة هؤلاء تحذيراً شديداً، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
فكل هذه النصائح غفل عنها كثير من الناس، واهتموا بالدنيا، وغفلوا عن الأولاد، فنشأت ناشئة وصلت إلى مستوىً من الفسق والانحراف لا يعمله إلا الله ، وكل ذلك بسبب هذه الصحبة، وتأكدوا أنه بمقدار ما يوجد من الشباب الذين اهتدوا وهم يسيرون الآن لهداية إخوانهم الشباب أنه يوجد أكثر منهم من يعمل عملاً مضاداً؛ ويسعى لحرف أبناء المسلمين، لا سيما في عصر هذه الفتن.
إذاً: أيها الإخوة! لابد أن نحسن الاختيار، وإلا فإن ذلك يعتبر عاملاً من عوامل انحراف الشباب؛ ولذلك فإن هذا الولد أمانة في عنق هذا الأب، عليه أن يراقبه أكثر بكثير من أن يراقب ماله أو يراقب شيئاً يستفيد منه في هذه العاجلة؛ لأن هذه أمانة كبيرة ومسئولية عظيمة.
أيها الإخوة! لابد أن تتضافر كل الجهود من أجل تعريف هؤلاء الشباب بربهم، وربطهم بعقيدتهم ربطاً كاملاً؛ حتى لا يتعرضوا لهذه الفتن وغيرها من الفتن الكثيرة.
أقول قولي هذا؛ وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله تعالى أن يثبت الأقدام، وأن يحمي حوزة الدين من أعدائنا في الداخل والخارج، وأن يتوفانا على ملة الإسلام، وأن يلحقنا بالصالحين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 758
الأسئلة
стр. 759
انحرافات وتصرفات أبناء الإسلام لا تمثل الإسلام
السؤال
كثر الادعاء بالإسلام والتستر به، وأخذ بعضه وترك بعضه، فما هو موقف الشباب من هذه الاتجاهات والانحرافات؟
الجواب
هذه قد تكون موجودة، بل هي موجودة لا شك، لكن هذه لا تضير الدين، والشاب الذي يريد أن يفهم الإسلام من خلال المسلمين يخطئ، والمطلوب هو أخذ الإسلام من مصادره الصحيحة؛ لأن المسلمين حينما ينحرف منهم من ينحرف عن المنهج الصحيح لا يضير ذلك الإسلام، وإنما يضير هؤلاء الذين أصيبوا بهذه الفتنة.
وأقول: أيها الإخوة! إن الإسلام محفوظ في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن أراد أن يأخذه طرياً فليأخذه من الكتاب والسنة ومن العلماء المخلصين، ولا يأخذه من الواقع؛ لأن أخذه من الواقع يؤدي إلى أن يوجد ازدواجية في نفوس كثير من الشباب، ولا يلامون حينما يكون ذلك؛ فإنه حينما ينظر كثير من المسلمين إلى هذه الازدواجية التي توجد في حياة الناس لربما توجد خللاً في نفسه واضطراباً في يقينه بالله ؛ كيف فلان من الناس الذي يُعتبر مثالاً للإسلام يفعل كذا؟! وكيف فلان يفعل كذا؟! فهذه الأمور لا يجوز لأحد أن ينظر إليها، وإنما عليه أن يعتبر هؤلاء البشر يخطئون ويصيبون، وأن دين الله محفوظ، وأن له مصادر أصيلة يجده فيها، ولا يكون الإسلام بالتقليد.
стр. 760
الأمور التي ترجع إليها المعوقات
السؤال
عددتم معوقات الشباب، ألا يظن فضيلتكم أن جميع هذه المعوقات ترجع في مجملها إلى ضعف العقيدة الصحيحة التي تؤدي إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
الجواب
بالنسبة لهذه الأمور كل واحد منفصل عن الآخر، لكن ربما ترجع إلى شيء واحد وهو ضعف الإيمان في النفوس، وإن كان الإيمان -والحمد لله- موجوداً، لكن هذا الضعف الذي بُلي به المسلمون كانت له آثاره على ذلك الجزء الذي أصيب بعدم المناعة، فأصبح الجسم يتأثر بأي نوع من الأمراض البسيطة، ويتضخم، حتى تصبح الأمراض كبيرة لضعف المناعة في هذا الجسم، ولكن الجسم لو كانت عنده قوة في المناعة لاستطاع أن يتخطى كل هذه العقبات، وكذلك المجتمع الإسلامي في أيامنا الحاضرة، وفيه مغريات، وفيه أمور توجهه إلى الله ، وهناك نفس لوامة، وهناك نفس أمارة، وهناك أيضاً نفس مطمئنة، لكن وجود هذه الأشياء -بالرغم من وجود إيمان ويقين- لا شك أنه يعرقل مسيرة الشباب إلى ربه، وهناك فرق بين بيئة نظيفة طاهرة لا توجد فيها هذه المغريات وبين بيئة متلوثة، إذ لا شك أن الثانية سوف تؤثر على أهلها ولو كان عندهم ما عندهم من الإيمان؛ لأن الإنسان بشر، والبشرية تتعرض بطبيعتها إلى أشياء كثيرة.
ولذلك هناك أناس عندهم رغبة في الخير وحب للخير واتجاه للخير، لكن يفاجئون بهذه الأشياء التي تنتشر في مجتمعهم، فتجدها تضعف من اليقين الموجود في قلوبهم، لكن لو كانت البيئة طاهرة ونظيفة من كل هذه المغريات لكان ذلك أقوى في إيمان هؤلاء الشباب، وأمثل في اتجاههم إلى ربهم، وإن كان المؤمن الحق ينظر إلى هذه الأشياء نظرة تافهة، ولا يقيم لها وزناً؛ لأنه مؤمن يقول: أنا مؤمن أبغي الحياة وسيلة للغاية العظمى وللميعاد فينظر إلى هذه المغريات نظرة احتقار، وهذا يوجد، لكن الكثير يتأثر بهذه المغريات.
стр. 761
كيفية علاج الشهوات
السؤال
إذا وقع الشاب المسلم في الشهوات، وحاول أن يتخلص منها ولكنه لم يفلح، فما هو علاج مثل هذه الحال يا فضيلة الشيخ؟!
الجواب
ليست هناك شهوة محرمة وإلا ويقابلها شهوة مباحة، فالزنا -وهو من أعظم الشهوات- يقابله الزواج، قال : ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، والسرقة يقابلها الكسب الحلال، والربا يقابله البيع الشريف والشراء، وهكذا كل هذه الشهوات المحرمة والمغريات الموجودة في الحياة لها مقابل مما أباح الله ؛ لأن الله ما سد طريقاً أمام الناس إلا وفتح لهم أوسع منها، والإسلام لا يؤمن بنظرية: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء بل يسد طريقاً ويفتح مائة طريق بدلها، وإذا كان هناك أحد الناس وقع في هذه الشهوات المحرمة ويريد أن يتخلص منها فنقول: طريق الخلاص واضح وبين، فعليك أخي! أن تبحث عن الحلال بدلاً من الحرام، فإذا كنت قد اُبتليت بمحرم فانظر إلى أقرب طريق يخرجك من هذا المحرم، وتصور يا أخي! عظمة الله ، ومن تعصي أنت؟! ثم تصور ساعة الوقوف بين يدي الله ، ثم تصور ساعة الموت قبل ذلك، وأن الموت يأتي فجأة لا سيما في أيامنا الحاضرة التي تُختطف فيها أرواح الشباب أكثر من أرواح الشيوخ، والأصحاء أكثر من المرضى، فتصور هذه الأشياء وبادر بالتوبة، ولا تسوف.
فيا أخي! بادر بالتوبة، وابحث عن البديل، ولا تسوف في التوبة، واعلم يا أخي! أن الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، فبادر بالتوبة قبل أن يقفل الباب.
стр. 762
معالجة النظر إلى النساء
السؤال
أنا شاب ملتزم والحمد لله، وأحافظ على الصلوات جميعها في المسجد، لكن مشكلتي هي أنني أطالع في النساء، ولا أغض بصري، رغم أني متزوج بزوجة صالحة إن شاء الله، وعندما أحاول غض بصري تراودني أفكار بأنني لا أقدر أن أغض بصري إلا بزوجة ثانية، وأكون متردداً وفي حيرة، وخوفي هو أن أتزوج وتستمر هذه العادة، أفيدوني أفادكم الله؟
الجواب
يقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى﴾ [النور:٣٠]، وفي الحديث القدسي: (النظر سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه).
ولا شك أن النظر خطير جداً، ويكفي أن الله ذكره في سورة تتحدث عن الزنا، وابتدأت بذكر الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]، ثم تحدث الله بعد ذلك عن عوامل الزنا، فذكر من هذه العوامل القذف؛ لأن القذف يشيع الفاحشة، وذكر من هذه العوامل دخول البيوت فقال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، ويدخل في ذلك الاختلاط ثم ذكر سبحانه من عوامل الزنا النظر فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، ثم ذكر بعد ذلك الزواج مباشرة فقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، ونأخذ من خلال هذه الآيات المتتالية أن النظر يسبب الزنا، ولذلك يقول الشاعر: جل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر والنكاح أو الزواج هو أكبر وسيلة للعفة؛ لأن الله تعالى لما ذكر النظر قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، وذكر التبرج ثم قال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢].
إذاً: الزواج يُعتبر وسيلة من وسائل غض البصر وحفظ الفرج، ولذلك أقول أيها الإخوة: إن الله حكيم، ولا شك في أنه أحكم الحاكمين؛ ولذلك ما سد طريق الفاحشة وإلا وفتح أربعة طرق، وليس طريقاً واحداً، فأباح أربع زوجات لكل واحد من المسلمين.
ولا شك أن في أيامنا الحاضرة تقوم ضجة كبيرة ضد تعدد الزوجات، وتنفير الناس من تعدد الزوجات، ويعتبرون هذا ظلماً للمرأة، وهو في الحقيقة تكريم للمرأة، وليس ظلماً للمراة؛ لأن الزوجة الثانية لن يأخذها المتزوج من رجل متزوج بها، وإنما يأخذ امرأة ليس معها زوج، فيعف امرأة ثانية وثالثة ورابعة.
والمرأة حين تبقى مع زوج معه أكثر من زوجة خير لها من أن تبقى مطلقة أو تبقى أرملة أو تبقى عانساً.
وعلى كل أقول لهذا الأخ: الزواج هو طريق العفة، وقد سماه الله تعالى إحصاناً وسمى المتزوجة محصنة، يقول العلماء: لأنه كالحصن يتحصن به الإنسان من القتل أو كالحصان الذي يمنع صاحبه من أن يقع في الفاحشة؛ ولذلك نعتبر الزواج بواحدة إذا كانت تعف الإنسان أو باثنتين أو ثلاث أو أربع أمراً مطلوباً، وقد وضع الله هذا العدد من أجل أن يستغني الإنسان بالحلال عن الحرام.
وعلى كل نقول: يا أخي! تزوج ثانية وتزوج ثالثة ورابعة حتى تعف نفسك، ولكن في نفس الوقت عليك أن تتصور أن هذا الأمر خطير جداً؛ لأنه يتبعه أشياء بعده أخطر منه، فهو يُعتبر بداية، وليس نهاية، فالنظر كما عرفنا سهم مسموم، فأقول لهذا الأخ: تزوج، واخش الله بغض البصر، وأسأل الله أن يحفظني وإياك والمسلمين.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 763
فاستقم كما أمرت [١]
لقد أمر الله نبيه ﷺ ومن تاب معه بالاستقامة على أمره سبحانه، وذلك بالسير على منهج الله الرباني، وصراطه المستقيم، من غير انحراف أو غلو أو اعوجاج، فصراط الله معلوم، والاستقامة عليه مطلوبة، وتصحيح الطريق أمر ضروري لمن أراد اللحاق بركب المصطفى ﷺ ، والنجاة من عذاب الله.
стр. 764
حقيقة الإنسان الذي أمر بالاستقامة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، البشير النذير، والسراج المنير ﷺ ، وعلى آله، ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة! قبل أن أحدثكم عن حقيقة الاستقامة، وعن مظاهرها التي يجب أن يتحلى بها المسلم، نعود قليلاً لنعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولنرى من هو هذا الإنسان الذي يقال له: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]؛ لأن حكمة الله اقتضت أن يكون هذا الإنسان على هذا الكوكب، وهذه الحكمة لا يعلمها إلا الله، فحينما خلق الله الإنسان، واعتبره خليفة لأمم سكنت الأرض كما يقول طائفة من المفسرين عن قول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠].
كان هذا الإنسان أولاً غير مطالب بالعبادة، وإنما أسكنه الله الجنة قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة:٣٥]، لكن حكمة الله أن يكون الابتلاء لهذا الإنسان، فيحذر الله النبي الكريم آدم ﵊ عن شجرة واحدة في الجنة، ويبيح له كل ما فيها من نعيم، وما ذلك إلا من باب الابتلاء، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥].
ثم إن هذا العداء الذي وقع بين آدم وبين إبليس لحكمة يعلمها الله ، فأغواه ليأكل من هذه الشجرة فاستطاع أن يؤثر على آدم وحواء: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢١ - ٢٢].
ومن هنا أهبط آدم وأهبطت حواء؛ لتكون ذريتهما هي التي تعمر هذه الأرض، وليكون الابتلاء، ولكن حكمة الله أن تكون الفطرة هي الأساس المتين الذي ينشأ عليه بنو آدم، فالله اقتضت حكمته أن يخلق فطرة التوحيد والإيمان في قلب كل واحد من بني آدم قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠].
ثم أيضاً: نجد أن الله أخبر أنه أخذ هذا العهد والميثاق على بني آدم جميعاً حينما استخرجهم من ظهره كالذر ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] فكانت الفطرة موجودة، كما أخبر الله في الحديث القدسي حيث قال: (إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)، وبقيت هذه الفطرة إلى أن تسلط عليها شياطين الإنس والجن؛ فكان الصراع بين المؤمنين ابتداء من آدم ﵊ وفي ذريته إلى يوم القيامة، وبين الشياطين مستحكماً منذ أن أهبط آدم من الجنة، قال تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا الصراع سوف يستمر.
ولذلك فإن هناك عوامل مهمة خلقها الله في هذه الحياة من أجل أن يكون الامتحان والاختبار، ومن أجل أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، فاقتضت حكمته أن يقسم الناس إلى شقي وسعيد منذ أن كان هذا الإنسان جنيناً في بطن أمه، حينما يكتب الملك أربع كلمات منها: شقي أو سعيد، وعلى هذا يستمر الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد جعل الله في هذه الحياة مغريات وأموراً تميل إليها النفوس البشرية بطبيعتها وفطرتها، ولكن الله خلق العقل، وأعطاه ميزة تسيطر على هذه الشهوات في كثير من الأحيان، ولذلك فالصراع بين العقل والعاطفة والشهوة هو الذي يحدد مصير هذا الإنسان؛ ولذلك كان لا بد من الاستقامة؛ حتى لا تتغلب العوامل والشهوات على العقل الذي يخاطبه الله دائماً، ويعتبره هو المعيار والفيصل بين الإنسان والحيوان، ويخاطبه الله دائماً: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤]، ﴿لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٣] إلى غير ذلك.
فالخطاب في مثل هذه الأحيان يوجه للعقل حتى لا يلغي هذا الإنسان العقل، ولكن هذه العوامل ما زالت تتابع الإنسان، أي: عوامل الانحراف والخطأ كما هي الفطرة البشرية قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣]، ومن هنا لا بد أن يكون للاستقامة دور، ولا بد أن تكون الاستقامة حينما توجد مثل هذه العوامل، لاسيما إذا كانت هذه العوامل عنيفة شديدة، قد تعصف بالإنسان، فيغفل عن عقله وتفكيره؛ لينسجم مع عواطفه، فيؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى الانحراف، فلا بد إذاً من الاستقامة.
وهذه العوامل العنيفة منها السلبي، ومنها الإيجابي، فالإنسان له شهواته ومطامعه، وله خوفه ورهبته؛ ولذلك فإن المسلم عليه إذا عن أمامه أمر من هذه الأمور التي ربما تعصف بعقله وتفكيره، وبأخلاقه وسلوكه لا بد أن يتذكر هذا عدوه اللدود الشيطان الذي يحذر الله عنه فيقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧].
стр. 765
حقيقة الاستقامة وأهميتها وما يخل بها
وعلى هذا لا بد أن نعرف حقيقة الاستقامة، وأهم مظاهرها.
стр. 766
الاستقامة طريق النجاة من عذاب الله
أولاً: قبل أن نبحث في معنى الاستقامة وفي الآيات التي تتحدث عن هذا الموضوع نعرف أن الأمر بالاستقامة في هذه الآيات جاء في آخر سورة هود، وسورة هود يكفي أنها هي التي شيبت رأس رسول الله ﷺ ، فقد قيل له: (يا رسول الله! شبت! قال: شيبتني هود وأخواتها) ولذلك حينما تقرءون سورة هود تجدون فيها من الوعد والوعيد، والأخذ الشديد للقوم الذين تنكبوا عن منهج الله، وعن دعوة المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
ثم تعرج الآيات بعد ذلك للتحدث عن يوم القيامة: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٧] إلى غير ذلك، ثم يقول تعالى بعد آيات: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
إذاً: الاستقامة هي الطريق الذي يكفل للإنسان السعادة في الحياة الدنيا، ويسلم من عذاب الله، وهي الطريق التي توصل الإنسان إلى الدار الآخرة وهو مؤمن فيسلم من عذاب الله، ويدخل الجنة خالداً فيها كما قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، الطريق هو: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، وهذا يسميه علماء اللغة استفهاماً بيانياً وكأن سائلاً سأل: ما هو طريق الخلاص من عقوبة الدنيا والآخرة؟
الجواب
( فاستقم كما أمرت)، وهذا الخطاب وإن كان موجهاً في الأصل لرسول الله ﷺ لكنه في الحقيقة موجه لكل مسلم.
стр. 767
حقيقة الاستقامة
والاستقامة حقيقتها: سلوك الطريق المستقيم، وأن نعرف أن في هذه الحياة طريقاً مستقيمة، وفيها طرقاً معوجة، ونفهم أن الطريق المستقيمة هي طريق واحدة، وأن الطرق المعوجة كثيرة جداً، ويدلنا على ذلك ما في آخر سورة الأنعام، قول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ولذلك لما قرأ الرسول ﷺ هذه الآية في سورة الأنعام خط خطاً طويلاً مستقيماً وقال: (هذا صراط الله، وخط عن يمينه وشماله خطوطاً صغيرة وقال: هذه السبل، وعلى كل واحد منها شيطان، وعليها ستر مرخاة، وعليها شياطين يدعون إليها، وعلى الصراط المستقيم داعٍ إذا أراد أحد أن يسلك أحد هذه الطرق ناداه: يا عبد الله! لا تسلكه فإنك إن تسلكه تلجه، وإن ولجته لا تنتهي منه إلى يوم القيامة) أو كما قال الرسول ﷺ ، ولذلك يقول الله ﵎: (فاستقم) يعني: ابحث عن الصراط المستقيم.
ثم نجد أن الطريق المستقيم واحد، وأن الطريق المنحرفة كثيرة التشعب، وهذا لا يحتاج إلى بحث وتفكير بعيد، لو رأيت الآن هذا العالم الذي يسلك طرقاً منحرفة كثيرة، ولا يجد أمامه طريقاً مستقيماً إلا طريقاً واحدة، فهمت معنى هذه الآية، وفهمت حقيقة الطرق المنحرفة؛ ولذلك بمقدار ما ينحرف الإنسان عن هذه الطريق المستقيمة يجد أن أمامه متاهات وطرقاً كثيرة منحرفة تتلقفه، ويتخبط فيها لا يكاد يخرج من طريق حتى يقع في طريق أخرى يضل من خلالها.
وعلى هذا فإن طريق الجنة واحد، ولذلك تجدون في الحديث الصحيح كيف أن الرسول ﷺ يقول: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) هي صاحبة الطريق المستقيم، أما الاثنتان والسبعون فهم أصحاب الطرق التي تلف يميناً أو شمالاً عن الطريق المستقيمة.
(قالوا: من هم يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
وعلى هذا فإن البحث عن الطريق المستقيمة لا يكلف المسلم جهداً طويلاً وإنما يبحث ماذا كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه لا يزيد ولا ينقص، إن نقص فهو عاص، وإن زاد فهو مبتدع.
فهذه هي حقيقة الاستقامة أي: سلوك الطريق المستقيم الذي نسأل الله في كل صلاة أن يهدينا له، وأن يثبتنا عليه، وأننا إذا زغنا عنه نسأل الله العافية والسلامة، فأمامنا طريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين، والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى، والصراط المستقيم الذي نقول فيه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] هو طريق الجنة؛ لأنه طريق غير معوج، ولذلك تلاحظ وأنت تسير في هذا الطريق أن فيه الاستقامة، وتدرك فيه عدم الاعوجاج، بالرغم من أن هناك أقواماً هم أعداء للبشرية يريدون أن نضل الطريق: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف:٤٥] كما قال الله .
стр. 768
الاستقامة لا تكون إلا على هدي الله ورسوله
إذاً: هذه الاستقامة واضحة، وهي سلوك الطريق المستقيم، لكن ما معنى: (كما أمرت)؟ قد يلتبس الأمر على الإنسان عندما يرى طرقاً تشبه طرق الاستقامة، لكنها ليست كما أمر هذا الإنسان، ولذلك هذا الواقع هو أخطر شيء على حياة البشرية، وهو أكثر ما يدخل الناس النار، ويجعلهم حطباً لجهنم، أن يبحث عن طريق الاستقامة ومن خلال طريق الاستقامة ينحرف، أي: يضل عن طريق الطاعة، ولذلك تجدون في القرآن أقواماً يكبون على وجوههم في نار جهنم، هم ومن كانوا سبباً في إغوائهم وضلالهم عن الطريق، فيلتفون إلى قادتهم الذين كانوا سبباً في ضلالهم عن الطريق ويقولون لهم: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] أي: ما كنتم تأتوننا عن الشمال، ما معنى (عن اليمين)؟ أي: تأتوننا عن طريق الطاعة وما كنتم تأتوننا عن طريق المعصية، ولو جئتمونا عن طريق المعصية ما اتبعناكم؛ لأننا نعرف أن المعصية يكرهها الله ، لو أتيتم إلينا وجعلتمونا لصوصاً نسرق أموال المسلمين ما اتبعناكم، لو أردتم أن نكون فجرة وزناة نسرق أعراض المسلمين ما اتبعناكم، لكنكم جئتمونا عن طريق الطاعة؛ ولذلك الإتيان عن اليمين خطير جداً، بل لا يشك مسلم أنه أخطر من إتيان الناس عن طريق الشمال، أي: عن طريق المعصية.
وإذا أردنا أن ننظر إلى واقع الأمة الإسلامية إذا استثنينا النوع الذي هداه الله إلى الفطرة وجدنا الناس على شقين: شق سلك مسلك المعصية، يعربد ويسرف على نفسه في المعاصي والآثام والفجور، لكنه يعرف بأنه يعصي الله ، ويعرف أنه سلك طريقاً غير طريق الاستقامة، ولربما يعد نفسه بالتوبة ويسوف، لكنه يعد نفسه أنه سوف يتوب في يوم من الأيام.
أيهما أخطر هذا المسلك أم أقوام عبدوا الله على غير بصيرة، وهم ركع سجد لكنهم يعبدون الله على غير بصيرة، ويعبدون الله على غير ما شرع رسوله ﷺ ؟ فهم في اعتقادي يمثلون أهل النار الذين يقولون لمن كانوا سبباً في ضلالهم: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، وهذا هو طريق البدعة والانحراف عن منهج رسول الله ﷺ ، ولربما يأتي ذلك بدافع المحبة لرسول الله ﷺ ، لكنه حب غير صحيح؛ لأنه حب عاطفة وليس حب متابعة، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
وايم الحق لو بعث محمد ﷺ في أيامنا الحاضرة ورأى هذا النوع الثاني من البشر الذي انحرف عن الطريق من حيث يزعم أنه يعبد الله، لقاتلهم، لأنهم يتحقق منهم قول الله : ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤] فقد أسرفوا وبالغوا حتى رفعوا رسول الله ﷺ عن مرتبة البشرية، حتى قال قائلهم: إنه ليس من فصيلة بني آدم، هو خلق من نور، ليس له ظل، هو خلق قبل آدم إلى غير ذلك من الكلام الذي هو كفر بالقرآن في الحقيقة؛ لأن القرآن أعلمنا أن أول الخلق في هذه الأمة آدم ﵊، أما محمد ﷺ فهو لم يخلق من نور، وإنما خلق من لحم ودم، فهو أفضل من الملائكة الذين خلقوا من نور أضعافاً مضاعفة.
ومن قال: إن الخلق من نور يعطي المخلوق ميزة أكثر ممن خلق من اللحم والدم؟! فالرسول ﷺ يقول: (ألا إنما أنا بشر) بل إن الله يقول له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] والبشر معناه: الذي له بشرة أي: لحم ودم.
القضية أيها الإخوة ليست قضية تذوق وإنما هي قضية تعبد لله بما شرعه رسول الله ﷺ ، وبما شرعه المرسلون من قبله، أما أن تكون المسألة محبة عاطفة فإن الله يقول: (فاستقم كما أمرت) يعني: لا تستقيم كما يروق لك.
ومن هنا ندرك معنى قول الله تعالى: (كما أمرت) أي: حتى الاستقامة مضبوطة بحدود، وبدائرة لا يمكن أن يتعداها الإنسان ليبحث عن الاستقامة حسب رغبته وشهوته؛ ولذلك فإن هذا الدين محاط بحلقة مفرغة ليس فيها منفذ لأي واحد من الناس حتى يزيد أو ينقص في دين الله؛ ولذلك الله تعالى جعل آخر آية نزلت من القرآن على رأي جمهور المفسرين قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
стр. 769
البدع وانتشارها مخالف للاستقامة
إذاً: ليس هناك مجال للاجتهاد، وليس هناك مجال للابتداع، أبو بكر وهو أفضل البرية بعد المرسلين ﵊ يقول: (ألا إني متبع ولست بمبتدع)، فإذا كان لا يحق لـ أبي بكر ﵁ أن يبتدع وهو الذي يقول عنه الرسول ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، فهل يحق لواحد يأتي في القرن الرابع عشر من الهجرة النبوية الكريمة ليحدث في دين الله ثم يقول: إن هذه بدعة حسنة وتلك بدعة سيئة؟! هذا هو الذي نفهمه من قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت).
الخطاب موجه في الأصل للرسول ﷺ ، حتى الرسول ﷺ ليس له أن يستقيم كما يحلو له، بل كما أمر، والآمر هو الله .
إذاً: هذه الاستقامة ليست مجرد تدين أو مجرد عبادة، وإنما هي عبادة مضبوطة محاطة بحلقة مقفلة ليس لأحد أن يتعداها أبداً؛ ولذلك تجدون في القرآن كثيراً ما يلوم الله رسوله ﷺ في بعض الاجتهادات في مواطن كثيرة قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام:٣٥]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥] يقول الله تعالى للرسول ﷺ : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢].
هذا بالنسبة لرسول الله ﷺ ، ليس له أن يبتدع في دين الله إلا ما أوحى الله عز جل إليه، ولذلك السنة هي الوحي الثاني من عند الله ، فالمسألة استقامة كما أمر هذا الإنسان، أما باب البدعة الذي انفتح اليوم على الناس، وجعل منه بدعة حسنة كما يقوله طائفة من الناس، بالرغم من أن الرسول ﷺ يقول في كل خطبة جمعة: (إن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
إذاً: (كل) من ألفاظ العموم لا تعطينا أي علم على أن هناك شيئاً يسمى البدعة الحسنة في أي حال من الأحوال.
ولربما يحتج هؤلاء بقصة عمر ﵁ في التراويح حينما قال: (نعمت البدعة)، البدعة هنا ليس معناها البدعة التي أحدثت جديداً، بدليل أن التراويح ليس الذي أحدثها هو عمر ﵁، وإنما شرعها محمد ﷺ ، ولكنه تركها خشية أن تفرض على هذه الأمة، حتى جاء عهد عمر ﵁ فأحياها؛ لأن التشريع توقف، فلا يخشى في يوم من الأيام أن تفرض، وسماها بدعة أي: سنة نسيت فأحياها عمر ﵁.
وهنا تكون البدعة حسنة أي: إذا كانت سنة نسيت فيحييها أحد من أهل الخير والصلاح، أما أن تكون هناك بدعة حسنة فليس هناك بدعة حسنة، وإنما كل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ولكن هذه البدعة -أيها الإخوة- تجر إلى بدعة أكبر منها نسأل الله العافية والسلامة، وهي الشرك بالله ، وسأعطيكم دليلين اثنين على ما أقول: الدليل الأول: أن الله قرن البدعة بالشرك في آيتين من كتاب الله ، وعندما تقرأ قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥]، وهذا في البدعة، ثم قال بعد هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦] هذا دليل من القرآن.
وأذكر لكم دليلاً من الواقع: حينما كثر الابتداع في دين الله ، وصار في قاموس هذا العصر ما يسمى بالبدعة الحسنة التي نعتبرها ضلالة، وكلما أعجبهم شيء في ظاهره عبادة فعلوه، وهو في حقيقته تعد على سلطة الله ، وهي الألوهية والتشريع التي يقول الله عنها: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فيقولون بلسان الحال: ما أكملت لنا ديننا، ولا أتممت نعمتك علينا، بدليل أن هنا عبادات جديدة أوجدوها، ويكذبون الرسول ﵊ الذي يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
هل من المعقول أن الرسول ﷺ يعلمنا كيف ندخل الحمام، وكيف نجلس عند قضاء الحاجة، وماذا نقول عند دخول الحمام، وكيف نلبس النعل والثوب، وندخل البيت ونخرج، وندخل المسجد، ولا يعلمنا أموراً مهمة أحدثها الناس اليوم في دين الله؟! ما الذي حدث؟ هذه البدع تطورت فأصبحت شركاً بالله .
وإذا أردت يا أخي دليلاً على ذلك فسر في العالم الإسلامي وسوف تجد كيف تقترن البدعة بالشرك بالله ، فتبدأ من بدعة صغيرة -كما يقولون- إلى بدعة كبيرة إلى أن تصل إلى الشرك الأكبر نسأل الله العافية والسلامة! فبناء القبور في المساجد بدعة تؤدي إلى الشرك الأكبر، فتجد الطواف حول هذه الأضرحة التي يسمونها الأولياء، وتجد الدموع التي تراق عند هذه الأضرحة أكثر والله مما تراق عند الكعبة المشرفة، وتجد صناديق النذور التي تملأ كل ساعة بالأموال، وتصرف على هؤلاء المشعوذين في وقت العالم يهدد فيه بالمجاعة، فأصبحنا نسمع في قارة واحدة من قارات العالم التي انتشر فيها البدع والوثنية أكثر من مائتين وخمسين مليون إنسان أكثرهم من المسلمين يهددهم الجوع والموت.
والله يا إخوان رأيت بعيني هاتين رجالا ًفي آخر العمر ساجدين للقبور، ولوا ظهورهم صوب الكعبة، وولوا وجوههم جهة هذه القبور، ففهمت قول الله تعالى حينما ذكر مشاقة الرسول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء:١١٥] ثم ذكر الشرك بعد ذلك، وقد ذكرت لنا الإحصائيات الرسمية في أيامنا الحاضرة: أن في العالم اليوم أكثر من عشرين ألف ضريح يعبد من دون الله.
وهذه الإحصائية مضى عليها أكثر من عشر سنوات، فقارن بين هذا الرقم وبين آخر لحظة في آخر معقل من معاقل الوثنية يوم دخل الرسول ﷺ مكة ليفتحها؛ لتتحول إلى دار إسلام، كم عدد الأوثان التي كانت تعبد من دون الله وهي معلقة في الكعبة كلها؟ كانت ستين وثلاثمائة صنم، قارن بين ذلك العدد، وبين هذا العدد، وعد مرة أخرى لتقارن لنا بين جاهلية اليوم وجاهلية الأمس.
إذاً: الأمر خطير أيها الإخوة! والعجيب أن كل من يريد أن يتحدث عن هذا الموضوع يتهم بأنه لا يحب الرسول ﷺ أو لا يحب الصالحين.
أولاً: محبة الرسول ﵊ ليست محبة عاطفة، وإنما هي محبة متابعة، فليست محبة الرسول ﷺ كمحبة الزوجة والأطفال، وإنما محبة متابعة، وتأتي العاطفة بعد ذلك؛ لأننا نتقرب إلى الله بحب رسول الله ﷺ ، حتى لا نؤمن إلا ويكون هو أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا ووالدينا والناس أجمعين، هذا الشيء الذي نؤمن به، لكنها محبة متابعة أكثر من أن تكون محبة عاطفة، ثم يقولون: أنتم لا تحبون الأولياء، نقول: من هم الأولياء في مفهومكم وقاموسكم الجديد؟ يقولون: فلان وفلان من أصحاب الأضرحة، نقول: لا، نحن في مفهومنا -المفهوم الشرعي الصحيح- أن الأولياء هم المتقون، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فأنت وفلان وفلان من الصالحين نعتبركم أولياء، هذا في مفهوم الشرع، أما أن يصبح اسماً اصطلاحياً على قوم من الناس الله أعلم بولايتهم لله ، فلا نوافقهم على ذلك.
стр. 770
الاستقامة على دين الله يعترضها الابتلاء
أيها الإخوة! الاستقامة معناها الالتزام بهذا الدين، لا سيما في فترة يتغير فيها الناس عن منهج الله ويتنكبون فيها عن دين الله، لا بد في مثل هذه الظروف من الاستقامة، لاسيما حينما تكون هناك ضغوط تضطر المسلم إلى أن ينحرف، وتكون هناك مغريات، لاسيما أهم عامل من عوامل الاستقامة الذي هو الصدع بكلمة الحق التي تعتبر أفضل نوع من أنواع الجهاد، لاسيما أمام سلطان جائر يريد أن يذل من أعز الله بطاعته، ويعز من أذله الله بمعصيته، ففي مثل هذه الظروف يأتي ذلك المسلم ويستقيم على هذا المنهج، ويقول كلمة الحق ولا يبالي، وهذا أفضل نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله تعالى.
ولذلك هذه العقبة كئود وشديدة إذا وصل الأمر إلى هذا النوع من الجهاد، لاسيما إذا تكالب الأعداء على الأمة الإسلامية وأصبحت الطريق وعرة وصعبة، ومن المؤكد أن هذه الطريق غير ممهدة ولا مذللة، ففيها عقبات فيها زلزلة فيها دماء تراق في سبيل الله فيها ابتلاء في الأهل والمال والولد، ولذلك وصف الله تعالى هذه الطريق ووعورتها بأنها شديدة كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة:٢١٤] ما مقدار هذه الزلزلة؟ ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤].
تصور يا أخي كيف يقول الرسول متى نصر الله؟! كيف المؤمنون مع المرسلين يقولون: متى نصر الله؟! و (متى) هنا ليست للاستفهام فقط، بل هي للاستبطاء، يعني: أبطأ نصر الله، ثم يأتي نصر الله في مثل هذه الظروف قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
ولذلك فإن أكبر عقبة في طريق الاستقامة أن يتحزب أعداء الإسلام ضد هذا الدين، فلربما يؤدي ذلك إلى الخوف والرعب، والرجوع من منتصف الطريق، وإلى النكوص على الأعقاب نسأل الله العافية والسلامة! وكم من الناس من يبتلى في مثل هذه العصور بهذا النوع من الفتنة فيرجع من منتصف الطريق قبل أن يكمل المشوار إلى الله ؛ ولذلك يقول الله تعالى عن أقوام فكروا في الاستقامة على هذا المنهج لكنهم فوجئوا بأذى شديد في سبيل الله وفي ذات الله، وكان إيمانهم ضعيفاً مهتزاً لا يستطيع أن يتحمل هذا العبء الثقيل، فرجعوا من منتصف الطريق وقالوا: نحن هربنا من عقوبة يقصدون عقوبة الآخرة، ووقعنا الآن في عقوبة محققة مؤكدة نراها بأعيننا، من الأفضل أن نتحمل عقوبة موعودة ولا نستطيع أن نتحمل عقوبة حاضرة؛ لأن الإيمان ضعيف، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: من أجل دين الله ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أتدرون ما فتنة الناس؟ أي: عذاب الدنيا، سجون، أذى، قتل في سبيل الله إلى غير ذلك.
لكن هناك أقوام آخرون بمقدار ما يضرم الجو أمام أعينهم ويشتد الأمر تستبين لهم الطريق، ويطمئنون على صحة المسار، ويعرفون أنهم يسيرون على بصيرة بمقدار ما يؤذون في دين الله وذات الله، فيعتبرون هذا الأذى أكبر دليل على أن الطريق الصحيحة هي التي سلوكها، فيزدادون إيماناً وتسليماً، ولذلك يقول الله تعالى عن هذا النوع من البشر: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
стр. 771
الاستقامة قد تؤدي إلى الاعتداء
إذاً: هنا تكون الاستقامة في مثل هذه الظروف، أما الانسجام مع هذه المغريات والشهوات التي ابتلي بها البشر في هذا العصر، فهي أخطر شيء على حياة الأمم، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] حتى الاستقامة لها ضوابط أيضاً ومعالم، ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢] فقد تؤدي الاستقامة إلى الطغيان وتعدي الحدود، وأنا قلت لكم: إن دين الإسلام دين محصور في حلقة مقفلة، حتى الزيادة فيها لا تجوز، سواء كان في أمر العبادات أو في أي أمر من الأمور الأخرى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢].
ولذلك ما غضب الرسول ﷺ كغضبه يوم جاءه ثلاثة نفر ذات يوم إلى داره، فسألوا عن عمله في السر ﵊، فأخبرتهم إحدى زوجاته؛ فتقالوا عمل الرسول ﷺ ، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد، وقال الثاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، يريدون أن يغلوا في هذا الدين.
نحن نتكلم عن الغلو، وإن كنا لا نعتبر في الساحة المعاصرة شيئاً من هذا الغلو إلا نادراً جداً في مواطن متخلفة، وإن كان يوصف المتدينون بعصرنا الحاضر مع الأسف بالتطرف والتخلف والرجعية إلى غير ذلك من الألقاب، نحن لا نعترف بها، لكن لا بد أن نتحدث أيضاً عن هذا الغلو في الدين؛ لأن الله تعالى يقول: (ولا تطغوا) حتى الطغيان في العبادة وتجاوز الحد في العبادة أمر محرم لا يجوز.
فلما علم الرسول ﷺ بكلام هؤلاء الثلاثة غضب غضباً ما غضب مثله أبداً؛ فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، وقال ﵊: (أما بعد: فإني والله أتقاكم لله وأخشاكم له، وإني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
стр. 772
معنى الطغيان المضاد للاستقامة
والطغيان نستطيع أن نفسره بجانبين:
стр. 773
من معاني الطغيان مجاوزة الحد في العبادة
الجانب الأول: هو تجاوز الحد في العبادة، ولذلك فإن العبادات محصورة في دائرة محدودة، لا تجوز الزيادة فيها كما لا يجوز النقص، ولذلك لو أن واحداً من الناس أراد أن يزيد على الصلوات الخمس صلاة سادسة قلنا له: أنت محدث في الدين، وأنت متجرئ على حدود الله ، وأنت تنصب نفسك في درجة الألوهية لا في درجة العبودية، فالله حدد العبادات بمقادير معينة، فلم يفرض إلا خمس صلوات، ولذلك تجدون كيف يرعى الإسلام هذا الجانب، فلا يبيح للمسلم أن يزيد في العبادة.
فمثلاً: الله تعالى حدد لنا صيام رمضان الله تعالى بمدة معينة وحرم الزيادة، فحرم صيام يوم الشك كما روي عن رسول الله ﷺ : (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ بل إن الرسول ﷺ يقول: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) يعني: يصوم مثلاً الإثنين والخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً، فوافق يوم الشك، أما ما سوى ذلك فإنه لا يجوز صيام يوم الشك، ويوم العيد الذي هو بعد رمضان مباشرة حرم الله صيامه.
إذاً: نجد أن رمضان عبادته حددت في أولها وآخرها، حتى لا تكون هناك زيادة فيؤدي ذلك إلى الجرأة على أوامر الله ، فيكون هناك مشرعون.
تعال إلى يوم الصوم نفسه، تجد أنه قد حدد ابتداؤه وانتهاؤه بوقت معين، وحث الشرع على تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ حتى لا يفكر أحد ويقول: إني أزيد ساعة أو ساعتين من آخر الليل، وأزيد ساعة أو ساعتين من أول الليل؛ فهذه عبادة محددة من عند الله لا يمكن أن تزاد في أولها ولا في آخرها، قال ﷺ : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) وحرم الرسول ﷺ الوصال، وقال: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني الله ويسقيني).
إذاً: هذا دليل على أن العبادات الأصل فيها التحريم كما قال علماء الأصول، فلا يجوز للإنسان أن يحدث عبادة إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ .
أما ما سوى ذلك فإنا نعتبره مبتدعاً في دين الله، والله تعالى يقول: (ولا تطغوا) هذا جانب مفهوم من مفاهيم الطغيان، لاسيما أنه جاء بعد قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
стр. 774
من معاني الطغيان التعدي على حدود الله وخلقه
أما الطغيان في معناه الثاني فهو: تعدي حدود الله ، والتعدي على خلق الله، والاستبداد في هذه الحياة إذا خول الله واحداً من هؤلاء الناس سلطة أو ملكاً أو أي مكانة، فاستغل هذه المكانة ليكون طاغية من طغاة البشر يستذل عباد الله؛ ليذل من أعزه الله، وليعز من أذله الله تعالى.
стр. 775
مظاهر الاستقامة في سورة هود
следующие страницы →