← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قال أبو الحجاج: وقول أبي عليّ: في "أميمة" (١): "ويجوز أن تكون لهم كالشعار"، قول صحيح؛ لأنّهم قد يعتزون إلى الأمهات (٢) المنجبات، ويفخرون بهنّ في كثير من الحالات، [كفخر الخندفيين بخندف؛ وهذا أشهر، من أن يكون يذكر. وإنْ صحت رواية "أمية"، احتمل أن يكون الرّجل الذي ذكرته قبل، والوجه أن تكون "أمية" هنا الجدّة المذكورة، التي التقى عندها المعتزيان، وانفصلت عنها الفصيلتان؛ سِنْبس ولوذان؛ البطنان المذكوران. والوجه في "شهدت": أنْ تكون هنا بمعنى: شاهدت وحضرت؛ لأنَّ قبله] (٣): وَخَيْلٍ تَعادَى بِالكُمَاةِ شَهِدتُها … ولو لم أكن فيها لَسَاءَ عَذِيرُها أَيْ؛ حالها. وَعَرْجِلَةٍ شُعْثِ الرُّؤوس كَأَنَّهمُ … بَنُو الجِنِّ لَمْ تَطْبُخْ بِقدر جَزورُها

стр. 1227

[قال] (١) أبو زيد: العرجلة: [الرّجَّالة المشاة. وقال بن ابن دريد (٢): "الحرجلة: الجماعة من النّاس فيما زعموا مثل العرجلة، ولا يكونون إلّا مشاة". قال صاحب العين (٣): "العرجلة: القطيع من الخيل، وهي بلغة تميم: الحرجلة. قال (٤): وكذلك الحَرْجَل والحُرْجُل أيضًا". والوجه في تفسير "العرجلة" هنا ما قال أبو زيد وابن دريد] (٥). وقوله: "بنو الجنّ" يعني: في مضائهم وجرأتهم، وتشعثهم بمطاولة الغزو (٦) وخفّتهم. وقوله (٧): "لم تطبخ بقدر جزورها"، يريد أنّهم (٨) لشدّة الاستعجال، يملون اللّحم ملًا (٩) حرصًا على الغارة والقتال.

стр. 1228

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٥٠ - كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِن النُّفِيِّ … مَوَاقِعُ الطَّير عَلَى الصُّفيِّ (٢) استشهد بهما أبو عليّ، على أنَّ "الصُّفِيَّ": جمع "صفا"، في الكثير؛ كَأَسدٍ وأسُود في الصّحيح، وقال الفرّاء: هو جمع "صفاة"، كما قالوا: دَوَاةٌ وَدَوِيّ، وإلى هذا ذهب السيرافي (٣). [وقال ابن جنّي (٤): أن يكون جمع "صفًا" أشبه، ويُقال: صِفِيٌّ أيضًا في كتاب "الجمع والإفراد"] (٥) والنَّفَيُّ: السَّاقط من الماء على ظهر السّاقي للإبل والمستقى.

стр. 1229

قال الفرّاء: الدَّلو تنفي الماء، فإذا سقط فهو النَّفِيّ (١)، فهو على هذا التفسير: "فَعِيلٌ" بمعنى "مفعُول". [قال الفرّاء: ويُقال أيضًا: قد نفى الشَّيء إذا ذهب، يُقال: "حال لونك، ونفى شعرك". قال أبو الحجّاج: فَالنَّفِي على هذا "فُعُول" بمعنى "فاعل"، لأنَّه الذي يَنْتَفِي ويتطاير عن مَتْنَيْ هذا المستقى أو السّاقي، والأظهر أن يكون النَّفِيُّ: المَنْفِيّ، لأنَّ الدّلو تنفيه والاسم منه: النّفاوة] (٢). قال الجاحظ (٣): والنَّفِيُّ أيضًا: ما تنفيه مشافر الإبل من الماء (٤). فشبّه مكانه على ظهر السّاقي، أو المستقى، بذرق الطير (٥) على الصّفا. [وقال الفرّاء في كتاب المصادر] (٦): وواحد المواقع: موقعة، وهو (٧) الموضع الذي تلقي عليه الطير ذرقها في وجه الجبل، فشبّه الماء، الذي يقع على مَتْنَيْ (٨) السّاقي، بما ينفيه الرّشاء، من الماء، فيقع على متنيه، فيجفّ ويبيض؛ وذلك من أجل الماء الملح [قال أبو الحجّاج: وقد تقع الطّير على أرض

стр. 1230

أو شجر أو غير ذلك؛ ولذلك خصّ الصَّفِيَّ عندي، مع ما فيه من الإشارة، إلى شدّة ظهر هذا السّاقى، واسوداده وامّلاسه؛ فلذلك يظهر بياض الماء على ظهره إذا جفّ وابيضّ، ألا تراه يقول قبل ذلك (١): سَقَى السُّقاةُ وَسَقَى سُلْميُّ … أَسْوَدُ جَعْدٌ قَطَطٌ نُوبيّ هكذا أنشد الأربعة أبو عمرو (٢)، في كتاب "الحروف"، على الإقواء. وقال (٣): "موقعة الطّائر في رأس الجبل الشّاهق" وكذا أنشده الفرّاء في غير موضع من كتبه: "مَتْنَيْه" بالهاء؛ لأنَّها عائدة على "سُلْمِيّ" المتقدّم، وكذا أنشده: "مَتْنَيْهِ" بالهاء في كتاب "الحيوان" (٤) الجاحظ، وكذا ثبت في "الموعب": "مَتْنَيْهِ" بالهاء. وروى أيضًا (٥): "مهايض الطّير": بدل "مواقع الطّير" يعني: سَلْحَها. قال: والواحد: "مِهْيَض، والهيض: السّلح. وقال ابن دريد: "مواقع الطَّير: مبايتها. وأنشد البيت، ثم قال: وأصل الوقع: الأَثر، ولذلك سمّيت وقيعة الطَّير، ومَوْقَعْتُه؛ لما فيها من أثر ذرقه".

стр. 1231

وإنّما استظهرت برواة الهاء في "مَتْنَيْهِ"؛ نصرًا لرواية أبي عليّ، وتبيينًا لغلط أبي الفتح الصقليّ، إذ زعم أنَّ الصَّحيح: "كأَنَّ مَتْنَيّ" ثم قال: ويشهد لذلك البيت الثّالث، وهو: مِنْ طُولِ إشْرَافِي عَلى الرّكيِّ فلما سقط هذا البيت إليه، رَدَّ على أبي عليّ وتعسَّف عليه. وقد أنشد أبو عليّ الهجري (١) هذا البيت ثانيًا لقوله: كَأَنَّ مَتْنَيْهِ عَلَى النَّفيِّ … وَطُولِ إِشْرَافٍ عَلَى الرَّكِيِّ هكذا ثبت في بعض نسخ "نوادره"، وهو الصَّحيح إنْ شاء الله. ويجوز أن ينشد مثل هذا بالإسكان؛ كراهة الإقواء، وإن كان الإقواء، والزّحاف في أشعار العرب، غير منكور عند العلماء] (٢).

стр. 1232

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا مكرّرًا: ٢٥١ - ................ ومِعًى جياعًا (٢) هذا آخر عجز (٣) بيت لِلْقَطَاميّ عمير بن شييم (٤) التَّغلبيّ. استشهد به أبو عليّ، على وضعه المفرد، موضع الجمع، فأجرى عليه صفة الجمع. وقد تقدّم [بكماله، في "باب المقصور والممدود" مع صلته، فأغنى ذلك عن إعادته] (٥). وأنشد أبو عليّ (٦) أيضًا: ٢٥٢ - كَأَنَّ وَحَى الصِّردَانِ فِي جَوْفِ ضَالَةٍ … تَلَهْجُمُ لِحْيَيْهِ إِذَا مَا تَلَهْجَما (٧) البيت لحميد بن ثور الهلالي، استشهد به أبو عليّ، على أنَّ "الصّردان":

стр. 1233

جمع "صُرَدٍ"؛ وهو طائر فوق العصفور، وهو مما يتشاءم به. والوحى: الصّوت الخَفي. [قال الأصمعي: وهو مثل الوَعَى. قال أبو عليّ وغيره: وحَى القوم، وأوحَوا: إذا صاحوا] (١). والوحَى والوَحْيُ والوحاة: صوت العقاب عند الانقضاض [عن يعقوب (٢)، وأنشد هذا البيت، وقال أبو زيد: في النّاس وغيرهم، وخصّ به ابن الأعرابي صوت الطّائر. والوحى في غير هذا الموضع: السّرعة، يمد ويُقْصَر (٣).] والضَّال من السدر: ما كان على غير نهر. والعِبْري منه: ما نبت على النّهر؛ أَيْ، في جانبيْه (٤). نسب [إلى العِبْر، الذي هو الشط] (٥) على غير قياس. والتّلهجُم: التحرّك، وقال بعضهم: هو تردّد الصّوت في الحلق. واللَّحْيَانِ: العظمان اللذّان فيهما الأسنان، [وهما حائطا الفم. وروى يعقوب: إذا "ما ترنّما"، والتّرنّم: الصَّوت أيضًا] (٦) وقال: شبّه صريف (٧) أنياب البعير بصوت الصَّرْدَانِ. قال أبو الحجّاج: وأراد حميد (٨) كأنَّ

стр. 1234

صوت (١) الصردان صوت لحيّ هذا البعير، إذا ما تلهجما عند رغائه، فحذف للدّلالة عليه؛ والألف (٢) في "تلهجما" ضمير الفاعلين؛ لأنَّهما اللحيين، وسدّت مسدّ الوصل، لأن حرف الرّويّ إنّما هو "الميم". وقبله (٣): رَعَى السُّرَّةَ المِحْلَالَ مَا بَيْنَ زَابِنٍ … إلى الخَوْرِ وَسْمِيَّ البُقُولِ مُدَلَّمَا [فَجِئْنَ بِه غُوْجَ المِلَاطَيْنِ لَمْ يَكن … خِدَاج الرّعَاءِ ذَا عَثَانِينَ مُسْنَما يصف بعيرًا عجيبًا، منقادًا، ركبته امرأة وصفها. وقوله: "فجئن": يعني النّساء اللّواتي يخدمنها] (٤).

стр. 1235

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٥٣ - وَأَزْوَرَ يَمْطُو فِي بَلَادٍ بَعِيدةٍ … تَعَاوَى بِه ذُؤْبَانُه وَثَعَالِبُهْ (٢) البيت لذي الرّمّة، استشهد به أبو عليّ على أنَّ "ذؤبانا": جمع "ذئب". وحكى أبو عليّ الدنيوري، أنّه يُقال: "ذيبان" أيضًا، [فإذا قالوا: "ذؤبان"، رجعوا إلى الهمز الذي هو الأصل، قاله الفرّاء. وقال في مهموزه أيضًا: "أَذْؤب". وقال هو وغيره: و "ذئاب". ومن لم يهمز قال: "أذيب وذيبة". قال سيبويه (٣): وأَذْؤُب] (٤) والأزور: الطريق المعوّج الذي يأخذ تارة كذا وتارة كذا. ويمطو (٥): يمتد؛ لبعد مسالكه. ويروى (٦): "في بلاد عريضة": أَيْ؛ واسعة. وتعاوى: أَيْ (٧)؛ تداعى هذا الطّريق الأزور ذؤبانه لتجتمع، ولا تنفرد فتضل وتنقطع (٨)؛ لانحرافه،

стр. 1236

وعدم مائه وارفاقه (١)، وكذلك تفعل ثعالبه، وإذا كانت هذه الأجناس، تتخوف الهلكة في هذه الفلوات الممتدات، فما الظّن بسائر الحيوانات، التي لا تهتدي فيها هدايتها، ولا رزقت صبرها وكفايتها، [ويدلّ على ما قلته قول النّميريّ (٢): ويعوى بها من خيفة الهلك ذيبُها (٣) وإنّما أشار إلى استهساله، ما قاساه من صعوبة هذا المسلك وأهواله، في جنب ما يرجوه عند الممدوح من (٤) بلوغ آماله. ويمكن أن يكون (٥)، كنّى بالذؤبان عن لصوص العرب الخبثاء، وبالثعالب عن أهل المكر منها (٦) والدّهاء. وأصل العوّاء: للذئاب والكلاب؛ لأنَّ الذئب كلب البر، فيما حكى صاحب "العين" (٧). "فثعالبه": محمولة في العطف على المعنى الذي قدّرته بتداعى ونحوه مما يصلح للفريقين، وقد يُحمَل على فعلٍ مضمرٍ يصلح له، نحو (٨): وتصايح

стр. 1237

ثعالبه، وما أشبه هذا، [كقول الآخر (١): شَرَّابُ أَلْبَانٍ وَتَمْرٍ وأَقِطْ] وبعد (٢) بيت غيلان: إِلَى كُلِّ دَيَّارٍ تَعَرَّفْنَ شَخْصَه … مِن القَفْرِ حَتَّى تَقْشَعِرَّ ذَوَائِبُهْ تَعَسَّفْتُه أَسْرِي عَلَى كُورِ نَضْوَةٍ … تُعَاطي زِمَامِي مَرَّةً وتُجاذِبُهْ قيل (٣): إنه أراد بالدّيار هنا: الإنسان، وهو "فَيْعَال" من درت، فعلى هذا يكون المعني تتعاوى بالطّريق الأزور، لتتعاون على الفتك بهذا السّالك القفر (٤). والنَّضْوَةُ: الناقة المهزولة [وتعاطي: أَيْ؛ تلاين] (٥)

стр. 1238

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٥٤ - وَلّى وَصُرَّعْنَ مِنْ حَيْثُ التَبَسْنَ بِه … مُجَرَّحَاتٍ بِأَجْرَاحٍ وَمَقْتُولُ (٢) هذا (٣) البيت لعبدة بن الطبيب؛ يزيد بن عمرو التميميّ، من بني سعد بن زيد مناة، استشهد به أبو عليّ على (٤) "أجراح": جمع جُرْح [وكسر قول سيبويه (٥)؛ إلّا أنه اعتذر له بعد، فإنه يمكن أن يكون هذا من باب الضّرورة الشعريّة، وقد روى في "الأصمعيّات" (٦) كرواية أبي عليّ هذه، وروى فيها (٧) أيضًا: "بأَحْرَاج" وقيل: هوجمع "حَرَخٍ"؛ أَيْ؛

стр. 1239

بمضيّق من الأمر عليهنّ، فلا كسر على قول سيبويه هذه الرّواية، إلّا أنَّ عمرو بن قميئة (١) قد قال: فَآبُوا وأُبْنَا كُلُّنا بِمَضِيضَةٍ … مُهَمَّلَة أَجْراحُنَا وَجُرُوحُها مُهَمَّلة: أَيْ؛ مهملة لا تطلب؛ لتكافؤنا في ذلك. وقيل: إذا كثرت القتلى، أُهدرت الجراحات، وإذا قلّت وديت، وبيت عبدة هذا من قصيدة حسنة] (٢). وقبله يصف (٣) الثّور والكلاب: حَتَّى إذَا مَضَّ طَعْنًا فِي جَواشِنِهَا … وَرَوْقُه مِنْ دَمِ الأَجْوَافِ مَعْلُولُ وبعدهما (٤): كَأَنَّه بَعْدَ مَا جَدَّ النَّجاءُ بِهِ … سَيْفٌ جَلَامَتْنَه الأَصْنَاعُ مَصْقُولُ مَضَّ: أحرَق. والجواشن: الصُّدور. والرّوق: القرن. ومعلول: مَسْقِي (٥) عَلَلًا. وخصّ دم الأجواف (٦) لأنّه يقتل.

стр. 1240

وقوله: "وَلَّى": يعني؛ الثّور الوحشي. "وصُرعن": يعني؛ الكلاب. "من حيث التبسن به" أَيْ؛ اختلطن. وروى (١) أبو حاتم: "مُخَرَّجَاتٍ" وقال: التّخريج لونان، بياض وسواد، وغير ذلك من الألوان، ويروى: "مضرجات": أَيْ؛ مصبغات بالدّم. وأصل التضريج: التّشقيق، وثوب مضرَّج: مشقّق وأيضًا شديد الحمرة. قال أبو الحسن (٢): "كان النَّصب أجود على الحال، لكنّه استأنف، فكأنه قال: منها مجرّحات، ومنها مقتول". قال أبو الحجّاج: ويجوز أيضًا (٣) أن يكون على إضمار مبتدأ (٤) تقديره: بعضها مجرّحات، وبعضها مقتول. وهكذا حكم ما فيه تنويع وتقسيم [ويحتمل البعض هنا على المعني مع أنه متشبث بمؤنث أيضًا. قال الأخفش وغيره: وجَرَح للتكثير، كما أن جَرّح للقليل والكثير. وإنّما أطنب عبدة في مدح هذا الثّور؛ لأنّه شبّه به ناقته في القوّة والنّشاط والسّرعة] (٥).

стр. 1241

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٥٥ - أَبَتْ ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أَحْشَاءَ قَلْبِهِ … خُفُوقًا وَرَفْضَاتِ الهَوَى في المَفَاصِلِ (٢) البيت لذي الرّمّة، استشهد به أبو عليّ على أنَّه أسكن "رفْضَاتِ"؛ لضرورة الشّعر، والأصل في هذا النّحو من الأسماء الفتح؛ للفرق بينها وبين الصّفات، وكان الاسم أولى بالتَّحريك؛ لخفّته وثقل الصّفة. وقال أبو الفتح في "المنصف" (٣): "لم يحرّكوا الصِّفة، كما حرّكوا الاسم؛ لأنَّ الصّفة تشبه الفعل، والفعل لا يُكسر، فجرت على الأصل في أنْ لم تحرّك العين منها (٤). [قال: وكذلك قال أبو عليّ، وهو صواب".

стр. 1242

قال أبو الفتح: وكأنَّ "رفْضَات" أقرب مأخذًا من "ثَمَراتٍ" من قبل أنَّ "رَفْضَة" مصدر، والمصدر قوي الشبه باسم الفاعل؛ الذي هو صفة، والصّفة لا تحرّك في نحو هذا؛ نحو "صَعْبة وصَعْبَات"، ألا ترى أنّ كلّ واحد منهما، قد يقع موقع صاحبه، في مواضع كثيرةَ"] (١) والذّكر: جمع ذِكْرة؛ كَكِسْرَةٍ وكِسَر. وأحشاء قلبه: أَيْ؛ نواحيه. وجمع الحشا (٢)؛ تأكيدًا لاشتمال الخفقان، على القلب وما انضمّ عليه الجنبان. والرَّفَضَات: الكَسَرات والحطَمَات (٣). والمَفْصِل: ملتقى (٤) كلّ عظمين؛ بفتح الميم وكسر الصّاد، والمِفْصَل أيضًا: اللّسان، ويُقال فيه: مِفْصَل، بكسر الميم وفتح الصَّاد، [قال الأخطل (٥): صَرِيعُ مُدامٍ يَرْفَعُ الشَّرْبُ رَاسَهُ … لِيَحْيى وَقَدْ مَاتَتْ عِظَامٌ ومِفْصَلُ قال أبو حنيفة: المِفْصَل - بكسر الميم - اللّسان؛ لأنَّه يفصل الكلام، أَيْ؛ يمّيزه] (٦).

стр. 1243

وقيل بيت غيلان: إذَا قُلْتُ وَدّعْ وَصْلَ خَرْقاء واجْتَنِبْ … زِيَارَتَها تُخْلِقْ حِبَالَ الوَسَائِل وبعدهما (١): هَل الدَّهرُ مِنْ خَرْقَاءَ إلا كَمَا أَرَى … حَنِينٌ وَتْذَرافُ الدّموع الهوامل خرقاء: لقب مَيَّة (٢) صاحبته، [ويقال: خَلُق الشيْء وأَخْلَق] (٣). و "حنين"، وما عُطِف عليه، بدل من كاف التّشبيه، لأنّها في موضع رفع، على خبر (٤) "الدهر". والقطعُ والاستئناف جائز. ويجوز أن ينتصب "الدّهر" على الظّرف، ويضمر المبتدأ، والتَّقدير: هل (٥) أمرك الدّهر، ونحوه، مما يدلّ عليه الكلام.

стр. 1244

وأنشد أبو عليٍّ (١) أيضًا: ٢٥٦ - لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْن بالضُّحى … وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما (٢) البيت لحسان بن ثابت، استشهد به أبو عليّ على، أنَّ المواد "بالجفنات" فيه (٣)، التكثير، وعلى هذا استشهد به سيبويه، وغيره، وكذلك (٤) المراد "بالأسياف" ههنا، التكثير أيضًا. وحكى (٥) ابن قتيبة، وأبو الفرج عنه، وحكاه غيرهما أيضًا أن حسان فاخر النّابغة الذبياني بهذا البيت، في خبر مستفيض، وأنّ النّابغة

стр. 1245

قال له: "إنَّك لشاعر؛ لولا أنَّ بيتك معيب من ثلاثة أوجه، لأنّك قللت جفان قومك، وأسيافهم، وما أقطرت من دَمٍ حين (١) لم تقل: جفان وسيوف ويَجْرين، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك" [قال أبو الفرج (٢): وفي رواية بعد نقده الجفنات، وقلت: "يلمعن بالضّحى"، ولو قلت: "يبرقن في الدّجي"، كان أبلغ في المدح؛ لأنَّ الضيف باللّيل أكثر، وقد زيد في هذا البيت، نقد أربعة مواضع أخر. وهي: قوله: "الغرّ" ولم يقل: "البيض"؛ لأنَّ الغرَّة يسيرة، و "يلمعن" ولم يقل: يشرقن، ونحو ذلك مما يقتضي ضياء بياض الشحوم. و "بالضُّجى"، ولم يقل: بالضحاء (٣)؛ لأنَّه أوسع وقتًا، "ودمًا"، ولم يقل: دماء. قال أبو الحجّاج: وهذا كلّه تعسُّف، وتكلُّف. وقد حكى أبو الفتح (٤)، عن أبي عليّ، أنَّه كان يطعن في هذه الحكاية، يعني التي تؤثر عن النّابغة، في نقد بيت حسّان، بقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (٥). قال أبو الحجّاج بن يسعون: وقد قال النَّابغة (٦) في قوم من بني أسد،

стр. 1246

مفتخرًا بموضعهم من كثرة العَدد والعُدد: رَهْطُ ابن كُوز مُحْقبي أَدْرَاعِهم … ........................ البيت وهذا النّحو كثير. فأمّا نقد سائر اللّفظ، في البيت، فساقط أيضًا، لأنَّ "الغُرّ" هنا: ليس بجمع غُرَّة، كما نُقِد، وإنَّما الغُرُّ البيض، المشرقات من كثرة اللّحوم (١)، وبياض الشّحوم، وهي جمع غراء هنا. ويجوز أنْ يريد بالغرّ: المشهورة المنصوبة للقرى، وكذلك قوله: "يلمعن"، هو المستعمل في هذا النّحو الذي يدُلّ به على البياض، كما تقول: لمع السّراب، ولمع البرق، وكذلك "الضّحى والضّحاء، قد تقدّم القول فيهما، أنَّهما بمعنى عند جماعة من العلماء، مع أنَّ "الضُّحى"؛ أَدَلُّ على تعجيلهم القرى ابتداء، يرجى خيره انتهاء] (٢). وأمَّا نقد زياد، في الرّواية الأخرى، من أنَّ طعام اللّيل أمدح، فساقط أيضًا، لأنَّه إنّما أراد هنا أنَّ طعامهم موصول،

стр. 1247

وقراهم في كل وقت مبذول، ألا ترى (١) أنه قد وصف قبل هذا، قراهم باللّيل، حيث يقول: وإنَّا لَنَقْري الضَّيْفَ إنْ جَاءَ طَارِقًا … مِنْ الشَّحْم مَا أَضْحَى صَحِيحًا مُسَلَّما ويروى: "ما أَمْسَى". وأمَّا قوله: "يقطرن". فهو المستعمل في مثل هذا. يقال: سيفه يقطُر دمًا، ولم تجو العادة بأَنْ يقال: سيفه يسيل دمًا (٢)، أو يجرى دمًا، ومثله [ما أنشده المبرد (٣) لطرفة] (٤): وأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ كَبْشِهِ دَمًا مع أنَّ "يقطر" أمدح؛ لأنّه يدلّ على مضاء السّيف، وسرعة خروجه عن الضّريبة، حتّى لا يكاد يعلق به دمٌ، [ولولا أنّ حسّان، إنّما أراد بذكره القطر، اتصال سفك سيوفهم للدّماء، من مواقعة الأعداء؛ لكان وصفها بتعلق الدّم بها كالهجاء] (٥). وقوله: "من نجدة" أَيْ؛ من شجاعة وشدّة، وهي للجنس، ولذلك دخلت عليها "من"؛ للبيان

стр. 1248

والتبعيض، وكذلك قوله (١): "دمًا" واحد وضع موضع الجمع، لأنَّه جنس، وقد يكون مصدر دَمِيَ يَدْمَى دَمًا (٢)، فيوقع موقع العين، وإنْ كان حدثًا، [فيكون حينئذ للكثرة، وقد استوفينا الكلام قبل على "الدّم" في قوله (٣): "بعظام ودمًا". ويدلّ على ما حكاه ابن جني، عن أبي عليّ، من بُطْلِ هذه الحكاية عن النَّابغة ما حكاه اليربوعيّ في "النّقائص" (٤) عن إبراهيم بن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص (٥)، أنَّ الفرزدق لما قدم المدينة في إمرهَ أَبَانِ بن عُثْمان (٦)، لم قال: جلست معه يومًا أنا وكُثَيّر عزة نتناشد في المسجد الأشعار فبينا نحن على ذلك، إذْ طلع علينا غلام شخت (٧) آدم في ثوبين ممصرين بصفرة غير شديدة، فقصد نحونا، ولم يسلم ثم قال: أيّكم الفرزدق؟ فقلت: مخافة أنْ يكون من قريش، أهكذا (٨) تقول لسيّد العرب

стр. 1249

وشاعرها؟! فقال: لو كان كذلك لم أقل هذا له. فقال الفرزدق: مَنْ أنت لا أمّ لك! قال: رجل من الأنصار من بني النّجار، ثم قال: أنا ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنّك تقول: أنا شاعر العرب، وتزعمه مضر، وقد قال صاحبنا حسان شعرًا: فأردت أن أعرضه عليك، وأُؤجلك سنة، فإن قلت مثله، فإنَّك أشعر العرب، وإلَّا فأنت كذّاب منتحل ثم أنشده (١): لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعن في الضُّجى … وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا] (٢) مَتَى مَا تَزُرْنَا مِنْ مَعَدٍّ بِعُصْبَةٍ … وَغَسَّانَ نَمْنُعْ حَوْضَنَا أَنْ يُهَدَّمَا بِكُلِّ فَتَى عَارِي الأَشَاجِع لَاحَه … طِرَادُ الكُمَاةِ يَرْشح المِسْكَ وَالدَّمَا أَبَى فُعْلُنَا المَعْرُوف أنْ نَنْطقَ الخَنَا … وَقَائلُنَا بِالعُرْفِ ألَّا تَكلَّمَا وَلِدْنَا بَنِي العَنْقَاءِ وَابْنَي مُحَرِّقٍ … فَأَكْرِمْ بِنَا خَالًا وأَكْرِمْ بِنَا ابْنَما [وأنشد القصيدة إلى آخرها، فانصرف الفرزدق مغضبًا، يسحب رداءه، ما يدري أيْنَ (٣) طرفه، حتّى خرج من المسجد، وأقبل عليَّ كُثَيِّر فقال: قاتل الله الأنصاري،! ما أفصح لهجته! وأوضح حجَّتَه، وأجود شعره! قال فلم نزل، في حديث الفرزدق والأنصاري، بقيّة يومنا، حتّى إذا كان الغد، خرجت إلى مجلسي بالأمس، [وأتاني كُثَيِّر فجلس معي،

стр. 1250

فإنا لنتذاكر الفرزدق، ونقول: ليت شعري ما فعل، إذْ طلع علينا في حلة أفواف مخططة، له غديرتان، حتّى جلس في مجلسه بالأمس] (١)، ثم قال ما فعل الأنصاري؟ فنلنا منه وشتمناه. فقال: قاتله الله! ما رميت بمثله، ولا سمعتُ بمثل شعره، ثم ذكر، أنَّه رام ليلته قولًا يرضيه، فلم يتجه له ذلك، قال: فلما نادَى مُنَادي الفجر، رحلتُ ناقتي، ثم أخذت بزمامها، فقدت بها حتّى أتيت ذُبَابًا (٢)، يعني جبلًا بالمدينة، ثم ناديتُ بِأَعْلى (٣) صوتي: أخاكم أبا ليلى (٤)، فجاش صدري، كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي، وتوسدت ذراعها، فما (٥) قمت حتّى قلت: مائة وثلاثة عشر بيتًا، فبينما هو ينشد، إذْ طلع الأنصاري، حتّى إذا انتهى إلينا سلّم، ثم قال: أَمَا إنّي لم آتك؛ لأعجلك عن الأجل الذي وقَتُه لأَجَلِكَ، ولكني أحببتُ ألّا أراك إلّا سألتك عما صنعت، فمَال له: اجلس، ثم أنشده (٦): عَزَفْتَ بِأَعْشَاشٍ وَمَا كِدْتَ تَعْزِفُ … وَأَنْكَرْتَ مِنْ حَدْرَاء مَا كُنْتَ تَعْرِفُ

стр. 1251

حتّى استوفى القصيدة، فلما فرغ من إنشادها، قام الأنصاريّ كئيبًا، ثم ذكر تمام هذه القصّة، ورغبة أبي بكر بن حزم (١)، ومشيخة من الأنصار معه، إلى الفرزدق، ألّا يتعرّض لهجوهم، فقال: اذهبوا فقد وهبته لهذا (٢) القرشي. أفلا ترى، إلى ثناء الفرزدق، على هذه القصيدة التي منها هذا البيت، وأنَّه لم يتعرض لنقده، نعم، ولا تعرّض لمباراتها على القافية، بل عدل عنها إلى غيرها] (٣). قوله: "متى ما (٤) تزرنا": أَيْ (٥)؛ تختبر مَا عندنا من النّجدة. قال أبو الفرج (٦): "وغَسَّان": الواو فيها للقسم؛ لأنَ غسّان لم تكن تغزوهم مع معدٍ. قال أبو الحجّاج (٧) ويروى: مَتَى مَا تَزُرْنَا مِنْ مَعَدٍ بعصبة … وقحطان نحْمي حوضنا أن يُهدما وقوله: [ولدنا بني العنقاء. يعني: من ولده أبوه العنقاء؛ وهو ثعلبة بن عمرو مزيقياء (٨)؛ لأنَّ الأوس والخزرج؛ هما ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء.

стр. 1252

هذا وهو ثعلبة بن عمرو ولقب العنقاء؛ لدهائه. والعنقاء: الداهية، والعقاب أيضًا، وقيل: بل لطول عنقه. وعني بابني محرق عمرو بن هند، وأخاه الأسود ابني منذر اللّخميّ، وهم بنو نصر (١) ملوك العراق، وإيّهما عني حاحب بن زرارة (٢)، أو (٣) أبوه حيث يقول فاخرًا برضاعهما: رَبَيْنا ابنَ مَاءِ المُزْنِ وَابنيْ مُحرّق … إِلى أَنْ بَدَتْ منهم لِحَيّ وَشَوَارِبُ ثَلَاثَةُ أَمْلَاكٍ رُبوا فِي حُجُورِنا … عَلَى مُضَرٍ نَنْأَى بِهم لا التَّكاذبُ قال الهمدَاني: "أول من حرق (٤) النّاس من ملوك قحطان، الحارث بن عمرو مزيقياء ثم الأسود بن منذر اللّخميّ، ثم أخوه عمرو بن هند، قال: وممن حرّق أيضًا مرثد بن الأعجم بن سعد بن الأشر" (٥). قال أبو الحجّاج: وروى الصقلي: "وابنا"، وحمله على الجمع، وقصر الممدود؛ وليس ذلك بوجه محمود، وإنّما الرواية كما ذكرنا، والمراد، "بابني محرق" من فَسَّرنا، ألا ترى أن الحارث المدعو بمحرق، إنّما هو عمّ الأنصار؛ لانَّه أخو ثعلبة العنقاء، فكيف ولدته الأنصار؟!

стр. 1253

وقد ولدت الأَزْدُ (١) الملوكَ اللّخميين من بني نصرٍ، كما ولد بني مازن؛ الذي هو جماع غَسَّان (٢)، فحمله على هذا الوجه أولى؛ ليجتمع له الشّرفان. وولادة الأزد لملوك بني نصرٍ بن ربيعة؛ أنهم بنو أخت جَذِيمة (٣) الأبرشي الأزدي قتيل الزباء، وهو من بني نصرٍ بن الأزْد، تزوج أخته (٤) عَدِي بن نصر بن ربيعة اللّخميّ، وقد قيل: كانت بنت جذيمة، والقول الأوّل أثبت، فولدت له عمرو (٥) الملك بعد خاله، والآخذ بثأره، وخبره مشهور، وكان ملك عمرو بالحيرة مائة وثماني عشرة سنة، فيما زعم ابن المنذر الكلبيّ. وفيما حكى من قول النَّابغة، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك بيان لما ذهبتُ إليه] (٦).

стр. 1254

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٥٧ - أَبْعَدَكُنَّ الله مِنْ نيَاقِ … إنْ لَمْ تُنَجِيْنَ مِن الوَثَاقِ (٢) نسبهما (٣) أبو زيد في نوادره، للقلَاخ؛ سعد بن تميم، واستشهد بهما أبو عليّ، على أنَّ "نياقًا" جمع ناقة. قال الفرّاء: قالوا (٤): ناقة ونياق، كما قالوا: دَارٌ وديَار، ونوق كدور، [وقد استوفى الكلام على (نوق)، أبو عليّ على أثر الشّاهد. وقال في "التّذكرة" عن أبي زيد أيضًا، وقالوا: ناقات ونياقات. وأنشد عن أبي زيد: إِنَّا وَجَدْنَا نَاقَةَ العَجُوزِ … خَيْرَ النِّياقاتِ عَلَى التَّرْمِيز وأيْنُق وأيانق. قال الفرّاء: وأنوق وأونق] (٥). قال أبو الفتح في "شرح

стр. 1255

التصريف" (١): في "أينق" قولان: أحدهما (٢): أنَّ العين قدمت على الفاء وقلبت ياءً؛ والآخر (٣): أنَّ العين حذفت، وعوضت الياء منها، وكلا التغييرين غير مطّرد، فمثال "أينق"، على اللّفظ فيمن جعلها عينًا: "أعفل"، ومن جعل "الياء" عوضًا من حذف "العين"، فمثالها: "أيْفُل"، ومَنْ حكى الأصل، قال: "أفْعُل". والوجه في "أينق"، أن تكون "الياء" فيها "عينًا"، مبدلة، لأنَّ الكلمة كما أعلت بالقلب، كذلك أعلّت بالإبدال، ألا ترى أنّهم لما قلبوا "الواو" من "وجه"، فجعلوها بعد "الجيم" في "جاه" (٤)، لم يقرّوها ساكنة، بل حرّكوها، حتّى انقلبت "ألفًا"، وهذا نظير "الياء" في "أينق"، لما قدّمت اجترئ عليها فقلبت [ياءً. قال أبو الحجاج: وفي توجيه جموع "ناقة" بعض الطّول، فدللت على الأكثر بهذا القليل. وقبلهما في "نوادر" أبي زيد] (٥):

стр. 1256

أُنْقُدْ هَدَاكَ الله مِنْ خَنَاقِ … وَصَعْقَة العَامِدِ للرُّسْتَاقِ أَقْبَلَ مِنْ يَثْرِبَ فيِ الرِّفَاقِ … مُعَاوِدًا لِلْجُوع والإِمْلَاقِ يَغْضَبُ إنْ قَال الغُرَابُ غَاقِ [وبعد بيتي الإيضاح: بِأَرْبَع مِنْ كِذَبٍ سُمَاقٍ خَنَاقِ وَصَعْقَة: رجلان. والسُّماق: الكذب الخالص، عن يعقوب (١)، ويروى (٢): "أبعدهنّ اللّه". وروى ابن السّيرافي في "شرح أبيات الألفاظ": وَلَا رَعَاهَا اللهُ في السِّيَاقِ … إنْ هُنَّ انْجَيْنَ مِن الوَثَاقِ وقال: زعم بعض (٣) الرّواة، أنَّ الأربع هنّ أيمان، أَيْ؛ إذا حلف بهنَّ تخلّص من وثاقه. قال: ودعَا على نوقه بالهلاك، بعد التَّخلّص والفكاك، كما قال الشّماخ (٤): إِذَا بَلَّغَتْنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي … عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتينِ وكأنّ الخصومة كانت في إبل، على رواية: إنْ لَمْ تُنَجِينَ من الوثاقِ

стр. 1257

أَيْ؛ إنْ حلف ولم تقبل الأيمان، فلا سلمت هذه الأبل، وكأن خصومه (١) كانوا أربعة؛ فهو يحلف لكل واحد يمينًا، قال] (٢): ويروى: إنْ هُنَّ أَنْجَيْن مِن الوثاقِ يعني: أنْ هذه (٣) الإبل حبست على أيمان يحلف بها الشّاعر، أو غيره ممن يستحقّها. وأنشد أبو عليّ (٤) أيضًا: ٢٥٨ - يَقُومُ تَارَاتٍ وَيَمْشِي تِيرَا (٥) هذا الشّطر، من أبيات الكتاب أيضًا (٦)، والشَّاهد فيه جمع "فَعَلة"،

стр. 1258

في المعتل، وهي "تارة" على "فِعَل" قال الفرّاء: وهذا كقَامَة وقيمٍ [وأنشد البيت الشَّاهد: يَا عَمْرو عَمَّ المَاءَ وِرْدٌ يَدْهَمُهْ … واخْتَلَفَتْ أَفْراسُه وَقِيَمُهْ] (١) قال: قد قالوا في الحاجّة حِوج، ولو قيل في "القامة": قِوَم؛ لكان وجهًا. وأمّا "التَّارة" فبالياء؛ لأنَّ أصلها "الياء" (٢). قال أبو الحجّاج: هكذا (٣) رويت في كتاب سيبويه "يقوم" "بالياء"، [وأكثر النّاس على روايته "بالتاء"، وكذا كان أبو بكر بن الفرضي (٤) يرويه "بالتّاء" والظّاهر أنّه وهم، لأنَّ الكلام يقتضى، أنّه يصف صائدًا، يروم ختل صيد، فهو يميل تارة، ويتعرّض لرمية أخرى (٥)، وتارة يدبُّ إليه ويسعى. وقد يكون الضّمير للصيد، كما قد يريد: "بتقوم" حمرُ الوحش، فيكون معني تقوم على هذا: تتوقف قائمة تتسَمّع، وتارة تمشى إلى الماء مشْيَ الخَائف ولا تسرع. ولم يقع إليّ مذيّلًا ولَا منسوبًا، فأبلغ من تحقق المعنى مرغوبًا] (٦).

стр. 1259

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٥٩ - يُشَبَّهْنَ السَّفِينَ وَهُنَّ بُخْتٌ … عَظِيماتُ الأَبَاهِرِ والمُؤُون (٢) البيت (٣) للمُثَقِّب؛ عائذ بن محصن العبدي، استشهد به أبو عليّ علي أنَّه جمع "مانة" على "مؤون"؛ تشبيهًا للمخلوق بالمصنوع؛ نحو بَدْرَةٍ وبُدُورٍ، والبدرة (٤)؛ الكيس الحاوي لعشرة آلاف درهم، لا جلد السّخلة إذا فطم، فإنّ ذلك مخلوق لا مصنوع. والقياس في جمع "مانة"، أنْ يقال في الكثير: "مِئان" (٥)، وفي القليل: "مَأْنَات" كطلحات، ويصلح أيضًا هذا الجمع

стр. 1260

للكثير، ونظير "مَأنة ومؤون"، صخرة وصخورُ، وقالوا في جمع "فَعْلَةٍ": "فُعُول"، كما قالوا في جمعها: "فِعَال"؛ لأنَّهما أختان في الجمع (١). والسَّفِينُ: جمع سفينة، وكان قياسها ألّا تجمع (٢) بحذف "الهاء" (٣)؛ لأنّها من المصنوع، لكن البابين قد يتداخلان. وأصل السَّفْن: القشر فكانّها تقشر وجه (٤) الماء، لشقّها إيَّاه، وهي فعليه بمعنى فاعلة، وقال أبو حنيفة: "كلّ ما أمر على شيء فقد سفن به، ومنه السّفينة، لأنّها يسفن بها على وجه الماء" قال: والسّفن: المسحاة؛ لأنّها تسفِن: أَيْ؛ تقشر. وبُخْتٌ: جمع بُخْتِيّ كزنج (٥) وزنجي، ورومي وروم. [قال أبو عليّ: وكلّ هذا كشَعِيرَةٍ وشَعِير، وتَمْرَةٍ وتمر، يدلك على ذلك أنّهم قد كسّروه، فقالوا: بَخاتِي وبَخَاتَا، يعني: أَنَّ اليَائين هنا، قد أشبهتا علامة التّأنيث، في الدّلالة على الواحد؛ "والبُخْتِيّ" من الجنس المركَّب؛ لأنَّه من الإبل العربيّة والخراسانيّة. والفُرَانِقُ (٦): من الجنس المركّب أيضًا] (٧).

стр. 1261

والبُخْتِيّ: بعير ذو سنامين عظيم البدن، قصير العنق، قويّ على حمل الأثقال (١). والأباهر: جمع أبْهر؛ وهو عرق في الظّهر، يقال: هو الوريد، وقيل: الأبهران (٢): الأكحلان، ويقال: فلان شديد الأبهر؛ أَيْ؛ قويّ (٣) الظّهر. والمَأْنَة: ما حول السُّرة. وقيل: ما تحتها، وبعضهم يجعل قولهم (٤): "فلان مؤونة"، "فعولة" (٥) من هذا، أَيْ؛ متعلق بغيره، لا يستقل بنفسه، [مع خفائه ورخاوته. وقيل: هي "مَفْعُولة" من الأَوْنِ، الذي هو الثّقل، وقد قيل غير هذا أيضًا] (٦). ويروى (٧): "عريضات الأباهر" "وعراضات (٨) الأباهر". وقبله (٩):

стр. 1262

لِمَن ظُعْنٌ تُطَالُع مِنْ ضُبَيبٍ … فَما خَرَجتْ مِن الوَادِي لحِينِ مَرَرْنَ عَلَى شِرَافَ وَذَاتِ عِرْقٍ … وَنَكَّبْنَ الذَّرَانح باليمين وَهُنَّ كَذَاكَ يَوْمَ قَطَعْنَ فَلْجًا … كَأَنَّ حُمولَهُنَّ عَلَى سِفَينِ [ويروى: "كأنَّ حدوجهن"] (١) رَدَوْنَ تَحِيَّةً وَكَمَيْنَ اخْرَى … وَثَقَّبْنَ الوَصَاوِصَ للعيونِ وبهذا (٢) البيت لقب المُثَقِّب. الوصاوص: ثقب البراقع الصّغار، فإذا كانت كبارًا فهي (٣) منجولة. وأنشد أبو عليّ (٤) أيضأ: ٢٦٠ - بِتَيْهاءَ قَفْرٍ وَالمَطِيُّ كَأنَّها … قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانتْ فِرَاخًا بِيوضُها (٥)

стр. 1263

نسبه الجاحظ في "الحيوان" (١)، وأبو عليّ في "التَّذكرة"، لابن أحمر (٢)، واستشهد به أبو عليّ على أنَّه جمع "بيضا" على "بيوض"، كما قالوا: بيت وبيوت في المصنوع، قال أبو عليّ في "التَّذكرة". أنشده ثعلب: "بُيُوضُها" بضمّ "الباء". وقال: "كانت" - هنا بمعنى -: "صارت"، وهذا يدُلّ على صحّة ما قال أبو الحسن: في قول (٣) الله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. "أن كان" هنا بمعنى: صار [قال: وأصبت ما يقوّي هذا القول، وهو قول العجّاج (٤)، أو رؤبة: وَالرَّأسُ قَدْ كَانَ لَهُ شَكِيرُ لأنَّ المعنى: قد صار له شكير. وقال أبو الحسن في قول اللّه تعالى:

стр. 1264

﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، وتكون "كان" زائدة أيضًا. وذكر أبو الفتح قول الفارِسيّ: إن "كان" بمعنى: "صار وقال: يريد: أنَّها صارت في هذا الحال"] (١). واستحسنه أبو الفتح، وقال: "هذا وجه من وجوه "كان خفي". [أوروى أبو عليّ في "التّذكرة" أيضًا: قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضها وقال: الجملة في موضع نصب على الحال، وحسن ذلك دخول "قد"، أَيْ؛ كائنة هكذا، والمعنى: قد كانت بيُوضها ذات فراخ، فحذف المضاف، والمعنى: أنَّها لما أفرخت، صافت؛ فاحتاجت إلى طلب الماء من بعد، فهي تسرع، وكانت وهي ذات بيض تشرب الماء من الغدران. قال أبو عليّ: وفي كتابي "بَيُوضها": بفتح "الباء"، فإن قلت: ما تنكر أن يكون "بيوضها" جمعًا؟ فالقول في ذلك يبعد، وإنْ كانوا قد قالوا تمور، لاختلاف الجنس، والبيض هنا لا يجوز أن يجمع؛ لأنَّه ضربٌ واحد، وليس بمختلف. قال أبو الحجّاج: هذا نصّ كلام أبي عليّ في "التّذكرة"، ثم اتبعه كلام ثعلب، وقول أبي الحسن حسب ما ذكرته قبل، وكأن قول ثعلب،

стр. 1265

وما ثبت في "الإيضاح"، هو الذي رجع أبو عليّ إليه آخرًا، وهو الصَّحيح، وقد أنشد أبو عليّ الهجري (١) لبعض بني نمير: يَضِلُّ القَطَا الكُدْرِي فيها بُيُوضَه … وَيَعْوِي بِهَا مِنْ خِيْفَةِ الهُلْكِ ذِيبُها وأنشد أيضًا للجعديّ (٢): لَهُنَّ أَدَاحِيُّ بِهَا وبُيُوضُ وهذه الرواية التي في "التّذكرة" غريبة، وقد ذاكرت بها مالك (٣) بن وهيب، بمراكش من المغرب فأنكرها، على كثرة مذاكرته "بالتّذكرة"، ولكن النّسيان، مصاحبُ الإنسان. ومثل قول أبي عليّ في "البُيُوض"، ذكر الجاحظ (٤) نصًّا، وأرى أبا عليّ، من هناك نقله، قبل أن يرى كلام ثعلب. وفي جمع "البيض" عندي تنبيه، على أنّ فيها ما فقص مبكرًا (٥)، ومتوسطًا،
следующие страницы →