Полный текст (1 366 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
تمييز نعمة الاستدراج عن نعمة الرضا أو الابتلاء
السؤال
كيف نعرف إذا نزلت بنا نعمة أنها اختبار وعذاب أو رحمة ورضا من المولى ؟
الجواب
العلامة هي الطاعة، فإذا جاءت النعمة مع الطاعة والاستقامة على دين الله فهذه علامة الرضا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن:١٦] أي: على المنهج السليم ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، ثم قال: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٧] أيضاً، فهم يعطون النعمة جزاءً ويختبرون بها أيضاً، ولكن إذا جاءت النعمة مع المعصية فإنها علامة الاستدراج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام:٤٤] يعني: أعرضوا عن دين الله ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤].
فالعلامة هي واقع الناس، فإذا كان الناس تأتيهم النعم مع استقامة فهذه قد تكون علامة رضا، وإذا جاءتهم مع معصية وكفره وكلما زاد الكفر والبعد عن الله تعالى زادت النعم فهذه علامة الغضب ودنو العذاب.
стр. 947
ترك فعل الخير والصوم بدعوى الصغر
السؤال
بعض الناس يقول: أنا إنسان مستقيم.
ولكنه لا يفعل الخير ولا يصوم؛ لأنه يدعي بأنه صغير، فماذا نقول له؟
الجواب
إذا كان صغيراً فإنه لا يلزمه الصيام؛ لأن كل تكاليف الإسلام وشرائع الإسلام لا تلزم إلا بعد البلوغ، ولكن المسلم يتمرن عليها قبل البلوغ، حتى إذا بلغ يكون قد استعد، فيؤمر الصبي بالصلاة لسبع سنين، ويشدد عليه إذا بلغ عشر، لكن في السابعة إلى العاشرة إلى أن يبلغوا لا يكلفون بالصلاة ولا يعاقبون على تركها، وإنما هي من باب التمرين والتربية، وكذلك الصيام، وقد كان الصحابة يدربون أبناءهم على الصيام وهم أبناء عشر سنين وهم صغار.
وعلى كل فإذا كان هذا الذي يدعي بأنه مستقيم ويترك العبادات وهو دون البلوغ فإنا نقول: من الاستقامة أن تؤدي هذه التكاليف لتتمرن عليها، ولكننا لا نقول بأنك عاص أو مرتد إذا تركت الصلاة وأنت لم تبلغ، ولكن المستقيم بطبيعته يتمرن على العبادات ويؤدي العبادات ولو كان صغيراً.
стр. 948
حكم قراءة المجلات الماجنة
السؤال
عندي كثير من المجلات الفاسدة فهل يحرم علي قراءتها، علماً أنني لا أريد أن أرد على ما ورد فيها، وهل إذا علم ولي الأمر أن أولاده يقرءون ذلك يكون آثماً؟
الجواب
أما بالنسبة للشر الذي فيها أو النظر إلى الصور المثيرة فإن هذا تحرم قراءته، اللهم إلا للإنسان يريد أن يعلم هذا الشر من أجل أن يرد عليه من حيث جاء، فإن هذا يستحب إن لم يكن واجباً؛ لأن هذا من إنكار المنكر.
أما بالنسبة للإنسان الذي يريد أن يتمتع بالشر الذي فيها أو يتمتع بالصور المنحرفة الموجودة فيها كصور الغلاف أو داخلها أو ما أشبه ذلك فهذا حرام، ولكني أنصح الشباب الذين لم ينضجوا بعد أن يبتعدوا عنها قدر المستطاع، حتى ولو كان اقتناؤها بدافع الرد عليها أو معرفة الشر كما يقولون؛ لأن هؤلاء لا يؤمن عليهم الانحراف، ولأن أعداء الإسلام قد يدسون السم في الدسم، فيأتون بأفكار سيئة مشبوهة بكلمات حسنة، ولذلك فإن هذا خطر.
стр. 949
الكتاب والسنة ميزان استقامة العمل
السؤال
إن بعض الناس يعمل ويعتقد أن عمله على استقامة، فكيف نعرف أن هذا الإنسان على استقامة في عمله؟
الجواب
نعرض عمل هذا الإنسان على المنهج الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا كان عمله موافقاً لكتاب الله وسنة النبي ﷺ فهذا عمل صحيح ومقبول، وإذا كان مخالفاً للمنهج الذي جاء من عند الله وجاء به رسوله ﷺ فهو غير صحيح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩].
стр. 950
طريقة نصح الشباب وكيفية إقناعهم
السؤال
بعض الشباب في وقتنا الحاضر انحرفوا عن الطريق السليم، وإذا خاطبت واحداً من هؤلاء ناصحاً له فإنه لا يبالي بهذه النصيحة؛ لأنه قد يكون من ينصحه لم يقنعه إقناعاً تاماً، فما هي الطريقة التي يستطيع الداعي بها إدخال نصيحته إلى قلب هذا الشاب؟
الجواب
أعتقد أن التربية في أيامنا الحاضرة أفضل من النصيحة، وأفضل من الموعظة، لأن التربية كمن يغرس شجرة ثم يتعاهدها فترة بعد أخرى، والموعظة كمن يغرس شجرة ثم ينساها مدة طويلة من الزمن حتى تذبل أو تيبس.
وعلى هذا فإن من أفضل الطرق التي نستطيع أن نربي فيها أبناء المسلمين اليوم لمن أراد ذلك أن يحتضن مجموعة من شباب المسلمين مجموعة أخرى يعيشون معهم ويقضون مدة من الزمن مع بعضهم، ويتبع بعضهم بعضاً بالخير، ويحذر بعضهم بعضاً من الشر، ويقلد بعضهم بعضاً في الأفعال الخيرية، وأقول: يقلد، أي: يأخذ الخير منه، أما التقليد الأعمى الذي لا ينبني على قاعدة فإنه لا يصح.
فهذه تعتبر من أفضل الطرق، والموعظة -أيضاً- لها أثر بين فترة وأخرى، ولكن التربية أفضل من الموعظة، ولذلك جاء في آخر حديث حذيفة بن اليمان ﵁: (قلت: يا رسول الله! فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم).
فالإنسان عليه أن يلزم الجماعة المسلمة، وعليه أن يبحث عن مجموعة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، فالذي يبتعد عن إخوانه وعن أهل الخير يقتنصه أعداء الإسلام، والذي يعيش مع هؤلاء يسلم في الغالب من أعداء الإسلام الذين يتربصون الدوائر بالمسلمين، قال حذيفة: (فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: فاهرب بدينك ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).
стр. 951
قبسات من حياة موسى ﵇
لقد كانت قصة موسى ﵇ أكثر القصص تكرراً في القرآن الكريم؛ وذلك لما فيها من العظات والعبر، فقد عانى موسى ﵇ من بني إسرائيل أشد المعاناة، وذلك بسبب عنادهم وعصيانهم، واستمر مدة طويلة من الزمن إلى أن قضى الله أمراً كان مفعولاً، إضافة إلى أن موسى ﵇ عالج فرعون وجنوده أشد المعالجة؛ إذ كانوا قد بلغوا غاية الطغيان، ففي صفحات هذه المادة قصة موسى ﵇، والمواقف والأحداث التي تعرض لها.
стр. 952
أهمية قصص الأنبياء
الحمد لله نحمده ونستعينه ونشكره، ونثني عليه الخير كله ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد قص الله علينا في كتابه قصصاً طيبة من أخبار أنبيائه، ووصفها بأنها أحسن القصص، وهذا الوصف من الله ﵎ يدل على أنها أصدقها وأبلغها وأنفعها للعباد، فمن أهم منافع هذه القصص أن بها يتم ويكتمل الإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وحينما نتحدث عن قصص المرسلين نحقق قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١]، ففي هذا القرآن من العظة والعبرة الشيء الكثير، سيما في أخباره الصادقة التي لا تتناقض ولا تختلف، والعظة للمؤمنين الذين يفهمون كتاب الله غضاً طرياً كما أنزل، ففي قصص المرسلين العظة والعبرة، ولذلك تجد أن جزءاً عظيماً من القرآن الكريم يهتم بجانب القصة، وليست قصة تسلية ولكنها قصة عظة وعبرة، سيما حينما تتكلم عن منهج المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
وسوف يكون كلامنا عن سيرة نبينا موسى ﵊.
стр. 953
أسباب اختيار قصة موسى ﵇
أولاً: تعتبر قصة موسى أكثر قصة تكررت في القرآن العظيم؛ لما فيها من العظة والعبرة، لاسيما في بني إسرائيل الذين طال عنادهم لموسى ﵊، واستمر مدة طويلة من الزمن إلى أن قضى الله أمراً كان مفعولاً.
ثانياً: أن موسى ﵊ عالج فرعون وجنوده أشد المعالجة، فلم يعرف التاريخ رجلاً أشد طغياناً منه؛ لأنه زعم الإلهية لنفسه، وأنكر إلهية الخالق .
وبالرغم من أن فرعون أنكر إلهية الخالق إلا أنه كان يؤمن بقرارة نفسه بإلهية الله ، وأنه هو ليس إلهاً، لكنه يريد أن يستعبد أمة، وهذا المنهج هو الذي يتكرر عبر التاريخ الطويل، فكل من أراد أن يستعبد أمة ويستذلها لابد من أن يبعدها عن الإيمان بالله ، كما فعلت الشيوعية التي سقطت في عصرنا الحاضر.
إذاً منهج الذين يريدون أن يذلوا الأمم هو أن يحولوا بينها وبين الله ، ولذلك فرعون -لعنه الله- كان يؤمن في قرارة نفسه بالله ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فالله فطر كل الناس على الإيمان به ، ومعنى ذلك أن قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] إنما هو تغطية للحقيقة، والدليل على ذلك أن فرعون صرح في آخر لحظة من لحظات حياته لما أيس من مهمته وفكرته الخاطئة، فقال حينما أدركه الغرق: ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] ومع أن فرعون كان جباراً ومفسداً في الأرض إلا أن رحمة الله قد تدرك من كان على مثل هذه الشاكلة، فقد أرسل الله له رسولين اثنين موسى وهارون ﵉، وأمرهما باللين بالرغم من قسوة هذا الجبار العنيد فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
ثالثاً: أن موسى ﵊ أعظم أنبياء بني إسرائيل، ومن أولي العزم الذين هم أفضل الأنبياء، وهم خمسة عليهم الصلاة والسلام، وشريعته وكتابه التوراة مرجع أنبياء بني إسرائيل بعده وعلمائهم، وله من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه والغيرة العظيمة ما ليس لغيره.
رابعاً: أن بني إسرائيل أقرب الأمم إلى الإسلام، فلم يأت بعدهم إلا هذه الأمة، فأمرت هذه الأمة أن تأخذ منهم العظة والعبرة، سيما أن قصة بني إسرائيل تحتوي على الكثير من الدروس العظيمة، ولذلك الرسول ﷺ كان كثيراً ما يقول لقومه ولنا: (لقد كان فيمن كان قبلكم)، والمراد بذلك بنو إسرائيل.
أما بالنسبة لقصة عيسى ﵇ ولحياته ولمنهجه فقد كان تكملة لحياة بني إسرائيل؛ لأن عيسى ﵊ هو -أيضاً- بعث إلى بني إسرائيل، فآمن به من آمن، وسموا أنفسهم النصارى؛ لأنهم ناصروا عيسى ﵇، فتعتبر حياة عيسى تكملة لحياة موسى ﵊.
стр. 954
وقوع ما كان يحذره فرعون
حياة موسى كحياة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بدأت بشدة، ومن منطلق قسوة، ولكنها بدأت -أيضاً- بتحدٍ عنيف من الله لهذا الطاغية، فقد تحدى الله فرعون بتحديات كثيرة، ففرعون رأى في منامه رؤيا، فسأل عن ذلك المنجمين والكهنة، فقالوا له: إن مولوداً في بني إسرائيل سوف يولد يكون سقوط عرشك على يده.
فقرر قتل الأبناء الذكور كافة واستبقاء النساء، ثم بعد ذلك لما رأى أنه سوف يقضي على النسل صار يقتل الذرية من الذكور عاماً ويبقيهم عاماً آخر، لكنه بالرغم من هذه الفكرة يولد موسى ﵊ في العام الذي يقرر فيه القتل، لا في العام الذي يستبقي فيه الذكور، وهو الرجل الذي سيسقط حضارة الفراعنة، ويقيم العدل في المعمورة، ويقضي على الطغيان الذي مضت عليه السنون الطويلة، وهذا زيادة ونكاية في التحدي لفرعون.
والعجيب أن الله يأمر أم موسى ﵊ أنها إذا خافت عليه أن تلقيه في اليم، وهذا خلاف القاعدة المتبعة التي يستخدمها الناس للمحافظة على أطفالهم، فلا يوضع الطفل في البحر إذا خيف عليه، وإنما يوضع في غرفة وتقفل عليه الأبواب، هذه هي القاعدة المتبعة في حماية الأطفال من البلاء والفتن، فمتى كان الإلقاء في اليم يعتبر أمناً لطفل من الأطفال ما زال رضيعاً؟! لكن في هذا مزيدٌ من التحدي لفرعون: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] وأراد الله أن يري فرعون وأن يعلم الناس أن كل الاحتياطات التي تتخذ لابد من أن يبطل مفعولها حينما يريد الله أمراً من الأمور.
ويزيد هذا التحدي فيذهب من اليم إلى قصر فرعون، وفرعون -كما هو معلوم- متعطش لدماء بني إسرائيل، ثم يدخل قصر فرعون هذا الطفل الذي يتأكد فرعون أنه إسرائيلي لا محالة؛ لأن علامات التكتم موجودة وظاهرة، وذلك حينما وضع في تابوت، فيلقي الله عليه المحبة، وهم لا يشعرون أن هلاك فرعون وزبانيته سيكون على يدي هذا الطفل حينما يكبر، ولا يشعرون مكر الله بهؤلاء الماكرين الطغاة الظلمة، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:٩]، ولذلك يتربى هذا الطفل في قصر فرعون وفي رعايته وفي كنفه وفي حجره كما يتربى ولد أي إنسان، لكنهم لا يعرفون عاقبة أمرهم.
ثم نجد أن رعاية الله تتابع موسى عليه الصلاة السلام متابعة دقيقة، فيحرم الله عليه المراضع، فكلما عرض على مرضعة لترضعه يأبى أن يقبل ثديها حتى يصل إلى أمه لترضعه وتأخذ عليه الأجرة، وهكذا تدركه عناية الله منذ أيام الطفولة، وهكذا يربي الله أولياءه المتقين، يقول الله : ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص:١٢ - ١٣] وبناءً على ذلك نقول: إن الله إذا أراد أن ينفذ أمراً من أوامره لا يمكن لأي إنسان أن يقف في وجه هذا الأمر أو يحول دون تنفيذه؛ لأن الله له الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 955
تأييد الله للمستضعفين
تعتبر حياة موسى ﵊ في بدايتها حياة تتسم بالشدة، لكنها تمتاز بالتحدي من الله لفرعون ولآل فرعون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤].
إن على المستضعفين في الأرض أن يستشعروا بأن القوة ليست للبشر وإنما هي لله ، فمهما أظلمت الحياة، ومهما انتفخ الطغيان في الأرض، ومهما تجبر وتكبر، ومهما علا وارتفع فإن له نهاية؛ لأن الطغيان كالزبد يذهب جفاءً، كما أخبر الله : ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
ولربما يرهب الناس -كما هو في عصرنا الحاضر- من الطغيان الذي سيطر على جل المعمورة، وأصبح المؤمن يعيش فيها مخفوض الرأس، وأصبح طغاة البشر ووحوش البشرية يرفعون رءوسهم ويلغون في دماء المسلمين، ولربما دب اليأس إلى واحد من الناس، سيما ضعفاء الإيمان، والذين لم يقرءوا تاريخ البشرية، أو الذين ضعف يقينهم بموعود الله وأنه سيعيد للأمة الإسلامية في يوم من الأيام تاريخها المجيد ومجدها التليد، سيما بعد هذه الإرهاصات الشديدة التي لا يكاد المسلم يرى فيها الإسلام قد ارتفع في أرض من أرض الله إلا ويفاجأ بالقمع والذلة والإرهاب لهذه الأمة الإسلامية، فقد يدب اليأس إلى واحد من المسلمين، ثم بعد ذلك تكون الحيرة وعدم الثقة بنصر الله .
يقول الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥] وهذا أمر صعب، أمم لا يستطيع أحد فيها أن يقول كلمة الحق التي يعتقدها في قرارة نفسه، بل إنه يخشى من ظله، أمة تعيش على الاستعباد والذلة لمدة من الزمن، ولكن الله جعلهم أئمة، فما مضت سنون قليلة حتى كبر هذا الطفل الذي ولد ليكون منقذاً للبشرية وقتئذ، ليقضي على ذلك الحكم الجائر، ويخلص الأمة المستضعفة في الأرض، ولما انحرفت تلك الأمة عن الجادة وحادت عن طريق الحق والاستقامة واستمرت في طغيانها أزالها الله وخلفتها أمم خير منها لتكون لها الإمامة في الأرض، يقول الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦].
стр. 956
منهج موسى ﵇ في التغيير
عاش موسى ﵇ في تلك البيئة الظالمة الغاشمة التي هي بيئة مصر والتي كان يتسلط فيها فرعون والأقباط معه على المستضعفين من بني إسرائيل، ولكنه لم يقر هذا الظلم، بل سعى سعياً حثيثاً إلى التغيير وإصلاح مجتمعه، ومنهج المرسلين والمصلحين لا يبدأ بالإصلاح الديني فحسب، لكنه يبدأ في الحقيقة بالإصلاح المادي، فحينما يقوم المصلحون بإنقاذ مجتمعاتهم من أخطاء يقع فيها أقوامهم يقومون بإنقاذهم مما هم فيه من الذلة والمهانة، حينئذٍ يستطيعون أن يكسبوا الناس إلى صفهم قبل أن يتسلموا القيادة والريادة، وهذا هو المنهج الذي ربى الله عليه موسى ﵊، فقد كان بنو إسرائيل يعيشون في مصر مستذلين مستضعفين، ولذلك انتصر موسى ﵇ للإسرائيلي ليدفع عنه شر القبطي، يقول تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٦] ولاشك أن قتل النفس إثم، لكن حينما تكون هذه النفس آثمة فإنها تستحق القتل؛ لأن قتل المفسدين في الأرض يعتبر نوعاً من الإصلاح، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١].
فقام موسى ﵇ بإقرار العدل حتى تكون له يد عند القوم قبل أن يصل إلى المهمة الكبرى التي أعدها الله له، فانتصر للحق من الباطل، وقضى على رجل الباطل المستذل لخلق الله المستعبد لهم في الأرض.
стр. 957
هجرة موسى ﵇ إلى مدين وقصته مع المرأتين
هذه المرحلة تبدأ من الهجرة الطويلة من مصر إلى فلسطين، وبالرغم من أن موسى ﵊ لم يكن له علم بالطريق لكنه لجأ إلى الله ﵎ وقال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]، ويسير في طريق طويلة مهاجراً إلى الله ، ليس هروباً -وإن كان عنده شيء من الخوف من آل فرعون- لكنه بأمر من الله يهاجر من مكان إلى مكان، ثم يسير في صحراء سيناء مدة من الزمن حتى يصل إلى بلاد مدين.
وهناك في بلاد مدين وجد قوماً كثيرين من الناس يسقون مواشيهم، ووجد سوى الجماعة الرعاة امرأتين تكفان غنمهما عن الماء، فقال موسى ﵇ لهما: ما شأنكما تمنعان الغنم من ورود الماء؟ ولم لا تستقيان مع السقاة؟ قالتا: من عادتنا التأني حتى ينصرف الرعاة مع أغنامهم عن الماء، ولا طاقة لنا على مزاحمة الأقوياء، ولا نريد مخالطة الرجال، وأبونا رجل مسن لا يستطيع بضعفه أن يباشر سقاية الغنم، ولذلك اضطررنا إلى أن نستقي بأنفسنا.
قال تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] هاتان المرأتان قيل: إنهما ابنتا شعيب ﵊.
وقيل غير ذلك، فقد أخبرتا كيف تخرج المرأة، وكيف تمارس عمل الرجال، إنها لا تفعل ذلك إلا عند الضرورة والحاجة، ومبرر خروج هاتين البنتين أن أباهما شيخ كبير، فلا يستطيع أن يرعى الغنم، ولم تخرج هاتان البنتان إلا في حشمة، فلم تفكرا في مزاحمة الرجال حينما خرجتا للضرورة الملحة، فقد كانتا بعيدتين عن مزاحمة الرجال، حتى إذا انتهى الرعاء وسقى كل الرجال غنمهم قامت بعد ذلك هاتان المرأتان بسقي الغنم، فلا تخرج المرأة إلا عند الحاجة والضرورة الملحة، وإذا خرجت فيجب أن تتقيد بقيود المرأة المؤمنة المسلمة، بحيث لا تزاحم الرجال ولا تقضي حاجتها إلا حينما ينتهي الرجال، لكن على هؤلاء الرجال أن يكون عندهم أنفة وأن تكون عندهم رجولة، بحيث يعطون هذه المرأة حقها حتى لا تتأخر كثيراً حينما تضطر أن لا تزاحم الرجال.
وقد خدع أعداء الإسلام المرأة اليوم، فزعموا أن الإسلام ظلم المرأة، وأن الإسلام يهضمها حقها، وأن المجتمع المحافظ -كمجتمعنا- مجتمع معطل النصف لا يتنفس إلا برئة واحدة، فهم ينطلقون في الظاهر مطالبين بحقوق المرأة وحريتها المهضومة كما يزعمون، ولكن هؤلاء القوم يريدون في الحقيقة أن يصطادوا المرأة في الماء العكر، ويريدون منها أن تفسد أخلاقها، وأن تسقط في الحضيض، ويريدون أن يدمروا هذه الأمم تدميراً، فكم اتهمت صحفنا اليوم الإسلام بالتأخر والتقوقع والتخلف، واتهمت الحجاب بأنه من مخلفات القرون البائدة، واعتبرت المجتمع الذي يصون كرامة المرأة ويحافظ على كيانها مجتمعاً متخلفاً يجب القضاء عليه في أقرب وقت ممكن.
فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذه الشعارات الزائفة التي تهدف إلى اغتيال عفة المرأة وشرفها، حتى وإن كان الذين يروجونها من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، ويحملون في جيوبهم الهوية الإسلامية.
لقد ظلمت المرأة في عصرنا الحاضر ظلماً لم يشهد له التاريخ مثيلاً، فحملوها الأعباء والتكاليف الشاقة التي لا يمكن أن يقوم بها إلا الرجال، وخلطوها مع الرجال على مدرجات الجامعة، وفي فصول الدراسة، وفي الأسواق، وداخل مكاتب الوظيفة، وفي كل أمر من الأمور.
فالمسألة هي مسألة مؤامرة على الإسلام، وفي ملة رجال مدين الذين لم يدركوا الإسلام لم تكن المرأة تختلط مع الرجال ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، إذاً ليس هذا هو منهج الإسلام فقط عند خروج المرأة للحاجة والضرورة الملحة، لكنه منهج الملل والأديان كلها منذ أن خلق الله البرية وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، أما الذين يطالبون بحقوق المرأة في عصرنا الحاضر ويزعمون أن لها حقوقاً مهضومة، وأنها معطلة، وأن حريتها قد تعدى عليها الرجال في ظل الإسلام فهم مجرمون يقول الله عنهم: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧] فعلينا أن نحذر سموم هؤلاء، وأن لا نغتر بدعاياتهم الكاذبة وشعاراتهم الزائفة، فإن الأمر واضح، فالملل كلها تعتبر بقاء المرأة في بيتها -إلا عند الحاجة- صيانة لها، وإن الجاهليات منذ خلق الله البشرية إلى يوم القيامة هي التي تريد أن تتخذ من المرأة وسيلة للدمار والإفساد وإشاعة الفاحشة في أوساط المجتمعات المحافظة.
стр. 958
القوة والأمانة في شخصية موسى ﵇
أما موسى ﵊ فقد كان رجلاً يعدّه الله للرسالة، فكان لابد من أن ينكر هذا المنكر الذي شاهده في بلاد مدين كما أنكر المنكر في مصر، ولابد من أن تأخذ المرأة بنصيبها في منأى عن الرجال، فاستعمل قوته التي منحه الله إياها فسقى لهما، ثم رجعت الفتاتان إلى أبيهما مسرعتين، فيستغرب الأب كيف وصلتا في وقت مبكر، وكيف استطاعتا سقي الغنم في هذه المدة الوجيزة، مع أنهما لا يخالطن الرجال، ومن عادتهما الإبطاء! فسألهما عن السر فأخبرتاه عن قصة الرجل الصالح الذي استعمل قوته فسقى لهما، فما كان من رجل مدين إلا أن أرسل إحدى البنتين -وهي- أيضاً -ضرورة ثانية- لتأتي بهذا الرجل الذي سقى لهما؛ لأنه لم يكن له أبناء ذكور.
وكان موسى ﵊ قد جلس في ظل شجرة عند ذلك الماء يتوسل إلى الله ، ويسأله من فضله أن يمن عليه بمن يؤويه من هذا الظلم الذي هرب منه في أرض مصر، فيقول مناجياً ربه : ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، ثم يسعفه الله بعودة إحدى هاتين البنتين اللتين سقى لهما تمشي على استحياء، فعلى المرأة المسلمة أن تمشي بحياء وخجل محتشمة غير متبرجة، فإن الحياء يعتبر هو الصفة البارزة في المرأة، ويعتبر الحياء -كذلك- من أخص خصائص أمة الإسلام، ولذلك يقول ﵊: (إن لكل أمة خلقاً، وإن خلق أمتي الحياء، وإن الله إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً).
ولما سأل ﵊ ابنته فاطمة ﵂ عن أحسن ما تكون المرأة.
قالت: (أن لا ترى الرجال ولا يرونها).
فالحياء صفة لازمة للمرأة دائماً وأبداً حتى قبل الإسلام ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥]، فليست تمشي في وسط الطريق، وليست تمشي متبرجة، وليست تمشي وقد فقدت أهم مقومات المرأة وهو الحياء، وليست تمشي متبخترة متبرجة متطيبة تفتن الرجال، لكنها تمشي على استحياء، ثم تقول لموسى ﵇ بأدب وحياء: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥].
ثم يسير معها موسى ﵊، ويظهر بعد ذلك أدب الرجال وحياؤهم كما ظهر في النساء، فكانت هذه الفتاة تسير أمامه تدله على الطريق، فرأى أن الريح سوف ترفع ثوبها لتكشف شيئاً من ساقيها، فقال: أنا أسير أمامك وأنتِ تسيرين خلفي وتدليني الطريق يميناً أو شمالاً.
ففهمت هذه المرأة أن هذا الرجل أمين إضافة إلى أنه رجل قوي، فالقوة شاهدتها في موسى ﵊ حينما زاحم الرجال وغلب أشداء الرجال بقوته الجسمية، ورفع الغطاء الذي يوضع على البئر ليسقي لهاتين البنتين، أما الأمانة فقد رأتها منه حينما جعلها تسير وراءه بدل أن تسير أمامه حتى لا تكشف الريح ثوبها فيرى شيئاً من بدنها، فلما جاءت إلى أبيها قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، وهكذا ربى الله موسى ﵇ ليكون رسولاً إلى أعظم طاغية وطئ الأرض وأشد جبار عرفه التاريخ.
وبناءً على ذلك لابد لكل من تولى أمراً من أمور المسلمين -سواءٌ الولاية الكبرى أو ما دونها، حتى رعاية الغنم- لابد له من أن يتسم بهاتين الصفتين: القوة والأمانة، أما القوة فتتمثل في قول الحق وقوة الجسد وقوة العقل، أما الأمانة فتتمثل في التقى والصلاح والاستقامة، وإذا فقدت القوة والأمانة ضاعت الدولة، وتجرأ عليها أعداؤها، وأصبحت عرضة للدمار والسلب والنهب؛ لأن قيادتها غير حكيمة وغير أمينة، فالولايات الكبرى والسلطة العامة لا تنقاد إلا للرجل الصالح القوي الأمين، فالقوة قوة العقل والتفكير وقوة الجسد والقوة في قول الحق ودحر الباطل، والأمانة معناها أن يخلص في قيادة هذه الأمة، وإذا لم تتوافر هذه الصفات في الولاة وانتشرت الفوضى في أوساط الرعية وعمت البلبلة وسيطر الظلم كانت العاقبة الحرمان من الجنة، يقول رسول الله ﷺ : (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).
ولذلك لا عجب من أن يكون أول السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل، الذي يحكم في الناس بشرع الله ، ويرفض كل ما يتنافى مع شرع الله ، ويعتبر الولاية مسئولية عظيمة ينبغي أن يقوم بها على أكمل وجه، وأنها تكليف لا تشريف، ويعتبرها عبئاً ثقيلاً كما اعتبرها أبو بكر الصديق ﵁، فلما بويع له بالخلافة صعد المنبر وقال خطبة علم من خلالها القادة إلى يوم القيامة مدى عِظم مسئولية الخلافة التي تحملوها، فقال في مستهل خلافته: (أيها الناس! إني قد وليت عليكم وليست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني) ثم يبين ميزان العدل في الأرض، وهي الميزة التي لابد من أن يتصف بها كل من ولي أمراً من أمور المسلمين فقال: (القوي منكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
هنا تبرز القيادة الصحيحة التي تنطلق من الوحي ومن مشكاة النبوة، والتي تعتبر مضرب المثل في التواضع، والحرص على العدالة، والتزام التقوى، وإدارة شئون الحكم طبقاً لتعاليم الإسلام ومبادئه، فيرون أن الخلافة عبئاً وأمانة يقومون على أداء مهامها بما يرضي الله .
أما الذي يعتبر أمر المسلمين غنيمة وفرصة للتمتع والتكبر والغطرسة فقد خان الأمانة، وعرض نفسه يوم القيامة للخزي والندامة، ويعتبر ذلك علامة من علامات الساعة، وحينما سئل رسول الله ﷺ عن الساعة قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).
فإذا كان أمر المسلمين بأيدي الفسقة والمارقين من الدين فمعنى هذا حلول النكبات المتتابعة على الأمة، ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أن هناك خصالاً إذا فعلتها هذه الأمة حل بها البلاء، وذكر من هذه الخصال: (إذا ساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم) فإذا كان ذلك حينئذٍ يقول ﵊: (فانتظروا ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً، وآيات تتابع كنظام قطع سلكه فتتابع) أي: كالمسبحة حينما ينقطع خيطها فتخرج خرزة بعد الأخرى حتى تنتهي.
ومعنى ذلك أن النكبات سوف تتابع على هذه الأمة إذا كان زعيم القوم أرذلهم وساد القبيلة فاسقهم.
إذاً لابد في كل من يتولى أمراً من أمور المسلمين من أن يكون قوياً أميناً، ابتداءً من رعاية الغنم التي هي مهنة موسى ﵊ بادئ ذي بدء إلى رعاية العالم، وما أكثر ما ينطلق رعاة الغنم ليكونوا هم قادة العالم، فكثيراً ما يربي الله أنبياءه على رعي الغنم، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما بعث الله من نبي إلا رعى الغنم.
قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم.
كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).
فمعنى ذلك أن رعاية الغنم هي البداية لقيادة الأمم، فإذا كانت رعاية الغنم تحتاج إلى القوة والأمانة فمن باب أولى رعاية البشر، حتى يطبق شرع الله في الأرض، ولذلك جعل الله تعالى صفات من ولاه أمراً من أمور المسلمين ومكن له في الأرض إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك نجد أن يوسف ﵊ لما طلب شيئاً من حكم مصر قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، فالحفظ والعلم والقوة والأمانة هي الصفات التي يجب أن يتصف بها كل من يتولى أمراً من أمور المسلمين.
стр. 959
قبسات من حياة موسى ﵇ أجيراً
ولما علم رجل مدين أن موسى ﵊ يتصف بالقوة والأمانة اتفق معه على أن يكون راعياً للغنم مدة ثماني سنين، وإن أتم عشراً فذلك فضل من موسى ﵊ وليس بواجب، أما الأجرة فإنه يزوجه إحدى ابنتيه.
وليس عجيباً أن يكون مهر هذه البنت خدمة تساوي عشر سنوات أو ثماني سنوات؛ لأنها امرأة صالحة، وحينما تضطر إلى الخروج تخرج على استحياء، وحينما تريد أن تكلم الرجال للحاجة والضرورة إنما تكلمهم على استحياء، ولا تسقي حتى يصدر الرعاء، ومن هنا ندرك الفرق الشاسع بين المرأة الساقطة والمرأة الكريمة، فالمرأة الساقطة لا تساوي شيئاً في مهرها، ولذلك لا عجب حينما نسمع أن المرأة في بريطانيا التي سقطت في أوحال الرذيلة أصبحت لا تساوي جنيهاً إسترلينياً في مهرها، وأن المرأة في البلاد المحافظة يبذل في سبيل الحصول عليها الشيء الكثير، فحينما تكون هذه المرأة كريمة محافظة على دينها وأخلاقها فإنها تستحق أعظم مهر، ولا يعني ذلك أن الأمة يجب أن تغالي في المهور بمقدار تمسك المرأة بدينها، بل إن الأمة في عصرنا الحاضر بصفة خاصة مطالبة بتيسير تكاليف الزواج وتقليل المهور، وذلك لتعدد وتنوع الوسائل التي تهدف إلى إبعاد الشباب عن دينهم، وإفساد أخلاقهم، ونشر الفاحشة في أوساطهم، فهناك الإعلام المدمر، وهناك المجلات والصحف السقاطة، وهناك الرفقة المنحرفة، ومن أنجع الحلول لتخليص الشباب من ذلك هو تحصينهم بالزواج.
وكثيراً ما يشتكي العمال من أصحاب العمل الذين يهضمون حقوقهم، ولربما لا يؤدون رواتبهم وأجورهم، ولربما ينهبون عرقهم، ولربما يستغلون ضعفهم كونهم في بلاد غير بلادهم وفي غربة، ثم يؤدي ذلك إلى ظلم عريض وشر مستطير، فإن الرسول ﷺ قال: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) وليس معنى ذلك أعطاء الأجير أجره وهو في حال العرق، ولكن المقصود هو المبادرة في إعطاء الأجير أجره، وعدم ظلمه بتأخير الأجر الذي يستحقه، وقد جاء الوعيد العظيم من الله ﵎ فيمن ظلم أجيره بأخذ شيء من حقوقه، جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال فيما يرويه عن الله : (إن الله يقول: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) وذكر منهم (رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره).
إن الشريعة الإسلامية كفلت حقوق العمال كاملة غير منقوصة، بخلاف الشيوعية التي تدعي المحافظة على حقوق العمال، فالإسلام يأمر بأن يعطى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، ويأمر صاحب العمل أن لا يهضم هذا الأجير شيئاً من حقه، كما أن صاحب العمل يطالب الأجير نفسه أن يؤدي الحق الذي التزم به، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ [القصص:٢٩] أي أن موسى ﵊ التزم لرجل مدين بالوفاء بحقه كما التزم رجل مدين بأداء أجره، فسلم له زوجته التي اتفق معه على أن يكون مهرها خدمة عشر سنين.
فيجب على الأمة الإسلامية أن تحافظ على هذه العقود التي تبرمها، سيما حينما يشهدون الله عليها، ولذلك لما أبرم العقد بين رجل مدين وبين موسى ﵇ أشهد الله على هذا العقد فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٨]، فأصبح الوفاء بهذا العقد أمراً لازماً لكلا الطرفين، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].
إذاً معنى ذلك أن نظام العمل وحقوق العمال وأحكام الإجارة والاستئجار وأداء الأجور كل ذلك موجود في الشريعة الإسلامية، وليس الدين الإسلامي محصوراً في العبادات فحسب كما يظنه طائفة من الناس الذين لم يعرفوا الإسلام حق المعرفة، فقد ابتلي عصرنا الحاضر بمن يسمون بالعلمانيين قاتلهم الله أنى يؤفكون، وهم في الحقيقة لا يستحقون هذه التسمية، حيث إنهم ينسبون أنفسهم إلى العلم، وهم أجهل الناس بتعاليم الإسلام وتشريعاته، ويريد العلمانيون إقصاء الشريعة الإسلامية عن جميع مجالات الحياة المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وحصر الدين في العبادة، وشعارهم في ذلك: (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) وهذا المعنى الذي يصرح به العلمانيون ليس قائماً في الحقيقة، فهم لم يتركوا الإسلام ليكون منهج عبادة، بل هو مطارد داخل دور العبادة، وكذلك داخل مساجد المسلمين، لا يتنفس أحدهم إلا وتحصى عليه أنفاسه في كثير من الأحيان.
والإسلام جاء ليكون منهج حياة اجتماعياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً وتعبدياً، ولا يمكن أن يصلح حال المجتمع وتستقيم أوضاعه إلا بتحكيم الشريعة الإسلامية في كل صغيرة وكبيرة، وفي كافة مجالات الحياة المختلفة، فدين الإسلام منهج حياة متكامل، ولذلك تجد أن آيات القرآن الكريم حينما تتحدث عن النواحي الاجتماعية والعلاقات الزوجية فإنه يتخلل ذلك الحديث عن العبادة، فمثلاً: في سورة البقرة تحدثت بعض آياتها عن أحكام تتعلق بالزوجة مع زوجها، ثم تخلل ذلك الحث على عبادة من العبادات، قال الله تعالى: ((وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [البقرة:٢٣٧] ثم قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٣٨ - ٢٣٩]، ثم تعود الآيات مرة أخرى للحديث عن الحياة الاجتماعية والأحكام المتعلقة بين الزوجين ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠].
ونجد أن القرآن الكريم يتحدث أيضاً عن السياسة، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ويتحدث ويحذر من الحكم بغير ما أنزل الله فيقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
ويتحدث كذلك عن الأنظمة الاقتصادية فيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].
فهذا يدل دلالة واضحة على أن الإسلام كل لا يتجزأ، وأنه يجب على المسلمين أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
وبعد الانتهاء من استعراض حياة موسى ﵊ قبل النبوة نقول: إن على الأمة الإسلامية أن تأخذ من هذه القصص العظة والعبرة، وأن تتخذ منها منهج حياة؛ لأن الله إنما أوردها من أجل ذلك، وحتى لا تقع هذه الأمة فيما وقعت فيه الأمم السابقة التي تنكبت عن المنهج الصحيح الذي رسمه الله لها، ثم كانت العاقبة العذاب والنكال والخسارة والبوار، فإن في أخبار الأمم ما يكفي للعظة والعبرة ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
والقوى المادية التي تعلقت بها تلك الأمم من دون الله ما استطاعت أن تحميها قيد أنملة من عذاب الله حينما نزل، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١]، فعلينا وعلى ولاة الأمر الذين استرعاهم الله أمور المسلمين العامة والخاصة، وعلى كل فرد من أفراد هذه الأمة أن نتقي الله، فإن العاقل من اتعظ بغيره، وإن لله سنناً لا تتخلف ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسولنا وسيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 960
أصناف البشر
تعج الحياة بأصناف شتى من البشر، فمنهم من ملؤه الشر والكفر والنفاق، ومنهم من ملؤه الخير والصلاح والإيمان، وبينهما أصناف أخرى، وقد ذكر الله في كتابه أحد عشر صنفاً من هؤلاء، وهم في الأصل ينقسمون إلى قسمين: فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير، لكن لما كان هناك تفاوت في درجات الجنة، وتباين في دركات النار وجدت هذه الأصناف الكثيرة، وكل صنف له ما يميزه عن غيره، والواجب على المسلم أن يكون من أهل الخير والصلاح والإيمان.
стр. 961
حكمة تصنيف البشر
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله الذي فاوت بين عقول البشر، فترتب على هذا التفاوت في العقول تفاوت في السعي والمقاصد، وجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة في الله! اقتضت حكمة الله أن يخلق الجنة والنار، وأن يخلق لكل واحدة منهما أهلاً، يخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، كما اقتضت حكمته أن يعمر هذه الحياة بالمخلوقات، ويعطيهم من العقول والأدلة ما على مثله يؤمن البشر، كما اقتضت حكمته أن يقوم صراع عنيف منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، ابتداءً من الساعة التي أهبط الله فيها آدم من الجنة، وقال: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦]، وما زالت هذه العداوة بين إبليس وذريته وبين آدم وذريته باقية وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبناءً على هذه العداوة، وبناءً على تلك الحكمة الربانية كان الناس أصنافاً من البشر، وكان الناس معادن، وكانوا كالأرض التي يعيشون عليها: تربة تمسك الماء وتنبت الكلأ، وينفع الله بها الناس، وتربة تمسك الماء فتنفع الناس في شربهم، وتربة هي قيعان لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.
ثم أقام الله الحجة على كل البشر؛ بحيث لا تبقى حجة لأحد على الله ، ومن هنا قسم القرآن الناس إلى أحد عشر قسماً، وإن كانوا في الأصل قسمين: فريق في الجنة وفريق في السعير، لكن لما كان هناك تفاوت في درجات الخير وفي درجات الجنة، وهناك تفاوت أيضاً في مراتب الشر ودركات العذاب؛ قسم الله هؤلاء البشر -كما تدل آيات القرآن- إلى أحد عشر قسماً، وكل واحد من هذه الأقسام الأحد عشر يقول الله فيها: (وَمِنَ النَّاسِ)، (وَمِنْهُمْ)، (فَمِنْهُمْ)، وإذا جاءت: (وَمِنَ النَّاسِ)، (فَمِنَ النَّاسِ)، (وَمِنْهُمْ)، (فَمِنْهُمْ)؛ فإنما تعني أنواع البشر، بخلاف ما ورد في سورة التوبة؛ فإن كل آية وردت في سورة التوبة فيها ﴿وَمِنْهُمْ﴾ [التوبة:٤٩]-وهي في أربعة مواضع- فالمقصود بها المنافقون فقط، أما ما سواها في القرآن فإنها تعني أقسام الناس جميعاً.
وحينما نمر مروراً عابراً على هذه الأقسام الأحد عشر -ولعل بعضها يدخل في بعض- نجد العجائب في خلق الله، ونجد التفاوت في هؤلاء البشر، فمنهم من يعيش في القمة، ومنهم من يعيش في أسفل دركة من دركات هذه الحياة، ولذلك فإن المؤمن وهو يسمع أخبار القوم عليه أن يختار أفضل المراتب وأعلى المنازل، من أجل أن يكون في أعلاها يوم القيامة، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
стр. 962
الصنف الأول: المنافقون من البشر وصفاتهم
لقد تحدثت أوائل سورة البقرة عن نوع واحد فقط من هذه الأنواع الأحد عشر، وهم المنافقون؛ لأن المنافقين ذكروا في ثلاث عشرة آية في سورة البقرة، وذلك بعد أن ذكر الله صفات المؤمنين في أول السورة، ثم ذكر صفات الكافرين في آيتين، ثم ذكر بعد ذلك في ثلاث عشرة آية صفات المنافقين فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠]، ومن ثَم نريد أن نعرف معنى النفاق الذي احتوى هذا النوع الأول من هذه الأنواع.
النفاق لغة: هو إخفاء الأمر، وفي الاصطلاح الشرعي: إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
والنفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق عملي، ونفاق اعتقادي، والنفاق الاعتقادي هو الأعظم والأفظع -نعوذ بالله من شره- وهو الذي يقول الله عن أهله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]، وهؤلاء يبطنون في قلوبهم الكفر، ويظهرون الإيمان أمام الناس.
أما النفاق العملي: فهو الذي يتصف بالصفات الأربع أو بواحدة منها: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر)، إلى غير ذلك.
ومن المعلوم أن النفاق لا يوجد إلا في فترات متقطعة من فترات التاريخ، وهي فترات عِزَّ الإسلام، فإذا كان الإسلام عزيزاً في زمن ما أو في بلد من البلاد وجد النفاق؛ لأن أصحابه يهدفون من ورائه إلى حماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم من المسلمين، ولذلك فما وجد النفاق في مكة وإنما وجد في المدينة يوم أعز الله الإسلام وكانت له دولة.
ولقائل أن يقول: إذا كان هذا حقاً؛ فهل يوجد النفاق في أيامنا الحاضرة ونحن نرى أن الخير أصبح مغموراً في عالمنا اليوم، وفي حياة الناس ودنياهم؟ وهل للنفاق مكان في أيامنا الحاضرة؟ نقول: نعم، يوجد النفاق في أماكن يظهر فيها الخير، وكلما برزت بلد من بلاد الله بنوع من أنواع الخير وجد النفاق، إلا أن النفاق يأخذ مع مرور الأيام طابعاً جديداً، ويختلف ويتأقلم بحسب البيئات من حوله، وبحسب العصور والأيام.
стр. 963
خداعهم لله وللمؤمنين
إذا أردنا أن نعرف صفات هؤلاء المنافقين؛ فعلينا أن نقرأ هذه الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٨ - ٩]، وهذه أولى صفاتهم، فهم يخادعون الله، أي: يظنون أنهم يخدعون الله لكنهم لا يستطيعون ذلك، ويخادعون المؤمنين بحيث يظهرون لهم مظهر الخير والصدق، وأنهم من أنصار هذا الدين، وأنهم يريدون الخير بالمرأة -مثلاً- كما هي شعارات أنصار المرأة من أصحاب حقوق المرأة الذين يحافظون على حرية المرأة -كما يقولون- لكن في الحقيقة كل واحد من هؤلاء يريد أن تتفسخ المرأة وتنحل؛ ليصطادوها في الماء العكر، ولتصبح في متناول أيديهم، ولذلك لا تعجب أن تكون هناك جمعيات ومؤسسات ومنظمات تزعم أنها تدافع عن حقوق المرأة، فإن هذا الأمر مبطن، فإنهم يريدون فساداً في الأرض بحيث لا يقف أي حاجز من الحواجز أمام شهواتهم ورغباتهم، ولذلك فإنهم كما قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٩]، فلو قرأت كتاباً واحداً من كتبهم، أو مما كتبته صحيفة لهم أو مجلة لقلت: هذا يحكي لنا عصر عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز ﵄، أو أحد من الصالحين، لكن قلبه يغلي حقداً على الإسلام، ولكنه لا يملك شيئاً ليخرج الناس من إطار الإيمان والفضيلة والخير إلا أن يسلك هذا المسلك.
قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]، وهذه أيضاً صفة من صفاتهم، أي: أن عندهم شكاً، وزادهم الله شكاً بسبب الشك الأول؛ لأن كل معصية يفعلها الإنسان إنما هي جزاء معصية سابقة.
стр. 964
إفسادهم في الأرض بدعوى الإصلاح
أيضاً من صفاتهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]، هم يقولون: إنهم مصلحون، وهم في الحقيقة مفسدون، وحتى إذا دعوا إلى الإصلاح ونهوا عن الإفساد، قالوا: هذا هو الإصلاح، ولذلك لا تعجبوا إذا قرأتم صحف ومجلات كثير من العالم الإسلامي ثم وجدتم هؤلاء المفسدين يخرجون بثياب المصلحين، ولا تعجبوا إذا رأيتموهم يزعمون الإصلاح؛ فإن هذا هو منهجهم منذ خلق الله البشرية وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والله تعالى يحكم عليهم بأنهم مفسدون: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢].
стр. 965
استهزاؤهم وسخريتهم بالمؤمنين
ومن صفاتهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٣]، يقولون: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣]، يحتقرون عباد الله، ويرون أن الإيمان سفه، والدين تخلف، والأخذ بأهداف الدين رجعية، ولذلك يقولون: هؤلاء سفهاء، وهذا قد وجد في عهد رسول الله ﷺ ، فقد استكبر قوم كثر عن الدخول في الإسلام، وقالوا للفقراء: لو كان خيراً ما سبقونا إليه، هل يمكن لـ بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وفقراء المسلمين أن يسبقوهم؟ نقول: نعم؛ لأن الله إذا أراد الهداية لأحد من الناس جعله موضعاً للهداية، ولذلك فإنهم دائماً يسمون المسلمين سفهاء، ويضحكون ويسخرون منهم، ويسخرون من شكلهم وملابسهم ولحاهم إلخ.
وعلى هذا فإنهم دائماً يسخرون من المؤمنين ويسمونهم سفهاء، ولكن الله تعالى يقول: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣].
стр. 966
أنهم أصحاب وجهين
من صفاتهم: أنهم إذا كانوا مع المؤمنين كان لهم وجه، وإذا كانوا مع إخوانهم المنحرفين كان لهم وجه آخر؛ لأنهم يقابلون الناس بوجهين، وهم شر الناس يوم القيامة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤]، أي: من شياطين الإنس، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤]، نسخر من هؤلاء، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥].
стр. 967
تحين الفرص للإيقاع بالمسلمين
هذا النوع من أصناف البشر يتحين الفرص، فلا تكاد تحين فرصة أو تسنح مناسبة إلا ويظهر ما فيهم من بلاء، ولذلك كان المنافقون في عهد رسول الله ﷺ يصلون مع الرسول ﵊، ويصومون، وربما يجاهدون، لكنهم إذا رأوا أن الفرصة لغير المسلمين قامت تتكشف أخبارهم وتظهر مشكلتهم، ولذلك لا نستغرب ما حدث منهم يوم الأحزاب يوم ظنوا أن المسلمين قد انكشفوا، وجاء الأحزاب من كل جانب؛ فإذا بالمنافقين ينضمون إلى أعداء الإسلام من الخارج، ويضمون صوتهم إلى أصواتهم.
стр. 968
الصنف الثاني: اللاهثون وراء الدنيا
النوع الثاني من أنوع هؤلاء البشر كما قص القرآن علينا أخبارهم: هم الذين يقول الله عنهم لما ذكر أحكام الحج، وذكر الناس وتفاوتهم: قال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠]، هؤلاء القوم ليسوا بمنافقين، ولكنهم كفار غير مقنعين؛ بل هم مكشوفون، فليس لهم هدف إلا الدنيا، ولا يريدون إلا الدنيا، ويسعون كل سعيهم في سبيل الدنيا الدنيا هي همهم الوحيد؛ فمن أجلها يحبون، ومن أجلها يبغضون، ومن أجلها يوالون، ومن أجلها يعادون، وإيمانهم بالآخرة -إن كان هناك إيمان- ضعيف لا يمكن أن يقف على رجليه مع حبهم للدنيا، وحتى إذا سألوا الله تعالى لا يسألونه إلا الدنيا، فأحدهم: ﴿يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠]، أي: آتنا في الدنيا حظاً ونصيباً، وليس له حظ في الآخرة؛ لا في دعائه ولا في عمله ولا في رجائه، ولا فيما عند الله .
هؤلاء نجدهم اليوم أيضاً يكثرون بين الناس، ونجد أن أحدهم وإن كان له شيء من الهدف في الآخرة؛ لكنه يضرب بهذا الهدف عرض الحائط إذا تعارضت مصالحه المادية مع الدينية، فنجد أن هناك أقواماً ليسوا أعداءً للإسلام، ولا يحملون الحقد للإسلام كما يحمله غيرهم، ولكنهم يعتبرون هذا الدين شيئاً كمالياً، فإذا تعارضت مصالحهم المادية مع دينهم ضربوا بمصالحهم الدينية عرض الحائط، واتجهوا إلى الدنيا يصلحونها ويعمرونها، ولو أدى ذلك إلى خراب حياتهم الآخرة! هؤلاء الناس لا يريدون إلا الدنيا، والله تعالى أخبرنا بأن هؤلاء ليس لهم نصيب ولا خلاق في الآخرة، ولذلك فإن الله تعالى قد أخبرنا أنهم يأخذون نصيبهم كاملاً في الدنيا، فيعطون الصحة والعافية والمال والولد والجاه والمركز، جزاء ما يقدمونه في دنياهم من الأعمال التي لم تكن على قاعدة الإيمان والنية الخالصة الصادقة، فالله تعالى يقول عنهم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، وإذا كان منهم من يبني المساجد أو المدارس أو المستشفيات أو المراكز أو القناطر أو الترع وينفع عباد الله، لكنه على غير هدف، وعلى غير الإيمان؛ فإن الله يعجل لهم حسناتهم في الدنيا ويعطيهم الصحة والعافية والمال والولد؛ لأن الله تعالى كما يقول عن نفسه: ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠].
стр. 969
الصنف الثالث: عُمار الدنيا والآخرة
النوع الثالث من أنواع البشر: نوع جاء بعد هؤلاء مباشرة في سورة البقرة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠١ - ٢٠٢]، هذا النوع من البشر يعمرون الدنيا، لكن يضعونها في أكفهم، ويعمرون الآخرة ويضعونها في قلوبهم، ويعلمون علم اليقين أن الدنيا جسر ومعبر للحياة الآخرة، ويعلمون أن الإنسان لا يمكن أن تستقيم أموره، وأن الكون لا يمكن أن يستمر وجوده إلا بعمارة هذه الحياة الدنيا، ولذلك فإنهم يعمرون الدنيا والآخرة، لكنهم يعمرون الدنيا لهدف محدود للدنيا نفسها، ويعمرون الآخرة من أجل رضا الله ، ولذلك فإنهم إذا دعوا الله يسألونه الدنيا والآخرة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فهم يسألون الله تعالى الدنيا والآخرة، ولكنهم يعضون بأنيابهم على الحياة الآخرة فلا يقدمون عليها أي شيء, وإذا تعارضت مصالحهم المادية مع دينهم فإنهم يضربون بمصالحهم المادية عرض الحائط ليحتفظوا بدينهم؛ لأن هذا الدين هو الذي من أجله خلقوا، ومن أجله استعبدهم الله به.
هذا النوع الثالث هو الذي يجب أن يكون عليه الناس أجمعون؛ لأن الإسلام كما يكره الروحانية المنحرفة الموغلة؛ يكره أيضاً المادية المفرطة التي لا تؤمن بالأديان، ولذلك نحن نعيش الآن بين طرفي نقيض في أيامنا الحاضرة: الشيوعية الإلحادية المادية التي تنكر كل القيم والروحانيات، ولا تعترف بواحدة منها، فهذه نحن نرفضها؛ لأننا أمة خلقنا لهدف؛ ولأن الخالق هو الله ، ونؤمن بالحياة الآخرة، وبالأديان، وبالرسول، وباليوم الآخر، أما الشيوعية فلا تؤمن بشيء من ذلك، فنحن نرفض الشيوعية ونعتبرها كفراً وإلحاداً، ونشكر الله أن هدانا بفضله.
وعلى الطرف الثاني من النقيض: الصوفية الموغلة في الروحانية، والتي لا تعطي الجسم شيئاً من حقه، وإنما تعطى الروح وحدها، وهذه أيضاً نحن نرفضها، يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: بين طرفي نقيض، وهذه الوسطية سواء كانت في جغرافية الأمة الإسلامية، أو أخلاقها، أو عاداتها، أو عباداتها، أو سلوكها، تبرز دائماً.
وإذا نظرنا إلى الإسلام في أي مجال من المجالات وجدناه دائماً يتوسط بين طرفي نقيض، فمثلاً: يعيش الآن نظامان اقتصاديان في العالم: نظام يسمى: الرأسمالي، ومعنى الرأسمالي بمعناه الاصطلاحي لا اللغوي: أن نكسب المال من الحلال أو الحرام، وأن ننمي الربا، وألا يكون في أموالنا حق للسائل والمحروم، وليس هناك أي واجب في هذا المال، بل على الإنسان أن يسعى لكسب هذا المال من طرق الحرام أو الحلال، وعليه أيضاً أن يبخل بهذا المال بحيث لا ينفقه في أي وجه من وجوه الخير، هذه الرأسمالية بمفهومها الاصطلاحي، يقابلها في الطرف الآخر نظام كافر آخر يسمى: الاشتراكية، النظام الذي يريد أن يبتز أموال الأغنياء لا من أجل أن يرفع من مستوى الفقراء، ولكن من أجل مصالح وفوائد أخرى من أجل تثبيت عروش تهتز بأهلها من تحتهم، ولذلك فإن الله جعلنا أمة وسطاً؛ فلا نحن ندين بالاشتراكية التي تظلم الناس وتأخذ أموالهم، ولا بالرأسمالية التي تكسب الأموال من الحلال أو الحرام، ولا تعترف بحقوق الغير أو الفقراء هذا هو المنهج القويم.
وقوله: (وسطاً) يحتمل معنيين أيضاً: بمعنى: العدول، وبمعنى: تتوسطون بين الأمم في كل حالة من الحالات، فنحن نشكر الله على ذلك.
أما الذين يريدون أن يحولوا الإسلام إلى روحانية ورهبانية ما أنزل الله بها من سلطان؛ فإن هؤلاء رأيهم مرفوض؛ لأن هذا الدين لا يكون إلا بالروح وبالجسد، ونحن أيضاً نتوسط بين أعدائنا، فالشيوعية تذيب الفرد في سبيل الدولة، والرأسمالية تذيب الدولة في سبيل الفرد، أما نحن فالإسلام دين يعترف بالدولة ويعترف بالفرد، ويعطي كل واحد منهما حقه، ولذلك فإنه يحارب الرهبانية، ويقول الله عن النصارى الذين انتحلوا الرهبانية وما فرضها الله تعالى عليهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، ثم يقول بعد ذلك الله تعالى: ﴿إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، يعني: هم فعلوها ابتغاء رضوان الله، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]، ولذلك حرم الإسلام الرهبانية، فالإسلام ليس دين الكهنوت ولا الرهبانية، ولكنه دين يتوسط بين الروح والجسد؛ فيعطي الإنسان حريته؛ بل يفرض عليه أن يسعى للبحث عن الرزق الحلال، ثم أيضاً يأمره بأن يستقيم على دين الله في آنٍ واحد، ولذلك يقول الله على لسان أهل الخير من قوم قارون الذين وعظوه فقالوا له: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٦ - ٧٧]، فهم ما قالوا له: اتجه للآخرة فقط، ولكن قالوا: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
ولما جاء ثلاثة نفر إلى بيت من بيوت رسول الله ﷺ فسألوا عن عمله في السر فأخبروا بعمله، فقال واحد منهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد، يعني: كل الليل أجعله في عبادة، وقال الثاني: وأنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء، يريدون الرهبانية والانقطاع للعبادة، فماذا فعل الرسول ﷺ لما علم بخبرهم؟ لم يغضب غضباً كغضبه في ذلك اليوم، فقام وخطب وقال: (أيها الناس! أما بعد: فوالله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، وإني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، هذه هي الحياة التي يجب أن نسعى لها، وليس معنى ذلك أن نقسم الحياة إلى قسمين: للدنيا وللآخرة، لا؛ بل نعمر الدنيا بقدر حياتنا فيها، ونعمر الآخرة بقدر مقامنا الطويل فيها، ومن هنا فلا نقدم مصلحة من مصالح الدنيا على هدف من أهداف الآخرة، وإذا كان أمام الإنسان أمراً من الأمور المحرمة التي يكسب فيها المال؛ فإنه يتصور أنه ما خلق لهذه الدنيا، وحينئذٍ يترك هذا الحرام ويكتفي بالحلال، وهذا كله تخلقه الحياة التي يتوسط فيها بين عمارة الدنيا وعمارة الآخرة، ولذلك يقول الله تعالى عن هذا الصنف: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة:٢٠١ - ٢٠٢]، هؤلاء هم الذين يدركون نصيباً؛ بخلاف من ذكر قبلهم فإن نصيبهم يضيع؛ لأنه أراد الدنيا وأخذ نصيبه من الدنيا، فانتهى أمره وأعطاه الله كل حقوقه في الدنيا، أعطاه صحة وعافية ومالاً وولداً ومركزاً وملكاً وسلطة، أما الثاني فإنه أراد الآخرة؛ فادخر له جزاؤه إلى الحياة الآخرة.
стр. 970
الصنف الرابع: من يتخذ الدين مطية للإفساد في الأرض
عن النوع الرابع من أنواع البشر جاءت هذه الآيات لتصفهم مباشرة، يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
هذا النوع من البشر له كلام معسول يعجب الناس، وإذا تحدث يأخذ بألباب الناس، وإذا تكلم عن الإسلام بدأ يمدحه، ويصفه بأنه دين الحياة والرقي والتقدم، وإذا كان له مطلب من مطالب الدنيا اتخذ الدين مطية، وبدأ يظهر أمام الناس بمظهر الرجل الصالح المصلح، فإذا ظفر ببغيته، وحصل على مراده، وأدرك أمنيته؛ ضرب بدين الله تعالى عرض الحائط، لماذا؟ لأن الهدف قد انتهى، والمهمة قد تحققت، ولذلك فإنه: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٤]، على اختلاف بين المفسرين في معنى: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فقيل: أي: حديثه عن الدين، وقيل: حديثه عن الدنيا فقط، وعلى كل فإن الرأي الأول أولى؛ لأنه قال بعد ذلك: (تَوَلَّى) أي: أعرض وانتهت مهمتة، كما اختلف علماء التفسير في معنى: (تَوَلَّى)، فقال بعضهم: إذا ولي منصباً من مناصب المسلمين، فما دام يهدف إلى هذا المنصب؛ فإنه يعد الناس ويمنيهم وسيفعل وسيفعل، وسيعيد عصر الخلفاء الراشدين، لكنه إذا ظفر بمراده ضرب بدين الله عرض الحائط، وأصبح أكبر عدو للإسلام، أو انتهى من مهمته، وحصل على بغيته، بعدها سعى في الأرض فساداً: ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل﴾ [البقرة:٢٠٥].
هذا أخطر أنواع البشر، وهو في أخبث المنازل؛ لأنه يخدع الناس حتى يوصلوه إلى مركزه ومطلبه، ويبذلون له كل غال ونفيس في سبيل إيصاله إلى أن يتولى أمراً من أمورهم، فإذا به يضرب بهم عرض الحائط، وإذا به يتحداهم ويتحدى دينهم وأخلاقهم وفضائلهم.
وهذا النوع كثير في حياة الناس، ولو نظرنا إلى كثير من زعماء العالم الإسلامي الذين كانوا يعدون ويمنون، ويقولون: سنفعل وسنصلح، حتى إذا صعد أحدهم واعتلى على الكرسي إذا به العدو اللدود لدين الله ولأوليائه، ومن هنا امتلأت السجون بالأبرياء، وتحولت السجون إلى معتقلات في أكثر العالم الإسلامي، فالأبرياء الذين يعيشون في معتقلات الطغاة والظلمة في أيامنا الحاضرة يساوون آلاف الأضعاف بالنسبة للمجرمين الذين يعيشون في السجون العادية، لماذا؟ لأن هؤلاء إذا تولى أحدهم قلب ظهر المجن على أولياء الله، وأصبح عدواً لدين الله ، ولذلك أخبر الله أن هؤلاء يهلكون الحرث والنسل -نعوذ بالله- وذلك بأن يفرضوا من الفساد والطغيان والانحراف في الأرض ما يكون سبباً في دمار هذا العالم، ولذلك تنقطع الأمطار، وتتوقف الخيرات بأسباب هؤلاء، فيهلك الحرث -أي: الزرع- ويهلك النسل والمواشي وحتى البشر بأسباب هؤلاء.
ولو نظرنا إلى واقع العالم الإسلامي اليوم لوجدناه يعيش هذه الحياة الدامية التي لا يستطيع قلم أن يصفها أو لسان أن يتحدث عنها، فلا نسمع عبر الأثير من الأخبار إلا المجازر والقتل والدماء بمئات الآلاف، لم هذا؟ لأن كثيراً من هؤلاء السفهاء الذين تولوا مناصب العالم الإسلامي كانوا سبباً في دمار هذا العالم، ولذلك بمقدار ما يتولى السفهاء الأمور بمقدار ما تنحط الدنيا، وتنحرف وتسوء أحوال العالم الإسلامي.
أيها الإخوة! إننا حينما نسمع مثلاً عن أخبار لبنان أو العراق أو إيران أو العالم، لا نسمع إلا ما يدمي القلب، وعلى هذا نقول: إن هذه عقوبة الله أنزلها بهؤلاء القوم: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، والله تعالى يقول عن هؤلاء: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، كيف نعرف هذا النوع من البشر؟ نعرفهم بصفة ذكرها الله بعد ذلك، قف أمام واحد منهم وقل له: اتق الله، فسيقول لك: أنا أتقي الله؟! هذا ينتظره السجن والقتل والعقوبات والويلات والمصائب أولى به، لا يريد أن يقال له: اتق الله، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦]، إذاً: لا يلين قلب هذا وجسمه القاسي ورأسه الصلب إلا نار جهنم، فهي التي ستذيبه وتقضي عليه؛ ﴿فحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
اذهب إلى هؤلاء الطغاة في أكثر العالم الإسلامي وقل لأحدهم: اتق الله، وانظر ما سيفعله بك، وحينئذ تعرف الحكمة والمعجزة لهذا القرآن العظيم لما ذكر أن من صفات هؤلاء إذا قيل لأحدهم: اتق الله، غضب، وما امتلأت السجون والمعتقلات في أيامنا الحاضرة في هذا العالم الإسلامي إلا لأن المسلمين الأتقياء يأتون إلى هؤلاء ويقولون لهم: اتقوا الله، ولأن المسلمين يريدون الإصلاح في الأرض، وأولئك يريدون الإفساد فيها، فيأخذونهم أخذاً شديداً، ولكن هؤلاء ينتظرهم موعد بينهم وبين هؤلاء المؤمنين المظلومين يوم يقف الجميع بين يدي أحكم الحاكمين، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اسمعوا أخبار شمال أفريقيا والشام، وابحثوا عن السجون، لقد أصبح المسلم في تلك البلاد لا يستطيع أن يؤدي أبسط شعائر الدين، فضلاً عن أن يقول لذلك الطاغية: اتق الله، فكيف به لو قال له: اتق الله، وهو يظن أنه أتقى الناس، وهو في قلبه وقرارة نفسه يؤمن بأنه هو الخليفة المصلح، فيسمى بأمير المؤمنين، ويسمون أنفسهم بالمصلحين، وهم شر أعداء الله تعالى.
إذاً: نعرف كيف أن الله أعلمنا عن هذا النوع من البشر، ونشكر الله على ذلك، فنحن هنا نعيش في خير، ويتخطف الناس من حولنا، ونسأل الله أن يثبتنا على القول الثابت، ونسأله أن يحفظ لنا قادتنا بالإسلام، وأن يهديهم للاستقامة، وأن يجعلهم يأخذون بأسبابها.
стр. 971
الصنف الخامس: البائعون أنفسهم لله وابتغاء مرضاته
هذا النوع هو الذي بلغ الذروة في الاستقامة والصلاح، في مقابل الذين يفسدون في الأرض ويهلكون الحرث والنسل، وإذا قيل لأحدهم: اتق الله، وأمر بطاعة الله، تكبر وتغطرس، وشمخ أنفه، وعلا برأسه، بالرغم من هذا هناك قوم في ذروة الاستقامة، من هؤلاء القوم؟ هؤلاء القوم هم الذين يشرون أنفسهم -أي: يبيعونها لله بينما أولئك يبيعون أنفسهم على الشيطان، ولا يرحمون أنفسهم، ولا يرحمون الأمة التي يعيشون معها، هؤلاء يقابلهم قوم يشرون أنفسهم لله ، ولذلك يقول الله تعالى عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٠٧]، أي: يبيع نفسه، كلما جاءت (يشري) بدون التاء فمعناها البيع، وليس الشراء، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧].
نزلت هذه الآية في رجل من المؤمنين قصته عجيبة، هذا الرجل هو صهيب الرومي ﵁، فقد كان من المؤمنين الأتقياء الفقراء المظلومين في مكة، ولما أذن الله لرسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة كان صهيب الرومي ﵁ من أثرى أهل مكة، ما الذي فعله صهيب؟ أخذ أمواله ولحق برسول الله ﷺ ، فوقف له المشركون في الطريق، وقالوا: يا صهيب! أنت الرجل الدخيل فينا، أتيت من بلاد الروم رجلاً فقيراً، وإذا بك اليوم تحمل هذه الأموال الطائلة، والله لا نتركك أبداً، فقال: وماذا تريدون مني؟ قالوا: نريد كل أموالك، فقال: هذه كل أموالي خذوها، ودعوني ألحق برسول الله ﷺ ، فقالوا: الآن فاذهب، فلما وصل إلى المدينة وجدهم يتلون هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، فإذا بالمسلمين يقابلونه في الطريق ويهنئونه بهذه البيعة على الله ، والرسول ﷺ من ضمن هؤلاء، ويقول له: (ربح البيع أبا يحيى).
إن الذين يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله موجودون في كل عصر، وهم يبيعون أنفسهم وأموالهم وحتى راحتهم، ويعيشون ولو في قلق في هذه الحياة من أجل أن يظهر دين الله ، وهؤلاء هم الذين يدخلون ضمن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، ولذلك أخبر الله تعالى أن هؤلاء باعوا أنفسهم وأموالهم على الله بالجنة، كما قال في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١]، ولما نزلت هذه الآية قام عبد الله بن رواحة وقال: (يا رسول الله! ما لنا؟ قال: الجنة، فقال: يا رسول الله! ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل)، يعني: لا نريد ثمناً غير هذا.
ولذلك فإن من المؤمنين اليوم عدداً كثيراً -والحمد لله- باعوا أنفسهم على الله ، وقدموا أنفسهم ولو غضب أعداء الله ولو غضب الطغاة، وقدموا دماءهم في سبيل الله من أجل أن يظهر دين الله ولو حصل ما حصل.
ولذلك فما وقف الطغاة في الأرض مشدوهين أمام قوم أكثر من هؤلاء؛ لأن هؤلاء هم الذين لا يبالون بالموت، ولا بكل ما يخسرون من متاع الحياة الدنيا في ذات الله ، وفي سبيل مرضاة الله .
стр. 972
الصنف السادس: المجادلون في الله وشرعه
هذا النوع مذكور في سورة الحج، يقول الله عنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٣ - ٤].
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ)، أي: يخاصم في وجود الله، ونجد اليوم أقواماً يناقشون الناس: هل الله تعالى موجود أو غير موجود؟! وما كان ذلك موجوداً في تاريخ العالم إلا في فترات متقطعة؛ كعصر فرعون الذي أنكر الخالق لهدف استعباد الأمة؛ لأن الله تعالى يقول عنه وهو يكشف مؤامرته: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، أي: جحدوا بها ظلماً وعلواً.
أو في فترات كفترة الشيوعية المعاصرة -عليها لعنة الله وعلى مؤسسيها إلى يوم القيامة- الذين ينكرون الخالق ، والأديان والكتب السماوية والبعث؛ من أجل أن يستولوا على هذا العالم، ولذلك فإنا نجد أقواماً ممن يحسبون على الإسلام في أيامنا الحاضرة يجادلون في وجود الله ، ولربما يجادلون في وحدانيته، كأصحاب القبور والوثنيات الذين سلمت بلادنا -والحمد لله- منهم؛ لأن بلادنا ما زالت تعيش وتتمتع بدعوة سلفية، وستبقى بإذن الله إلى يوم القيامة، وكذلك يجادلون في أسماء الله وصفاته، ولم يكفهم أن يجادلوا في دين الله، بل تطاولوا ليجادلوا في الله بغير علم، وإن كانوا يحملون شهادات الدكتوراه وما فوق ذلك وما دون ذلك، لكنهم أجهل الناس بدين الله .
وهل من المعقول أن نجد من يحمل هذه الشهادات العملاقة وهو لا يجيد قراءة سورة الفاتحة، أو لا يعرف أقصر السور، أو لا يعرف من دين الله شيئاً؟! ولربما يحفظ من الأغاني أكثر مما يحفظه من دين الله ، ويعرف عنها أكثر مما يعرفه من دين الله، ومع ذلك نجد أن هذا يجادل في دين الله، فإذا كتب في الصحف فكأنه أكبر العلماء، فيتكلم مرة على الحجاب، ويبدي رأيه فيه، وكأن له رأياً، أو كأن الحجاب ما زال موضع الدراسة بين الناس، ثم يتكلم مرة أخرى على الحدود، ويقول: وحشية وقسوة، حتى كتب أحدهم وقال: أيتها الفتاة! طالبي رب العالمين، وخاصمي رب العالمين! كيف يضفي الليل على وجه القمر؟! والله لقد قرأناه في صحيفة في بلد إسلامي، وعوقبت هذه الصحيفة وأوقفت، ولكن صاحب هذا المقال ما رأينا له أي عقوبة، يجادلون في الله ويعتبرون الحجاب والسمت الإسلامي الذي مَنَّ الله به علينا وعلى نسائنا تخلفاً وتقوقعاً ورجعية.
يجادلون في الله بغير علم، ولو كان عندهم علم لاستطعنا أن نناقشهم، ولكن علمهم أكبر ظني أن كثيراً منهم أخذوه من بلاد الغرب مشوهاً، مخلوطاً بين الإسلام والوثنية والجاهلية، ولذلك فليس عندهم علم في دين الله، وإذا بدأ يناقش ويجادل فإنه يجادل في الله بغير علم، ومثل هذا يحار العاقل في أمره.
(وَيَتَّبِعُ كُلَّ شيطان مريد)، العجيب أنه لا يتبع شيطاناً واحداً؛ بل إذا جاء شيطان وتكلم عن الحجاب تبعه في أمر الحجاب، وإذا جاء آخر بنقد أحكام دين الله نجده يتبعه في هذا الأمر، وإذا جاء ثالث ليحبذ قوانين البشر وآراء الرجال اتبعه، فمن العجيب أنه لا يتبع شيطاناً واحداً وإنما يتبع كل شيطان مريد، نعوذ بالله منه! إذاً: فهو يميل لكل شيطان، ويعيش في قافلة الشياطين، سواء كان في ذلك شياطين الإنس وشياطين الجن؛ لأننا نعلم يقيناً أن الشياطين ينقسمون إلى قسمين: شياطين الإنس، وشياطين الجن، وكلاهما قال الله عنهم: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وشياطين الإنس أخطر على الناس من شياطين الجن؛ لأن شيطان الجن تتخلص منه بالاستعاذة بالله منه، أما هذا الشيطان فإنك لا تتخلص منه بالاستعاذة، وإنما تتخلص منه بأن تقضي على مبدأ هؤلاء، وأن تحاربهم بكل ما أوتيت من قوة.
ومع الأسف فإن هؤلاء الشياطين بدءوا الآن ينشئون من أبناء جلدتنا، كان الشياطين وأعداء الإسلام في عهد الرسول ﷺ أسماؤهم: أبو لهب وأبو جهل وأبي بن خلف، فإذا بالشياطين في أيامنا الحاضرة أسماؤهم: عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وأحمد، فكانت المصيبة أكبر، وكان البلاء أخطر وأشد، ولذلك قال الرسول ﷺ في حديث حذيفة بن اليمان: (يكون دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها.
فقال حذيفة: صفهم لنا يا رسول الله؟ فقال: هم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، (من جلدتنا)، أي: يحملون هويات إسلامية، وولدوا في بلاد الإسلام، ولا يمنع من ذلك أن يكونوا تربوا هنا أو هناك في بلاد غسلت أدمغتهم، (ويتكلمون بألسنتنا) باللغة العربية الفصحى.
فهؤلاء أخطر على الإسلام من أعداء الإسلام الذين يأتون من الخارج، ولذلك يقول أعداء الإسلام: إنكم لن تستطيعوا أن تقطعوا شجرة الإسلام إلا في غصن من أغصانها، ولعل هذا هو مقصود رسول الله ﷺ بقوله: (هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)، وهؤلاء الشياطين من البشر الذين يتبعون الشياطين من أوليائهم يوحون إليهم، فهم أعداء للإسلام، وكلما سمعوا مقالة أو حديثاً عن الإسلام اكفهرت وجوههم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، ولذلك نجدهم يحملون الحقد على الإسلام، ويأخذون من شياطين الإنس ما يغوونهم به ويقذفونه في المجتمعات الإسلامية، فانتشر السفور في بلاد المسلمين، وانتشرت الخلاعة، وانتشر الربا والزنا والفواحش والخمور على أيدي هؤلاء الشياطين الذين يتبعون كل شيطان مريد ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٤].
стр. 973
الصنف السابع: المتكبرون المتغطرسون
هذا النوع السابع من أنواع البشر مذكور أيضاً في سورة الحج بعد من سبقهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٨ - ٩]، هذا النوع من البشر يجادلون في الله أيضاً، وأيضاً ليس لديهم علم ولا إدراك، وأحدهم لا يستطيع أن يعرف كيف يضبط الصلاة، أو كيف يؤدي العبادة، ومع ذلك يجادل في الله بغير علم ولا هدى، ليس عنده علم ويقين يستطيع أن يجادل به، وليس عنده هدى من الله؛ لأنه ضال، (وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ)، ليس عنده حجة ولا كتاب يستدل به، ما هي صفة هؤلاء؟ (ثَانِيَ عِطْفِهِ)، متكبر متغطرس، هذه صفة هؤلاء: أنهم متكبرون متغطرسون متكبرون على الله، حتى إن أحداً منهم لا يريد أن يركع لله ركعة، أو يحني ظهره، أو يضع وجهه على الأرض، وهو أيضاً متكبر على خلق الله ؛ يحتقر المؤمنين، ويضحك منهم ويسخر بهم انظر إلى لحية فلان، وانظر إلى ثوب فلان القصير، وانظر حتى رأينا السخرية في دين الله قد بلغت ذروتها في أيامنا الحاضرة، ورأينا الآباء يسخرون بأبنائهم -نعوذ بالله- في بعض الأحيان، ويقول: إن ابنه هذا موسوس، وهذا فيه بلاء! يا أخي! أما تريد أن يكون لك هذا الولد لتقر عينك به في الدنيا والآخرة؟! وإذا وضعت في قبرك وانقطعت أعمالك تكون لك أعمال صالحة ترجو ثوابها عند الله يوم القيامة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، ثمرة تدر عليك مدى الحياة، ولذلك وجدنا الكثير من الآباء يضغطون على أبنائهم في أيامنا الحاضرة بدعوى الخشية أن يكونوا مثل فلان أو فلان من الموسوسين، وأخشى على هؤلاء من الردة، والله تعالى قد أخبرنا بأن هؤلاء الذين يطعنون في دين الله ليسوا كفرة فحسب بل هم أئمة الكفر، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢]، وفي قراءة: (إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون)، ولذلك رأينا هذه السخرية تحكي لنا قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٣].
هذا الجدال الذي أدى إلى الكبرياء والغطرسة؛ فأصبح يرى نفسه كالجبل، ويرى الناس تحت قدمه كالذر، وهذا من أخطر الأمور التي ابتلي بها البشر.
стр. 974
الصنف الثامن: من يعبد الله على حرف
هذا النوع من أنواع البشر -نعوذ بالله- وإن كان الإيمان وصل إلى قلوبهم لكنه ما استقر فيها، أقوام ورثوا هذا الدين من آبائهم وأجدادهم، ولم يصل هذا الدين إلى سويداء قلوبهم، بل أخذوا هذا الدين بالتقليد أو بالوراثة أو بالبيئة، لكن هذا الدين ما تمكن من القلب، وهذا الإيمان مثله سرعان ما يتلاشى ويزول إذا أصابته أية حادثة أو مصيبة، أو ابتلي بأية فتنة.
يقول الله عن هؤلاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١]، أصل الحرف في اللغة: الطرف، عندما تصعد إلى طرف الجبل فهذا يسمى حرف الجبل، ولما تصعد إلى الرمال العالية ما بين المرتفع والمنحدر يسمى هذا حرفاً، أي: كأنه على طرف، يوشك أن يسقط في أي لحظة -نعوذ بالله- فهو يعيش على طرف سكين، على أمر حاد، وسرعان ما يسقط هذا الذي يعبد الله على حرف، لماذا؟ لأنه ما فهم هذا الدين فهماً حقيقياً، إبراهيم ﵇ وهو أقوى الناس إيماناً قال الله عنه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦]، هو يبحث عن الله، وليس في الله تعالى شك، وليس إبراهيم ممن يخفى عليه ربه ، ولكنه يريد أن يعلم الناس كيف يعرفون الله حق المعرفة؛ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً فقال: هذا ربي، فلما أفل وغاب الكوكب، قال: لا أحب الآفلين، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٩]، هذا الإيمان الذي وجد نتيجة التفكير في قدرة الله ، وفي عظمة الله ، وفي ملكوت الله هو الإيمان الثابت، هو الذي لما حاجه قومه قال: ﴿أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام:٨٠]، حتى إنه لما قذف في النار التي ما كان لها نظير في الدنيا، وقال الله لها: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، ويأتيه جبريل في هذه اللحظة، ويقول: ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا.
هذا هو الإيمان الحق الذي نريد أن نبحث عنه، لا نريد أن نأخذ الإيمان بالتقليد ولا بالوراثة فقط، وإن كنا مطالبين بأن نتبع آباءنا على خير، لكن نحن مطالبون بأن ننظر في قدرة وعظمة ومخلوقات الله ، وحينئذٍ يثبت الإيمان، ويقر في مكان رصين فلا يتعثر ولا يزول، لاسيما ونحن نعيش اليوم فترة ما مر تاريخ الإنسانية بأعظم منها، وإن كنا لا نتناسى فيه الصحوة الإسلامية ونشكر الله عليها، لكننا نعيش فترة فيها من البلاء والفتنة والاضطراب والتقلب ما لم يوجد في تاريخ البشرية جمعاء.
فترة أخبرنا عنها الرسول ﷺ بأنها: (فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمنا ًويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، ثم يقول عنها: (ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، قالوا: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله وسنتي).
إذاً: هذه الفترة تمتاز بالتقلب في حياة الناس، والطريق الثابت الذي نضمن فيه -بإذن الله الثبات بحيث نموت على الإسلام وندرك حسن الخاتمة، ونستجيب لقول الله : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، الطريق الثابت هو أن نأخذ هذا الدين عن اقتناع، ومحبة ورغبة، وأن نتمسك بهذا الكتاب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف:١٧٠]، ويقول: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، أي: لا بضعف، حينئذٍ نسلم بإذن الله من التقلب والأهواء والفتن.
ولذلك أخبرنا الله تعالى عن هذا النوع من البشر بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١]، وكان لهذا نظائر في عهد رسول الله ﷺ ، فكان كثير من الأعراب يدخلون في الإسلام، فإذا أصابتهم سنة كسب وخير وأمطار، وولدت أغنامهم، وكثرت ألبانهم؛ ثبتوا على دين الله ، وإن أصابتهم ضراء بحيث أصابهم الجدب، وقَلت الأمطار، وقل النبات؛ قالوا: هذا دين لا يصلح، اخترنا هذا الدين فأصبنا بهذه النكبات؛ فتركوه، لكن نحن الآن نلاقي من الفتن ما هو أعظم من ذلك، فالسجون الآن مليئة بكثير من المؤمنين في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، إذ قالوا: ربنا الله، لكن أترى أن هؤلاء المؤمنين سيصمدون وسيقفون معتزين بدينهم أمام هذه الفتن أم سيرجعون من منتصف الطريق؟ أنا أرى أن الكثير من الناس يضعف أمام هذه الفتن، نرى كثيراً من إخواننا الوافدين من البلاد المجاورة اليوم ملتحياً، وغداً نراه غير ملتحٍ، لماذا؟ أين ذهبت؟ قال: بلدي فيها فتنة، وإذا ما ذهبت إليها فقد أعاقب على هذه اللحية، فأصبحنا لا نملك من دين الله ولا حتى مظاهر شعائر هذا الدين، وأصبحنا نخاف من أعداء الله أكثر من خوفنا من الله ! هل يستطيع أولئك الأعداء أن يقدموا الأجل أو يؤخروه؟ لا والذي نفسي بيده لا يستطيعون ذلك، هل يستطيعون أن يزيدوا في الرزق أو ينقصوه؟ لا والله، ولكنه الخوف من خلق الله ، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب).
وعلى هذا فإني أقول: إذا كنا نعيش عصر الفتنة، ونحن لا ننكر مواقف الطغاة من المؤمنين في أيامنا الحاضرة، لكننا نقول: إذا أخذنا هذا الإيمان عن اقتناع، وأخذنا هذا الكتاب الذي بأيدينا بقوة، وعاهدنا الله على العمل به؛ فلن يضيرنا ما فعلوا، ويقول قائلنا بلسان حاله أو بلسان مقاله لله : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب يجب أن نقول هذا الكلام ونخاطب به الله ، لا أن نخاطب به مخلوقاً من المخلوقين، فيكون إيماننا صلباً، ونستطيع أن نقف به أمام هذه الفتن، وأمام هذه الشدائد، أما ذلك الإيمان الذي يعبد الإنسان فيه ربه على حرف فنعوذ بالله منه، هذا الإيمان لا يمكن أن يقف على قدميه فضلاً عن أن يعيش في أيامنا الحاضرة بالذات؛ لأن أيامنا أيام فتن وتقلب وأهواء ومصالح، وأصبح كثير من الناس لا يستطيع أن يجهر حتى بأمور دينه، حتى لقد سمعنا أن أقواماً لا يستطيعون الذهاب إلى المسجد في صلاة الفجر أو في أكثر الصلوات في بعض البلاد المجاورة؛ لأن أعداء الله سيأخذونهم إذا وجدوهم يذهبون إلى المسجد، ولا أظن أن هناك فتنة مرت بالمسلمين أعظم من هذه، ولا حتى في عهد التتار والصليبيين والمغول وغيرهم من العالم المتوحش، يأخذون الناس لأنهم يؤمنون بالله ! وليس هناك حل لنا أمام هذه الفتن إلا أن نعبد الله على قاعدة صلبة، لا على حرف، وإذا عبدنا الله على قاعدة صلبة فإن الله تعالى يثبت أقدام المؤمنين على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما إذا عبد الناس ربهم على حرف فأصبحوا يأخذون من هذا الدين ما سهل، وإذا صعب عليهم الأمر تركوه؛ فلن ينالوا ذلك الثبات من الله .
стр. 975
الصنف التاسع والعاشر: من يصبر على الفتنة في الدين ومن لا يصبر
النوع التاسع والعاشر من أنواع هؤلاء البشر مذكور في سورة العنكبوت، يقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠].
هذه الآيات من أول سورة العنكبوت لها قصة عجيبة جداً: هي أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ اعتنق الإسلام، ولكن أمه كانت تقول له: يا بني! أتترك دين آبائك وأجدادك؟! والله لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بدين محمد! -نعوذ بالله- وهذه أكبر فتنة تأتيه من أقرب الناس إليه، فينظر إلى أمه ونفسها تتقعقع من الجوع والعطش، ويرى الموت ينتزعها، أيأخذ بعاطفته أم بعقله؟ إن أخذ بالعاطفة ترك دينه، وإن أخذ بالعقل نازعته عاطفته، فماذا يعمل؟ بقي فترة من الزمن يراودها علها أن تأكل وتشرب، ولكن تغلب العقل على العاطفة؛ لأن هؤلاء رباهم محمد ﷺ ، فقال: اسمعي يا أماه! والله لو كانت لك مائة نفس خرجت كل واحدة بعد الأخرى ما تركت ديني، فإن شئت كلي وإن شئت فلا تأكلي! فماذا فعلت؟ أكلت وبقيت، وأنزل الله فيه صدر سورة العنكبوت: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]، يعني أن الفتنة ليست خاصة بهذه الأمة فقط، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٣ - ٦]، ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت:٨]، ثم قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، كما أوذي هذا الرجل الصحابي الجليل في أمه ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠].
وهذه الفتنة في أيامنا الحاضرة أصلب وأقسى وأعنت، فيفتن الرجل اليوم في دينه، ويؤذى في نفسه وأهله.
стр. 976
الصنف الحادي عشر: من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله
هذا النوع مذكور في سورة لقمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦].
الحقيقة أن هذا النوع من البشر أيضاً عجيب أمره، فهو يشتري لهو الحديث بماله، ويبذل فيه ثمناً غالياً نفسياً، واختلف أهل التفسير في المراد بلهو الحديث، إلا أن أكثر ما أميل إليه هو قول عبد الله بن مسعود: (والله إنه الغناء، والله إنه الغناء، والله إنه الغناء: هو لهو الحديث)، ولعل هذا الرأي يكون وجيهاً حينما نرى كيف يشترى في أيامنا الحاضرة لهو الحديث، فنرى أن لهو الحديث يباع بأثمان باهضة، لو نظرنا مثلاً كم تبذل دول العالم الإسلامي على التلفزيون وأفلامه، وقلنا: هل ما يبذل على الأفلام وعلى الأجهزة التي تشترى في البيوت، والأشرطة التي تباع بأثمان باهضة، وأفلام الفيديو التي تفسد الأخلاق والمروءة والرجولة، وتقضي على البيوت، وما أشبه ذلك من الأغاني، هل ما ينفق على هذه أكثر، أم ما ينفق على الجهاد في سبيل الله؟! والله إن الجهاد في سبيل الله في أفغانستان لا يأخذ معشار ما ينفق في دولة واحدة على لهو الحديث، ولو نظرنا بكم تشترى الأفلام في دولة من دول العالم الإسلامي لوجدنا ما ينفق على الجهاد في أفغانستان التي تختطف فيها يومياً أرواح آلاف الشهداء، والتي هي فاصل بين دخول الشيوعية في بلاد المسلمين أو عدم دخولها، والتي يقف فيها الأفغان أمام أعتى قوة؛ لوجدنا أن ما يصرف لا يساوي معشار ما تنفقه دولة واحدة على لهو الحديث، ولذلك نفهم معنى قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦].
هل تصدقون أن هناك حفلات ساهرة فاسدة منحرفة لا يدخلها الناس إلا ببطاقة بعشرات الدولارات؟! ولقد حز في نفسي حينما رأيت سهرة ما في بلاد إسلامية على رأس عيد السنة، ولا أكتمكم أن هذا كان هنا في القصيم، وكانت قيمة التذكرة بخمسين ريالاً! وأن هناك عرضاً بموسيقى، وهذه الموسيقى من سيعرضها؟ سيعرضها نصارى يظنون أنهم يحيون عيد الميلاد، ولا أدري ماذا يوجد مع هذه الأشياء! ولولا أن الله تعالى قيض لإنكارها بعض الصالحين والمصلحين والمسئولين فوقفوا أمامها لحدثت، وأظنها نشرت سراً، وكان سيدخلها آلاف من الرجال والنساء ليستمعوا إلى هذه الحفلات الماجنة المنحرفة الضالة، ويشترون لهو الحديث بهذا المال، قلت حينها: سبحان الله! صدق الله العظيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦].
قصة أخرى: زرت إحدى القرى في منطقة جازان التي يقولون: إنها أفقر المناطق، فزرت أمير القرية، فقلت: أهذه أكبر قرية؟ قال: نعم، قلت: أريد أن تدلني على أفقر بيت في هذه القرية، فدلني على بيت فيه عجوز، وقال: هذه أفقر امرأة في جازان، وجازان معروفة بأن الحياة فيها من أبسط المناطق في المملكة التي امتن الله عليها بهذه الخيرات، فأول ما قابلني في هذا المدخل تلفزيون ملون عند الباب، فقلت: سبحان الله! صدق الله العظيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦]، قلت: ماذا تملك هذه؟ قال: لا شيء، وكل الناس يتصدقون عليها بأكلها، ولا تملك شيئاً أبداً.
أصبح الناس الآن يشترون لهو الحديث، ولهو الحديث هذا لا نخسر عليه المال فقط، بل نخسر عليه ما هو أكبر من ذلك: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، فقد ضل كثير من الناس على أيدي هذه الوسائل الحديثة المنحرفة التي جاءت بالرقص والغناء واللهو والموسيقى والمسرحيات الماجنة والمصائب، سواء كان ذلك عن طريق التلفاز أو الفيديو أو الإذاعة أو الصحف والمجلات والصور الفاتنة، ولذلك ندرك معنى قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦].
أيها الإخوان! هذه منازل ومراتب، وهؤلاء هم أنواع البشركما وزعهم الله ، فأي مرتبة تريد أن تختارها أيها الأخ المسلم وأنت تنتظر الوقوف بين يدي الله ، وأمامك القبر والحساب والجنة والنار والصراط والميزان أمامك مواقف تدع الحليم حيران، ويشيب منها الولدان، فما عليك يا أخي إلا أن تتقي الله في نفسك وبيتك وأمانتك وأهلك وذريتك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
أقول قولي هذا وأستغفر الله ولي ولكم، ولا أظن أن واحداً منكم أكثر مني ذنباً وأعظم تقصيراً، ولكني أستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 977
الأسئلة
стр. 978
الفرق بين الشيوعية والاشتراكية وبطلان القول بالاشتراكية الإسلامية
السؤال
ما الفرق بين الشيوعية والاشتراكية؟ وما رأيكم فيمن يقول: نريد تحقيق الاشتراكية الإسلامية؟
الجواب
الشيوعية والاشتراكية منبعهما واحد، ولكن الأولى أوسع من الثانية كما يقولون، فالأولى تنكر الخالق، والأديان، وتلغي الملكية الفردية، والاشتراكية جزء منها كما تزعم، والشيوعية تلغي نظام الأسرة، وتريد أن تحول الإنسان إلى حظيرة من الحيوانات، لا يعرف فيها الرجل أولاده ولا الولد أباه إلى غير ذلك، ولا تؤمن باليوم الآخر، ولا بالرسل ولا بالكتب السماوية إلى غير ذلك، ومبدؤها الأول: لا إله، والحياة مادة.
سبحان الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! أما الاشتراكية فإنها تعتبر فرعاً من هذه ووسيلة لها، فإذا أرادوا أن يلطفوا الموضوع قالوا: اشتراكية، وإلا فإن هذه من جنس تلك، والاشتراكية لا تكون إلا في الأموال، ولكنها في البلاد الشيوعية تكون في الأموال والأسر وكل شيء كما يخططون لها، إلا أن كل هذا يتنافى مع الفطرة.
وعلى كل فإن الله تعالى جمع لنا بين الشيوعية والاشتراكية التي يزعمونها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤]، فإن أكل أموال الناس بالباطل داخل في الصد عن سبيل الله تعالى، وهذا داخل في ذاك.
أما بالنسبة للاشتراكية الإسلامية؛ فالإسلام ليس فيه اشتراكية، إنما الإسلام: حكم قائم عظيم سبق كل هذه المذاهب وهذه الأفكار، وهو بريء من الاشتراكية؛ لأن الاشتراكية تأخذ أموال الناس بدون إرادتهم، أما الإسلام فإنه يدعوهم إلى الإنفاق في سبيل الله تعالى، والبذل، ويأخذ جزءاً بسيطاً من أموال الناس ليردها إلى الفقراء، كما قال الرسول ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، وعلى هذا فإنه لا اشتراكية في الإسلام، ولكن في الإسلام نظام وحكم قائم يضمن لنا سعادة الفرد والجماعة، ويغنينا عن الاشتراكية وعن كل هذه المذاهب، وهو ضمان الفقراء عن طريق الزكاة والنفقة الواجبة أو المستحبة، أو عن طريق الكفارات، وما أشبه ذلك مما وضعه الله تعالى للإحسان للفقراء.
стр. 979
حكم قول: نعتذر إلى الله ثم منكم
السؤال
ما رأي الشيخ في قول مقدم المحاضرة: نعتذر إلى الله ثم منكم، هل ذلك مشروع أو صحيح؟ وهل ذلك من الاحتياط الواجب للخوف من الشرك الأصغر؟
الجواب
هذا كلام طيب، يعني: الاعتذار من الله ، ومعناه: نخشى أن نكون عصيناه، أما الاعتذار منكم، فأظن أن هذا ليس فيه شيء أبداً إن شاء الله.
стр. 980
حكم جر الثوب وإسباله
السؤال
نرى كثيراً من الناس يجر ثوبه تحت كعبيه، وإذا ناقشته في ذلك احتج عليك بقول الرسول ﷺ لـ أبي بكر الصديق: (إنك لست ممن يجره خيلاء)، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟
الجواب
هذا الوضع له ثلاث حالات: الأول: جره خيلاء، وهذا -نعوذ بالله- فيه وعيد شديد، قال ﵊: (من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، وقال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)، وهذه أخبث المراحل أن يجره خيلاء، وأن يصل إلى الأرض ويخط في الأرض ويقصد به الخيلاء، هذا لا ينظر الله إليه، وأخاف أن عباداته مردودة عليه، حتى إذا صلى وهو يجره فأخشى على صلاته هذه ما دام أن الله تعالى لا ينظر إليه.
الثاني: لا يجره ولكنه لا يصل إلى الأرض ولا يقصد به الخيلاء، وإنما ينزل عن الكعبين، والرسول ﷺ يقول: (ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار).
الثالث: لا يريد جره، ولا جره، وإنما نزل منه بدون إرادة، مثلاً: لبس ثوباً مفاجأة فوجده طويلاً، ولا يتمكن في هذه اللحظة أن يرفعه، أو لبس مشلحاً أو ما أشبه ذلك فوجده طويلاً، أو لبس إزاراً مسترخياً، فهذا هو الذي يقصده الرسول ﷺ مع حال أبي بكر حينما قال: (إن إزاري يسترخي يا رسول الله! قال: إنك لست ممن يفعله خيلاء)، وهذا لا شيء فيه؛ لأنه ما قصد الخيلاء ولا الإسبال.
стр. 981
التحذير من مجالسة رفقاء السوء
السؤال
لي أخ له رفقاء فاسدون وصالحون، ويجلس مع هؤلاء ويرتكب المعاصي والآثام، ويجلس مع هؤلاء ويفعل الخير ويحضر المحاضرات معهم، وهم لا يعرفون عن أصدقائه الأشرار أي شيء، فماذا يجب علي أن أفعله؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.
الجواب
هذا الوضع خطير، وأخشى أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] الآية، وكونه يختار قرناء سوء وقرناء صالحين هذا تناقض وازدواجية في حياة هذا الإنسان، فنقول له: اتق الله، واحذر قرناء السوء، وعليك بالرجال الصالحين الذين تستفيد من حياتهم، وأخشى أن يفسد أولئك المنحرفون عليك أكثر مما يصلحه هؤلاء المصلحون، وعليك أن تحذرهم كما حذر رسول الله ﷺ من مقارنة أصحاب السوء؛ فإنهم كنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة.
стр. 982
حكم سماع الغناء في الخفية
السؤال
ما رأي فضيلتكم فيمن يسمع الغناء بالخفاء، ويظهر أنه لا يسمعه؟ وهل يعتبر هذا من النفاق العملي أو الاعتقادي؟
الجواب
هذا في الحقيقة ليس نفاقاً عملياً ولا اعتقادياً؛ لأن النفاق الاعتقادي: هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، والنفاق العملي: هو الذي ذكره الرسول ﷺ بقوله: (آية المنافق ثلاث)، ولكن نقول: يخشى أن يدخل في المخادعة؛ لأن استماع الأغاني محرم، خصوصاً أصوات النساء، أو التغزل بالنساء والتشبيب بهن، فنقول: أنت عاصٍ، فعليك أن تتقي الله، وأن يكون مظهرك كمخبرك كلاهما صالحاً.
стр. 983
الاعتكاف ليس من الرهبانية في شيء
السؤال
ذكرت في محاضرتك أن الإسلام لا يقبل الرهبنة، فما الرد على من يقول طعناً في الإسلام: إن الاعتكاف من الرهبنة؟
الجواب
الاعتكاف ليس من الرهبنة، لكن لو أن واحداً من الناس اعتكف مدى الحياة؛ خشينا أن يكون ذلك من باب الرهبنة، أما أن يعتكف مدة من الزمن منقطعاً للعبادة فهذه سنة، والرهبنة تكون في أمور ما فعلها الرسول ﷺ ولا أصحابه، أما الاعتكاف فإنه سنة، أشار الله إليها بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، والاعتكاف فعله رسول الله ﷺ وفعله أصحابه، فهو من العبادة، لكن لو أن واحداً من الناس أراد أن ينقطع للعبادة مدى الحياة في المسجد ولا يخرج منه، ويقول: إن هذا هو الزهد، عندها نقول: هذا هو الإحداث في الدين.
стр. 984
خطر الرأسمالية على اقتصاد المسلمين
السؤال
نرجو من فضيلتكم توضيح خطر دعوة الرأسمالية على الإسلام والمسلمين؟
الجواب
الرأسمالية لها معنيان: معنى اصطلاحي ومعنى لغوي، المعنى اللغوي معنى محمود: وهو أن يكون للإنسان رأس مال، والله تعالى أباح لنا أن نتخذ من الأموال ما يكون حلالاً، ونؤدي حقوق هذا المال، لكن الرأسمالية لها معنى اصطلاحي مخيف، وهو: أن تأخذ المال من الحلال والحرام، وليس هناك شيء اسمه ربا محرم، ولا أضعاف مضاعفة محرمة، أو حقوق واجبة، أو زكاة.
هذه هي الرأسمالية في معناها الحاضر، ومعروف أنها عدوة للإسلام، وهي التي نشرت الربا في بلاد المسلمين، وفتحت له البنوك في بلادهم، ولا تؤدي حقوق هذا المال.
هذه هي الناحية الخطيرة في الرأسمالية في معناها الاصطلاحي لا في معناها اللغوي، أما معناها اللغوي: فإن الله تعالى أباح للإنسان أن يتخذ من المال كل ما يكسبه من الحلال، لكن عليه أن يؤدي حقوقه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] الآية، ويقول العلماء: كل مال أديت زكاته فليس بكنز، ولو كان أكثر ما يكون، وكل مال منعت زكاته فهو كنز، ولو كان مالاً قليلاً.
стр. 985
حكم العمل في مواطن الفتن والتبرج
السؤال
هل يجوز للرجل أن يعمل في مكان يوجد به كثير من النساء الأجنبيات المتبرجات كالمستشفى مثلاً؟
الجواب
العمل أصله مباح، لكن البعد عن مواطن الريبة والفتنة أمر مطلوب وواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولذلك نقول: اعمل في أي مجال، لكن عليك وأنت تعمل في أي مجال من المجالات أن تنكر المنكر بقدر ما تستطيع؛ لأنك مسئول عن إنكار هذا المنكر، وكون الصالحين يخالطون الناس الذين فيهم شيء من البلاء أحسن إذا أمنوا على أنفسهم من الفتنة، وعليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويدلوا الناس إلى طريق الخير.
следующие страницы →