← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تحرير موسى ﵇ بني إسرائيل من العبودية أولا: ً موسى ﵊ وسائر المرسلين ما جاءوا لهذه الحياة من أجل أن يعلموا الناس العبادة لله فقط، وإنما جاءوا أيضاً من أجل أن يحرروا النفوس البشرية من الخضوع لغير الله ، ولذلك فإن منهج المرسلين -وهو أيضاً منهج المصلحين إلى يوم القيامة دائماً وأبداً- هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ثم هو أيضاً تحرير النفوس البشرية وإنقاذها من الخضوع لغير الله ، ومن أجل ألا تستغل هذه النفوس المؤمنة لغير الله ، ولا تنحني لغير الله ؛ ولذلك نجد أن منهج موسى ﵊ في أول مقابلة يقابل فيها هذا الطاغوت أن قال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧]، هذا هو منهج المرسلين، خلاف ما يتهم العلمانيون -قاتلهم الله أنى يؤفكون- هذا الدين بأنه إنما هو منهج عبادة، أما قيادة الحياة فهم يعتبرونها لغير المسلمين، ولغير المؤمنين والمتدينين والمصلحين. إذاً: أول مهمة وأطروحة طرحها موسى ﵊، وأول هدف جاء به من عند الله مع أخيه هارون أمام هذا الطاغوت هو تحرير النفوس البشرية من الخضوع لغير الله : ﴿فأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه:٤٧]؛ لأن تعذيب النفوس بغير حق إنما هو ظلم، والمرسلون جاءوا لرفع الظلم عن البشرية، والعلماء المصلحون يأتون من بعدهم لرفع هذا الظلم، ولذلك أول مطلب لهذين الرسولين عليهم الصلاة والسلام: ﴿فأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]، ولم يقولوا له: والسلام عليك؛ لأنه غير مؤمن، وإنما قالوا: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧]، وهذا هو الأسلوب الذي يجب أن يوجه لكل كافر لا يؤمن بالله ، ولا يؤمن باليوم الآخر، فلا يجوز أن نبدأ اليهودي ولا النصراني ولا الكافر أياً كان، ولا الملحد بتحية غير هذه التحية: (السَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) أي: فإن اتبعت الهدى فعليك السلام، وإن لم تتبع الهدى فإن السلام ليس حق لك منا، وعلى هذا يقول ﵊: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه).

стр. 877

الجبابرة والطواغيت منهجهم دائماً إنكار الخالق ثم نجد أن الجبابرة والطواغيت منهجهم دائماً وأبداً إنكار الخالق ، فينكرون الخالق وهم يؤمنون بالخالق؛ لأن الإيمان بالخالق يربط البشر بالله ، ويحررهم من الخضوع لغير الله ، ولذلك نجد ونلاحظ عبر فترات التاريخ الطويل أن كل من أراد أن يستعبد أمة لا بد أن يبدأ أولاً بإنكار الخالق ، وإن لم ينكره من أول وهلة لكنه يأتي بمقدمات تشير إلى أنه لا يؤمن بخالق لهذه السماوات والأرض، على الرغم من أن الإيمان بالخالق فطرة فطر الله الناس عليها. ولذلك حتى الملاحدة الذين لا يؤمنون بالخالق يقول أحدهم: والله الذي لا وجود له، كان يحلف بمثل هذا الحلف، فالفطرة تفرض عليه أن يقول: والله، لكن المصلحة تفرض عليه أن ينكر وجود الخالق ، ولذلك نجد هذا الطاغوت لا يمكن أن يستعبد الأمة إلا أن يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨] أي: فيما يدعيه من أن له إلهاً، ولذلك نجده هنا يقول: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩]، وهو يعرف أن ربهم هو الله ، وأنه لا يصلح أن يكون إلهاً، وأنه لم يخلق شيئاً في هذا الكون، ولا يستطيع أن يخلق شيئاً في هذا الكون، وأن الفطرة البشرية التي فطر الله عليها البرية هي الإيمان بهذا الخالق ، لكن لا يمكن أن يستعبد الأمة وهي تعرف أن لها خالقاً، ولذلك فإنه يضطر إلى أن ينكر وجود الخالق ، حتى يستطيع من خلال هذا الإنكار أن يستذل هذه الأمة. أما فرعون في قرارة نفسه فإنه يؤمن بالخالق بنص القرآن: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] و (ظلماً) هنا حال من الواو في (جحدوا)، لا من الهاء في (استيقنتها)، أي: أن تركيب الكلام: (وجحدوا بها ظلماً وعلواً واستيقنتها أنفسهم)، وهذا شيء مشاهد، ولذلك نجد هذا اليقين الذي أخبر الله عنه بقوله: (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) نجده يبرز في ساعة الصفر حينما تنتهي المهمة، وتنتهي مسرحية فرعون الذي أنكر الخالق ، واستذل أمة مدة طويلة من الزمن، حتى إذا انتهت الفترة التي من خلالها يستطيع أن ينكر الخالق إذا هو يعلن إيمانه بالخالق ، وهي ساعة الغرق؛ ولذلك يقول الله عنه في ساعة الغرق: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، ثم قال الله تعالى له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩١ - ٩٢] فقط لا نعيدك للدنيا مرة أخرى ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]، كل طاغوت يريد أن يستذل أمة أو أن يستعبد شعباً أو أن ينكر الخالق أو يستضعف الأمة المؤمنة تكون أنت آية له وكل من رآك، وإن من يراه في متاحف مصر ليتذكر هذه الآية التي يقول الله فيها: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً). إذاً: هو يؤمن في قرارة نفسه بالله ، ويعلن هذا الإيمان في الفترة التي لا يستفيد فيها من إنكار الخالق ، وإن من يزور مقابر الفراعنة في مصر يتأكد أنهم يؤمنون بالخالق ، فهم يؤمنون بالبعث بعد الموت، ولذلك يجعلون فتحات في مقابرهم لعودة الروح يوم القيامة، والإيمان بالبعث بعد الموت فرع عن الإيمان بالخالق ؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يؤمن بالبعث بعد الموت إلا بعد أن يؤمن بالخالق . وهنا يوجد من ينكر البعث بعد الموت وإن كان يؤمن بالخالق ، كما كان المشركون في زمن الرسول ﷺ يعتقدون شيئاً من ذلك. إذاً: الطغاة والمتجبرون والمعاندون، والذين لهم تفكير في إذلال البشرية، لا بد من خلال هذا التفكير أن ينكروا الخالق ، ولذلك نجد الشيوعية التي جاءت وحكمت مدة خمسة وسبعين عاماً في بلادها ثم سقطت في آخر المطاف؛ لأنها تنافي الفطرة، نجد أنها طيلة هذه الفترة تجبر الناس على إنكار الخالق ، وأهم مبادئها هو إنكار الخالق ؛ لأن الشعوب لا يمكن أن تخضع لغير الله إذا آمنت بالله ، وبالرغم من ذلك فإنها لم تستطع أن تنجح في مهمتها. إذاً: الإيمان بالله فطرة فطر الله كل المخلوقات عليها الإنسان وغير الإنسان، فالإنسان مفطور على الإيمان: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] وغير الإنسان من المخلوقات الحية مفطورة على الإيمان أيضاً، كما قال الله : ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].

стр. 878

استعباد الأمم لا يكون بإذلال المصلحين الأمر الثالث: كل من أراد أن يستعبد أمة لا بد أن يستذل المصلحين، ولا بد أن يحول بين المصلحين وبين الأمة؛ لأن هؤلاء المصلحين منهجهم هو إرشاد الناس إلى الخضوع لله ، وتحذيرهم من الخضوع لغير الله ؛ ولذلك فإن كل المفسدين في الأرض -وإن تظاهروا بالإصلاح كما قال الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]- هم في الحقيقة يخافون على الأرض لا يخافون على الدين، وربما يتظاهرون بالخوف على الدين، كما قال فرعون لعنه الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، مع أنه هو الذي كان ينشر الفساد في الأرض، ولذلك هم يخافون على الأرض، ويخافون على الملك، ويخافون على السلطة، فيقفون في وجوه المصلحين خوفاً على هذه السلطة أن تنتزع من أيديهم إلى أيد أخرى هي أهل لهذه السلطة، ولذلك يقولون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٥٧]. ولذلك هذا هو الخوف الحقيقي، هو خوف على الأرض لا خوف على الدين، وإن تظاهر المفسدون في الأرض بأنهم يخافون على الدين، وأنهم يخافون على عقيدة الناس، وعلى منهج الناس، فهم في الحقيقة لا يخافون إلا على الأرض، أما المصلحون فليس لهم مطمع في الأرض؛ لأن هدفهم فوق الأرض والتراب، هدفهم هو إصلاح هذه الأمم وربطها بالله . أما الكراسي والمراكز فإنها ليست أهم أهدافهم، اللهم إلا إن كان هدفاً كهدف يوسف ﵊ حينما قال للعزيز: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] يريد أن يتخذ من هذه السلطة منطلقاً للإصلاح في الأرض.

стр. 879

إيمان السحرة بالله تعالى الأمر الرابع: وهو ما أشرت إليه سابقاً: أن الإيمان ولو طال الأمد عليه وفقد مدة طويلة من الزمن لا بد أن يعود إذا جاء موعده! وكيف أن المؤمن ولو ألحد وغفل عن الله كثيراً إذا رأى الآية التي تعرفه بالله يرجع إلى الله ؛ لأن الفطرة الأصل أنها موجودة، وهي ما أشار إليها الرسول ﷺ بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، وما أشار الله إليها في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم). ولذلك يقول الله تعالى هنا: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ [طه:٧٠]، فقد ولدوا بعيدين عن الفطرة معزولين عزلاً كاملاً عن الفطرة، يعيشون على حياة السحر والشعوذة بعيدين عن الله ، لكن حينما رأوا آية واضحة من آيات الله اعتبروا السجود هو العاصم الذي يعتصمون به من هذا الذنب العظيم الذي اقترفوه مدة طويلة من الزمن، فخروا ساجدين لله ، وما أدوا عبادة إلا هذه السجدة وهي سجدة فقط، ثم كانت نهايتهم الجنة، وكان مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض. وعلى هذا نقول: إن باب التوبة مفتوح، ومهما ابتعد الإنسان عن ربه فإن عليه أن يفكر دائماً وأبداً في طريق العودة إلى الله ، ولا يستعظم ذنباً فعله، فإن الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٥]. ومن هنا نقول: إن هؤلاء السحرة بالرغم مما فعلوه من الذنوب العظيمة، وآخرها الوقوف أمام آية من آيات الله ، والحلف بعزة فرعون وهو لا يستحق شيئاً من ذلك، ثم لما رأوا الآية من آيات الله رجعوا إلى أنفسهم؛ لأنهم تجردوا عن الهوى، وعرفوا أن ما جاء به موسى ﵊ إنما هو آية من عند الله، وليس بسحر، فخروا ساجدين لله . ثم كانت هذه هي الخاتمة، فالعبرة إذن بحسن الخاتمة، يقول ﵊: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، ولذلك فعلى المسلم دائماً وأبداً أن يسأل الله تعالى حسن الخاتمة، حتى لو كان في خير وفي عمل صالح يرضى به لنفسه ويطمئن إليه فلابد أن يسأل الله حسن الخاتمة والثبات، ولذلك فإن الرسول -وهو الرسول ﵊ كان كثيراً ما يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فتقول له عائشة في ذلك: أتخاف على نفسك يا رسول الله؟! فيقول: يا عائشة! وما يؤمنني وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء). فهؤلاء كفرة يحلفون بعزة فرعون، جاءوا معاندين لآية من آيات الله، يريدون أن يأتوا بالسحر ليطمسوا فيه معالم آية من آيات الله، وما كانوا يظنون أنها آية، واستغفلوا مدة من الزمن، واستذلوا واستعبدوا، لكن لما رأوا الحقيقة رجعوا إلى الطريق المستقيم، فخروا ساجدين لله ، ووقف فرعون مبهوراً! مائة ألف ساحر جميعاً ولدوا على السحر وعلى البعد عن الله وعلى عبادة فرعون، ثم يسجدون جميعاً سجدة واحدة لله ! هذا أمر عجيب! لكنه ليس عجيباً بالنسبة لأمر الله . إذاً: ما هو الموقف الذي سوف يسلكه مثل هذا الطاغوت؟! منطق الطواغيت والظلمة معروف حينما تعييهم الحجة ليس أمامهم إلا القوة؛ لأنهم يملكون القوة البشرية، ويملكون القوة المادية في هذه الحياة، ولربما يفقدها المؤمنون، فيلجئون إلى التهديد بهذه القوة، ولذلك أحضر الجلادين، وأحضر جذوع النخل، وأحضر الذين سوف يقطعون اليد اليمنى والرجل اليسرى من خلاف، وأحضر كل وسائل التعذيب أمام مائة ألف من البشر خروا ساجدين لله . وكان المنطق البدهي المجرد من الإيمان يقول: إن ساحراً أمضى حياته في السحر وفي عبادة غير الله ، وما دخل الإيمان إلا بسيطاً في لحظة واحدة قد يتأثر بسرعة، ويتراجع عن مبدئه حينما يرى وسائل التعذيب، كما نشاهد في دنيانا اليوم أن كثيراً من ضعاف الإيمان حينما يخوفون بغير الله يخافون، ولكن الله ربط على قلوب هؤلاء السحرة، وتحدوا فرعون وكل قوى التعذيب والبطش التي أحضرها لهم، وقالوا: نحن رأينا بأعيننا الحقيقة، آمنا عن اقتناع، افعل ما تشاء! ولو فعلت فماذا ستفعل؟! ستهلك هذا الجسد، لكنك لن تستطيع أن تتسلط على الروح، سوف تهلك هذه الدنيا، لكن لن تستطيع أن تصل بنا إلى الحياة الآخرة، افعل ما تشاء، لما قال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، أنا أم الله؟ أو أنا أم موسى؟! فكان الجواب شافياً: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢] آيات رأيناها بأعيننا، آية جاءت من عند الله عصا تتحول إلى ثعبان عظيم يلتهم سحر مائة ألف من السحرة كنا نعده منذ سنوات طويلة، فتلتهم هذه الآية هذا السحر في لحظة واحدة، وتريد أن نرجع إليك بعد هذه الآية التي رأيناها! لن نؤثرك عليها، لن نقدم رأيك ولا تعذيبك على تعذيب الله في الحياة الآخرة؛ لأننا لو أطعناك الآن وسلمنا في هذه اللحظة تعرضنا لعذاب عظيم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧]، لكننا حينما نعصيك اليوم وتريد أن تذيقنا ما تذيقنا من عذاب الدنيا فإن ذلك لن يضيرنا؛ لأنه لحظة واحدة تفارق فيها الروح الجسد، وننتقل إلى جنة عرضها السماوات والأرض. هذا هو المنطق الصحيح الذي يجب أن يكون منطق كل مؤمن، ومنطق كل إنسان رأى الحقيقة بعينيه، وآمن بالله حق الإيمان، فلا يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: في الدنيا ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] نعوذ بالله! هؤلاء ضعاف الإيمان. أما هؤلاء فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] حلفوا بالله أنهم لن يغيروا رأيهم أبداً، ولن يرجعوا عن دينهم الذي اهتدوا إليه بعدما رأوا الآيات بعينهم، فحلفوا بعظمة الله الذي فطرهم. أي: خلقهم، ثم قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، الذي تريد أن تفعله فافعله، لك الأجسام لكنك لن تستطيع أن تتسلط على الأرواح؛ لأن الأرواح في قبضة الله وليست في قبضتك: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) أي: افعل ما تريد أن تفعله في هذه الحياة الدنيا.

стр. 880

السحرة يستهينون بالدنيا مقابل الآخرة ثم استهانوا بالدنيا فقالوا: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] و (إنما) للحصر، أمر بسيط وهزيل أنت تريده منا، أنت الآن تطلب هذا الجسد، هذا الجسد ليس له أهمية، سوف يفنيه التراب حينما يوضع في التراب، فافعل فيه ما تشاء، فأنت لا تقضي إلا الحياة الدنيا، والحياة الدنيا أمرها سهل، ومن الذي علمهم هذا الأمر وقد عاشوا الحياة الطويلة بعيدين عن الله ؟ هي الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فأصبحت الدنيا في نظرهم لا تساوي إلا شيئاً تافهاً. ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ [الشعراء:٥١]، فهم ما زالوا خائفين رغم أنهم سجدوا لله ، بالرغم من أنهم سلموا أجسادهم للطاغوت يفعل فيها ما يشاء، وبالرغم أنهم استهانوا بالدنيا، فهم يطمعون طمعاً ولا يجزمون جزماً بأن الله سوف يغفر لهم خطاياهم، مع أن الله قد أوجب على نفسه أنه يقبل التوبة عن عباده، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٧] و (على) للوجوب أوجبها على نفسه ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، والقريب هو ما قبل الموت، فأبشروا أيها الإخوة، فليس القريب معناه في اللحظة الأولى، القريب ما قبل الموت، ولذلك هؤلاء ما تابوا إلا في آخر حياتهم قبل الموت، لم تمض بعد توبتهم إلا دقائق، ثم لقوا الله على جذوع النخل على أيدي هذا الطاغوت المتجبر. (إنما التوبة عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) يعني: في أيام غفلة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، أي: قبل الموت، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨]، فإذا بدأت تغرغر الروح في الجسد تريد الخروج فهنا لا تقبل التوبة، والرسول ﷺ يقول: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر أو ما لم تبلغ الروح الحلقوم)، وإذا طلعت الشمس من مغربها فلا تقبل التوبة أيضاً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣] أنت ليس بيدك شيء، حتى الموت فإنه ليس بإرادتك، بل هو بإرادة الله ، قال تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢]، لو شاء الله لما استطاع أن يصل إلى أجسامهم أيضاً، مع أنه ما قتلهم إلا بقضاء الله وقدره، وهو لم يستطع أن يصل إلا إلى الجسد ولم يصل إلى الروح، وهو أيضاً بقضاء الله وقدره، ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].

стр. 881

السحرة يدعون الناس إلى الله تعالى ثم بعد ذلك لم يكتفوا أن يكونوا مؤمنين، بل أصبحوا دعاة، واستغلوا اللحظات الأخيرة قبل أن يبدأ تقطيع الأيدي والأرجل من الخلاف، يد يمنى ورجل يسرى، ثم الصلب، ثم الموت، استغلوا هذه الفرصة فعلموا الناس الذين بقوا وراءهم أن مثل هذا التصرف لا يضيرهم أبداً، وأن المصيبة الكبرى هي أن يقدم الإنسان على ربه يوم القيامة وهو كافر، وهو بعيد عن الله ، فقالوا للناس: انتبهوا أن تغتروا بهذا الطاغوت الذي اغتررنا به مدة طويلة من الزمن، فعليكم أن تلزموا دينكم، فأصبحوا دعاة بعد أن كانوا قبل لحظات سحرة، فماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾)) [طه:٧٤] يحذرون الناس ألا يقدم أحدهم على ربه مجرماً ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٤ - ٧٥] ما هي الدرجات العلى؟ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٦]، وهذا ليس عجيباً من أمر الله، وإن كان عجيباً في واقع البشر، وفي حياة البشر، وفي مألوفات الناس أن يتحول الساحر إلى داعية، بل ليس عجيباً في عالمنا اليوم ولله الحمد، فقد رأينا كثيراً من المفسدين تحولوا إلى مصلحين، وكثيراً من تجار المخدرات والمحرمات وأصحاب الجرائم والملاحدة في مثل هذه الأيام والحمد لله أصبحوا دعاة مصلحين، وعسى الله أن يتجاوز عنهم، وليبشروا، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. المهم أن يوفق الإنسان إلى العودة إلى الله قبل أن يحضر الأجل، أما إذا جاء الأجل فإن أحدهم يقول بكل لوعة وندامة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فيقال له: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. هذا درس يجب أن نفهمه أيها الإخوة! لا سيما في مثل هذه الأيام المباركة التي سقطت فيها المبادئ، وسقطت فيها الأفكار، وأهبت ريح الخير والإيمان والحمد لله، علينا أن نراجع أنفسنا قبل أن يحضر الأجل، ثم علينا أن نصلح العمل قبل القدوم على الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٤ - ٧٥]، هذا الكلام صدر من السحرة، ولكنه كلام بعد الاقتناع بالإيمان، وهم يرون الموت ليس بينهم وبينه إلا لحظات، لكنهم يعرفون أنها ميتة لا بد أن تكون، سواء كانت هنا أو هناك، في هذه الساعة أو بعد ساعات أو بعد سنوات، كل حي ميت، إذاً: لا بد أن يموت الإنسان على الفطرة، ولا بد أن يموت في سبيل الإصلاح قال تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء:٨٤].

стр. 882

السحرة يدعون الله أن يثبتهم عند اشتداد العذاب درس آخر: لما كانوا يخافون على أنفسهم من الفتنة كانوا يتضرعون إلى الله -لأنهم يرون القسوة في المعاملة- أن يثبتهم الله على هذا الإيمان؛ لأن الإنسان مهما كان على جانب من الإيمان واليقين والتقوى لله فهو على خطر من الزيغ أيضاً، ولذلك بالرغم من أن عندهم هذا الإيمان الصلب فهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦]، يطلبون الوفاة على الإسلام، ولا يطلبون الحياة؛ لأن الوفاة على الإسلام أفضل لهذا الإنسان من الحياة على غير الملة، ولذلك هم خائفون، وهم هذا العدد الكبير الذي سوف يتعرض لهذه الفتنة العمياء الصماء البكماء، وهم ما زالوا حديثي عهد بإيمان، وبمعرفة الله ، وبمعرفة آياته، فهم يخافون أن يفتنهم هذا الرجل، أو أن يتراجع من تراجع منهم عن منهجه الذي عاهد الله عليه، فعندما قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] خافوا أن يصاب أحد منهم بشيء من الخوف والذعر فيرجع من منتصف الطريق، فدعوا الله وسألوه الثبات فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦] أي: توفنا على ملة الإسلام.

стр. 883

تثبيت الدعاة والمصلحين للأتباع وتحذيرهم من الزيغ والنكوص ثم أيضاً نجد في المقابل أن المصلحين دائماً يحذرون الأتباع من أن يزيغوا في مثل هذه الفترة العصيبة التي ربما يتعرض فيها الإنسان لهزة من الهزات التي ترغبه في الدنيا وتزهده في الحياة الآخرة، أو تخيفه من الموت حينما يغفل أن الموت قدر وأجل من عند الله . فنجد أيضاً أن المصلحين يدعون فيقولون: اثبتوا على هذا الطريق، فنجد موسى ﵊ يحرضهم على الثبات: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف:١٢٨] موسى أصبح يخاطب الذين ينظرون إلى هؤلاء القوم وهي تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى لا يتراجعوا عن منهجهم الصحيح الذي اقتنعوا به، فيوجه إليهم وسيلة تثبتهم بإذن الله ويقول: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨]، والعجيب أن موسى يقول هذا في فترة ما كان يملك شيئاً من الأرض، ولا كان يملك شيئاً من السلطة، وإنما يملك فقط آية من آيات الله ، لكنه واثق بأن الأرض ليست ملكاً لأحد، وليست ملكاً لطاغوت أو لحاكم يظن أن هذه الأرض هي له وسوف تبقى له، ولا أحد يستطيع أن ينازعه إياها، فإذا قام المصلحون يريدون تطبيق شرع الله في الأرض في أمة من الأمم خاف أولئك على هذه الأرض، فأصبحوا يبطشون بالمسلمين كل البطش خوفاً على هذه الأرض، ويظنون أن هذه الأرض ملك لهم، والعجيب أن يكون من ورائهم من يعتقد هذه العقيدة، ويظن أن هذه الأرض لفلان وليست لفلان، وأن فلاناً صاحب السلطة لو خرج من ينازعه في هذه الأرض لا يريد الأرض ذاتها، وإنما يريد أن يقيم شرع الله وحكم الله في هذه الأرض، يتصور طائفة من الناس أن هؤلاء ليسوا كفئاً لأن يكونوا في هذا المستوى، فيبنون الأرض لفلان أو لفلان أو لصاحب السلطة، ثم بعد ذلك لا يفكر أحدهم أن هذه الأرض سوف ترجع إلى أصحابها الشرعيين، فالأرض لست ملكاً لهؤلاء الطواغيت الذين يحكمون الناس بغير شرع الله ، الأرض كما قال الله تعالى هنا: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨] فقد يملكها اليوم رجل، وفي الصباح الباكر في ملك رجل آخر، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]. فهذه هي الأرض، وهي لمن أراد أن يحكمها بشرع الله، والقوم الذين يعيشون على هذه الأرض لا يتبعون إلا من يحكمهم بشرع الله ؛ ولذلك فقد أخبر الله في آية أخرى أن الأرض للمؤمنين وليست للكفرة الذين يحكمون بغير شرع الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فهي للصالحين، وليست للفسقة الذين يأخذونها بطريق الانقلابات العسكرية، والثورات الدامية، واستغلال البشر، وملء السجون، ووضع المخيمات التي يسومون فيها المسلمين سوء العذاب، ويظنون أن هذا العرش ملك لهم، وأن هذه الأرض ورثوها كابراً عن كابر، الأرض ليست لهم وإنما هي لعباد الله الصالحين، كما أن الرزق في هذه الأرض وما في هذه الأرض من طيبات ليست ملكاً لأحد وإنما هي للمؤمنين، لكن في الدنيا يشاركهم فيها الكفرة والفسقة كما تشاركهم البهائم. أما في الآخرة فإنها خالصة لهم من دون الناس، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] هذه هي الأرض! وهذا هو الرزق! فالأرض ملك لله يورثها من يشاء من عباده، والرزق هو رزق الله إنما هو للمؤمنين، ويأكل هؤلاء الكفرة والفسقة من فضلات المؤمنين، لكن المؤمنين يختصون بطيباتها وبرزقها في الحياة الآخرة. ولذلك فإن من ظن أن الإسلام لا يستحق أن يحكم هذه الحياة، وأن هؤلاء الذين يطالبون بأن يحكموا بشرع الله أنهم متمردون، أو أنهم بغاة أو أنهم خارجون، من يعتقد مثل هذا الاعتقاد فقد ذهب بعيداً عن المنهج الصحيح، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والأرض لا يرثها إلا عباد الله الصالحون، ولربما تطول فترة من الزمن تصبح هذه الأرض في أيدي غير أصحابها الشرعيين ابتلاءً من الله ؛ ليعيش أصحابها الشرعيون الذين يجب أن يملكوا هذه الأرض في غياهب السجون أو في المعتقلات أو في المخيمات التي يحكمون فيها بقوة الحديد والنار، لكن هذه إنما هي فترة مؤقتة ومحددة، وسوف يأتي ذلك اليوم القريب الذي تعود فيها الأرض لأهلها الشرعيين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، الذين يطالبون بشرع الله، ويقدم لهم الطواغيت الطعام والمغريات فيقول أحدهم: نحن نطالب بتطبيق شرع الله، نحن لا نريد حتى وسائل المتاع البسيطة، وإنما نريد أن نحكم بشرع الله ، هؤلاء هم أهلها الشرعيون طال الزمن أو قصر، فلا بد بإذن الله أن يتحقق هذا الوعد؛ لأن الله تعالى أقسم على ذلك فقال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا) (ولقد) الواو هنا للقسم، واللام للقسم، وأكد الفعل بـ (قد) من المؤكدات للفعل الماضي (فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أي: من بعد التوراة (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، وهو يرد أيضاً في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]. فلا يستطيل المؤمن الطريق مهما كانت وعرة، ومهما كانت صعبة، ومهما رأينا إخواننا يعيشون في عذاب ليروا أعداء الله يحكمونهم بقوة الحديد والنار، فالذي أسقط الشيوعية بعد أن حكمت ثلاثة أرباع قرن من الزمان وهي تحكم أناساً بقوة الحديد والنار، سوف يسقط كل حكم طاغوت يريد أن يحكم هؤلاء الناس بعيدين عن شرع الله بقوة الحديد والنار.

стр. 884

نهاية الطغاة فرعون وجنوده ثم بعد ذلك نهاية الطغاة وشيكة الانهيار، فهذا فرعون قد أخبر الله أنه قد أسقط ملكه العظيم على يدي المصلحين من المرسلين عليهم الصلاة والسلام موسى وهارون، ومن تبعهم على هذا الإيمان، فيقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٠] بدأت الآن النهاية: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠] لكن هذه الموعظة وهذا الأخذ المحدود لم يجد في هؤلاء القوم، فكان الأخذ النهائي الذي يقول الله عنه، وهو الفرج القريب للمؤمنين والمصلحين، يقول الله عن هذا الفرج: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧] بماذا؟ بالصبر، لما صبر القوم على مصارعة أعداء الله جاء الوعد الذي قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، وهذا القسم لا يمكن أن يتخلف، ولربما يتأخر زيادة في الابتلاء والتربية والإعداد، وابتلاء المؤمنين، لكن النتيجة أنه لا بد أن يقع هذا الوعد؛ لأنه جاء بقسم من الله ، فيقول الله عن تحقيق هذا الوعد: بأن أورث المستضعفين الأرض كلها، وآخذ المتجبرين والطغاة، يقول الله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٧] بأي سبب؟ ((بِمَا صَبَرُوا)) [الأعراف:١٣٧] فالصبر: هو طريق الوصول إلى الخير، ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. إذاً: انتهت دولة الكفر التي تقول للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨] انتهت هذه المرحلة، وجاء تحقيق وعد الله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]، الذين كانوا يعيشون في مصر بالأمس أذلة، لما صبروا وصابروا ورابطوا، وكانوا عضداً مع أنبياء الله موسى وهارون عليهم الصلاة والسلام ﴿بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف:١٣٧ - ١٣٨].

стр. 885

موسى وقومه يرحلون من مصر ثم جاء درس من الدروس العجيبة، درس لا يتأمله إلا المؤمنون، يأذن الله لموسى بالرحيل من مصر هو وبنو إسرائيل، ويتجه موسى بستمائة ألف من بني إسرائيل -كما يقول المفسرون والمؤرخون- مشرقين في آخر الليل، وعند وقت الشروق ينتبه فرعون وقومه بأن بني إسرائيل سوف يهربون، ثم يلحقهم وقد استكمل كل طغاته وعتاته وجنوده من أجل أن يبطش بهؤلاء المستضعفين، ثم يلحق بهم فيكون موسى وبنو إسرائيل بين العدو وبين البحر، وهو موقف محرج لولا أن الإيمان أقوى من ذلك كله، فيلتفت بنو إسرائيل ويقولون لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] العدو وراءنا، والبحر من أمامنا، ماذا نفعل؟! لكنّ موسى ﵊ الذي رباه ربه على الإيمان واليقين يعلم أن هذا الدين هو لله وليس له، وليس لأحد من الناس، وأن الذي فرض هذا الدين هو الذي سوف يدافع عنه، وأنه الآن لا بد أن تكون هناك حماية، وأن هذا البحر وإن كان مائجاً يغرق، والعدو من ورائهم فتاك عنيد، لكن لا بد أن يأتي الفرج، فيقول موسى ﵊: (كَلَّا) يعني: الآن لسنا بمدركين، هم في الحقيقة مدركون حسب الظواهر المرئية؛ لأن البحر من الأمام، والعدو يحيط من الخلف، وسوف يلجئهم إلى البحر ويغرقهم، لكن الإيمان فوق ذلك، فهو يقول: (كَلَّا) ولذلك ما قال: لا، بل قال: (كَلَّا)، وهي أبلغ في النفي وتأكيد النفي: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] أنا أسير على منهج من عند الله، أنا لم أسر على غير منهج؛ فربي سوف يوفقني، وفعلاً يهديه الله ، وتتعطل نواميس الحياة وأنظمة هذا الكون ليتحول ذلك البحر المائج إلى طريق يابسة، إنها قدرة الله ! ثم يعبر موسى وقومه في اثني عشر طريقاً على عدد أسباط بني إسرائيل وقبائلهم، حتى تجمد البحر، وأصبح طبقاً كالجبال واقفة، وأصبح جدداً -جمع جادة- يسيرون عليها، وكل ينظر إلى الآخر من وراء الماء يطمئن على صاحبه، ويعبرون البحر بقدرة الله : (لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) يتجمد البحر ويتجمد كل شيء، وتتجمد الدماء في عروق الطغاة حينما يزيد بطشهم بالمؤمنين، والله من ورائهم محيط. إذاً: المسألة هي قدرة الله التي لا تغلب، ويعبر موسى ومن معه إلى الضفة الشرقية، ويعبر فرعون وجنوده داخل البحر، حتى إذا اكتمل موسى ومن معه خارجين إلى الجهة الشرقية، واكتمل فرعون وكل جنوده داخل البحر؛ أمر الله البحر أن ينطبق عليهم ليستأصلهم عن آخرهم: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٥ - ٥٦]. هذا درس يجب أن يفهمه المؤمنون دائماً، ويجب أن يفهموه في ساعة الشدة بصفة خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠]، فالنصر لا يأتي غالباً إلا بآخر لحظة من لحظات الابتلاء، ولذلك أغرق الله فرعون وجنوده، ونجا موسى ومن معه، فأصبح الأمر آية عظيمة من آيات الله .

стр. 886

من الدروس المستفادة من إغراق فرعون وإنجاء موسى وقومه هناك درسان نستطيع أن ننهي بهما البحث في قصة موسى مع بني إسرائيل ﵊: الدرس الأول: لا بد من التغيير، قد يظن بعض الناس أن الدعاء والتضرع -ولو كان بصدق- يمكن أن يخلص المضطهدين والمؤمنين، ولو كانوا على ما كانوا عليه من معصية الله ، وهذا خطأ واضح جداً، ولذلك أخبر الله تعالى أخبر في القرآن: أنه يأخذ الأمة وهم يتضرعون إذا لم يغيروا، فيقول الله : ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١١ - ١٥]، وهم يقولون: يا ويلنا، فالمسألة ليست مسألة يا ولينا إنا كنا ظالمين فقط. إذاً: ما هو طريق العمل والإصلاح؟ فالأمة ليست مطالبة بالتندم والتحسر على هذا الدين، وإنما هي مطالبة بالإصلاح، ولذلك أخبر الله تعالى في قصة موسى مع بني إسرائيل أنهم بقوا مدة من الزمن يتضرعون بين يدي الله ، ويقولون دائماً وأبداً: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦]، لكن هذا دعاء ناشف ليس فيه تغيير أبداً، وليس فيه بذل في سبيل الله، ولا تضحية، فقط: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦]، فما نفعهم ذلك أبداً وهم يعيشون تحت الذلة والاستعباد؛ لأنهم لم يغيروا، ولم يفكروا بالجهاد في سبيل الله الذي يتخلصون به من الذلة، ولم يقدموا أغلى ما يملكون وهو المال. فبقي بنو إسرائيل مدة طويلة من الزمن قبل أن يأذن الله لموسى ﷺ بالرحيل من مصر ببني إسرائيل وهم يدعون ويتضرعون: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦] لكنهم لم يغيروا شيئاً من وضعهم كما يفعله كثير من الناس، يكتفون بالدعاء لكنه دعاء ناشف كما يقولون. فالذي حدث أن الله أرشدهم بأن هذا الدعاء لن يقبل إلا بتغيير وتضحية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧]، وفعلاً بنو إسرائيل نفذوا هذا الأمر من أوامر الله فغيروا، فجعلوا بيوتهم مكاناً للعبادة، وأقاموا الصلاة، واستقاموا على دين الله ، ثم دعوا بعد ذلك مرة أخرى، وانظر إلى الفرق بين الدعاء الأول والدعاء الثاني بعد التغيير: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] ما هي النتيجة؟ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩]، لماذا ما أجيبت في الأول وقد مضت عليها سنوات ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦]؟ لأنه ليس هناك تغيير في الواقع، فلا بد أن يكون هناك تغيير، وإذا حدث التغيير فالدعوة تستجاب من الله . درس آخر نختم به قصة موسى ﵊ مع فرعون: لما عبر موسى ببني إسرائيل البحر وأقبلوا على الأرض المقدسة أرض الشام، كان بنو إسرائيل -بالرغم من ذلك التكريم من الله كان الخوف يسري في عروقهم، ويختلط بدمائهم؛ فيقبلون على بلاد الشام ويقول لهم موسى: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة:٢١] لكن صاحبهم الخوف؛ لأنهم ولدوا في أرض خوف، وعاشوا في جبن وضعف قد ملأ قلوبهم، فقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢]، وبالرغم من أن النصائح توجه لهم ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة:٢٣]، وبالرغم ذلك كله قالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، فيقولون لموسى: اذهب أنت وربك قاتل العمالقة في بلاد الشام، ونحن سنجلس هنا، حتى إذا حررتم البلاد دخلناها! هذه هي الأمة التي تقوم على هذا الضعف والإذلال! ولذلك فإننا ننصح من يتولى سلطة من سلطات المسلمين ألا يذل شعبه، وألا يذل أمته؛ لأن هذه الأمة هم سلاحه وعتاده، فحينما يذلهم بالتجسس والأذى والبطش والطغيان سوف لا يكون عنده سلاح ولا عتاد ولا قوة حينما يريد أن يدافع بهم عن حدود بلاده؛ ولذلك حكم الله على بني إسرائيل أربعين سنة يتيهون في الأرض في صحراء سيناء، يقول المؤرخون: حتى فني الجيل الأول الذي ولد في أرض الإذلال والاستعباد، وفي الأربعين السنة هذه ولد ونشأ جيل جديد ما عاشوا على الإذلال، فدخلوا بعد ذلك الأرض المقدسة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الدعاة المصلحين الذين لا يخافون في الله لومة لائم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 887

أسباب النصر والهزيمة جعل الله للنصر أسباباً لا يمكن للإنسان الانتصار إلا بها، وقد بين الله تعالى هذه الأسباب في كتابه، ورسوله في سنته، ويوم أن عمل بها رسول الله ﵊ وأصحابه الكرام كان النصر حليفهم، فملكوا مشارق الأرض ومغاربها، فإذا أردنا أن ينصرنا الله فلنحقق هذه الأسباب في واقعنا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

стр. 888

أزلية الصراع بين الحق والباطل بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فما أجمل استغلال الساعات العصيبة التي نرجو الله فيها أن يهلك الظالمين بالظالمين، ويخرج المسلمين من كيدهم سالمين! إن الموضوع الذي نتناوله هنا يتعلق بشكل كبير بأحداث الساعة، وهو: أسباب النصر وأسباب الهزيمة، ونرجو الله أن يوفقنا لنقول ما ينفعنا والمسلمين! قبل الحديث في هذا الموضوع نحتاج إلى أمرين: الأمر الأول: أن نرجع إلى المنهج الصحيح المثبت في كتاب الله وسنة وسيرة رسوله خير البرية ﵊، وسيرة أصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. الأمر الثاني: أن نعي خطورة الموقف. ومن خلال ذلك نستطيع -بتوفيق الله تعالى- أن نستشف أسباب النصر وأسباب الهزيمة. إن الصراع بيننا وبين عدونا قديم قدم الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦] فكانت هذه هي البداية، وسيبقى الصراع حتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] ولا يمكن أن ينتهي هذا الصراع أبداً؛ ولذلك شرع الجهاد، ولم يزل قائماً منذ صدر الإسلام، اللهم إلا في فترات يضعف المسلمون فيها عن الجهاد في سبيل الله، ولذلك فإن الأمة الإسلامية مسئولة عن رفع راية الجهاد في كل فترة؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] فهذه غاية، بل ونهاية آخر مرحلة من مراحل التكليف بالجهاد، الذي بدأ بالأمر بالصبر في مرحلته الأولى -المرحلة المكية- ثم تلا ذلك الأمر بدفع العدو في أول المرحلة التالية -المرحلة المدنية- ثم قتال العدو أو أخذ الجزية منه في المرحلة الوسطى، ثم المرحلة الرابعة والأخيرة -وهي التي يجب أن يعيها المسلمون دائماً وأبداً- ألا يوضع السلاح ولا يترك الجهاد طاعة لله القائل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]. وإن كان الواقع خلاف ذلك فالمسلمون مسئولون عن التقصير، إذ ركنوا إلى الدنيا ولم يقوموا بهذا الدور، وهذا عين التفريط في أمر من أعظم الأمور التي حملهم الله مسئوليتها، وتجاهل أكثرهم أنهم إذا تركوا الجهاد ذلوا، وتسلط عليهم أعداؤهم، وغزوهم في عقر دارهم. فيجب أن يكون الجهاد في سبيل الله مرفوع الرايات كما قال الله : ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، ونريد هنا أن نفهم معنى الفتنة، فالناس في أيامنا الحاضرة لا يفهمون عن الفتنة إلا أنها الاضطرابات وعدم الانضباط وعدم استقرار الأمور، لكن الفتنة في مفهوم القرآن الكريم هي: الكفر والردة عن الإسلام، ولو كانت الأمور المعيشية مستقرة استقراراً كاملاً، وهادئة هدوءاً منتظماً، فما دام أن في الأرض من يدين لغير الله، ومن يعبد غير الله، وما دام أن فيها نظاماً أو أمة تحكم بغير شرع الله، فهذه هي الفتنة التي أُمرنا بالجهاد حتى لا تكون هذه الفتنة قائمة، ولو كانت الأمور المادية مستقرة. هذا هو مفهوم الفتنة -الذي يجب أن يفهمه المسلم- بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] وهذا -أيضاً- يبين أن الغاية من منع قيام الفتنة هي حفظ دين الله تعالى، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧]، ويقول: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] وهذا دليل على أن الفتنة شيء والقتل شيء آخر، والفتنة أشد وأكبر من القتل؛ فتأمل!! وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] أي: عن أمر رسوله ﵇ ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] أي: كفر أو ردة عن الإسلام ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] فالفتنة هنا تفيد شيئاً آخر غير العذاب. فعلى المسلمين أن يصححوا هذا المفهوم، فإذا استقرت الأمور مادياً مع وجود بلاء ومصائب، وإجرام وفساد في الأرض، وردة عن الإسلام؛ فهذه هي الفتنة؛ وإذا وجد الخلاف والنزاع في الأرض على الحق، وفي سبيل البحث عن الحق، فليست هذه هي الفتنة؛ وهذا هو مفهوم القرآن الكريم. فعلى المسلم أن يعرف أن الصراع بينه وبين عدوه قديم قدم الحياة الدنيا، وباق حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلا مجال لترك الجهاد في سبيل الله تعالى. وبمقدار ما يتخلف المسلمون عن هذا الواجب يتحرك العدو مستهدفاً دينهم وأنفسهم وأرضهم وأموالهم، ولا يوقفه عن عدوانه ويكف كيده ويطفئ ناره إلا الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله جل وعلا؛ لأننا عرفنا هذا العدو جيداً، وأنه كالفئران لا تتحرك إلا حينما تهدأ الأمور.

стр. 889

الأسباب المؤدية إلى تنزل النصر عند لقاء العدو الجهاد في سبيل الله هو الوسيلة التي بواسطتها نستطيع أن نزيح الفتنة عن الأرض؛ وبالجهاد في سبيل الله يكون الدين كله لله، فلا يبقى نظام لله ونظام لقيصر، وما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولكن يكون الدين كله لله، ولتحكم هذه الأرض كلها بشريعة الله، ولا تُحكم بقوانين البشر وآراء الرجال؛ وعندها سيتحقق هذا الهدف: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]. فالأمة الإسلامية مطالبة بالجهاد في سبيل الله، لا سيما حينما يهجم العدو على بلاد المسلمين، فإن النفير يصبح إجبارياً واجباً، ويصبح فرض عين على كل واحد من المسلمين أن يجاهد في سبيل الله، كيف لا والمسلم قد أبرم بيعة بينه وبين ربه ؟! وهذه البيعة استوفيت فيها كل شروط وأركان البيع المعهودة المعروفة عند الفقهاء، وهذه البيعة موثقة في كل الكتب السماوية، وقد جاءت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١] وأركان البيع الأربعة موجودة في هذا السياق، وهي البائع وهو: المسلم، والمشتري: وهو الله ، والسلعة وهي: النفس والمال، والثمن: وهو الجنة، وهذا البيع نافذ وليس فيه خيار، ثم وثق الله تعالى هذا البيع في الكتب السماوية حيث قال: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآن) ولما سمع عبد الله بن رواحة ﵁ هذه الآية قال: (يا رسول الله! ما لنا إن قتلنا في سبيل الله؟ قال: الجنة، قال: يا رسول الله! والله ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل). وقد التزم سلف هذه الأمة بهذه الوثيقة الربانية، فبعد نزول هذه الآية وأمثالها جعل المسلمون يخرجون كافة من المدينة للجهاد، ولم يستثن أحد منهم نفسه، حتى أمرهم الله أن تتفرغ منهم طائفة لطلب العلم بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] وهكذا كانت تؤثر الآية القرآنية في المسلمين. وقد جاء الوعد الحق من الله ومن رسوله ﵊ للمجاهدين في سبيله بالدرجات العلى في الجنة، كما جاء في الحديث: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله) فإذا كان ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض؛ فأعلى درجة كما بين السماء والأرض، مائة درجة بهذا القدر للمجاهدين في سبيله تعالى. وأما عن المسئولية عن تعطيل الجهاد فالمسلمون هم الذين يتحملون مسئولية تعطيل الجهاد في أي فترة من الزمن، ويكون تسلط العدو على المؤمنين بمقدار ما يعطلون من هذا الأمر العظيم (وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا). بل إنه يوشك أن يكون ترك الجهاد ردة عن الإسلام، وقد روي عن النبي ﵇ قوله: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم بأذناب البقر -يعني: انشغلتم بالحرث عن الجهاد- سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)، ولا يقال: (حتى تراجعوا دينكم) إلا لمن تركه أو قارب!! والجهاد في سبيل الله كما علمنا واجب حتمي، وأما ما يترتب عليه من نصر فلا يحصل عليه كل الناس، فالنصر لا يكون إلا بشروط بينها الله تعالى في القرآن، والذي يقرأ التاريخ يرى كيف استطاعت الأمة الإسلامية أن تحقق النصر والقيادة والريادة في العالم عبر التاريخ الطويل، عندما تمسكت بشروط وأسباب النصر، وكيف تأخرت وتخلفت وانهزمت حينما تركت هذه الأسباب. وهذه الأسباب بيَّن الله تعالى أكثرها في سورة الأنفال، وهي السورة العظيمة التي نزلت لتتحدث عن موقعة بدر، وتتكون من ست وسبعين آية كلها تتكلم عن التربية المعنوية، ما عدا آية واحدة تناولت التربية المادية والإعداد، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فإذا استثنينا هذه الآية، فيصح أن نقول: إن السورة كلها تتكلم عن تربية هذه الأمة وإعدادها إعداداً معنوياً للجهاد في سبيل الله. وبإمكاننا أن نجملها في ستة أسباب ثم نبيّن مدلولاتها، وهذه الأسباب الستة يقول الله تعالى عنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٧].

стр. 890

السبب الأول: الثبات وعدم الفرار أول هذه الأسباب: الثبات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥] أي: إذا قاتلتم جماعة من الكافرين ﴿فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥]. والثبات: حسي ومعنوي، والأمر بالثبات في الآية يشمل الأمرين جميعاً: الثبات الحسي؛ والثبات المعنوي. أما الثبات الحسي فهو: ما نعرفه في أحكام الشرع من عدم الفرار عند الزحف، والفرار عند الزحف من الكبائر العظام عند الله ؛ لأنه يؤدي إلى أن يختل نظام الجيش المسلم، فيشجع -بفراره- جزءاً منهم على الفرار، ويبقى جزء منهم يتعرض للفناء، كما أن العدو أيضاً يطمع في هزيمة المسلمين حينما يفر منهم من يفر من الزحف، فالله الذي شرع حد المرتد عن الإسلام -لأنه يطعن في الإسلام بدخوله فيه ثم خروجه منه- هو الذي حرم الفرار من الزحف؛ لأن ذلك يعني أن الجيوش الإسلامية أصبحت ضعيفة هزيلة لا تستطيع أن تقف أمام عدوها، ولذلك كان الفرار من الزحف من الكبائر. وهناك آية أخرى قد يفهم بعض الناس أن بينها وبين هذه الآية تعارضاً، وهي قوله تعالى في أول السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦] فالأمر في تلك الآية مطلق (فاثتبوا)، بينما هذه الآية جوزت التولي من موقع المعركة في حالتين: ١ - أن يكون متحرفاً لقتال: فالمقاتل له أن يبحث عن مكان وموقع أحسن لمواجهة العدو، وهذا ما يسمى بـ (تكتيك القتال). ٢ - أن يكون متحيزاً إلى فئة: أي: يرى جماعة من المسلمين قد أحاط بها العدو، فيريد أن ينصر هذه الجماعة من المسلمين. وعلى هذا نقول: تحمل تلك الآية المطلقة على الآية المقيدة: أي: (فاثبتوا) إلا في تلك الحالتين اللتين ذكرهما الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال:١٦]. أما أن يكون المسلم جباناً في نفسه، فما أن يدخل المعركة، ويرى العدو أمامه حتى يفر منه كاشفاً بذلك عورة المسلمين، فذلك أمر محرم شرعاً، وهو أمر خطير يعطي صورةً سيئة عن الإسلام، ويعرض الأمة المسلمة إلى الفناء والدمار، فيتسلط العدو على البقية الباقية التي لم تفر فلا تستطيع المقاومة؛ لأن نظام المعركة قد اختل. لكن هذا الأمر بحرمة الفرار مقيد بمقاييس معينة، وهذه المقاييس نجدها في قوله تعالى في آخر السورة: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال:٦٥]. ومعنى ذلك: أنه لا يجوز الفرار من الزحف ما دامت نسبة المسلمين إلى الكفار قد بلغت واحداً إلى عشرة، ثم نُسخ هذا، وخفف عن الأمة الإسلامية هذا العدد وهذا المقياس، فألزم الله أن يقف المسلم أمام اثنين والمائة أمام مائتين، وذلك في قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٦]. ومعنى ذلك: أن الأمر الذي استقر عليه الإسلام أن عدد الكافرين إذا كان ضعف عدد المسلمين فلا يجوز الفرار من الزحف، وإذا زاد العدد أكثر من ذلك، فللمسلمين أن ينسحبوا بطريقة منظمة تحددها قيادة الجيش، كما فعل خالد بن الوليد ﵁ في يوم مؤتة حينما تسلم قيادة الجيش بعد مقتل القادة الثلاثة، عندها وجد خالد أن جيش المسلمين بأعداده القليلة لا يقوم لجيش الروم بأعداده الهائلة، فسارع بإعادة تنظيم جيشه، وانسحب بالمسلمين بطريقة منظمة؛ ليحافظ على بقية الجيش الإسلامي، وهذا لا يعد فراراً من الزحف. وعلى كل فهذا الأمر مقرر في كتب الفقه، بل إن له أدلته من نصوص القرآن، لكن هناك ثبات يغفل عنه الناس، وأرى الحاجة إليه ملحة جداً في أيامنا الحاضرة: وهو ثبات القلوب والأفئدة ثبات العقيدة، فلربما يعتمد الناس على غير الله، ولربما تعلقت قلوبهم بغير الله، وتزعزعت عقائدهم وانهارت معنوياتهم إذا واجههم عدو متسلط وطاغية من طغاة الأرض، وعاث جنوده في الأرض فساداً، وداسوا التوراة والإنجيل والقرآن بأقدامهم، وهذا منهج من مناهج مبدئهم، ولا عجب! وهو من المبادئ المتبعة لدى هذه الأحزاب التي تحاربنا اليوم. وتعلق الناس بغير الله في مثل هذه الأيام هو الشيء الذي أصبحنا نخاف منه اليوم؛ لذلك نرى أن كثيراً من الناس تعلق بغير الله ، واعتمد على القوة الكافرة، واعتبر أن القوة البشرية هي النصر، لم يقل: إنها سبب النصر، وإنما قال: هي النصر! وحقيقة الأمر أن هذه القوى هي أسباب، وإذا أراد الله تعالى أن تكون سبباً للنصر كانت كذلك، وإذا أراد الله تعالى أن يبطل مفعولها فلن يكون لها أثر في ترجيح كفة المعتمدين عليها؛ لأن كل شيء بيد الله ، ولا يمكن أن يكون النصر بيد الخلق، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]. ويظهر ذلكم النصر الإلهي جلياً في معركة بدر إذ كان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر مقاتلاً، يلاقون ألفاً من الكافرين، فلم يكن هناك تكافؤ في العدد ولا في العدة، فالمسلمون لا يملكون من السلاح ما يكفيهم، فما لبثت أن جاءت أوامر الله التي أصدرها للملائكة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢] فجاء الخبر أولاً: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فما معنى مردفين؟ معناه: أن كل واحد من الملائكة أردف معه مجموعة، حتى بلغت هذه المجموعة خمسة آلاف من الملائكة كما أخبر الله في سورة آل عمران: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥] فكانت الملائكة في بدر خمسة آلاف؛ وكل واحد من هؤلاء الملائكة مسوم، وموجه من عند الله، ومزود بالسلاح، وكان جبريل أحد هؤلاء الملائكة، وهو -كما وصفه النبي ﷺ له ستمائة جناح، ويستطيع أن يحمل الأرض كلها بجناح من أجنحته ويقلبها، كما فعل بديار قوم لوط، لكن الله جلت عظمته أراد أن يكون ذلك زيادة في التنكيل بالمشركين، وشرحاً لصدور المؤمنين. وما جاء هؤلاء الملائكة المسومون بالنصر، إنما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] فكان نزولهم مجرد بشرى، ولكي تطمئن القلوب، ولكي يستبشر الناس بأن النصر قد أقبل، وحتى ينام المسلمون في تلك الليالي آمنين مطمئنين وهم ينتظرون موقعة بدر، ومن أجل ألا تؤرقهم هذه الأحداث وتزعجهم، فالنصر ليس من هؤلاء الملائكة الخمسة الآلاف، إنما النصر يأتي من عند الله، ولذلك قال الله تعالى عن هؤلاء الملائكة الألف المردفين الذين تعدادهم خمسة آلاف وجبريل معهم: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]. ومعنى ذلك: لو جاءت جنود الأرض كلها لتحمي بقعة من الأرض -ونحن لا نناقش مسألة جواز الاستعانة بالكفار ودخولهم جزيرة العرب؛ لأن هذا الأمر أصبح واقعاً- فلن تستطيع أن تأتي بالنصر، فالذي يأتي بالنصر هو الله ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]، (وما النصر إلا) تفيد في لغة العرب الحصر، بمعنى أنه يستحيل أن يأتي النصر حتى من هؤلاء الملائكة، وليس هؤلاء الذين جيء بهم ليدافعوا عن بلاد المسلمين أقوى من الملائكة. وقبل نهاية الكلام عن السبب الأول من أسباب النصر أؤكد على أنه لابد من فهم معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥] لابد أن تثبت العقيدة، وأن تستقر النفوس إلى أن النصر لا يأتي إلا من عند الله ، وأن هذه الأسباب لا تغني من الله شيئاً، ولذلك يقول العلماء: الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على المسبب عقل، والاعتماد على الأسباب وحدها كفر بالله تعالى، وإلغاء الأسباب نقص في العقل، معنى ذلك: أنه لابد من الأخذ بالأسباب بشرط أن يقترن بها الاعتماد على الله . فواجبنا الذي يحتمه علينا ديننا هو: الثبات في مثل هذه المواقف الرهيبة التي تعيشها أمتنا اليوم: ثباتاً في الميدان عند ملاقاة العدو، وعدم الفرار من الزحف، وثباتاً في العقيدة والنفس بحيث يشعر هذا المسلم أن النصر لا يأتي إلا من عند الله . وحين ينزل الله نصره فإن أكثر ما يخشى على الناس هو اهتزاز عقيدتهم، فيؤدي ذلك إلى أن تتعلق النفوس بهؤلاء الكفرة الذين استعان بهم المسلمون، ثم تزيد الأمور خطورة، ويُنسى مالك النصر وواهبه وهو الله الذي يُنزل النصر. فمن لوازم اليقين بالله أن يتعلق القلب بالله، وتترسخ الثقة به قبل المعركة وبعد المعركة، وحتى نلقى الله ، ولابد أن يكون ثبات العقيدة في القلب والجنان ثباتاً يوافقه القول والعمل؛ حتى لا نطلب النصر -دائماً وأبداً- إلا من عند الله .

стр. 891

السبب الثاني: الإكثار من ذكر الله وخاصة في ساحة المعركة السبب الثاني لتنزل النصر: ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] فذكر الله من أكبر أسباب النصر، ولذلك كانت الحصون تهتز وتتساقط ويستسلم أهلها حينما يسمعون تكبير المسلمين قائلين: الله أكبر، وكان كلما استعصى فتح حصن من الحصون في عهد الرسول ﵇ وفي عهد سلفنا الصالح -في عهد الفتوحات- كان ترديدهم (الله أكبر) أشد من القنابل الموجودة في عصرنا الحاضر، إذ كانت تهتز لها الحصون، وتتساقط بإذن الله ، ويدخلها المسلمون فاتحين. وهذه القوة البشرية الموجودة في الأرض هي تحت تصرف الله ، وفي قبضته، والله تعالى أكبر منها وأكبر من قوى الدمار والشر التي يملكها البشر؛ ولذلك لابد من ذكر الله سواء كان الذكر باللسان أو بالجوارح أو بالقلب. فذكر القلب: أن يتعلق بالله ويتوكل عليه. وذكر الجوراح: بالعبادة والطاعة لله . وذكر اللسان: اللهج بالثناء عليه وتسبيحه وتحميده. أما إذا كان المسلمون قبل المعركة في لهو ولعب حتى يفاجئوا بساعة الصفر، فلن يتحقق النصر لأمة هذه حالها -في مثل هذه الظروف- ولن يتم النصر إلا إذا تعلقت هذه الأمة بالله . ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] فالتضرع هو المطلوب في مثل هذه الظروف، فعلينا دائماً أن نرفع أكف الضراعة إلى الله : يارب! يا رب! هذا هو التضرع. يقول الله تعالى عن الأمم التي أنزل بها بأسه وعذابه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]. فنعلم يقيناً أن الكفار والطغاة والظلمة والمتجبرين لا يتسلطون على بلاد المسلمين إلا بتسليط من الله ، وهذا عذاب من عند الله؛ لأن الأمة الإسلامية قد ارتكبت كثيراً مما حرم الله ، وإن إرهاصات هذا العذاب قد بدأت، ولعلها تكون تربية من الله وإنذاراً لهم لعلهم يرجعون، فإن الله تعالى يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] فالفساد موجود في البر والبحر، وحتى في الجو. وهذه الأحداث ربما ترد الناس إلى دين الله ، وتعيدهم إلى الحق، وتعلمهم أن النصر لا يأتي إلا من عند الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] و (لعل) إذا جاءت من الله فليس معناها الترجي ولا التوقع كما نعرفها في لغة العرب، وإنما معناها: تحقق الوقوع وتأكيده، فمدلول الآية تأكد رجوع الخلق إلى الله إذا أذاقهم بعض العذاب على ما اجترحوه من الشر، وهذه بشرى من الله ، حيث بين الله أن الناس عند الشدة يلجئون إلى التوسل والخضوع بين يدي الله . بل إن المشركين كانوا إذا ركبوا في البحر وهبت ريح عاصف، واضطربت السفينة يفزعون إلى الله ، ولا يفزعون إلى أحد سواه، حتى الأصنام التي نصبوها حول الكعبة -وعددها ستون وثلاثمائة- لم يكونوا يفزعون إليها في حال الشدة، وإنما يرجعون إليها في حال الرخاء، أما في الشدة فكانوا يفزعون إلى الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، وقال جل في علاه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] فهذا حال أولئك المشركين الذين يعبدون الأوثان، وأولى بها أن تكون صفة من صفات المؤمنين الموحدين. ولكن لما فوجئت هذه المنطقة -أسأل الله أن يحفظها بحفظه- بهذه الأحداث على أيدي هؤلاء الطغاة الذين يريدون بها سوءاً، ويأبى الله إلا أن يتم نوره؛ رأينا أناساً فزعوا إلى كل شيء إلا إلى التوبة، فادخروا الأرزاق والأطعمة والسرج والأشياء التي تتخذ احتياطاً للحرب دائماً وأبداً كما هي العادة، ولكن لم يفكر أحد أن يغير وضع بيته أو سوقه أو مجتمعه أو أهله أو زوجته أو ولده إلا من رحم الله، والخير كثير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لكن الأكثرية الساحقة ما رأينا أحداً منهم فكر في تغيير شيء من واقعه؛ على كل المستويات: الرسمية والشعبية، وربما يكون هناك تغيير بعد هذه الأحداث؛ لأن سنة الله تعالى في هذه الحياة أن يؤدب ويربي هؤلاء الناس ويردهم إليه، كما قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. فإذا كان المشركون يرجعون إلى الله في حال الشدة، فنحن أولى أن نرجع إلى الله في مواجهة مثل هذه الأحداث، ولعلها من أحلك الفترات -في اعتقادي- التي مرت على هذا البلد منذ سنين طويلة. فمن يراقب الموقف والأحداث فسيقول: إن هؤلاء الناس إما أن يكونوا شجعاناً شجاعة منقطعة النظير، وإما أن تكون القلوب قد ماتت، فإذا كانوا يسمعون بأن عدواً متربصاً مجرماً يملك قوة مبيدة من قوى الأرض المادية، ويهدد بلاد الإسلام، ورغم ذلك لا يزال المسلمون لا يغيرون من حال واقعهم؛ فهذه إما شجاعة منقطعة النظير! وإما غفلة شديدة رانت على القلوب! وكان ما كان؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فالأولى لنا أن نرجع إلى الله، فإن الرسول ﵇ -وهو الذي غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قام في ليلة بدر يجأر إلى الله ، مع أنه قائد الأمة، وليس هناك من يعبد الله في الأرض غيره وغير هذه المجموعة التي كانت معه ﵇، وسوى عدد قليل ممن بقي في المدينة، فقام ﵇ يتضرع بين يدي الله، ويناشد ربه أن ينجز له ما وعده، ويقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض) إلى غير ذلك من الأدعية والتضرع بين يدي الله ، فكان يرفع يديه إلى السماء حتى كان يسقط رداؤه من على كتفيه، فيضع أبو بكر الصديق ﵁ رداءه على كتفيه، ويقول: (يا رسول الله! ارفق بنفسك، فإن الله منجز لك ما وعدك). لكن السؤال هل المسلمون اليوم يتضرعون بين يدي الله؟ وهل هناك تهجد في آخر الليل وبكاء بين يدي الله وتضرع أم أن الغفلة ما زالت تضرب أطنابها في قلوب الناس؟ بل نطلب أقل من ذلك ونقول: هل منا من فكر أن يطهر بيته مما حرم الله من الأفلام والأغاني والموسيقى؟ فالله تعالى يقول: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧] فيستمر النقص شيئاً فشيئاً حتى تنتهي النعمة. ثم يبين الله تعالى في القرآن أن سنة الله في هذه الحياة أن يمتحن الناس بالمصائب والبلايا، فإذا لم يجد هذا الامتحان، ولم يرعوِ هؤلاء الناس، فإن الله تعالى يمتحنهم بالنعم والخيرات والأمن والاستقرار، فإذا لم تنفع الثانية جاء العذاب بعدها مباشرة. وهاتان المرحلتان قد أدركتهما في عمري، وأكثر من في مثل عمري قد أدرك هاتين المرحلتين، فلقد كنا في شظف من العيش، وكنا في جوع ومسغبة حتى فجر الله لنا هذه الخيرات من تحت أقدامنا، وكنا في خوف وذعر حتى هيأ الله لنا الملك عبد العزيز ﵀، فوحد الجزيرة العربية في ظل الإسلام، وانتهت المرحلة الأولى، ثم جاءت المرحلة الثانية، وأصبحنا في رخاء ونعيم وأمن واستقرار، وإذا قيل لأحد منا: اتق الله يا أخي! أنت في نعمة، وكنت في جوع ومسغبة، يقول: أبي وجدي عاشا تلك الفترة، وقد انتهت! وقد جاء ذكر هذا الموقف كله في كتاب الله ، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤] والبأساء هي: الحروب والفتن وعدم الأمن، والضراء: الجوع والمسغبة، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف:٩٥]، والمقصود بالسيئة هنا: الجوع، فأبدل الله مكان الجوع الشبع، حتى إن بعض الناس صار لا يعرف كم مقدار رأس ماله الذي لا يحصر، فصار يتقلب في الخيرات، والنعيم، والقصور، والترف، والرخاء، والطمأنينة. قال: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ) المصائب، (الْحَسَنَةَ) النعيم، ﴿حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف:٩٥] أي: زادت الأموال وزاد الأهل وزادت القصور، فإذا قيل لهم: اتقوا الله ﴿قَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف:٩٥] فيحتج بأن الدنيا تتقلب، وليست هذه ابتلاءات من الله، زاعماً أن آباءه وأجداده ما عاشوا هذه النعمة التي يعيشها اليوم، فما كانت النتيجة؟ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥]. فهذه نتيجة امتحانين وليس امتحاناً واحداً، وقد مرّ هذان الامتحانان بنا جميعاً، وأكثرنا قد أدرك هاتين الفترتين: الجوع والخوف، والشبع والأمن والطمأنينة. ونحن نرى أنه منذ سنوات والعالم يُتخطف من حولنا، ونحن نعيش في ظل حرم آمن، فبمقدار ما طبقنا من شريعة الله أعطانا الله من الأمن والرخاء والطمأنينة، وليس معنى ذلك أننا أمة بيننا وبين الله نسب! إنما هي سنة الله تعالى في الحياة: خط مستقيم مرسوم، من سار عليه أمن، ومن انحرف عنه يميناً أو شمالاً عُوقب، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].

стр. 892

السبب الثالث: التزام أوامر الله تعالى ورسوله في كل الأحوال ثم يقول تعالى مبيناً السبب الثالث للنصر: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:٤٦]. فعند مقابلة الفئة الكافرة في المعركة وقبل مقابلتها وبعد مقابلتها، لابد من طاعة الله ورسوله طاعة مطلقة، لا خلاف فيها ولا اعوجاج ولا انحراف، ليست هناك خيرة، وإنما الخيرة لله ولرسوله. فلقد عُوقب الصحابة -وهم خير البرية- يوم أحد بسبب معصية صغيرة، وذلك حينما قال النبي ﵇ للرماة في ذلك اليوم: (اثبتوا على الجبل، ولا تنزلوا ولو رأيتم الطيور تتخطفنا) فلما تقهقر المشركون، وبدأ المسلمون يجمعون الغنائم، ظن الرماة الذين كانوا على رأس الجبل أن المعركة قد انتهت، وأن الوقت قد حان للنزول، فنزلوا متأولين، ومع ذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢] وهذه المعصية أحاقت بالمسلمين هزيمة قاسية؛ حتى إن الرسول ﵇ شج رأسه، وكسرت رباعيته، ووقع في حفرة، حتى أحاط به المسلمون يحمونه ويذودون عنه أذى الكفار، وكل ذلك كان بسبب معصية خمسين رجلاً من المسلمين، لا ملايين البشر، وكانت معصية صغيرة حسب رأيهم، وكانت بتأول، ومع ذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. وإذا بدأنا نستعرض معاصي الناس اليوم في ساعة المعركة، فسيطول بنا المقام، وهي معلومة لدى الجميع، ولكن نقول: إن الله تعالى شكور حليم لطيف، ولولا لطف الله لما تحقق لنا النصر، لكن الله تعالى قد يعطينا النصر إما امتحاناً، وإما لحملنا على الرجوع إليه ، ولذلك أقول: لابد من التوبة في مثل هذه الأيام، ولابد من مراجعة الحساب، ولابد من الإنابة إلى الله ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٩] فهذه المعاصي لربما تحبط كل سبب، وتبطل مفعول كل سلاح؛ فلا بد من العودة إلى الله . وفي ساحة المعركة يغربل الله المؤمنين ويمتحنهم، ولقد ذكر الله تعالى في القرآن قصةً تصوِّر هذا الأمر، ألا وهي قصة جالوت وطالوت، فإن الله أخرج مع طالوت أمة كبيرة للجهاد في سبيل الله، فانقسموا إلى قسمين: قسم عصوا الله، فتخلفوا عن المعركة، وكانوا يمثلون الأكثرية الساحقة. وقسم التزم بأمر الله فتحقق لهم النصر، وإن كان عددهم قليلاً. وتفاصيل هذه القصة أن الله بعث لبني اسرائيل ملكاً يُدعى طالوت وأمرهم بالقتال معه، فكان منهم أصحاب مقاييس مادية، نظروا بمنظار مادي إلى طالوت، وقالوا: لم يؤت سعة من المال؛ فكان هذا سبباً من أسباب تخلفهم عن المعركة؛ لأن النظرة المادية دائماً تؤدي إلى الغفلة عن القدرة الإلهية، ومن ثم تؤدي إلى الهزيمة النفسية. ثم أراد الله أن يمتحنهم، فأجرى لهم نهراً بارداً وهم عطاش، فقال لهم: لا تشربوا من هذا النهر إلا بمقدار شربة واحدة واتركوا البقية ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] وهذه هي المعصية الثانية؛ حيث شرب أكثرهم من ماء النهر ولم يتقيدوا بما أمروا به. ثم بعد ذلك حينما حانت لحظة المواجهة، وقف الناس في جيش طالوت وقد أرهبتهم قوة البشر: ﴿قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] فكان ذلك سبباً ثالثاً من أسباب الزعزعة التي حلت بجنود طالوت؛ حيث استعملوا المقاييس المادية وغفلوا عن المقاييس الروحانية. إلا أن الفئة القليلة التي ثبتت انتصرت في المعركة لأسباب: أولاً: هذه الفئة لم تشرب من النهر طاعة لله . ثانياً: لما رأوا العدو أيقنوا بنصر الله ، وقالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] فكان تعلقهم بالله لا بالبشر، وكان نظرهم إلى الكيف لا إلى الكم. ثم جاءت القضية الأخيرة وهي التضرع بين يدي الله ، فلما برز هؤلاء القلة الذين لم يشربوا من النهر، ولم يدخل في قلوبهم خوف غير الله ، ورأوا العدو؛ تضرعوا إلى الله : ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠] ثم تحقق النصر للعدد القليل، وقد خاف من الهزيمة العدد الكثير، قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥١]، بالرغم من قلة الأسباب لكن النصر كان بإذن الله. إذاً: فالمقاييس المادية لا تصلح أن تكون ضابطاً لتنزل نصر الله أو حلول الهزيمة في حق أي فئة من الفئات.

стр. 893

السبب الرابع: اجتماع كلمة المسلمين وعدم التنازع والاختلاف السبب الرابع من أسباب النصر هو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]. وهذا عامل مهم من عوامل النصر، فإن وحدة الصف تؤدي إلى ظهور مواطن القوة في أي تجمع مهما كان قليل العدد، وبالعكس من ذلك فإن الخلاف شر، والتنازع لا يؤدي إلا إلى الفشل والضعف، وقد بين الله عواقب الفشل في هذه الآية بقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]. كما بين النبي ﵇ الحكم على من سعى في تثبيط المسلمين، وذلك في حديث عرفجة بن شريح قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: (ثم ستكون بعدي هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر أمة محمد ﵇ وهم جميع فاضربوه بالسيف)، وفي رواية أسامة بن شريك قال: قال ﵇: (فمن رأيتموه يريد تفريق أمر أمة محمد ﵇ وهم جميع فاقتلوه كائناً من كان من الناس). وهذا الحكم من الرسول ﵇ إنما يدل على مدى خطورة الفرقة والنزاع على الصف الإسلامي، وقد تجلى هذا الأمر واضحاً في أحداث غزوة أحد؛ حين أقدم المنافق ابن سلول على ترويج بياناته المثبطة، والتي أدت في نهاية الأمر إلى رجوع ثلث جيش المسلمين معه إلى المدينة. ومن هنا فإن التنازع والاختلاف في المجتمع المسلم له آثاره الخطيرة على الأمة، سواء كان هذا التنازع على مستوى الأفراد أو المجتمعات، إلا أن التنازع الأكثر خطراً هو الذي يتولاه ويحمل رايته أهل الريادة والزعامة في الأمة، والذين يمثلهم أهل العلم وذوو السلطان، فالدولة الإسلامية على مر العصور ما فتئت قوية يمتد سلطانها من مشرق الأرض إلى مغربها، إلى أن دب الخلاف بين الأمراء والسلاطين، فأضحى كل واحد منهم يكيد للآخر، إلى أن بلغ الأمر ببعضهم إلى أن يستعين بالنصارى الصليبيين على جيرانه من الإمارات المسلمة، حتى باتت إمارات المسلمين هدفاً لكل رام، وغرضاً لكل طامع، ومن أمثلة هذه الصراعات والتي سطرها التأريخ بالمداد الأحمر، ما حصل من صراعات وحروب بين أمراء الطوائف في الأندلس، والذي أدى في نهاية الأمر إلى سقوط الأندلس حاضرة الإسلام في أوروبا، والتي ما برح العالم يبكيها عقوداً من الدهر.

стр. 894

السبب الخامس: توطين النفس على الصبر خاصة عند لقاء العدو لا ننسى أن نشير إلى ما قاله الله تعالى واصفاً حال الفئة القليلة من قوم طالوت حين تراءى لهم جالوت ومن معه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة:٢٥٠]. وهذا هو السبب الخامس من أسباب النصر، ألا وهو الصبر. والمسلم لا يتوقف صبره على مواجهة العدو في ساحة المعركة، بل إنه يشمل جميع نواحي حياته في طريق دعوته ودفاعه عن هذا الدين. ومن أمثلة الصبر في مجال الضغط النفسي الذي يتعرض له المسلم: ما حصل لـ سعد بن أبي وقاص حين أسلم، بينما بقيت أمه على الشرك، فاستعملت هذه الأم كل طريقة لثني ابنها عن اعتناق هذا الدين، فلما عجزت عن ذلك لجأت إلى سلاحها الأخير وهي تعلم مقدار تأثيره على ولدها، فاستغلت حبه لها وبره بها للضغط عليه للرجوع عن دينه، لدرجة أنها امتنعت عن الطعام والشراب، وربطت بين رجوعه عن هذا الدين وبين خروجها من حالة الاضطراب تلك، وخلال ذلك بقي سعد في صراع داخلي بين حبه لأمه وخوفه من أن تهلك نفسها، وبين حبه لدينه ونبيه، والذي لن يتردد في سبيلهما في التضحية بنفسه التي بين جنبيه، فضلاً عن أمه، لكن الصراع بين العاطفة والعقل يغلب فيه العقل حينما يكون الإيمان قد ملأ القلب واستقر في النفس، فقال: (اسمعي يا أماه، والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني؛ فإن شئت كلي وإن شئت فلا تأكلي) فأكلت في آخر الأمر؛ لما رأت عدم جدوى هذه الطريقة مع ابنها المؤمن، فأنزل الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]؛ لأن العاطفة في هذا الموقف تعد فتنة ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، ثم جاء الأمر من الله تعالى بعد ذلك فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨] لكن هذا الإحسان لابد أن يكون له ضوابط، فلا يصل إلى درجة أن يتنازل المرء عن دينه، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨]. فهذه الفتن قد تعرض على نفوس كثير من الناس: فتنة المال فتنة الشهوة فتنة حب الحياة وكراهية الموت فتنة العاطفة فتنة الأهل والقرابة إلى غير ذلك من الفتن التي تُعرض على كثير من الناس وتتكرر، ولا سيما في هذه الظروف التي بات فيها أبناء المسلمين عرضة لهذه الفتن، وربما تعرض الإنسان لموجة عارمة من الفتن: فتنة مع أبيه مع أمه مع أقاربه مع مجتمعه، ولمواجهة ذلك لابد أن يكون هناك إيمان أصلب من العاطفة، حتى لا ينجرف هذا الإنسان أمام العاطفة، والأمة لا تدرك النصر في هذه الحياة -سواء كان نصراً على النفس أو نصراً على العدو- إلا بالصبر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ [الأنفال:٤٦] ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] وفيه تعليل للصبر يبين عاقبته حتى يسهل أمره. ومعية الله هي التي تمهد لكل شيء في هذه الحياة، فإذا كان الله معك وكنت مع الله فإن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين.

стр. 895

السبب السادس: أن يكون الخروج إلى الجهاد طلباً لمرضاة الله ورفعة دينه السبب السادس والأخير من أسباب النصر هو المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧] وهذه الآية تحكي قصة خروج كفار قريش في بدر، وذلك حين خرج المسلمون مع رسول الله لاعتراض عير لقريش، فقام أبو سفيان باتخاذ طريق الساحل حتى لا يواجه المسلمين، فلما تم له ذلك أرسل إلى أهل مكة ألا يخرجوا؛ لأن العير قد سلمت من محمد، إلا أن أبا جهل أبى ذلك، وقال: والله لا نرجع حتى نرد بدراً وننحر الجزور ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان؛ حتى تعلم العرب بمسيرنا فلا يزالون يهابوننا أبد الدهر، فهو مصمم على أن يحارب الإسلام بالرغم من أن عير قريش قد سلمت! فهو إنما خرج لإحقاق الباطل ولإظهار الفساد والاستكبار في الأرض. وقد نهى الله المسلمين أن يخرجوا مثل هذا الخروج، فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧] أي: بطرين، ومن أجل أن يرى الناس مكانهم في هذه الأرض ويهابوهم، وهؤلاء هم الذين أحلوا قومهم دار البوار، فعلى المسلمين إذا خرجوا للجهاد في سبيل الله أن يكون خروجهم لهدف سامٍ وواضح، فإن أول سبب من أسباب النصر هو حسن القصد، فيجب أن يكون الخروج من أجل أن يكون الدين كله لله، ومن أجل الدفاع عن بلاد المسلمين ومقدساتهم، ومن أجل ألا يتسلط الكافرون على المؤمنين، وألا تكون للكافر شوكة في هذه الأرض، وألا تطأ الأقدام القذرة أرض الإسلام ومقدسات المسلمين، ومن أجل أن ترتفع راية الإسلام وراية التوحيد، وهذا هو الهدف الذي من أجله يجب أن يجاهد المسلم ويقاتل؛ أما من كان خروجه في سبيل الوطن دون أن يكون قصده الدفاع عن بلاد المسلمين، أو كان خروجه من أجل الشهرة أو يقال: إنه شجاع، فهذا يكون حطباً لجهنم، وقد ورد في الحديث أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، وجاء فيه: (ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: ماذا فعلت؟ فيقول: أي رب! أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل) فمع أنه استشهد في سبيل الله حسب ظواهر الأمور، إلا أنه يكون من أول من يدخل النار والعياذ بالله. فلابد من إصلاح القلب؛ ولابد من إصلاح القصد، بحيث لا يخرج الإنسان بطراً ولا رياءً، وإنما يكون خروجه من أجل أن ترتفع راية الإسلام، وأن تنخفض راية الشرك والكفر والطغيان في الأرض. أما لو خرج الجيش مغروراً بعدده الكبير؛ أو بعتاده وتقنيته العصرية المتطورة التي بلغت الذروة، ففي مثل هذه الحال يأتي الخطر، خصوصاً إذا صدر هذا الفعل عن أمة مسلمة تخرج مغرورة بقوتها أو بعددها أو بعتادها أو بأسلحتها؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧]. (والبطر) الكبر وهو: غمط الحق واحتقار الناس، (ورئاء الناس) من أجل أن يرى الناس مكانهم في هذه الأرض كما قال أبو جهل عليه لعنة الله! فينبغي لمن أراد الخروج للقتال أن يخرج خاضعاً لله ، يمد أكف الضراعة لله ، ويستكين لله ، ويطلب النصر من عند الله دون أن يغتر بالقوة. ولقد كان عدد المسلمين يوم حنين اثني عشر ألفاً بقيادة الرسول ﵇، وكانت هذه الغزوة بعد فتح مكة، ولم يسبق أن اجتمع مثل هذا الجيش في أي غزوة من غزوات الرسول ﵇، وبالرغم من كثرة هذا العدد وقلة العدو كانت المعركة في بدايتها لغير صالح المسلمين، وفر الناس لا يلوون على شيء، وبقي الرسول وحده مع طائفة قليلة. وسبب ذلك: أن أحد المسلمين أخطأ، إذ نظر إلى الجيش الكبير المكون من اثني عشر ألف مقاتل فقال: لن نُغلب اليوم من قلة، وما زاد على هذه الكلمة، فلم يقل: نتحدى القدر، كما يقول ذلك بعض الناس الذين يريدون أن يحاربوا وهم بعيدون عن الله ، وقد كان قوله: لن نُغلب اليوم من قلة. بحسن قصد؛ فحاقت الهزيمة بالمسلمين، وفر أكثر المسلمين من المعركة وعددهم حينذاك اثنا عشر ألفاً، وما بقي مع الرسول ﵇ إلا عدد قليل، ثم أمر الرسول ﵇ عمه العباس أن ينادي: يا أهل الشجرة! يا أهل بيعة الرضوان! فاجتمع المسلمون حول النبي ﵇، ودارت المعركة مرة ثانية، ولنا أن نتصور الهزيمة التي كادت أن تنزل بجيش الرسول ﵇ بسبب كلمة، فلما فاء المسلمون إلى ربهم وعرفوا أنهم بحاجة إلى نصر الله تعالى، دارت المعركة مرة ثانية، وانتصر المسلمون، وقد صور الله تعالى هذا الموقف فقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة:٢٥] بالرغم من سعة الأرض فقد أصبحت في نظركم ضيقة، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] أي: هربتم من حول الرسول ﵇، ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦]. فالغرور هو الذي يبطل مفعول القوة، والقوة مهما كانت ضارية فيها العتاد والسلاح والتقنية الحديثة، إلا أنه لا يمكن أن تنتصر إلا بالخضوع لله والاستكانة إليه. فلابد من الاستكانة لله ، والشعور بالضعف أمام قوته، والتضرع بين يديه جلت قدرته؛ فلا ينظر المسلم إلى الكثرة، وإلى عدد الطائرات والأسلحة والأموال والجيش والجنسيات المتعددة، وإنما ينظر إلى شيء واحد وهو أن هذه أسباب إذا أراد الله لها أن تنتصر فستنتصر، ولو كانت أقل بكثير من هذا العدد، وإذا أراد الله تعالى أن تنهزم فستنهزم، والله يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧]. فيجب علينا تصحيح الهدف، بحيث يكون الهدف هو: الدعوة إلى دين الله، وتطهير الأرض من الفساد، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإذا كان الهدف غير ذلك فالأمر خطير. وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧] يدل بمفهومه أنه لابد أن تكون هذه القوة من أجل أن تفتح الطريق لدين الله تعالى حتى ينتشر في هذه الأرض، ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٤٧ - ٤٨]. وقصة الشيطان معروفة مع ابن آدم، إذ لم يزل يفتنه حتى ورطه وأدخله في متاهات الكفر ثم تخلى عنه، وقد جاء الشيطان إلى أهل مكة في يوم بدر، وكانوا خائفين من كنانة، فقال لهم: (إني جار لكم)، أي: أنا أحميكم من كنانة، وما زال بهم ليخرجوا لقتال محمد ﷺ حتى خرجوا، فلما تراءى الجمعان ورأى الشيطان الملائكة تنزل من السماء هرب ورمى نفسه في البحر: ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨].

стр. 896

تجديد العهد مع الله تعالى إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى أن تجدد العهد مع الله دائماً وأبداً، وفي ساعة الصفر التي تعيشها أمتنا ومنطقتنا هذه لابد من التوبة الصادقة، والاعتماد على الله وحده، ولابد من تفقد أمور المسلمين، ونوجه هذا النداء أولاً إلى المسئولين عن هذه الدولة، ونظن فيهم خيراً كثيراً إن شاء الله. ونقول: إن قوى البشر التي ملأت هذه الأرض لا تستطيع أن تدفع عنا أمراً من أمور الله ، والله هو الذي يدافع عن الذين آمنوا، وهذه القوى إنما هي أسباب قد تنفع وقد لا تنفع، فلابد من العودة إلى الله ، والله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد فتح ﵎ أبواب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، فلابد من إزالة كل محرم من المحرمات التي لا ترضي الله حتى يتم النصر، ولابد من محاربة الربا، وإصلاح الإعلام، وإصلاح جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولابد من إصلاح أمور كثيرة يعرفها الناس، وهي من بدهيات هذا الدين، وهي تمثل المنهج السليم الذي يجب أن يكون عليه المسلم. ولا نقول هذا الكلام لغاية ما؛ كما يفعل العلمانيون في أيامنا الحاضرة، والذين يريدون أن يربكوا الدولة في ساعة الصفر، ولكن نقوله ونحن على ثقة بأن الله سوف ينصرنا بمقدار ما نعزم في قلوبنا على أننا سوف نصلح حينما تستقر الأمور وتعود إلى طبيعتها، فنحن لن نكون كالعلمانيين الذين ما إن طوق العدو بلادنا حتى بدءوا يربكون الدولة من الداخل، ويثيرون القضايا، لكننا سنقدم أنفسنا ودماءنا وكل ما نملك في سبيل الله وفي سبيل الدفاع عن أرض الإسلام؛ لا لأنها أرض وتراب، ولكن لأنها أرض الإسلام وأرض المقدسات، وهي معقل الإسلام الأول والأخير، وفيها قبلة المسلمين. وإننا في نفس الوقت نطالب من المسئولين أن يستعرضوا الساحة التي يعيشون عليها، وما فيها مما يتنافى مع دين الله ، وتعاليمه وسلوكه وآدابه، بحيث يتم الإصلاح، وسوف يتم الإصلاح إن شاء الله بجرة قلم منهم إذا أرادوا؛ لأنهم يملكون هذا الأمر، ونحن نملك أن ندعو الله أن يثبت أقدامهم ويوفقهم. ولكن أيضاً لا ننسى أن الشعوب هي مسئولة عن كثير من هذه الأخطاء الموجودة في الساحة، فلابد لكل واحد منا أن يستعرض أمامه ما في بيته، أو ما يستطيع إنكاره مما حرم الله ، فيعاهد الله على التوبة، والله كريم، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]، ونصر الله قريب: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] فما علينا إلا أن نتعامل مع الله بالإحسان، ثم بعد ذلك نأخذ بأسباب النصر ونعتمد على الله . أسأل الله في مثل هذه الظروف الشديدة أن يوفق ولاة المسلمين للعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﵇، وأن يعينهم على إحقاق الحق وإبطال الباطل، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن يفسد في هذه الأرض، أو يجر على هذه الأمة الويلات والفتن. اللهم إنا نتوجه إليك -يا أرحم الراحمين- أن تردنا وأن ترد المسلمين إليك رداً جميلاً، ربنا لا تجعلنا فتنةً للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وعبادك الصالحين أننا ننكر كل معصية نراها أو نسمعها، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، اللهم فلا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمراً رشيداً، يعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا رب العالمين! اللهم إنّا نسألك نصراً مؤزراً مبيناً. اللهم عليك بأعدائك الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم عليك بطغاة الأرض وجبابرتها، رب لا تذر على الأرض منهم دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، وأرح المسلمين من شرهم، يا رب العالمين! اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، لا حول لنا ولا قوة إلا بك، اللهم إنا نسألك يا حي يا قيوم أن تزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائنا، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، اللهم انصرنا عليهم، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

стр. 897

ويمكرون ويمكر الله لا يزال الكفار والمنافقون يؤذون الله ورسوله والمؤمنين، ويمكرون المكر الشديد في محاربة الإسلام والمسلمين، ولذلك يسلط الله عليهم في آخر الزمان عباده المؤمنين، ويمكنهم من رقابهم. ومن رحمته سبحانه أنه فتح باب التوبة لكل من أراد العودة إلى الدين، والكف عن إيذاء عباده المؤمنين، ومن لم يتب فإن الله له بالمرصاد.

стр. 898

أسباب تسليط الله للمؤمنين على الكافرين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه حلقة جديدة في موضوع آيات القتال والجهاد في سبيل الله من سورة الأنفال التي تتحدث بمجموعها عن الجهاد في سبيل الله، وتتحدث بصفة خاصة عن موقعة بدر وأسبابها، والسر في انتصار المسلمين وانهزام الكافرين. يقول الله : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٠ - ٣٢] إلى آخر الآيات.

стр. 899

مكرهم برسول الله ﵇ إن هذه الآيات والتي قبلها تتحدث عن الجرائم العظيمة التي من أجلها سلَّط الله تعالى المؤمنين على الكافرين، وتقدم لنا الجريمة الأولى من جرائمهم، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وتلك الجريمة كانت هي الشرارة التي من أجلها كانت موقعة بدر، ومن أجلها سلط الله المؤمنين على الكافرين ونصرهم عليهم؛ لأنهم أخرجوا رسوله ﵇ من مكة بغير حق، وطاردوه عند خروجه إلى المدينة. فالله يسلط على من يتجرأ على حدوده جنداً من جنوده وأولياء من أوليائه، ولربما يسلط على المسلمين فجرة كفرة بسبب بعدهم عن الله ، لا عجب من ذلك؛ فإن الله يقول في الحديث القدسي: (من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)، وإذا كان الله تعالى قد سلط المسلمين على المشركين الوثنيين في يوم بدر، فقد سلط على المسلمين في فترات كثيرة متقطعة من التاريخ أعداء أبعد منهم عن الله ، وقد يسلط الله تعالى على المسلمين المنحرفين كفرة بسبب ما كسبت أيديهم، فلله جنود السماوات والأرض يسلط من يشاء على من يشاء.

стр. 900

ادعاؤهم المقدرة على الإتيان بمثل القرآن والجريمة الثانية التي استحقوا بها الهزيمة هي ادعاؤهم المقدرة على الإتيان بمثل هذا القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣١]. لقد كان النضر بن الحارث ومن على شاكلته من الوثنيين المعاندين إذا سمعوا القرآن سخروا منه، وقالوا: هذه أساطير الأولين؛ كما هو منطق كثير من المعاندين للإسلام اليوم، ولربما يكون بعضهم من المحسوبين على الإسلام، كما قال طاغية من طغاة الأرض ذات يوم: إن العقل لم يعد يصدق بما يقوله محمد في القرآن من عصا موسى، وقصة أصحاب الكهف، وإن محمداً يأتي بخرافات ويضعها في القرآن فأخذ الله هذا القائل أخذ عزيز مقتدر، ولربما أخذ الله أمة بسبب مقالة رجل يتعدى حدود الله ويتجرأ على دينه إذا سكتت عن مثل هذا القول الذي قاله رجل في عهد الرسول ﵇. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا﴾ [الأنفال:٣١] أي: سمعنا ما تقوله يا محمد، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال:٣١] أي: إن القرآن كلام نستطيع أن نقول مثله، ولذلك وجد منهم من عارض القرآن وسخر منه وجاء بشيء مضحك زعم أنه يشبه القرآن! وهؤلاء هم المستهزئون الذين يقول الله تعالى عنهم في سورة الحجر: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥]. ثم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣١] أي: ما هذا إلا قصص وخرافات من الأولين يأتي بها محمد ويضعها في القرآن، ويقصدون بأساطير الأولين ما قصَّه الله تعالى من أخبار الأمم السابقة الذين في قصصهم عبرة لأولي الألباب. فهذه هي الجريمة الثانية من جرائم القوم، والتي كانت سبباً في تسليط المسلمين على المشركين، فليحذر المنسوبون للإسلام الذين يتجرءون في مثل هذه الأيام على مثل هذه المقالات، ويطعنون في كتاب الله وسنة رسوله ﵇، ويسخرون من المسلمين ومن دينهم فليحذروا أن يجروا قومهم إلى دار البوار والهلاك والدمار؛ بسبب ما تتفوه به ألسنتهم.

стр. 901

طلبهم إنزال العذاب بهم قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] وهذه المقولة قالها أيضاً النضر بن الحارث ومن معه من كبار المعاندين للإسلام، وكان المفروض أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه؛ فإن هذا هو أقل ما يقال في حال الشك أو البعد عن الله . وقراءة: (الحقَّ) بالنصب على أن (هو) ضمير فصل ليس له محل من الإعراب، واسم كان: (هذا) وخبرها: (الحقَّ)، أما قراءة: (الحقُّ) بالرفع فعلى أنها خبر المبتدأ (هو) باعتباره مبتدأ، والجملة الإسمية هي خبر كان. وإنما قال النضر بن الحارث ذلك تأكيداً منه على أن هذا القرآن ما جاء من عند الله، لا أنه يريد حجارة تنزل عليه من السماء، إنما يريد تأكيد الخبر، ويريد أن يثبت للقوم بأن هذا القرآن لم ينزل من عند الله -كما يزعم- ويقول: يا رب! إن كان القرآن نزل من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] يطلب العذاب أياً كان، وهذا العذاب من السهل أن ينزل؛ لأن القوم تجرءوا على حدود الله، وكفروا به، وسخروا من كتابه، وآذوا رسوله ﵇، وأخرجوه من بلده، وحاربوا الإسلام، ووقفوا له عند كل مرصد، لكن حلم الله أكبر من ذلك، فالله تعالى لا يعاجل هذه الأمة بالعقوبة، والسر في ذلك: أنها آخر أمة، وكونها آخر أمة فستظل باقية، تتناقل الإسلام جيلاً بعد جيل.

стр. 902

أسباب رفع العذاب والشدائد

стр. 903

ما جعله الله لهذه الأمة أماناً من الاستئصال لقد أعطى الله تعالى لأمة محمد ﵇ أمانين من الاستئصال، كما قال ابن عباس ﵄: الأمان الأول: ألا يعذبهم ما دام محمد فيهم حياً، وذلك لا يمنع أن تُعذب طائفة منهم كما حصل يوم بدر، فقد أهلك الله يوم بدر سبعين من رءوسهم، لكن الاستئصال الكامل لهذه الأمة لا يحدث أبداً، بخلاف الأمم السابقة التي قد استؤصل بعضها؛ لأن الله كلما أهلك أمة جاء بأمة جديدة وأرسل إليها رسولاً جديداً، لكن هذه الأمة هي آخر الأمم، ورسالتها آخر الرسالات، ونبيها آخر المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وكتابها آخر الكتب السماوية، ولذلك أعطى الله تعالى لرسوله ﵇ هذين الأمانين، الأول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]. والأمان الثاني: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] ومعنى (يستغفرون): يقولون نستغفر الله، وقيل: إنهم كانوا يستغفرون خصوصاً إذا ركبوا في الفلك ويدعون الله مخلصين له الدين، وقيل: كان أحدهم إذا طاف بالبيت قال: لبيك لا شريك لك. لكنهم يلوثون هذا التوحيد بقولهم: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك! وهم مع هذا خيرٌ من مشركي هذا العصر؛ لأن مشركي هذا العصر لادينيون كفرة ملاحدة، لا يعرفون الله في حال الرخاء ولا في حال الشدة، أما أولئك فكانوا يفزعون إليه حال الشدة وينسونه حال الرخاء، ومعنى ينسون الله، أي: يشركون به. فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] دليل على أهمية الاستغفار في ساعة الشدة وأيام الحروب؛ كهذه الأيام التي نعيشها، فهل يستغفر الناس فيها؟! أولئك الذين ادخروا الأرزاق في بيوتهم لسنين خوفاً من الحرب المدمرة هل استغفروا الله تعالى من سيئاتهم؟! إن الله تعالى لا يرفع العذاب عن هذه الأمة إلا إذا استغفرت وتضرعت إلى الله في كشف ما بها كما قال: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣].

стр. 904

لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولا يظن أن الاستغفار كلمة تقال باللسان، بل هو قول وعمل، ولذا نجد أن قوم موسى ﵇ استغفروا وتابوا وأنابوا ورفعوا أكفَّ الضراعة إلى الله أن يكشف ما بهم من أذى فرعون وتسلطه وطغيانه في الأرض، فقضى بنو إسرائيل عمراً طويلاً وهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦] فمتى استجيب دعاؤهم؟ لقد استجيب دعاؤهم حين غيروا ما بأنفسهم. أي: حصل شيء من التغيير في الواقع. فالأمة الإسلامية تمر بأيام شديدة لابد معها من تغيير شيء من الواقع على مستوى الدول والشعوب، فالدعاء والتضرع وحده لا يكفي، فبنو إسرائيل كانوا يقولون طيلة مدة استعباد فرعون لهم: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦]. فعلمهم الله تعالى كيف يتوبون، وكيف يقدمون المال، ويضحون بأعز وأغلى ما يملكون، وحينئذٍ يتقبل الله تعالى دعاءهم، فقال لهم: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧]. هذه هي التغييرات الجذرية التي كانت السبب في رفع العذاب عن بني إسرائيل، وهي التي سوف ترفع عنا ظلم الظالمين وطغيان الطغاة في أيامنا الحاضرة، فإذا كان أمننا الذي بذلنا في سبيله الغالي والنفيس، والذي نعمنا به مدة طويلة، قد حصل له ما حصل في أيامنا الحاضرة؛ فذلك يتطلب منا توبة وإنابة إلى الله ، بإصلاح أوضاع البيوت والأسر والمجتمع، وإصلاح أوضاع الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والتنظيمية وغير ذلك، بحيث تكون وفق منهج صحيح. إن بني إسرائيل لما أمرهم الله بجعل بيوتهم قبلة امتثلوا أمره، وجعلوا بيوتهم قبلة -أي مكان عبادة كالمساجد- من أجل رضا الله ، ولما نفذوا هذا الأمر من أوامر الله دعوا مرة أخرى، قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] ومعنى ذلك أن التغيير قد وقع. ولقد استجيب لهم هذا الدعاء؛ لأنه قد حصل منهم بذل في سبيل الله، وتغيير وضع مألوف منذ زمن طويل؛ لذا قال الله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٨٩ - ٩٠] فاستجيبت الدعوة بعد التغيير، وبعد الدعاء والتضرع، أما الدعاء والتضرع وحده فلا يكفي، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف:٥] أقروا أنهم كانوا ظالمين، ولكن بعد أن جاءهم بأس الله. إذاً: لا بد لتحقيق رفع العذاب من أمرين: الأمر الأول: تغيير أوضاع الناس من سيئ إلى أحسن. الأمر الثاني: الدعاء والتضرع بين يدي الله . ونحن نطالب الناس اليوم على كل المستويات أن يفهموا أمثال هذه الآيات: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا كان الناس يحاربون ويقاتلون أعنف عدو على وجه الأرض، وأعتى جبابرة الأرض، فلابد من تجديد توبة، ولابد من تغيير الأوضاع، فإن الخطر يحيط بالأمة الإسلامية.

стр. 905

الصد عن سبيل الله والاستهزاء بالمسلمين من أسباب تسليط المسلمين على الكافرين أيها الإخوة! إن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] ليس خطاباً للأمة في عهد الرسول ﵇، ولكنه خطاب خالد إلى يوم القيامة، ولذلك بين الله تعالى في الآية التي بعدها أنهم مستحقون للعذاب، لكن رحمة الله أدركتهم. قال الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال:٣٤]. هذه أيضاً جريمة من الجرائم التي بسببها سلط الله تعالى عليهم المؤمنين، فقد كانوا يصرفون الناس عن دين الله، ولربما صرفوا الحجاج والمعتمرين، وكانوا يقولون: نحن أهل البيت وأولياء الله، وهم أبعد الناس عن الله لشركهم ولصدهم للمؤمنين عن المسجد الحرام. ولا تكون حماية البيت إلا لأولياء الله وللصالحين من عباده، ولا تصلح أن تكون سلطته إلا بأيدي أولئك الذين يحكِّمون شرع الله . ولذلك يبين الله تعالى جريمة من جرائمهم كانت سبباً في عقوبتهم يوم بدر فقال: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال:٣٤] كانوا يمنعون الطائفين والمعتمرين من المسجد الحرام، وكم منعوا الناس من الدخول في الإسلام أيضاً، وهذا شأن دعاة الضلال، فهم لا يكتفون بضلالهم وحدهم، بل يسعون إلى أن يضلوا الناس عن الطريق المستقيم. ثم قال الله: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ [الأنفال:٣٤] يعني: ليسوا هم بأوليائه، وإن كانوا يدعون ذلك بقولهم: نحن أولياء البيت وسدنته. ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤] و (إن) هنا: حرف نفي بمعنى (ما)، أي: ما أولياء هذا البيت إلا الذين يتقون الله ويمتثلون أمره، فالمسألة ليست مسألة وطن أو مولد، أو آباء وأجداد وأمجاد، لكن المسألة مسألة دين، فمن أخذ به فهو ولي هذا البيت، ومن رفضه فليس من أوليائه. بعد ذلك يبين الله تعالى أن من جرائمهم أنهم كانوا يضحكون ويسخرون ويصفقون ويصفرون عند البيت، لا سيما إذا رأوا الرسول ﵇ والمسلمين يصلون، فيتخذون عبادتهم سخرياً ويهزءون بدين الله كما يهزأ به كثيرٌ من الناس اليوم، ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥]. المكاء: التصفير، والمكَّاء طير يصفر، والماكي الذي يضم يديه ويضعهما عند فمه ويصفر. والتصدية: التصفيق، فهم يلعبون ويسخرون في وقت الصلاة التي هي أعظم عبادة وأعظم شعيرة فرضها الله على هذه الأمة، فإذا رأوا الرسول ﵇ يصلي صفروا وصفقوا، واكتفوا من الصلاة بذلك التشويش على المسلمين، وهذه أيضاً جريمة من جرائمهم التي كانت سبباً في تسليط المسلمين عليهم، فليحذر الذين يسخرون من دين الله أو الصلاة أو شخصية المسلم أو صفته! وقد أخذ العلماء من هذه الآية النهي عن التصفيق، وقد قال رسول الله ﵇: (إنما التصفيق للنساء)، وإذا أخطأ الإمام في صلاته وخلفه الرجال والنساء، فالرجل يسبح والمرأة تصفق. أما تصفيق الرجال فإنه خلاف الفطرة وخلاف سنة محمد ﵇؛ وفيه تشبه بالكافرين الذين كانوا يسخرون من الصلاة بالتصفيق، ولذلك قال الله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال:٣٥]، أي: ذوقوا عذاب القتل يوم بدر، وهو بداية العذاب لا نهايته كما أخبر الله، ولذلك لا ينتهي بهم العذاب في الدنيا، بل يتبع هذا القتل عذاب البرزخ، ثم ينتهي بهم الحال إلى عذاب الآخرة الذي لا ينتهي: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧].

стр. 906

فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً لما انتهت موقعة بدر، ورجع المشركون إلى مكة سعى رجالٌ منهم وصاروا يطوفون خلال مكة ويقولون: يا قوم! إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، ورمل نساءكم، ويتم أطفالكم، المالَ المالَ! أي: ابذلوا المال لحرب محمد مرة أخرى.

стр. 907

جهود النصارى لتكفير المسلمين خائبة إن هذه القضية تشبه إلى حدٍ بعيد ما يُفعل في أيامنا الحاضرة، فقد بخل كثير من المسلمين بالمال الذي لا تقوم دولة الإسلام ودعوته إلا به، وقدَّم الكافرون هذا المال سهلاً من أجل تكفير وتنصير أبناء المسلمين، وحين دعت الكنيسة إلى جمع المال لتنصير أبناء المسلمين، جمعوا في فترة وجيزة مليار دولار. إن مليار دولار ليس رقماً ارتجالياً، إنه رقم يقصدون به عدد المسلمين؛ فكأنهم قالوا: إن عدد المسلمين مليار، فادفع دولاراً واحداً تُنَصِّرُ به واحداً من المسلمين، ولكن الله تعالى غالب على أمره، ومتم لنوره. أما المسلمون فإنهم إذا دعوا إلى البذل في سبيل الله أو الدعوة فإن كثيراً منهم يبخلون. إن هذه هي سنة الله تعالى في الحياة، وقد ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦]. ورغم هذا المبلغ الضخم الذي جمعه دعاة التنصير فإن الكنيسة ما استطاعت أن تنصر واحداً من المسلمين، اللهم إلا طفلاً ولد على الفطرة وربي على غير الفطرة. إن الله تعالى حافظ دينه الذي هو فطرته في نفوس الناس: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]. وهذه الفطرة لا يستطيع أحد أن ينتزعها من هذا الإنسان إلا لظروف خاصة، ولذلك بشر الله تعالى المسلمين وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، لقد رأينا معنى هذه الآية متجسداً في قصة العالم الإسلامي في وضعه الحاضر، إذ تبذل الأموال لإقامة مراكز للتنصير، ثم يأتي داعية أعزل لا يملك من المال إلا النزر اليسير، فإذا بهؤلاء الذين نصرتهم الكنيسة يعودون إلى الفطرة ولقد شاهدنا هذا في بعض مناطق في أفريقيا وقلنا: صدق الله العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] فأموالهم الطائلة التي تبذل لا تستطيع أن تحرف أبناء المسلمين عن الفطرة؛ ونحن مستبشرون بموعود الله ، وهذه قضية يعيشها العالم في كل فترة من فترات التاريخ؛ حيث تبذل الأموال من أجل صدّ أبناء المسلمين عن دينهم، لكن الحقيقة: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال:٣٦].

стр. 908

دعوة المسلمين للإنفاق في سبيل الدعوة إلى الله إننا ندعو المسلمين إلى البذل حتى يكون بذلهم أكثر من بذلك أولئك الكافرين، لأمور: الأمر الأول: لأن الله سيخلف عليهم في الحياة الدنيا، وهم يؤمنون بهذا الإخلاف؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. الأمر الثاني: لأن الله تعالى ينمي هذا المال القليل الذي يبذله هذا الإنسان ولو كان قرشاً أو ريالاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كما أخبر الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١]. الأمر الثالث: أن المسلم إذا بذل المال للجهاد في سبيل الله، وللدعوة إلى الله، وللمحافظة على الكيان الإسلامي والأمة الإسلامية إنما يرجو بذلك الجنة، وأعداؤنا لا يرجون الجنة ولا يؤمنون بها، والله تعالى يقول لنا: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] فإن كان يؤلمك بذل المال فعدوك يؤلمه بذل المال أيضاً، لكنك ترجو من الله الجنة وترجو عز الإسلام ونصره في القريب العاجل، وهو لا يرجو إلا الفخر في الدنيا، فالمسلمون أولى ببذل هذا المال في سبيل الله . وقد أخبر الله عنهم بالفعل المضارع (ينفقون) (ليصدوا) وفي هذا إشارة إلى أن هذا الأمر (الإنفاق) و (الصد عن سبيل الله) يتجدد منهم باستمرار، والإخبار بالفعل الماضي يفيد ذلك، والله يريد أن يبين أن هذه قضية سننية تتكرر عبر التاريخ؛ أن الكفار يبذلون أموالهم دائماً وأبداً للصد عن دين الله . وأعجب ما رأيناه في ذلك: ما رأينا في مجاهل أفريقيا وغاباتها الموحشة رأينا شباباً في مستهل العمر من البنين والبنات، يأتون من أوروبا إلى أفريقيا يركبون البقر ليدعوا إلى النصرانية، وكنا ذات يوم في غابة من الغابات البعيدة عن الحضارة، والتي لا يستطيع أن يعيش فيها أبسط الناس؛ لما فيها من الأمراض، والحر الشديد، وقلة الماء والطعام، وكثرة البعوض والأوبئة، ورأينا هؤلاء يأتون من إيطاليا وغيرها من البلاد الأوروبية المترفة، ثم يعيشون في هذه البيئة السيئة الملوثة من أجل أن يربوا أبناء المسلمين على غير الفطرة، وعلى غير الملة، قلت: صدق الله العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦]. ثم قلت: أين المسلمون؟! أليسوا هم أولى بتربية أبنائهم من هؤلاء؟! وفي تلك المناطق يعيش كثير من المسلمين المهاجرين من دول أفريقية مجاورة. أيها الإخوة! أعداؤنا أنشط منا في الدعوة إلى مبدئهم الباطل ومنهجهم الفاسد، ونحن مطالبون بأن ننفر خفافاً وثقالاً لنجاهد في سبيل الله. إن أولئك المنصرين يأخذون الطفل في أول أيام طفولته، وربما كان يحمل كل الأمراض، حتى المعدية منها تأخذه الفتاة المترفة المنعمة الرقيقة لتضعه في حجرها وتصنع له الطعام والعلاج وكأنه طفل من أطفالها، لولا أنه يختلف عنها في اللون. إن أعداء الإسلام يضربون آباط الإبل من أقصى الدنيا من أجل أن يكفِّروا أبناء المسلمين، فإلى متى والمسلمون نيام وهؤلاء يفتنون أطفال المسلمين، ويربونهم على غير الملة ليكونوا في يوم من الأيام قُسُساً يدعون إلى منهج ودين محرَّف! إن الذين يحاربون المسلمين سوف ينهزمون حينما يعود المسلمون إلى دينهم ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال:٣٦]؛ سوف يتحسرون على أنهم أنفقوها ثم لم تتحقق بها أهدافهم ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] في المعركة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، فهذه هي نتائج نفقاتهم: غلبة في الدنيا، وحشر إلى جهنم في الآخرة، ما نفعتهم أموالهم، ولا جمعهم، ولا قوتهم؛ لأنهم ما أرادوا بذلك الحق، ولا أرادوا رضا الله ولا الجنة.

стр. 909

الحكمة من ابتلاء الله للناس بالكفر والإيمان

стр. 910

تمييز الخبيث من الطيب سلط الله تعالى الكافرين على المسلمين؛ يقدمون أموالهم وأنفسهم ليحاربوا بهما الإسلام، وجعل له جنداً يقاتلون في سبيله، وجنداً للطاغوت يقاتلون في سبيل الطاغوت السر في ذلك: أن يكون للجنة أهل وللنار أهل، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، كما قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢]، ولولا هذه الفتن، ولولا الجهاد في سبيل الله، ولولا تسلط الطغيان في الأرض على المؤمنين ما كان ليتميز الخبيث من الطيب، ولو أن هذا الدين لم يطالب أهله بجهود ولا تضحيات ولا إراقة دماء ولا بذل للأموال ولا دعوة إلى الله لولا هذه المطالب لما تميز الخبيث من الطيب. ولو كان الدين مجرد شعائر تعبدية دون أن تكون هناك تكاليف وعقبات ونكبات وأمور موحشة ومخيفة في طريقه، لما عرف الصالح من الطالح، ولما تمايز الناس إلى درجات، والله تعالى يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، وقد أخبر الله تعالى بأن من ظن أن طريق الجنة سهل فعليه أن يراجع أمره فقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦]، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].

стр. 911

تبين من يصبر على الإسلام فيستحق الجنة معنى ذلك: أن طريق الجنة طريق وعر، فيه عقبات ومخاوف، وأشلاء ممزقة، وجماجم مطوَّح بها، ومخاوف وسجون، وتسلط، وأمور عظام، ولابد أن يسلك المسلم طريق هذه الجنة، ويتخطى كل هذه العقبات الذي تعترض سبيله، لابد من أن تكون هناك أحداث وأمور مخيفة حتى يتميز الخبيث من الطيب في هذه الحياة، يقول الشاعر: لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يدرى طيب عرف العود فلو أخذت عوداً ثميناً وشممت رائحته، فقد لا تستطيع أن تميز جودته، لكن إذا مسته النار خرجت رائحته، وهكذا الفتن تميز الرجال، وتظهر الطيب من الخبيث كما تظهر النار الملتهبة رائحة العود الطيب من رائحة الحطب، والله تعالى يبين أن تميز الخبيث من الطيب إنما يحتاج إلى فتن ومحن وأمور عظيمة، وكأن الله تعالى يقول: جاهدوا في سبيل الله وكونوا من جنده، وحاربوا أولياء الشيطان إن كيده كان ضعيفاً لماذا؟ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. أيها الأخ المسلم! إن طريق الجنة طريق وعرة ينكص عنها أقوام ويسلكها رجال، وهؤلاء الرجال هم الذين لا يرجعون من منتصف الطريق مهما عز الطلب وغلا الثمن، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس والمال والولد من أجل رضا الله ، ولذلك أخبرنا الله بأن قوماً يسلكون طريق الجنة ولكن الإيمان لم يتمكن من نفوسهم بعد، حتى إذا اعترضت سبيلهم عقبة من العقبات عادوا من منتصف الطريق ناكصين على أعقابهم، ويقول قائلهم إذا أصابته فتنة أو عذاب من عذاب الناس: خير لي أن أمتع نفسي اليوم ولا أتحمل هذا العذاب الحاضر المؤكد فراراً من عذاب متوعَّد به! ثم يرجع من منتصف الطريق. وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] (فتنة الناس) أذى الناس في الحياة الدنيا، (كعذاب الله) في الآخرة.

стр. 912

تميز عبد الله بن حذافة ﵁ بالثبات على الدين يروى أن عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، وكان من قواد الجيش الإسلامي في موقعة اليرموك، وقع في أسر الروم، وكان رجلاً ذكياً وضيئاً شجاعاً فذاً، بقي في السجن أشهراً، فأعجب السجانون بقوة شكيمته، ووصلت أخباره إلى قيصر الروم، وقيل له: إن في سجنك رجلاً لو ضممته إليك لكان في ذلك مكسباً كبيراً للنصرانية. قال: ائتوني به. فجيء بـ عبد الله بن حذافة ﵁، فقال له قيصر: يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي. وهكذا تعرض الفتن على القلوب، فالقلوب الضعيفة هي التي تتقبلها، أما القلوب العظيمة فإنها ترفضها رفضاً باتاً. فقال عبد الله بن حذافة: اخسأ يا عدو الله! -يقول هذا لـ قيصر الروم وهو رجل أسير- والله لو كانت لي الدنيا بأسرها ما تركت شيئاً من ديني! فتعجب من قوة شكيمته، وقال: ردوه إلى السجن وشدوا عليه وثاقه. فأعيد عبد الله بن حذافة إلى السجن وزادوا في أغلاله. ثم جمع الملك مستشاريه وقال: دلوني على أمر أفتن به هذا الرجل؟ فقالوا: إنه شاب قوي، بعيد عن زوجته وأهله منذ أشهر، وتستطيع أن تفتنه عن طريق الشهوة. والشهوة سلاح من أسلحة أهل الباطل قديماً وحديثاً، وها نحن نرى الشهوة تعرض في بلاد المسلمين على أهل الإسلام، فتفتن كثيراً منهم عن دينهم. قال: ائتوني بأجمل فتاة في بلادي. فجيء بها، وأغريت بالمال إن هي فتنت هذا الشاب. فتجردت عن ملابسها، ودخلت عليه ورمت بنفسها في أحضان هذا المؤمن، فلما رآها صرف نفسه عنها، وأكبَّ بوجهه على الأرض وهو يتلو القرآن، وصار كلما اتجه إلى جهة تابعته بجسدها الرقيق الجميل، وهو ينحرف ويبتعد عنها، وهي تلاحقه، وهو يقول: معاذ الله! فيئست هذه المرأة من أن تنال من هذا الرجل نظرة؛ فضلاً عن أن ينالها بفاحشة. وقالت: أخرجوني. فلما أخرجوها قالت: والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر! ووالله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر! تعني: أن هذا ليس من البشر الذين عهدتهم يفتنون بجمال النساء؛ وقد كان عبد الله بن حذافة ﵁ من أولئك الرجال الذين يريدون الجنة، ولا تصرفهم عن غايتهم هذه الشهوات. فتحير قيصر الروم في أمره، واستشار الناس، فقالوا: خوفه بالموت، فكل الناس يخافون منه. فيقال: إنه طلب قِدراً عظيمةً، ملئت زيتاً، فأوقد تحتها حتى غلى زيتها، ثم قال: ائتوني بـ عبد الله وبأصحابه الذين كان يأنس بهم ويطمئن إليهم، فجيء بهم، ثم أمر أن يؤخذ صديق لـ عبد الله ويبدءون به فيرمى في القدر، فرمي في القدر فطفت عظامه بعد أن ذاب عنها اللحم، عليه رحمة الله -وكان قيصر يراقب عين عبد الله - فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله وهو على حافة القدر، فظن عدو الله أنه نجح في زعزعة إيمان هذا الشاب، فقال: يا عبد الله! جزعت من الموت؟ فقال: اخسأ يا عدو الله! والله ما بكيت حينما رأيتني بكيت خوفاً من الموت، وما جئت إلى بلدك هذه إلا لأبحث عن الموت والشهادة، لكني بكيت على أن سبقني هذا إلى الله والدار الآخرة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الله، وكان ينافسني وأنافسه، فكنت إذا صلى ركعتين في جوف الليل المظلم صليت أربعاً، وإذا صلى أربعاً صليت ثمانياً، وإذا صام يوماً في شدة الهاجرة صمت يومين، وإذا صام يومين صمت أربعة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الله والدار الآخرة، وبكيت الآن لأنه سبقني إلى الجنة. إن مثل هذا لا يستطيع أحد أن يؤذيه أو أن يناله بسوء مؤمن يتحدى الخوف من الموت الذي يخاف منه الناس، ويتحدى نار الدنيا، والمنصب، والشهوة التي فتنت كثيراً من الناس، حتى ارتد بعضهم عن الإسلام بسببها. أيها الإخوة! إن الله أخبر بأنه بهذه الفتن يميز الخبيث من الطيب، فيخرج الخبيث الذي سوف يذهب إلى النار من الطيب الذي أعده الله للجنة، يقول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال:٣٧]. وجميع أنواع الملل قد تختلف في أسمائها، لكنها تتحد في مفهومها: علمانية، وثنية، نصرانية، يهودية، شيوعية؛ فأياً كانت تسميتها فهي تلتقي جميعاً في نار جهنم، وكل أنواع الخبث يركمه الله تعالى في جهنم. ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٧] خسروا لذة الحياة الدنيا والتي لا تنال إلا بطاعة الله فيها، ثم خسروا بعد ذلك جنة عرضها السماوات والأرض بسبب عنادهم لهذا الدين، ووقوفهم ضده؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٧].

стр. 913

فتح باب التوبة للكفار والمنافقين إن باب التوبة مفتوح، وهؤلاء الذين يسبون الله ورسوله في أيامنا الحاضرة لو تابوا لقبل الله توبتهم؛ لأنه تعالى أوجب على نفسه قبول التوبة؛ بشرط ألا تفارق الروح الجسد وهم على باطلهم، وبشرط ألا تطلع الشمس من مغربها وهم على منكرهم، فنقول لكل الذين يحاربون الإسلام بالسلاح أو بالقلم، بالكلمة أو بالسخرية: ما زال باب التوبة مفتوحاً، اتقوا الله، وعودوا إليه، وأصلحوا العمل، فإن توبتكم لا تقبل إلا إذا تأكد صلاح العمل كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٦٠]، فلربما يتوبون ظاهراً خوفاً من الأمة الإسلامية، فلابد أن يصلحوا العمل، وأن يبينوا؛ بحيث ينقضون ما كانوا يقولونه بالأمس من حربهم للإسلام وسخريتهم وعدائهم لهذا الدين، فالله تعالى قد فتح باب التوبة، وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]. ليس هناك دين أعظم من هذا الدين في فتحه باب التوبة مع وضع الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، فإن بني إسرائيل لما أرادوا أن يتوبوا قال الله لهم: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] والنصارى لا تتم توبتهم إلا بالاعتراف بالذنوب أمام القساوسة ليعطوهم صكوك الغفران كما يقولون؛ لكن الإسلام يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها؛ اللهم إلا إذا كانت هناك حقوق للخلق فلابد من ردها، وإذا عجز الإنسان عن ردها فقد يتجاوز الله عنه، ويرضي صاحب الحق بما يعطيه في الآخرة؛ بحيث يعفو عن هذا الحق الذي له. وهذا الرد للحقوق شرط من شروط التوبة للمسلم، أما الكافر فإنه بإسلامه يغفر له ما قد سلف، ولا يلزمه شيء مما فعله في كفره ولو قتل من المسلمين آلافاً مؤلفة. فهذا خالد بن الوليد ﵁ كان أكبر من نال من المسلمين في يوم أحد، ومع ذلك صار من خيار الصحابة حين أسلم، وقال له الرسول ﵇ حين أخذ الراية في مؤته: (فأخذها سيف من سيوف الله، حتى فتح الله على يديه). وهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان أشد المشركين عداءً للإسلام، فلما هداه الله تعالى للإسلام أصبح أحد المبشرين بالجنة، بل هو ثاني العشرة المبشرين بالجنة. باب التوبة مفتوح، بشرط ألا يتمادى الإنسان في غيِّه، وألا يركب رأسه، وألا تغره الحياة الدنيا، وألا يغره بالله الغرور بشرط ألا يغتر بالصحة والعافية والشباب بشرط ألا يغتر بالمنصب والتخويل الذي خوله الله إياه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤]. إن باب التوبة مفتوح، ولذلك يقول الله تعالى لرسوله ﵇: يا محمد! ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] عن كفرهم وحربهم للإسلام، ومطاردتهم لرسوله ﵇، وأذيتهم للمؤمنين، وحمل السلاح في وجوه المسلمين، (يغفر لهم ما قد سلف). و (يغفر) جواب الشرط، و (ينتهوا) فعل الشرط، وجواب الشرط لا يأتي إلا إذا جاء فعل الشرط؛ فلا (يغفر) ما قد سلف إلا إذا (انتهوا) عن حربهم وعنادهم للإسلام.

стр. 914

وعيد الله للكفار إن لم يتوبوا ونحن نقول لكل الذين يحاربون الإسلام أياً كان نوع الحرب؛ سواء كانت حرباً حارة أو باردة، حرب سلاح أو أفكار، من الخارج بالعداء السافر، أو من الداخل بالنفاق: ﴿إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فإن الله كما أخبر عن نفسه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]، ونحن ندعوهم إلى التوبة، ونقول لهم: ويلكم! آمنوا وادخلوا في طاعة الله، ولا تحاربوا الله ورسوله؛ فإن من حارب الله ورسوله فإن الله ﴿غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. وماذا يكون لو لم ينتهوا، وعادوا لحرب الإسلام والمسلمين مرة أخرى، وعادوا للعناد والمكابرة والطغيان في الأرض وأذية المسلمين وإرهابهم وإزعاجهم، وعادوا إلى الطعن في الإسلام والنيل من دين الله والسب له ولرسوله لو عادوا ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨]. وجواب الشرط محذوف، وجملة (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) ليست هي جواب الشرط، ولكنها تعليل لجواب الشرط المحذوف، أي: وإن يعودوا نعد لإهلاكهم وقتلهم بسيوف المسلمين والملائكة، فقد مضت سنة الله في الأولين أنه يأخذ الطغاة والمتكبرين والكفرة والمعاندين لدين الله تعالى أخذ عزيز مقتدر. وهذه الآية فيها بشرى لنا إذا استقمنا على دين الله، وإن أوذينا فيه، وإن حاربنا طغاة الأرض، وسلطوا علينا صواريخهم وأسلحتهم الفتاكة، ووجهوا إلينا كل ما يوجهونه من أذى وبلاء وفتن، فإننا على ثقة بنصر الله ، لكن بالشرط السابق؛ وهو أن نتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، وبشرط أن نصلح الأوضاع الداخلية والخارجية، وأن نتفقد الأمور كما أمر الله بني إسرائيل بألا يدعوه إلا بعد أن يغيروا شيئاً مما في واقعهم، وإذا غيروا شيئاً مما في واقعهم فإنهم يدعونه، وإذا دعوه فإن رحمة الله قريب من المحسنين بعد التغيير والدعاء والتضرع. أيها الإخوة! إن سنة الله في الأولين إهلاك الطغاة، وقد ينتفخ الباطل ويظهر مخيفاً كما يحدث في أيامنا الحاضرة، ويعجز المؤمنون عن دفعه، لكن نهايته قريبة، واضمحلاله وشيك، ولربما لم تستكمل شروط النهاية بعد، وإذا استكملت هذه الشروط فإن الله سوف يقذف بالحق على الباطل بعد أن يتفقد المسلمون أنفسهم وأوضاعهم، وقد تطول مدة الابتلاء، لكن من المؤكد أن لكل ليل فجراً، ولكل طغيان نهاية؛ لأن الله تعالى وعدنا وقال: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨]؛ فهذا وعد منه سبحانه بإهلاك المتجبرين والطغاة، والمعاندين للإسلام، والمحاربين لأولياء الله وجنده، وهذه سنة الله في الأولين التي تتكرر عبر التاريخ، لكنها قد تتأخر لاسيما حينما لا تتوفر أسباب تواجدها، فعلينا أن نبحث عن الأسباب التي بها نستجلب نصر الله ، ثم علينا بعد ذلك أن نحسن الظن بالله، وأن نوقن بأن نصر الله قريب، وأن رحمة الله قريب من المحسنين.

стр. 915

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة قد يركن المسلمون إلى الراحة والدعة، والرخاء والاسترخاء، والمساكن المترفة، والمراكب الفارهة، والزوجات والأبناء، والأهل والعشيرة، ويتركون الجهاد في سبيل الله مدةً من الزمن، ثم يتسلط الكافرون والظالمون عليهم، والسر في ذلك هو: ترك الجهاد في سبيل الله.
следующие страницы →