← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

تبين من يصبر على الإسلام فيستحق الجنة معنى ذلك: أن طريق الجنة طريق وعر، فيه عقبات ومخاوف، وأشلاء ممزقة، وجماجم مطوَّح بها، ومخاوف وسجون، وتسلط، وأمور عظام، ولابد أن يسلك المسلم طريق هذه الجنة، ويتخطى كل هذه العقبات الذي تعترض سبيله، لابد من أن تكون هناك أحداث وأمور مخيفة حتى يتميز الخبيث من الطيب في هذه الحياة، يقول الشاعر: لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يدرى طيب عرف العود فلو أخذت عوداً ثميناً وشممت رائحته، فقد لا تستطيع أن تميز جودته، لكن إذا مسته النار خرجت رائحته، وهكذا الفتن تميز الرجال، وتظهر الطيب من الخبيث كما تظهر النار الملتهبة رائحة العود الطيب من رائحة الحطب، والله تعالى يبين أن تميز الخبيث من الطيب إنما يحتاج إلى فتن ومحن وأمور عظيمة، وكأن الله تعالى يقول: جاهدوا في سبيل الله وكونوا من جنده، وحاربوا أولياء الشيطان إن كيده كان ضعيفاً لماذا؟ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. أيها الأخ المسلم! إن طريق الجنة طريق وعرة ينكص عنها أقوام ويسلكها رجال، وهؤلاء الرجال هم الذين لا يرجعون من منتصف الطريق مهما عز الطلب وغلا الثمن، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس والمال والولد من أجل رضا الله ، ولذلك أخبرنا الله بأن قوماً يسلكون طريق الجنة ولكن الإيمان لم يتمكن من نفوسهم بعد، حتى إذا اعترضت سبيلهم عقبة من العقبات عادوا من منتصف الطريق ناكصين على أعقابهم، ويقول قائلهم إذا أصابته فتنة أو عذاب من عذاب الناس: خير لي أن أمتع نفسي اليوم ولا أتحمل هذا العذاب الحاضر المؤكد فراراً من عذاب متوعَّد به! ثم يرجع من منتصف الطريق. وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] (فتنة الناس) أذى الناس في الحياة الدنيا، (كعذاب الله) في الآخرة.

стр. 912

تميز عبد الله بن حذافة ﵁ بالثبات على الدين يروى أن عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، وكان من قواد الجيش الإسلامي في موقعة اليرموك، وقع في أسر الروم، وكان رجلاً ذكياً وضيئاً شجاعاً فذاً، بقي في السجن أشهراً، فأعجب السجانون بقوة شكيمته، ووصلت أخباره إلى قيصر الروم، وقيل له: إن في سجنك رجلاً لو ضممته إليك لكان في ذلك مكسباً كبيراً للنصرانية. قال: ائتوني به. فجيء بـ عبد الله بن حذافة ﵁، فقال له قيصر: يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي. وهكذا تعرض الفتن على القلوب، فالقلوب الضعيفة هي التي تتقبلها، أما القلوب العظيمة فإنها ترفضها رفضاً باتاً. فقال عبد الله بن حذافة: اخسأ يا عدو الله! -يقول هذا لـ قيصر الروم وهو رجل أسير- والله لو كانت لي الدنيا بأسرها ما تركت شيئاً من ديني! فتعجب من قوة شكيمته، وقال: ردوه إلى السجن وشدوا عليه وثاقه. فأعيد عبد الله بن حذافة إلى السجن وزادوا في أغلاله. ثم جمع الملك مستشاريه وقال: دلوني على أمر أفتن به هذا الرجل؟ فقالوا: إنه شاب قوي، بعيد عن زوجته وأهله منذ أشهر، وتستطيع أن تفتنه عن طريق الشهوة. والشهوة سلاح من أسلحة أهل الباطل قديماً وحديثاً، وها نحن نرى الشهوة تعرض في بلاد المسلمين على أهل الإسلام، فتفتن كثيراً منهم عن دينهم. قال: ائتوني بأجمل فتاة في بلادي. فجيء بها، وأغريت بالمال إن هي فتنت هذا الشاب. فتجردت عن ملابسها، ودخلت عليه ورمت بنفسها في أحضان هذا المؤمن، فلما رآها صرف نفسه عنها، وأكبَّ بوجهه على الأرض وهو يتلو القرآن، وصار كلما اتجه إلى جهة تابعته بجسدها الرقيق الجميل، وهو ينحرف ويبتعد عنها، وهي تلاحقه، وهو يقول: معاذ الله! فيئست هذه المرأة من أن تنال من هذا الرجل نظرة؛ فضلاً عن أن ينالها بفاحشة. وقالت: أخرجوني. فلما أخرجوها قالت: والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر! ووالله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر! تعني: أن هذا ليس من البشر الذين عهدتهم يفتنون بجمال النساء؛ وقد كان عبد الله بن حذافة ﵁ من أولئك الرجال الذين يريدون الجنة، ولا تصرفهم عن غايتهم هذه الشهوات. فتحير قيصر الروم في أمره، واستشار الناس، فقالوا: خوفه بالموت، فكل الناس يخافون منه. فيقال: إنه طلب قِدراً عظيمةً، ملئت زيتاً، فأوقد تحتها حتى غلى زيتها، ثم قال: ائتوني بـ عبد الله وبأصحابه الذين كان يأنس بهم ويطمئن إليهم، فجيء بهم، ثم أمر أن يؤخذ صديق لـ عبد الله ويبدءون به فيرمى في القدر، فرمي في القدر فطفت عظامه بعد أن ذاب عنها اللحم، عليه رحمة الله -وكان قيصر يراقب عين عبد الله - فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله وهو على حافة القدر، فظن عدو الله أنه نجح في زعزعة إيمان هذا الشاب، فقال: يا عبد الله! جزعت من الموت؟ فقال: اخسأ يا عدو الله! والله ما بكيت حينما رأيتني بكيت خوفاً من الموت، وما جئت إلى بلدك هذه إلا لأبحث عن الموت والشهادة، لكني بكيت على أن سبقني هذا إلى الله والدار الآخرة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الله، وكان ينافسني وأنافسه، فكنت إذا صلى ركعتين في جوف الليل المظلم صليت أربعاً، وإذا صلى أربعاً صليت ثمانياً، وإذا صام يوماً في شدة الهاجرة صمت يومين، وإذا صام يومين صمت أربعة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الله والدار الآخرة، وبكيت الآن لأنه سبقني إلى الجنة. إن مثل هذا لا يستطيع أحد أن يؤذيه أو أن يناله بسوء مؤمن يتحدى الخوف من الموت الذي يخاف منه الناس، ويتحدى نار الدنيا، والمنصب، والشهوة التي فتنت كثيراً من الناس، حتى ارتد بعضهم عن الإسلام بسببها. أيها الإخوة! إن الله أخبر بأنه بهذه الفتن يميز الخبيث من الطيب، فيخرج الخبيث الذي سوف يذهب إلى النار من الطيب الذي أعده الله للجنة، يقول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال:٣٧]. وجميع أنواع الملل قد تختلف في أسمائها، لكنها تتحد في مفهومها: علمانية، وثنية، نصرانية، يهودية، شيوعية؛ فأياً كانت تسميتها فهي تلتقي جميعاً في نار جهنم، وكل أنواع الخبث يركمه الله تعالى في جهنم. ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٧] خسروا لذة الحياة الدنيا والتي لا تنال إلا بطاعة الله فيها، ثم خسروا بعد ذلك جنة عرضها السماوات والأرض بسبب عنادهم لهذا الدين، ووقوفهم ضده؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٧].

стр. 913

فتح باب التوبة للكفار والمنافقين إن باب التوبة مفتوح، وهؤلاء الذين يسبون الله ورسوله في أيامنا الحاضرة لو تابوا لقبل الله توبتهم؛ لأنه تعالى أوجب على نفسه قبول التوبة؛ بشرط ألا تفارق الروح الجسد وهم على باطلهم، وبشرط ألا تطلع الشمس من مغربها وهم على منكرهم، فنقول لكل الذين يحاربون الإسلام بالسلاح أو بالقلم، بالكلمة أو بالسخرية: ما زال باب التوبة مفتوحاً، اتقوا الله، وعودوا إليه، وأصلحوا العمل، فإن توبتكم لا تقبل إلا إذا تأكد صلاح العمل كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٦٠]، فلربما يتوبون ظاهراً خوفاً من الأمة الإسلامية، فلابد أن يصلحوا العمل، وأن يبينوا؛ بحيث ينقضون ما كانوا يقولونه بالأمس من حربهم للإسلام وسخريتهم وعدائهم لهذا الدين، فالله تعالى قد فتح باب التوبة، وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]. ليس هناك دين أعظم من هذا الدين في فتحه باب التوبة مع وضع الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، فإن بني إسرائيل لما أرادوا أن يتوبوا قال الله لهم: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] والنصارى لا تتم توبتهم إلا بالاعتراف بالذنوب أمام القساوسة ليعطوهم صكوك الغفران كما يقولون؛ لكن الإسلام يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها؛ اللهم إلا إذا كانت هناك حقوق للخلق فلابد من ردها، وإذا عجز الإنسان عن ردها فقد يتجاوز الله عنه، ويرضي صاحب الحق بما يعطيه في الآخرة؛ بحيث يعفو عن هذا الحق الذي له. وهذا الرد للحقوق شرط من شروط التوبة للمسلم، أما الكافر فإنه بإسلامه يغفر له ما قد سلف، ولا يلزمه شيء مما فعله في كفره ولو قتل من المسلمين آلافاً مؤلفة. فهذا خالد بن الوليد ﵁ كان أكبر من نال من المسلمين في يوم أحد، ومع ذلك صار من خيار الصحابة حين أسلم، وقال له الرسول ﵇ حين أخذ الراية في مؤته: (فأخذها سيف من سيوف الله، حتى فتح الله على يديه). وهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان أشد المشركين عداءً للإسلام، فلما هداه الله تعالى للإسلام أصبح أحد المبشرين بالجنة، بل هو ثاني العشرة المبشرين بالجنة. باب التوبة مفتوح، بشرط ألا يتمادى الإنسان في غيِّه، وألا يركب رأسه، وألا تغره الحياة الدنيا، وألا يغره بالله الغرور بشرط ألا يغتر بالصحة والعافية والشباب بشرط ألا يغتر بالمنصب والتخويل الذي خوله الله إياه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤]. إن باب التوبة مفتوح، ولذلك يقول الله تعالى لرسوله ﵇: يا محمد! ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] عن كفرهم وحربهم للإسلام، ومطاردتهم لرسوله ﵇، وأذيتهم للمؤمنين، وحمل السلاح في وجوه المسلمين، (يغفر لهم ما قد سلف). و (يغفر) جواب الشرط، و (ينتهوا) فعل الشرط، وجواب الشرط لا يأتي إلا إذا جاء فعل الشرط؛ فلا (يغفر) ما قد سلف إلا إذا (انتهوا) عن حربهم وعنادهم للإسلام.

стр. 914

وعيد الله للكفار إن لم يتوبوا ونحن نقول لكل الذين يحاربون الإسلام أياً كان نوع الحرب؛ سواء كانت حرباً حارة أو باردة، حرب سلاح أو أفكار، من الخارج بالعداء السافر، أو من الداخل بالنفاق: ﴿إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فإن الله كما أخبر عن نفسه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]، ونحن ندعوهم إلى التوبة، ونقول لهم: ويلكم! آمنوا وادخلوا في طاعة الله، ولا تحاربوا الله ورسوله؛ فإن من حارب الله ورسوله فإن الله ﴿غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. وماذا يكون لو لم ينتهوا، وعادوا لحرب الإسلام والمسلمين مرة أخرى، وعادوا للعناد والمكابرة والطغيان في الأرض وأذية المسلمين وإرهابهم وإزعاجهم، وعادوا إلى الطعن في الإسلام والنيل من دين الله والسب له ولرسوله لو عادوا ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨]. وجواب الشرط محذوف، وجملة (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) ليست هي جواب الشرط، ولكنها تعليل لجواب الشرط المحذوف، أي: وإن يعودوا نعد لإهلاكهم وقتلهم بسيوف المسلمين والملائكة، فقد مضت سنة الله في الأولين أنه يأخذ الطغاة والمتكبرين والكفرة والمعاندين لدين الله تعالى أخذ عزيز مقتدر. وهذه الآية فيها بشرى لنا إذا استقمنا على دين الله، وإن أوذينا فيه، وإن حاربنا طغاة الأرض، وسلطوا علينا صواريخهم وأسلحتهم الفتاكة، ووجهوا إلينا كل ما يوجهونه من أذى وبلاء وفتن، فإننا على ثقة بنصر الله ، لكن بالشرط السابق؛ وهو أن نتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، وبشرط أن نصلح الأوضاع الداخلية والخارجية، وأن نتفقد الأمور كما أمر الله بني إسرائيل بألا يدعوه إلا بعد أن يغيروا شيئاً مما في واقعهم، وإذا غيروا شيئاً مما في واقعهم فإنهم يدعونه، وإذا دعوه فإن رحمة الله قريب من المحسنين بعد التغيير والدعاء والتضرع. أيها الإخوة! إن سنة الله في الأولين إهلاك الطغاة، وقد ينتفخ الباطل ويظهر مخيفاً كما يحدث في أيامنا الحاضرة، ويعجز المؤمنون عن دفعه، لكن نهايته قريبة، واضمحلاله وشيك، ولربما لم تستكمل شروط النهاية بعد، وإذا استكملت هذه الشروط فإن الله سوف يقذف بالحق على الباطل بعد أن يتفقد المسلمون أنفسهم وأوضاعهم، وقد تطول مدة الابتلاء، لكن من المؤكد أن لكل ليل فجراً، ولكل طغيان نهاية؛ لأن الله تعالى وعدنا وقال: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨]؛ فهذا وعد منه سبحانه بإهلاك المتجبرين والطغاة، والمعاندين للإسلام، والمحاربين لأولياء الله وجنده، وهذه سنة الله في الأولين التي تتكرر عبر التاريخ، لكنها قد تتأخر لاسيما حينما لا تتوفر أسباب تواجدها، فعلينا أن نبحث عن الأسباب التي بها نستجلب نصر الله ، ثم علينا بعد ذلك أن نحسن الظن بالله، وأن نوقن بأن نصر الله قريب، وأن رحمة الله قريب من المحسنين.

стр. 915

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة قد يركن المسلمون إلى الراحة والدعة، والرخاء والاسترخاء، والمساكن المترفة، والمراكب الفارهة، والزوجات والأبناء، والأهل والعشيرة، ويتركون الجهاد في سبيل الله مدةً من الزمن، ثم يتسلط الكافرون والظالمون عليهم، والسر في ذلك هو: ترك الجهاد في سبيل الله.

стр. 916

لا وضع للسلاح حتى يكون الدين كله لله نحن أمة مطالبة بألا تضع السلاح حتى يكون الدين كله لله، وإذا وضعنا السلاح قبل أن يكون الدين كله لله، فلنتحمل ضريبة هذا الترك والإخلاد إلى الدنيا، فإن دين الإسلام كان آخر ما استقر عليه ألا يوضع السلاح وفي الأرض ملة غير ملة الإسلام، ودين غير دين الله، وإذا وضع السلاح فإن رد الفعل سوف يأتي من الخارج بتسليط الكافرين على المسلمين، نجد ذلك في قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]. ليس في الإسلام (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، ليس فيه علمانية: الصلاة والصيام والحج والعمرة لله، أما الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية فللبشر، فالإسلام لا يعرف هذا. العلمانية إنما وجدت في الأمم النصرانية التي كانت تحارب التطور والتقدم، لكن ذلك لا يكون في أمة الإسلام التي يقول الله لها في آية من آيات كتابه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فهو يأمرها بالصناعة والإتقان وضبط الأمور. نحن أمة شرعت الخلافة في الأرض، ووضعت نظاماً للسياسة والاقتصاد والاجتماع، ولذلك ليس فيها نظام علماني يقول: ما لله لله وما لقيصر لقيصر، الدين في المسجد والنظام لأناس غير أهل الدين. ليس في الإسلام رجال دين، فكل واحد من المسلمين يجب أن يكون رجل دين، أما إذا كان الدين بعضه لله وبعضه للبشر فهذا من قول أهل الشرك كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] إن العلمانية نظام لا يصلح للبقاء، فهو نظام يريد أن يحصر الدين في المسجد، وفي المحكمة يحكم بغير ما أنزل الله، وفي الأنظمة الاقتصادية يشرع أنظمة على غير ما أنزل الله، وإن أمة هذا نظامها لابد أن يتسلط عليها أعداؤها. إذاً: ما الحل؟ الحل أن يكون الدين كله لله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] ليس هناك دين لله ودين للبشر؛ فالدين كله لله. أيها الإخوة! إن الحد الذي يمكننا عنده أن نضع السلاح هو أن يكون الدين كله لله، وألا يكون هناك عبث في دين الله، أما إذا كان الدين لغير الله، ويعبد في الأرض غير الله فلا يجوز أن يوضع السلاح، فآخر ما استقرت عليه الوثنية والجاهلية التي بعث فيها الرسول ﵇ أن عبد في مكة ستون وثلاثمائة صنم، فجاء رسول الله ﵇ ودخل مكة فاتحاً، وليس هناك صنم معلق في الكعبة إلا وكسره بينما تقول الإحصائيات الآن: إن في الأرض عشرين ألف وثن تعبد من دون الله.

стр. 917

معنى أنه لا إكراه في الدين يقول بعض المعاصرين الذين يضعون الإسلام في قفص الاتهام: إن أعداء الإسلام يقولون إن الإسلام انتشر بالسيف، فحتى لا نشوه الإسلام فإننا نقول: إن أمر الإسلام في الجهاد استقر على الدفاع لا على الهجوم، ويستدلون بأدلة ليس فيها دلالة على ما يقولون، كقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. ونحن نقول لهم: (لا) هنا نافية وليست ناهية، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] ما دام قد تبين الرشد من الغي واتضح الأمر، فلا يسمى إكراهاً وإن كان إلزاماً؛ لأن الإلزام بالأمور المجهولة الفائدة يسمى إكراهاً، والإلزام بالأمور المعروفة الفائدة لا يسمى إكراهاً. ومن ظن أن الإسلام يقاتل الناس دفاعاً فعليه أن يفهم قوله تعالى: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩]؛ لأن (حتى) للغاية، أي بحيث ينتهي الأمر إلى أن لا يبقى في الأرض دين غير دين الإسلام، ولا يعبد في الأرض غير الله. وتقول الإحصائيات: إن في العالم عشرين ألف ضريح تعبد من دون الله، وقد مررت على بعض الأضرحة في بعض بلاد العالم قبل الفجر بساعات فوجدت ازدحام حجاجها عليها؛ يأتونها من جميع بلاد العالم، وزحامهم أشد من زحام الحجاج الوافدين إلى مكة، حتى رأيت قبوراً يطوف عليها الناس شوطاً واحداً فقط؛ لأن الزحام لا يسمح بسبعة أشواط! فهذا يؤكد أن الدين ليس كله لله، ولابد أن يقام الجهاد حتى يكون الدين كله لله، وما دام هناك من يعبد في هذا الوجود غير الله ، فالأمة الإسلامية مسئولة عن هذا الجهاد، وما أصاب الأمة الإسلامية اليوم من غزوها في عقر دارها وفي مهبط الوحي ومنازل الأنبياء وفي مواقع كثيرة إلا بسبب أن المسلمين تركوا الجهاد في سبيل الله، والرسول ﵇ يقول: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا) هذه الذلة هي التي سلطت الكافرين على المؤمنين، ولو أن المؤمنين نشروا هذا الدين نشراً حقيقياً في العالم لما بقي على وجه الأرض إلا مسلم، ولو أنهم على الأقل أعطوا صورة حقيقية عن الإسلام لكان الدين كله لله. و (فتنة) في قول الله تعالى: (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) معناها: كفر، أي: حتى لا يبقى في الأرض كفر، ومن أراد أن يفسر الفتنة بغير هذا المعنى في مثل هذه الآية فعليه أن يأتي بالدليل؛ لأن الفتنة إذا أطلقت فإنما يراد بها الكفر، وقد يراد بها في مواضع أخرى الاضطرابات، لكنها ترد غالباً في القرآن بمعنى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧]، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].

стр. 918

موقف الإسلام ممن انتهى عن عداوته وممن لم ينته قال الله : ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [الأنفال:٣٩] أي: انتهوا من حرب الإسلام ومعاندة المسلمين ودخلوا في طاعة الله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:٣٩] جواب الشرط محذوف، وهذا تعليل لجواب الشرط المحذوف؛ فقد يقول إنسان: انتهوا في الظاهر لكننا لا نعرف بواطنهم. نقول: اتركوا الباقي لله ، ما داموا قد انتهوا عن حرب الإسلام وأعلنوا الدخول في طاعة الله فاتركوا البقية لله تعالى. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [الأنفال:٤٠] أي: إن صمموا على حرب الإسلام، وعلى أذية المسلمين، و (إن) شرطية، و (تولوا) فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، وجاء بالعلة لجواب الشرط، وهي جملة تعليلية تنوب مناب جواب الشرط. قال الله : ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ [الأنفال:٤٠] هذا تعليل لجواب الشرط المحذوف ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠] مولاكم: ناصركم، فأنتم بحاجة إلى الله ، فاطلبوا النصر منه إذا قاتلكم الكافرون، وآذاكم الطغاة والمتجبرون في الأرض، ففي يوم بدر أنزل الله على المسلمين خمسة آلاف من الملائكة مسومين، فله جنود السماوات والأرض، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ [الأنفال:٤٠] أي: هو الذي ينصر حقيقة، ثم أثنى على نفسه فقال: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠] أي: ليس كالخلق الذين يُتولون وينُتصر بهم، فإن الخلق ضعاف لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فضلاً عن أن يملكوه لغيرهم، لكن الله يمدح نفسه ويقول: (نعم المولى) أي: الوالي والناصر (ونعم النصير) الذي ينصر أولياءه إذا رجعوا إليه، وخضعوا بين يديه، واستكانوا له، وأعلنوا الذلة والإنابة والانكسار بين يديه ، فإنه نعم المولى ونعم النصير. وأخيراً ننصح الأمة الإسلامية دائماً وأبداً، وننصح ولاة الأمر بأن يخضعوا لله ، وأن يرجعوا إليه، وأن يطلبوا منه وحده النصر والتأييد؛ وحينئذٍ لا يحتاجون إلى أحد، وإن احتاجوا إلى أحدٍ من البشر فإنما هي أسباب لا تغني من الله شيئاً، فلا يجوز لهم أن يعتمدوا على هذه الأسباب، وإنما عليهم أن يعتمدوا على المسبب . والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 919

الاستقامة وأسباب الانحراف إن الاستقامة نعمة عظيمة وفلاح في الدنيا والآخرة، وإن الانحراف وبال على صاحبه في الدنيا والآخرة، ومن أراد الاستقامة وتجنب الانحراف فلا بد من أن يعمل بأسباب الاستقامة ويتجنب أسباب الانحراف، ويجاهد نفسه على الكف عن الشهوات.

стр. 920

تعريف الاستقامة والانحراف الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالاستقامة حتى الموت، ونهى عن التغيير والتبديل، ونصلي ونسلم على عبد الله ورسوله محمد ﷺ ، البشير النذير والسراج المنير الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، وقال له: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢]، أما بعد: فإن حديثنا يتعلق بالاستقامة وأسباب الانحراف، وقبل أن ندخل في هذا الموضوع نريد أن نعرف أموراً: أولاً: معنى الاستقامة، ومعنى الانحراف. ثانياً: هل الأصل في هذه الحياة الاستقامة، أم الانحراف. ثالثاً: جزاء الاستقامة وعقوبة الانحراف. رابعاً: عوامل الانحراف. أما عندما نتحدث عن الاستقامة في معناها اللغوي فمعناها: أن تلتزم الطريق المستقيم، والطريق المستقيم هو الذي أخبر الله عنه في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وهو الذي رسمه رسول الله ﷺ بيده يوم كان يحدث أصحابه، فرسم خطاً طويلاً مستقيماً وقال: (هذا صراط الله) ورسم عن يمينه وعن شماله طرقاً وعليها سبل وقال: (هذه هي السبل، وعليها ستر مرخاة، وعلى كل واحد منها شيطان يدعو إليه، وعلى الصراط المستقيم داع يقول: يا عبد الله! لا تلجه؛ فإنك إن تلجه لا تخرج منه إلى يوم القيامة)، ولقد تبين لنا في دنيا الناس اليوم هذه السبل وانكشفت أمام العيان، ورأينا دعاة الباطل الذين يقفون على أبواب هذه الطرق يريدون أن يزيحوا هذه الأستار عن هذه الطرق حتى يلجها الناس فيتورطوا بها إلى يوم القيامة. هذا هو معنى الاستقامة. أما معنى الانحراف فهو الاتجاه إلى إحدى هذه الطرق التي رسمها رسول الله ﷺ ، وهي التي قال عنها الله : ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].

стр. 921

الاستقامة هي الأصل والانحراف أمر طارئ وبعد أن عرفنا معنى الاستقامة ومعنى الانحراف نتجه إلى بيان أيهما الأصل: الاستقامة أم الانحراف. الأصل هو الاستقامة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣]، أي: على التوحيد وعلى الإيمان ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، والمفسرون يقولون: قبل (بعث) كلمة محذوفة تقديرها: فانحرف الناس فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. ولعل هذا هو أرجح الآراء التي ذكرها المفسرون في معنى قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، أي: على دين الإسلام وعلى الفطرة وعلى التوحيد، فانحرفوا (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). ويؤيد أن الأصل هو الاستقامة لا الانحراف قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، ويقول رسول الله ﷺ في معنى هذه الآية: (إن الله استخرج ذرية آدم كالذر، فأخذ قبضة بيمينه وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبال. وأخذ قبضة أخرى فقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي. فقالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له). ويبين هذا أيضاً ما جاء عن رسول الله ﷺ في الحديث القدسي عن الله : (إني خلقت عبادي حنفاء - أي: على الفطرة وعلى التوحيد- فاجتالتهم الشياطين عن دينهم)، وفي حديث آخر يقول ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وبمجموع هذه الأدلة كلها ندرك أن الإنسان خلق على الفطرة، وأن الأصل هو الاستقامة، وأن الانحراف يعتبر هو الطارئ وهو الذي حدث على حياة الناس، ولذلك فإن الله قد حذر الناس من الانحراف وأمرهم بالاستقامة.

стр. 922

فوائد الاستقامة وحقيقتها ندخل إلى العنصر الثالث من عناصر الموضوع وهو فوائد الاستقامة وحقيقتها. أما حقيقة الاستقامة فهو أن يثبت الإنسان على دينه، فلا يغير ولا يبدل ولا يتأثر بالحياة من حوله، ولا بالعوامل التي تسعى جادة في سبيل انحراف هذا الإنسان عن مبادئه وعن أخلاقه وعن دينه وعن عقيدته، ولذلك فإن الله وعد المستقيمين بسعادة في الدنيا، وسعادة عند الموت، وسعادة في الحياة الآخرة.

стр. 923

السعادة في الدنيا أما سعادة الدنيا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، والمراد: أعطيناهم متع الحياة كلها ويسرنا لهم سبيل العيش. وليس بين هذه الآية تعارض وبين الأدلة الأخرى التي تبين أن الناس إذا انحرفوا -أيضاً- فتح الله عليهم أبواب الدنيا، وهناك فرق بعيد بين هذا النعيم وبين المتاع الثاني الذي يعطيه الله للمنحرفين من الناس. أما هذا المتاع فإنه متاع إلى سعادة أفضل، وأما المتاع الثاني فإنه استدارج من الله واختبار حتى يدنيهم من العذاب درجة بعد درجة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤] أي: نعطيهم من أنواع النعيم ونحن ندنيهم من العذاب درجة بعد درجة، ولذلك يقول الله بعد ذلك: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٣] أي: أمهلهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] فيبين الله تعالى أنه من كيده وأنه من مكره بهؤلاء الكافرين، ولذلك يبين في مكان آخر أن الناس إذا أعرضوا عن دين الله فإنه يفتح لهم أبواب النعيم ويعطيهم من الدنيا فوق ما يفكرون به، وذلك استدراج من الله حتى تقوم عليهم الحجة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥]. بل يبين الله تعالى في مكان آخر أن الناس يمتحنهم الله تعالى بالعذاب وبشظف العيش وبالخوف وبالقلق إذا عصوا الله تعالى، فإذا لم تجد فيهم المواعظ فإن الله يختبرهم بالنعيم بعد ذلك، فيقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ٩٥] أعطيناهم بدل الخوف أمناً، وبدل الجوع مالاً، وفجرنا لهم من وراء آلاف الأقدام ينابيع الأرض حتى يتمتعوا في هذه الحياة ليختبرهم الله بالنعيم، ﴿حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف:٩٥] نسوا ما مضى ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف:٩٥] أي: كان آباؤنا بالأمس يعيشون في شظف من العيش، وهذه النعمة التي بأيدينا هي بدل شظف العيش الذي كان يعيش فيه آباؤنا بالأمس. هذا هو حديث الناس اليوم في البلاد التي فتح الله تعالى عليها الخيرات وأنعم عليها وفجر لها ينابيع الخيرات من وراء آلاف الأقدام، ما هي النتيجة: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥]. ومن هنا نعرف أن النعيم قد يأتي استدراجاً وامتحاناً من الله تعالى، بل قد يأتي عقوبة: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف:٣٣] أي: على الكفر ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. إذاً ليس انفتاح الدنيا على الناس دليل الرضا، ولذلك يخطئ الإنسان إذا استعمل المقاييس المادية التي استعملها الجبابرة والطغاة بالأمس، ومنهم فرعون الذي يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٣]، فكانوا يظنون أن المقياس هو الثروة وهو المادة، ولكن الله يبين أن المقياس غير ذلك: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر:١٥ - ١٧] أي: ليس ذاك إكراماً وليس هذا إهانة، بل كلاهما اختبار من الله . هذه هي نتائج الاستقامة في الحياة الدنيا، تأتي الدنيا وهي راغمة وتكون متاعاً إلى حين، ولذلك أخبر الله تعالى في كتابه أن هذه الأرض خلقت من أجل المؤمن، وأن هذا الرزق الذي أرسله الله تعالى في هذه الحياة إنما جاء من أجل المؤمن، وإذا كانت الأرض خلقت من أجل المؤمن فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وإذا كان الرزق للمؤمن وحده ويشاركه الكفرة كما تشارك البهائم الإنسان في متاع الحياة الدنيا فإن هذا المتاع يكون خالصاً للمؤمن يوم القيامة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]، ومن لطف الله بعباده أن جعل الدنيا يأكل منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ولكن الحياة الآخرة لا تكون إلا للمؤمنين، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥].

стр. 924

السعادة عند الموت أما جزاء الاستقامة في آخر لحظة من لحظات الحياة الدنيا فهي طمأنينة النفس وسعة الصدر، يضع الإنسان قدماً في الدنيا وقدماً في الآخرة أو في حياة البرزخ وهو مطمئن القلب، وهو مرتاح النفس، تنزل عليه ملائكته تبشره وتطمئنه، تبشره بما أمامه وتطمئنه على ما خلفه؛ لأنه استقام على دين الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] أي: في ساعة الموت ﴿أَلاَّ تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] مما أمامكم من أهوال يوم القيامة ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] على ما خلفتموه من ورائكم من الأولاد والأهل والذرية والمال، فما عند الله تعالى خير وأبقى مما خلفتموه وراءكم. ولذلك فإن الإنسان في ساعة الموت بين هذين الجانبين يتنازعه الخوف والحزن، خوف مما أمامه من القبر والحياة الآخرة والحساب والميزان والصراط، ووراءه أيضاً متاع سيخلفه وراءه، فهو سينتقل من سعة الدنيا ومن قصورها ورياشها وأثاثها وخيراتها إلى قبر ضيق مظلم، فإنها تبشره وتقول: (وَلا تَحْزَنُوا) فإن الله تعالى سيعوضكم عما في الحياة الدنيا ما هو خير، ولذلك فإن الإنسان إذا كان يعيش في غرفة في هذه الحياة الدنيا فإن المؤمن سيفسح له في قبره مد بصره، وسيأتيه من روح الجنة وطيبها إلى أن تقوم الساعة، وسيتحول هذا القبر إلى روضة من رياض الجنة، وهذه نتيجة من نتائج الاستقامة.

стр. 925

السعادة في الآخرة أما النتيجة الكبرى فإنها تكون يوم القيامة، فسيجد الإنسان جزاء هذه الاستقامة، فجزاؤه كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣ - ١٤]، هذا هو جزاء من يستقيم على دين الله، يتغير الناس حسب الأهواء والشهوات والمؤمن ثابت لا يتغير، مهما غلا الثمن ومهما عز المطلب ومهما نكص الناس على أعقابهم، فإن المؤمن يعلن إيمانه في وقت قوة إيمان الناس وفي وقت ضعف إيمانهم، لا يبالي بما حوله، ودائماً هو يتمثل بقول الشاعر مع ربه : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب يقول هذا فيما بينه وبين ربه ، لا يغير ولا يبدل، لا يمشي مع الأهواء، ولا يخاف من المخلوقين حينما يخاف الناس، ولكنه رسم لنفسه طريقاً يعرف بأن هذه الطريق تنتهي بجنة عرضها السماوات والأرض، لذلك فقد باع نفسه وسلم الثمن وأخذ المثمن فهو ينتظر المثمن يوم القيامة؛ لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

стр. 926

مصيبة التقلب والانحراف عن الاستقامة لقد منينا بفترة كثر فيها التقلب وقلت فيها الاستقامة وكثرت فيها عوامل الانحراف، فأصبحنا نلاحظ ما أخبر عنه رسول الله ﷺ من فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا، فلا نكاد نسر برجل من المؤمنين تعجبنا أخلاقه وفضائله وسلوكه ودينه حتى نفاجأ بانحراف أصاب هذا الإنسان، ولا أكتمك سراً إذا قلت لك: إن كثيراً من الرجال الذين كانوا بالأمس تعلق عليهم آمال بعد الله ، وكانوا مضرب المثل في الخلق والاستقامة رأينا كثيراً منهم قد غير وبدل وأصيب في نفسه، أو أصيب في بيته بشيء من الانحراف أو بكثير من الانحرافات التي أصابت كثيراً من الناس. وأضرب مثلاً: كان هناك بالأمس أناس ينهون عن المنكر ويأمرون بالمعروف، ولا نكاد نصدق حينما نجد في بيوت هؤلاء الذين كانوا بالأمس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كثيراً من المنكرات، بل أكبر من المنكرات التي كانوا ينهون عنها بالأمس، وهذه هي المصيبة العظمى التي لا تساويها مصيبة، وذلك حينما رأينا الانحراف بدأ في بيوت هؤلاء الصلحاء ووصل إليها في وقت كنا نتطلع إلى أن يشمروا عن سواعد الجد حينما يكثر الانحراف في المسلمين في مثل هذه الفترة العصيبة من فترات التاريخ. فلو رأيت ما في بيته فلا يكاد يسرك في كثير من أحواله، وعلى سبيل المثال وسائل الانحراف التي جاءت عن طريق الإعلام في كثير من العالم الإسلامي تسربت إلى بيوت الصلحاء والمؤمنين، فلا نكاد في هذه الأيام نفرق بين بيوت الصلحاء والمنحرفين في كثير من البلاد، حتى أمر النساء الأجنبيات والخادمات والسائقون الذين يقودون السيارات، والذين تسلم لهم بنات المسلمين يكاد أن يعم ويطم في هذه الأيام، فما الذي حدث؟ لم يحدث شيء بعد إلا أن الله تعالى امتحننا بالنعيم بعد أن كنا نعيش في شظف من العيش، وهذه هي مصيبة الترف، وهذه هي مصيبة النعمة تأتي بعد الفقر، فلا يكاد يتحملها كثير من الناس.

стр. 927

أسباب الانحراف عن الاستقامة لما سبق فإني سأحدد -فيما أعتقد- عوامل الانحراف أو أسباب الانحراف التي أصابت المسلمين اليوم، وسألخصها في أربعة أشياء:

стр. 928

الفتن الأمر الأول: الفتن. وقد أخبر الرسول ﷺ بأنها ستغزو المسلمين وستخترق عليهم أسوار بيوتهم بحيث تصل إلى قعر البيوت، ثم يصاب كثير من المسلمين في دينه وفي قعر بيته، ولو فعل كثيراً من الاحتياطات، وهذه الفتن هي التي يقول عنها الرسول ﷺ : (فتناً كقطع الليل المظلم)، ولعل من أهم هذه الفتن التي أحدثت هذا الانحراف فتنة الدنيا، ونلخصها فيما هو أهمها الذي هو فتنة المال وفتنة النساء. أما فتنة المال فإن الله تعالى قد وسع على كثير من الناس ولم يستطيعوا أن يتحملوا هذا النعيم بعد الفقر، فصاروا ينهلون منه حتى الثمالة، وزادت الثروة في أيدي كثير من الناس فتعاطوا الربا وجاءوا بكثير من المحرمات فأدخلوها في قعر بيوتهم، فكان هذا المال سبباً من أسباب الانحراف، وكان ذلك مصداقاً لقول الرسول ﷺ : لما جاء مرة مال من البحرين مع أبي عبيدة فعلم الأنصار بهذا المال فوافوا رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فلما رآهم علم ما في نفوسهم وأنهم جاءوا يريدون شيئاً من هذا المال، فابتسم رسول الله ﷺ وقال: (لعلكم سمعتم بمجيء أبي عبيدة بشيء من المال من البحرين. قالوا: أجل يا رسول الله. فقال: أبشروا، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)، ومن هنا صار لبسط الدنيا أثر كبير. أضف إلى ذلك شهوة النساء التي أصبحت من أكبر عوامل الفتنة في أيامنا الحاضرة، والتي عرف عدونا كيف يغزو أخلاق المسلمين وأبناء المسلمين بها حتى يوصلها إلى قعر بيوت المسلمين، فدخلت صورة الفتاة في المجلة، وفي الصحيفة، وفي الوسائل المرئية من تلفاز وفيديو وما أشبه ذلك، وجاءت هذه الصورة على أبشع ما تكون، فكان لها أثر في نفوس الشباب، فحركت كثيراً من الشباب، ولربما دخلت في شكلها العام في صورة مربية أو خادمة أو ما أشبه ذلك، وحينئذ أثرت على كثير من نفوس الشباب، فصار هذا الشباب يتطلع إلى هذه الجريمة التي وصلت إليه بطريق هذه الصورة المرئية أو غير المرئية، أو بواسطة هذا الصوت الجميل الذي عشقه بالأمس، أو بواسطة هذه الأفلام التي وصلت إليه فحركت شهوته فصار يبحث عنها، ومن هنا مهدت كل السبل للمسلمين بحيث يسافرون إلى بلاد لا ترعى في دين الله إلاً ولا ذمة، ولا تعرف شيئاً من الاستقامة، ولا تعرف شيئاً من الأخلاق والفضائل، بل تبذل الجريمة للناس علناً. ولقد توافرت كثير من وسائل الحياة في سبيل تحقيق هذا المطلب، حتى الطيران صار يُخفض للشاب بنصف قيمة التذكرة، حيث يسافر إلى هناك من أجل أن يحقق رغبته وشهوته ليأتي هنا بهذا السم الزعاف لينثره في مجتمعه، ولربما تذهب الأسرة بمجموعها فتأتي بكثير من هذه الرذائل وكثير من هذه الأفلام، وهذا سببه كله ما متعنا الله به من زينة الحياة الدنيا ومن المال، وهو الذي أشار الله إليه بقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤]، ولعله المقصود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأعراف:٩٥] لأن هذا المال أصبح جناحاً يطير به هذا الإنسان حيث يشاء وحيث يريد، ويوم كنا فقراء كنا أتقى لله ، ولذلك كانت وصية أحد الأنبياء لقومه: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٢ - ١٣٥]. فهذا المال إذا لم يصادف عقلية كبيرة تزن الأمور بميزان الشرع صار خطراً على هذه الأمة أو على أي أمة من الأمم، وهذا هو ما عناه رسول الله ﷺ بقوله: (ولكن أخشى عليكم الدنيا)، وجعل فتنة النساء تساوي فتنة الدنيا كلها فقال: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء). وأعتقد أن هذا من أكبر العوامل التي سببت انحراف كثير من المسلمين.

стр. 929

الخوف من المخلوق هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن هذا، وهو عامل الخوف من المخلوق، بحيث يتراجع الإنسان من منتصف الطريق حينما يخاف من مخلوق من المخلوقين؛ لأن خشية الله صارت أقل من خشية مخلوق من المخلوقين في قلب هذا المسلم؛ لأن الإيمان ضعف في قلبه، وهذا أيضاً عامل من عوامل الانحراف، ولكم كنا نعلق آمالاً بعد الله على كثير من المصلحين حتى رجعوا من منتصف الطريق لما رأوا الأمر بواقع يخافون منه، ولذلك أخبر الله تعالى بأن هؤلاء ليسوا بمؤمنين حقاً، فإن الذي يرجع إذا خاف من المخلوق بحيث يقدم خشية المخلوق على خشية الخالق ضعيف الإيمان أو فاقد الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] يترقبون المؤمنين، فإذا وجدوا المؤمنين يعيشون في عزة وفي قوة كانوا معهم، وإذا وجدوا الإسلام يضرب في مكان من الأرض انحرفوا حيث يخافون من هذه الضربة أو من هذا العدو أو من هذا المخلوق، ويفرون من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة، وهذه هي المصيبة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] ثم أقسم الله تعالى فقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]. فهذا عامل من عوامل الانحراف التي أصيب بها كثير من الناس، ولربما أصيب طائفة من الدعاة والمصلحين بسبب خوف المخلوق وتقديمه على خوف الخالق .

стр. 930

قوة دعاة الباطل ونشاطهم ومن عوامل الانحراف قوة ونشاط دعاة الباطل. فقد كرسوا جهودهم وبذلوا قصاراها في سبيل حرف أبناء المسلمين عن دينهم، وهؤلاء هم شياطين الإنس الذين يقول الله عنهم: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢] وقدم شياطين الإنس أولاً ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، هؤلاء الشياطين الذين لم يدخروا وسعاً في سبيل انحراف أبناء المسلمين عن دينهم وعن الفطرة السليمة المستقيمة التي فطر الله الناس عليها. هؤلاء ينقسمون إلى قسمين: قسم من أعدائنا المكشوفين، والذين كانوا بالأمس يستعمرون كثيراً من بلاد الإسلام، ولكنهم لم يرحلوا منها حتى تأكدوا بأنهم حرفوا كثيراً من المسلمين عن دينهم، وأنهم أوقعوهم على حافة الهاوية، ولربما لم يرحلوا حتى تركوا أفراخاً لهم وأوصوهم أن يقوموا بهذه المهمة، وهؤلاء هم الذين يشكلون القسم الثاني من عوامل دعاة الباطل وهم أبناء جلدتنا، وهم الذين ورد ذكرهم في حديث طويل رواه حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. قلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: يا سول الله! وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: يا رسول الله! وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قال حذيفة ﵁ قلت: يا رسول الله! صفهم لنا: قال: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا). وإذا كان الإسلام بالأمس يحارب بـ أبي جهل وأبي لهب فإنه اليوم يحارب بأحمد ومحمد وعبد الله، وإذا كان بالأمس يحاول أعداء الإسلام قطع شجرة الإسلام بفأس الكفر فإنهم يقولون: اليوم لا تستطيعون أن تقطعوا شجرة الإسلام إلا بغصن من أغصانها. ولذلك فإننا لا نستغرب هذه الدعايات المضللة التي يتبناها كثير من المتمسلمين، والذين ينتسبون إلى الإسلام والإسلام منهم براء، والذين يحاولون أن يشككوا المسلمين في دينهم وأخلاقهم وفضائلهم، فمرة يتكلمون عن الحجاب ويصفون الحجاب بأنه تخلف وقوقعة، ومرة يصفون الحدود ويقولون إنها تخلف ووحشية، ومرة يصفون القصاص ويقولون: هذا لا يناسب هذا العصر. ويكتبون في صحف المسلمين بين فترة وفترة يشككون المسلمين في دينهم. ولم يعمل أعداء الإسلام أكثر من ذلك، بل لقد كان عمل هؤلاء أكثر وأخطر على الإسلام من عمل أعداء الإسلام المكشوفين، لماذا؟ لأن هؤلاء يندسون في صفوف المسلمين، ويحسبون على الإسلام، ويتسمون بأسماء المسلمين ويحملون في جيوبهم هويات مسلمة، والمسلمون قد لا يتقون شرهم؛ لأنهم يطمئنون إليهم في كثير من الأحيان، ومن هنا أصبح الخطر أكبر، وأصبحت المصيبة أبدع، ولذلك فإن دعاة الباطل من أبناء جلدتنا أخطر بكثير على الإسلام من دعاة الباطل الذين نعرف بأنهم أعداء للإسلام. فهذا جانب مهم من جوانب الانحراف، ولذلك فقد أثرت دعوة هؤلاء في كثير من ضعاف العقول، وفي هذا نحن لا نتناسى هذه الصحوة الإسلامية -والحمد لله- التي ملأت الدنيا، والتي قطعت نياط قلوب الكافرين في كل مكان من الأرض، سواء أكان هؤلاء الكافرون من أبناء جلدتنا أم من أعدائنا الذين يحيطون بنا من الخارج، والذين صاروا يصفون هؤلاء بالرجعية، ويصفون هؤلاء بالتطرف، ويصفون هؤلاء بالتخلف. وما هو -والله- بتطرف ولا هو بتخلف، ولكنه الدين الحق، بل هؤلاء الشباب هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٣]، ومن هنا نعرف قدر هذه الصحوة، وعلينا أن نقدر لها قدرها، ونمد أكف الضراعة لله في أن يثبت أقدام هؤلاء الشباب المؤمنين، وأن يرزقهم الاتزان، وأن يرزقهم الصراحة في الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يكون الدين كله لله، وحتى يعود الخير إلى مجاريه.

стр. 931

ضعف دعاة الحق أما العامل الأخير من عوامل هذا الانحراف فيتمثل في ضعف دعاة الحق. ففي أيامنا الحاضرة ضعف كثير من دعاة الحق، ولربما ترك كثيرٌ منهم الأمر كله، ولربما كان هناك منهم من يئس ومنهم من خاف ومنهم من ضعف، وكل هؤلاء وهؤلاء وأولئك لن يضروا دين الله ، فإن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، والله متم نوره ولو كره الكافرون، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. ومن هنا فنحن لا نخاف على الإسلام حينما نرى أن كثيراً من دعاة الحق قد تركوا الواجب المناط بهم، ولكننا نخاف على هؤلاء؛ لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:٤]، أي من أعدائه ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٥].

стр. 932

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اعلم أن هذا العامل هو من أكبر العوامل وأهمها، واعلم أن الباطل منذ أن خلق الله الأرض وإلى يوم القيامة باق في هذه الأرض، ولكن لابد من أن تكون هناك دعوة حق تكافح هذا السوء وتقف في وجه هذا المنكر؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ [هود:١١٦] مما يدل على أن الفساد في الأرض كان قديماً ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦]، ولذلك فإن الله قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: فقسمان هالكان وقسم ناج، أما القسم الأول الهالك فهو فاعل الجريمة، والقسم الثاني هو الساكت عن الجريمة ويسميه العلماء شيطاناً أخرس، ولا ينجو إلا الذي ينهى عن السوء، وهو القسم الناجي. فمن أغمض عينيه عن منكر فإنه سيسأل عن هذا المنكر يوم القيامة، وليس معنى ذلك التهور في إنكار المنكر، ولكن يجب إنكاره بحكمة، وليس معنى الحكمة اللين أيضاً، ولكن الحكمة هي وضع الأمور في مواضعها. يقول الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥] ذكر الله ثلاث طوائف في بني إسرائيل: طائفة فعلت المنكر وصارت تصيد السمك يوم السبت، وقد نهاهم الله عن صيد السمك يوم السبت، ولم يصيدوه مباشرة وإنما استعملوا الحيلة، يضعون الشباك يوم الجمعة وينزعونها يوم الأحد، وبالرغم من أنهم يعملون الجريمة بطريقة غير مباشرة، فإن الله أخذهم، وأخذ معهم قوماً يقولون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف:١٦٤]، ونجى أمة واحدة هي التي قالت: اتركوا هذا المنكر واتقوا الله واحذروا سخطه. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]. وأنت -يا أخي المسلم- إذا كنت تكره الانحراف الذي أصيب به العالم اليوم فإنه لا سبيل إلى الإصلاح إلا أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعتبر نفسك جندياً من جنود الله شاء الناس أم أبوا، وتعاهد الله على أن تنكر هذا المنكر مهما عز المطلب ومهما غلا الثمن، وإلا فإنه يخشى عليك أن تكون من الذين يقول الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]. وأنت -يا أخي- حينما تهرب من عقوبة الناس عليك أن تقارن بين عقوبة الناس وبين عذاب النار، إن أكثر ما يستطيع أن يفعله الناس بالناس حينما ينكرون المنكر ويقفون في وجوه الطغاة الذين كثير منهم اليوم يتسنم مراكز العالم الإسلامي إن أكثر ما يفعلونه هو القتل واغتيال هذه الروح، وهي لن تموت إلا بأجل بإذن الله ، والرزق أيضاً مقدر من عند الله ، فأيهما أهون: هذا العذاب أم عذاب الآخرة الذي لا ينتهي أبداً؟ وهذا هو معنى قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: عقوبتهم ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: عذاب يوم القيامة. إذاً عليك -أخي المسلم- أن تكون جندياً من جنود الله، وأن تكون داعياً إلى الاستقامة على دين الله، محارباً للانحراف بجميع صنوفه وملله وأنواعه. وأسأل الله أن يثبتني وإياك على هذا الأمر، وأن يتوفانا ونحن على ثغور الإسلام، وأن يهدي ضال المسلمين إلى الحق، وأن يوفق قادة بلدنا وقادة العالم الإسلامي أجمع لأن يكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 933

الأسئلة

стр. 934

الزواج هو العلاج الوحيد للشهوة السؤال أنا من أول عمري أحب الخير وأسعى إليه، وأستمع إلى المحاضرات والأشرطة الدينية، وأدافع عن الدين أمام الشباب، ولكن عندي مشكلة أقلقت راحتي، وهي دافع الشهوة القوي حيث ألجأ إلى المعصية، وأنا الآن أفكر في الزواج، ولن يتم الزواج لوجود بعض الظروف، ولا أستطيع الصيام، وأنا أرتدع أمام المواعظ، ولكن عندما أقدم على هذه المعصية لا أبالي، فما رأي فضيلتكم؟ الجواب لقد أرشدت نفسك إلى طريق العلاج وهو الزواج، والزواج هو العلاج الوحيد لسد شهوة الإنسان؛ لأنك وأنت تقرأ سورة النور تجد ثاني آية تتحدث عن جريمة الزنا وعقوبته، ثم بعد ذلك تبين عوامل الجريمة، ثم تبين في آخر آية العلاج الصحيح وهو الزواج: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]. وعلى هذا فإن الزواج سنة من سنن المرسلين، وهو العلاج الوحيد لهذه الشهوة التي تشتكي منها، ولربما أصيب بها كثير من الناس وأصبحت تقلق راحته، والزواج -والحمد لله- الآن شبه ميسر، فهناك أهل الخير، وهناك الجمعيات الخيرية، وهناك المحسنون كلهم يتعاونون مع الشاب إذا عزم على الزواج، ولذلك فإني أدعوك للزواج بحيث تصرف هذه الشهوة التي أقلقت راحتك مصارفها المباحة لتسلم من آثامها ومصائبها.

стр. 935

علاج التفكر في ذات الله السؤال إني كثير التفكير في ذات الله، أرجو أن أرشد إلى داوء أو قول يبعدني عن هذا التفكير؟ الجواب التفكير في ذات الله من الشيطان، ولكنه حقيقة الإيمان، ولكن الاستجابة مع هذا التفكير والانصياع له بطريقة شديدة قد يؤثر على عقيدة المسلم، ولذلك الصحابة لما سألوا الرسول ﷺ فقالوا: إن أحدنا يجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به قال: (ذاك صريح الإيمان) ثم أمر المسلم بأنه إذا فكر في هذا يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. وأرشدك -يا أخي- إلى التفكر في مخلوقات الله لتعرف فيها عظمة الله بدل أن تفكر في ذات الله تعالى؛ لأن مخلوقات الله هي التي تعرض أمامك في الليل وفي النهار، وفي كل لحظة من لحظات حياتك، بل وفي نفسك، وإذا فكرت في نفسك وفي خلقك وفي دقة صنعك عرفت قدرة الله ، ولو رفعت نظرك إلى السماء في الليل فرأيت النجوم والقمر، أو في النهار ورأيت الشمس وهذا النظام البديع لأدركت عظمة الخالق ، والتفكير في عظمة الله وفي مخلوقاته يغنيك عن التفكير في ذات الله الذي يجب عليك أن تنتهي عنه بقولك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].

стр. 936

حرمة شرب الدخان وحرمة انتهار الأم السؤال هل شرب الدخان من سبل الانحراف؟ وإذا دخلت إلى البيت وأنت غضبان فكلمتك والدتك لترسلك إلى السوق -مثلاً- فنهرتها فهل هو حرام؟ الجواب أما بالنسبة للدخان فقد ثبت ضرره طبياً واجتماعياً وأخلاقياً، ولذلك فإنه يعتبر من الفسق، وأنا لا أستطيع أن أقول: إنه محرم وأجزم بأنه محرم، ولكن من خلال أضراره التي نسمع عنها نستطيع أن نقول: بمقدار أضراره يكون محرماً. فإذا كان فيه ضرر على الصحة فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، ولذلك فإن الرجل الذي حز يده قال الله : (عبدي بادرني بنفسه! حرمت عليه الجنة) وذلك عندما قتل نفسه، فإذا كان الدخان يؤدي إلى قتل النفس فإنه من أكبر المحرمات، وفيه خطر أيضاً أنه قد يكون سبباً للخلود في النار؛ لأن الله تعالى يقول: (حرمت عليه الجنة)، وهذا من باب الوعيد. وعلى كل فهو من الفسق، وهو من أسباب الانحراف، ولربما يجر شرب الدخان إلى الشاب الحدث مصائب أكبر من شرب الدخان، بحيث يحتاج إلى شيء من المال فلربما يتنازل عن شرفه وعرضه، ولربما يخالط أراذل الناس بسبب شربه للدخان، ولذلك فإني أدعو الشباب إلى أن يبتعدوا عنه، وأن يتقوا الله. أما بالنسبة للأم فإن الله تعالى حرم التأفف في وجهي الوالدين، فقال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] و (أف) معناها تضجر، يعني: لا يجوز أن تتضجر في وجهيهما، فإذا طلبت منك حاجة كأن تذهب إلى السوق لمصلحة أو ما أشبه ذلك وليس هناك ضرر فإنك ملزم بطاعتها بقدر الاستطاعة، وهذا من البر؛ لأن البر معناه الطاعة للوالدين بالمعروف.

стр. 937

خطورة مخالطة المنحرفين السؤال هناك بعض الشباب مستقيمون ولكنهم يخالطون أناساً منحرفين، ويحتجون بأنهم مستقيمون وأن هذا لا يضرهم، فهل هذا صحيح أم لا؟ الجواب الاختلاط بالناس على نوعين: فمن كان يعرف من نفسه الاستقامة ولا يخشى عليها الانحراف من مخالطة هؤلاء، بحيث تكون شخصيته أكبر من شخصية من يخالطه وأقوى، ويعرف بأنه بمخالطة هذا المنحرف يستطيع أن يقوم أخلاقه فإن هذا سنة، وقد نقول: إنه واجب؛ لأن هذا من الدعوة إلى الله ومن الإصلاح. أما إذا كان يخشى على نفسه من ضرر هذا المختلط به لأنه أقوى شخصية منه فإنه يحرم عليه أن يختلط به؛ لأن هذا سبب من أسباب الانحراف. أما إذا كان يجهل الأمر فلا يدري أيستطيع أن يؤثر على صاحبه أم صاحبه يستطيع أن يؤثر عليه فإن الاحتياط أن لا يقرب؛ لأنه سيؤثر عليه؛ ولأنه ربما يكون خطراً عليه، وهذه مخاطرة في دينه، وعلى هذا فإن عليه أن يبتعد ويعَتَبِر هذا من أكبر المنكرات.

стр. 938

توجيه للشاب إذا كان في بيته منكرات السؤال توجد استقامة عند بعض الشباب مع فساد البيت الذي يعيش فيه، ولا يستطيع إزالة ما في البيت من منكر، فما هو الحل لهذا الشاب حتى لا يتأثر بهذا المنكر؟ الجواب ما ورد في السؤال صحيح، خاصة في هذه الأيام، فقد وجد في كثير من البيوت الإسلامية شباب مستقيمون خالفوا في استقامتهم منهج كثير من أفراد الأسرة، ولربما يكون من أفضل فضائل هذا العصر أن كثيراً من الأبناء صاروا أفضل من آبائهم استقامة. وبقيت مشكلة ما يعانونه في هذا البيت من انحراف، فأقول للشباب: إن كان هذا الانحراف لن يؤثر عليك في نفسك فإن عليك أن تبقى في هذا البيت من أجل إصلاح هذا البيت، ومن أجل أن تبذل كل ما في وسعك في سبيل تقويم هذا البيت وإصلاح أهلك وإخوانك وأبيك وأمك، ومن كان في البيت. أما إذا كنت لا تطيق ذلك حيث إن هذا خطر ربما يصل إليك في يوم من الأيام، وبذلت كل الجهود في سبيل الاستقامة فإن عليك أن تهرب بدينك وأن تلزم جماعة المسلمين، لكن بعد أن تتأكد من أنك مهدد بالخطر في دينك، أما إذا كنت تشك في ذلك فإن بقاءك بين أهلك وذويك خير لك، خصوصاً وأنك مطالب بإصلاحهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].

стр. 939

موقف الإنسان من الانحرافات والفتن والمضايقات السؤال ما هو موقف الإنسان تجاه الانحراف والفتن والضغوط التي تحصل له بسبب الاستقامة؟ الجواب موقف المسلم هو الثبات وعدم التأثر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف:١٣]، وسأل رجل رسول الله ﷺ عن قولٍ لا يسأل عنه أحداً غيره فقال: (قل آمنت بالله ثم استقم)، وهذا يدل على أهمية الاستقامة. وعلى هذا فإن المسلم مطالب بأن لا يتأثر بالأجواء التي تحيط به، سواء أكانت في بيته أم في مجتمعه أم في العالم أجمع؛ لأن المسلم إذا اقتنع بطريقه ومبدئه وعرف أنه على حق وعلى طريق مستقيم فإنه لا يضره ما حوله، وحينئذ فإني أوصي الشاب الذي يقع في مثل هذا بأن يثبت على دين الله، وأن لا يتأثر بما يحيط به من دعوات مضللة وأفكار منحرفة، وحينئذ فإنه سيجد الخير في نهاية هذا الطريق.

стр. 940

الصبر على الاستقامة والثبات عليها السؤال بعض الشباب المتدينين يلاقون بعض المضايقات من بعض الناس بإطلاق الكلمات القبيحة التي قد تؤثر على الشاب الذي هو في بداية الاستقامة، فما هي الآيات القرآنية التي نقرؤها من أجل أن يتقوى إيمان هؤلاء الشباب؟ الجواب هذا المبدأ قديم وليس بجديد، فالمسلمون الأوائل كانوا يلاقون مثل هذه الضغوط وأشد من ذلك، كان الواحد منهم كـ بلال ﵁ توضع حجارة حارة على بطنه، ولا يصده ذلك عن دينه، وكان عمار وأبوه ياسر وأمه سمية وأناس غيرهم يلاقون صنوف الأذى في سبيل دينهم ولا يصدهم ذلك عن دين الله. وممن لاقى الصد عن الدين سعد بن أبي وقاص ﵁، وذلك أنه اعتنق الإسلام فقالت أمه: يا سعد! والله لا آكل طعاماً ولا شراباً حتى تكفر بدين محمد. فجلس هذا الرجل بين عاملين -عامل الإيمان والعقل وعامل العاطفة- ينظر إلى أمه ونفسها تتقعقع من شدة الجوع، ولكن العقل غلب العاطفة فقال: اسمعي يا أماه: والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت واحدة بعد الأخرى ما تركت ديني، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فأكلت، وأنزل الله تعالى فيه قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥]. أما ما يلاقيه المسلمون من التعب في أيامنا الحاضرة فإنا نعزيهم فيه بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]، ونعزيهم بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٢] يقولون: هذا لحيته طويلة. هذا ثوبه قصير. هذا رجعي. هذا فيه كذا. أما النتيجة: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦]. وحينئذ فيكفيك فخراً -أيها الأخ المسلم- أن يقول الله لك بأنك مؤمن ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩]، ويقول الله تعالى عن يوم القيامة حينما يجمع الله الناس ثم يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، ويبدأ الخصام بين هؤلاء الذين يسخرون من المتدينين ويضحكون منهم ويتخذونهم سخرياً، يقول الله تعالى لما يلقي أولئك في النار: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١١]. ومن هنا لا يجوز لمسلم أن يتأثر بمثل هذه الدعايات التي تكال اليوم لكثير من المسلمين، والذين أصبحوا غرباء، ويكفيهم أنهم غرباء، وطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس.

стр. 941

الدخان حرام بحسب ما فيه من الضرر السؤال ما معنى قولك: لا أجزم بتحريم الدخان؟ الجواب أنا لست أقول: إن الدخان ليس بمحرم. وهناك فرق بين من يقول: احتاج إلى أن أتأكد من تحريمه ومن يقول: إنه محرم. لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٨٧]، فالإنسان الذي يحرم الشيء ولم يتأكد منه أعظم جرماً ممن يفعل حراماً، فالذي يفعل حراماً فعل معصية والذي يحرم شيئاً لا يجزم بتحريمه تعدى على شرع الله تعالى وتعدى على التشريع الذي هو لله تعالى، ولكني أقول: إن الدخان قد ثبتت مضاره، فظهرت دلائل الحرمة من خلال هذه المضار، سواء في ذلك المضار الاجتماعية -فإنه لا يتعاطاه في الغالب إلا الساقط من الناس- أو الأضرار الأخلاقية -قد خربت أخلاق كثير من الشباب بشرب الدخان- أو الأضرار الصحية أيضاً، فقد ثبت طبياً بأنه ضار، ومن هنا نستطيع أن نقول: إنه محرم بمقدار ما فيه من المضار. أما أن نقول: هو محرم لذاته فلا أحد يستطيع أن يقول: إنه محرم لذاته؛ لأن الدخان لم يرد فيه شيء من شرع الله، ولأنه من الأمور المحدثة، ولكن تحريمه معلق بالأضرار التي تترتب عليه، ولذلك فإني أصحح مفهومك -يا أخي- بأني لم أقل بأن الدخان حلال، أو أن الدخان غير محرم، ولكني أقول: أنا لا أجزم بتحريمه إلا بمقدار ما فيه من الأضرار. فإذا ثبتت هذه الأضرار التي نسمع بها أو جزء منها فحينئذ يكون محرماً لا لذاته، وإنما لما يترتب عليه.

стр. 942

حكم الخجل من إنكار المنكر السؤال أنا شاب أبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، أرى بعض الناس المسبلين وغيرهم من العصاة، ولكن لا أنصحهم؛ لأنني شديد الخجل، فهل علي إثم؟ وما علاج ذلك؟ الجواب الرسول ﷺ يقول: (من رأى) و (من) هنا اسم موصول من ألفاظ العموم، أي: جميع الناس (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)، والمسألة ليست مسألة تخيير وإنما هي مسألة ترتيب، فإذا كان الإنسان يستطيع أن ينكر المنكر بيده فإنه مطالب بذلك، والله تعالى أعطى المسلمين قوة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد:٢٥]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، فالقوة يجب أن تصحب الكتب السماوية. ثانياً: إذا عجزت عن الإنكار بيدك فإنك مطالب بأن تنكر بلسانك، وإذا كان يمنعك الخجل فهذا خطأ كبير؛ لأن الحياء يجب أن يكون من المعصية لا من الطاعة، ومن هو الذي يخجل من أن يطيع الله ؟! بل المسلم مطالب بأن يستحيي من أن يفعل معصية، أما الطاعة فإنه لا يجوز أن يمنعك الخجل منها، والإنكار بالقلب لا يجوز أن نلجأ إليه في مثل هذه الفترة، ونحن -والحمد لله- نعيش في حكم إسلامي وفي دولة إسلامية لا تعارض الذين ينكرون المنكر، فإذاً أصبح الإنكار بالقلب لا مجال له في بلادنا.

стр. 943

لبس الحجاب شرع لا عادة السؤال كثير من الناس يعتبر أن الحجاب عادة وليس واجباً، وأن العلماء يأمرون به لئلا ينتشر الفساد، فهل هذا صحيح؟ وهل ولي الأمر آثم إذا لم تتحجب نساؤه؟ الجواب الحجاب ليس بعادة، وهذه من السموم التي دسها أبناء جلدتنا، فقد كتبت صحف كثيرة في بلادنا بأن الحجاب موروث عن العصور المتخلفة، وأن الحجاب تقوقع وتخلف، وقرأنا كثيراً في كثير من صحفنا حينما مرت بها فترة سيطر عليها فيها طائفة ممن نخشى أن يكونوا من تلك الفئة التي أخبر عنها الرسول ﷺ . فالحجاب واجب بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ وبإجماع المسلمين، ويمكن أن نقسم الحجاب إلى قسمين حتى لا نتعدى على شرع الله: فهناك حجاب لتغطية الوجه واليدين مع بقية الجسد، وهناك حجاب بمعنى ستر العورة التي ذكرها الله في قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآية. أما الأول فهو وإن كان قد اختلف طائفة من العلماء في حكم ستر الوجه والكفين إلا أن العلماء أجمعوا إجماعاً على أن الفتنة إذا خيفت فإنه يجب تغطية الوجه والكفين، وحينئذ يصبح ذلك الرأي لا أثر له؛ لأن الفتنة متوقعة ومتأكدة في كشف الوجه والكفين، خصوصاً الوجه الذي هو موضع جمال المرأة، وعلى هذا فإنه يصبح الخلاف لغوياً ولا أثر له في الشرع، فإذا كان هناك من الأئمة الأربعة من قال: يجوز كشف الوجه والكفين فقد أجمع الأربعة وأجمع المسلمون على أنه إذا خشيت الفتنة فلا يجوز كشف الوجه، وحينئذ أصبح كشف الوجه -خاصة في أيامنا الحاضرة- موضع فتنة، ومن المؤكد أنه يثير الفتنة، إذاً نستطيع أن نقول: أجمع المسلمون على تغطية الوجه في زمننا؛ لأنه موضع للفتنة بالإجماع. أما بالنسبة لما زاد على الوجه والكفين فلا أحد يستطيع أن يقول بأنه ليس في شرع الله، بل جاءت به الأدلة القرآنية، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، ثم قال بعد ذلك: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠] وأحاديث كثيرة عن رسول ﷺ كلها تدل على ذلك. إذاً هذه التي تخرج شعرها أو ساقيها أو عضدها أو نحرها أو ما أشبه ذلك كيف تستطيع أن تقول بأنها أخذت دليلاً من شرع الله تعالى على ذلك؟! وقد أجمع المسلمون على تحريم هذا الأمر بنص القرآن الكريم وفي نص السنة المطهرة، والخلاف إنما هو في الوجه والكفين، وإجمع المسلمين على أنها إذا خشيت الفتنة فلا يجوز كشف الوجه. إذاً يكاد أن يكون الحجاب واجباً إجماعاً.

стр. 944

حكم تأخير الصلاة عن وقتها لمشاهدة المباريات السؤال أحضر بعض المباريات وتكون في أوقات الصلاة، فيخرج الوقت، فهل أنا آثم بذلك؟ الجواب نعم أنت آثم، وما هذه المباريات وما وزنها في دنيا الناس اليوم إذا كان الرسول ﷺ يوقف المعركة من أجل أن يقيم الصلاة؟! فكان يغير شيئاً من نظم الصلاة من أجل أن تقام الصلاة جماعة لا فرادى، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾ [البقرة:٢٣٩] أي: صلوا وأنتم تركضون على أقدامكم ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩] وأنتم على الإبل والخيل. إذاً ما هو عذرك -يا أخي- وأنت في سفاسف الأمور كلعب الكرة؟ تريد أن تؤخر الصلاة عن وقتها والرسول ﷺ في ساحة الجهاد في سبيل الله يأمره الله تعالى بأن يقيم الصلاة جماعة، وأن يغير شيئاً من نظم الصلاة من أجل أن تقام الصلاة جماعة فمثلاً: كان يصف المسلمين صفين، فيسجد الصف الأول ويقف الصف الثاني ولا يسجد مع الرسول ﷺ ، ثم يسجد الصف الثاني في الركعة الثانية ويبقى الأول، ثم بعد ذلك كل يكمل ركعة أخرى ويسلمون مع الرسول ﷺ ، أين هذا من ذاك؟! وأين هذا الواقع الذي تصطف فيه آلاف البشر من المسلمين وتمر بهم الصلاة تلو الصلاة لا يرفعون بها رأساً، من واقع الرسول ﷺ حين يأمره الله تعالى أن يقيمها في ساعة المعركة؟ إذاً عليك -يا أخي- أن تعلن الأذان، وأن تقطع كل شيء حتى تقام الصلاة جماعة، ولا عذر للمسلمين في أن يمضي الوقت وهم في أي عمل من الأعمال دون أن يقيموا الصلاة.

стр. 945

كثرة النعم ليست دليلاً على رضا الله السؤال هل يصح لنا أن نقول: إن كثرة النعم دليل رضا الله علينا؟ الجواب لا، والنعم تأتي لثلاثة أمور: إما أن تكون علامة على الرضا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. وإما أن تكون علامة غضب، كما في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤]، وقبلها ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]. وإما أن تكون امتحاناً وابتلاء، أي أن الله تعالى يختبرك بالنعمة، ويعطيك المال ويعطيك الولد، ويعطيك الخيرات ورغد العيش ليختبر إيمانك هل تصبر أو لا تصبر، وهذه أكثر ما تكون في عالم الناس.

стр. 946

تمييز نعمة الاستدراج عن نعمة الرضا أو الابتلاء السؤال كيف نعرف إذا نزلت بنا نعمة أنها اختبار وعذاب أو رحمة ورضا من المولى ؟ الجواب العلامة هي الطاعة، فإذا جاءت النعمة مع الطاعة والاستقامة على دين الله فهذه علامة الرضا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن:١٦] أي: على المنهج السليم ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، ثم قال: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٧] أيضاً، فهم يعطون النعمة جزاءً ويختبرون بها أيضاً، ولكن إذا جاءت النعمة مع المعصية فإنها علامة الاستدراج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام:٤٤] يعني: أعرضوا عن دين الله ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤]. فالعلامة هي واقع الناس، فإذا كان الناس تأتيهم النعم مع استقامة فهذه قد تكون علامة رضا، وإذا جاءتهم مع معصية وكفره وكلما زاد الكفر والبعد عن الله تعالى زادت النعم فهذه علامة الغضب ودنو العذاب.

стр. 947

ترك فعل الخير والصوم بدعوى الصغر السؤال بعض الناس يقول: أنا إنسان مستقيم. ولكنه لا يفعل الخير ولا يصوم؛ لأنه يدعي بأنه صغير، فماذا نقول له؟ الجواب إذا كان صغيراً فإنه لا يلزمه الصيام؛ لأن كل تكاليف الإسلام وشرائع الإسلام لا تلزم إلا بعد البلوغ، ولكن المسلم يتمرن عليها قبل البلوغ، حتى إذا بلغ يكون قد استعد، فيؤمر الصبي بالصلاة لسبع سنين، ويشدد عليه إذا بلغ عشر، لكن في السابعة إلى العاشرة إلى أن يبلغوا لا يكلفون بالصلاة ولا يعاقبون على تركها، وإنما هي من باب التمرين والتربية، وكذلك الصيام، وقد كان الصحابة يدربون أبناءهم على الصيام وهم أبناء عشر سنين وهم صغار. وعلى كل فإذا كان هذا الذي يدعي بأنه مستقيم ويترك العبادات وهو دون البلوغ فإنا نقول: من الاستقامة أن تؤدي هذه التكاليف لتتمرن عليها، ولكننا لا نقول بأنك عاص أو مرتد إذا تركت الصلاة وأنت لم تبلغ، ولكن المستقيم بطبيعته يتمرن على العبادات ويؤدي العبادات ولو كان صغيراً.

стр. 948

حكم قراءة المجلات الماجنة السؤال عندي كثير من المجلات الفاسدة فهل يحرم علي قراءتها، علماً أنني لا أريد أن أرد على ما ورد فيها، وهل إذا علم ولي الأمر أن أولاده يقرءون ذلك يكون آثماً؟ الجواب أما بالنسبة للشر الذي فيها أو النظر إلى الصور المثيرة فإن هذا تحرم قراءته، اللهم إلا للإنسان يريد أن يعلم هذا الشر من أجل أن يرد عليه من حيث جاء، فإن هذا يستحب إن لم يكن واجباً؛ لأن هذا من إنكار المنكر. أما بالنسبة للإنسان الذي يريد أن يتمتع بالشر الذي فيها أو يتمتع بالصور المنحرفة الموجودة فيها كصور الغلاف أو داخلها أو ما أشبه ذلك فهذا حرام، ولكني أنصح الشباب الذين لم ينضجوا بعد أن يبتعدوا عنها قدر المستطاع، حتى ولو كان اقتناؤها بدافع الرد عليها أو معرفة الشر كما يقولون؛ لأن هؤلاء لا يؤمن عليهم الانحراف، ولأن أعداء الإسلام قد يدسون السم في الدسم، فيأتون بأفكار سيئة مشبوهة بكلمات حسنة، ولذلك فإن هذا خطر.

стр. 949

الكتاب والسنة ميزان استقامة العمل السؤال إن بعض الناس يعمل ويعتقد أن عمله على استقامة، فكيف نعرف أن هذا الإنسان على استقامة في عمله؟ الجواب نعرض عمل هذا الإنسان على المنهج الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا كان عمله موافقاً لكتاب الله وسنة النبي ﷺ فهذا عمل صحيح ومقبول، وإذا كان مخالفاً للمنهج الذي جاء من عند الله وجاء به رسوله ﷺ فهو غير صحيح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩].

стр. 950

طريقة نصح الشباب وكيفية إقناعهم السؤال بعض الشباب في وقتنا الحاضر انحرفوا عن الطريق السليم، وإذا خاطبت واحداً من هؤلاء ناصحاً له فإنه لا يبالي بهذه النصيحة؛ لأنه قد يكون من ينصحه لم يقنعه إقناعاً تاماً، فما هي الطريقة التي يستطيع الداعي بها إدخال نصيحته إلى قلب هذا الشاب؟ الجواب أعتقد أن التربية في أيامنا الحاضرة أفضل من النصيحة، وأفضل من الموعظة، لأن التربية كمن يغرس شجرة ثم يتعاهدها فترة بعد أخرى، والموعظة كمن يغرس شجرة ثم ينساها مدة طويلة من الزمن حتى تذبل أو تيبس. وعلى هذا فإن من أفضل الطرق التي نستطيع أن نربي فيها أبناء المسلمين اليوم لمن أراد ذلك أن يحتضن مجموعة من شباب المسلمين مجموعة أخرى يعيشون معهم ويقضون مدة من الزمن مع بعضهم، ويتبع بعضهم بعضاً بالخير، ويحذر بعضهم بعضاً من الشر، ويقلد بعضهم بعضاً في الأفعال الخيرية، وأقول: يقلد، أي: يأخذ الخير منه، أما التقليد الأعمى الذي لا ينبني على قاعدة فإنه لا يصح. فهذه تعتبر من أفضل الطرق، والموعظة -أيضاً- لها أثر بين فترة وأخرى، ولكن التربية أفضل من الموعظة، ولذلك جاء في آخر حديث حذيفة بن اليمان ﵁: (قلت: يا رسول الله! فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم). فالإنسان عليه أن يلزم الجماعة المسلمة، وعليه أن يبحث عن مجموعة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، فالذي يبتعد عن إخوانه وعن أهل الخير يقتنصه أعداء الإسلام، والذي يعيش مع هؤلاء يسلم في الغالب من أعداء الإسلام الذين يتربصون الدوائر بالمسلمين، قال حذيفة: (فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: فاهرب بدينك ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).
следующие страницы →