← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

جزاء الاستقامة في الآخرة الاستقامة في الآخرة لها جزاء أيضاً عند الله، وأفضل جزاء الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣ - ١٤] لأنهم استقاموا على دين الله؛ ولذلك نفهم معنى قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]. إذاً: هذه الاستقامة يحتاج المسلم دائماً وأبداً إليها، فهو دائماً يسأل الله الثبات عليها، ويحاول دائماً أن يبتعد عن مواطن الفتن التي ربما تغريه أو تصرفه عن منهج الاستقامة، فتكون الخسارة العظيمة في الدنيا والآخرة.

стр. 807

من معاني الاستقامة ترك الابتداع وهذه الاستقامة أيضاً ليست راجعة إلى اختيار الإنسان وذوقه، فبعض الناس يظن أن معنى الاستقامة أن تتجه إلى دين الله ولو على غير بصيرة، فعندما تجد قوماً يعبدون الله على غير بصيرة تعجب وتقول: كيف أن هذه العبادة تصرف في غير مصارفها، والله إن هناك أناساً يعيشون كل ليلة في عبادة لكنها غير مقبولة عند الله لأنها انحراف، كما يفعل غلاة الصوفية وأصحاب الأضرحة والقبور!

стр. 808

انتشار البدع والشركيات في بلاد المسلمين سافر يا أخي إلى كثير من بلاد المسلمين تر الأضرحة والعبادات التي تشبه العبادة لكنها بعيدة عن المنهج الصحيح، ولا تزيد الإنسان من ربه إلا بعداً نسأل الله العافية والسلامة، بكاء حول الأضرحة طواف تضرع خشوع سجود ركوع لغير الله قرابين تذبح لغير الله عبادات لكنها على غير بصيرة، هل مطلق العبادة يعتبر استقامة، أم أن هناك نوعاً خاصاً من العبادة هو استقامة؟ هناك نوع خاص من العبادة هو الاستقامة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] أي: لا تستقم كما يحلو لك، كثير من الذين يبتدعون في دين الله إذا أعجبتهم عبادة أدخلوها في الدين، وقالوا: هذه بدعة حسنة، هل يكون هناك في دين الله بدعة حسنة، والرسول ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)؟ أين البدعة الحسنة من قول الرسول ﷺ : (كل بدعة ضلالة)؟ (كل) من ألفاظ العموم، فليس في الإسلام بدعة حسنة أبداً. ويستدل بعضهم بقول عمر ﵁ لما أعاد صلاة التراويح (نعمت البدعة) فظنوا أن هذه بدعة حسنة، وعمر ما أتى ببدعة جديدة، وإنما أحيا سنة رسول الله ﷺ في صلاة التراويح التي تركها الرسول ﷺ فقط خشية أن تكتب على الأمة؛ لأن فعل الرسول ﷺ يعتبر تشريعاً لهذه الأمة. أما ما يفعله الناس اليوم من العبادات التي لا أصل لها في دين الله، فهي تتعدى الكفر بالله . أنا متأكد أنه لو بعث الرسول ﷺ اليوم في العالم لقطع رءوس هؤلاء القوم الذين يبتدعون في دين الله، ويحدثون عبادات ما شرعها الله، ويطوفون بالأضرحة والقبور ويسألونها الحاجات، ولقاتلهم قبل أن يقاتل الشيوعيين الذين يقولون: لا إله والحياة مادة؛ لأن هؤلاء الذين يعبدون الله على غير بصيرة ينافسون الله في سلطانه، ويريدون أن يكونوا مشرعين هم أنفسهم، ويضلون الناس من حيث لا يشعر الناس، ولذلك إذا ألقي أهل النار في النار يقولون لدعاة الضلال: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] أي: ما جئتمونا عن طريق الزنا والسرقة وشرب الخمر، وإنما جئتمونا عن طريق الطاعة، قلتم لنا: هذه بدعة حسنة هذا دين الله هذا شرع الله فاتبعناكم. ولذلك كان هذا أخطر ما يدخل الناس النار، وهو أعظم عند الله من المعاصي الكبائر، وإن كان أصحابها يعتبرون من العباد النساك، ولربما وجد من العلماء من يشجعون على بناء الأضرحة والقبور، والذهاب إليها وسؤالها، وهؤلاء الصالحون ترجى شفاعتهم كما كان المشركون الأولون يقولون في عهد رسول الله ﷺ : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. أيها الإخوة! إنه في هذا العصر الذي استيقظت فيه العقلية البشرية، وتطورت فيه عقلية الإنسان، وظن بعض الناس أن الخرافات سوف تنتهي؛ تقول الإحصائيات: إنه يوجد في العالم الإسلامي عشرون ألف ضريح يعبد من دون الله، ويحج لها الناس من بلاد بعيدة، ولو جئت إلى بعض المواقع يقول لك: لا تطف إلا شوطاً واحداً، الكعبة سبعة أشواط، لكن هنا شوط واحد لأن الزحام شديد، لا يسمح لأي واحد، إلا بشوط واحد إلا إذا استعمل الحيلة مثل أن يخرج ويرجع ليأتي بشوط آخر.

стр. 809

الابتداع في الدين اتهام له بالنقصان أين دين الله الذي يقول الله عن نفسه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]؟ أين هذا الإكمال عند هؤلاء مع هذا الواقع؟ نقول: نعم، الله تعالى أكمل هذا الدين، لكن هؤلاء ما فهموا معنى إكمال هذا الدين، فوضعوا أنفسهم مشرعين كما يشرع الله ، فيأتون بعبادات، ويصرفون الناس عن المنهج الصحيح، ولعل هؤلاء هم السبب في وجود هذه الأشياء من شياطين الإنس الذين جاءوا فاجتالوا بني آدم عن الفطرة. أكثر ما وصلت إليه الوثنية في آخر يوم من أيامها يوم فتحت مكة، أن كان لها ستون وثلاثمائة وثن تعبد من دون الله، والآن يقولون: بلغت عشرين ألف ضريح وهذه الإحصائية قبل عشر سنوات. إذاً: يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، ليس معناه: استقم كما يحلو لك أو كما يبدو لك، ليس هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة، فإن كل بدعة ضلالة، ولذلك يجب أن يحقق الإنسان معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يعبد إلا الله، ويحقق شهادة أن محمداً رسول الله، فلا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله ﷺ ، وإن انحرف يميناً أو شمالاً عن هاتين الشهادتين فهو الكفر والشرك بالله .

стр. 810

لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً صواباً يشترط الله تعالى في صحة العمل شرطين اثنين لا بد منهما: أن يكون العمل خالصاً لله، وأن يكون صواباً على المنهج الذي جاء به محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] هذا الشرط الأول، وهو معنى لا إله إلا الله. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] يعني: صواباً كما جاء به محمد ﷺ من عند الله ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: يحقق معنى شهادة أن لا إله إلا الله. إذاً: أيها الإخوة! يقول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) أي: أنت مضبوط بمنهج مرسوم لك، لا تعبد الله كما يحلو لك، ولا تستقم كما يحلو لك من الاستقامة، فأنت مضبوط ومربوط بمنهج، ولا تسمى الاستقامة استقامة إلا إذا كانت على هذا المنهج الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله. أحذر إخواننا الذين يأتوننا من خارج هذه البلاد أن يميلوا إلى هذا النوع من البشر الذين أحدثوا في دين الله، أو يذهبوا إلى الأضرحة والقبور ويسألونها الحاجات من دون الله، فإنه لا يقضي الحاجة إلا الله . وأدعوهم إلى أن يأخذوا على أيدي هؤلاء الناس إلى المنهج الصحيح الذي جاء به محمد ﷺ ، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، ولو جعلنا هذا الدين مطاطاً كلما أعجبتنا عبادة أدخلناها في دين الله لما وقف هذا الدين عند حد، ولما تحقق قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. وبمقدار ما يدخل من البدع في دين الله تخرج السنن حتى لا تبقى سنة، ويكون الأمر كله بدعة.

стр. 811

من معاني الاستقامة التوسط في الأمور ثم إن الاستقامة لها معنىً آخر: وهو التوسط في الأمور: لأن الاستقامة معناها أن يكون الأمر مستقيماً بين طرفي نقيض، ومن فضول القول أن نتحدث عما يسمى بالتطرف في أيامنا الحاضرة، أنا والله حينما أتحدث عن تطرف لا أجد مجالاً للحديث، لكن ربما نومئ إليه إيماءً. فمعنى التطرف المبالغة في الدين، هذه قد توجد نادراً لكن لا كما يصورها الناس في أيامنا الحاضرة، ففي أيامنا الحاضرة كلما رأى الناس شخصاً يتمسك بهذا الدين، ويخرج عن الأوضاع المألوفة التي ألفها الناس مدة طويلة في أيام الركود التي مضت بنا، يسمون ما يحدث بالتطرف، والحقيقة أن هذا ليس تطرفاً، هذا هو الدين، لكن لما نسي الناس وغفلوا عن هذا الأمر مدة من الزمن ظنوا أن من اتجه هذا الاتجاه يعتبر متطرفاً، وإلا في الحقيقة هذا هو الدين. ولربما يطعنون في المتدينين فيسمونهم المتطرفين أو الأصوليين أو ما أشبه ذلك، وهؤلاء هم المتدينون الذين ساروا على المنهج الصحيح، لكن ربما أن الناس جهلوا جانباً من جوانب هذا الدين أو تناسوه أو نسوه مدة طويلة من الزمن، وهي مدة الركود التي مرت بنا، فظنوا أن ما حدث تطرفاً، لكن لا يمنع أن يكون هناك تشدد في الدين، وهذا التشدد يقابل من الجانب الآخر التساهل؛ ولذلك يقول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ) أي: فإن دين الإسلام وسط بين طرفي نقيض، فلا هو بالطرف الشديد من جهة اليمين، ولا بالطرف الشديد من جهة اليسار ولكنه وسط؛ ولذلك يحذر الله المسلمين أن يزيدوا في هذا الدين، كما يحذرهم أن ينقصوا من هذا الدين، ولكن النقص في هذا الدين أسهل من الزيادة؛ لأن النقص في هذا الدين يعتبر معصية، والزيادة في هذا الدين تعتبر تشريعاً، فهذا الزائد في الدين يعتبر نفسه مشرعاً يضع نفسه في درجة الخالق ؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٨٧] فقدم تحريم الطيبات على الاعتداء الذي هو الجرأة على المحرمات، فالأول أشد، والثاني أيضاً شديد. ولذلك نجد أن دين الإسلام دين وسط بين طرفين، فمثلاً: حينما تقدس الصوفية الروح وتهمل الجسد، نجد بجانبها من الطرف الآخر الشيوعية الملحدة التي تهمل الروح وتقدس الجسد. والإسلام يعطي لكل من الجسد والروح حقه، فلا يسمح للإنسان أن يرهق هذا الجسد حتى ولو في طاعة الله تعالى، ولا يسمح له أن يتساهل في أوامر الله، فلا هو بالصوفية الموغلة التي تهتم بالروح دون الجسد، ولا هو بالشيوعية الملحدة المادية التي تهمل الروح وتقدس الجسد. والإسلام لا يذيب الفرد في سبيل الجماعة، ولا الجماعة في سبيل الفرد، فيعتبر للجماعة حقاً، وللفرد حقاً، فالإسلام في الأنظمة الاقتصادية لا هو بالرأسمالية في معناها العصري والاصطلاحي التي تأخذ المال من أي طريق وبأي حال ولا تعتبر في المال حقاً، ولا هو بالاشتراكية الخبيثة الملحدة التي تأخذ أموال الناس وتبتزها، ولكنه وسط، فهو يثبت الملكية الفردية للإنسان، ويضع لها قيوداً سواء كان في مصادرها أو مواردها. وهكذا تجد أن الإسلام وسط بين طرفي نقيض، فهو مستقيم بين طريقين منحرفين؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] وبالرغم من أن (وسط) معناه: عدول وثقات، وهي كذلك تعطينا المعنى الآخر، فهو وسط بين طرفي نقيض. إذاً: هذا هو معنى قوله تعالى: (كَمَا أُمِرْتَ) فلا يظنن أحد أن باب الاستقامة مفتوح للزيادة، ولذلك نجد أن الله تعالى يحرم عبادات حتى لا يزيد الإنسان في العبادات، فمثلا: ً نأتي في أمر الصلاة، فلو أن واحداً زاد صلاة سادسة، قلنا: أنت كفرت بالله ، ولو جعل الصلوات أربعاً قلنا أيضاً: كفرت بالله تعالى. ومثله في الصيام: حرم الرسول ﷺ صيام يوم الشك، وجاء في الحديث: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ويوم الشك هو آخر يوم من شعبان. لماذا حرم الرسول ﷺ صوم يوم الشك؟ حتى لا يدخل الناس في العبادات زيادة ليست منها، وحرم صوم يوم عيد الفطر حتى لا يزاد في هذه العبادة من آخرها. وأمر ﷺ بتأخير السحور حتى لا نأخذ من الليل زيادة للنهار، وأمر بتعجيل الفطر حتى لا نأخذ من الجانب الآخر من الليل زيادة.

стр. 812

مقومات الاستقامة وهكذا نجد أن الإسلام يقيد الناس بأوامر حتى لا يزيدوا؛ لأن الزيادة أخطر في هذا الدين من النقص، وهكذا كل العبادات تجدونها بهذا الشكل، إلا ما يفعله الإنسان تطوعاً بشرط ألا يضعه كعبادة واجبة.

стр. 813

ترك الطغيان قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢]: الطغيان وهو أول عامل من عوامل عدم الاستقامة، لأن الطغيان مجاوزة الحد، وقلت لكم إن الزيادة في العبادة تعتبر طغياناً؛ ولذلك جاء ثلاثة نفر ذات يوم إلى بيت من بيوت رسول الله ﷺ ، فسألوا عن عمله في السر، فأخبرتهم إحدى زوجاته ﷺ بعمله في السر، فتقالوا هذا العمل، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد وقال الثاني: أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء. فعلم الرسول ﷺ بما فعله هؤلاء؛ فخاف أن يكون ذلك حدثاً في دين الله، وخاف أن يحدث الناس تشريعاً لم يشرعه الله ، ولا رسوله ﷺ ، فغضب غضباً لم يغضب مثله أبداً، وصعد المنبر وقال: (أما بعد: فإني أتقاكم لله، وإني لأصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فالطغيان حتى في العبادة لا يجوز؛ ولذلك فإن الطغيان بكل أنواعه خطير جداً، طغيان المادة يفسد الأمم، والتكبر في الأرض يفسد أصحابه؛ ولذلك أخبر الله تعالى بأنه أخذ الأمم حينما طغوا في البلاد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤]. يقول الله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) أي: فلينتبه كل من طغى، وهذه الآية تعطينا معنىً جديداً خالداً إلى يوم القيامة أن كل من طغى، وتجاوز الحد، وركب محارم الله، وتعدى على خلق الله، واستذل من أعزه الله، وحاول أن يذل المؤمنين، وحاول أن يظهر مظهر الكبرياء والخيلاء والعظمة التي لا تكون إلا لله، فإن الله له بالمرصاد. ولذلك نقرأ في أخبار الأمم السابقة في القرآن: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]. ثم نقرأ بعد ذلك قصة الطاغية الجبار العنيد الذي كان يستذل الأمم ويقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ويزيد في طغيانه وتكبره على الله فيقول: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص:٣٨]؛ لأنه يؤمن في قرارة نفسه بأن الله تعالى موجود، وأن الله هو الرب الحقيقي قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] هذا الطغيان! (طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) فأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر. وإذا لم يأخذ الإنسان عظة وعبرة من الأمم السابقة فعليه أن ينظر في أمم طغت في أيامنا الحاضرة، أو في عصرنا الحديث أو قبل سنين، فماذا فعل الله تعالى بالمسلمين في الأندلس؟ أصبحوا خبراً بعد عين. ماذا فعل الله تعالى بلبنان؟ ماذا حدث في أمم عشناها نحن؟ بمقدار ما ركبوا من محارم الله، وبمقدار ما اشتدوا على خلق الله، عاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، وليس هناك ذنب أعظم وأحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا قبل الآخرة من الظلم في الأرض، فإن الظلم يعجل الله عقوبته في الدنيا قبل الآخرة. فالذين يظلمون الشعوب ويتعدون على محارمهم، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، هؤلاء قد يعاجلهم الله بعقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وكم سقطت من أمة، وكم درج في هذا التاريخ الطويل عبر هذه الحياة الطويلة من الأمم فصار خبراً بعد عين! أيها الإخوة! قال تعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] يعني: يدرك أموراً لا يدركها الناس.

стр. 814

ترك الركون إلى الكفار ثم العنصر الثاني من مقومات الاستقامة: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]: والركون إلى الكافرين هو الميل بحيث تتخذ الكافر ركناً تعتمد عليه بدل أن تعتمد على المسلمين بعد الله . والمسلم لا يركن إلى أعدائه ولا يميل، حتى إن الرسول ﷺ لامه الله لما فكر أن يميل شيئاً قليلاً، وأن يركن شيئاً قليلاً إلى الكافرين، يقول الله : ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]. والرسول ﷺ وهو يفكر أن يركن قليلاً لمصلحة الإسلام وللدعوة؛ لعله أن يكسب القوم ليستقيموا على دين الله، ومع ذلك يقول الله تعالى: لو فعلت ذلك يا محمد وأنت خير البرية (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) فركون المسلمين إلى الكافرين واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين أمر عظيم، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]. مودة الكافرين أمر عظيم عند الله ولو كانوا أقرب الناس منا، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المجادلة:٢٢]. أيها الإخوة! إن الميل إلى الكافرين سواء كان بمحبة أو اعتماد عليهم من دون الله ، أو موادة، أو ابتسامة في وجوه الكافرين حرام، حتى السلام يقول الرسول ﷺ : (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام) ولا نفسح لهم المجال في بلاد المسلمين بحيث يرفعون رءوسهم والمسلمون يخفضون رءوسهم، قال ﷺ (وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه). وليس معنى ذلك أن نؤذي الكافرين المعاهدين، بل علينا ألا نتركهم يرفعون رءوسهم في بلاد المسلمين بحيث يخفض المسلمون رءوسهم أمام هؤلاء الكافرين. قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي: تصيبكم، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣].

стр. 815

إقامة الصلاة العنصر الثالث من مقومات الاستقامة قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]: الصلاة أفضل العبادات، ليس هناك عبادة شرعت فوق السماء إلا الصلاة، وسائر تشريعات الإسلام كلها نزل بها الروح الأمين على محمد ﷺ إلى الأرض، إلا الصلاة لما أراد الله تعالى أن يفرضها صعد بنبينا محمد ﷺ فوق السماء؛ ولذلك فإن تركها ردة، ولا يحافظ عليها إلا مؤمن، ولا يتخلف عنها في المسجد غالباً إلا منافق معلوم النفاق، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين -لأنه لا يستطيع المشي- حتى يقام في الصف). ولذلك فإن الصلاة أعظم شريعة، ولا يرتد المسلم بترك عبادة من العبادات إلا الصلاة. قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ) صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر، (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) المغرب والعشاء (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) يعني: هذه الصلوات تكفر الذنوب التي تفعل فيما بينها إذا كانت من الصغائر، أما إذا كانت من الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة خاصة. ولذلك فإن سبب نزول هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، أنه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني قبلت امرأة، فقال له: اجلس، فجلس الرجل، وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] قال: يا رسول الله! ألي خاصة أم لجميع الأمة، قال: بل لجميع أمتي) فالصغائر تكفرها الصلوات الخمس. لذلك فالصلاة أمرها عظيم، وقد شبهها الرسول ﷺ بنهر غمر جار في باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ لا يبقى من درنه شيء الصلاة تطهر المجتمع من الفساد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 816

لزوم الصبر يقول الله تعالى عن الأمر الرابع: كم من الناس من هو في خير لكن طال عليه الأمد فقسا قلبه نسأل الله العافية والسلامة، ولذلك فإن المسلم مطالب بالصبر بكل أنواعه: صبر على طاعة الله، وصبر عن معاصي الله، وصبر على أقدار الله. وهذه الثلاثة الأنواع من الصبر كلها يحتاج إليها المؤمن في حياته، فيصبر نفسه على طاعة الله، لما يوجد في طاعة الله من المشقة. ويصبر عن معصية الله؛ لما في معصية الله من الشهوة. ويصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لما في أقدار الله من الأذى والتعب، الذي قد لا يستطيع الإنسان أن يتحمله. وطريق الجنة -كما نعرف- محفوف بالمكاره، كما أن طريق النار محفوف بالشهوات، قال ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) وفي الحديث: (إن الله حينما خلق الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب جبريل إلى الجنة، فوجدها جنات تجري من تحتها الأنهار، رجع فقال: وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر الله بها فحفت بالمكاره) فصلاة الفجر تأمر المسلم بأن يقوم في ساعة لذة النوم التي ينام عنها كثير من المسلمين اليوم، والتهجد والصيام فيه مشقة، وكذلك غيره من العبادات، الجهاد في سبيل الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك فيه شيء من المشقة. (ثم خلق الله النار فقال لجبريل: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فلما جاءها يأكل بعضها البعض -نسأل الله العافية والسلامة- رجع وقال: وعزتك وجلالك لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر الله بها فحفت بالشهوات) المحرمات اللذيذة، النوم عن الصلوات المكتوبة البخل بالزكاة التمتع بالمال فيما حرم الله الزنا وما فيه من لذة ومتعة السرقة إلى غير ذلك من الشهوات التي تميل إليها فطرة كثير من الناس. (فلما رآها قد حفت بالشهوات رجع وقال: وعزتك وجلالك خشيت ألا ينجو منها أحد)، نسأل الله العافية والسلامة. فالله تعالى هنا يقول: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٥] والإحسان معناه: إتقان العمل، ومراقبة الله ، وهذا الأمر لربما تعجز عنه النفوس الصغار التي لا تشتاق إلى الجنة وإلى لقاء الله ، لكن النفوس الكبار التي تعشق هذا النعيم لا تبالي في طريق الجنة بأي مكروه من هذه المكاره. ولذلك يقول الرسول ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة).

стр. 817

النهي عن الفساد في الأرض يقول الله تعالى عن آخر مقومات الاستقامة: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ [هود:١١٦]: أهم عوامل الاستقامة النهي عن الفساد في الأرض، وأهم عناصر بقاء الاستقامة في الأرض أن ينهى عن الفساد في الأرض، ومن الذي ينهى عن الفساد في الأرض؟ الأمة الإسلامية كلها، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] الفساد إذا حل في الأرض تفسد حياة الدنيا كلها، وربما ينزل الله عقوبة تكتسح هذا العالم، كما أهلك عاداً وثمود وأصحاب الأيكة إلى غير ذلك من الأمم. ووجود الفساد في الأرض سراً ربما يكون أمره سهلاً، لكن انتشار الفساد في الأرض، وانكشاف الفساد في الأرض علناً في وضح النهار ينظر إليه المسلمون بأعينهم، ويسمعونه بآذانهم، ويعيشونه حياة طويلة من الزمن، ولا يرفعون بذلك رأساً أمر خطير جداً، فالله يغار على محارمه كما يغار أي شخص منا على محارم نفسه، بل إن الله تعالى لا يشبهه في غيرته أحد من خلقه، والله تعالى له محارم، ومحارم الله: ما حذر الله وما نهى عنه ، فإذا فعل أصحاب المنكر المنكر في وضح النهار، وسكت العلماء وسكت العامة، وكل تخلى عن هذه المسئولية، حلت المصيبة بالأمة الإسلامية ولذلك مثل الرسول ﷺ الحياة كلها بسفينة واحدة يسكن فيها الصالحون والفسقة والطغاة والكفار والمؤمنون، وكل أنواع البشر. لكن هذه السفينة إما أن تبقى يحافظ عليها الجميع فتسلم هذه السفينة، وإما أن يعبث بها الجرذان وضعاف الإيمان، وشذاذ البشر، فلا بد حينئذ أن يكون في السفينة من يحافظون عليها من الغرق، فإن تركوا أوباش البشر يلعبون بالسفينة ويخرقونها ولو كان للمصلحة حسب ما يعتقدون، ليستقوا الماء من عندهم حتى لا يضطروا إلى أن يؤذوا من فوقهم بحسن نية، أو بسوء نية؛ غرقت السفينة وفيها الصالحون والفاسدون. ولذلك نصيحتي أيها الإخوة أن نحافظ على هذه السفينة، وأن نناصح المسئولين ونقول لهم: اتقوا الله، وعلى المسئولين أن يقبلوا كلمة (اتقوا الله)؛ لأن الوعيد جاء من عند الله لمن لم يقبل كلمة: اتق الله. وعلينا ألا نغفل عن قولنا لهم: اتقوا الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلينا أن نحافظ على أنفسنا حتى لا تخرق السفينة داخل بيوتنا، وعلينا أن نحافظ على السفينة حتى لا تخرق في أسواقنا، فتغرق هذه الحياة كلها فيحدث أمر لا يطاق؛ ولذلك فإن الله يقول: (فَلَوْلا) أي: فهلا (كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: علمتم أن من قبلكم من القرون كان فيهم من لا ينهى عن الفساد في الأرض، فهل ستكونون مثلهم يا أمة الإسلام لا تنهون عن الفساد في الأرض؟! وهذ استفهام إنكاري مشدد من عند الله . ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦] أي نجاة لا تكون إلا للذين ينهون عن الفساد في الأرض، فانهوا يا إخوتي في الله عن الفساد في الأرض. أسأل الله أن يثبت أقدام الجميع على الاستقامة على دين الله، وأن يحفظنا وإياكم بالإسلام قائمين وقاعدين ونائمين، كما أسأله أن يهدي ولاة أمر هذا البلد، وأن يجعلهم من الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]. كما أسأله أن يهدي ولاة أمر المسلمين والمسلمين كافة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 818

معاصٍ وعقوبات ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، وما حل اليوم بالمسلمين من مصائب وشدائد إنما هو بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، والله قد ينزل بعض العقوبة في الدنيا؛ لكي يرتدع العاصي، وينزجر المذنب، فيرجع إلى الله ، فإن لم يرجع فإن عذاب الآخرة أشد وأبقى. وقد ذكر النبي ﷺ كثيراً من العلامات التي تنذر بقرب وقوع الهلاك، ونزول العذاب، وما أكثرها في هذه الأيام!

стр. 819

استمرار الصراع بين الحق والباطل سنة كونية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله ومن دعا بدعوته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! قبل أن نتحدث عن المعاصي وآثارها في الأمم وما تسببه من غضب الله وأليم عقابه نقول: منذ أن خلق الله البشرية والصراع قائم وموجود بين الخير والشر، كما قال : ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، وهذا الصراع سيبقى ما بقيت الحياة الدنيا، كما قال ﷺ : (ولا تزال طائفة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله)، وفي هذا الصراع جند لله وجند للشيطان، والله تعالى أمرنا بأن نقاتل أولياء الشيطان فقال لنا: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦]، وفي غضون هذا الصراع يظهر الحق أحياناً، ويختفي بعض الأحيان، ولكنها سنة الله القائل: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]، أي: هل تتحملون هذه الفتنة؟ وهذا الصراع يتأثر بنوعية الذين يتحملون المسئولية من قبل الله ، والذين يقومون بالدور الذي كلفهم الله به في هذه الحياة؛ ليكونوا من أولياء الله وجنده. ثم جرت حكمة الله أن يفتن هؤلاء الناس بعضهم ببعض، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب، فوقف من وقف في وجه هذه الدعوة، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، إلا أن سنة الله تعالى في هذه الأمة ألا يعاقبها دفعة واحدة، من أجل أن تنقل الرسالة جيلاً بعد جيل وأمة إثر أمة؛ لأنها آخر أمة؛ ولأن رسالتها آخر الرسالات. ومن هذا المنطلق فإن سنة الله تعالى في هذه الأمة ألا يهلكها بسنة عامة، ولكن ذلك لا يعني أن هذه الأمة حينما تتمادى في غيها وضلالها أنها لا تؤاخذ، ولكنها لا تهلك جميعاً، وهذا الذي أقوله عليه أدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فكم جرى على هذه الأرض من الأمم التي عصت الله فعاقبها! وكم من حضارة سادت ثم بادت حينما انحرفت عن المنهج الصحيح، وكم من أمة أُخذت أخذ عزيز مقتدر! كل ذلك بسبب سيئاتها، وهذه دروس لنا، والله تعالى قد قال لنا نحن أمة الإسلام: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم:٤٢]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦]، كل ذلك يجب أن نفهمه، حتى لا نقع في سخط الله ، وهذه الأمة يحذرها رسول الله ﷺ مبيناً أنواعاً من المعاصي تسبب عقوبات كاسحة مهلكة تستأصل أمماً كثيرة، ولكن الله لا يظلم مثقال ذرة.

стр. 820

ذكر بعض الأمور التي إذا ظهرت في الأمة فقد قرب منها العقاب ونقف مع حديث عن رسول الله ﷺ -وإن كان فيه شيء من الضعف، لكن له أحاديث تقويه وله أدلة من الواقع- يقول الرسول ﷺ : (إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين، وظهرت الأصوات في المساجد، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وأدنى صديقه وجفا أباه، واتخذت القينات والمعازف، وشربت الخمور، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وأكرم الرجل اتقاء شره، فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء، وزلزلة ومسخاً وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع). والمراد بالنظام: المسبحة، يعني: كمسبحة قطع سلكها، فأصبحت تذهب حبة بعد حبة، أي: أن العقاب يتبع بعضه بعضاً، كما لو قطعت مسبحة، فهذه معاصٍ وهذه عقوباتها، قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:٤٥]. وأمتنا أظنها قد ابتليت بكل هذه الأمور، فأصبحت على خطر، وأصبح ما يصيبها من نكبات وعقوبات وتشريد في الأرض وتسليط السفهاء وما أشبه ذلك، كل ذلك مصداق لقول رسول الله ﷺ : (وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع).

стр. 821

اتخاذ الفيء دولاً وقوله: (إذا اتخذ الفيء دولاً): الفيء: ما يأخذه المقاتلون بدون قتال، كما قال : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر:٦]، وهو يشبه الغنيمة، لكنه بدون قتال، وهذا الفيء يعتبر مصدراً من مصادر بيت مال المسلمين، وقد يطلق الفيء على بيت مال المسلمين؛ لأن الفيء كل مال يُحصل عليه، والفيء لا يستحقه الناس كالغنيمة، وإنما يقسم كما قسمه الله بقوله: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧]. وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن معنى الحديث: إذا اتخذ بيت المال دولاً، وأصبح بيت مال المسلمين ليس منضبط المصارف، وصار ألعوبة في أيدي الناس، إذا وصل الأمر إلى هذا الحد فالأمر خطير، ولذلك يقول الرسول ﷺ في حديث آخر: (إن رجالاً يخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة)، فالمال مال الله، وهو محترم، وكما أنه تُحترم موارده تحترم أيضاً مصارفه، ولذلك فإن بيت مال المسلمين إذا أصبح ألعوبة بأيدي العابثين لا يرعون فيه إلاً ولا ذمة فهذا يعتبر بداية من بدايات العقاب من الله .

стр. 822

اتخاذ الأمانة مغنماً وقوله: (والأمانة مغنماً): أي: أن كل أمين على أمر من أمور المسلمين أو على مال من أموال المسلمين يعتبر هذا الأمر غنيمة، ويعتبر ذلك فرصة بيده يستغله حسب مصلحته وحسب رغبته، وهذه هي الأمانة التي أشار الله إليها بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ َالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]. إذاً: هذه الأمانة سواء كانت أمانة المال تودع عند واحد من الناس فيخون هذه الأمانة، أو كانت أمانة التكليف التي كلف الله بها هذا العالم، أو كانت أمانة الذرية التي هي أمانة كبيرة ويخونها كثير من الناس، أو أمانة المسئولية، أو أمانة رعاية أمر المسلمين؛ بحيث لا يؤدي هذا الراعي حق هذه الرعية؛ وإنما اتخذ الأمانة مغنماً واعتبرها غنيمة لنفسه، واستغلها حسب رغبته، وتمتع بها، وبدل أن يعتبرها مسئولية كبيرة يتحملها على مضض اعتبرها فرصة سانحة يستغلها حسب رغبته، ولذلك قال الرسول ﷺ في حديث متفق على صحته: (إذا اوسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). وقال علماء الحديث: إن معنى (وسد الأمر) أي: اعتبر ولي الأمر أمر المسلمين كالوسادة يعتمد عليه، ويتمتع به، بدل أن يشعر بأنه مسئولية كبيرة. ولقد كان سلفنا الصالح ﵃ إذا ولي أحدهم أمراً من الأمور يعتبرها مسئولية كبيرة، فيخاف من حمل هذه، حتى كان يقول أحدهم: (ولست بخير من أحدكم، ولكني أثقلكم حملاً)، فكانوا يعتبرونها حملاً، وصار الناس في أيامنا الحاضرة يعتبرونها مغنماً، وهذا المغنم مسئولية عظيمة يسأل عنها الإنسان يوم القيامة إذا وقف بين يدي الله ، فيجب عليه أن يؤدي حق هذه الرعية، ويؤدي حق هذه الأمانة، ويقوم بما أوجب الله عليه من مسئولية هذا التكليف. فهي حمل ثقيل لا يشعر بهذا الحمل ولا يدركه إلا عقلاء الرجال، أما سفهاء الناس فيعتبرون هذه الأمانة مغنماً، فيستغلونها لرغباتهم وشهواتهم ومصالحهم، وربما يستغلونها لظلمهم إن كانوا ممن اشتهر بالظلم والطغيان في الأرض، أما الحقيقة فإن الأمانة ليست مغنماً، ولكنها حمل ثقيل، وهذا الحمل لا يشعر به إلا المؤمنون، قال : ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، أي: خفن ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].

стр. 823

اتخاذ الزكاة مغرماً وقوله: (والزكاة مغرماً): الزكاة أحد أركان الإسلام، بل هي أهم العبادات المالية، وقد قاتل أبو بكر الصديق ﵁ من منع الزكاة، وقال: (والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، ولو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه). والزكاة فرصة للمسلم، فقد كان سلفنا الصالح ﵃ إذا رأوا من يسأل الناس عن الزكاة بصدق يقولون: (مرحباً بمن يحمل زادنا إلى الآخرة)، ثم اعتبرها كثير من الناس مغرماً، فهي غرامة ثقيلة يشعرون بالقلق منها، ويشعرون بالصعوبة عند أدائها. وربما يكثر المال ويتضخم وتعجز الأرقام عن تعداد أموال كثير من الناس، ثم إذا أحصيت الزكاة وجد هؤلاء الأقوام أن الزكاة أصبحت كبيرة وكثيرة بسبب ضخامة هذا المال، فأصبحت ثقيلة، وربما لا يؤدونها، كما فعل ذلكم المنافق الذي أخبر الله عنه في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦]. ثم أيضاً هذه الزكاة هي حفظ للمال، وهي صيانة له، وما هلك مال في بر أو بحر إلا بسبب منع الصدقة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (داووا مرضاكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع)، فإذا أصبحت هذه الزكاة عبئاً ثقيلاً على هذا الإنسان، ويشعر بأنه لا يستطيع أداءها إلا بثقل، فحينئذٍ يكون ذلك علامة من علامات بداية النهاية، ومن علامات قرب العذاب على هؤلاء الناس.

стр. 824

تعلم العلم لغير الله قوله: (وتعلم لغير الدين): أي: العلم الشرعي، وكل العلوم يجب أن تكون خالصة لله ومن أجل رضا الله، ولمصلحة الأمة الإسلامية، لكن إذا كانت لغير الله، لا سيما إذا اتخذت العلوم الشرعية وسيلة للشهادة، أو للوظيفة، أو للسمعة، أو ليجاروا السفهاء، أو ليماروا العلماء؛ حينئذ تفسد النية، ويكون ذلك علامة من علامات انحراف الأمة عن المنهج الصحيح. وعلى هذا فإن العلم يجب أن يكون لأجل الدين، ومن أجل الله ، خصوصاً العلوم الشرعية، بل كل أعمال الإنسان يجب أن تكون خالصة لله ، فلا يقصد من ورائها رياءً ولا سمعة، ولا ذكراً ولا ثناءً، ولا الحصول على شيء من أموال الناس أو على شيء من هذه الدنيا.

стр. 825

ظهور الأصوات في المساجد ومن علامات بداية العقوبة: (إذا ظهرت الأصوات في المساجد): وظهور الأصوات في المساجد معناه أن المساجد قد استعملت لغير العبادة، والمساجد ما بنيت إلا لذكر الله، كما قال : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، فإذا أصبحت المساجد مجالس للناس يتحدثون فيها في أمور دنياهم، وربما تكون مرتعاً للسفهاء وألعوبة للاعبين، فإن ذلك أيضاً علامة من علامات العقوبة.

стр. 826

عقوق الوالدين وقوله: (وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه): الأم هي التي حملت هذا الإنسان ووضعته وهناً على وهن، وأرضعته من دمها، وبذلت كل ما تستطيع وفوق ما تستطيع من أجل سلامة هذا الطفل، حتى إذا كان رجلاً أدنى زوجته وعقها، أي: عصاها وخالفها في غير طاعة الله ، وهذا أيضاً علامة من علامات العقوبة. يقول الرسول ﷺ بعد ذلك: (وأدنى صديقه وجفا أباه): وهل يكون الصديق أقرب من الأب؟ وهل يتغلب حق الصديق على حق الأب وحق الزوجة على حق الأم؟ الجواب لا يوجد ذلك إلا في أمة انحرفت عن المنهج المستقيم، فإذا أدنى الرجل صديقه وجفا أباه وأطاع زوجته وعق أمه فهذا انحراف، وقد أمر الله ببر الوالدين، وجعل حق الوالدين بعد حق الله مباشرة، كما قال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ [العنكبوت:٨]. إذاً: تقديم حق أي واحد من الناس على حق الوالدين يعتبر إثماً ومعصية، فحتى في حال كفر الوالدين، وفي حال محاولة إكراه الولد على أن يكفر بالله من قبل الوالدين، لا طاعة للوالدين في مثل هذا الأمر، ولكن يبقى لهما حق الإحسان، كما قال : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [العنكبوت:٨]، وقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥].

стр. 827

شرب الخمر ومن علامات العذاب: شرب الخمور: الخمر هي أم الخبائث، وقد كانت الخمور تشرب في الجاهلية، وشربت في الإسلام، وشربت في عهد السلف الصالح، لكنها لم تنتشر كانتشارها في أيامنا الحاضرة، فقد انتشرت الخمور والمخدرات وغيرها من الأمور العظام التي أفسدت عقول كثير من الناس، فأصبحوا لا يحسنون التصرف في هذه الحياة. والخمرة هي التي لعن الرسول ﷺ شاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها إلى غير ذلك. والخمرة هي التي يقول عنها الرسول ﷺ : (من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، وإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، ثم إن عاد فشرب لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن مات دخل النار، وإن تاب تاب الله عليه، ثم قال في الرابعة: فإن شربها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة، قالوا: وما طينة الخبال يا رسول الله؟! قال: عصارة أهل النار). إذاً: الخمرة خطيرة، وقد انتشرت في مجتمعاتنا الخمور، بل أصبحت تسمى مشروبات روحية، وكأن هذا الاسم يريد أن يوجد رغبة وشوقاً إليها، فهي ليست بروحية قاتلها الله وقاتل أصحابها ومن يروجها، بل هي ضد الروح، هي لفساد الروح جاءت، وربما يدسها أعداء الإسلام حتى تنتشر في المجتمعات الإسلامية لتفسد العقول. والخمور والمخدرات كلها على حد سواء، وإن كانت المخدرات في عهدنا الحاضر تلاقي مكافحة أكثر، لكن الخمور لا تنقص ضرراً عنها، وإن كانت لا تجد كل هذه المكافحة ولا جزءاً منها، أي: المكافحة التي تتولاها هيئات رسمية وعالمية، فالخمور قد انتشرت في بيوت كثير من المسلمين، وأصبحوا يتعاطونها مع الأسف، وربما تشترك الأسرة -كما نسمع في بعض الأحيان- على هذا المحرم! نسأل الله العافية والسلامة، فيتربى عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير! وعلى كل انتشار الخمور في المجتمع علامة من علامات أسباب العذاب، لاسيما حينما تكون هذه الجريمة لا تجد مكافحة تتناسب مع حجمها، فأنا متأكد أن السلطات الإسلامية لا تعطي هذه الجريمة ما تستحق من اهتمام وإكبار، ولذلك تنتشر في المجتمعات الإسلامية انتشاراً هائلاً. أيها الإخوة! الخمر هي كما سماها الرسول ﷺ أم الخبائث، وهي لا تجتمع هي والإيمان إلا أوشك أحدهما أن يخرج الآخر، ولذلك رأى الصحابة ﵃ أن يقيسوا حدها بحد القذف، وعقوبتها بعقوبة القذف؛ لأنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، كما أخبر الصحابة، ولذلك فإن الأمة الإسلامية مطالبة أن تحارب هذه الفاحشة وهذه الجريمة العظيمة التي تجر وراءها جرائم كثيرة؛ فإن الإنسان إذا تناولها يفسد عقله، فيهبط إلى مستوى الحيوان، بل ربما ينزل عن مستوى الحيوان، وينسى العقل الذي يوجه الله تعالى إليه دائماً خطاب: (أفلا تعقلون) (أولوا الألباب) (لقوم يتفكرون). ومن هنا يفقد الإنسان العقل والتفكير واللب حينما يتناول هذه الجريمة، وربما يقع على محارمه، وربما يقع على أمه، نسأل الله العافية والسلامة! ومن هنا فإني أدعو الأمة الإسلامية إلى أن تهتم اهتماماً كبيراً بخطر هذه الفاحشة وهذه الجريمة العظيمة، وإذا انتشرت دون أن يكون لها رادع منضبط انضباط حقيقياً فإن ذلك يؤذن بعذاب، ويؤدي إلى انتشارها في المجتمعات الإسلامية. نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 828

انتشار القيان والمعازف ومن علامات العذاب: انتشار القينات والمعازف، والقينات هن المغنيات الراقصات، والمعازف معناها الموسيقى ووسائل اللهو الأخرى، واسمحوا لي أن أقول لكم: إنه يندر أن يخلو منها اليوم بيت من بيوت المسلمين، سواء كانت بواسطة الإذاعة أو التلفاز أو الأفلام التي انتشرت في بيوت كثير من المسلمين أو غير ذلك. وهذه المعازف هي التي قرنها الرسول ﷺ في الحديث الصحيح مع أكبر المحرمات؛ مع الزنا ومع لبس الحرير ومع الخمر فقال: (ليأتين أقوام يستحلون الحر)، أي: الزنا، (والحرير والخمر والمعازف). وكثير من الناس يتساهل في هذا الأمر حتى أصبحنا نسمع عند بعض الناس أن هناك موسيقى إسلامية! بل يندر أن يأتي حديث إلا وتتقدمه هذه الموسيقى، بل يؤسفني أنها ربما تأتي بعد تلاوة القرآن مباشرة! وعلى كل هناك ازدواجية يعيشها كثير من الناس، حتى أصبح كثير من الأطفال لا يفرق بين القرآن والموسيقى، وإنما يعجبه نغم فقط دون أن يميز بين هذا وهذا، وهذا التباس عظيم، فيوشك أن ينشأ في المجتمعات الإسلامية أطفال لا يفرقون بين الحق والباطل! فإذا انتشرت القينات، وانتشرت الأفلام التي ترقص فيها النساء، وانتشرت الأغاني التي تغني فيها النساء وتلهو وتلعب، وانتشرت المسرحيات التي تشوه الإسلام؛ بحيث تبرز رجال الإسلام ومعهم زوجاتهم سافرات، فإذا انتشرت هذه الأشياء فإنها بداية لعقوبة الله . أيها الإخوة! لا نكتمكم سراً إذا قلنا: إن كثيراً من وسائل الإعلام التي تطورت في عصرنا الحاضر وانتشرت تحمل هذه الفكرة، سواء كانت في الصورة الثابتة كما يوجد في كثير من الصحف والمجلات، حيث يختارون فتاة فاتنة في جمالها يضعونها في مقدمة هذه المجلة، أو الصور المتحركة التي انتقلت إلى بيوت المسلمين بواسطة الأفلام أو بواسطة الأجهزة الحديثة التي ملئ بها عصرنا الحاضر، فكانت تشكل خطورة على هذه المجتمعات.

стр. 829

واجب المسلم تجاه الأغاني والمعازف ووسائل الإعلام التي تبث ذلك أيها الأخ المسلم! ربما لا تملك أن تنكر المنكر كله، ولا أن تقضي على هذا الإثم من أصوله ومن منابعه، لكنك تملك بيتك، وإذا لم تستطع أن تسيطر على بيتك فعليك وعلى بيتك السلام، فقف يا أخي عند باب بيتك واحفظه من هذه الأفلام ومن هذه القينات ومن تلك المعازف؛ حتى تسلم من عقوبة الله لو حلت بهذه الأمة التي انتشرت بها القينات والمعازف. فكثير من بيوت المسلمين تغص بهذه الأمور؛ ولذلك فإن المسلم في مثل هذه الأيام لا نقول: يقف متحيراً؛ فالأمر واضح، والسبيل مستبينة، ولكنه قد يقف عاجزاً أمام أهله الذين أظهر معهم الضعف من أول وهلة، فأصبح لا يستطيع أن يحكم قبضة هذا البيت، ولا يستطيع أن يسيطر على بيته وعلى أسرته. فأقول يا أخي المسلم! اتق الله ؛ فأنت تتحمل أمانة عظيمة، ومسئولية كبيرة، إنها أمانة الأهل والذرية، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]. إنها اختبار من الله ، ولما أهمل كثير من الناس القيام بالتربية في هذه البيوت نشأ في هذه البيوت مجرمون، ونشأ في هذه البيوت لصوص، ونشأ في هذه البيوت أناس اشتعلت في قلوبهم الشهوة الحرام، فأصبحوا لا يملكون أنفسهم، وأصبحوا يبحثون عن الجريمة وعن الفاحشة في مواطنها، ولذلك فإنه قد مهد لهذه الفواحش داخل بيوت المسلمين أمام هذه الأفلام المحرمة، وأمام هذه القينات والمعازف، فأصبح هؤلاء الشباب كطيور في أقفاص مقفلة ينتظرون اللحظة الأخيرة التي يفتح فيها هذا القفص من أجل أن يفر من هذا المجتمع المحافظ ليبحث عن الفاحشة، وهذا هو ما يحدث، فقد ضاع كثير من شباب الإسلام في بلاد الفاحشة والحرية المطلقة التي لا تقف عند حد، وهي حرية تعتبر في الحقيقية عبودية لغير الله . ولذلك فإننا ندعو قادة الأمة الإسلامية إن كانت فيهم روح إسلامية إلى أن يتقوا الله في هذه المسئولية وهذه الأمانة، وندعو أيضاً قادة وأرباب البيوت والذين حملهم الله المسئولية مباشرة إلى أن يتقوا الله تعالى في حماية هذه البيوت.

стр. 830

سيادة فاسق القبيلة ومن هذه الجرائم: (وساد القبيلة فاسقهم): وهل يسود القبيلة فاسقهم؟ الجواب نعم، فإنه إذا انحرفت القبيلة سادها فاسقهم، حتى يقال للرجل: ما أطرفه وما أحلمه وما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فربما تختل المعايير وتفسد الموازين في عقول الناس، ولا يستطيعون أن يميزوا بين الحق والباطل وبين النافع والضار، فحينئذٍ يسود القبيلة فاسقهم، والفاسق هو: الذي يفعل الذنوب العظام أو يدمن على الصغائر. ولو أرادت القبيلة الخير لنفسها والعزة والكرامة لها لكان الأمر في خيارها، أما وقد أصبح الأمر بيد فاسق من فساق هذه القبيلة، لأنه صاحب مال أو لأنه صاحب جاه أو لأنه صاحب مركز أو لأي سبب من الأسباب؛ فهنا يسود القبيلة فاسقهم، وكان الأولى بهذه القبيلة التي تريد أن يكون لها الخير والسعادة أن يكون الأمر في صالحيها، فإذا كان الأمر في فسقتها فذلك بداية العذاب.

стр. 831

زعامة أرذل القوم ومن هذه الأمور التي تسبب سخط الله : (أن يكون زعيم القوم أرذلهم): وهل يكون زعيم القوم أرذلهم؟ الجواب نعم، إذا فسدت الأذواق، وكان الأمر بغير أيدي العقلاء، وتولى أمور المسلمين غير الصالحين منهم، وقادوا سفينة تسير في أعماق بحر متلاطم الأمواج، ولا يستطيع أن يخلص هذه السفينة من هذه الأمواج ومن هذا البحر المتلاطم إلا العقلاء. فإذا كان أمر المسلمين في العقلاء فإن ذلك هو الخير للقائد وللمقود، وإذا فسدت الأمة، أو فقدت الصالحين، أو أصبحت مغلوبة على أمرها، وكان من يتولى أمر المسلمين هم الفسقة، أو الذين لا يخلصون في قيادة هذه السفينة، أو الذين يريدون أن يهتموا بمصالحهم، أو يشبعوا رغباتهم، أو ينتقموا من الصالحين فحينئذٍ تخرب القيادة، ويفسد الأمر، وربما تغرق السفينة، وربما تغطيها الأمواج، وربما تصطدم بجبل فتتحطم، ولذلك فإننا نقول: إن أمر المسلمين يجب أن يكون في أصلحهم وأتقاهم وأعبدهم لله وأكثرهم إخلاصاً لهذه الأمة؛ حتى تسير سفينة الحياة إلى شاطئ النجاة دون أن يصيبها خلل ودون أن تصاب بأمر من الأمور. أيها الإخوة! إن الصالحين من هذه الأمة هم الذين يستطيعون أن يقودوا هذه السفينة إلى ساحل النجاة، سواء كانوا السلطة الحاكمة أو الأمراء أو الوزراء أو العلماء، وإذا كان هذا الأمر في الصالحين فإن الأمة الإسلامية بخير، قال الرسول ﷺ : (وإذا وسد إلى غير أهله فانتظر الساعة). ونحن نطالب كل من يتولى أمراً من أمور المسلمين أن يتقي الله ، وأن يؤدي هذه الأمانة التي استرعاه الله إياها، وأن يبحث عن أصلح الناس وأكفئهم ليتولى هذه الأمور، وندعو القادة والعلماء إلى أن يقودوا هذه الأمة إلى عزها وصلاحها وكرامتها، وإلا فإن الرسول ﷺ يقول: (وإذا كان زعيم القوم أرذلهم فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء). وهذه المسئولية وهذه القيادة ليست خاصة بولاة الأمر الكبار في الأمة الإسلامية، ولكنها أيضاً تعم كل من تولى أمراً من أمور المسلمين، وكل من استرعاه الله على مسئولية، فحتى الموظفون وحتى رؤساء الأقسام وحتى المسئولون عن دوائر الحكومة يدخلون في ذلك، فهو يعم المسئولية الكبرى والمسئولية الصغرى، فيجب أن تكون دائماً في الصالحين وفي أكفاء الناس وفي أصحاب الخبرة والعقل والدين والحزم والأمانة، وإلا فإن الأمر خطير وخطير جداً، ولذلك فإن من يتتبع تاريخ أي أمة من الأمم يرى أن أسباب سقوطها وبداية نهايتها حينما يكون الأمر في غير أهله.

стр. 832

لعن آخر هذه الأمة لأولها ثم يقول الرسول ﷺ بعد ذلك: (ولعن آخر هذه الأمة أولها): وهل يلعن آخر هذه الأمة أولها؟! وأول هذه الأمة هم الذين أقاموا دولة الإسلام التي مازالت الأمة الإسلامية تتفيأ ظلها الوارف، وتعيش في ظل فتوحات الفاتحين من سلفنا الصالح ﵃، فأولئك هم الذين قدموا أنفسهم فداءً لهذا الدين، وهم الذين وضعوا قواعد الدولة الإسلامية على أساس متين، والذين نقلوا لنا هذا الدين جيلاً بعد جيل وأمة بعد أمة. وأما هل يوجد في آخر هذه الأمة من يلعن أولها؟ ف الجواب نعم، لقد كان هذا أمراً غريباً، لكننا وجدناه واضحاً في كثير من الأحيان، فقد وجدنا من يسب أصحاب رسول الله ﷺ ومن يلعنهم، ومن يكفرهم ويخرجهم من الملة! كما يوجد فيمن يسمون أنفسهم بالشيعة من الرافضة. بل لقد وجد في عصرنا الحاضر أمة تزعم أنها تتحمل مسئولية التجديد، ومسئولية محاربة القديم، وهؤلاء في أنفسهم عقدة التخلف وكراهية كل قديم، ولذلك فإنهم يحاربون كل قديم، ويزعمون أنهم يجددون في هذا العصر، ويريدون أن يقضوا على ذلك القديم الذي يعتبر تخلفاً وتأخراً ورجعية في نظرهم، مع أن الله سماه هو التقدم وسماهم هم المتأخرين، فقال : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧]، والمراد بالتقدم: الأخذ بهذا الدين، والمراد بالتأخر: رفض هذا الدين. وعلى كلٍ وجد في عصرنا الحاضر من يسمون أنفسهم بالحداثيين أو بالمجددين، والذين لا يروق لهم الأمر ولا تلذ لهم الحياة إلا حينما يحاربون كل قديم، ويطعنون في سلفنا الصالح ﵃، وفي مؤلفاتهم من الكتب الصفراء كما يقولون، ويعتبرون أنفسهم هم المجددين، بل ربما يطعنون في دين الإسلام، ويعتبرون دين الإسلام تخلفاً، وأن ما أصاب الأمة من تخلف إنما سببه الأخذ بهذا الدين! هكذا يقولون، وربما يتمادون في طعنهم في هذا الدين، فيسبون خير البرية محمداً ﷺ ، ويعتبرونه هو الذي أخر هذه الأمة! وربما ينالون الله بالطعن والأذى! وهم بهذا يؤذون الله ورسوله، وهؤلاء كلهم يدخلون في قول الرسول ﷺ : (ولعن آخر هذه الأمة أولها). لكن ما موقفنا نحن من مثل هؤلاء المرتدين؟ موقفنا من هؤلاء المرتدين هو كما أمرنا الله : ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة:١٢]، وفي قراءة سبعية: (إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون). فنقول: لا يجوز للأمة الإسلامية أن تقف مكتوفة الأيدي أمام هؤلاء الطاعنين في الإسلام والذين يتناولون دين الله بالسب والهمز واللمز، فيجب أن تكون للأمة الإسلامية ويجب أن تكون للحكومة الإسلامية قوة تحمي جانب هذا الدين، فإن الله قد أمر الأمة الإسلامية بأن تدافع عن هذا الدين بكل قوة، بل أخبر أنه أنزل الكتب السماوية من أجل هداية البشر، ومن أجل إقرار قواعد الأمن والطمأنينة والعدل في هذه الأرض، وأنزل مع الكتب السماوية الحديد فيه بأس شديد، كما قال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥]. فالمسئولية أولاً مسئولية ولاة الأمر الذين استرعاهم الله على هذا الدين، وتأتي المسئولية في الجانب الثاني على كل واحد من المسلمين يغار لله ولدينه، فإذا رأى دين الله يُنال منه ما ينال فعليه أن يغضب لله ، وعليه ألا يغضب لنفسه أو لماله أو لحقوقه أكثر من غضبه لله ، وإذا غضب لنفسه دون أن يغضب لله فويل يومئذٍ للفضيلة من الرذيلة.

стр. 833

إكرام الرجل مخافة شره وقوله: (وأكرم الرجل مخافة شره): وهذا قد وقع، فإن كثيراً من الناس يُكرم مخافة شره، ويقوم له الرجال، ويعظمونه، ويمجدونه، ولربما يعطونه من الألقاب ما لا يكون إلا لله ، وكثير منهم -إن لم نقل: جلهم- يكره هذا الإنسان، لكن أكرموه مخافة من شره. وهذا هو الذي ألجم كثيراً من الألسن أن تقول كلمة الحق، والحقيقة أن مخافة الشر أو الطمع في الخير أو الرجاء لمصلحة من المصالح هو أكثر أسباب الإكرام التي تحدث في عالمنا اليوم، ولذلك يكرم كثير من هؤلاء الذين يخشى شرهم وبطشهم وسطوتهم، أكثر من أن يكرم العلماء الأفاضل الذين يدلون الناس على طريق الجنة.

стр. 834

واجب الأمة تجاه الذنوب والمعاصي

стр. 835

الغضب لله ومكافحة الجرائم أيها الإخوة! هذه بعض أسباب العذاب التي انعقدت في المجتمعات الإنسانية بصفة عامة، وفي المجتمعات الإسلامية بصفة خاصة، فلم يخل منها مكان من الأمكنة؛ ولذلك فإن ما يحدث في هذه الحياة من خلل ومن عقوبات ومن جرائم ومن فساد في البر والبحر إنما هو بما كسبت أيدي الناس، كما قال الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]. إن الأمة الإسلامية لا تستطيع أن تدفع عن نفسها عذاب الله إلا حينما تكافح هذه المنكرات، وتغضب لله ، ولا تترك الفساد يسير في الأرض، فهي مسئولية كما يتحملها ولاة الأمر يتحملها المسلمون أيضاً، ويسألون عنها بين يدي الله ، وسوف يسأل الله الجميع عن هذا الدين يوم القيامة. فعلى المسلمين أن تتمعر وجوههم غضباً لله ، أما إذا لم تتمعر الوجوه غضباً لله فإن الله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٣].

стр. 836

عدم الخوف من غير الله عند رؤية المنكرات أيها الإخوة! إن الله تعالى يبتلي المؤمنين بالفسقة، ويسلط بعضهم على بعض؛ لينظر كيف يعملون؛ ولينظر هل يقوم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلاد المسلمين أم أن الناس يخافون على أنفسهم وعلى حياتهم وعلى أرزاقهم، وهذا وبعينه هو ضعف الإيمان، بل أخشى أن يصل بالناس إلى درجة الشرك بالله ، فحينما يُصرف جانب الخوف لغير الله ويكون من غير الله فإن هذا من الشرك، والله تعالى يقول: ﴿فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ﴾ [المائدة:٤٤]، والناس لا يملكون للناس نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، كما قال ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام، وجفت الصحف). فصرف الخوف لغير الله نقص في جانب من جوانب التوحيد، وليس من جوانب المعصية والطاعة، بل هو من جانب الشرك والتوحيد، فإذا صرف هذا الأمر لغير الله ، وأصبح الإنسان يخاف على حياته أو يخاف على رزقه أو يخاف على نفسه أو يخاف على أهله، ويترك لذلك أموراً هو يُطالَب بها من قبل الله ، بحيث يقدم خوف البشر على خوف الله ، فهذا أمره عظيم، وهذا ليس معصية، ولكنه شرك بالله . فتجب الثقة بالله ؛ فإن الله تعالى قدر الآجال، كما قال سبحانه: ﴿كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وقدر الأرزاق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقدر كل أمر من الأمور، فممَ يكون الخوف؟ يجب أن يكون الخوف لله وحده.

стр. 837

الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم عقلاء الأمة فنقول أيها الإخوة! إن الذين يأمرون بالمعروف وينهون المنكر، ويحاربون الفساد في الأرض، ويدعون إلى الله ويتحملون المسئولية أمام البشر ليتخلصوا من المسئولية أمام الله يوم القيامة؛ هم عقلاء الأمة، بل هم الذين يريدون السعادة للأمة، بل هم الذين يريدون السعادة أيضاً للدولة؛ لأن الدولة لها أجل، فكما أن الإنسان له أجل فالدولة لها أجل، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف:٣٤]، وهذا الأجل يبقى ما بقيت الدولة تحافظ على دينها وتحافظ على أوامر الله ، وينتهي ذلك الأجل بمقدار ما تنحرف الدولة أو تنحرف الشعوب عن منهج الله .

стр. 838

الذنوب والمعاصي سبب الزلازل والخسف والمسخ وغيرها فإذا فعلت الخصال المذكورة في الحديث، وجاء في حديث آخر: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة)، إذا فعلت هذه الخصال حل بها البلاء. وهنا يقول الرسول ﷺ : (فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء)، وهذه الريح قد تهب ويظنها الناس سحاباً ممطراً، كما حدث لقوم عاد، فقوم عاد لما رأوا العذاب: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤]، فقال الله : ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥]. قال ﵊: (فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة)، وكم يحدث من الزلازل في هذا العالم يوماً بعد يوم؟! وكم يحدث فيه من النكبات، وقد تحل قريباً من دارنا أيها الإخوة؟! ولا تظنوا أننا حين نعيش في أرض الحرمين أن لنا حصانة، أو أن بيننا وبين الله عهد أو ميثاق، فلا عهد بيننا وبين الله إلا بتطبيق شرع الله، وبخشية الله ، وبفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لأنه ليس بين أحد وبين الله نسب ولا عهد ولا ميثاق، إلا أن يحافظ الناس على هذا الميثاق الذي يقول الله عنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، هذا هو العهد الذي يجب أن نحافظ عليه. وعلى هذا نقول أيها الإخوة! إن ما حدث في العالم من زلازل أو من أحداث أو نكبات أو تسلط السفهاء أو نقص في الأمطار وجدب في الأرض وجور في سلاطين الأرض وغير ذلك؛ إنما هو بسبب ما كسبت أيدينا، فلنخش الله ، ولنعد إلى الله . قال ﵊: (فانتظروا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة ومسخاً)، وهذا المسخ ربما يكون في العقول لا في الأجسام، فربما يفقد الإنسان تفكيره فيكون قد مسخ إلى صورة حيوان في عقله وتفكيره وعدم غضبه لله ، وربما يفعل الله بأمة كما فعل بقوم من بني إسرائيل حين قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥]. وقوله: (وآيات تتابع)، أي: عقوبات لا يعلمها إلا الله ، فقد تأتي من السماء صواعق وآفات ورياح وعواصف، أو تصعد من الأرض براكين وزلازل، أو تكون فتن بين الناس، بأن يسلط الله بعضهم على بعض، وهذا هو أكثر ما يحدث في هذه الأمة، كما قال الله : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].

стр. 839

نداء إلى جميع المسلمين للنهي عن المنكر أيها الإخوة! إن أفضل طريق، بل إن الطريق الوحيدة التي نسلم بها من عقوبة الله هي: أن نتناصح فيما بيننا، وأن تنشط الدعوة إلى الله ، وأن يتحمل العلماء وطلبة العلم مسئوليتهم كل في موقعه، وعلى مقدار مسئوليته، وعلى مقدار علمه بشرع الله ، وأن يقوموا لله مثنى وفرادى، وأن يقولوا للناس: اتقوا الله، فمن قبل هذه الوصية فليبشر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنها أو أخذته العزة بالإثم، فحسبه جهنم، كما أخبر الله . إن جانب الأمر المعروف والنهي عن المنكر قد تعطل أيها الإخوة في كثير من الأحيان، وبمقدار تعطله تجرأ السفهاء على دين الله ، فلابد أن ينشط هذا الجانب، ولا يكفي أن تكون هناك هيئة تعمل بطريقة رسمية؛ لأن المسئولية ليست مسئولية رسمية، ولكنها مسئولية الجميع، وعقوبة الله إذا نزلت في الأرض لا يتخلص منها إلا الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]. أيها الإخوة! إني أدعو نفسي وأدعوكم إلى أن ننشط في هذا الجانب، وأن نمنع وقوع البلاء بما نقدمه لهؤلاء الناس من نصيحة على كل المستويات، سواء كان على المستوى الرسمي أو غيره: فنقول لولاة الأمر: اتقوا الله، قال : ﴿لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩]. ونقول للناس كافة: اتقوا الله، ونسعى قدر جهدنا واستطاعتنا لدفع هذا العذاب، وهذه الدروس قد تحل قريباً من دارنا، ولننظر ماذا فعل الله بلبنان، وماذا فعل الله بالعراق، وماذا حدث في الكويت، وماذا فعل قبل ذلك في بلاد الأندلس، وماذا حدث في فلسطين، وماذا حدث في كثير من بقاع العالم! والله يا إخوان إن كثيراً من الذين وقعوا في عقوبة الله من العقلاء الذين يصدقون الحديث، يقولون: كنا نتوقع ما حل بنا منذ زمن بعيد؛ لأننا كنا نمر بطريقنا إلى المسجد بخمارة أو ببيت دعارة فلا نغضب لله ، وكنا نحذر ما وقع، ولكننا لم نأخذ بأسباب دفع البلاء، فما حل بنا ليس شيئاً غريباً، ولكنها عقوبة الله ! أقول قولي هذا، ولا أعلم أن أحداً منكم أعظم مني تقصيراً أو أكثر مني ذنباً، ولكني أستغفر الله لي ولكم.

стр. 840

الأسئلة

стр. 841

ذكر بعض أحوال المسلمين في كشمير وأفغانستان وإريتريا والفلبين السؤال نرجو منكم أن تحدثونا عن أحوال إخواننا المسلمين في باكستان وكشمير، سواء منها ما يختص بأحوال المسلمين عامة أو الجهاد خاصة؟ الجواب ذكر أحوال المسلمين يحتاج إلى حديث طويل؛ لأن سائر المسلمين في كشمير وفي أفغانستان وفي باكستان، لهم مشاكل كثيرة، وهكذا حال المسلمين في كل بلاد العالم، لكن -والحمد لله- نبشركم بشيئين: الشيء الأول: أن الصحوة الإسلامية المباركة عمت جميع بلاد العالم حتى بلاد الكفر، فالذين يتمتعون بها في أمريكا لا يقلون أهمية عن الذين يتمتعون بها هنا في الجزيرة العربية. والشيء الثاني: أن الجهاد في سبيل الله بدأ الآن في مواطن كثيرة من الأرض، وربما أن الإخوة الأفغان جزاهم الله خيراً هم الذين وضعوا البذرة في هذا القرن، فالجهاد في سبيل الله يوجد في أفغانستان وفي كشمير وفي إريتريا وفي الفلبين وفي مواطن كثيرة، والحمد لله. على كلٍ أصبحنا نتوقع أن يكون الدين كله لله، وهذا ما وعدنا الله به، وهو الحد النهائي لوضع السلاح، فلا يوضع السلاح على الأرض إلا إذا كان الدين كله لله، لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩]، والمراد بالفتنة هنا الشرك، لا بمفهوم الفتنة في أيامنا الحاضرة، بل الفتنة هنا بإجماع علماء المسلمين هي الشرك والكفر، فقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، أي: لا يبقى على وجه الأرض إلا مسلم. وعلى كلٍ وجود هذه الجبهات في أفغانستان وفي كشمير وفي إريتريا وفي الفلبين وفي مواقع كثيرة من الأرض يعتبر -إن شاء الله- إيذاناً بأن يكون الدين كله لله، وألا تكون هناك فتنة في الأرض. ولكن أحوال المسلمين عموماً تحتاج إلى دعم من المسلمين، ولا أقصد بذلك الدعم المادي فقط، بل حتى الدعم المعنوي، فكثير من قضايا المسلمين تخفى على المسلمين في كل الأرض، فنحن هنا تصل إلينا أخبار السلفادور وأخبار أمريكا الجنوبية والعالم كله، وكثير من أخبار المسلمين لا تصل إلينا، ولو سألت أي واحد من الناس: ماذا تعلم عما يحدث في كشمير؟ لقال: لا أدري، ولو سألته وقلت: ماذا تعرف عن المسلمين في جنوب الفلبين؟ لقال: لا أدري. فيا إخوان: في جنوب الفلبين اثنا عشر مليون مسلم يحملون السلاح في وجه الكفر، ويصنعون الأسلحة بأيديهم على عقيدة أهل السنة والجماعة، وأكثر المسلمين لا يعلمون عنهم شيئاً! فالخير في الأرض سيبقى ما بقيت الحياة الدنيا، لكن علينا أيها الإخوة أن نتابع أخبار المسلمين، وأن نسير في الأرض للنظر ماذا يحدث في هذا العالم، أو على الأقل نقدم الدعم المادي على قدر استطاعتنا للجهاد في سبيل الله، فالله تعالى قد اشترى منا أموالنا وأنفسنا، فإذا ما استطعنا أن نقدم الأنفس فلنقدم الأموال.

стр. 842

الطريقة المثلى لإنكار المنكرات السؤال ما هي الطريقة المثلى لإنكار المنكرات؟ الجواب الطريقة المثلى هي ما أخبر عنه ﷺ بقوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ولا نظن أن المسألة مسألة تخيير، بل المسألة مسألة تدرج، فالرسول ﷺ ما قال: بيده أو بلسانه أو بقلبه، وإنما قال: (فإن لم يستطع)، فالمسألة مسألة تدرج، وحسب استطاعة الإنسان وإمكاناته، فإذا استطاع الإنسان أن ينكر المنكر باليد وكانت القوة بأيدي المسلمين فيجب أن يكون الإنكار باليد، وهذا هو ما أشار إليه الله في الآية التي في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]. إذاً: لابد أن تكون للمسلمين قوة تحمي الكتب السماوية، وتحمي جانب العدل، فإذا لم يستطع المسلم أن يقوم بذلك أو يترتب عليه مشاكل، فنقول: أقل شيء باللسان، ولا يمكن أن يعذر الإنسان على ترك الإنكار بلسانه مكتفياً بقلبه؛ لأنه يستطيع أي واحد أن ينكر المنكر بلسانه ولو تحمل بعض المسئوليات، فلا تظنوا أن طريق الجنة مفروش بالورود والرياحين، بل طريق الجنة محفوف بالمكاره، كما قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]. إذاً: هذا هو طريق الجنة يا أخي! فإذا كنت تظن أنك تحصل على طريق الجنة بركعات أو شيء من ذلك، فنقول: هذا جزء من طريق الجنة، لكن أفضل طريق يؤدي إلى الجنة هو طريق الجهاد في سبيل الله، وهو أضمن طريق، ومن الجهاد في سبيل الله الدعوة إلى الله، وقول كلمة الحق ولو أسخطت الناس مادامت ترضي الله . فعليك يا أخي! أن تتحمل في طريق الجنة ما يلاقيك، فليس طريق الجنة سهلاً، كما قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. إذاً: لابد في طريق الجنة من عقبات، فالكلمة باللسان لابد أن يتحمل الإنسان مسئوليتها أمام الناس، ليتخلص بمسئوليتها أمام الله يوم القيامة.

стр. 843

إخراج الشيخ الجلالي من منطقة القصيم السؤال سمعنا خبراً بإجلائكم عن منطقة القصيم، فما صحة هذا الخبر؟ الجواب هذا الخبر صحيح، لكن أنا قلت لكم: إن طريق الجنة محفوف بالمكاره، ولابد أن نصبر ونتحمل، ولا نريد أن نقول كما قال الكفار لرسلهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم:١٣]. وعلى كلٍ هذه أمور أظنها ما وصلت إلى الجهات العليا، وإن وصلت فإننا نظن في الجهات العليا خيراً، وربما تكون تصرفات أشخاص دون هؤلاء، وعلى كلٍ ليست الأرض ملكاً لأحد، قال : ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وحينما يخرج الإنسان من منطقة ليعيش في منطقة أخرى ليس معنى ذلك أنه أُبعد؛ فإن أرض الله واسعة. وعلى هذا نقول أيها الإخوة: إن طريق الجنة محفوف بالمكاره ومن هذه المكاره: أن يحال بين الإنسان في دعوته وبين وطنه، مع أن المسلم لا يتقيد بوطن، وافهموا هذا يا إخوان، وطن المسلم هو أي مكان في الأرض يستطيع أن يقيم فيه شرع الله ، وعلى هذا نقول: ليست المشكلة كبيرة، فالمشكلة يسيرة جداً؛ لأن أرض الله واسعة؛ ولأن المسلم يستطيع أن يعيش في أي أرض يستطيع أن يؤدي فيها شعائر دينه، والله المستعان!

стр. 844

موقف المسلم من وجود التلفاز في بيته السؤال إنسان لا يريد التلفاز، وله أولاد، فجاءوا به، فحلف أن يخرجوه، ولم يخرجوه، فسلك جميع السبل مع زوجته وأولاده، فما هو الطريق الصحيح لإخراج هذا التلفاز من البيت؟ وهل من الحكمة إذا كان الشخص حديث عهد بهداية أن يخرجه من بيته؟ الجواب أولاً: بالنسبة للأبناء الذين يعقون أباهم إلى هذا الحد وإلى هذا المستوى؛ هؤلاء عليهم خطر في دينهم، وأنا أرجوهم رجاءً أن يتقوا الله أولاً في هذه المعصية، فوجود هذه الوسائل بهذا الشكل معصية. الشيء الثاني: عقوق الأب من أجل معصية من معاصي الله هذه أيضاً معصية أكبر، فنقول لهؤلاء: اتقوا الله، ونقول لهذا الأب: صمم يا أخي على ما تريد، فأنت المسئول عنهم أمام الله ، وخصوصاً إذا كان هناك أطفال أو نساء يتأثرون أكثر من غيرهم بهذه الوسائل الحديثة. أما بالنسبة للأخ الذي هو حديث عهد بالاهتداء فربما أنه لا يستطيع أن يؤثر على هذا البيت؛ لأن هذا البيت كما يظهر لي من هذا السؤال فيه شيء من الانحراف أو فيه شيء من الأخطاء على الأقل، ونقول لهذا الأخ: مادام الله تعالى قد هداك للفطرة فادعهم بلين وتؤدة؛ حتى تستطيع أن تصلح وضع هذا البيت. فأنا لا أؤيد استعمال القوة في مثل هذه الأمور، وفي محاربة هذه المنكرات، ولكني أقول: لابد أن يكون ذلك بحكمة، والشاب الذي هداه الله تعالى للطريق المستقيمة عليه أيضاً أن يسلك طريق الحكمة، ولا يندفع كل الاندفاع من أجل إنكار هذا المنكر، ولكن عليه أن يسلك طريق الحكمة واللين، ويستغل الفرص التي من خلالها يستطيع أن يوصل الموعظة إلى أهله وبيته وأسرته من أجل أن يقتنعوا بترك ما حرم الله .

стр. 845

حكم التلفاز السؤال هل التلفاز حرام؟ الجواب نقول: التلفاز في موقع الحرام حرام، ولا نشك في ذلك، مادام أنه يعرض الموسيقى ويعرض صوراً مختلطة ويعرض أغاني، وهو ليس حراماً لذاته، ولكنه حرام لما يعرض فيه، فهناك شيء محرم لذاته، وهناك شيء محرم لغيره، ومحرم لما عرض فيه، ولو استعمل التلفاز في غير ما استعمل فيه اليوم فلا نستطيع أن نقول: إنه حرام، وإن كانت الصور بهذا الشكل فيها شيء من الشبهة على الأقل. وعلى كلٍ نقول: في وضعنا الحاضر هو إثم، أنصح كل واحد من المسلمين أن يبعده عن بيته، ويستعين بالله ، ولا يؤخر هذه الفرصة.
следующие страницы →