← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ذكر بعض أحوال المسلمين في كشمير وأفغانستان وإريتريا والفلبين السؤال نرجو منكم أن تحدثونا عن أحوال إخواننا المسلمين في باكستان وكشمير، سواء منها ما يختص بأحوال المسلمين عامة أو الجهاد خاصة؟ الجواب ذكر أحوال المسلمين يحتاج إلى حديث طويل؛ لأن سائر المسلمين في كشمير وفي أفغانستان وفي باكستان، لهم مشاكل كثيرة، وهكذا حال المسلمين في كل بلاد العالم، لكن -والحمد لله- نبشركم بشيئين: الشيء الأول: أن الصحوة الإسلامية المباركة عمت جميع بلاد العالم حتى بلاد الكفر، فالذين يتمتعون بها في أمريكا لا يقلون أهمية عن الذين يتمتعون بها هنا في الجزيرة العربية. والشيء الثاني: أن الجهاد في سبيل الله بدأ الآن في مواطن كثيرة من الأرض، وربما أن الإخوة الأفغان جزاهم الله خيراً هم الذين وضعوا البذرة في هذا القرن، فالجهاد في سبيل الله يوجد في أفغانستان وفي كشمير وفي إريتريا وفي الفلبين وفي مواطن كثيرة، والحمد لله. على كلٍ أصبحنا نتوقع أن يكون الدين كله لله، وهذا ما وعدنا الله به، وهو الحد النهائي لوضع السلاح، فلا يوضع السلاح على الأرض إلا إذا كان الدين كله لله، لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩]، والمراد بالفتنة هنا الشرك، لا بمفهوم الفتنة في أيامنا الحاضرة، بل الفتنة هنا بإجماع علماء المسلمين هي الشرك والكفر، فقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، أي: لا يبقى على وجه الأرض إلا مسلم. وعلى كلٍ وجود هذه الجبهات في أفغانستان وفي كشمير وفي إريتريا وفي الفلبين وفي مواقع كثيرة من الأرض يعتبر -إن شاء الله- إيذاناً بأن يكون الدين كله لله، وألا تكون هناك فتنة في الأرض. ولكن أحوال المسلمين عموماً تحتاج إلى دعم من المسلمين، ولا أقصد بذلك الدعم المادي فقط، بل حتى الدعم المعنوي، فكثير من قضايا المسلمين تخفى على المسلمين في كل الأرض، فنحن هنا تصل إلينا أخبار السلفادور وأخبار أمريكا الجنوبية والعالم كله، وكثير من أخبار المسلمين لا تصل إلينا، ولو سألت أي واحد من الناس: ماذا تعلم عما يحدث في كشمير؟ لقال: لا أدري، ولو سألته وقلت: ماذا تعرف عن المسلمين في جنوب الفلبين؟ لقال: لا أدري. فيا إخوان: في جنوب الفلبين اثنا عشر مليون مسلم يحملون السلاح في وجه الكفر، ويصنعون الأسلحة بأيديهم على عقيدة أهل السنة والجماعة، وأكثر المسلمين لا يعلمون عنهم شيئاً! فالخير في الأرض سيبقى ما بقيت الحياة الدنيا، لكن علينا أيها الإخوة أن نتابع أخبار المسلمين، وأن نسير في الأرض للنظر ماذا يحدث في هذا العالم، أو على الأقل نقدم الدعم المادي على قدر استطاعتنا للجهاد في سبيل الله، فالله تعالى قد اشترى منا أموالنا وأنفسنا، فإذا ما استطعنا أن نقدم الأنفس فلنقدم الأموال.

стр. 842

الطريقة المثلى لإنكار المنكرات السؤال ما هي الطريقة المثلى لإنكار المنكرات؟ الجواب الطريقة المثلى هي ما أخبر عنه ﷺ بقوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ولا نظن أن المسألة مسألة تخيير، بل المسألة مسألة تدرج، فالرسول ﷺ ما قال: بيده أو بلسانه أو بقلبه، وإنما قال: (فإن لم يستطع)، فالمسألة مسألة تدرج، وحسب استطاعة الإنسان وإمكاناته، فإذا استطاع الإنسان أن ينكر المنكر باليد وكانت القوة بأيدي المسلمين فيجب أن يكون الإنكار باليد، وهذا هو ما أشار إليه الله في الآية التي في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]. إذاً: لابد أن تكون للمسلمين قوة تحمي الكتب السماوية، وتحمي جانب العدل، فإذا لم يستطع المسلم أن يقوم بذلك أو يترتب عليه مشاكل، فنقول: أقل شيء باللسان، ولا يمكن أن يعذر الإنسان على ترك الإنكار بلسانه مكتفياً بقلبه؛ لأنه يستطيع أي واحد أن ينكر المنكر بلسانه ولو تحمل بعض المسئوليات، فلا تظنوا أن طريق الجنة مفروش بالورود والرياحين، بل طريق الجنة محفوف بالمكاره، كما قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]. إذاً: هذا هو طريق الجنة يا أخي! فإذا كنت تظن أنك تحصل على طريق الجنة بركعات أو شيء من ذلك، فنقول: هذا جزء من طريق الجنة، لكن أفضل طريق يؤدي إلى الجنة هو طريق الجهاد في سبيل الله، وهو أضمن طريق، ومن الجهاد في سبيل الله الدعوة إلى الله، وقول كلمة الحق ولو أسخطت الناس مادامت ترضي الله . فعليك يا أخي! أن تتحمل في طريق الجنة ما يلاقيك، فليس طريق الجنة سهلاً، كما قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. إذاً: لابد في طريق الجنة من عقبات، فالكلمة باللسان لابد أن يتحمل الإنسان مسئوليتها أمام الناس، ليتخلص بمسئوليتها أمام الله يوم القيامة.

стр. 843

إخراج الشيخ الجلالي من منطقة القصيم السؤال سمعنا خبراً بإجلائكم عن منطقة القصيم، فما صحة هذا الخبر؟ الجواب هذا الخبر صحيح، لكن أنا قلت لكم: إن طريق الجنة محفوف بالمكاره، ولابد أن نصبر ونتحمل، ولا نريد أن نقول كما قال الكفار لرسلهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم:١٣]. وعلى كلٍ هذه أمور أظنها ما وصلت إلى الجهات العليا، وإن وصلت فإننا نظن في الجهات العليا خيراً، وربما تكون تصرفات أشخاص دون هؤلاء، وعلى كلٍ ليست الأرض ملكاً لأحد، قال : ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وحينما يخرج الإنسان من منطقة ليعيش في منطقة أخرى ليس معنى ذلك أنه أُبعد؛ فإن أرض الله واسعة. وعلى هذا نقول أيها الإخوة: إن طريق الجنة محفوف بالمكاره ومن هذه المكاره: أن يحال بين الإنسان في دعوته وبين وطنه، مع أن المسلم لا يتقيد بوطن، وافهموا هذا يا إخوان، وطن المسلم هو أي مكان في الأرض يستطيع أن يقيم فيه شرع الله ، وعلى هذا نقول: ليست المشكلة كبيرة، فالمشكلة يسيرة جداً؛ لأن أرض الله واسعة؛ ولأن المسلم يستطيع أن يعيش في أي أرض يستطيع أن يؤدي فيها شعائر دينه، والله المستعان!

стр. 844

موقف المسلم من وجود التلفاز في بيته السؤال إنسان لا يريد التلفاز، وله أولاد، فجاءوا به، فحلف أن يخرجوه، ولم يخرجوه، فسلك جميع السبل مع زوجته وأولاده، فما هو الطريق الصحيح لإخراج هذا التلفاز من البيت؟ وهل من الحكمة إذا كان الشخص حديث عهد بهداية أن يخرجه من بيته؟ الجواب أولاً: بالنسبة للأبناء الذين يعقون أباهم إلى هذا الحد وإلى هذا المستوى؛ هؤلاء عليهم خطر في دينهم، وأنا أرجوهم رجاءً أن يتقوا الله أولاً في هذه المعصية، فوجود هذه الوسائل بهذا الشكل معصية. الشيء الثاني: عقوق الأب من أجل معصية من معاصي الله هذه أيضاً معصية أكبر، فنقول لهؤلاء: اتقوا الله، ونقول لهذا الأب: صمم يا أخي على ما تريد، فأنت المسئول عنهم أمام الله ، وخصوصاً إذا كان هناك أطفال أو نساء يتأثرون أكثر من غيرهم بهذه الوسائل الحديثة. أما بالنسبة للأخ الذي هو حديث عهد بالاهتداء فربما أنه لا يستطيع أن يؤثر على هذا البيت؛ لأن هذا البيت كما يظهر لي من هذا السؤال فيه شيء من الانحراف أو فيه شيء من الأخطاء على الأقل، ونقول لهذا الأخ: مادام الله تعالى قد هداك للفطرة فادعهم بلين وتؤدة؛ حتى تستطيع أن تصلح وضع هذا البيت. فأنا لا أؤيد استعمال القوة في مثل هذه الأمور، وفي محاربة هذه المنكرات، ولكني أقول: لابد أن يكون ذلك بحكمة، والشاب الذي هداه الله تعالى للطريق المستقيمة عليه أيضاً أن يسلك طريق الحكمة، ولا يندفع كل الاندفاع من أجل إنكار هذا المنكر، ولكن عليه أن يسلك طريق الحكمة واللين، ويستغل الفرص التي من خلالها يستطيع أن يوصل الموعظة إلى أهله وبيته وأسرته من أجل أن يقتنعوا بترك ما حرم الله .

стр. 845

حكم التلفاز السؤال هل التلفاز حرام؟ الجواب نقول: التلفاز في موقع الحرام حرام، ولا نشك في ذلك، مادام أنه يعرض الموسيقى ويعرض صوراً مختلطة ويعرض أغاني، وهو ليس حراماً لذاته، ولكنه حرام لما يعرض فيه، فهناك شيء محرم لذاته، وهناك شيء محرم لغيره، ومحرم لما عرض فيه، ولو استعمل التلفاز في غير ما استعمل فيه اليوم فلا نستطيع أن نقول: إنه حرام، وإن كانت الصور بهذا الشكل فيها شيء من الشبهة على الأقل. وعلى كلٍ نقول: في وضعنا الحاضر هو إثم، أنصح كل واحد من المسلمين أن يبعده عن بيته، ويستعين بالله ، ولا يؤخر هذه الفرصة.

стр. 846

موقف المسلم من مناهج التعليم التي تخالف الشرع السؤال المناهج الدراسية تحتوي بين طياتها في مختلف مراحلها على مواضيع تخالف الشرع، وبرامج لامنهجية تقام في المدارس، فكيف بالمدرس إذا أمر أن يقوم بتدريس ما خالف الشارع؟ وماذا يفعله حيال ذلك، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أنا لا أعرف أن فيها شيئاً يخالف الشرع، بل إني أظن أن التعليم عندنا -والحمد لله- أكثر المناهج في العالم الإسلامي استقامة؛ لكن ربما تكون هناك نظريات فاسدة أُبعِد كثير منها، وربما بقي بعضها، خصوصاً في علم الأحياء وما أشبه ذلك. والمدرس هو الذي يستطيع أن يوجه الطلاب إلى ما فيها من خلل، بل هذه فرصة أن توجد هذه النظريات الفاسدة في هذا الكتاب، وإن كنا لا نود وجود ذلك، لكن مادامت قد وجدت فهي فرصة يستطيع المدرس من خلالها أن ينقض هذه النظريات، وأن يعلم الناس بأن هذا شر استهدفت به هذه الأمة، كما أنه مطالب أن يقدم إلى الجهات المسئولة والمعنية هذه الأمور الخطيرة التي عثر عليها في هذا الكتاب؛ من أجل إبعادها عن المناهج الدراسية. وعلى كل واحد أن يتصرف، سواء كان في توجيهها أمام الطلاب وبيان ما فيها من انحراف، أو توجيه الجهات المسئولة التي تستطيع أن تزيل هذه النظريات أو هذه الأفكار أو هذا الخلل في هذه المناهج.

стр. 847

حكم العقوبات المالية القائمة في نظام المرور وغيره السؤال ما هو رأي الشيخ في المخالفة المرورية التي تسجل بالكمبيوتر ويمكن لصاحب المخالفة تسديدها بعد عشرة أيام وإلا تضاعف هذه المخالفة وتزيد بمرور الأيام؟ ألا تدخل هذه الزيادة في الربا؟ الجواب لا تدخل في الربا، ولكن تدخل في أكل أموال الناس بالباطل، والحقيقة أن كل العقوبات المالية أنا أشك في حلها، بل الإسلام وضع عقوبات ما علمت منها عقوبة واحدة مالية أبداً. وعلى كلٍ هي تعتبر رادعاً لبعض المخالفات، والمخالفات المرورية بعضها خطيرة، ولو أن واحداً من الناس قطع الإشارة وقتل إنساناً فإنه يعتبر كالمتعمد في قتل هذا الإنسان، صحيح أنه يجب أن توضع هناك عقوبات، لكن لماذا لا تكون غير مالية، وإذا كانت مالية لماذا تضاعف؟ فأنا أرى أن العقوبات المالية كلها موضع نظر، فلا يعاقب الناس بأموالهم، وإنما يعاقبون بأنفسهم، ولابد أن تكون العقوبة كما جاء الشرع، بأنها تكون فور المخالفة، فالرسول ﷺ أمر كل من فعل ذنباً أو إثماً أن يعاقب فوراً؛ حتى يكون رادعاً لغيره، أما وضعها مدة من الزمن وإدخالها في الأجهزة الحديثة، ثم مضاعفتها بعد مدة من الزمن، فأنا أظن أن فيه تعدياً على أموال الناس.

стр. 848

قوة وشموخ الصحوة الإسلامية السؤال في هذا الزمن الذي تلاطمت فيه المحن، وانتهكت فيه حرمة العلماء والدعاة، وضيق على الصحوة، ما هو توجيهكم الكريم لهذه الصحوة العارمة التي لم تؤد جزءاً من دورها قياساً بعددها؟ ونرجو توضيح ما يخطط لهذه الصحوة، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: هذه الصحوة لا أحد يستطيع أن يقضي عليها، وقد سمعت واحداً من العلماء يقول: نحن نرشها بالماء، وفي أفغانستان رشوها بالمبيدات وما استطاعوا أن يقضوا عليها. وعلى كلٍ يا إخوان! الصحوة الإسلامية معناها إظهار لدين الله، والله تعالى حكم في القرآن العظيم بأنه سيظهر هذا الدين. إذاً: معنى ذلك أنه لا أحد يستطيع أن يقف في وجه هذا الدين، قال : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨]، وكم من خلق الله من حاول أن يقف في وجه هذا الدين، وأن يذل من أعزه الله، فعجز وتحطم، وقد جاءت الحروب الصليبية وبقيت مائة وسبعين عاماً تجوب خلال الديار، وخرجت والإسلام أعز مما كان، وجاء التتار وساموا المسلمين سوء العذاب، وخرجوا من بلاد المسلمين ولم يضعفوا مسلماً واحداً أو جعلوه يرتد عن دينه، بل خرجوا والمسلمون أعز مما كانوا، وهذه في اعتقادي أكبر أحداث في التاريخ جاءت لصرف المسلمين عن دينهم. فهذه الصحوة ليست معرضة لأن يضعفها أحد من الناس، إلا أننا ننصح كل واحد من الناس تسول له نفسه أن يقف في وجه هذا الدين أن يسير مع هذا الدين إن كان ممن ولاه الله تعالى أمراً من أمور المسلمين، وحينئذٍ نبشر بالعزة والتمكين في هذه الأرض، أما من يفكر في غير ذلك فإن عليه أن يراجع حسابه؛ لأن الله غالب على أمره ومتم نوره، وننصح إخواننا شباب الصحوة الإسلامية أن يضبطوا أنفسهم وتوازنهم، وألا يندفعوا كل هذا الاندفاع الذي نشاهده على بعضهم في بعض الأحيان، وربما يكون سبباً في جر مشاكل عليهم، وننصحهم أن يتعلموا الشرع؛ لأن كثيراً منهم اتجه إلى الله متأخراً، وربما أنه لا يعرف شيئاً من علوم الشرع، وربما أنه اختص بالعلوم العصرية، فنقول: لابد من أن يكون هناك علم تنضبط به هذه الصحوة، وتسير معه في خط مستقيم.

стр. 849

دعوة للتبرع للجمعيات الخيرية من أجل تزويج الشباب السؤال الحمد لله الذي أعانني على إكمال ديني بأن تزوجت، وذلك من فضل الله، ثم من تبرعات المسلمين الذين يدعمون الجمعيات الخيرية، فنرجو منكم يا فضيلة الشيخ! أن تدعوا للتبرع لهذه الجمعيات؛ ليعم الخير جميع الشباب؟ الجواب الحقيقة أن أفضل ما نقدمه من المال بعد الجهاد في سبيل الله هو تزويج هؤلاء العزاب، والله تعالى وعد من يتزوج لحفظ دينه بأن يعطيه من هذه الدنيا، فقال : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. وتزويج هؤلاء العزاب فيه فوائد كثيرة، منها إعفاف الفروج، سواء في ذلك الرجال والنساء، وبناء بيوت وأسر على طريق شرعية، وحماية وحفظ هؤلاء الشباب الذين يتفلتون هنا وهناك، ولربما يحدثون فساداً في الأرض بسبب هذه الشهوة الحرام، وكل هذه الأشياء نستطيع أن نقضي عليها بما نقدمه من هذا المال، سواء كان للجمعيات الخيرية التي تتبنى موضوع تزويج العزاب، أو ما نقدمه لهؤلاء الشباب الذين يفكرون في الزواج مباشرة. وأدعو الجمعيات الخيرية أن تزيد البذل في هذا السبيل؛ فإنها في اعتقادي من أفضل السبل التي يقدم فيها المال.

стр. 850

زيادة الصدقة في عمر المتصدق السؤال الصدقة تزيد في العمر، كيف ذلك والآجال مكتوبة، والله يقول: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]؟ الجواب يقول ﷺ : (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه)، يقول العلماء: المراد بالوسع هنا أحد أمرين: زيادة البركة في العمر، فالسنون لا تزيد لكن يبارك فيها فيستفيد الإنسان من هذا العمر أكثر مما يستفيده إنسان في عمره الذي لم ينزل الله فيه بركة، فيمضي عمر الثاني دون فائدة يستفيد منها، وأما صاحب العمر المبارك الذي أنزل الله تعالى فيه البركة فاستفاد منه صاحبه. الأمر الثاني: أن الله قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩]، فقد قدر الله تعالى الآجال، لكن يثبت الله تعالى ويزيد وينقص ويمحو، فيمكن أن يزاد في العمر حتى في الزمن، وليس معنى ذلك أنه تخطى الأجل، يعني: أن الله تعالى وضع له أجلاً، ثم زاد في هذا الأجل فأعطاه أجلاً آخر، فهذا الأجل الآخر هو الذي حصل عليه الإنسان بسبب صلته لرحمه أو بذله أو ما أشبه ذلك.

стр. 851

دعوة إلى التبرع لنشر الدعوة عبر الكتاب والشريط السؤال هناك بعض المناطق في المملكة وخارجها تنقصها الدعوة إلى الله، ومن وسائل الدعوة توزيع ونشر الكتاب والشريط، فهل ترون عرض هذا الأمر على أهل الخير لدعم هذا المشروع؟ الجواب هذا مشروع طيب، والبذل في أمر ينشر الدعوة إلى الله مطلوب، لكن بشرط أن يفهم الناس أن هذا ليس من الزكاة؛ لأن في اعتقادي أن هذا لا يصلح مصرفاً من مصارف الزكاة، فإذا أشعر الناس بأن هذا ليس من الزكاة وإنما هو من الصدقة الزائدة عن الزكاة فهذا عمل طيب. والشريط -والحمد لله- الآن يخدم الدعوة الإسلامية أكثر من أن تخدمها أي وسيلة من الوسائل الأخرى، وأرجو من إخوتي أن ينشطوا أمر الشريط والكتاب؛ فإن واحداً من الناس يهتدي بسبب شريط أو بسبب كتاب يكون خيراً لك من الدنيا وما عليها، وإذا ساهمت في هذا الشريط بريال واحد فلربما يكتب الله لك هذا الأجر كله، وكم من الناس من اهتدى بسبب الشريط أو بسبب الكتاب! فأنا أشجع هؤلاء الإخوة القائمين على ذلك، وعلينا أن نساهم، لكن لا نحتسب ذلك من الزكاة، وهذا مشروع أسأل الله تعالى أن يبارك فيه، وأن يوفق القائمين عليه للصواب.

стр. 852

أسباب ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال ما رأيك في ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع عموماً وعند الشباب خصوصاً؟ وهل هو ناتج عن ضعف المناهج التربوية المطروحة، أم عن الغزو الذي يمارسه الإعلام الداخلي والخارجي، أم أنه نتيجة للتربية المنزلية المستمدة من أعراف المجتمع، أم غير ذلك؟ الجواب ذكر الأخ السائل أسباباً كثيرة لهذا الضعف، ولكن أنا أضيف إلى هذه الأسباب أسباباً أخرى: ولعل من الأسباب أن تكون هناك هيئات رسمية تولت هذا الأمر، فظن الناس أنها مسئولية الدولة وليست مسئولية الناس، ولكن نحن مطالبون بأن نتعاون من الدولة ومع الحسبة الرسمية لإنكار المنكر، ولإقرار قواعد المعروف في الأرض، ووجود حسبة رسمية لا يعني أننا نصبح غير مسئولين أمام الله ، وقد عشنا شيئاً من الفترة التي سبقت وجود حسبة نظامية فرأينا الناس كلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولما قامت هذه الجهات الرسمية بهذا الأمر ظن كثير من الناس أنها مسئولية الدولة وليست مسئولية الناس، والحقيقة أنها مسئولية الجميع. وأمر آخر: لعل في كثرة المنكرات التي انتشرت في بلاد المسلمين ما أدهش كثيراً من المسلمين، فلم يستطع أن يقدم أو يؤخر شيئاً منها؛ لأنه اندهش، فكان ذلك سبباً في حيرته، فتأخر عن هذا الأمر كله. وعلى كلٍ فإن من أعظم أسبابها ضعف الإيمان في نفوس بعض الناس، وربما أن الخوف قد دب في نفوس بعض هؤلاء المسلمين، فلم يستطيعوا الإقدام على هذا الأمر، والله المستعان.

стр. 853

حكم الامتناع عن الدعوة لمن مُنع عنها السؤال إذا مُنعت من الدعوة فهل يجوز لي أن أمتنع، ولا ينالني الخسران المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]؟ الجواب ليس لك عذر أن تتوقف حينما تُمنع، فطاعة أولي الأمر واجبة، لكن بشرط ألا تتعارض مع طاعة الله ، فإذا تعارضت فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والدولة مسئولة أن تنظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن ليس لها الحق أن تمنع داعية يدعو إلى الله على بصيرة. وعلى هذا نقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله فرض كفاية، فإذا كان يقوم به من يكفي فيعتبر عذراً لك حينما تتوقف، مع أنك بهذا تفوت كثيراً من الفضيلة؛ لأن الدعوة إلى الله أفضل طريق إلى الجنة، كما قال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت:٣٣]، أي: لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً، ولكن حينما تكون الساحة قد خلت أو ضعف هذا الجانب وأنت تُمنع من أن تقوم بالدعوة إلى الله فحينئذٍ لا تتوقف؛ لأنك تسير بأمر من الله القائل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. فإذا خلت الساحة ولم يقم بهذا الأمر من يكفي فلا يجوز لأحد أن يتوقف لأي أمر من الأمور، وإذا كانت الساحة قد شُغلت وأصبح الأمر مكتفياً فيكون بالنسبة لك فرض كفاية، وحينئذ لك أن تتوقف، لكن اعلم أن من يدعو إلى الله هو خير منك؛ لأنه يقوم بهذا الأمر العظيم، ويهتدي على يده أناس كثيرون.

стр. 854

حكم الأكل مع المشرك السؤال هل يجوز الأكل مع شخص مشرك ولو كان عاملاً أو خادماً أو سائقاً في البيت، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب موالاة الكافرين والمشركين لا تجوز، لقول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، إلى آخر الآية، وهناك فرق بين الموادة وبين المعايشة، وكثير من إخواننا خارج السعودية يبتلون بهؤلاء المشركين؛ لأنه حصل في بعض البلاد اندماج واختلاط بين الفئتين. وعلى كلٍ يا أخي! احرص على أن تبتعد عن هؤلاء القوم، لكن لو أكلت معه دون أن تكون هناك صداقة وإنما جمعك معه مجلس أو ما أشبه ذلك، فلا أعتقد أن في ذلك حرجاً، لكن البعد عن هؤلاء في مجالستهم ومؤاكلتهم ومشاربتهم هو الأولى والأفضل، لكن لو اضطررت أن تأكل مع مشرك أو مع كافر بشرط ألا يكون هناك حرام في الأكل أو في طريقة الأكل أو ما أشبه ذلك؛ فحينئذ لا أعتقد أنه قد نهي عن ذلك، وإن كان الأصل هو أن يتميز المسلم بشخصيته وبحياته عن كل كافر ومشرك.

стр. 855

أفضل طريقة لحفظ القرآن الكريم السؤال ما هي أفضل طريقة لحفظ القرآن؟ الجواب عندك -والحمد لله- حلق في المساجد لتحفيظ القرآن وفيها خير، لكن أفضل طريقة لحفظ القرآن هي أن تحدد لك مقادير معينة من القرآن تحفظها، وتتوقف عند نهايتها، وتكررها يوماً بعد يوم، وتضع لك كل يوم صفحة من الصفحات تحفظها، وتكررها في الصلوات الخمس، وتكررها وأنت تمشي، وفي كل حالة من حالاتك، وفي اليوم الثاني تزيد صفحة وصفحتين وهكذا، حتى إذا صرت إلى مقدار معين تتوقف، وتكرر ما حفظته حتى لا تنساه، ثم بعد ذلك تبدأ مرة ثانية، وهكذا. المهم أن يكون هناك مذاكرة مستمرة لما حفظت من القرآن، وهذه أفضل طريقة. وأفضل زمن لحفظ القرآن هو أيام الصغر وأيام الشباب، ولذلك فإني أنصح الشاب أن يبادر إلى حفظ القرآن قبل أن يتحمل مسئوليات وتكاليف الحياة التي تشغله، وأنصح الآباء أن يلزموا أبناءهم أو على الأقل يشجعونهم على حفظ القرآن ماداموا في سن مبكرة؛ حتى لا تفوتهم هذه الفرصة، وهذه فضيلة للأب وللابن الحافظ للقرآن، والله المستعان. والحمد لله رب العالمين.

стр. 856

دروس وعبر من قصة موسى وفرعون [١] لقد ذكر الله في القرآن الكريم قصص أنبيائه السابقين؛ تسلية وتثبيتاً للنبي ﷺ ، ومن تلك القصص قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه، وقد أطال الله تعالى في قصته ما لم يطل في قصص غيره من الأنيباء؛ لما في قصته من دروس وعبر عظيمة، يستفيد منها العلماء الربانيون، والدعاة المربون، والأئمة المصلحون، والناس أجمعون.

стр. 857

قصة موسى ﵇ مع فرعون إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قاصم الطغاة والمتجبرين، وناصر أوليائه، لا حول ولا قوة إلا به، ولا غالب إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! ما زلنا في سلسلة من نبأ المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وكان حديثنا في حلقة سابقة عن قصة يوسف ﵊، والتي ابتدأت بطفل صغير يلقى في البئر، ويئس منه إخوانه، حتى يمكن الله له في الأرض، وتنتهي تلك القصة بمغزاها الكبير: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]. أما حديثنا الآن ضمن سلسلة من نبأ المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فهو قصة موسى ﵊ مع أكبر جبار عنيد وأكبر طاغية -إن صح التعبير- باستثناء طغاة يعيشون في عصرنا الحاضر، فهذا الطاغية أنكر الخالق ، وادعى الألوهية والربوبية لنفسه، وذبح الأبناء، واستبقى النساء خشية على نفسه، ولكننا سوف نجد أنه ينتهي أجله وحكمه وسلطانه وطاغوته وكبرياؤه على يد طفل من الأطفال الذين ولدوا في هذه الفترة التي كان يقتل فيها الأبناء ويستبقي النساء، وذلك كله تحدٍ من الله لهذا الطاغوت، ولكل طاغوت إلى يوم القيامة، حينما يريد أن يستذل خلق الله، أو يستبد في هذه الأرض، أو يعيث في الأرض فساداً. إذاً: القصة التي معنا اليوم هي قصة بني إسرائيل بقيادة موسى ﵊، أمام الطاغوت المتجبر فرعون عليه لعنة الله، ومن سار على منهجه إلى يوم القيامة. القصة تبدأ كما بدأت قصة يوسف ﵊ طفل يولد ويرمى في النهر، ذاك يرمى في البئر وهذا يرمى في النهر، ثم يكون الأمر نهاية فرعون على يد موسى ﵊. ومن هنا نعلم أن قصص الأنبياء تبدأ في بادئ الأمر بسيطة، لكن الله لا بد أن يظهر أولياءه، ويزيل الطواغيت على يد أناس كانوا مغمورين في المجتمع، فيوسف ﵊ ينهي الحكم في مصر، ويتولى هو حكم مصر، وقد خرج من البئر، أما موسى ﵊ فيلقى رضيعاً في تابوت في نهر النيل، ثم بعد ذلك يسقط أكبر طغيان على وجه الأرض مرت عليه مدة طويلة من الزمن. إذاً: هذه حكمة الله ، لا نستبعد النصر من الله ، ولو ضعفت البوادر والإرهاصات، فإن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إن قصة موسى تبدأ من قول الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص:٥]، وتنتهي بقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]، هذه النهاية.

стр. 858

أخذ العظة والعبرة من قصة موسى مع فرعون أما مغزى هذه القصة فهو واضح؛ لأن الحديث عن الأمم السابقة إنما هو من أجل أن تأخذ هذه الأمة درساً مدى الحياة؛ حتى لا تيأس من روح الله من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى تأخذ بأسباب القوة والتقدم، والله يقول: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، هذا هو حكم الله في هذه البرية، ولذلك فإن القصة عجيبة، تبدأ من طفل يلقى في النهر وتحدٍ، يقول الله : ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧]، مع أن القاعدة: أنه إذا خفت عليه أدخليه داخل الغرفة وأغلقي عليه الباب، وأسدلي الأستار حتى لا يعرف لكن هنا تحدٍ (أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)، مع أن هذا اليم -الذي هو نهر النيل- ينتهي بقصر فرعون، يعني: لو انقطع هذا الحبل كما حدث لانتهى في قصر فرعون، ولكن هذا كله من باب التحدي، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]. إذاً: هذا هو ملخص القصة، وقد يستغرب أحد الناس حينما يقرأ القرآن، فيندر أن توجد سورة طويلة إلا وفيها قصة موسى مع فرعون وقصة بني إسرائيل، ما هو السر في ذلك؟ لعل السر في ذلك هو أن بني إسرائيل هم آخر الأمم قبل أمة محمد ﷺ ، ولعل قائلاً يقول: عيسى ﵊ جاء بعد موسى، وجاء أنبياء بعد موسى! فنقول: نعم، حتى عيسى ﵊ بعث إلى بني إسرائيل، ولما بعث إلى بني إسرائيل آمن به من آمن من بني إسرائيل، وسموا أنفسهم نصارى، ثم انعزل النصارى عن بني إسرائيل، وهم في الحقيقة فرع من فروع بني إسرائيل، وغصن من أغصان شجرة بني إسرائيل. إذاً: الحديث الطويل في القرآن عن بني إسرائيل لأنهم آخر الأمم من ناحية، ومن ناحية أخرى: أن في بني إسرائيل من العبر والآيات ما على مثله يؤمن البشر، أعطى الله موسى آيات كونية إضافة إلى التوراة والصحف، تسع آيات كل واحدة تكفي لإيمان البشر عامة إلى يوم القيامة، ومع ذلك هذه الآيات التسع ما نفعت بني إسرائيل، حتى أراد الله لهم الطرد والإبعاد في هذه الحياة؛ ليعيشوا مشردين في الأرض إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، ما نفعتهم هذه الآيات التسع، وكذلك آل فرعون الذين جاءهم موسى ﵊ بتسع آيات ما نفعتهم هذه الآيات، فكانت نهايتهم الغرق والدمار. ولذلك بنو إسرائيل بناءً على هذه الآيات التسع التي جاءت من أجل أن تكون دافعاً لهم إلى الإيمان ما زادتهم إلا عتواً ونفوراً، والسر في ذلك هو الاستكبار الذي يصيب الأمم، فهنا فرعون قال الله عنه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:٤]، فكان طغيانه سبب نهايته، وبنو إسرائيل أيضاً استكبروا في الأرض فكان ذلك سبب نهايتهم، ولذلك بنو إسرائيل يسمون أنفسهم: شعب الله المختار؛ انطلاقاً من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، وحقيقة هذا الاختيار كان في زمن من الأزمان، لكن بعد أن انحرفوا عن دين موسى ﵊ أصبحوا أذل الأمم وأبعدها، أما هم فيظنون أن بينهم وبين الله نسباً فيقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، وليس بين أحد وبين الله نسب، فالله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، لكنه التمسك بهذا الدين، فمن تمسك بهذا الدين فإن الله يعطيه من الكرامات التي لم يعطها أحداً من العالمين، لكن حينما ينحرف فإنه ليس هناك بينه وبين الله عهد ولا نسب، فليعلم الناس أجمعون في أي مكان من الأرض وفي أي عصر أنها سنة الله في هذه الحياة، فإذا انحرف الناس عن سنة الله في هذه الحياة فإن الله تعالى يقول عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، أما الطرد والإبعاد من رحمة الله في هذه الدنيا؛ فإنه مصير كل من ينحرف عن هذا الدين.

стр. 859

الدروس المستفادة من قصة موسى ﵇ مع فرعون لابد أن نستنتج من هذه القصة دروساً، وهذه الدروس لا نوجهها إلى بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل رفضوها، وإنما نوجهها إلى المؤمنين من هذه الأمة؛ حتى يأخذوا منها العظة والعبرة والدرس، حتى لا ينحرفوا كما انحرف بنو إسرائيل، وحينئذ هذه الأمة ليست أقرب إلى النبوة من بني إسرائيل، فبنو إسرائيل فيهم النبوة منذ عهد يعقوب ﵊ إلى يوم القيامة، باستثناء نبي واحد هو محمد ﷺ ، فجميع الأنبياء في بني إسرائيل باستثناء محمد ﷺ ، فليس هو من بني إسرائيل، أما النبوة فإنها كلها في ذرية يعقوب ﵊. إذاً: معنى ذلك أن بني إسرائيل أقرب إلى النسب الشريف إذا كانت المسألة مسألة أنساب، لكن هذه الأمة تمتاز بأنها خير أمة أخرجت للناس، وإن لم يكن منها إلا نبي واحد وهو خاتم النبيين محمد ﷺ ، فالقصة ليست مسألة نسب، وليست مسألة وراثة، ولكنها مسألة تمسك بهذا الدين، فمن أخذ بهذا الدين فهو النسيب الشريف العظيم القريب من الله ، ومن انحرف عن هذا الدين أياً كان هذا الإنسان فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين. نعود إلى بعض الدروس التي سمعناها في هذه السورة في هذه الآيات من دروس بني إسرائيل، أولاً: هذه الآيات لا يستفيد منها إلا المؤمنون، كما قال الله في مكان آخر: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، أي: الذين عندهم علم وعقل، وهنا يقول الله تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٣]، أما القوم الذين لا يؤمنون فيظنون أنها قصة كسائر القصص التي يسمعونها! ولربما يسمونها أسطورة -نعوذ بالله- حينما ينحرفون عن المنهج الصحيح، ثم تمر هذه الآيات وهذه القصة التي تقطر بالآيات والعظات والعبر، ثم لا يستفيد منها هؤلاء القوم، لكن المؤمنين هم الذين يستفيدون من مثل هذه القصة. يقول الله تعالى عن هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٤]، هذا هو السر الذي جعل فرعون ينتهي سلطانه، العلو في الأرض، من أعظم الذنوب عند الله التعالي، سواء على الله أو على خلق الله، هو أسوأ طريق يورد الأمم إلى الهاوية، ولذلك نجد في قصة إبليس أنه كان في الجنة، وكان من الملائكة، ولكن ما الذي حدث؟ الذي حدث أنه علا في الأرض، فأصبح إبليس ملعوناً يلعنه الناس إلى يوم القيامة، وهو الذي يقود الأمم إلى جهنم يوم القيامة؛ بسبب أنه علا في الأرض وتكبر، وفرعون هنا كان صاحب سلطان عظيم، وكان كما يقول عن نفسه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٢]، يقصد به موسى ﵊, ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]. إذاً: القصة بدأت من العلو في الأرض، فأي أمة يمكن الله لها في الأرض ويؤتيها من ملكه وسلطانه فيجب أن تستغل هذا الملك وهذا السلطان فيما يرضي الله ، فإن استعملت هذا الملك وهذا السلطان في الكبرياء على خلق الله، واستذلال الأمم، وأذية الدعاة ومطاردتهم، ومتابعة أنفاسهم، إلى غير ذلك مما يؤدي إلى العلو والاستكبار في الأرض، فإن هذه الأمة قد أوشكت على النهاية؛ لأن هذا الرجل بدأت نهايته: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]. ولعل السر في تذبيح الأبناء الذكور بصفة خاصة والاستبقاء على النساء يرجع إلى رؤيا قيل: رآها فرعون، أو تخمين جاء في نفسه بأنه سوف يولد طفل من بني إسرائيل يكون هو سبب نهاية فرعون، وهذا غيب من غيب الله ، لا يطلع عليه إلا الله ومن أراد من المرسلين، لكن جاء في ذهنه هذا الأمر، فأوحى إلى زبانيته أن كل ولد ذكر يولد لا بد أن يقتل، ولا يبقى إلا النساء، ثم جاءت فترة خشي أن ينقرض شعبه؛ فصار يقتل سنة ويستبقي سنة أخرى، ومن عجائب قدرة الله أن موسى ولد في السنة التي يقتل فيها فرعون الأبناء، حتى يكون أبلغ في التحدي، كما كان من التحدي أن يدخل موسى وهو طفل رضيع إلى بيت فرعون، ولذلك فإن الله أراد أن يفرضه فرضاً عليه حتى يرى أن احتياطه لا ينفع ولا يرد من قضاء الله وقدره شيئاً، فولد موسى ﵊، وشب في بيت فرعون، وألقى الله عليه المحبة؛ فاحتضنته زوجة فرعون المؤمنة، وبقي هذا الطفل حتى أصبح رجلاً، فكان سبباً في نهاية فرعون. إذاً: هذه الآية لا يستفيد منها إلا المؤمنون.

стр. 860

العلو في الأرض له نهاية مؤلمة الآية الثانية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤]، إذاً: التسلط على الشعوب، وأذية الأمم، والجلوس لهم بالمرصاد، هذا أخطر شيء في حياة الأمم؛ لأن الإنسان حينما يعصي بينه وبين ربه فهذه معصية تحت مشيئة الله وإرادته، ما لم تصل إلى درجة الكفر أو الشرك، لكن إذا وصل إلى استذلال الأمم، وأذية المؤمنين، فهذا أخطر شيء في دمار الدول ونهايتها وسقوطها في أقرب وقت ممكن، ولذلك هذا هو الذي عجل نهايته، قال تعالى: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤]. ولذلك فإننا نقول لكل زعيم يريد أن يحكم بحكم الله في هذه الأرض: أنه ليست مهنته استذلال البشر؛ لأن استذلال البشر معناه أن يضعف القاعدة التي يقوم عليها؛ لأنه لا يقوم سلطان لأحد في هذه الأرض إلا على قاعدة، وهذه القاعدة هم هؤلاء المؤمنون الأتقياء الصالحون، فحينما يستضعفون ويستذلون، وتسلط عليهم الأضواء، وتتابع أنفاسهم إلى غير ذلك، وتفسر وتؤول كلماتهم خلاف ما يريدون، ويؤدي ذلك إلى أن تنشأ أمة ضعيفة هزيلة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها وعن كيان أمتها، يؤدي ذلك إلى ضعفهم وعدم قدرتهم على البقاء. وهذا هو الذي أحدثه فرعون أضعف القاعدة، واستذل الأمة، وصار يذبح الأبناء، ويستحيي النساء؛ لأنه كان من المفسدين، هو لا يريد الإصلاح، لو أراد الإصلاح لكان الأمر غير ذلك، إذاً: الذي حدث هو استذلال هذه الأمة فأدى ذلك إلى سقوط ملكه ونهايته. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]، وكلمة: (من المفسدين) دليل على أنه ليس هو وحده المفسد، فالمفسدون في القديم وفي الحديث موجودون، والعجيب أن هؤلاء المفسدين من طبيعتهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة:١٢].

стр. 861

الإمامة لا تنال إلا بالصبر واليقين ثم بعد ذلك يقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص:٥]، أمة مستضعفة تتحول إلى أئمة، لكن متى تكون هذه الإمامة؟ بشرطين: الصبر واليقين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، الأمم غير الموقنة غير المتأكدة من صحة المسار غير المقتنعة بالمنهج الذي تسير عليه لا تستطيع أن تصل إلى القيادة والريادة في هذه الحياة، الأمم التي لا تصبر نفسها، ولا تريد أن تتحمل المشاق في طريق هذه الحياة؛ لا تستطيع أيضاً ولا يمكن أن تحصل على قيادة هذه الحياة، أما هنا فالله تعالى يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص:٥]، يتحول من مستضعف في الأرض إلى إمام، وحينما يكون إماماً عليه أن يعي الدرس الذي يكلف به، لا يعتبر الإمامة والسلطة منطلقاً لاستذلال الأمم، وإنما يعتبرها كما أخبر الله عنها: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٤١]، في أنفسهم وفي غيرهم، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٤١]، في أنفسهم وفي غيرهم. ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، هذه هي مقومات الإمامة، وهذه هي نتائج الإمامة في هذه الأرض، وهنا يقول: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]، الوارثون لمن؟ الوارثون للسلطان الذي سوف ينتهي عما قريب على يد هذا الطفل، الذي ولد وتربى في بيت فرعون، ثم هو أيضاً يريد أن يقضي على هذا الملك في لحظة واحدة كما هو في آخر القصة؛ لأن آخر القصة ونهاية القصة، كما أخبر تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف:١٣٧ - ١٣٨]، فجعل الله لهم خلاصاً ومنهجاً بعد أن أوقع الطاغية وجنوده شر موقع.

стр. 862

حفظ الله ورعايته لأوليائه تتدخل مهما كان الأمر درس آخر: قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص:٧]، هذا هو الأمر العجيب! عندما يخاف إنسان على إنسان لا يلقيه في اليم، وإنما يدخله في الغرفة ويخفيه، ويغلق عليه الباب، هذه هي القاعدة المعروفة عند الناس بالنسبة لمن يخاف على نفسه أو من يخاف على غيره، لكن هنا يقول تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧]، وهذا في غاية التحدي من الله لهذا الطاغية ولكل طاغية، أي: أن قضاء الله وقدره ينفذ مهما اتخذت الاحتياطات ضد هذا القضاء والقدر، وكم من إنسان كان محصناً في ملكه، محيطاً به حرسه وقوته، وهو بكامل قواه، ثم ينزل عليه قضاء الله وقدره في أقوى ساعة يكون فيها متحصناً عن عدوه؛ لأن هذه أقدار وآجال مقدرة مؤقتة من عند الله : ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]. إذاً: الاحتياطات لا تنفع، الذي ينفع هو الاعتماد على الله من ناحية، مع اتخاذ شيء من الاحتياطات، لكن لا يعتمد على الأسباب، وإنما يعتمد على خشية الله ، وعلى حفظ الله وحمايته، مع اتخاذ شيء من الاحتياطات، بشرط أن يسير هذا الإنسان سيراً مستقيماً. وهذا عمر بن الخطاب ﵁، الذي كان يحكم عالماً كبيراً، كان ينام في المسجد، ما كان يحتاج إلى حرس، ويشهد له الزبرقان عدوه، لما وجده متوسداً بردة له في المسجد، وهو نائم في وسط الناس، وهو الخليفة، شهد له بالحق، وقال: يا عمر! عدلت فأمنت فنمت، ولكن الذين لا يعدلون كيف يحيط بهم الحرس والجنود من كل جانب، ومع ذلك لا يمكن أن يحفظهم هؤلاء من قضاء الله وقدره. فهنا يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص:٧]، وإن كان في اليم؛ لأن الله تعالى هو الذي يحفظ الإنسان، فليس الذي يحفظه الأبواب المغلقة، والستور المرخاة، والحصون المحصنة إلى غير ذلك، وإنما الذي يحفظه هو الله : ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، تصور يا أخي! وهو طفل يرضع تأتي البشارة من عند الله لأمه، وهذا الإيحاء ليس كإيحاء الأنبياء، وإنما هو نفث في الروع بأنه سوف يرجع إليها مرة أخرى ولو ذهب بعيداً عنها، وسيكون أيضاً من المرسلين، بل هو من خيار المرسلين ﵊؛ لأنه من أولي العزم الخمسة عليهم الصلاة والسلام.

стр. 863

الإثم على قدر المشاركة في الصد عن سبيل الله قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، هل يمكن لأحد أن يلتقط طفلاً ليكون له عدواً وحزناً؟ لا يمكن ذلك، إذاً: آل فرعون حينما التقطوه ما كانوا يظنون أنه سوف يكون لهم عدواً وحزناً؛ بل كانت تقول امرأة فرعون لفرعون تجاه هذا الطفل: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩]، لكن الله تعالى حكم بأنه سوف يكون لهم عدواً وحزناً، وحكم بأن هذا الطفل سوف يسقط هذه الإمبراطورية العظيمة التي مضت عليها آلاف السنين، سوف يسقطها هذا الطفل بإذن الله ، وبقدرة الله الغالبة، فاللام هنا ليست للتعليل كما يقول المفسرون، وإنما هي للصيرورة، أي: سوف يصير الأمر إلى أن يصبح هذا الطفل الذي يتربى في حجر فرعون عدواً لهم وحزناً، ثم ينهي هذا الظلم والطغيان الذي مضت عليه مدة طويلة من الزمن على يد هذا الطفل، حينما يبلغ سن الرجال ويوحي الله إليه. يقول تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، وهذا درس آخر، فرعون هو الطاغية الأول، وهامان الذي كان وزيره، لكن ما مصير الجنود؟ قد يقال: الجنود إنما هم منفذون للأوامر، كما يفعله جنود كثر في أيامنا الحاضرة، يفتكون بالمؤمنين والعياذ بالله، وينفذون أوامر الطواغيت في الأرض، وإذا قيل لأحدهم: اتق الله، قال: أنا تصدر لي أوامر فأنفذها، أنا بريء كيف يكون بريئاً والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]؟! إذاً: أنت حينما تنفذ أمر طاغوت في هذه الأرض إنما أنت كجندي من جنود آل فرعون الذين حكم الله بأنهم ظالمون، كما أن فرعون وهامان كانوا ظالمين، من أكبر جندي إلى أصغر جندي من أكبر مسئول إلى أصغر مسئول، كلهم يشاركون الطواغيت في تنفيذ أوامر تنافي أوامر الله ، أو تؤذي المؤمنين؛ فإنهم يشتركون في الجريمة سواءً بسواء: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، إذاً: المسألة مسألة اشتراك ولو بكلمة، ولو بكتبة قلم، ولو بأقل من ذلك، ولو بإشارة، ما دام أنه قد ساهم في مساعدة طاغية من طغاة البشر؛ فلابد أن يساهم في الخطأ الذي اقترفه هؤلاء، ولا بد أن يساهم في الإثم، وأن يكون له نصيب كنصيب ذلك الذي يصدر الأوامر التي تنافي أوامر الله ، فالمسألة ليست مسألة تنفيذ أوامر ما دامت تتنافى مع أوامر الله ، وإنما المسألة مسألة خطأ مشترك يشترك فيه أكبر طاغوت في الأرض يصدر الأمر، إلى أصغر صعلوك يستطيع أن يساهم في تنفيذ هذا الأمر الذي يتنافى مع أمر الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص:٨] جميعاً، ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨].

стр. 864

غلبة أمر الله وقدرته على كل القدرات ثم يقول الله بعد ذلك حينما يرعى الله هذا الطفل الصغير بعنايته ليكون هو رجل المستقبل، يقول الله : ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩]، وهذه أول رحمة تنزل على هذا الطفل الصغير؛ لأنه وصل إلى داخل بيت فرعون، أصبح الآن لا مناص له من القتل، فرعون يقتل الأبناء الذكور، وهذا ذكر، وقد تكون هناك علامات موجودة في موسى، وإرهاصات تدل على أنه هو الذي سيقضي على هذا الملك الجبار العنيد، إذاً: ما هو العلاج؟ ألقى الله تعالى من أول وهلة المحبة في قلب امرأة فرعون، فطلبت من زوجها الطاغوت أن يستبقي هذا الولد من بين كل الأطفال الذين يقتلهم في كل لحظة، ممن يولدون من بني إسرائيل في تلك الفترة إلا هذا الطفل؛ لأن الله تعالى يريد له أن يبقى، وهذه من قدرة الله الغالبة التي يقول الله : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، فهذا من غلبة أمر الله ، ومن نفاذ حكمه الذي لا بد أن ينفذ في هذا الكون؛ حتى يكون ما أراده الله . أما أم موسى فقد أصبح قلبها فارغاً، وهذه عاطفة لا تلام عليها أم موسى؛ لأنها عاطفة الأمومة التي تشعر بها كل أم تجاه طفلها، بالرغم من أن الله قد أمنها وأخبرها أنه سوف يرجع إليها، لكن ضعف الشخصية لدى المرأة مع شدة العاطفة التي تشعر بها المرأة أكثر من الأب أو أكثر من إنسان آخر هي التي جعلتها يفرغ قلبها؛ لأنها تريد هذا الطفل، فخافت عليه، خصوصاً أنها علمت أن النهر سوف ينتهي به إلى دار فرعون، ولولا أن الله تعالى لطف بها لأبدت الأمر، لكنها أخفته، ثم رجع إليها.

стр. 865

تحقق وعد الله الذي وعده أم موسى ثم يذكر الله أن أخته قصته، فصارت تبحث عنه، فوجدته قد دخل في بيت فرعون، فكتمت أخته الخبر حتى لا يعلم من أين جاء هذا الطفل، ورحمة الله تدركه مرة أخرى من أجل أن ينفذ هذا الأمر، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص:١٢]، من أجل أن يرجع إلى أمه كان كلما قدم له ثدي ليرضع منه رفض، إلى أن جاءت أخته فوقعت عينها على هذا الطفل فقالت: ألا أدلكم على من يستطيع أن يرضعه؟ فأخذته إلى أمه، وأصبحت أمه ترضعه وتأخذ مالاً على ذلك، إضافة إلى أن عاطفتها أشبعتها بحضور هذا الطفل، فكسبت زيادة على طفلها مالاً شهرياً يصل إليها بسبب إرضاعها لهذا الطفل الذي جيء به من قصر فرعون. ثم بعد ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص:١٣]، ما هو وعد الله؟ ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، فتحقق الوعد الأول وهو الرد إلى أمه، أما قوله: (وجاعلوه من المرسلين) فسوف يتحقق عما قريب.

стр. 866

مشاهد من قصة موسى ﵇ وأخذ العبرة منها ثم بعد ذلك يأتي دور موسى ﵊ لما بلغ سن الرجال، ولكن لا بد للرسالة ولا بد للداعية ولمن يريد أن يقنع الناس بهذا الدين وبأهمية هذا الدين حتى يستجيب الناس له، لابد أن يكون له وزن في المجتمع، وأن يقدم الخدمات لهذا المجتمع، حتى يستطيع أن يملك قلوب الناس، فالداعية الذي لا يقدم خيراً للناس قد لا يستجيب الناس له كل الاستجابة، لكنه حينما يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، يبحث عن الحق ليحقه في هذه الأرض، وعن الباطل ليبطله، مثل هذا هو الذي يستحق أن يكون مصلحاً في هذه الحياة.

стр. 867

موسى ﵇ ونصرته للإسرائيلي ولذلك موسى ﵊ أعطاه الله قوة في جسده، ومع هذه القوة أعطاه قوة أيضاً في شخصيته، فكان يبحث دائماً عن إحقاق الحق وإبطال الباطل، فحينما يرى مظلوماً يسعى قدر استطاعته إلى أن يرفع الظلم عن المظلوم؛ من أجل أن يكسب سمعة في هذا المجتمع، حتى يكون ذلك مقدمة لرسالته، وهذا في كل المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ومعلوم من سيرة محمد ﷺ في مكة قبل الرسالة كيف كان يقدم من الخدمات للناس، حتى قالت خديجة: (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر) عندما شهدت له ﵂، وهذه هي صفته كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، حتى كان أهل مكة بالرغم من كراهيتهم له يسمونه الصادق الأمين، لكن ذلك كان قبل الرسالة، أما بعد الرسالة فقد أصبح كاذباً خائناً في نظرهم، وهذه قاعدة مطردة، أي إنسان لا يريد أن يغير أوضاع الناس فتجده في كثير من الأحيان محبوباً عند الناس، لكن إذا أراد أن يغير أوضاعاً مألوفة فإنه يصبح خائناً وساحراً وكاهناً وكاذباً إلى غير ذلك. فموسى ﵊ كان لا يتحمل الضيم، وكان يريد أن ينقذ المستضعفين في هذه الأرض، فذات يوم وجد قبطياً من جنود فرعون يتنازع مع إسرائيلي من قومه، وكان ذلك القبطي ظالماً، فضربه موسى ضربة صغيرة، فسقط ومات بقوة موسى ﵊, لكن موسى ندم ورأى أنه قد أخطأ واستغفر الله تعالى. وفي اليوم التالي وجد صاحبه الإسرائيلي يتنازع مع قبطي آخر، فأراد أن ينتقم له مرة أخرى؛ لأنه يرى أنهم مظلومون فقال: يا موسى! ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ [القصص:١٩]، فكشف سراً ما كان له أن يكشفه، وقد كانوا يبحثون عن الذي قتل القطبي، فانكشف السر؛ مما اضطر موسى ﵊ إلى أن يغادر أرض مصر هارباً إلى بلاد الشام, من أجل أن يفر بنفسه ﵊ حتى يبتعد عن أعين القوم، أما القوم فقد علموا أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس؛ فصاروا يبحثون عنه، فجاءه رجل وحذره وقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢٠ - ٢١] , وهذا الخوف فطري ليس خوفاً من غير الله ، وإنما هو خوف فطري لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأن الإنسان لا يؤاخذ على الخوف الفطري، فحتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإن كانوا أشجع الناس وأقرب الناس إلى الله ، لكن الخوف الفطري جبل عليه كل الناس، لكن هذا الخوف ميزته في الأنبياء والمصلحين أنهم لا ينثنون عن مرادهم خوفاً من البشر، وإنما قد يختفون عن أعين الناس، كما اختفى الرسول ﷺ في غار ثور خوفاً من أعين قريش, وكما هرب موسى ﵊ من أرض مصر خوفاً من آل فرعون. هنا يقول الله عن موسى ﵊ لما ذهب: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١]، وهذه ميزة يجب أن يتميز بها المصلحون، كما هي ميزة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، بل هي ميزة يجب أن تكون لكل الناس ولجميع المؤمنين, في حال الشدة يجب الفزع إلى الله , والدعاء والتضرع بين يدي الله ، والله كريم، فهو الذي يقول: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١]، وبمقدار ما يُظلم الجو أمام الإنسان ما دام أنه قد أحسن العلاقة مع الله فإن الله تعالى يخلصه، ولذلك فالله تعالى خلص موسى من آل فرعون، فالله كريم، إذا تعرف إليه الإنسان في حال الرخاء فإن الله تعالى يتعرف إليه ويعرفه في حال الشدة، (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة): ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر:٦١]، ودروس كثيرة في القرآن والسنة، أمم يقعون في أعوص المشاكل وفي أحلك الظروف؛ لكن لهم حسنات سابقة لاسيما إذا كانت هذه الحسنات بينهم وبين الخلق؛ لأن الحسنات على نوعين: حسنات بينهم وبين الله يكسبون فيها أجراً، لكن هناك حسنات أخرى يقدمونها كخدمة لهؤلاء الناس، ولإصلاح أوضاع الناس، فإن الله قد يعجل لها شيئاً من الأجر في الحياة الدنيا، فيخلصهم من أمور خطيرة تحيط بهم.

стр. 868

خروج موسى ﵇ إلى أرض مدين إن المسلم قد يقع في مأزق من المآزق أمام عدو من أعدائه في هذه الحياة، لكن له سيرة حسنة مع إخوانه المسلمين, فالله قد يعجل له شيئاً من الجزاء، فيخلصه من هذه المشكلة في هذه الحياة، ولذلك فموسى توسل إلى الله وقال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١]، فنجاه الله تعالى من القوم الظالمين، ثم اتجه في طريقه إلى أرض مدين, ولما اتجه في طريقه إلى أرض مدين -وهي في حدود بلاد الشام- رأى ظلماً آخر، وهذا الظلم الآخر للمرأة المسكينة؛ لأن المرأة لا تظلم إلا في ظل جاهلية، لا تظلم في ظل دين, فامرأتان تذودان معهما غنم، وهذه الغنم لا تشرب من البئر حتى يصدر الرعاء، ما هو السبب؟ السبب أن اللاتي ترعى هذه الغنم هن امرأتان ضعيفتان، أما البقية فكانت مع رجال أقوياء, فكانت المرأة مغلوبة، ولذلك فإن موسى ﵊ رأى أن هذا حق قد هضم، وأن هاتين المرأتين قد ظلمتا في ظل هذه الجاهلية، ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص:٢٤].

стр. 869

أخذ العبرة من قصة المرأتين اللتين سقى لهما موسى . ولعلنا نستطيع أن نأخذ من قصة هاتين المرأتين: أن المرأة لا يجوز لها أن تزاحم الرجال؛ لأن القاعدة الاصطلاحية الشرعية أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِم﴾ [القصص:٢٣]، أي: في مكان بعيد، ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣] تذودان الغنم، إذاً: هي لا تزاحم الرجال، لكن كيف خرجت هاتان المرأتان هذا المشوار الطويل من بيت شعيب -على رواية طائفة من المفسرين- أو من بيت آخر الذي هو صاحب مدين، على خلاف بين المفسرين؟ السر في ذلك أنها ضرورة، فأبوهما كما قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، ولهذه الضرورة خرجت المرأة. إذاً: نستطيع أن نقول من خلال هذه الآية: إن المرأة لا تخرج إلا للضرورة، سواء كان لرعي الغنم أو لقضاء حاجة؛ لأن المرأة يجب أن يقوم الرجال بكفاية شئونها وقضاء حاجاتها، لكن حينما تضطر إلى الخروج لتقضي حاجة من الحاجات، فإن عليها أن تكون في منأى بعيداً عن الرجال حتى لا تختلط بهم، هذه هي سنة الله تعالى في هذه الحياة، وهذه هي الطريقة المثلى التي يجب أن تسلكها المرأة؛ حتى لا تحدث فتنة في المجتمع، ولهذا قال: (من دونهم امرأتين تذودان) أي: تذودان الغنم بعيداً عن الرجال. وعلى هذا نقول: إن المرأة إذا اضطرت إلى الخروج من بيتها لحاجة اضطرارية لا مناص منها، فإن عليها أن تكون في منأى عن الرجال، هذا هو حكم الله ، وهذا هو شرع الله تعالى للمرأة دائماً وأبداً في كل شرائع المرسلين عليهم الصلاة والسلام، أما في شريعة الغاب وفي شريعة المفسدين في الأرض فيقولون: لا، المرأة يجب أن تكون بجوار الرجل سواء بسواء، مجتمع معطل لا يتنفس إلا برئة واحدة! حتى في وقت فاض فيه عدد الرجال، وأصبح الرجال يعجز أحدهم عن الحصول على وظيفة، لا بد أن تكون المرأة تعمل، ولا بد أن تكون بجواره، ولا بد أن يكون هناك اختلاط، حتى لقد رأينا في دنيا الناس اليوم النساء تنافس الرجال على الوظيفة، لو دخلت مستشفى من المستشفيات مثلاً، وعملت إحصائية، أيهما أكثر الرجال أم النساء في مجال التمريض؟ لوجدت أن النساء أكثر بكثير من الرجال، حتى كأن الرجال فقدوا، فأصبحت المرأة هي التي تتولى خدمة الرجل، إضافة إلى خدمة المرأة، فهي التي تعطيه الحقن، وهي التي تناوله العلاج إلى غير ذلك، بالرغم من وجود رجال عاطلين في مجتمعات الأمة الإسلامية، وأعجب من هذا أن نجد النساء يعالجهن رجال، إذاً: المسألة ليست مسألة حاجة وضرورة، ومسألة إجبارية, المسألة مسألة انحراف أصاب هذه الأمة, وهذا الانحراف هو الذي سبب هذا الخلل الاجتماعي الذي أصاب أمتنا اليوم. وعلى ذلك نقول: القاعدة أنه يجب أن يكون للرجال رجال، وللنساء نساء، سواء كان في باب العلاج، أو في التعليم، أو في أي أمر من الأمور، أما هذا الاختلاط المشين الذي يدعو إليه أعداء الإسلام فلا يجوز، وفي شرع من قبلنا بالرغم من أنها بنت نبي صالح تستطيع أن تحفظ نفسها، وتكون تربيتها أقوى وأجود، بالرغم من ذلك: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣]، فبقيتا بعيداً عن الرجال, إذاً: هذه هي القاعدة الشرعية التي تتكرر في كل شرائع الأمم إلى يوم القيامة، أن تكون المرأة بعيدة عن الرجال، لكن في شريعة المفسدين في الأرض من العلمانيين والمتمردين والكفرة والفجرة يقولون: لا، الرجل والمرأة شيء واحد، ما هذا التخوف؟ لماذا نخاف على المرأة من الرجل؟! أليس: النساء شقائق الرجال؟! لماذا لا تزاحم الرجال؟! تختلط معهم في مدرج الجامعة، وفي الفصول الدراسية، وفي مكاتب الأعمال وغيره، حتى في المهن والحرف التي لا تصلح للنساء، ونتأكد أنها لا تصلح إلا للرجال!! إذاً: ذاك هو شرع الله، وهذا هو شرع البشر الذين تنكبوا عن شرع الله ، فالمسألة -أيها الإخوة- خطيرة جداً؛ لأن هؤلاء تمردوا -أي: الذين يريدون أن يخلطوا بين الرجل والمرأة في كل أمر من الأمور أو في جل الأمور- تمردوا على شرع الله في كل الشرائع السماوية، فضلاً عن شريعة الإسلام التي أولت هذا الجانب أمراً عظيماً من الاهتمام: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣]، فكأن هذا شيء مسلم، أن المرأة لا تزاحم الرجال، ولذلك موسى ﵊ ما سأل: لماذا لا تسقيان حتى يصدر الرعاء؟ لأن القاعدة متفق عليها، فهو يعلم ﵊ -وهو قبل النبوة، قبل أن يكون نبياً- أن المرأة لا تخالط الرجال؛ لأن هذه فطرة بشرية، ولأن اختلاط المرأة بالرجال انحراف عن هذه الفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها. ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، هذا هو العذر الذي أبدته هاتان البنتان، حتى لا يستغرب موسى لماذا الناس كلهم رجال مع أغنامهم إلا هاتان البنتان امرأتان، فالعلة: ضرورة، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، ثم ينتصر ﵊ للحق ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلّ﴾ [القصص:٢٤]، فأخذ نصيبهما بالقوة من الماء، حتى سقتا الغنم، فرجعت البنتان إلى أبيهما شعيب ﵊ -على رواية- فاستغرب كيف رجعت البنتان مبكرتين في هذا اليوم؟! وكيف استطاعتا أن تسقيا مع زحام الرجال وبنتاه لم تجر العادة بأن يخالطن الرجال ويزاحمن الرجال؟! فأخبرتاه بالقصة، وأنه جاء رجل تظهر عليه سيماء الخير والصلاح والاستقامة والقوة أيضاً، فسقى لهما، أما موسى ﵊ فـ ﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص:٢٤]، إلى ظل شجرة، وبدأ يتضرع بين يدي الله لا يدري أين يذهب؟ ولا يدري من أين يأكل؟ ليس بيده طعام، وليس بيده مال يشتري طعاماً؛ لأنه هارب فار بدينه من أرض الظلم والطغيان. ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، تضرع بين يدي الله ، والله لا يضيع أجر المحسنين. أما أبو البنتين فأرسل إحدى البنتين -وهذه ضرورة أخرى- لتأتي بهذا الرجل الذي سقى لهما: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥]، لتنتبه المرأة، (عَلَى اسْتِحْيَاءٍ)، فالحياء أعظم صفة للمرأة، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (لكل أمة خلق، وخلق أمتي الحياء، وإن الله إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً). إذاً: ما الفرق بين وضع هذه البنت التي جاءت على استحياء وبين كثير من النساء اللواتي يملأن أسواق العالم الإسلامي دع عنك العالم الكافر؟! والله إنه في كثير من البلاد الإسلامية لا أحد يستطيع أن يفرق بين المرأة المسلمة والكافرة! الحياء فقد منذ زمن بعيد! لكن الذي حدث بعد فقد هذا الحياء فساد عريض؛ لأن الحياء الذي هو لباس هذه الأمة وكساء نساء هذه الأمة حينما فقد أصبح هناك عراء عجيب, فقد الحياء، وانتشر الزحام، ووصل الأمر إلى أن ترى نساء تنتسب إلى الإسلام على شواطئ البحار عارية أو شبه عارية تماماً! فأين الحياء الذي تتميز به الأمم؟! لا في هذه الأمة فحسب بل حتى في الأمم السابقة، والذي إذا فقد في أمة من الأمم تصبح هذه الأمة بعيدة عن رعاية الله .

стр. 870

موسى ﵇ يذهب إلى والد المرأتين فيؤمنه ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥] , ثم يذهب موسى ﵊ إلى صاحب مدين ويخبره بالقصة, فيطمئنه صاحب مدين بأنه لا خوف عليه بعد اليوم، انتهى عصر الخوف بالنسبة لموسى ﵊، وأنه دخل في أرض أمان بأنه من الآمنين كما شهد الله ؛ لأن الأمن لا يأتي إلا مع الإيمان، ومع طاعة الله : ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١]، ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:١٠]، وهنا يقول له صاحب مدين: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥] الذين هم آل فرعون. إذاً: ما هو السر في هذا الأمن؟ وأين يكون الأمن؟ وكيف تبحث الأمم عن هذا الأمن؟ وفي أي مكان؟ إن الأمن مع الإيمان، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. وعلى هذا فإن أي حاكم يريد أن يحكم هذا العالم ويريد أن يأخذهم بطريق القوة ليقرر قواعد الأمن بالقوة فإنه لن يستطيع، وأي حاكم يحكم هذا العالم يريد أن يقرر قواعد الأمن والاستقرار من خلال اللهو واللعب والمسرحيات والترف والنعيم والفساد وإغداق الأموال فلن يستطيع؛ لأن هذه الشعوب مهما بلغت من الترف والنعيم والفساد لا بد أن تستيقظ في يوم من الأيام كما استيقظت في أيامنا الحاضرة، ثم ترفض هذا النعيم وهذا الترف والمتاع، ثم لا ينتبه الذين أذابوها في مجتمع مترف إلا على الجماجم والأشلاء، وهذا هو الذي يحدث في عالمنا اليوم. كذلك من يريد أن يحكم هذا العالم ويقرر قواعد الأمن بقوة الحديد والنار فإنه لن يستطيع ذلك، فإن الشيوعية قدمت ستين مليوناً من البشر في فترة وجيزة في عهد إستالين، تريد أن تقرر قواعد الأمن في بلادها، فما استطاعت أن تقرر قواعد الأمن أبداً، ثم سقطت الشيوعية وعاد الناس إلى دينهم وفطرتهم الصحيحة. وفي أفغانستان اثنا عشر عاماً والحرب تدمر المسلمين، وقتل ما يزيد على مليون مسلم، ودمرت منازلهم وشردوا، وما استطاعت الشيوعية في أفغانستان أن تثبت أقدامها فضلاً عن أن تقرر قواعد الأمن. إذاً: ما هو الطريق للأمن؟ الطريق لا تخف؛ لأنك رجل سيرتك معروفة: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥]، ولذلك خاض العالم حربين عالميتين الحرب العالمية الأولى والثانية، وقتل فيها أكثر من ثمانين مليوناً من البشر، وشوه فيها أكثر من ذلك، ودمر فيها من الأموال والثروات ما لا يحصيه إلا الله ؛ بحثاً عن الأمن، وما استطاعوا أن يقيموا قواعد الأمن في بلادهم، ولكن إذا أرادت أمة أن تثبت الأمن في بلادها فإن عليها أن تسعى إلى أن تثبته من خلال تربية الشعوب على طاعة الله ، تفتح المجال للدعوة إلى الله ، تشجع الدعاة وتعطيهم الحرية الكاملة، ادعوا إلى الله ربوا الشعوب فإذا تربت الشعوب على طاعة الله وعلى أيدي الدعاة والمصلحين؛ حينئذ يتحقق الأمن لهذه الأمة أياً كانت الظروف المحيطة بها، ولو كان كل الناس يحيطون بها من كل جانب، ولو كان الأعداء يتكالبون عليها من كل فج عميق، ما دامت قد أقامت شرع الله في الأرض، وما دامت قد أقرت قواعد الدعوة إلى الله ، وأعطت الدعاة الحرية لأن يدعوا الناس إلى دين الله دعوة صحيحة، وأن يقودوهم إلى طريق السعادة، هنا يتحقق الأمن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ولذلك يقول الله تعالى هنا عن رجل مدين أنه قال لموسى: (لا تَخَفْ)، حينما علم سيرته، ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥].

стр. 871

اتصاف موسى بصفة القوة والأمانة وكان موسى ﵊ يتصف بصفتين هما صفتا العامل الناجح, فعلم رجل مدين -وأنا أقول: رجل مدين؛ لأن المفسرين اختلفوا هل هو شعيب أو غيره؟ فنريد أن نخرج من الخلاف بهذا الاسم- علم من خلال ابنته التي جاءت به أنه رجل شريف في خلقه وشرفه، وأنه رجل قوي في جسمه ودينه أيضاً. إذاً: هو يستحق أن يكون عاملاً عند رجل مدين، أما بالنسبة لشرفه وأمانته وعفته فيقول المفسرون: كانت الفتاة تسير أمامه تدله على الطريق، فصار الهواء يرفع ثوبها؛ فخشي أن يرى شيئاً من جسدها، فقال: تسيرين ورائي وأنا أكون في الأمام، فأصبح رجلاً شريفاً يصلح لهذا الأمر. أما بالنسبة للقوة فهو الذي استطاع أن يدفع الناس كلهم رعاة الغنم من أجل أن يسقي غنم رجل مدين، ولذلك مدحه الله تعالى بالصفتين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، إذاً: القوة والأمانة هما الصفتان اللائقتان لكل أجير، أياً كان هذا الأجير، سواء كان عاملاً أو غيره، فيجب أن نختار القوي الأمين، إذاً: ليعلم الذين يأتون بالكفار إلى بلاد المسلمين، ويعتبرون أن عندهم من الأمانة ما ليس عند المسلمين أنهم خاطئون، وأنهم قد تعرضوا لغضب الله ؛ لأن هذا يتنافى مع الشرط الذي اشترطه الله لمن يتولى أمراً من الأمور أياً كان هذا الأمر، ولو كان حرفة، ولو كان حراسة، ولو كان خدمة أياً كان، فكيف إذا كان أمراً مهماً؟ وكذلك بالنسبة لمن يتولى أمراً من أمور المسلمين أياً كان هذا الأمر، سواء كان رئيساً للدولة، أو أصغر جندي من جنود الدولة، أو أي مسئول، وزيراً كان أو أميراً، يجب أن يتصف بهاتين الصفتين: القوة والأمانة، ويجب أن تكون هذه القوة ليست خاصة بالقوة الجسمية، وإنما أيضاً في القوة المعنوية والعقلية وقوة الإرادة، وكذلك الأمانة والهدى والتقى والاستقامة. وهنا نقول: إن أبرز صفتين من صفات من يتولى أمراً من الأمور أياً كان هذا الأمر: أن يكون قوياً، وأن يكون أميناً, أما إذا كان ضعيف الشخصية, فماذا تستفيد الأمة من الرجل الصالح إذا كان ضعيف الشخصية؟ يغلب على أمره، لا يستطيع أن يحل مشكلة من مشاكل الناس، وماذا يستفيد الناس من الرجل الخائن الذي فقد الأمانة حينما يتولى أمراً من أمور المسلمين؟! ولذلك نشكو إلى الله عدم توفر هذين الشرطين في كثير ممن يتولى أمور المسلمين في أيامنا الحاضرة، إما أن يكون قوياً، لكن قوته إنما تكون تسلطاً وجبروتاً ليذل من أعز الله أو ليعز من أذل الله، وإما أن يكون ضعيفاً لكنه ذو أمانة، ونحن لا نستفيد من أمانته ما دامت هذه الأمانة تتسم بالضعف, فالصفتان لا بد من أن تشترك كل واحدة منهما مع الأخرى؛ حتى يكون من يتولى أمر المسلمين قوياً أميناً. ولذلك: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص:٢٦]، أي: لرعاية الغنم؛ لأننا نحن نساء، لا نريد أن نخرج كل يوم من الصباح إلى المساء نرعى الغنم، نحن نساء يجب أن نؤدي الدور المنوط في أعناقنا داخل البيت؛ لنقوم بإعداد البيت وتربية الأطفال والنشء، أما هذه الغنم فيجب أن يتولاها رجل، وهذا الرجل هو الذي يجب أن يتولى دائماً الأمور التي تكون خارج البيت، كما هي الفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها, وهذا الرجل يتصف بصفتين مهمتين هما: القوة والأمانة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. إذاً: لا بد أن يفهم الناس ما هي مواصفات وما هي شروط الأجير؟ ونقول: الأجير؛ فإن رئيس الدولة يعتبر أجيراً؛ وإن الجندي الصغير والخادم الصغير يعتبر أجيراً، وما بين ذلك يعتبر أجيراً للمسلمين يتولى أمر المسلمين، فلا بد أن تتوفر الأمانة والقوة، فإذا فقدت إحداهما لا تنفع الأخرى، وإذا فقدت الاثنتان فإن المصيبة تكون أشد وأعنف، ولذلك لا بد من القوة والأمانة، أما قوة بدون أمانة فإنها تحدث لنا السفاحين في الأرض والسفاكين للدماء، وأما أمانة بضعف فإنها تجرئ على الأمة الإسلامية أعداءها الذين يتربصون بها الدوائر، إذاً: لا بد من هاتين الصفتين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦].

стр. 872

موسى ﵇ يتسلم رعاية الغنم مقابل الزواج ثم بعد ذلك تبدأ الأجرة، ويعمل العقد بين موسى ﵊ ورجل مدين على ثمان سنين أو عشر سنين، ويكون الخيار فيه لموسى ﵊، ويكون المهر هو هذه الأجرة، وهذا دليل على أن المهر واجب من واجبات النكاح، وأن المرأة في الأديان عزيزة كريمة، وأن المرأة لا تسقط في مهرها إلا حينما تسقط أخلاقها، وهذان مثلان: المثل الأول: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، ثمان سنين، انظر إلى كثرة المهر؛ لأنها امرأة كريمة تستحق هذا المبلغ، ثم تعال إلى بلادنا هنا، كثير من الناس يتكلم عن غلاء المهور، صحيح هناك غلاء في المهور، لكن ما هو السر في غلاء المهور؟ لأن هذه المرأة في بلادنا مصونة، لكن اذهب إلى بريطانيا تجد المرأة بنصف جنيه إسترليني، يتزوج الإنسان امرأة، ولربما هي تبذل هذا المهر إذا عجز الزوج عنه؛ لأنها امرأة ساقطة, ونحن حينما نقول هذا الكلام لا نريد أن نشجع غلاء المهور، فإن غلاء المهور يعتبر خللاً في نظام المجتمع، ويؤدي إلى عزوبة وعنوسة في المجتمع، لكن نقول: وجود المهور مرتفعة في بلد ما يدل على كرامة المرأة وعزتها, ولذلك بمقدار ما تنحدر المرأة إلى الحضيض ينحدر معها المهر؛ لأنها تصبح امرأة لا قيمة لها ولا وزن, وبمقدار ما تتمسك هذه المرأة بدينها وبشرفها يكون نصيبها من المهر أكثر، وقد ضربت مثلين: المثل الأول: في البلاد التي سقطت فيها المرأة حتى أصبح فيها نوادي للعراة -نعوذ بالله- وأصبح زواج الذكر بالذكر في مثل بريطانيا يبيحه القانون والنظام بعقد شرعي نظامي كما يقولون، وفي البلاد التي تحافظ محافظة بمقدار ما تحافظ يكون نصيبها من غلاء هذه المهور, ولذلك قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:٢٧]. وهنا لابد أن ينتبه إخواننا أصحاب المؤسسات المعمارية والتجارية, فإننا في كل لحظة توجه إلينا أسئلة من عمال مساكين جاءوا من بلاد بعيدة هم مسلمون وأتقياء، جاءوا ليعفوا أنفسهم، وليرتزقوا الله في هذه البلد بلد الخيرات والنعيم، وبلد الاستقامة, ومن أجل أن يحصلوا على لقمة العيش، من أجل أن يقيتوا شيوخاً وعجائز وأطفالاً وأرامل، ثم إذا بهم يفاجئون ببعض أصحاب المؤسسات في بلادنا يستغلون هذا العامل كل استغلال، ولربما يفرض عليه خمسين بالمائة من دخله مقابل أن يكفله, وربما يكون بالراتب ولا يعطيه الراتب، كثير من الشكاوى تصل إلينا من العمال ضد أصحاب المؤسسات، خصوصاً الذين يأخذون العمال ويتركونهم, يجلس في بيته نائماً ويستغل هذه الفرصة، وهي أن الدولة أعطته فرصة لأن يكون كفيلاً لهؤلاء الفقراء، ثم يأخذ أكثر ما يكسبون، ثم يرجعون إلى بلادهم فقراء، حتى إن طائفة منهم يأتون يطلبون أجرة العودة إلى بلادهم! هذا ليس من صفات المؤمنين، ومنهج المرسلين خلاف ذلك, والله يقول في الحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة)، من هم الذين يخاصمهم الله ؟ ومن يستطيع أن يخاصم الله؟! ومنهم: (رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره)، وقال ﵊: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، بأي شيء يا أخي! تستحل مال مسكين كان يكدح ليله ونهاره من أجل أن يحصل على لقمة العيش ليقيت نفسه وأطفاله وذريته وأهله، وأنت الرجل الذي أنعم الله عليك في بلاد الخيرات، وتنام في بيتك لتأخذ النصف وربما الثلثين من دخل هذا المسكين، وربما يكون مبلغاً مقطوعاً قد لا يحصل العامل على هذا المبلغ، وقد يحصل عليه فقط دون أن يكون له وافر كسب؟! فهنا قال لموسى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:٢٧]، هذا هو النظام الذي يجب أن يسلكه الناس في معاملة العمال والمساكين. هذه من صفات المستأجر مع الأجير: (وما أريد أن أشق عليك)، ثم يقول المستأجر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧] , فالمسألة ليست أمراً فقط يقوم به المستأجر، وإنما حتى الأجير يجب أن يكون من الصالحين, ويجب أن يؤدي الدور الذي من أجله استؤجر ويؤدي العمل؛ لأنه حينما يؤدي العمل يكون قد أبرأ ذمته أمام الله ، وأخذ رزقاً حلالاً، وهي هذه الأجرة التي يأخذها مقابل هذا العمل، فالأول لا يشق على الأجير، والأجير يجب أن يكون من الصالحين أي: يؤدي العمل كما يرضي الله .

стр. 873

إتمام موسى ﵇ للأجل ثم بعد ذلك قضى موسى الأجل، كما أخبر الله : ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص:٢٩] , فيجب الوفاء بالعقود، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] , فالوفاء بالعقود أمر طبيعي، وواجب يجب على المسلم أن يحافظ عليه، ويجب الوفاء بالشروط أياً كانت هذه الشروط، ما دامت لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، أما الشروط التي لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً؛ فإنه يجب الوفاء بها أياً كانت هذه الشروط، سواء كانت بين الزوجين، أو بين الأجيرين، أو بين أي واحد من الناس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] , وعلى هذا نقول: إن الأمة الإسلامية مطالبة بأن تطبق هذا القرآن منهج حياة، فليست قصصاً تتلى، وليست أشياء مسلية، وإنما هي أحكام يجب أن تنفذ، وحينما يقص الله علينا قصة أمة من الأمم يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]، فهذه العبرة يجب أن تؤخذ كمنهج حياة لأمة من الأمم, والقاعدة الشرعية أن منهج المرسلين عليهم الصلاة والسلام مع الأمم هو منهجنا، لا يختلف إلا إذا جاء شرعنا بخلاف ذلك, فإذا جاء شرعنا بخلاف ذلك فإن شرعنا يتقدم, وإذا وافق شرعنا ولم يأت شرعنا بخلاف ما جاءت به الشرائع السابقة فإن ذلك يجب أن يكون منفذاً، ولذلك هذا القرآن خلق عظيم، كما قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وفسرته عائشة ﵂ في قولها حينما سئلت عن خلق الرسول ﷺ قالت: (كان خلقه القرآن)، والمسلم حينما يقرأ القرآن عليه أن يأخذ منهج حياته من كتاب الله ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين.

стр. 874

دروس وعبر من قصة موسى وفرعون [٢] كانت المرحلة الثانية من حياة موسى ﵇ مرحلة عصيبة، حيث أصبح فيها داعية إلى عبادة الله ، وقائداً للناس إلى طاعة ربهم، وبالمقابل مواجهاً لأطغى رجل في ذلك العصر وهو فرعون، فتارة يدعوه باللين والجدال الحسن، وتارة يريه المعجزات والآيات لعله يؤمن بالله تعالى، ولكن لم يجد ذلك شيئاً، فكانت نهايته الغرق هو وجنوده، بعد أن أتى موسى بكل الوسائل في الحوار معه، وهكذا تكون نهاية الظالمين.

стр. 875

مراحل مصارعة موسى ﵇ لفرعون إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! هذه حلقة من حلقات (من نبأ المرسلين)، وهي الحلقة الثانية بالنسبة لسيرة نبينا موسى ﵊ مع أكبر جبار عنيد في الأرض، أنكر الألوهية، وادعى لنفسه الربوبية، وبطش في الأرض، وعاث في الأرض فساداً، ولكن نهايته كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. وهذه النهاية هي نهاية كل جبار عنيد، وكل طاغوت يريد أن يبطش بعباد الله، ويريد أن يستذل من أعزه الله وأن يعز من أذله الله، ولربما تطول الجولة لطغاة ووحوش البشر، ولكن الله كما قال عن نفسه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. وقصة موسى مع فرعون قصة طويلة، كما عرفنا الجزء الأول منها، والجزء الأول يعود كله إلى إعداد موسى ﵊ إعداداً عجيباً، يبدأ من ولادته في فترة كان فرعون يقتل الرجال ويستحيي النساء، ويتحدى الله تعالى -كما مر معنا في الحلقة السابقة- أيما تحدٍ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧]، ثم يتحداه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]. ثم يكون الصراع المؤقت بين موسى ﵊ وبين فرعون إلى أن فر إلى ديار مدين وبقي هناك بضع سنين، ثم رجع إلى ذلك الطاغوت وهو يحمل الرسالة من عند الله ، وهو النصف الثاني من الحديث عن موسى وفرعون، يبدأ بقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩]، ولعلكم خلال الآيات التي سمعتموها أدركتم كيف أن الإيمان يفعل أفاعيله بالرجال، وأن الإنسان ليعجب كل العجب وهو يسمع أن السحرة الذين استقطبهم فرعون من كل أقطار مصر، حتى قال بعض المفسرين: إن عددهم بلغ مائة ألف، كل جاء بما عنده من السحر، أنهم في اللحظة الأولى يقولون: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]، وبعدها بلحظات يقولون: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، وحينئذ نعلم أن الإيمان فطرة في هذه القلوب، وأن الله قد استودع في النفوس البشرية، بل في نفوس مخلوقاته هذا الإيمان، كما قال عن نفسه : ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. ثم إنك لتعجب كل العجب وأنت ترى هؤلاء السحرة الذين ما عرفوا الله إلا في لحظات، وما عبدوه إلا في سجدة واحدة فقط، ثم يوجه إليهم هذا الإخبار الشديد، وهذا التخويف والإرهاب من طاغية هو ينفذ في الحقيقة كل ما يقوله، فيقول لهم: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، وفعلاً هذه أخطر وسائل القتل والتصليب والتقطيع، ولكن الإيمان أمره عجيب! لا أحد يستطيع أن يقف في وجه الإيمان حتى ولو كان إيماناً حديث العهد وجوده في نفوس هؤلاء الناس؛ لأن أصله -وهي الفطرة- موجود ومفطور عليه كل الناس، ولذلك فإنهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] تغير الأسلوب، فقد كان الحلف: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ)، فأصبح بعزة الله سبحانه؛ فهو (فطرهم) أي: خلقهم ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]. فانظر يا أخي! السحرة لم تمر على إيمانهم إلا لحظات، إذاً: كيف بالذين ولدوا على الفطرة؟! وكيف بالذين عاشوا في بيوت الفطرة وفي أرض الفطرة لو تعرضوا لمثل هذه الفتن أو لأقل من هذه الفتنة، ماذا سيفعلون؟ وماذا سيقولون؟ نستطيع أن نأخذ هذه المرحلة من مرحلة حياة موسى ﵊ وهو يصارع هذا الطاغوت الجبار العنيد على عدة مراحل من هذه الآيات التي ذكرها الله تعالى.

стр. 876

تحرير موسى ﵇ بني إسرائيل من العبودية أولا: ً موسى ﵊ وسائر المرسلين ما جاءوا لهذه الحياة من أجل أن يعلموا الناس العبادة لله فقط، وإنما جاءوا أيضاً من أجل أن يحرروا النفوس البشرية من الخضوع لغير الله ، ولذلك فإن منهج المرسلين -وهو أيضاً منهج المصلحين إلى يوم القيامة دائماً وأبداً- هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ثم هو أيضاً تحرير النفوس البشرية وإنقاذها من الخضوع لغير الله ، ومن أجل ألا تستغل هذه النفوس المؤمنة لغير الله ، ولا تنحني لغير الله ؛ ولذلك نجد أن منهج موسى ﵊ في أول مقابلة يقابل فيها هذا الطاغوت أن قال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧]، هذا هو منهج المرسلين، خلاف ما يتهم العلمانيون -قاتلهم الله أنى يؤفكون- هذا الدين بأنه إنما هو منهج عبادة، أما قيادة الحياة فهم يعتبرونها لغير المسلمين، ولغير المؤمنين والمتدينين والمصلحين. إذاً: أول مهمة وأطروحة طرحها موسى ﵊، وأول هدف جاء به من عند الله مع أخيه هارون أمام هذا الطاغوت هو تحرير النفوس البشرية من الخضوع لغير الله : ﴿فأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه:٤٧]؛ لأن تعذيب النفوس بغير حق إنما هو ظلم، والمرسلون جاءوا لرفع الظلم عن البشرية، والعلماء المصلحون يأتون من بعدهم لرفع هذا الظلم، ولذلك أول مطلب لهذين الرسولين عليهم الصلاة والسلام: ﴿فأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]، ولم يقولوا له: والسلام عليك؛ لأنه غير مؤمن، وإنما قالوا: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧]، وهذا هو الأسلوب الذي يجب أن يوجه لكل كافر لا يؤمن بالله ، ولا يؤمن باليوم الآخر، فلا يجوز أن نبدأ اليهودي ولا النصراني ولا الكافر أياً كان، ولا الملحد بتحية غير هذه التحية: (السَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) أي: فإن اتبعت الهدى فعليك السلام، وإن لم تتبع الهدى فإن السلام ليس حق لك منا، وعلى هذا يقول ﵊: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه).

стр. 877

الجبابرة والطواغيت منهجهم دائماً إنكار الخالق ثم نجد أن الجبابرة والطواغيت منهجهم دائماً وأبداً إنكار الخالق ، فينكرون الخالق وهم يؤمنون بالخالق؛ لأن الإيمان بالخالق يربط البشر بالله ، ويحررهم من الخضوع لغير الله ، ولذلك نجد ونلاحظ عبر فترات التاريخ الطويل أن كل من أراد أن يستعبد أمة لا بد أن يبدأ أولاً بإنكار الخالق ، وإن لم ينكره من أول وهلة لكنه يأتي بمقدمات تشير إلى أنه لا يؤمن بخالق لهذه السماوات والأرض، على الرغم من أن الإيمان بالخالق فطرة فطر الله الناس عليها. ولذلك حتى الملاحدة الذين لا يؤمنون بالخالق يقول أحدهم: والله الذي لا وجود له، كان يحلف بمثل هذا الحلف، فالفطرة تفرض عليه أن يقول: والله، لكن المصلحة تفرض عليه أن ينكر وجود الخالق ، ولذلك نجد هذا الطاغوت لا يمكن أن يستعبد الأمة إلا أن يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨] أي: فيما يدعيه من أن له إلهاً، ولذلك نجده هنا يقول: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩]، وهو يعرف أن ربهم هو الله ، وأنه لا يصلح أن يكون إلهاً، وأنه لم يخلق شيئاً في هذا الكون، ولا يستطيع أن يخلق شيئاً في هذا الكون، وأن الفطرة البشرية التي فطر الله عليها البرية هي الإيمان بهذا الخالق ، لكن لا يمكن أن يستعبد الأمة وهي تعرف أن لها خالقاً، ولذلك فإنه يضطر إلى أن ينكر وجود الخالق ، حتى يستطيع من خلال هذا الإنكار أن يستذل هذه الأمة. أما فرعون في قرارة نفسه فإنه يؤمن بالخالق بنص القرآن: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] و (ظلماً) هنا حال من الواو في (جحدوا)، لا من الهاء في (استيقنتها)، أي: أن تركيب الكلام: (وجحدوا بها ظلماً وعلواً واستيقنتها أنفسهم)، وهذا شيء مشاهد، ولذلك نجد هذا اليقين الذي أخبر الله عنه بقوله: (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) نجده يبرز في ساعة الصفر حينما تنتهي المهمة، وتنتهي مسرحية فرعون الذي أنكر الخالق ، واستذل أمة مدة طويلة من الزمن، حتى إذا انتهت الفترة التي من خلالها يستطيع أن ينكر الخالق إذا هو يعلن إيمانه بالخالق ، وهي ساعة الغرق؛ ولذلك يقول الله عنه في ساعة الغرق: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، ثم قال الله تعالى له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩١ - ٩٢] فقط لا نعيدك للدنيا مرة أخرى ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]، كل طاغوت يريد أن يستذل أمة أو أن يستعبد شعباً أو أن ينكر الخالق أو يستضعف الأمة المؤمنة تكون أنت آية له وكل من رآك، وإن من يراه في متاحف مصر ليتذكر هذه الآية التي يقول الله فيها: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً). إذاً: هو يؤمن في قرارة نفسه بالله ، ويعلن هذا الإيمان في الفترة التي لا يستفيد فيها من إنكار الخالق ، وإن من يزور مقابر الفراعنة في مصر يتأكد أنهم يؤمنون بالخالق ، فهم يؤمنون بالبعث بعد الموت، ولذلك يجعلون فتحات في مقابرهم لعودة الروح يوم القيامة، والإيمان بالبعث بعد الموت فرع عن الإيمان بالخالق ؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يؤمن بالبعث بعد الموت إلا بعد أن يؤمن بالخالق . وهنا يوجد من ينكر البعث بعد الموت وإن كان يؤمن بالخالق ، كما كان المشركون في زمن الرسول ﷺ يعتقدون شيئاً من ذلك. إذاً: الطغاة والمتجبرون والمعاندون، والذين لهم تفكير في إذلال البشرية، لا بد من خلال هذا التفكير أن ينكروا الخالق ، ولذلك نجد الشيوعية التي جاءت وحكمت مدة خمسة وسبعين عاماً في بلادها ثم سقطت في آخر المطاف؛ لأنها تنافي الفطرة، نجد أنها طيلة هذه الفترة تجبر الناس على إنكار الخالق ، وأهم مبادئها هو إنكار الخالق ؛ لأن الشعوب لا يمكن أن تخضع لغير الله إذا آمنت بالله ، وبالرغم من ذلك فإنها لم تستطع أن تنجح في مهمتها. إذاً: الإيمان بالله فطرة فطر الله كل المخلوقات عليها الإنسان وغير الإنسان، فالإنسان مفطور على الإيمان: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] وغير الإنسان من المخلوقات الحية مفطورة على الإيمان أيضاً، كما قال الله : ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].

стр. 878

استعباد الأمم لا يكون بإذلال المصلحين الأمر الثالث: كل من أراد أن يستعبد أمة لا بد أن يستذل المصلحين، ولا بد أن يحول بين المصلحين وبين الأمة؛ لأن هؤلاء المصلحين منهجهم هو إرشاد الناس إلى الخضوع لله ، وتحذيرهم من الخضوع لغير الله ؛ ولذلك فإن كل المفسدين في الأرض -وإن تظاهروا بالإصلاح كما قال الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]- هم في الحقيقة يخافون على الأرض لا يخافون على الدين، وربما يتظاهرون بالخوف على الدين، كما قال فرعون لعنه الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، مع أنه هو الذي كان ينشر الفساد في الأرض، ولذلك هم يخافون على الأرض، ويخافون على الملك، ويخافون على السلطة، فيقفون في وجوه المصلحين خوفاً على هذه السلطة أن تنتزع من أيديهم إلى أيد أخرى هي أهل لهذه السلطة، ولذلك يقولون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٥٧]. ولذلك هذا هو الخوف الحقيقي، هو خوف على الأرض لا خوف على الدين، وإن تظاهر المفسدون في الأرض بأنهم يخافون على الدين، وأنهم يخافون على عقيدة الناس، وعلى منهج الناس، فهم في الحقيقة لا يخافون إلا على الأرض، أما المصلحون فليس لهم مطمع في الأرض؛ لأن هدفهم فوق الأرض والتراب، هدفهم هو إصلاح هذه الأمم وربطها بالله . أما الكراسي والمراكز فإنها ليست أهم أهدافهم، اللهم إلا إن كان هدفاً كهدف يوسف ﵊ حينما قال للعزيز: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] يريد أن يتخذ من هذه السلطة منطلقاً للإصلاح في الأرض.

стр. 879

إيمان السحرة بالله تعالى الأمر الرابع: وهو ما أشرت إليه سابقاً: أن الإيمان ولو طال الأمد عليه وفقد مدة طويلة من الزمن لا بد أن يعود إذا جاء موعده! وكيف أن المؤمن ولو ألحد وغفل عن الله كثيراً إذا رأى الآية التي تعرفه بالله يرجع إلى الله ؛ لأن الفطرة الأصل أنها موجودة، وهي ما أشار إليها الرسول ﷺ بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، وما أشار الله إليها في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم). ولذلك يقول الله تعالى هنا: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ [طه:٧٠]، فقد ولدوا بعيدين عن الفطرة معزولين عزلاً كاملاً عن الفطرة، يعيشون على حياة السحر والشعوذة بعيدين عن الله ، لكن حينما رأوا آية واضحة من آيات الله اعتبروا السجود هو العاصم الذي يعتصمون به من هذا الذنب العظيم الذي اقترفوه مدة طويلة من الزمن، فخروا ساجدين لله ، وما أدوا عبادة إلا هذه السجدة وهي سجدة فقط، ثم كانت نهايتهم الجنة، وكان مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض. وعلى هذا نقول: إن باب التوبة مفتوح، ومهما ابتعد الإنسان عن ربه فإن عليه أن يفكر دائماً وأبداً في طريق العودة إلى الله ، ولا يستعظم ذنباً فعله، فإن الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٥]. ومن هنا نقول: إن هؤلاء السحرة بالرغم مما فعلوه من الذنوب العظيمة، وآخرها الوقوف أمام آية من آيات الله ، والحلف بعزة فرعون وهو لا يستحق شيئاً من ذلك، ثم لما رأوا الآية من آيات الله رجعوا إلى أنفسهم؛ لأنهم تجردوا عن الهوى، وعرفوا أن ما جاء به موسى ﵊ إنما هو آية من عند الله، وليس بسحر، فخروا ساجدين لله . ثم كانت هذه هي الخاتمة، فالعبرة إذن بحسن الخاتمة، يقول ﵊: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، ولذلك فعلى المسلم دائماً وأبداً أن يسأل الله تعالى حسن الخاتمة، حتى لو كان في خير وفي عمل صالح يرضى به لنفسه ويطمئن إليه فلابد أن يسأل الله حسن الخاتمة والثبات، ولذلك فإن الرسول -وهو الرسول ﵊ كان كثيراً ما يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فتقول له عائشة في ذلك: أتخاف على نفسك يا رسول الله؟! فيقول: يا عائشة! وما يؤمنني وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء). فهؤلاء كفرة يحلفون بعزة فرعون، جاءوا معاندين لآية من آيات الله، يريدون أن يأتوا بالسحر ليطمسوا فيه معالم آية من آيات الله، وما كانوا يظنون أنها آية، واستغفلوا مدة من الزمن، واستذلوا واستعبدوا، لكن لما رأوا الحقيقة رجعوا إلى الطريق المستقيم، فخروا ساجدين لله ، ووقف فرعون مبهوراً! مائة ألف ساحر جميعاً ولدوا على السحر وعلى البعد عن الله وعلى عبادة فرعون، ثم يسجدون جميعاً سجدة واحدة لله ! هذا أمر عجيب! لكنه ليس عجيباً بالنسبة لأمر الله . إذاً: ما هو الموقف الذي سوف يسلكه مثل هذا الطاغوت؟! منطق الطواغيت والظلمة معروف حينما تعييهم الحجة ليس أمامهم إلا القوة؛ لأنهم يملكون القوة البشرية، ويملكون القوة المادية في هذه الحياة، ولربما يفقدها المؤمنون، فيلجئون إلى التهديد بهذه القوة، ولذلك أحضر الجلادين، وأحضر جذوع النخل، وأحضر الذين سوف يقطعون اليد اليمنى والرجل اليسرى من خلاف، وأحضر كل وسائل التعذيب أمام مائة ألف من البشر خروا ساجدين لله . وكان المنطق البدهي المجرد من الإيمان يقول: إن ساحراً أمضى حياته في السحر وفي عبادة غير الله ، وما دخل الإيمان إلا بسيطاً في لحظة واحدة قد يتأثر بسرعة، ويتراجع عن مبدئه حينما يرى وسائل التعذيب، كما نشاهد في دنيانا اليوم أن كثيراً من ضعاف الإيمان حينما يخوفون بغير الله يخافون، ولكن الله ربط على قلوب هؤلاء السحرة، وتحدوا فرعون وكل قوى التعذيب والبطش التي أحضرها لهم، وقالوا: نحن رأينا بأعيننا الحقيقة، آمنا عن اقتناع، افعل ما تشاء! ولو فعلت فماذا ستفعل؟! ستهلك هذا الجسد، لكنك لن تستطيع أن تتسلط على الروح، سوف تهلك هذه الدنيا، لكن لن تستطيع أن تصل بنا إلى الحياة الآخرة، افعل ما تشاء، لما قال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، أنا أم الله؟ أو أنا أم موسى؟! فكان الجواب شافياً: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢] آيات رأيناها بأعيننا، آية جاءت من عند الله عصا تتحول إلى ثعبان عظيم يلتهم سحر مائة ألف من السحرة كنا نعده منذ سنوات طويلة، فتلتهم هذه الآية هذا السحر في لحظة واحدة، وتريد أن نرجع إليك بعد هذه الآية التي رأيناها! لن نؤثرك عليها، لن نقدم رأيك ولا تعذيبك على تعذيب الله في الحياة الآخرة؛ لأننا لو أطعناك الآن وسلمنا في هذه اللحظة تعرضنا لعذاب عظيم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧]، لكننا حينما نعصيك اليوم وتريد أن تذيقنا ما تذيقنا من عذاب الدنيا فإن ذلك لن يضيرنا؛ لأنه لحظة واحدة تفارق فيها الروح الجسد، وننتقل إلى جنة عرضها السماوات والأرض. هذا هو المنطق الصحيح الذي يجب أن يكون منطق كل مؤمن، ومنطق كل إنسان رأى الحقيقة بعينيه، وآمن بالله حق الإيمان، فلا يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: في الدنيا ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] نعوذ بالله! هؤلاء ضعاف الإيمان. أما هؤلاء فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] حلفوا بالله أنهم لن يغيروا رأيهم أبداً، ولن يرجعوا عن دينهم الذي اهتدوا إليه بعدما رأوا الآيات بعينهم، فحلفوا بعظمة الله الذي فطرهم. أي: خلقهم، ثم قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، الذي تريد أن تفعله فافعله، لك الأجسام لكنك لن تستطيع أن تتسلط على الأرواح؛ لأن الأرواح في قبضة الله وليست في قبضتك: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) أي: افعل ما تريد أن تفعله في هذه الحياة الدنيا.

стр. 880

السحرة يستهينون بالدنيا مقابل الآخرة ثم استهانوا بالدنيا فقالوا: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] و (إنما) للحصر، أمر بسيط وهزيل أنت تريده منا، أنت الآن تطلب هذا الجسد، هذا الجسد ليس له أهمية، سوف يفنيه التراب حينما يوضع في التراب، فافعل فيه ما تشاء، فأنت لا تقضي إلا الحياة الدنيا، والحياة الدنيا أمرها سهل، ومن الذي علمهم هذا الأمر وقد عاشوا الحياة الطويلة بعيدين عن الله ؟ هي الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فأصبحت الدنيا في نظرهم لا تساوي إلا شيئاً تافهاً. ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ [الشعراء:٥١]، فهم ما زالوا خائفين رغم أنهم سجدوا لله ، بالرغم من أنهم سلموا أجسادهم للطاغوت يفعل فيها ما يشاء، وبالرغم أنهم استهانوا بالدنيا، فهم يطمعون طمعاً ولا يجزمون جزماً بأن الله سوف يغفر لهم خطاياهم، مع أن الله قد أوجب على نفسه أنه يقبل التوبة عن عباده، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٧] و (على) للوجوب أوجبها على نفسه ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، والقريب هو ما قبل الموت، فأبشروا أيها الإخوة، فليس القريب معناه في اللحظة الأولى، القريب ما قبل الموت، ولذلك هؤلاء ما تابوا إلا في آخر حياتهم قبل الموت، لم تمض بعد توبتهم إلا دقائق، ثم لقوا الله على جذوع النخل على أيدي هذا الطاغوت المتجبر. (إنما التوبة عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) يعني: في أيام غفلة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، أي: قبل الموت، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨]، فإذا بدأت تغرغر الروح في الجسد تريد الخروج فهنا لا تقبل التوبة، والرسول ﷺ يقول: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر أو ما لم تبلغ الروح الحلقوم)، وإذا طلعت الشمس من مغربها فلا تقبل التوبة أيضاً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣] أنت ليس بيدك شيء، حتى الموت فإنه ليس بإرادتك، بل هو بإرادة الله ، قال تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢]، لو شاء الله لما استطاع أن يصل إلى أجسامهم أيضاً، مع أنه ما قتلهم إلا بقضاء الله وقدره، وهو لم يستطع أن يصل إلا إلى الجسد ولم يصل إلى الروح، وهو أيضاً بقضاء الله وقدره، ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].
следующие страницы →