Полный текст (1 366 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الاستقامة قد تؤدي إلى الاعتداء
إذاً: هنا تكون الاستقامة في مثل هذه الظروف، أما الانسجام مع هذه المغريات والشهوات التي ابتلي بها البشر في هذا العصر، فهي أخطر شيء على حياة الأمم، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] حتى الاستقامة لها ضوابط أيضاً ومعالم، ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢] فقد تؤدي الاستقامة إلى الطغيان وتعدي الحدود، وأنا قلت لكم: إن دين الإسلام دين محصور في حلقة مقفلة، حتى الزيادة فيها لا تجوز، سواء كان في أمر العبادات أو في أي أمر من الأمور الأخرى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢].
ولذلك ما غضب الرسول ﷺ كغضبه يوم جاءه ثلاثة نفر ذات يوم إلى داره، فسألوا عن عمله في السر ﵊، فأخبرتهم إحدى زوجاته؛ فتقالوا عمل الرسول ﷺ ، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد، وقال الثاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، يريدون أن يغلوا في هذا الدين.
نحن نتكلم عن الغلو، وإن كنا لا نعتبر في الساحة المعاصرة شيئاً من هذا الغلو إلا نادراً جداً في مواطن متخلفة، وإن كان يوصف المتدينون بعصرنا الحاضر مع الأسف بالتطرف والتخلف والرجعية إلى غير ذلك من الألقاب، نحن لا نعترف بها، لكن لا بد أن نتحدث أيضاً عن هذا الغلو في الدين؛ لأن الله تعالى يقول: (ولا تطغوا) حتى الطغيان في العبادة وتجاوز الحد في العبادة أمر محرم لا يجوز.
فلما علم الرسول ﷺ بكلام هؤلاء الثلاثة غضب غضباً ما غضب مثله أبداً؛ فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، وقال ﵊: (أما بعد: فإني والله أتقاكم لله وأخشاكم له، وإني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
стр. 772
معنى الطغيان المضاد للاستقامة
والطغيان نستطيع أن نفسره بجانبين:
стр. 773
من معاني الطغيان مجاوزة الحد في العبادة
الجانب الأول: هو تجاوز الحد في العبادة، ولذلك فإن العبادات محصورة في دائرة محدودة، لا تجوز الزيادة فيها كما لا يجوز النقص، ولذلك لو أن واحداً من الناس أراد أن يزيد على الصلوات الخمس صلاة سادسة قلنا له: أنت محدث في الدين، وأنت متجرئ على حدود الله ، وأنت تنصب نفسك في درجة الألوهية لا في درجة العبودية، فالله حدد العبادات بمقادير معينة، فلم يفرض إلا خمس صلوات، ولذلك تجدون كيف يرعى الإسلام هذا الجانب، فلا يبيح للمسلم أن يزيد في العبادة.
فمثلاً: الله تعالى حدد لنا صيام رمضان الله تعالى بمدة معينة وحرم الزيادة، فحرم صيام يوم الشك كما روي عن رسول الله ﷺ : (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ بل إن الرسول ﷺ يقول: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) يعني: يصوم مثلاً الإثنين والخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً، فوافق يوم الشك، أما ما سوى ذلك فإنه لا يجوز صيام يوم الشك، ويوم العيد الذي هو بعد رمضان مباشرة حرم الله صيامه.
إذاً: نجد أن رمضان عبادته حددت في أولها وآخرها، حتى لا تكون هناك زيادة فيؤدي ذلك إلى الجرأة على أوامر الله ، فيكون هناك مشرعون.
تعال إلى يوم الصوم نفسه، تجد أنه قد حدد ابتداؤه وانتهاؤه بوقت معين، وحث الشرع على تعجيل الفطر وتأخير السحور؛ حتى لا يفكر أحد ويقول: إني أزيد ساعة أو ساعتين من آخر الليل، وأزيد ساعة أو ساعتين من أول الليل؛ فهذه عبادة محددة من عند الله لا يمكن أن تزاد في أولها ولا في آخرها، قال ﷺ : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) وحرم الرسول ﷺ الوصال، وقال: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني الله ويسقيني).
إذاً: هذا دليل على أن العبادات الأصل فيها التحريم كما قال علماء الأصول، فلا يجوز للإنسان أن يحدث عبادة إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ .
أما ما سوى ذلك فإنا نعتبره مبتدعاً في دين الله، والله تعالى يقول: (ولا تطغوا) هذا جانب مفهوم من مفاهيم الطغيان، لاسيما أنه جاء بعد قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
стр. 774
من معاني الطغيان التعدي على حدود الله وخلقه
أما الطغيان في معناه الثاني فهو: تعدي حدود الله ، والتعدي على خلق الله، والاستبداد في هذه الحياة إذا خول الله واحداً من هؤلاء الناس سلطة أو ملكاً أو أي مكانة، فاستغل هذه المكانة ليكون طاغية من طغاة البشر يستذل عباد الله؛ ليذل من أعزه الله، وليعز من أذله الله تعالى.
стр. 775
مظاهر الاستقامة في سورة هود
стр. 776
عدم الركون إلى الكفار
قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الاستقامة؛ لأن الأمة الإسلامية مطالبة بأن تكون لها شخصية مستقلة عن أن تذوب في شخصية الكفار، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] يعني: إذا لم تعترفوا بهذا المبدأ بحيث يكون الكافر هو ولي الكافر، وبالمفهوم يكون المؤمن ولي المؤمن، ولا يكون ولياً لكافر، إن لم تفعلوا ذلك تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، والفتنة معناها: الانحراف عن الدين، والفساد الكبير لا يعلم مقداره إلا الله .
فالركون إلى الكافرين أمر خطير جداً، ولذلك تجدون أن الله تعالى يهدد رسوله ﵊ لو ركن إلى الكفار ولو كان شيئاً قليلاً.
أولاً: الركون القليل غير مقبول، أياً كان هذا الركون.
ثانياً: الركون حتى لو كان من رسول الله ﷺ ، رغم أن الرسول ﷺ ما فكر بالركون إلى الكفار، وإنما فكر أن يجذبهم إلى الحق بطريق اللين، فالله تعالى قال له: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥] يعني: عذاباً مضاعفاً في الحياة الدنيا، وعذاباً مضاعفاً في الحياة الآخرة أي: مكرراً، وأنت محمد خير البشر، ﵊.
إذاً: الركون إلى الكفار، والميل إليهم، وعشق أخلاقهم وسلوكهم، أو تقليدهم في أي أمر من الأمور لا يجوز في شرع الله ، ولذلك الرسول ﷺ كثيراً ما يقول: (خالفوا المشركين) وكان يحرص دائماً على مخالفتهم، ومن ذلك حينما قدم الرسول ﷺ المدينة -يعني: مهاجراً من مكة- وجد اليهود يصومون يوم السبت فسألهم لماذا؟ قالوا: إنه يوم عظيم نجى الله فيه موسى ومن معه، وأهلك فرعون وجنوده، فقال: (نحن أحق بموسى منكم) وأمر المسلمين بصيام يوم عاشوراء، ثم أمر المسلمين بمخالفتهم فقال: (خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) وقال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع).
إذاً: المسألة مسألة مخالفة حتى في أمور العبادات، فدين الإسلام جاء لا ليوافق هؤلاء، وإنما ليخالفهم في كل أمر من الأمور، والذين يعشقون أخلاق الكفار، ويطمئنون إليهم، ولربما يستقدمونهم إلى بلاد المسلمين، ويكثرون سوادهم، لا سيما في جزيرة العرب التي يقول عنها الرسول ﷺ : (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان)، (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) يعتبر هذا الأمر أمراً خطيراً نسأل الله العافية والسلامة.
وعلى هذا: فإن الركون أمر محرم، وهو جانب مضاد لجوانب الاستقامة التي يقول الله عنها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
стр. 777
إقامة الصلاة
ويقول تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، وهذا جانب إيجابي، ومظهر من مظاهر الاستقامة الذي هو إقام الصلاة، والصلاة خصت هنا من بين العبادات؛ لأن الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فأي مجتمع يقيم الصلاة فإنه من المؤكد أنه مجتمع لا بد أن تحارب فيه المنكرات ولو على جانب معين، ولذلك أخبر الله أن الصلاة تذهب السيئات.
ولذلك نزلت هذه الآية في رجل من المسلمين قبل امرأة تقبيلاً حراماً، فجاء وقال: يا رسول الله! عملت عملاً حراماً قبلت امرأة، فجلس عند رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيه وفي أمثاله من الذين يعملون معصية من الصغائر قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤] وهذه تشمل الصلوات الخمس؛ لأن طرفي النهار صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب، الطرف الأول: الصبح والظهر، والطرف الثاني: العصر والمغرب ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤] التي هي صلاة العشاء، ثم قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فقال الرجل: يا رسول الله! ألي خاصة، أم لجميع الأمة؟ فقال ﵊: (بل لجميع أمتي).
فالصلاة من ميزتها أنها تكفر صغائر الذنوب دون أن تحتاج إلى توبة، أما كبائر الذنوب فإنها تحتاج إلى توبة؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
стр. 778
لزوم الصبر
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ [هود:١١٥] وهذا جانب مهم من جوانب الاستقامة؛ لأن غير الصابر لا يستطيع في الحقيقة أن يستقيم في فترة لا سيما إذا كانت هذه الفترة من الفترات المظلمة في تاريخ البشرية، فالصبر هو السلاح المنيع الذي من خلاله يستطيع هذا الإنسان أن يشق طريقه في هذه الحياة، وأن يعبر هذا المعترك الشديد بأمن وسلام.
أما الذين لا يصبرون، والذين يجزعون لأي حدث أو أمر من الأمور التي تعترض سبيلهم فلا يمكن أن يحصلوا على جانب الاستقامة لاسيما في مثل هذه العصور، وعلى هذا فإن الصبر هو طريق الجنة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]؛ ولذلك لا تجد الجهاد يذكر في مكان إلا ويذكر معه الصبر، أياً كان هذا الجهاد سواء كان جهاد النفس، أم جهاد العدو المقنع الداخلي، أم جهاد العدو الخارجي، فلا بد من الصبر في كل مجال من مجالات الجهاد؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٥].
стр. 779
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثم بعد ذلك يأتي المظهر الأخير من مظاهر الاستقامة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيقول الله : ﴿فَلَوْلا كَانَ﴾ [هود:١١٦] أي: فهلا كان ﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦] أي: في الأمم كلها يقل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتجه إليه إلا الذين يستحقون النجاة من عذاب الله .
(إلا قليلاً ممن أنجينا منهم) فأنجاهم الله من الخوف من البشر، وأنجاهم الله من العذاب في الدنيا؛ لأن الله تعالى إذا أنزل عقوبته إنما ينزلها بالذين يفعلون الفواحش والذنوب، والذين يسكتون عليها.
أما الذين ينهون عن الفساد في الأرض فهم الذين ينجيهم الله ، وتدل أدلة كثيرة على أن الله لا ينجي من عذابه إذا أنزله بأمة من الأمم إلا الذين ينهون عن السوء، كما ذكر الله في قصة أصحاب السبت قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥].
وعلى هذا فإننا نقول: لا بد من أن تقيم الأمة الإسلامية جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تكون الاستقامة في مجتمع من المجتمعات عطل فيه هذا الجانب العظيم، الذي هو في الحقيقة الذي يحمي هذا الدين؛ لأن هذا الدين يحمى بقوة البيان، ويحمى بقوة الحديد والنار؛ ولذلك أخبر الله تعالى أنه أنزل الكتب السماوية وفيها العدل والخير، لكنها لا بد أن تحمى بقوة الحديد والنار، وهو جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال عز من قائل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥]؛ ولذلك يقول حسان بن ثابت ﵁: لا خير في حق إذا لم تحمه حلق الحديد وألسن النيران والذين يظنون أن هذه الأمة غير مطالبة بأن تتخذ جانب القوة لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأنها تكتفي فقط بأن تقول: هذا منكر، أو هذا حق، إذا وصل الأمر إلى هذا الحد فإن الأمة تكون عطلت جانباً عظيماً من جوانب هذا الدين.
فالدعوة إلى الله غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن الله على لسان رسوله ﷺ وزع المسئولية على ثلاث مراحل: الإنكار باليد، وهذا في الأصل للسلطة، ولكل من يستطيع أن ينكر باليد فإن عجز فعليه أن ينكر باللسان، فإن عجز عن ذلك -ولا يكون ذلك إلا في مجتمعات خاصة نسأل الله العافية والسلامة، وفي ظروف خاصة نسأل الله أن يحفظنا حتى لا ندركها- كان الإنكار بالقلب فقط.
ولذلك هذا يعتبر أضعف الإيمان، أما إذا وصل الأمر إلى أن تألف القلوب المنكرات؛ لأنها تعيشها مدة طويلة من الزمن، وتختلط بلحمها ودمها حتى لا تنكرها في القلب فذلك أخطر المراحل، وهو الذي أشار الله إليه في قوله في سورة الأنعام: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ [الأنعام:١١٣] حينما يكون مألوفاً ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣].
أسأل الله أن يوفقني وإياكم لأفضل طريق إلى الله وإلى الدار الآخرة، وأن يثبت أقدامنا في عصر زلت فيه كثير من الأقدام، وأن يتوفانا وإياكم على منهج الاستقامة غير مضيعين ولا مبدلين.
стр. 780
من مظاهر الاستقامة لزوم الصبر
стр. 781
من مظاهر الاستقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 782
الأسئلة
стр. 783
آخر أخبار الجزائر
السؤال
ما هي أخبار الجزائر في هذه الأيام، نود أن تحدثونا عنها بالتفصيل؟
الجواب
أخبار الجزائر حيل بيننا وبينها، إعلام المسلمين ما أعطانا صورة، سمعنا أخبار السلفادور والعالم كله، ولكن لا نسمع أخبار الجزائر، لكن الشيء الذي يجب أن تثقوا به هو أن إخواننا في الجزائر إذا صح قصدهم وهدفهم فلا بد أن يظهروا؛ لأن الله يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
وعلى هذا فإننا متأكدون أن إخواننا في الجزائر إن صح قصدهم وهدفهم -ونحسبهم كذلك والله حسيبهم- فإن الله تعالى سوف يظهرهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، ونحن لا نشك بأن هدف إخواننا في الجزائر ليس هو طلب الملك، وإن كان أصحاب الملك يخافون على الملك دائماً وأبداً، وهذا ندركه حتى في القرآن في مواقف طغاة البشر، حينما يتسلطون على الناس يقولون: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء:٣٥] فهم يخافون على الأرض، وإخواننا في الجزائر ليس لهم هدف الأرض، وإنما هدفهم أن يكون الدين كله لله؛ ولذلك كل المغريات التي وجهت إليهم، والتموينات والأطعمة قالوا: نحن نرفضها، نحن نريد أن يطبق فينا شرع الله، وأن نحكم بشرع الله، وهذا هدف يجب أن يكون هدف كل واحد من المسلمين.
على كل حال: الطغيان الذي يحكم الجزائر ويحكم أكثر الكرة الأرضية هو لا يريد أحداً أن ينازعه ملكه؛ لأنه يخاف على السلطة، أما إخواننا في الجزائر فهم لا يريدون إلا أن يحكموا بشرع الله .
أما أخبارهم: فحسب ما يظهر من بعض إخواننا القادمين الذين يحدثون عن بعض الأخبار، أنهم يلاقون محنة شديدة، وابتلاء في دينهم، حتى سمعنا أن مكبرات الصوت في خطب الجمعة أصبحت لا يسمح لها أن تنتشر؛ حتى لا يسمعها الجنود فتتغير وجهتهم فيستسلموا لمطلب هذا الشعب؛ لأنه مطلب يرضي الله .
لكن ثقوا يا إخوتي أن هؤلاء القوم سوف يظهرون بإذن الله ؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:١٤]، وهذه سنة الله في الحياة إلى يوم القيامة.
стр. 784
الفرق بين محبة العاطفة ومحبة المتابعة
السؤال
في حال سلوك الطريق السوي هل هناك ضوابط يلتزم بها المستقيم، ثم ما الفرق بين محبة العاطفة ومحبة المتابعة، بينوا لنا وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هناك ضوابط يلتزم بها المستقيم، وأهمها: سلوك الطريق، والتأكد من صحة المسار، فإننا نعيش الآن فترة اختلط فيها الأمر على كثير من الناس، فأصبح كثير منهم لا يميزون بين طريق الجنة وطريق جهنم، وكما قلت لكم: والله يا إخواني رأيت أناساً عباداً تحتقرون عبادتكم بالنسبة لهم، لكنهم يسيرون إلى الله على غير بصيرة، فأهم ضابط لذلك هو أن تبحث عن المنهج الذي عليه الرسول ﷺ وأصحابه، وتلتزم به، وهذا هو أعظم ضابط، بل هو الضابط الوحيد الذي من خلاله تستطيع أن تتأكد من أنك تسير إلى الله على بصيرة، وأنك تسير في طريق الجنة، والرسول ﷺ أخبرنا فقال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
وعلى هذا: فإن المنهج واضح، والطريق واضحة وليست ملتبسة، وكتاب الله باقٍ ما بقيت الدنيا، وسنة رسول الله ﷺ محفوظة، ولا تزال طائفة على هذا الطريق تسير حتى يأتي أمر الله.
أما الفرق بين محبة العاطفة ومحبة المتابعة فهو واضح: أنت تحب زوجتك محبة عاطفة، ولكن ليس محبة متابعة، تحب أطفالك محبة عاطفة، لكن ليس محبة متابعة، ولكن محبتك للرسول ﷺ في الحقيقة يجب أن تكون في الأصل محبة متابعة، وتأتي محبة العاطفة بعد ذلك؛ ولذلك كثير من هؤلاء الذين ضلوا الطريق اكتفوا بمحبة العاطفة، فإذا رآك وأنت تدعو الناس إلى التمسك بسنة رسول الله ﷺ حقيقة، قال: أنت لا تحب الرسول ﷺ ، أنت لا تطوف على قبره أو تتمسح على قبره، إلى غير ذلك، فنقول: يا أخي! أنا عدم فعلي هذا العمل هو محبة لرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك؛ ولأن الرسول ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) فأنت يا من تزعم المحبة لكنها ليست محبة متابعة أنت الذي تكره الرسول ﷺ ؛ لأنك تخالف أمره، ولأنك تأتي بشيء خلاف ما طلبه الرسول ﷺ من ربه حينما قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) وهكذا نستطيع أن نميز بين محبة العاطفة ومحبة المتابعة، ويكفينا في محبة المتابعة قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
إذاً: هذه هي المحبة التي يجب أن تكون لله ، ولرسول الله ﷺ ، وأيضاً: يجب أن تكون محبة العاطفة لرسول الله ﷺ ؛ لأنه هو سبب هداية هذه البشرية.
стр. 785
أسباب الانحراف عن الدين
السؤال
ما هي أسباب انحراف من استقام على الطريق المستقيم ثم انحرف عن هذا الطريق، وأصبح بدلاً من ذهابه إلى المسجد يذهب إلى أماكن اللهو؟
الجواب
هناك عوامل كثيرة ترد الناس إلى الله ، وهناك عوامل أخرى تحرف الناس عن الطريق المستقيم، والتقلب سمة من سمات آخر الزمان، كما أخبر الرسول ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) ثم أخبر الرسول ﷺ عن المخرج من هذه الفتن (فقالوا: وما المخرج يا رسول الله منها؟ قال: كتاب الله وسنتي) كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لكن لا ننسى أن هناك عوامل ومغريات في الحياة لربما تتغلب على العقل من خلال العاطفة؛ فتؤدي إلى انحراف المجتمعات، ويكفينا في واقعنا الآن ما فيه من المغريات، أصبحت البيئة غالباً ملوثة بالأفلام والمحرمات، وضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك مما كان سبباً في وجود مغريات شديدة صرفت كثيراً من الناس عن الطريق المستقيمة؛ ولذلك لا تعجب حين تجد شاباً مستقيماً ثم تفاجأ في يوم من الأيام أنه انحرف عن هذه الطريق، لأن البيئة التي نعيشها في أيامنا الحاضرة بيئة فيها كثير من اللوث، وفيها كثير من الانحراف، مما قد يكون سبباً في انحراف كثير من أبناء الفطرة، لكن بالرغم من ذلك -والحمد لله- رأينا العكس من ذلك هو الكثير، لقد رأينا كثيراً من أبناء المسلمين، ولربما من أبناء الفسقة وغير المتدينين من اتجهوا في مثل هذه الظروف إلى الله ، وهذا يدل على أن الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة كما أخبر الرسول ﷺ عن ذلك.
стр. 786
دورنا تجاه الشرك بالله وانتشار الأضرحة
السؤال
هذه الإحصائيات التي ذكرتها عن انتشار الأضرحة في العالم الإسلامي فاجعة كبرى، والسؤال: ما هو دورنا وقد سمعنا هذه الإحصائيات؟
الجواب
أزيدك يا أخي علماً، ذات ليلة في جوف الليل الآخر مررت بأحد هذه الأضرحة فوجدت الزحام من السيارات التي تنزل الحجاج كما يقولون إلى هذا الضريح -واحد من هذه الأضرحة- والله لا تكذبني حينما أقول لك: إنه أكثر من العدد الذي يأتي إلى مكة حرسها الله بحفظه.
على كل: يا أخي! الطريق واضحة، وهي الدعوة إلى الله والجهاد: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١] ننصح كل شاب من شباب المسلمين لاسيما هنا في بلاد الفطرة التي فطرت على التوحيد والعقيدة السليمة، ننصحهم أن يسيروا في هذه الأرض؛ ليبينوا للناس الطريق التي يجب أن يسلكوها؛ وليبينوا للناس خطر الشرك بالله ، فإنه أعظم شيء، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
ويجب على أبناء هذه الأمة وأبناء هذه البلاد بصفة خاصة أن ينتشروا في أرض الله الواسعة، يعلمون الناس كيف يعبدون الله ، وسوف تسقط هذه الأضرحة كما سقطت الأوثان التي كانت معلقة في الكعبة، يوم كسرها الرسول ﷺ بسيفه وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١].
فمن كان عنده علم، ومن كانت عنده شخصية متينة قوية يستطيع من خلالها أن ينفع ولا يتأثر، وأن يؤثر ولا يتضرر هو بنفسه، أنصح أي شاب يستطيع أن يسافر إلى هناك؛ ولذلك فإن الناس رغم تعصب كثير منهم لما ألفوه من حيات آبائهم وأجدادهم، فإن هناك أيضاً كثير من هؤلاء المسلمين يقبلون الحق، ولذلك تجدون كثيراً من الذين أولعوا بالذهاب إلى هذه الأضرحة، وعاشوا حياتهم كلها بين تلك الأضرحة حينما يأتون إلى بلادنا هنا والحمد لله، ويرون معالم التوحيد، نجد أنهم يتأثرون ويستفيدون، ويرجعون موحدين في كثير من الأحيان.
стр. 787
نصيحة في كيفية دعوة الناس إلى الله
السؤال
لقد تحدثت عن الاستقامة والبدعة في هذا العصر، فما هو العمل لمحاربة هذه البدع، والعمل من أجل إقامة الخلافة الإسلامية، ونشر دعوة الإسلام كما أراد رب العالمين؟ وما هي نصيحتكم لهذا الشباب المسلم الذي يتعرض للكبت من جميع الجوانب في أنحاء العالم؟
الجواب
نستطيع أن نحارب البدعة عن طريق إحياء سنة رسول الله ﷺ ؛ لأني قلت لكم: إن الإسلام دائرة مقفلة لا يمكن لأي واحد أن يزيد فيها، ولا يمكن أن تتسع لغير ما جاء به الرسول ﷺ من عند ربه؛ ولذلك نلاحظ أن الذين أحدثوا في دين الله لا بد أنهم أماتوا السنن، وأنهم لو لم يخرجوا سنة ليتركوا فراغاً لهذه البدعة ما استطاعت هذه البدعة أن تنفذ في دين الله ، والطريق هو أن نحيي سنة رسول الله ﷺ ، وأن ندعو الناس إلى العودة إلى الأصل، وإلى المنبع الأصيل الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه، ومن هنا تتساقط البدع؛ لأن الفراغ الذي تركته تلك السنن هي مواقع هذه البدع.
وعلى هذا فإننا نقول: لا بد من إحياء سنة رسول الله ﷺ ، وإصلاح ما أفسده الناس، وهذا هو منهج الغرباء الذين لهم الجنة كما أخبر النبي ﷺ : (طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس).
أما إحياء الخلافة الإسلامية، فالخلافة الإسلامية قد أخبر الرسول ﷺ أنها هي آخر المطاف في حياة البشر، كما في الحديث: (ثم تكون خلافة على منهج النبوة)، فذكر أن الأمر سوف ينتهي في يوم من الأيام بخلافة على منهج النبوة.
والطريق هو دعوة الناس إلى العودة إلى دين الله، وإلى تحكيم شرع الله، وتحكيمهم شرع الله هو الخلافة على منهاج النبوة.
ونصيحتي للشباب المسلم الذي يتعرض للكبت في أنحاء العالم بعده أمور: أولاً: أن يضبط نفسه، وأن يحفظ توازنه، وأن يتقي الله في هذا الدين وفي هذه الأمة، فنحن لا نريد شباباً متهوراً يفسد أكثر مما يصلح، نطالب هذا الشباب أولاً بالعلم، والعلم هو أفضل طريق للحياة السعيدة.
ثانياً: نطالب هؤلاء الشباب أيضاً بالتوازن في الدعوة إلى الله ، فالشباب المخرب الذي يكسر ويفسد في الأرض، هذا لا يمكن أن يصلح، وإنما يفسد أكثر مما يصلح، بل ندعو هؤلاء الشباب إلى أن يقوموا بالدعوة إلى الله على بصيرة، وهذا هو منهج المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] وهذا هو المنهج الصحيح.
ندعو هؤلاء الشباب إلى أن يلزموا الجماعة، وإلى أن ينضم بعضهم إلى بعض، ليسلموا من هذه الفتن التي يعيشون معها وتعيش معهم، فقد جاء عن حذيفة بن اليمان حينما سأل الرسول ﷺ عما يحدث في آخر الزمان، وأخبر بأنه سوف يأتي دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقال حذيفة: (فماذا تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟ فقال ﵊: الزم جماعة المسلمين وإمامهم) فلزوم الجماعة أمر مطلوب، والدعوة إلى الله على بصيرة هي طريق السعادة فقال: (قلت: يا رسول الله! وإن لم يكن للمسلمين يومئذ جماعة ولا إمام؟ قال: فاهرب بدينك).
ونحن نقول: هذا غير موجود، فالجماعة للأمة الإسلامية موجودة، وسوف تبقى هذه الجماعة ما بقيت السماوات والأرض، وما بقيت الحياة الدنيا، وعلى هذا فإننا ندعو هؤلاء الشباب إلى الحكمة والعلم، وإلى التوازن وضبط النفس، والنشاط في الدعوة إلى الله ؛ لأنه الآن قد تبين الرشد من الغي، وما دام أنه قد تبين الرشد من الغي أصبح المجال مجالاً مهماً للدعوة؛ حتى تتسع هذه الدائرة، وحينئذ لا يكون في هذه الأرض حكم إلا لله .
стр. 788
أخبار المجاهدين في إرتيريا
السؤال
ما هي آخر أخبار إخواننا المجاهدين في إرتيريا؟ وأين يقيمون معسكراتهم الآن بعد طردهم من السودان؟
الجواب
أخبارهم سوف تستمر بإذن الله تعالى، والمسلم أرضه واسعة لو ضاقت به أرض معينة، فإن أرض الله واسعة، وإذا كانت السودان رفضت إخواننا المجاهدين الإرتيريين في أيامنا الحاضرة، فلعل ذلك يكون سبباً من أسباب النصر في العاجل إن شاء الله، فإن إخواننا أصبحوا يجاهدون الآن داخل إرتيريا، ولربما يكون هذا أفضل، وهذا هو التحيز إلى فئة معينة.
وعلى هذا فإن إخواننا المجاهدين في إرتيريا أصبحوا الآن داخل البلاد يكافحون الظلم والعدوان والفسق هناك والحمد لله، وسوف تسمعون إن شاء الله نبأهم بعد حين، وفي وقت قريب إن شاء الله أنهم ظهروا؛ لأن الله تعالى أخبر أنه سوف يظهر كل من سار على المنهج الصحيح.
стр. 789
أخبار الإصلاحات الحكومية في السودان
السؤال
يرفع الحكام في السودان هذه الأيام شعار الإسلام وتطبيق الشريعة، فما مدى صدقهم في ذلك؟
الجواب
صدقهم عند الله، نحن لا نعرف ما في قلوبهم، لكن نتأكد أن الأوضاع فيها شيء من التحسن والحمد لله، فقد سمعنا أن البنوك الربوية وأن كثيراً من مظاهر الفساد الاقتصادي تعالج الآن، وعلى كل قلوبهم بيد الله، ونحن لا نطلع على ما في قلوبهم، لكنه يظهر إن شاء الله أنه في العالم كله -لا في السودان وحدها- هناك بوادر للإصلاح؛ لأن الشعوب عرفت مطالبها، وأصبحت تفرض مطالبها على القادة، والقادة العقلاء دائماً لا يصطدمون بالشعوب؛ لأنهم لا يمكن أن يضبطوا أو يحكموا هذا العالم بقوة الحديد والنار؛ ولأن هذه الشعوب لا تضبط إلا بشرع الله ، ولا تقاد إلا بشرع الله ، فلا يمكن أن تقاد أو تضبط بقوة الحديد والنار، كما أنها لا يمكن أن تضبط بالترف والمتاع والمحرمات، بل بشرع الله ؛ لأن الله ركب هذه الأمم على أن يكون لها دين وعقيدة، فأي إنسان يريد أن يضبط الأمور في بلد ما فلا بد أن يحكم هذا العالم بشرع الله .
стр. 790
نوع الاستقامة التي أمر الله بها نبيه
السؤال
نريد أن توضح لنا ما نوع الاستقامة التي أمر الله بها نبيه ﷺ ؟
الجواب
نوعها يتلخص في أن تسير على الطريق المستقيم، وهو طريق الهداية التي تطلبها في كل صلاة، فتقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] أي: تثبت على هذا الطريق وتتأكد من صحة المسار إلى الله بسلوكك هذا الطريق الذي ينتهي بالجنة، فأوله في الدنيا وآخره في الجنة، وعلى هذا فإن معنى الاستقامة واضح، ونستطيع معرفته من خلال اللفظ اللغوي، استقام من الاستقامة وهي: سلوك طريق معتدل.
стр. 791
حكم زيارة النساء للقبور
السؤال
ما حكم زيارة النساء للقبور؟ وهل صحيح أن المرأة التي تزور القبور كأنها والعياذ بالله قد زنت؟ فإن كان الأمر كذلك فهل ينطبق هذا على قبر الرسول ﷺ ؟
الجواب
الرسول ﷺ يقول: (لعن الله زائرات القبور) وفي رواية: (زوّارات القبور) واختلاف هذا اللفظ أخذ منه بعض العلماء أن المراد (بزوّارات) اللواتي يكثرن زيارة القبور، أما اللعن فإنه مؤكد في حديث صحيح.
وعلى هذا فإنه لا يجوز للمرأة أن تزور القبور لاسيما إذا كانت زيارة مكررة أخذاً من لفظ: (زوّارات) أما الحديث الأول فهو مطلق زيارة، ولا أعرف أن هناك فرقاً بين قبر الرسول ﷺ وأي قبر من القبور بالنسبة للمرأة، فإذا نهيت عن زيارة القبور كافة، فأولى أن تكون نهيت عن زيارة قبر الرسول ﷺ ؛ لأن زيارة قبر الرسول ﷺ قد تتعدى فيها الحدود، كما نلاحظ الآن عند زيارة قبر الرسول ﷺ عن كثير من الناس، ويكفي أن المرأة عندما تزور مسجد رسول الله ﷺ أن تسلم على الرسول ﷺ وهي في مكانها الذي تصلي فيه، أما أن تأتي إلى القبة الشريفة لتقف عند قبر الرسول ﷺ وتقول: السلام كما يفعل الرجال فظاهر الأحاديث أنه لا يجوز.
كما ننصح الإخوة الذين يريدون أن يزوروا المدينة ألا يقولوا: نريد أن نزور قبر الرسول ﷺ وإنما يقولون: مسجد الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى).
стр. 792
أحوال المسلمين في الفلبين
السؤال
ما هي أحوال المسلمين في الفلبين؟
الجواب
أحوال المسلمين في الفلبين والحمد لله طيبة لا بأس بها، ولابد أن نعرف أن في الفلبين أكثر من اثني عشر مليوناً من المسلمين يسكنون في مناطق الجنوب، بل ونعرف أن الفلبين كلها كانت في يوم من الأيام دولة إسلامية كأندونيسيا، لكن حينما نام المسلمون، واشتغل التنصير استطاع أن يحول أكبر هذه الكتلة إلى نصارى، وكانت لهم السلطة أيضاً، وأصبحوا يستذلون المسلمين في الجنوب، ويأخذون أراضيهم، ويتركون لهم الجبال الوعرة كما هي عادة أعداء الإسلام دائماً.
الذي حدث أن إخواننا في الفلبين ربما تحملوا أن تذهب أموالهم وأراضيهم، لكنهم لم يتحملوا أن يفتنوا في دينهم؛ لأن الحكم الوثني النصراني في الفلبين تسلط على مناطق المسلمين، وبدأ يرسل الفساد ويصدره إلى مناطق المسلمين، مما كان سبباً في انحراف كثير من المسلمين في سلوكهم، فأدى ذلك إلى أن تكون هناك حركات جهاد، أهمها الحركة التي يقودها أخونا حفظه الله سلمات هاشم وأحسبه من المجاهدين السلفيين كما يظهر لنا، وهذا الرجل قد اعتصم بالجبال، وانضمت إليهم مجموعات كبيرة من المسلمين، وأعلنوا الجهاد في سبيل الله، حتى تحرر مناطق المسلمين من هؤلاء النصارى المغتصبين، وهم والحمد لله بخير، لكنهم يحتاجون إلى دعم من إخواننا المسلمين، وهناك في هذا البلد الطاهر من يوصل أي مساعدة إليهم بإذن الله تعالى.
стр. 793
تعدد وسائل الدعوة إلى الله
السؤال
ما هي القنوات التي من خلالها نستطيع أن ندعو إلى الله في الخارج؟
الجواب
القنوات كثيرة، والدعوة لا تقف في الداخل، والله تعالى جعل هذه الأمة مطالبة بنشر الإسلام في الأرض كلها قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، ونشر الدعوة في الأرض أمر مطلوب على الجميع، والله تعالى يسألنا قبل أن يسأل المرسلين عن هذا الدين، قال تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، عالم يموتون على غير الملة ويموتون على جهل نحن مسئولون عنهم بين يدي الله يوم القيامة! ومن أكبر العار والمصيبة والبلاء والفتنة أن ينام المسلمون عن هذا الدين في وقت انبرى فيه كل أعداء الإسلام بأنفسهم وأموالهم لتنصير وحرف الأمة الإسلامية عن دينها، ولكن الله تعالى يبشرنا ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال:٣٦]، وايم الله لقد رأيت بعيني هاتين في غابة من غابات أفريقيا الموحشة فتيات وفتيان جاءوا من إيطاليا، ومن بلاد أوربا التي هي أجمل بلاد العالم، جاءوا مهاجرين للدعوة إلى النصرانية، يعيشون في بلد عند الحر الشديد والمياه الكدرة، ويركبون البقر ويتجولون في مناطق المسلمين يحرفونهم عن الطريق المستقيمة، وحينما نظرت إلى هؤلاء الفتيان والفتيات الذين هم في مستهل العمر، قلت: سبحان الله! ماذا يريد هؤلاء وهم لا يطمعون في الجنة غالباً؟ ثم أين أبناء المسلمين الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يبينوا للناس هذا الحق وأن ينشروا هذا الإسلام؟ البلية كبيرة أيها الإخوة! إذاً: لا بد من أن يتحرك المسلمون للدعوة إلى الله ، فعالم كثير يموت على الوثنية، وعالم آخر كبير لم تبلغه دعوة الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وليست هناك رسالة تنتظر بعد رسالة محمد ﷺ .
والحمد لله رب العالمين.
стр. 794
فاستقم كما أمرت [٢]
إن الاستقامة المطلوبة والتي أمر الله بها لا تتم إلا ببذل أسباب الثبات عليها، وبالقيام بمقوماتها التي تعين العبد على دوام الاستقامة، وقد ذكر الله هذه المقومات والأسباب وبينها أحسن بيان، فما على المرء إلا أن يأخذ بها حتى يصل إلى بر الأمان.
стр. 795
حقيقة الاستقامة التي أمرنا الله بها
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يقول، وكما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، السراج المنير، والبشير النذير ﷺ وبارك، وعلى آله ومن دعا بدعوته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: الحديث في هذه الليلة عن الاستقامة وعواملها وآثارها وجزائها، فالله تعالى يقول عن هذه الاستقامة ومظاهرها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٢ - ١١٧].
أيها الإخوة! هذه الاستقامة وهذه مظاهرها الخمسة: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ)، (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ).
أما الاستقامة فمعناها في اللغة: الاعتدال وعدم الانحراف يميناً أو شمالاً، والمستقيم معناه: الذي هو غير منحرف، وغير ملتو وهو الذي يمثل الخط المستقيم، أي: الطريق المعتدلة، وهذه الطريق ينصح الله تعالى كل واحد من المسلمين أن يلتزم بها في الوصايا العشر التي تجدونها في آخر سورة الأنعام، فآخر هذه الوصايا العشر وهي العاشرة قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فالاستقامة: هي اتباع صراط الله المستقيم، وعدم الانحراف يميناً أو شمالاً.
وعندما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) خط خطاً طويلاً معتدلاً، وخط عن يمينه وشماله خطوطاً، فقال عن المعتدل: (هذا صراط الله، وعليه داع يدعو إليه، والداعي هو القرآن، وعن يمينه وشماله سبل، وهي التي يقول الله عنها: (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) وعلى كل سبيل منها ستر مرخاة، وعليها شيطان يدعو إليها) وأظن أنه لا يخفى عليكم هؤلاء الشياطين، لقد بدءوا يبرزون اليوم حتى في ثياب المسلمين من المنافقين والمتمسلمين.
ولكن على الصراط داع كلما هم أحد أن يزيح ستاراً نادى هذا المنادي: ويحك يا عبد الله! لا تزح، فإنك إن تلجه لا تخرج منه إلى يوم القيامة، أو كما قال الرسول ﷺ في رسم هذه الطريقة بصورة ترى بالعين المجردة.
هذا هو صراط الله، وهذه هي السبل، وذاك هو الاستقامة، وما يقع عن يمينه وشماله من الطرق المنحرفة هي الانحراف، ولذلك تجدون هذه الانحرافات كثيرة جداً، وتتعدد، ولربما يخطئ الإنسان واحداً منها فيصيبه سبيل آخر.
وتأكدوا أن طريق الجنة واحد، وأن طرق النار كثيرة، ولذلك قال: (صِرَاطِي)، وقال: (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ).
ويوضح هذه الآية قوله ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة).
إذا: ً الصراط واحد، وطريق الجنة واحد واضح، والطرق المنحرفة كثيرة جداً، وربما تتعدد في مفاهيمها وأساليبها، وفي دعاياتها ودعاتها، وفي أشكال دعاتها وألسنتهم، لكنها تتحد في الحقيقة في نهايتها، فهي تصب كلها في نار جهنم، قال ﷺ : (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
إذاً: يا أخي! فتش هل أنت على الصراط المستقيم؟! هل أنت مستقيم على دين الله؟! كيف تستقيم؟ الزم جماعة وطريق المسلمين، ابحث عن السبيل التي يتسم بها المجتمع الإسلامي في عهد رسول الله ﷺ وأصحابه الذين يقول عنهم ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة)، هذا هو الصراط.
ولذلك فإن المسلم يسأل الله تعالى أن يهديه إلى الصراط، وإذا هداه للصراط المستقيم سأله أن يثبته؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فيدعو دائماً في الصلاة وفي غير الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وهذا الصراط المستقيم هو طريق الاستقامة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فهو طريق واضح.
ولا تظنوا -أيها الإخوة- أن هذه الطريق غامضة، فهي ميسرة واضحة إلا على من ختم الله على بصيرته، نسأل الله العافية والسلامة، فهم الذين يتخبطون في دياجير الظلام قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥].
أما المؤمنون فهم يرون هذا الصراط بأعينهم المجردة، ويدركونه بقلوبهم؛ ولذلك نقول دائماً: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، هذه هي الاستقامة التي نسأل الله تعالى أن يثبتنا عليه دائماً وأبداً.
وهذه الاستقامة هي الثبات على المنهج الصحيح، وعدم التأرجح والشكوك، فالمحجة بيضاء واضحة، تركنا عليها محمد ﷺ ، وحذرنا أن نميل عنها يميناً وشمالاً، ومن مال فلا يلومنّ إلا نفسه.
والاستقامة تتعرض في كثير من الأحيان للفتن، لا سيما في عصرنا هذا حينما ينشط دعاة الباطل، ويضعف دعاة الحق، فيلتبس الأمر، فيرتبك بعض المسلمين ويصير في أمرهم اختلاط مع وضوح السبيل، لكن لوجود مغريات، ووجود أمور ربما تكون سبباً في انحراف طائفة من المسلمين، ولذلك أخبر الرسول ﷺ بأنه تأتي في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، دعاة باطل مغريات أهواء شهوات إلى غير ذلك قال ﷺ : (يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
وهذا التقلب يوجد في كثير من الأحيان مع وضوح السبيل، ولا سيما في آخر أيام الدنيا عندما ينشط دعاة الباطل وينام دعاة الحق؛ ولذلك ربما تشاهدون اتجاهات تتعدد في بعض الأحيان، ولربما نفاجأ أن طائفة من الشباب ربما ينحرفون ويتأثرون بالدعاية المضللة، وربما يرتد كثير من المسلمين عن الإسلام؛ لأن الاستقامة غير موجودة عند هؤلاء، بل في دولة إسلامية واحدة يتنصر اثنا عشر مليوناً من المسلمين، لضعف دعاة الحق، ونشاط دعاة الباطل، وبخل المسلمون بأموالهم، ونشاط دعاة الباطل في بذل أموالهم، فكل ذلك من عوامل الانحراف.
أما الأصل فإن هذا الدين فطرة قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، فطرة طبع عليها الإنسان يوم كان في ظهر أبيه الأول آدم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، وبالرغم من هذا العهد والميثاق الذي يقول الله عنه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف:١٠٢] نسوا هذا العهد، فكان ذلك سبباً في انحراف طائفة من المسلمين الذين غفلوا عن العهد، وربما ولدوا على الفطرة، لكن اجتالتهم شياطين الإنس والجن.
стр. 796
أسباب الثبات على الاستقامة
أيها الإخوة! إن شياطين الإنس في بعض الأحيان ينشطون أكثر من شياطين الجن؛ لأن الله تعالى يقول عن شيطان الجن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، لكن شياطين الإنس ربما يتربصون بهذا المسلم، حتى يخرجوه عن دائرة الدين.
стр. 797
اختيار الزوجة الصالحة
إذاً: الاستقامة أيها الإخوة لها أسباب، وعوامل، والانحراف أيضاً له أسباب، ولعل من أهم عوامل وأسباب الاستقامة: اختيار الزوجة الصالحة، والبيئة الصالحة، والبيت الصالح: حينما تتوفر هذه العوامل الثلاثة تكون عاملاً مهماً من عوامل الاستقامة، زوجة صالحة (فاظفر بذات الدين) بيت نظيف طاهر بعيد عن المحرمات والمغريات، وعن الشهوات والشبهات، ليس فيه تشكيك ولا محرمات منتشرة تختلط بدماء الأطفال، فينشأ أحدهم على هذه النشأة مع بيئة صالحة طاهرة، يؤمر فيها بالمعروف، وينهى فيها عن المنكر، وهذه تعتبر عاملاً من عوامل الاستقامة، لكن لما تنحرف البيئة أو ينحرف البيت فإنه يؤثر ذلك على الفطرة، فالفطرة بذرة صالحة تحتاج إلى تربة صالحة، وهي الزوجة، وتحتاج إلى ماء نقي، وهي البيئة التي تسقي هذه البذرة، لتكون شجرة صالحة، ولكن إذا فسدت إحدى هذه العناصر الثلاثة: إما البذرة أو التربة أو البيئة التي تسقي هذه البذرة يوماً بعد يوم، ربما تتأثر هذه الفطرة فيحصل الانحراف.
من أسباب الانحراف عن الاستقامة أيضاً: نشاط دعاة الباطل، ونوم دعاة الحق: لأن الشجرة التي لا تسقى إلا بعد فترة طويلة من الزمن، أو تسقى ماء مالحاً أجاجاً تموت، بالرغم من أصالتها وصحة بذرتها وتربتها، لا بد أن يكون هناك ماء، ولا بد أن يكون هذا الماء صالحاً لسقي هذه الشجرة؛ ولذلك فإن الدعوة إلى الله تعتبر من أهم العوامل التي تستقيم بها الأمم قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
إذا وجد إيمان ووجد ذكرى تستقيم الأمور؛ ولذلك فإننا نطالب دعاة الحق أن ينشطوا لا سيما في هذه الظروف التي ارتبكت فيها كثير من الأمور في العالم الإسلامي، واختلط فيها الحابل بالنابل، وأصبح الأمر خطيراً من هذا الجانب.
стр. 798
التربية الصالحة
كذلك من هذه العوامل: التربية الصالحة: فلا بد أن تكون التربية صالحة سواء كانت من البيت، أو من المدرسة، أو من المكتبة التي تخاف الله ، فلا تنشر إلا ما يقوي عقول الشباب، وينمي أفئدتهم، ويحفظ توازنهم، فإذا فسدت المكتبة، وصارت تنشر ما هب ودب من الكتب والمجلات والصحف التي تغري وتفسد، فإن ذلك يكون عاملاً من عوامل الانحراف.
وكذلك المدرسة والمنهج، وكذلك الإعلام الذي يعيش معه الناس بحيث لا ينشر إلا الأمور التي تربي العقل على طاعة الله ، وتحول بين هؤلاء الناس وبين الفتن والصور الفاتنة، والقصص الغرامية الماجنة، كل ذلك يعتبر عاملاً من العوامل المهمة في هذه الاستقامة.
стр. 799
الجليس الصالح
ومن هذه العوامل أيضاً: الجليس الصالح: فالجليس الصالح يؤثر على جليسه كبائع المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه على الأقل رائحة طيبة، بخلاف الجليس الفاسق، فإنه كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف:٣٦] سواء كان من شياطين الجن أو من شياطين الإنس ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧] في الدنيا فيصرفه عن الاستقامة، ويحرفه عن المنهج الصحيح: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف:٣٧ - ٣٨] الذي تأثر بالجليس الفاسد (قَالَ) أي: لجليس السوء ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، يقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩].
فهل بعد ذلك يفرط الشباب بالجلساء أم يسيئون اختيار الجلساء والأصدقاء والأصفياء، أم هل يفرط الآباء بأبنائهم فلا يحسنون الاختيار لجلساء أبنائهم ولأصدقاء أبنائهم؟ إذا كان الثاني فإنه خطر على هذه البذرة الطيبة، وخطر على الاستقامة، ولذلك فإن على المؤمن أن يهتم بهذا الجانب.
стр. 800
النظر في ملكوت الله
من عوامل الاستقامة المهمة: النظر في هذا الملك العظيم لهذا الكون الفسيح: الإيمان إما أن يكون جاء عن طريق الوراثة والبيئة، وإما أن يكون جاء عن طريق التفكير في عظمة الخالق ، وفي آياته الآفاقية والنفسية والكونية، فإذا كان الأول أصبح هذا الإيمان معرضاً للفتنة وربما ينهار في أي لحظة؛ ولذلك أخبر الله تعالى بأن من الناس من يعبد الله على حرف، فهو مستقيم ما دامت الأمور هادئة ومطمئنة، يؤذن يذهب إلى المسجد يأتي رمضان فيصوم يأتي الحج فيحج لكن هناك ضريبة لهذا الدين، وهناك فتنة وابتلاء فلا يتحمل؛ ولذلك يعتبر هذا النوع من البشر إنما أخذ الإيمان عن طريق الوراثة، حيث وجد أباه يصلي فصار يصلي، وجد أمه تصوم فهو يصوم، لكن لا يتصور معنى هذه العبادة، ولا يعرف من يعبد ولا من يستحق هذه العبادة، يقول الله تعالى عن هؤلاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١]، يعني: طرف بين الإيمان والكفر، ممكن أن يسقط في أي ساعة ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١] بقي على الإيمان إذا كان المسلمون بخير لا توجد فتن ولا ابتلاء، ولا يوجد أذىً ولا مصائب ولا في فتن، لكن عندما تأتي الفتن يبتلى في دينه قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] وإذا انقلب على وجهه ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] هذا النوع من الإيمان الذي لا يكون عن تمحيص وروية وتفكير.
لكن تعال يا أخي إلى الإيمان الذي يحصل بعد البحث والقراءة، والنظر في ملوك السماوات والأرض، وتدبر آيات الله في هذا الكون، فهذا الإيمان لا يتأثر بأي عاصفة من هذه العواصف، إيمان كالجبال كما أخبر الله عنه: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] فلو زالت هذه الجبال من مواقعها لا يزول هذا الإيمان من قلب هذا الإنسان؛ لأنه جاء عن طريق الروية والتفكير، وهذا الإيمان ليس كإيمان القوم الذين يقول الله عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] لكنه إيمان كإيمان القوم الذين يقول الله عنهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢] في أيام الشدة تذكروا وعد الله ، ربما في أيام الرخاء غفلوا عن هذا الأمر، لكن لما جاءت الشدة ورأوا الأحزاب وتشكلت كل قوى البشر ضدهم، ووقفت جميع قوى الكفر أمام وجوههم زادهم هذا الفعل إيماناً، قالوا: نحن ننتظر هذا اليوم، الآن زاد يقيننا بهذا الدين، والآن زادت ثقتنا بهذا الإيمان، الآن يقوى إيماننا: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
الفتن زادت هؤلاء إيماناً، وزادت أولئك تراجعاً ونكوصاً إلى الوراء قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ) من أجل الله (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ) أي: أذى الناس (كَعَذَابِ اللَّهِ) يعني: يوم القيامة.
فهذا هو الفرق بين الإيمان الذي يحصل بعد بحث وتفكير وبين الإيمان الذي يحصل بتقليد ووراثة؛ ولذلك نجد في قصة إبراهيم ﵊ العبرة العظيمة: كان إبراهيم لا يشك في الله ، حتى في أيام طفولته وشبابه قبل أن يكون نبياً، حتى وهو يعيش في بيئة فاسدة تعبد الأصنام، وأول من يحاربه أبوه، ينظر في هذا الكون فينظر إلى الكوكب ويقول: هذا ربي، فلما أفل الكوكب قال لا أحب الآفلين، ونظر إلى القمر فقال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين! نظر إلى الشمس فقال: هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، هنا جاءت قوة الإيمان، والبراءة من الكافرين والمشركين حتى الأب ويقول: إني بريء من المشركين، يقول: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام:٧٩ - ٨٠] لكن هذه المحاجة جاءت بعد إدراك عميق لعظمة الخالق : ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام:٨٠].
ثم يبتلى هذا الإيمان وهذه الاستقامة فلا تتأثر، يلقى في النار فلا يبالي، ويؤمر بذبح ولده فلا يبالي، ويؤمر بأن يبقى ولده وزوجه في مكة بواد غير ذي زرع فلا يبالي، كل ذلك استجابة لأمر الله ؛ لأن الإيمان قد قوي في هذه النفس، واستقر في هذا القلب، فهذه هي الاستقامة.
стр. 801
العلم
كذلك من عوامل الاستقامة العلم: فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فبمقدار ما يكون الإنسان أعلم بالله يكون أتقى لله غالباً، وإلا فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
والرسول ﷺ يقول: (من كان بالله أعرف كان منه أخوف) ولذلك فإن الخشية وهي أعظم أنواع الخوف تكون بالعلم غالباً، سواء كان علماً شرعياً وهذا أولى، أو كان في علم الفلك، فينظر في هذه المخلوقات العظيمة فيخرج بنتيجة، أو في علم الطب فينظر إلى خلايا هذا الجسم، وإلى قدرة الخالق حيث يقول: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فيرى الخالق من خلال هذه الصنعة، أو في أي علم من هذه العلوم تسبب خشية الله.
стр. 802
سؤال الله الثبات
وأهم عامل من عوامل الاستقامة سؤال الله الثبات: فكم من إنسان اغتر بعمله، واغتر بنفسه فكانت نهايته البوار والدمار، حيث انقلب على وجهه.
ولذلك كان الرسول ﷺ كثيراً ما يسأل الله الثبات، ويقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ويقول لمن أوصاه: (قل آمنت بالله ثم استقم)، والله تعالى يقول قبل ذلك: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ما قال: أسلموا، ولكن قال: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
فهناك فرق بين الحياة على الإسلام وبين الموت على الإسلام، فلربما يعيش الإنسان في هذه الحياة طول حياته على الإسلام والملة لكن الله أراد له سوء الخاتمة فيرتد نسأل الله العافية والسلامة، فتكون عاقبته الردة، فتكون نهايته النار، كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
وكذلك أوصى إبراهيم ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) لأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله .
على كل أيها الإخوة! لا بد من سؤال الله الثبات والاستقامة على دين الله ، والله يقلب أفئدة الكافرين ويقلب أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ولربما يأخذ الغرور أحداً من المسلمين بعمله فيعاقبه الله بالردة والانحراف نعوذ بالله! ولذلك المسلم دائماً وأبداً يسأل الله الثبات، ودائماً وأبداً يشعر بالتقصير في جنب الله ، وهذا يعتبر من أكبر عوامل الاستقامة على دين الله .
стр. 803
جزاء الاستقامة في الدنيا والآخرة
стр. 804
جزاء الاستقامة في الدنيا
أما الاستقامة فجزاؤها عند الله عظيم في الدنيا، وهو حياة سعيدة يشعر فيها المؤمن بالراحة والطمأنينة، ومتعة البقاء والخلود في الحياة الآخرة، فهذه الحياة وهذه اللذة لا يدركها إلا المؤمنون كما قال ابن القيم رحمة الله عليه: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
ويقصد بجنة الدنيا لذة الإيمان التي يقول الله عنها: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧].
ولا تظنوا أيها الإخوة أن الحياة الطيبة هي حياة القصور، وحياة الترف، وحياة النعيم، قد يشترك فيها المسلم والكافر بل ربما يشترك في هذا المتاع الظاهر الإنسان والبهيمة، إنما هي لذة الإيمان التي يقول عنها إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة الإيمان لجالدونا عليها بالسيوف.
ويقول عنها الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً هذه العزة وهذه اللذة وهذه المتعة لا يشعر بها إلا أولياء الله، ويفقدها أعداء الله، ويضيقون ذرعاً بكل حدث من أحداث الحياة الدنيا، ويتخلصون من هذه الدنيا بالانتحار، ولذلك يوجد مواقع في بلاد الغرب مخصصة للانتحار، وفي اليوم الواحد ينتحر عدد من الناس، لماذا؟ لأن لذة الإيمان غير موجودة، وجد متاع ولم يوجد إيمان، والمتاع بطبيعته إذا ألفه الإنسان يصبح شيئاً طبيعياً، وما السعادة في الدنيا سوى شبح يرجى، فإن صار جسماً مله البشر.
القاعدة أن لذة الإيمان تتجدد في كل يوم؛ ولذلك الذين فقدوا لذة الإيمان -لأنهم فقدوا الاستقامة على دين الله- يعيشون بلا تفكير بلا هدف بلا قصد، يقول أحدهم: لا أدري من أين جئت! ولا أدري أين أذهب! شك في المجيء وفي الذهاب، فلأي سبب من الأسباب، ولأي حدث من الأحداث ولو كان صغيراً يتخلص من هذه الحياة بالانتحار؛ لأنه غير مؤمن قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣] هذا المتاع الحسن لا يكون إلا للمؤمنين، ويفقده غير المؤمنين، وهنا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣].
إذاً: هذه الاستقامة جزاؤها في الدنيا حياة سعيدة طيبة لذيذة، يتمتع فيها الإنسان بمتاع الحياة الدنيا، وتكون له خالصة يوم القيامة، فإذا أصابته مصيبة في الدنيا احتسبها عند الله، فخفت عليه المصيبة، إذا شعر بقصر الأجل شعر بالخلود الباقي في الآخرة بالجنة، فنفس هذا عنه، ووسع له ضيق الحياة الدنيا.
стр. 805
جزاء الاستقامة عند الموت
أما في ساعة الموت، وما أدراك ما ساعة الموت! وهي أشد ساعة تمر بالإنسان طول حياته، فهي ساعة مخيفة جداً رهيبة، إنها ساعة ينظر الإنسان فيها إلى أهله وأمواله وأطفاله وزوجته النظرة الأخيرة، ويريد أن يودع الحياة الدنيا، ساعة التفت فيها الساق بالساق! وبلغت الروح التراقي، يريد الآن أن يفارق الحياة الدنيا.
ماذا يكون موقف هذا الإنسان وهو يودع المتاع والنعيم والقصور والأولاد، ويقبل على حفرة مظلمة لا يدري ماذا يجد فيها؟! هذه ساعة مخيفة، وهي أشد ساعة تمر بالإنسان طول حياته.
تصوروا أنه في هذا الموقف الرهيب يأتي دور الاستقامة وجزاء الاستقامة أيضاً، ينزل الله على هذا الإنسان في هذه الساعة الرهيبة الشديدة المخيفة المزعجة ملائكة تطمئنه: اطمئن أمامك الجنة ما وراءك من الأهل والذرية والمال نحن نخلفك فيه لا تخاف على أولادك سنعوضك في الدار الآخرة ما هو أفضل من ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: ثبتوا على دين الله ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] أي: في ساعة الموت، تقول لهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، لا تخافوا مما أمامكم، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم من الحياة الدنيا، فالأولاد نحن نخلفكم عليهم نحن نرعاهم نحن نعوضكم عن الممتلكات العظيمة التي خلفتموها وراءكم بما هو أفضل منها، سنكون معكم حتى تدخلوا الجنة، لا نفارقكم حتى في القبر وعند الحساب والميزان، حتى على الصراط لا تخافوا ولا تحزنوا، لو لم يكن للاستقامة جزاء إلا هذا لكان هذا ألذ جزاء.
أما الساعة الرهيبة المخيفة المزعجة الموحشة! فتتنزل الملائكة وتقول لهؤلاء المستقيمين على دين الله: ﴿((أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] كنا معكم في الحياة الدنيا نحرسكم قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] أي: بأمر من الله، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١] أيضاً سنكون معكم لا تنزعجوا، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١ - ٣٢].
إذاً: هذه الاستقامة تؤنس الإنسان في ساعة الموت، لكن الصنف الآخر -نعوذ بالله- هم الذين يقول الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٧]، و ﴿الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠] من الأمام ومن الخلف.
стр. 806
جزاء الاستقامة في الآخرة
الاستقامة في الآخرة لها جزاء أيضاً عند الله، وأفضل جزاء الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣ - ١٤] لأنهم استقاموا على دين الله؛ ولذلك نفهم معنى قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
إذاً: هذه الاستقامة يحتاج المسلم دائماً وأبداً إليها، فهو دائماً يسأل الله الثبات عليها، ويحاول دائماً أن يبتعد عن مواطن الفتن التي ربما تغريه أو تصرفه عن منهج الاستقامة، فتكون الخسارة العظيمة في الدنيا والآخرة.
стр. 807
من معاني الاستقامة ترك الابتداع
وهذه الاستقامة أيضاً ليست راجعة إلى اختيار الإنسان وذوقه، فبعض الناس يظن أن معنى الاستقامة أن تتجه إلى دين الله ولو على غير بصيرة، فعندما تجد قوماً يعبدون الله على غير بصيرة تعجب وتقول: كيف أن هذه العبادة تصرف في غير مصارفها، والله إن هناك أناساً يعيشون كل ليلة في عبادة لكنها غير مقبولة عند الله لأنها انحراف، كما يفعل غلاة الصوفية وأصحاب الأضرحة والقبور!
стр. 808
انتشار البدع والشركيات في بلاد المسلمين
سافر يا أخي إلى كثير من بلاد المسلمين تر الأضرحة والعبادات التي تشبه العبادة لكنها بعيدة عن المنهج الصحيح، ولا تزيد الإنسان من ربه إلا بعداً نسأل الله العافية والسلامة، بكاء حول الأضرحة طواف تضرع خشوع سجود ركوع لغير الله قرابين تذبح لغير الله عبادات لكنها على غير بصيرة، هل مطلق العبادة يعتبر استقامة، أم أن هناك نوعاً خاصاً من العبادة هو استقامة؟ هناك نوع خاص من العبادة هو الاستقامة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] أي: لا تستقم كما يحلو لك، كثير من الذين يبتدعون في دين الله إذا أعجبتهم عبادة أدخلوها في الدين، وقالوا: هذه بدعة حسنة، هل يكون هناك في دين الله بدعة حسنة، والرسول ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)؟ أين البدعة الحسنة من قول الرسول ﷺ : (كل بدعة ضلالة)؟ (كل) من ألفاظ العموم، فليس في الإسلام بدعة حسنة أبداً.
ويستدل بعضهم بقول عمر ﵁ لما أعاد صلاة التراويح (نعمت البدعة) فظنوا أن هذه بدعة حسنة، وعمر ما أتى ببدعة جديدة، وإنما أحيا سنة رسول الله ﷺ في صلاة التراويح التي تركها الرسول ﷺ فقط خشية أن تكتب على الأمة؛ لأن فعل الرسول ﷺ يعتبر تشريعاً لهذه الأمة.
أما ما يفعله الناس اليوم من العبادات التي لا أصل لها في دين الله، فهي تتعدى الكفر بالله .
أنا متأكد أنه لو بعث الرسول ﷺ اليوم في العالم لقطع رءوس هؤلاء القوم الذين يبتدعون في دين الله، ويحدثون عبادات ما شرعها الله، ويطوفون بالأضرحة والقبور ويسألونها الحاجات، ولقاتلهم قبل أن يقاتل الشيوعيين الذين يقولون: لا إله والحياة مادة؛ لأن هؤلاء الذين يعبدون الله على غير بصيرة ينافسون الله في سلطانه، ويريدون أن يكونوا مشرعين هم أنفسهم، ويضلون الناس من حيث لا يشعر الناس، ولذلك إذا ألقي أهل النار في النار يقولون لدعاة الضلال: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] أي: ما جئتمونا عن طريق الزنا والسرقة وشرب الخمر، وإنما جئتمونا عن طريق الطاعة، قلتم لنا: هذه بدعة حسنة هذا دين الله هذا شرع الله فاتبعناكم.
ولذلك كان هذا أخطر ما يدخل الناس النار، وهو أعظم عند الله من المعاصي الكبائر، وإن كان أصحابها يعتبرون من العباد النساك، ولربما وجد من العلماء من يشجعون على بناء الأضرحة والقبور، والذهاب إليها وسؤالها، وهؤلاء الصالحون ترجى شفاعتهم كما كان المشركون الأولون يقولون في عهد رسول الله ﷺ : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
أيها الإخوة! إنه في هذا العصر الذي استيقظت فيه العقلية البشرية، وتطورت فيه عقلية الإنسان، وظن بعض الناس أن الخرافات سوف تنتهي؛ تقول الإحصائيات: إنه يوجد في العالم الإسلامي عشرون ألف ضريح يعبد من دون الله، ويحج لها الناس من بلاد بعيدة، ولو جئت إلى بعض المواقع يقول لك: لا تطف إلا شوطاً واحداً، الكعبة سبعة أشواط، لكن هنا شوط واحد لأن الزحام شديد، لا يسمح لأي واحد، إلا بشوط واحد إلا إذا استعمل الحيلة مثل أن يخرج ويرجع ليأتي بشوط آخر.
стр. 809
الابتداع في الدين اتهام له بالنقصان
أين دين الله الذي يقول الله عن نفسه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]؟ أين هذا الإكمال عند هؤلاء مع هذا الواقع؟ نقول: نعم، الله تعالى أكمل هذا الدين، لكن هؤلاء ما فهموا معنى إكمال هذا الدين، فوضعوا أنفسهم مشرعين كما يشرع الله ، فيأتون بعبادات، ويصرفون الناس عن المنهج الصحيح، ولعل هؤلاء هم السبب في وجود هذه الأشياء من شياطين الإنس الذين جاءوا فاجتالوا بني آدم عن الفطرة.
أكثر ما وصلت إليه الوثنية في آخر يوم من أيامها يوم فتحت مكة، أن كان لها ستون وثلاثمائة وثن تعبد من دون الله، والآن يقولون: بلغت عشرين ألف ضريح وهذه الإحصائية قبل عشر سنوات.
إذاً: يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، ليس معناه: استقم كما يحلو لك أو كما يبدو لك، ليس هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، فإن كل بدعة ضلالة، ولذلك يجب أن يحقق الإنسان معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يعبد إلا الله، ويحقق شهادة أن محمداً رسول الله، فلا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله ﷺ ، وإن انحرف يميناً أو شمالاً عن هاتين الشهادتين فهو الكفر والشرك بالله .
стр. 810
لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً صواباً
يشترط الله تعالى في صحة العمل شرطين اثنين لا بد منهما: أن يكون العمل خالصاً لله، وأن يكون صواباً على المنهج الذي جاء به محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] هذا الشرط الأول، وهو معنى لا إله إلا الله.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] يعني: صواباً كما جاء به محمد ﷺ من عند الله ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: يحقق معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
إذاً: أيها الإخوة! يقول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) أي: أنت مضبوط بمنهج مرسوم لك، لا تعبد الله كما يحلو لك، ولا تستقم كما يحلو لك من الاستقامة، فأنت مضبوط ومربوط بمنهج، ولا تسمى الاستقامة استقامة إلا إذا كانت على هذا المنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله.
أحذر إخواننا الذين يأتوننا من خارج هذه البلاد أن يميلوا إلى هذا النوع من البشر الذين أحدثوا في دين الله، أو يذهبوا إلى الأضرحة والقبور ويسألونها الحاجات من دون الله، فإنه لا يقضي الحاجة إلا الله .
وأدعوهم إلى أن يأخذوا على أيدي هؤلاء الناس إلى المنهج الصحيح الذي جاء به محمد ﷺ ، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، ولو جعلنا هذا الدين مطاطاً كلما أعجبتنا عبادة أدخلناها في دين الله لما وقف هذا الدين عند حد، ولما تحقق قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وبمقدار ما يدخل من البدع في دين الله تخرج السنن حتى لا تبقى سنة، ويكون الأمر كله بدعة.
следующие страницы →