← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

العناج: سَيْر يُشدّ في أسفل الدّلو، وعروتها، والجمع: أعنجة، وعُنُجٌ. والفَرْغَ: مصب الماء. [وتنقت: احتارت. ورَجَفَ: اضطرب من الثّقَل، وقال ابن دريد (١) وغيره: عمود الرّكية: القائمتان اللّتان تكون عليهما المحالة] (٢). وقال المبرّد (٣) وأبو عليّ: أصل "أُهْبَانِ": وُهْبَان، فأبدلت "الواو همزة"؛ لمكان الضّمّة. [قال أبو الحجّاج: وهو اسم رجل وقد كسَّر قوله: "وُهْبَان" بالبدل مختصًا دون أن يحمله غير ذلك، وهو أنْ تكون "الهمزة" أصلًا من "الإهاب"، واتّباع الفارسيّ للمبرّد دَليلٌ على الصّواب، وكأنّهما آثرا القول بذلك عندي لكثرة تسميتهم بوهب (٤) وبموهَب وموهِب أيضًا عن الهمداني؛ رجل من أهل اليمن، ذكره مقيدًا بالكسر [و] (٥) وهيْب، وهبة الله ونحو ذلك، ولم أسمع من سُمّي "بإهاب"، فترْك الحمل عليه من الصّواب] (٦). [ويجوز أن يكون "فُعْلَان" مرتجلًا من الإهاب للعلميّة] (٧).

стр. 1087

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٠٥ - أَرَى رَجُلًا مِنْهُم أَسِيفًا كَأَنَّمَا … يَضُمُّ إِلى كَشحيه كَفًّا مُخَضَّبًا (٢) البيت (٣) للأعشى، استشهد به أبو عليّ على أنَّ "الكفّ" مؤنثة وأنَّ مجيء قوله: "مخضَّبا" بعدها، لا دلالة فيه على تذكيرها؛ لاحتمال تذكير (٤) هذه الصّفة؛ [للأوجه التي بيّنها في "الإيضاح" (٥) بعد موافاة، وكذلك فعل في "التّذكرة" وما تَأَوَّل من حمل الكفّ على معنى العضو، هو قول الأصمعيّ] (٦). وأمَّا قوله في "الإيضاح"، في أحد وجهي الحال، أوْ المجرور في قوله: "كشحيه"؛ لأَنّهما في المعنى لرجلٍ، وكذلك قال في "التّذكرة" أيضًا، ولم يمتنع لأنّها لرجل المذكور (٧) في المعنى، فإنَّما يريد؛ لأنَّ "الحال" من المضاف إليه ضعيف،

стр. 1088

وقد أجاز (١) ذلك هو وأبو الفتح أيضًا في قول الذّبياني (٢): يَا بُؤْسَ للجهْل ضَرَّارًا لأَقْوامِ فقالا (٣): "ضرَّارًا" حال من الجهل، وهي حال من المضاف إليه. قال أبو الحجّاج (٤): وإنَّما ضعفت عندي (٥)؛ لأن العامل فيها كالمتعذّر، أَلا ترى أنَّك لو قلت: "جاءني غلام هندٍ مُسْرِعةً"، لم يكن هنا في الظّاهر ما يعمل في "الحال"؛ لأنَّ "جاء" لم يعمل في المضاف إليه شيئًا، فلا ينبغي أن يعمل في سببه؛ لأنَّ العامل في "الحال" يجب أن يكون العامل (٦) في صاحبها، [ولذلك قال أبو عليّ: لأنّهما في المعنى "لرجل"، يعني أنَّ "مُخضبًا" كما يكون حالًا من ضمير "يَضُمُّ" والعامل فيها "يضم" (٧) كذلك يكون حالًا من "الهاء" في "كشحيه" أيضًا؛ لأنَّ الضّميرين لرجل. ويروى: إلى كُشْحٍ بكفيه مثقبًا

стр. 1089

ورَويته في شعر الأعشى: "منكم" على الخطاب، وكلتا الروايتين جائزة. وروى ابن الأنباري (١)، عن الفرّاء، عن يونس البصريّ: "إلى رجل منهم"، وهذا الرواية حسنة؛ لأنَّ قبل البيت] (٢): وَرُبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّه … أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُض الرَّأْسَ مُغْضَبًا قال أبو عبيدة (٣): الأسيف من الأسف؛ وهو الحزن، أَيْ؛ لأنَّه (٤) مقطوع اليد. قال: والأسوف (٥): الغضبان والمتلهّف. [والأسيفُ - في غير هذا الموضع - الذي لا نبات فيه، وحكى غير (٦) أبي عبيده: أنَّه يُقال في الغضبان: أسيف وأسوف وأسفان. والأسيف أيضًا: العبْدُ. قال المبرّد (٧): "ويكون الأسيف أيضًا: الأجير، ومثله العَسِيفُ. قال: والمشهور في "بيت الأعشى" أنَّه من التَّأسف؛ لقطع يده. وقيل: بل الأسيف هنا: الأسير الذي قد كبلت يده، فجرحَها الغُلُّ، قال: والقول الأوّل هو المجتمع عليه"] (٨).

стр. 1090

وقال ابن الأنباريّ (١): الأسيف هنا: الجَزِعُ. يُقال: أَسِفَ على كذا، أَيْ؛ جَزِع على ما (٢) فاته، ومنه قول الله تعالى (٣): ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (٤). [وفي "العين" (٥): "الأسف في حالٍ: حُزن، وفي حالٍ: غضب، فإذَا جاءك ممن فوقك (٦) أمرٌ فحزنت له ولم تطقه، فذلك حين تأسف، وأت آسِف ومُتأسِّف، وإذَا جاءك ممن (٧) دونك فأنت أَسِفٌ أَيْ (٨)؛ غضبان، ومنه: آسفني، أَيْ؛ أغضبني". قال الأصمعيّ: يريد: أنَّ الرّجل قطعت كفّه، وقد ضمها إلى كشحيه مدمية أسفًا وتلهّفًا. قال غيره: وإذا كان "مخضّبًا" من صفته فهو يريد: أنَّه مكتوف اليدين؛ لأنَّ المكتوف تقع يداه على خَصْرَيْه، وأفرَدَ "الكفَّ" وهو يريدهما معًا؛ لأنَّ ذلك مفهوم من معنى الكلام، ومن هنا عندي فُسِّر "الأسيف": بالأسير. وقد حكى المبرّد في كتاب "الرّوضة": أنَّ "الكفّ" تُذكّر وتؤنّث، واستشهد ببيت الأعشى هذا وكذلك قال غيره أيضًا: واحتجَّ للتذكير بقول الذّبياني (٩): وَلَوْ كَفِي اليَمينِ بَغَتْكَ خَوْنًا … لأَفْرَدّتُ اليَمِينَ من الشّمالِ

стр. 1091

وقد يُرَدّ هذا بأن يُقال: إنَّه ذُكر حملًا على العضو، ثمّ رجع إلى التأنيث بعدُ فقال: "بغتْكَ". وإنّما أشار الأعشى بقوله: "أرى رجلًا" إلى عمرو بن المنذر (١) بن عبدان؛ رجل من قومه، كانت راحلةً (٢) لجارٍ له من قيس بن عيْلان، وقد سُرِقت، ووُجِد بعض لحمها في دار "هَداج"، قائد الأعشى. فتألب لعمرو فصيلته وضَربَ هَدَاج بحضرة الأعشى فساءه ذلك، وأشفق لما جرى على هَدَاج؛ لمغيب فصيلته عن نصرته. ورَمى عمرًا (٣) بسوء العشرة، ولؤم الطباع، وشكاسة الأخلاق المؤدية إلى المخالقة وقلّة الانطباع، حتّى كأنَّه من شكاسته وكثرة البخل، عبد مقبوضة يده عن كلّ أملٍ] (٤). وبعد يبت (٥) "الإيضاح": وَمَا له مِنْ مجْدٍ تَلِيدٍ وَما لَه … من الرّيح فضل لَا الجَنُوب ولَا الصَبَا وهذا البيت من بيوت الكتاب (٦)، [وفيه توّسع في المعنى والإعراب، وستراه هناك، إنْ تركت وذاك، بحول الله تعالى] (٧).

стр. 1092

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا مكرّرًا: ٢٠٦ - وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَها (٢) هذا عجز بيت قد مرّ بكماله (٣)، ونسبته في باب المذكر والمؤنث، واستشهد به هنا مشبهًا به قوله: "كفًّا مخضّبًا" في أحد الأوجه، وذلك أنَّ تُذَكّر صفة "كف" حملًا على العضو، كما ذَكَّرَ عامر الخبر عن "الأرض"؛ الذي هو "أبقل" أو النّعت لها على من أضمر الخبر؛ لحمله "الأرض" على المكان والبلد، ونحو ذلك؛ لأنَّ تأنيث الكفّ غير حقيقيّ، كما أنَّ تأنيث الأرض كذلك.

стр. 1093

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٠٧ - يَا بئرَ يَا بئر بَنِي عَدِيّ … لأَنْزَحَنْ قَعْرَكِ بالدّلي حَتَّى تَعودِي أَقْطَعَ الوَلِيّ (٢) نسب هذه (٣) الأشطار أبو عمر لرجل من بني عدّي، واستشهد بها أبو عليّ على تأكيد جواز الحمل على المعنى في المؤنث غير الحقيقيّ؛ لأنَّه بعد أنْ أعاد (٤) على "البئر"، ضمير المؤنث من "تعودي" وخاطبها مخاطبة المؤنث في قوله: "قعرَك" ذكّر الصفة التي هي "أقطع"، وكان ينبغي أنْ يقول: "قطعاء الولي" لكنّه قدّر (٥) هنا تذكير "البئر" حملًا على "القليب"؛ لأنَّ "القليب" أيضًا يكون "البئر" وهو يذّكر ويؤنث، إلّا أنَّ التّذكير فيه أكثر؛ بدليل جمعهم إيَّاه في القليل (٦) على "أقلبة" وهو بناء للمذكّر (٧) في الأغلب.

стр. 1094

"فأقطع" الآن منصوب على "الحال"، وكان أصله أنْ يكون "صفة"، على تقدير "حتّى تعودي قليبًا أقطعَ الوليّ"، فحذف الموصوفَ، وأقام الصّفة مُقامه، [ولله دَرّ "سيبويه" حيث يقول (١): "وليس شيء يضطرون إليه إلّا وهم يحاولون له وجهًا، وإنْ كان هذا غير ضرورة"] (٢) وروى أبو عمر: حَتّى تَفِضّي عَرْقِي الدلى عرقى (٣): جمع عرقوة. قلبت الواو ياء، لمّا وَلِيت الطّرف، وقُلبت الضّمّة قبلها كَسْرةً؛ لتصِحّ "الياء" كما فُعِل "بأجرٍ" ونحوه. وقوله: "لأنزحَنَّ قَعْرَكِ"، أَيْ؛ لأستقيّن ماء قعركِ حتّى استنفده (٤) بصبري عليه، [واحتياج إبلي إليه] (٥). فحذف المضاف الذي هو "ماء قعرِك"، وأقام المضاف إليه مقامه؛ للدلالة عليه من فحوى الخطاب. و"أقطع". بمعنى: المقطوع، كما يُقال للمقطوع (٦) اليد: أقطعَ. والولى (٧) هنا. بمعنى: الصاحب والمُوالى، [وهو كشريك وجليس، ونحوهما؛ لأنّهما بمعنى مُشارِك ومُجالِس] (٨).

стр. 1095

و"الولي" (١) مرفوع الموضع، أَيْ؛ مقطوعًا وَليُّك، يعني: الماء. [ويُقال: نزحت البئر، أَنْزَحها وأنْزِحُها، وبئر نَزَح، إذَا اسْتُقِيَ ماؤها قاله يعقوب وغيره] (٢). وبنو (٣) عديّ في قبائل كثيرة من العرب (٤)، ومن أجلها رهط (٥) عمر بن الخطاب ﵁؛ [وهو عديّ بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (٦). وعديّ بن نوفل بن عبد مناف بن قصيّ. قال الزبير، وعمه المصعب (٧): ومن بني عديّ بن نوفل (٨): مطعم والد جبير وكان من سادات قريش، وهو الذي أجار رسول الله ﷺ حين رجع من الطّائف. وله يقول حسّان (٩): لَو أنَّ امرءًا نَالَ السَّماءَ بِكَفّهِ … لَنَالَ عَدِيٌّ بَابَها بسَلالمه

стр. 1096

وقال (١) رسول الله ﷺ : "لو كان المطعم بن عديّ حيًّا ثم كلّمني لهؤلاء النَّتنى - يعني أسرى بدر - لوهبتهم له". وكان مطعم قد مات بمكّة قبل بدرٍ، وكان عديّ هذا قد عمل سقايته التي بالمشعرين بين الصّفا والمروة فمنعه عبد المطلب أن يحفِرَها ثم أَذِنَ له، بعد تنازع كثير. وفي ذلك يقول عديّ (٢): مَتَى أدعُ عَوامًا ويأت ابن أمِّه … حِزَامٌ فمولى نوفل غيرُ مُفْرَدِ تَطُف أسد نَحْوِي بِحَدِّ رِمَاحِها … وَيَأْتُوك أفواجًا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدِ قالا وفي هذه البئر يقول مطرود (٣) الخزاعي يمدح عَديًّا: فَمَا النّيْلُ يَأْتِي بِالسَّفين يَكُبُّه … بأجودَ سَيْبًا مِنْ عَدِيِّ بنِ نَوْفَلِ وَأَنْبَطَّت بَيْن المَشْعَرَيْنِ سِقايةً … لِحُجَاجِ بَيْتِ الله أَفْضَل مَنْهَلِ قال (٤) مصعب: "أخبرني القَدَّاحُ (٥) الفقيه أنَّه أدرك سقاية عَديّ هذه يُسْقَى عليها اللّبن والعَسلُ" فلَعلَ هذه البئر هي المرادة في أبيات الراجز العَدَويّ] (٦).

стр. 1097

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٠٨ - فَبَاتَتْ رِكَابٌ بَأَكْوَارِهَا … لَدَيْنَا وَخَيْلٌ بِأَلْبَادِها لِقَوْمٍ فَكَانُوا هُمُ المُنْفِدين … شَرَابَهُم قَبْلَ إنْفَادِها (٢) هما (٣) للأعشى، استشهد بهما أبو عليّ على ما تقدّم من جواز الحمل على المعنى في الجنس غير الحقيقي، إلّا أنَّ الأمر هنا بالعكس؛ لأنَّه أنّث "المذكر" فَرَدّ الأعلى على الأدنى، ولكنّه مع ذلك جائز؛ إذْ لا تذكير ولا تأنيث هنا حقيقة، فيلزم مراعاة لفظه لمعناه، ولهذا قال أبو عليّ ﵀: "وهذا النّحو كثير" (٤). "الرّكابُ": الإبل، لا واحد لها من لفظها، استغنوا عنها "براحلة". والأكوار: الرِّحال، واحدها: "كَوُر". [ويُقال في الجمع: أكْوِرَة، وكِيران، وكؤور، و"فُعُول" نادر في ذوات الواو. و"لقوم" في موضع رفع على النعت للخيل، والتّقدير: وخيل كائنة لقوم] (٥).

стр. 1098

ويجوز أن يكون موضعه نصبًا على الحال من الهاء (١) في "ألبادها"، لأنَّ موضعها رفع على النَّعت "لخيل"، فهي متعلقة بالعامل فيهما المحذوف الذي قامت مقامه، واحتملت الضمير احتماله، والتقدير: وخيل مهيئة بألبادها كائنة لقوم (٢)، ونحو ذلك من التّقدير، والمراد: لقوم غيرنا، فحذف الصّفة؛ لدلالة قوله: "لدينا" على ذلك؛ لأنَّ هذا اللّفظ يقتضي كون "الرِّكاب" لهم؛ لكونها عندهم [في موضع التهمُّم بها] (٣) وجعلها مُعَدّة بألّاتها (٤) لرحيلهم؛ إذ ليس ذلك موضع اطمئنانهم (٥) وحلولهم. [وقوله: "قبل إنفادها" قيل: إنَّه أراد قبل أنْ تُنْفِد الخمر عقولهم بالسكر. وقيل: دراهمهم لأنَّهم (٦) مياسيرُ. قال أبو الحجّاج: وهذا التَّأويل أشبهُ لقوله بعدهما في رواية أبي عبيدة (٧): فَبِتْنَا تُنَعِّمنا نَشْوةً … تَجُورُ بِنا بَعد إقْصَادِها وهذا يقتضى إنفاد العقول، [بعد ذلك الوقت الأوّل] (٨).

стр. 1099

وحكى أبو عليّ، عن معمر (١): أنَّ الأعشى "أراد قبل أن تُنْفدهم بالسكر، فتذهب عقولهم، وأنّث "الشّراب"؛ لأنَّه أراد الخمر". قال أبو عليّ (٢): "فعلى" (٣) هذا يكون قد أضاف المصدر إلى الفاعل، وحذف المفعول؛ للدّلالة عليه، وتقديره: "إيّاهم". قال أبو الحجّاج: ويجوز عندي أنْ تعود "الهاء" على الرّكاب والخيل؛ إشارة إلى دفع كثير (٤) منها في الشّراب، ألا تراه يقول في هذه القصّة بعينها للخمّار (٥): فَقُلْنا لَهُ هَذِه هَاتها … بِأَدْماء في حَبْلِ مِقتادِها هكذا (٦) الرواية في شعره "فقلنا"؛ لأنّه قال بعد: فقال تَزيدُونَني تسْعَةً … وَلَيْستُ بِعَدْلٍ لأَنْدَادِها فتكون "الهاء" (٧) على هذا التَّأويل في موضع نصب، [والفاعل محذوف من اللّفظ معتقد في المعنى؛ لأنَّ المصدر لا يضمر فيه عند أهل البصرة،

стр. 1100

كما يضمر في الفعل وما نزل منزلته] (١). والتّقدير: قبل أنْ ينفد الشّراب إيّاها (٢)، أَيْ؛ الرّكاب والخيل، ولا شاهد فيه على هذا التّأيل (٣). وأنشد أبو عليّ (٤) أيضًا: ٢٠٩ - سَقَى العَلم الفَرْد الذي بجُنُوبهِ … غَزَالانِ مكْحُولانِ مُخْتَضَبانِ (٥) البيت [لأعرابي، وله خبر أذكره بعد إنْ شاء الله] (٦)، واستشهد به أبو عليّ على تقويه ما ذهب إليه، من جواز جعله (٧) "مخصبًا" في بيت الأعشى المتقدّم (٨) الذي هو سبب جلب هذه الأبيات الواقعة بعده نعتًا (٩)

стр. 1101

"لرجلٍ"، وأنَّه لا يمتنع أن تجرى الصفة (١) الخاصّة على العامّة، ألا تراها (٢) كيف جَرَت هنا في قوله: "مكحولان مختضبان" على "الغزالين" عامّة (٣). وهذا النّحو كثير، لا ينكره إلّا من هو من هذا العم فقير. و"سقى" هنا (٤) فعلٌ أسْقِط فاعله من اللّفظ؛ للعلم به، والاستغناء عن ذكره؛ إذْ لا مدعوّ للسّقي ونحوه من الأفعال التي لا يمكن للخلق إيقاعها إلّا الله تعالى (٥)، وقد يمكن أنْ يكون قبل هذا البيت بيت سمَّي فيه الفاعل، ثم أضمر هنا (٦). والعلم: الجبل. والفرد: المنفرد. وجنوبه (٧): نواحيه. ويروى: "بظلاله" (٨)، والخبر يقتضي أنّه (٩) إنّما أراد غزالًا واحدًا بهذه الكناية، فثنّى على جهة الإلباس، أو لأنَّه (١٠) لا يألف إلّا جنسه فرارًا من النّاس، [ونحو من هذا قول عبد بني (١١) الحسحاس:

стр. 1102

وأقْبَلن منْ أَعْلَى الخِيَامِ يَعْدنَنِي … ألا إنَّما بَعْضُ العَوائِد دائيًا] (١) ويروى: "مؤتلفان ويرتعيان" (٢) وعلى هاتين الروايتين لا شاهد فيه (٣) لأبي عليّ. [والوجه في قوله: "غزالان" أنْ يرتفع هنا "بالظرف". ولأبي الفتح الصقليّ في شرح هذا البيت انتحال أظهر فيه عَوَره؛ إذْ ادّعى كلام أبي عليّ فيه، وزعَم أنّه ما ذَكره، ثم أتبع ذلك من هذره، ما دلّ على ضعف نظره، ولو عرف قدر جهله، لاعترف بالفضل لأهله. قال أبو الفتح: مرّ إسحاق بن سليمان بن علي العبّاسي (٤) بأعرابي ينشد: سَقى العلم الفرْد الذى في ظِلَاله … غَزَالَانِ مكحولانِ مؤتلفانِ وروى الخرائطيّ (٥): "يرتعيان". إذَا أَمِنا التفَّا بِجِيدَي تواصلٍ … وَطَرْفا هما للرّيْبِ مُسْتَرِقَانِ أَرَعتْهُما خَتْلًا فَلَمْ أَسْتَطعْهما … وَرمَيَا ففاتاني وَقَدْ رَمَيَانِي ويروى: "وقد قتلان".

стр. 1103

فعدل إليه، وسأله عن خبره، فأخبره أنَّه يهوى بنت عم له، وأنَّ أبَاها طلب منه في مهرها، حين خطبها إليه، مائة ناقة، فوعده بدفعها إليه، وقال له: أذهب معي إلى عمّك، فسار معه إليه، حتّى وردا عليه، فزوّجه إيَّاها، وحمل عنه الصَّداق، ونحر عنه ثلاثين جزورًا، ووهب له عشرة آلاف درهم، ووهب للجارية مثلها، وأقام عندهم ثلاثًا، وانصرف. ثم ذكر هذه الحكاية أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأنّه مرّ بالفتى الأعرابي وهو يُنْشِد الأبيات المذكورة، فسأله (١) عن أمره فأخبره، فلمّا وصل إسحاق الموصليّ إلى الواثق (٢)، أخبره بالقصّة، فبلغ من فضل الواثق أن تهمم بأمره، ووجه من حينه إلى عامل هذا الموضع الذي عينه له إسحاق بالحجاز، فأمره بالبحث عن الفتى، وتزويجه من الجارية التي ذكر، بكلّ ما يطلب أبوها من المهر، وأن يُنْفِذَ ذلك عنه ويصله، ففعل العامل جميع ذلك عَجِلًا، وكتب إلى أمير المؤمنين يعلّمه بتمام الأمر، وإعراسه بأهله، وكان الواثق قد انطوى على الأمر، ولم يعرف الموصلي بمذهبه في ذلك حتّى كمله، فسأله بعد ورود كتاب العامل، فأظهر إسحاق الاشفاق له، فأخبره الواثق بما صنع في أمره، فدعا له، وقبّل يَديه، وبالغ في شكره] (٣).

стр. 1104

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢١٠ - عَلَيْها منْ قَوَادِم مَضْرَحِيِّ … ذَكِيّ السّنِّ مُحْتَنك ضَلِيعِ (٢) البيت يُروى (٣) لعنترة، ولم يَرْوه مشْهُورُ الرُّواة، استشهد به أبو عليّ على جعله سَنًا (٤) "للمضرحيّ"؛ وهو الصقر الطويل الجناحين، والنسر أيضًا (٥). والمضرحيّ أيضًا: الأبيض من كلّ شيْء وإنّما استعار له ذلك؛ إشارة إلى كبره، ولذلك (٦) وصفه بذكاء السّن؛ لأنّه يريد التمام والقوّة، ولذلك أيضًا وصفه "بمحتنكٍ" على من رواه (٧) بالنّون. وقال الطُوسي: في "شرح شعر رؤبة": يريد تام الأسنان (٨). وقال أبو عبيدة (٩): الاحتناك:

стр. 1105

أخذ جميع الشيء، واستقصاؤه. [وقال صاحب "العين" (١): "المحتنك": الرّجل الذي قد تمّ سِنّه وعقله، وحنكته التجارب، قال العجّاج (٢): محتنك ضخم شؤون الرَّأس ورجل مُحَنَّك: قد عضته الأمور، وحنكته السّن، وهو من أهل الحُنَكِ والحنك: أَيْ؛ السّن والتجربة. وعن غيره (٣)، من أهل الحُنكة: أَيْ؛ البصر بالأمور. وقيل: معنى حنّكته السّن: نبتت أسنانه التي تُسمَّى أسنان العقل. قال أبو الحجّاج: وفي "العين" (٤): "الحَنَكةُ والحِنَاك: القَدَّة التي تضمّ القراضيف من القتب"، وكذلك قال أبو عبيد (٥) وكَراع. وقال أبو بكر الزبيديّ (٦): الرواية: "حَبْكَة وحبَاك" بالباء، فيما أخبرني أبو عليّ] (٧).

стр. 1106

ومن روى "مُحتبكٍ" بالباء فمعناه: محكم موثق مجتمع (١) القوّة. يقال: احتبكت إزَارِي: أَيْ؛ شددته وأحكمت شدّه (٢). [والاحتباك: الاحتزام، مثل الاحتباء والحُبْكَةُ: الحبل] (٣). والضّليع: التَّام الأضلاع المجفر (٤) القوي، يُقال: فرس ضليع: أَيْ؛ غليظ الألواح مجفرها. ويروى (٥): "محتبك الضلوع" ولا يكون "محتبك" على هذا إلّا بالباء والإضافة. [وقبله (٦): وآخَرَ منهمُ أَجْرَرْتُ رُمْحِي … وَفي البَجْلِيِّ مِعْبَلَةٌ وَقِيعُ المعْبَلَةُ: السّهم العريض النصل الطويل. والوقيع: الضرب (٧) بالميقعة؛ وهي المطرقة. وبَجْلَة - بإسكان الجيم -: حيّ من سليم نُسبوا إلى أمّهم بجْلة بنت هُناءة بن مالك بن فهم] (٨).

стр. 1107

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢١١ - وَقِدْرٍ كَكَفِّ القِرْدِ لَا مُسْتَعِيرُها … يُعَارُ وَلَا مَنْ يَأْيِها يَتَدَسَّمِ (٢) البيت لتميم بن أبي (٣) بن مقبل العجلاني، كذا نسب في "الكتاب"، وفي "الموعب"، [ونسبه أبو عمر في "الفرخ" لرجلٍ من بني منقرٍ، ولعلّه لهذا، فإنّي لم أجده في "شعر تميم"، واستشهد به أبو عليّ، على أن "القِدْرَ" مؤنّثة. بدليل الضّمير المؤنث العائد عليها، وقال صاحب العين (٤): "القِدْر تؤنّثها العرب، وتصغِّرها بلا هاء" وقد حكى الفرّاء (٥) فيها التذكير والتأنيث. وقال ابن الأنباري (٦): "بعض قيسٍ يُذَكّر القِدْر". وقوله: "ككفّ القرد" إشارة إلى صغر القَدر؛ وهي مع ذلك لا تُعَار، ولا ينتفع بها الضّيف ولا الجار، ولا طمع في ودكها لآتيها؛

стр. 1108

لعدمه فيها، أوْ لبخل أهليها. وذكر أبو طالب (١) في كتاب "الفاخر" أنّ رجلًا مرّ بالأحنف بن قيس، وهو يعالج قدرًا له يطبخها، فأنشد هذا البيت، فقيل ذلك للأحنف فقال ﵀: لو شاء لقال أحسن من ذلك] (٢) وفي ضدّ صِغَر القدر يقول أبو النّجم العجلي: ضخم القدور واسع السرادق … عف الثياب طيب الخلائق "ويتدسم": مجزوم؛ لأنّه جواب الشّرط، وكسر للقافية. [قال أبو عليّ في "تذكرته": النّفي محمول على المعنى كأنه قال: لا يتدسم مَنْ يأتها، فلو لم يحمل على المعنى، لم يصح، لأنَّ الشَّرط لا يدخل عليه النّفي (٣)؛ لأنّ الشّرط ليس بخبر فيلحقه النفي، وكذلك الجزاء لا يلحقه نفي أيضًا، لأنَّ الجزاء متعلّق بالشّرط، ومعمول له، مع إن الشّرطيّة، فلا يصحّ أن يقع النفي على الشّرط، ولا على الجزاء، فلا بدّ لأجل ذلك أن تحمله على المعنى] (٤).

стр. 1109

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢١٢ - سُرُح اليدين إِذَا تَرَفَّعَتِ الضّحى … هَدَج الثّفال بِحمْلِه المتَثَاقِل (٢) وهذا البيت أيضًا (٣) لابن مقبل، استشهد به أبو عليّ على أنَّ "الضُّحى" مؤنّثة؛ بدليل لحاق علامة التّأنيث لفعلها، قال: "وتصغيرها بِلَا هاء". قال (٤) أبو حاتم وغيره: "تركوا "الهاء" في التَّصغير؛ للفرق بين تصغير (٥) "ضُحى وضحوة". [قال أبو الحجّاج: وإنّما فعلوا هذا في هذا النّحو؛ لأنَّهم لا يستغنون عن العبارة عن هذه الأوقات. وقوله] (٦): "سُرُح اليدين": أَيْ؛ سريعة الوضع لهما، والرّفع؛ لخفّتها (٧) ونشاطها، يقال: ناقة سُرُح: أَيْ؛ سريعة المشي، أَوْ العدو، وكذلك. السُّرُوح (٨)، ويحتمل عندي

стр. 1110

أنْ يريد: سهولة (١) مشيها؛ [لأنَّ أصل السّرْح: السّهل الخفيف، ومنه قيل للمشط: مِسْرَح حكى ذلك ابن دريد] (٢). وقال أعرابي (٣) لبعض الأمراء: "والله إنّ عطاءك لسريح، [وإنّ منْعَك لمريح" ويُؤكّد أيضًا ما ذهبت إليه أنَّه قد رُوي (٤): "سُرُح: العَنِيق" يريد: العَنَق في السّير، وكذا ثبت في "ديوان (٥) شعره". وقيل في السّرُح: السّهلة السّريعة] (٦). وقال (٧) أبو حاتم: "الضّحى من طلوع الشّمس إلى أنْ يرتفع النّهار، وتبيض الشّمس جدًا، وهي مؤنّثة، وتصغيرها بغير "هاء"، ثُمّ بعد ذلك الضَّحَاء إلى قريب من نصف النّهار، وهو مذكر". [وفي كتاب "العين" (٨) نحو هذا، وأنشد: عَلَيْهِ مِنْ نَسْجِ الضُّحَى شُفُوفُ

стр. 1111

شبّه السَّرَاب (١) بالسُّتُور البيض. وقال يعقوب (٢) "إذا طلعت الشّمس فأنت مُضْحٍ حتّى تزول، فإذا زالت فأنت مُهْجِرٌ". وقال صاحب "العين" (٣): وقد تُسمّى الشّمس الضحاء] (٤). والهَدَجُ؛ والهَدَجان: المشي (٥) الضعيف. وقيل: العَدْو في سرعةٍ، وتقارب خَطْوٍ، [قال: وَهَدَجَانًا لَمْ يَكُنْ مِنْ مِشْيَتِي … كَهَدَجَانِ الهيق خَلْفَ الهَيْقَتِ] (٦) والثِّقال: البعير الثقيلُ البطيء [والمتثاقل: المتباطئ، وهو من صفة "الثّفال" وذلك أنَّ الآل يكون بالضّحى، فترى الأكام ترتفع وتنخفض، ولذلك قال ابن (٧) مقبل أيضًا: تَرَى البِيْدَ تَهْدِجُ مِن حَرِّهِ … كَان على كُلٍّ حَزْمِ بِغَالَا يقول: كأنّها تضطرب في السَّراب على كلّ شرفٍ. شبّه اضطراب

стр. 1112

العلم في "الآل" بِهَدَجِ بعير ثفال عليه حمله. كما قال العجّاج (١): كَأَنَّ رَعْنَ الآلِ مِنْهُ فِي الآلْ … بَيْنَ الضُّحَى وَبَيْنَ قِيْلِ القَيَّالْ إِذَا بَدا دَهَانِجٌ ذو أَعْدَالْ الدّهانج والدهامج: البعير إذا قارب الخطو وأسرع، وقد دَهْمَجَ دَهْمَجَةً، وَدَهْنَجَ (٢) دهنجة. وانتصب "هَدَجَ الثَّفَال" على المصدر المشبّه به. ويجوز أن ينتصب على الحال، لوقوعه موقع الفعل الذي كان يكون حالًا لو ظهر؛ لأنَّ المعنى إذا علت الضُّحَى تَهَدَّجَ هَدَجَ الثَّفَال، أَيْ؛ هادجة هذه الفلاة في وقت ارتفاع النّهار هَدَجَ الثَّفَالِ. و"سُرُحِ اليدين" بالخفض؛ لأنَّها صفة لجِسْرة في قوله قبلُ] (٣): وَلَقَدْ تَعَسَّفْتُ الفَلَاةَ بِجسْرَةٍ … قلِقٍ حَشُوش جَنِينُها أَوْ حَائِل أُجُدٍ كَأَنَّ صَرَيفَ أَخْطَبَ ضَالَةٍ … بَيْن السَّدِيسِ وَبَيْنَ غَرْبِ البَازِلِ

стр. 1113

قال الأصمعيّ: يعني أنه مات (١) ولدها في بطنها، فصار مثل الحشيش، [وكذا رواه: "قلق حشيش"] (٢). وقال أبو عمرو (٣): رُبّما يبس الولد في بطنها، فيقال: قد أحَشتْ النّاقة (٤). [وكذا قال ابن الأعرابي: حشوشته: يُبْسُه. وَحَشَّ هو يَحشُّ حُشُوشًا: إذا يَبِسَ في البطن، وقد أحشّته هي، وقد يكون ذلك في النِّساء] (٥). والأجُدُ: الموثقة الخلق. والصَريف: الصّوت (٦). والأخطب: الصُّرَدُ. والضَّال: السدر البَّريّ ينبت في الجبل. فإذا كان على الماء، أو في السهل فهو: عَبْري. والسَّديسُ: نابها. والغرب (٧): الحدّ، يريد (٨): أنَّها سديس من جانب، وبازل من جانب.

стр. 1114

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢١٣ - وَحَرْبٍ عَوَانٍ بِهَا نَاخِسٌ … مَرَيْتُ بِرُمْحِي فَدَرَّتْ عَسَاسًا (٢) هذا البيت (٣) للنابغة الجعديّ، استشهد به أبو عليّ على تأنيث "الحرب" لما عاد عليها من التّأنيث بعد، وهي (٤) ممّا لم تلحقه "الهاء" في التصغير؛ مراعاة للأصل فيها الذي هو المصدر، وهي العِلّة في نظائرها، أعني الأسماء التي ذكرها أبو عليّ معها (٥). والعَوَان: النَّصَفُ. وقيل هي (٦): الثَّيْبُ، [وبه قال الكسائي. وقال أبو زيد: "هي التي نتجت بعد بَكرِها"] (٧). ويروى (٨): "ضروس" مكان "عَوَان". والضَّرُوس: العَضُوض من شراستها. والنَّاخِسُ: الجَرب عند الذَنبِ (٩)،

стр. 1115

وسمّي ناخسًا؛ لتعَدّيه، وانتشاره فيما يليه [وقال أبو عبيدة (١): "النَّاخس: الدائرة التي تكون على جاعرتي الفرس". [قال صاحب "العين" (٢): "والدّابة منخوس والعرب تتطيّر منه، كما تتطيّر من المَهْقُوع" (٣). قال أبو الحجّاج: وهو المراد هنا، أَيْ؛ حَرْبَ مكروهة لما عُلِم من شؤمها. والنّاخس: الدّاء الذي لا يبرأ منه، وكذلك النجيس (٤)، قاله يعقوب، وغيره. وقال الحربي (٥): ومثله الفُضَال أيضًا، والعُكَام. والأصل في المَرْي: أنْ يمسح ضرع النَّاقة؛ لتُدِرّ، فضربه مثلًا لسعر الحرب كقول لَيْلَى (٦): بِأَيْدِي رِجَالٍ يَحْلِبُون صَرَاهَا] (٧) أَيْ؛ ما اجتمع من اللبن، ضربته (٨) مثلًا للدّم. قال أبو عمرو (٩): وقوله: "ودَرَّتْ عَسَاسًا": أَيْ؛ كَرْهًا. والعَسُوسُ من الإبل: هي (١٠) التي

стр. 1116

لا تُدِرّ إلّا عن مشقّةٍ. وقال غيره، يُقال: "بئس مطلب الدَّر العَسُوس" والعَسُوسُ أيضًا: السيئة الخلق، العَضُوض، ضَربَها (١) مثلًا. [كذا فُسِّر في "شعر الجَعْدِي"، وإذا دَرَّت عن كُره، كان أشدّ على طُلَّابها، وأجدر ألّا يطمع كلّ أحدٍ في حلابها، وكذلك العصُوب التي لا تدرّ حتى تُعْصَبَ فخذاها، ولذلك ضرب بها معنى المثل للحرب أيضًا في قوله (٢): تُدِرُّ الحربَ ما دَرَّتْ عَصُوبًا … وَنَحْلِبُها وَنُمْرِيها عِلالَا وقال عامر بن الطّفيل (٣) يتوعد النَّابغة: نَشُدُّ عِصَابَ الحَرْب حَتَّى نُدِرُّها … إذَا مَا نُفوس القوم طالبت الثُّغْر وأَبْيَنُ ما في هذا المعنى قول حسّان بن ثابت (٤): وَنَحْنُ إذَا مَا الحَرْبُ حُلَّ صِرَارُها … وَحَلَّتْ عَلَى الحُلَّابِ بالموتِ والدَّمِ نكونُ زِمَامَ القَائِدينَ إلى الوغى … إذَا الفَشِلُ الرَّعْدِيدُ لَمْ يتقدَّمِ فشبَّه الحرب بالنَّاقة إذا حُلّ صرارها؛ وهي خرقة تُشَدّ على أطبائها؛ لئلا يرضعها الفصيل، وَدَرّت على أيدي الحلّاب. وقال زياد الأعجم (٥)،

стр. 1117

يرثي المغيرة بن المهلَّب (١)، ومات بمرو وأنشده أبو عليّ في "الذّيل" (٢): إِنَّ المَهَالِبَ لَنْ يَزَالَ لَها فَتًى … يَمْرِي قَوَادِمَ كُلِّ حَرْبٍ لَاقِحِ وقال أبو حنيفة: "العَسُوس: النّاقة التي عادتها أنْ ترعى وحدها". قال أبو زيد (٣): "وتبركُ وحدها؛ لسوء خلقها" قال أبو حنيفة وغيره: وكذلك العُسُوس أيضًا. قال أبو الحجّاج: وإنّما أطَلْتُ في تبيين العَسُوس؛ ليتبيّن من تفسير العلماء، ومذاهب فحول الشّعراء، أنَّ "العَسَاسَ" في بيت الجَعْدِي، مصدر في موضع الحال، من الضّمير الذي في "دَرَّت" أَيْ؛ فَدَرَّت هذه الحرب التي هي كالعَسوسُ عَسَاسًا، أَيْ؛ كَرُهًا وكذا فَسَّره أبو عمرو أيضًا لأنَّه (٤) قال: "التي لا تُدِرّ إلّا عساسًا، أَيْ؛ كُرهًا" وكذا قال ابن الأنباريّ: يُقال: ناقة عَسُوس، وبها عَسَسٌ، وأهل نجدٍ يقولون: بها عِسَاسٌ، وكذلك تقتضى الأبيات التي أنشدتها نحو هذا المعنى، وهو كثير. وذهب عن أبي الفتح الصقليّ هذا المعنى، وذهب إلى أنَّ "عَسَاسًا": جمع عُسٍّ؛ الذي هو القَدَح الضّخم، ويجمعُ أيضًا على عَسَسَةٍ، ويجوز أنْ يُجْمَع على أَعْسَاسٍ، كما جُمع عُشٌّ على أَعْشَاشٍ. ولا يبعد قول الصّقليّ عندي مع ذلك؛ إذا حُمِل على حذف مضاف، تقديره: فَدّرت مِلءَ

стр. 1118

عِسَاسٍ، أَيْ؛ دمًا كثيرًا فيتقارب المعنيان على هذا التَّأويل] (١). وقبله (٢): شَهِدْتُهم لَا أُرَجّي الحَيا … ةَ حَتَّى يُسَاقُوا بِسُمٍّ كِيَاسَا أَمَامَ لِوَاءٍ كظِلِّ العُقا … بِ مَنْ يَأْتِه يَلْقَ طَعْنًا خِلَاسَا [وأنشد أبو عليّ (٣) أيضًا: ٢١٤ - ومُكْنُ الضِّبَابِ طَعَامُ العُرَيب … وَلَا تَشْتَهِيه نُفُوسُ العَجَمْ (٤) البيت لأبي الهندي؛ عبد المؤمن بن عبد القدوس الرياحي،

стр. 1119

من قطعةٍ (١) هزلية، أنشدها ابن قتيبة في كتاب "عيون الأخبار" (٢)، وهو من المحدثين. واستشهد به أبو عليّ على ترك إلحاق الهاء في العريب، وإنْ كان المكبر مونّثًا؛ لأنَّ "العرب" في الأصل مصدر، والمصدر مذكر. والمَكْنُ: بيض الضبّة والجرادة، ونحوهما. وقبله (٣): فَأَمَّا البَهَطُّ وَحِيتَانُكُم … فَمَا زِلْتُ مِنْهَا كَثِيرَ السَّقَمْ وَقَدْ نِلْتُ مِنْهَا كَما نِلْتُم … فَلَمْ أرَ فِيهَا كَضَبِّ هَرَمْ وَمَا فِي البُيوضِ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ … وَبَيْضُ الجَرَادِ شِفَاء القَرَمْ البهط: الأرز بالسّمن] (٤).

стр. 1120

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢١٥ - مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَمًا … المَوْتُ كَأْسٌ وَالمَرْءُ ذائِقُها (٢) البيت لأُميَّة بن أبي الصَّلْتْ الثقفيّ، فيما زعم (٣) الجرميّ، [وغيرُه. وزعم دِعْبل أنَّه "لابن الورَّاس" (٤)، مولى خزاعة. وأنكر ذلك كلّه الأصمعيّ، وقال: إنّما هو لبعض الحروريّة] (٥)، واستشهد به أبو عليّ على تأنيث "الكأس"؛ بدليل الضّمير المؤنّث العائد عليها، [وعلى أنَّ الأصمعيّ رواه: "ألموت" بقطع ألف الوصل، وأنكر رواية من روى "للموت" وقال: لا يُقال للموت: كأس] (٦).

стр. 1121

وقوله: "عَبْطة" - بالعين المهملة (١) -: أَيْ؛ شابًا في طرآته (٢)، وقوّته. "وغَبْطَة" على هذا (٣) التَّفسير نَصْبٌ على الحال، وكذلك "هَرَمًا" (٤) ينتصب على الحال أيضًا، مثل "نقيضهِ" (٥)، والأصل فيهما (٦): ذا عَبْطةٍ وذَا هَرَم، فحذف المضاف في الموضعين، وأقام (٧) المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يُقام "المصدر" (٨) فيهما مقام الصّفة، كما قالوا: "رجل ضيف"، ونحو ذلك، فلا يحتاج فيهما (٩) إلى حذفٍ على هذا. ويجوز أن ينتصبا على المصدر المقدّر إضافته (١٠) إليهما؛ كأَنَّه قال: "مَوْت عَبْطةٍ ومَوْت هَرَم"، أو على أنَّهما من أنواع المصدر، فانتصبا إنتصابه كقولهم (١١): "قعد القُرفصَاءَ" ونحو ذلك [وأصل العبط (١٢): ما نُحِر لغير

стр. 1122

علّة، يُقال للرّجل إذَا قَرَّبَ لحمًا: عَبِيطًا أَمْ عَارِضة، فالعبيط: ما نُحِرَ لغير علّة عارضة (١). والعَارِضَةُ: ما نُحِر لعلّةٍ لحقته، أو لتعدّي سَبُع، يُقال: عبطته وأعتبطتُه] (٢). وقال (٣) أبو عبيدة: الكأسُ (٤): الزّجاجة والكأسُ: الخَمْرُ، وقال أبو حاتم: "الكأس: الشّرَاب بعينه". وقال يعقوب (٥): "هي كأس ما دام فيها شراب، وإلّا فهي قَدَح". [ونحو هذا ما وُرِي عن ابن عبّاس (٦) ﵄. قال أبو حنيفة، وغيره: وهذا هو الصَّواب إنْ شاء الله. أنَّ الكأسَ الظرف مع الشّراب (٧). ويروى هنا: "والمرء ذائقها" (٨)، و"فالمرء ذائقها"، ويروى في غير موضع، "ألمرءُ ذائقها"، بقطع ألف الوصل، ورَوى دِعْبِلٌ: "والخلق ذائقها"، ويجوز أن تكون "الفاء" زائدة على مذهب الأخفش، وأهل الكوفة في نحو هذا] (٩).

стр. 1123

وقبله (١): مَا رَغْبَةُ النّفْسِ فِي الحَيَاةِ وَإنْ … عَاشَتْ طَوِيلًا فَالمَوْتُ لَاحِقُها وبعده (٢): يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ … فِي بَعْضِ غِرَّاتِه يُوَافِقُهَا قال أبو عمرو: أراد: "أنْ يُوَافِقَها" فحذف "أنْ" ورفع الفعل؛ تشبيهًا "ليوشَكَ" "بعسَى"؛ لأنَّ معناهما: الدَّنوُّ والقُرْب من الشيء [وقد أكد أبو عليّ في "التذكرة"، الحجّة على الأصمعيّ في مَا أَنكره، مِنْ أنْ يُستعار "للموت كأس"، كقول (٣) أبي دواد] (٤): تَعْتَادُهُ زَفَرَاتٌ حِيْنَ يَذْكُرُهَا … يَسْقِينَه بكُؤُوسِ المَوْتِ أَفْوَاقَا [قال: فهذا يدُلّ على صحّة رواية "للموت كأس". قال] (٥): و"أفواقا" "يجوز أنْ يكون جَمْع فُواق" وقدَّر (٦) حذف "الألف". ويجوز أنْ يكون جمع "فيقة" على حذف "التَّاء"، كما قالوا: نِعْمَةٌ وأنعم، فيصير مثل جَذع وَأجذَاع.

стр. 1124

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢١٦ - مَا أُرَحِّي بِالعَيْشِ بَعْدَ نَدَامَى … قَدْ أُرَاهُم سُقُوا بِكَأْسِ حَلَاقِ (٢) البيت لمهلهل بن ربيعة التغلبي (٣) فيما ذكره (٤) أبو عُمَر وغيره. وقيل (٥): اسمه عَدِيّ. [وقيل: امرؤ القيس، وإنّما عَدِيٌ احد إخوته. وقد قيل: إنَّه لعَدِيّ بن زيد (٦)، والأوّل أصحّ، وهو من بيوت "الكتاب". وقال سيبويه (٧) في مهلهل: "وهو أحد الفصحاء"] (٨)، واستشهد به

стр. 1125

أبو عليّ على تأكيد (١) إجازة إضافة "الكأس" إلى "الموت" كما أضيفت (٢) هنا إلى حلاق؛ وهي اسم (٣) للمنيّة، ولا فرق بينهما. ويقال فيها (٤) أيضًا: "حالوق وحالق" عن كراع (٥). و"حيلق" (٦) عن ابن دريد. [قال أبو عمر: "حلاق" أَيْ؛ تحْلِق، وهي الحالقة، يعني: المنيّة. قال أبو علي في "التّذكرة": وقد رُوِي "خَلاق" أَيْ؛ بكأسٍ حظّهم من الموت، من قول الله تعالى: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٧). قال أبو الحجّاج: وهي رواية أبي عمرو فيما ذكره ابن الأنباري (٨)] (٩). ووضع "الكأس" في (١٠) موضع "الكؤوس"؛ لأنَّه أراد الجنس. "وسَقيت" (١١) من الأفعال التي تتعدّى تارة (١٢) بحرف جَرٍّ،
следующие страницы →