← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٨١ - وَكَأَنَّ حَيًّا قَبْلَكُم لَمْ يَشْربوا … مِنْهَا بِأَقْلِبَةٍ أَجِنَّ زُعَاقِ (٢) البيت لِجَبَّارِ بنِ (٣) سُلْمَى بن مَالك (٤) جاهلي، عن أبي زيد في "نوادره" (٥). استشهد به أبو عليّ، على أنَّ "أقلبة" هنا (٦)، يجوز أنْ يكون جمعًا "القليب"، على لغة من أنَّث، فتكون (٧) "كَأَسْمِيةٍ"، ويجوز أنْ يكون جمعًا

стр. 1332

"لقليب" فيمن (١) ذكره، كَرَغِيف وأَرْغِفَةٍ. قال (٢) أبو عليّ وهذا كلّه يدلّ على تأنيث "السّماء"، التي هي المطر، [كما روى أبو الحسن (٣)، وأنَّه أولى من قول بعض البغداديين أنَّه مذكر، بدليل أنَّه جمع على "أَسْمِيةٍ"، لأن أبا الحسن روى: "أَصَابَتْنَا سَمَاءٌ" (٤)، ثم قالوا: "ثلاثة أَسْمِيَة" فبنوه على "أَفْعِلَةٍ"؛ وهو مؤنث، وكان بابه "أَفَعُلًا"، فألحق الهاء "كفعالة وذُكُورة"، وليس بالقياس، وقول أبي الحسن أولى؛ لروايته التَّأنيث، ولا قياس مع السّماع] (٥). قال الرّيّاشي: جمعهم (٦) "القليب" على "أقلبة"، يدل على تذكيره، والجمع الكثير: "قُلُب"، و "القليب": البئر هنا، ويكون القبر أيضًا في غير هذا الموضع، ضربها مثلًا للمنية، وأنّها أَمَرَّ مَشْربٍ (٧) على البريّة. وقوله: "أَجنَّ": فعل (٨) ماض، و "النّون" المدغم فيها "نون" "أجنّ"،

стр. 1333

بعد إسكانها فاعله؛ لأنَّها ضمير الجماعة، التي هي (١) "الأقلبة". أَيْ؛ تغيّرن حتّى لا يَستَسغن. وهي جملة، في موضع جر على النّعت، "لأقلبة" [ألا ترى إلى مجيئ "زعاق"، بعدها نعتًا أيضًا "لأقلبة". ومثل هذا في مجئ الجملة نعتًا وبعده المفرد، الذي وصف به أيضًا] (٢)، قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (٣). يقال (٤): أَجِنَ الماءُ يَاجِنُ، ويَأْجُن، [أيضًا أجَنًا، وأجونًا؛ إذا تغيَّر. وقد قيل (٥) أَجِن، بكسر الجيم، وأَجُنَ عن ثعلب (٦). والزُّعَاق: الشّديد الملوحة، ومثله؛ الأُجَاج والقُعَاعُ والحُراق، عن يعقوب (٧)، وبئر زَعِقة (٨): مِلحة الماء، وطعام مزعوق أكثر مُلْحه حتى صار إلى المرارة، وقد زَعَقْتُ القدر، و (٩) أزعقتُهَا: أكثرتُ ملحها ففسدت. و "الزُّعاق": يكون واحدًا، وجمعًا، وهذا البيت دليل على الجمع.

стр. 1334

وقال صاحب العين (١): الذعاق: كالزّعاق، سمعنا ذلك عن بعضهم، فلا أدري أَلُغَةٌ (٢)، أمْ لَثْغَةٌ، وحكاهما ابن دريد (٣) أيضًا. وأنشد أبو (٤) زيد أيضًا: يَا قُرَّ إنَّ أَبَاكَ حَيّ خُويْلدٍ … قَدْ كُنْتُ خَائِفَه عَلَى الإِحْمَاقِ قال الرّياشي: يعني حياة خويلد، وهكذا قال أبو عليّ في "التذكرة". قال أبو عبيدة (٥): "الحياة، والحَيَوان، والحِيُّ: واحد". قال أبو عليّ: فهذه مصادره. قال أبو زيد: "الحَيَوان: لما فيه من روح، والمَوتَان، والموات: لما لا روح فيه"، فليس "الحيوان" فيما حكاه أبو زيد بمصدر، ولكن هو مثل الحيّ، الذي هو خلاف الميّت، فأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٦) فيحتمل أن يكون المعنى: وإنَّ حياة الدَّار الآخرة هي الحياة، لأنَّه لا تنغيص فيه، ولا نفاد له، فيكون "الحيوان" اسم حدثٍ على هذا، ويكون أيضًا "الحيوان"، الذي هو خلاف المَوَتانِ؛ لأنَّها لا تزول ولا تبيد، ويجوز أن يكون التَّقدير: هي ذات الحيوان؛ كأنَّه لم يعتدّ بهذه الدّار، فإن كان هذا الشّاعر مجدًا، فيقول: كأنّي لم أرزأ فقْدَ حميم، حين أُصبْتُ في هذا الحي العظيم، أَيْ، أنّ هذا الخطب بهولاء،

стр. 1335

قد أَنْساني ما قبله من الأرزاء، وهذا كقول الكندي (١): كَأَنَّ المَوْتَ لَمْ يَفْجعْ بِخَلْقٍ … وَلَمْ يَخْطُر لِمَخْلُوقٍ ببَالِ وقد يقوله لقرة (٢)، على سبيل الهزء به، أو على جهة التسلية له والتّأسي بمن سببه في فقيده كسببه] (٣). وأنشد أبو عليّ (٤) أيضًا: ٢٨٢ - تَرَبَّعْنَ مِنْ وَهْبِنَ أَوْ بِسُويقَةٍ … مَشَقَّ السَّوَابي عَنْ رُؤوسِ الجَآذِرِ (٥) البيت لذي الرّمّة، استشهد به أبو عليّ على أنَّ "السّوابي"، جمع سابياء، وهي الجلدة (٦) ذات الماء التي تنْشَقُ عن رأس المولود.

стр. 1336

[قال أبو عمر: ووجهه والسَّابِيَاء: إناث المال أيضًا] (١). وحكى أبو عليّ، عن أبي الحسن، في جمعها: "السَّآبي" أيضًا (٢)، وقال: أبدل (٣) الواو همزة. وقوله: "تربَعْنَ": أَيْ، ارتبعْنَ يعني الإبل التي وصفها قبل، يريد (٤) رعت الربيع من "وهبين وسُويقة" - وهما موضعان معروفان من بلاد بني (٥) تميم - حتَّى سمنت، [وهذا كقول زهير (٦) بن أبي سُلْمى: تَرَبَّعَ صَارَةً حَتَّى إِذَا ما … فَنَى الدُّحْلَانُ عَنْهُ والإِضَاءُ] (٧) قال أبو عليّ (٨): "وَهْبِين": كَغَسْلين، والواو فيها فاء، بدليل قولهم: يَبْرِين، ويَبْرون، وإنْ جعلت "النّون" لامًا خرجت إلى ما ليس في الكلام مثله، يعني، أنَّه ليس في الكلام "فَعْلِيلٌ" مفتوح الفاء". [والذي ثبت في "شعر ذي (٩) الرّمة": "يحلون"، يعني: الفتية التي صحبته في سفره، وهو أشبه] (١٠).

стр. 1337

و "مشق السَّوابي": عَلَى رِوَايةِ أَبِي عَليّ، كناية عن الخصب، وغضارة الرعى، والمعنى: رعت هذه الإبل، من رعى هذين الموضعين، مثل مشق السّوابي، في حين انشقاقها، ريًّا ونعمة، و "المشق" بمعنى: المنشق، و "عن" في موضع نصب على الحال، أَيْ؛ مثل منشق (١) السَّوابي، منفصلة عن الرؤوس، ويمكن أنْ يريد: أنَّها رعت رعي الأعالي، من هذين الموضعين، [لكرمه، أوْ لا وجه سواه، نتسع في تقصى معناه] (٢). ومن روى: "يُحلّون" فإنّ "مشق السَّوابي"، كناية عن احتلالهم في أعلى الرّوابي؛ لعزّتهم ومنعتهم وبروزهم، [لطالب مكرمتهم. وفي "شعره"] (٣) أوْ مِنْ "سوبَقة"؛ وهو أعدل، وإنْ كانت "الباء"، تقع كثيرًا ظرفيّة، بمنزلة "في" [ألا تراه قد قال (٤) في موضع آخر: لَهُ بَعْدَ قَيْظٍ قَاظَهُ بِسُويْقةٍ … عَلَيْهَا وَإنْ لَمْ تَشْرِبِ الماءَ قَاصِرُ يقال: "ماء قاصرٌ"، إذا كان ما حوله مكليًّا لم يرْعَ كَلأه. و "الجآذِرُ" هنا: أولاد البقر، وخصّها إشارة إلى الارتفاع، أو الاحتماء

стр. 1338

والامتناع. وروى ثابت (١) بن عبد العزيز: يَحُلّون مِنْ يَبْرِينَ أَوْ مِنْ سُوَيقةٍ … مَحَلَّ السَّوَابي مِنْ رؤوس الجآذِرِ] (٢) وقبله (٣): حَرَاجِيجُ أَشْبَاهٌ عَلَيْهِنَّ فِتْيَةٌ … بأوْطَانِ أَهْلِيهم وُحوشُ الأَبَاعِر أَعَاريبُ طُوريونَ من كل بلدة … يحيدون عنها من حذار المقادر "الحراجيج": جَمعُ حُرْجُوجٍ؛ وهي النَّاقة الطويلة الممتدّة في السير. [وقال بعضهم (٤): لهزالها. وقال الفرّاء: الحرْجُوجُ والحرْجُج: النَّاقة التي ذهب لحمها فصارت مُتَفرسَة. وقوله "أشباه": يعني: في الجودة. وقوله:

стр. 1339

بأوطان أهليهم وحوش الأباعر] (١) أَيْ؛ حيث يحل أهلهم، توصف بالحوشية إبلهم؛ لأنَّها تتسع للرعى مع الوحوش في المفازات، لأَمْنِها بعزّة أهلها من الغارات. وقال (٢) أبو زيد: "الحُوشِية" بضم الحاء: منسوبة إلى الحُوش؛ حَيٌّ من الجن". [وقال أبو عبيدة (٣): "الحوش" إبل الجن؛ يزعمون أنَّها تضرب في المهرية والعمانية فمن ثم هي هكذا. وقال الحربي (٤): "حويش": جبل، أو رمل. قال أبو حنيفة: هو رملٌ في أقصى بلاد سعد فيما زعموا. قال صاحب "العين" (٥): الحوش: بلاد الجن، ورجل حوشي: لا يخالط النّاس"، وحوش الفؤاد: أَيْ، حديده. وقال كراع (٦): الحوشي، والوحشيّ: سواء. قال أبو الحجّاج: وهذا كلّه

стр. 1340

على رواية مَنْ رَوى: بأَوْطَانِ أَهْلِيهمْ وحوش الأباعر وقد روى: "وحوش الأباعر" جع وَحْشِيّ، وتسكن ميم الجمع على هذه الرّواية، كأنّ راوي هذه الرِّواية (١)، فرض الزحاف الذي في الرِّواية الأولى] (٢). وأنشد أبو عليّ (٣) أيضًا: ٢٨٣ - مِنْ آلِ أَبِي مُوسَى تَرَى النَّاسَ حَوْلَه … كَأَنَّهم الكِرْوانُ أَبْصَرْن بَازِيا (٤) هذا (٥) البيت لذي الرّمّة، استشهد به أبو عليّ على أنَّ "الكِرْوان": جمع "كرَوانٍ"، على توهّم حذف زائدتيه، كَأَنَّه جمع "كَرَا" (٦).

стр. 1341

قال أبو حاتم: وهو الحجلُ، ويقال له، بالفارسيَّة: الكَبَجُ، والقَبْجُ، وليس في كلام العرب اسم فيه "كاف وجيم"، ولا "قاف وجيم" (١)، [إِلَّا معرَّبًا (٢) نحو، جِلِّق، وجرموق (٣)، وكَرَجٌ (٤) ونحو ذلك (٥) ويُقال: إن الحَجَلَ: فراخه، وهو أحمق طير، يقال له: "أطرق يُحلب لك"، فيلبد بالأرض حتى يُرمَى. وفي "البازي" ثلاثة أوجه: [أحدها: يقال له: "باز"] (٦) على ما في البيت، وهو "فاعل" معتل اللَّام مقلوب من "بأز"، الذي هو فعل وهو الأصل. وجمع (٧) "البازي": بُزاة، كغازٍ وغُزَاة، وعلى بوازٍ، كناضح ونواضح. [والوجه الثّاني: "بأزٍ" بوزن "فعل" كما ذكرت، و] (٨) جمعه: أَبْوَازٌ وبِيرانٌ في الكثير، وألفه منقلبة من "واو"؛ بدليل قولهم في الجمع: أَبْوَاز. وفي الفعل بَزَابيْزُو (٩)؛ إذا غلب. [وفي "المقاتل" (١٠) لأبي عبيدة: التبازي:

стр. 1342

الاختيال، ومِشْية البغيّ، قال ابن ميادة (١): تَجِدْنِيَ إنْ عَضَّتْنِي الحربُ بَازِيا ومن هذا الأصل، البَزْواء (٢) من الأرض؛ المرتفعة، حكاها أبو عمرو (٣). وحكى كراع (٤): بَازَ يبيز بيزًا، وبُيوزًا: انتحى، وأنشد: وَكَأَنَّ فَاها حَجَرٌ مَلْزُوزُ … لَزًّا إلى آخَرَ مَا يَبيزُ وعلى هذا يجوز أن تكون ألف "باز" منقلبة عن ياء، والواو أصح] (٥). فكأن (٦) "البازي" اسم الفاعل في الأصل، ثم خصّ به (٧) هذا الجارح، على وجه التَّسمية له به، وحكى اللّحيَاني: "بأز" بالهمزة، وهو الوجه الثّالث (٨). والجمع: بئزان كرأل ورئلان. قال أبو الفتح (٩):

стр. 1343

وهو على بدل الهمزة من الألف، وليست لغة (١) فيه؛ لأنَّ الهمز لا أصل له في تصريف هذه الكلمة. [قال أبو الحجّاج: يمدح ذو الرّمَّة] (٢) بِلَالَ (٣) بْن أَبِي بُرْدَةَ بن أبي موسى الأشعريّ (٤) ﵁. و "من" متصلة بقوله قبلُ (٥): وَلكنني أَقْبَلْتُ مِنْ جَانِبَي قَسًا … أَزُورَ امْرءًا مَحْضًا نجيبًا يمانيًّا وبعدهما (٦): مُرِمِّينَ مِنْ لَيْثٍ عَلَيْه مَهَابَةٌ … تَفَادَى الأُسُودُ الغُلْبُ مِنْ تَفَادِيَا فَلَا يَغْربُونَ الضِّحكِ إلَّا تَبَسُّمًا … وَلَا يَنْبِسُونَ القَوْلَ إلَّا تَنَاجِيَا وَمَا الفُحْش منه يُرْهَبُونَ وَلَا الخَنا … عَلَيهم وَلكن هَيْبَةٌ هِيَ مَاهيَا [لَدَى مَلِكٍ يعلو الرجالَ بضوئه … كَمَا بَهرَ البدرُ النجوم السَّوارِيا] (٧)

стр. 1344

قَسًا (١): موضع. ومرمَّين: يعني مطرقين ساكتين. [ويروى: "فلا يغربون الضّحك" أَيْ؛ لا يكثرون، يقال: أَغْرَب، واستغرب] (٢) ولا ينبسون: أَيْ؛ لا يتكلّمون. والتناجي: السِّرار في الكلام. والهيبة، والمهابة: الإجلال. [قال عامر بن الطفيل (٣): وَلَقَدْ يُكَرّمُني الكِرَامُ بِوُدِّهم … وَيَخَافُ صَوْلتِي اللِّئامُ الرُّصَّعُ وَأَرَى بِمَنْزلةِ الكِرامِ مَهَابَةً … وَأَذبُّ عَنْ حَسَبِي اللِّئَامَ وأَدْفَعُ وللّه دَرّ الحكمي (٤) حيث قال: إِمَامٌ عَلَيْهِ هَيْبَةٌ وَمَحَبَّة … أَلَا بِأَبِي ذَاكَ المَهِيبُ المُحَبَّبُ] (٥) قال أبو عليّ (٦): "يجوز أن يكون "هيبة" خبر مبتدأ مقدّر، كأنّه قال: ولكن قصته هيبة، فتكون "هي" كناية عن القصّة، وجاز إضمارها؛

стр. 1345

لأنَّ فيما تقدّم من الكلام دلالة عليها؛ فكأنّ ذكرها قد جرى، وتكون "ما" على هذا (١) استفهامًا، و "هي" الثّانية خبرها. والمعنى: الرفع من الهيبة والتعظيم لها؛ كقولهم: "مَا أَنْتَ مِنْ رَجُلٍ"! وَيَا جَارَتا مَا أَنْتَ جارهْ (٢) ويجوز أن (٣) تكون "ما" زائدة، فيكون التّقدير: أمره هيبة هي هي، على الرفع من شأن الهيبة أيضًا، كما تقول: "أنت أنت". [وكقوله: أنَا أَبو النَّجْم] (٤) وشِعْرِي شِعْري ويجوز أنْ تجعل "ما" في هذا الوجه استفهامًا، على وجه الرّفع منها أيضًا، كقوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ﴾ (٥). فالمضمر في البيت بمنزلة المظهر في الآية". [قال أبو الحجّاج: ومن نصب "هَيْبَة" فعلى فعل مضمر، تقديره: ولكن يَهابُونَه هَيْبَةَ، فتنتصب انتصاب المصدر، أوْ يفعلون ذلك هَيْبَة،

стр. 1346

فتنتصب على المفعول له. وكان الوجهُ أنْ يقول: ترين النّاس حوله] (١)، لأنَّه كان قبل، في محاورة "عجوز" ذكرها، ولكنه رجع عن مخاطبتها، حيث قال (٢): وَمَا كُنْتُ مُذْ أَبْصَرْتَني في خُصُومَةٍ … أُرَاجِعُ فِيهَا يَا ابْنَةَ الخَيْر قاضيًا إلى مخاطبة صاحبه، أو مشيعه، [وأضرب عن مخاطبة المرأة. قال المبرد (٣): "وقد تفعل العرب مثل هذا كثيرًا". قال أبو الحجّاج: ولولا أَنَّ في الشّعر بعْدُ ما يؤيد هذه الرّواية، لكان الوجه أنْ يُروى "يُرى النّاسُ حوله"، على صيغة ما لم يسمّ فاعله] (٤).

стр. 1347

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٨٤ - أَعَارِيبُ طُوريُّونَ مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ … يَحيدُونَ عَنْهَا مِنْ حَذَارِ المقَادِر (٢) البيت لذي الرّمّة، استشهد به أبو عليّ على أنَّ الأعاريب جمع أعراب، و "أعراب" جمع "عرب" في الأصل، وإن كان "الأعراب" قد صار أخصّ؛ لأنَّه إنَّما يقع على "عرب" البادية، ويقال: عَرَبٌ وعُربٌ كما يقال (٣): عَجَم وعُجْم في أسماء كثيرة (٤). و "أعاريب (٥)، وطوريون" من صفات "الفتية" (٦)، في البيت الذي قبله، [وقد تقدّم إنشاده صلة ومعنى. وقوله: "طوريون"] (٧): مستوحشون عن كلّ بلدة جامعة، وكذا روى أبو

стр. 1348

عليّ في "التذكرة" "عن"، وروى في "ديوان (١) شعر ذي الرمة": "عن ومن"، [وكلاهما صحيح. قال أبو عمرو (٢): "الطوري: الذي لا يأتي أحدًا إلا أهله"، وفي كتاب "العين" (٣): رَجَلٌ طوراني وطُوري. والحمام الطورانيّة: منسوبة إلى طُورَان: اسم جبل (٤). وقال الجاحظ (٥): "حمَام طُوراني؛ أَيْ؛ بريّ لا يألف البيوت" وقال أبو حاتم (٦): "الطّرّاني من الطير: الغريب، وكذلك من الرّجال، وطوراني من كلام أهل الأمصار خطأ، وكذلك حكى عن الأصمعيّ، وغره حمام طُرَّآني؛ لا يدري من أين جاء، وجاء بأمر طُرآني، أَيْ؛ لا يُعرَف". وحكى يعقوب (٧) وغيره: "ما بها دُوِري وطُورِيّ" قال أبو الحجّاج: وهذا وإنْ كان بحرف النفي، فإن الاشتقاق يردُّ إلى معنى واحد؛ لأن معنى قولهم: "ما بالدّار طُوريّ" أَيْ؛ ما بها أحد يَطُور طُوَارها، وكذلك قول مَنْ قال: "ما بها طُوئي" (٨)، أَيْ؛ ذاهب، من الطَّاءَةِ؛ التي هي الذهاب والبعدُ في الأرض، ومن هذا الأصل

стр. 1349

اشتقاق "طيئ" عند المحققين (١)، وكذلك قولهم، في الغريب: "طوري"، أَيْ؛ هو يطور في النّواحي المختلفة. ويتصرّف فيها، وقد قال أبو الفتح في "الخصائص" (٢): إن الدّور، والطّور، والتور (٣): يرجع إلى معنى واحد؛ لأنَّ التقلب والتّردّد قد يجمعهما في المعنى، كما تقاربت حروفها في المخرج، وكذلك "الطُّرَآني" من طرأ فهو طارئ؛ في الطير والرجل الغريبين، قال أبو عبيدة (٤): الطور: الجبل] (٥). وقال أبو عليّ في "التَّذكرة": لا يكون قوله (٦): "طوريون" منسوبًا إلى الشَّام عندي؛ لأنَّ "الطور" (٧) ليس من هذا، والمعنى: أنَّهم ليسوا بحاضرة، ولا يتحضرون. [قال أبو الحجّاج: ولا يبعد عندي أن يكون "طوريون" منسوبًا إلى الطور الذي هو الجبل؛ على طريق الاستعارة والاتساع؛ أي هم مستوحشون من مواطن الاجتماع، ولائذون بالمعاقل ذوات الامتناع، كما يقال: فلان جبلى أَيْ؛ حاف مستوحش.

стр. 1350

قال أبو عليّ] (١): "فعن" الأولى على هذا متعلق بقوله: "طوريون"، حملًا على معناه، كأنَّه (٢) قال: متغربون عن كلّ بلدة، ودَلّ "طوريون" على ذلك، وإنْ شئت قلت: إنّه متعلق "بطوريون" نفسه، واستدللت بأنّك قد (٣) تجد أشياء مثل هذا، كقول (٤) ذي الرّمّة: فَرُبّ امرئ طاط عن الحق طامح … بِعَيْنَيْه مما عودته أقاربُهْ ويحسن هذا عندي، أنك (٥) تجد أشياء تتعدّى بالحروف، ولا تتعدّى بغيرها، أَلَا ترى أَنَّك تقول: "هذا مارّ بزيد أمسِ"، ولو قلت: "هذا ضاربٌ زيدًا أمسِ" لم يستقمْ، وتقول: "هو أعلم بذلك من عمرو"، نحو قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ﴾ (٦)، ولا يتعدّى "أفعل" بغير الحرف، فكذلك (٧) "طوريون" أيضًا، يحتمل تعلق الحرف به، وأن لا يتعدّى إلى ما لا حرْف (٨) فيه.

стр. 1351

وقوله: "يحيدون عنها"، على هذا التّقدير، يستقيم أن يكون صفة "لبلدة"، ويجوز أن يكون "عن كلّ بلدة يحيدون عنها" مثل، "زيدًا ضربته" تضمر ما يتعلّق بالحرف (١)، وتفسّره بالظّاهر، كما تفعل ذلك بالمنتصب. ويروى (٢): ............. عن كل قرية … .............. يحيدون عنها [ولو روى: "طورئون"، كان جائزًا. قال صاحب "العين" (٣): "والطوريّ: الوحشي من الطير والنّاس"] (٤). وقبله (٥). يَحُلونَ مِنْ وَهْبِينَ أو مِنْ سُوَيقْة … ...................... البيت [وبعدهما (٦): فَشَدُّوا عَلَيْهِن الرّجالُ فَصَمّمُوا … عَلَى كلِّ هَوْلٍ مِنْ جِنَانِ المُخَاطِر ونحو هذا قول كعب بن سعد (٧): وَخَبَّرتُمَانِي إِنَّما المَوْتُ بِالقُرَى … وَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَةٌ وَقَلِيبُ

стр. 1352

وروى غير (١) سيبويه: وقد قيل جهلًا إنَّما ....... … .............................. وَمَاءُ سَمَاءٍ كَانَ غَيْرَ مَحَمَّةٍ … بِبَرِّيَّةٍ تَجْرِي عَلَيْهِ جُنوبُ] (٢)

стр. 1353

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٨٥ - وَقَرَّبْنَ بِالزُّرقِ الجَمَائِل بَعْدَما … تَقَوَّبَ عَنْ غِرْبَانِ أَوْراكِهَا الخَطْرُ (٢) هذا البيت لذي الرّمّة أيضًا (٣)، استشهد به أبو عليّ، على أنّ "الجمائل": جمع جِمالٍ، قال في التذكرة: "جمعوا الجمع الكثير، كما جمعوا الجمع (٤) القليل، تأكيدًا للكثرة"، وذهب (٥) غيره إلى أنَّه جمعُ "جمالة"، تشبيهًا برسالة ورسائل. وقوله (٦): "وقرَّبْن": يعني النّسوة التي حففن (٧) بِمَيّ. وبالزرق:

стр. 1354

أكثبة (١) بالدَّهْنَاء. وتقوّب: تقشّر. والغربان هنا: رؤوس الأورَاك؛ سمّيت بذلك؛ لحدّة حُروفها، والواحد (٢): غراب. قال أبو عبيد (٣): الغُراب من كلّ شيء: حدّه، [ومثله، قال ابن دريد] (٤). والخطرُ هنا: موضع (٥) الخطر، وهو ما تعلق بأورَاك الإبل من ثلطها وبولها فتلبد، لضربها بأذنابها عليه يمنةً ويَسْرَة (٦)، من القوّة والنّشاط، [وإنّما انحت بعد أن جفرت (٧) الإبل، وانسلَّت فنظروا في التّحول. قال المبرّد (٨) وغيره: سُمِّي خطرًا، لأنَّه عنه يكون، وهذا كقولهم: "دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأَمير"، ونحوه كثير. يُقال؛ خطرَ الفحل بذنبه، يَخْطُر خَطْرًا وخَطرْانًا (٩) وخَطَيرًا؛ إذا رفعه جدًّا، وضرب به يمينًا وشمالًا؛ نشاطًا واختيالًا؛ لقوته، وقد يكون في ذلك وعيد] (١٠).

стр. 1355

وقبله (١): فَلَمَّا مَضَى نَوْءُ الثُّريا وَأَخْلَفَتْ … هَوَادٍ مِن الجَوْزَاءِ وَانْغَمَس الغَفْرُ رَمَى أُمّهَاتِ القُرْدِ لَدْغٌ من السَّفا … وأحصد مِنْ قُرْبَانِه الزَّهَرُ النَّضْرُ وَأَجْلَى نَعَام البَيْنِ وانْفَتَلَتْ بِنَا … نَوًى عنْ نَوَى ميٍّ وَجَارَاتِها شَزْرُ [وقرّبن بالزرق .............. … .............................. وبعدها (٢): تَخَيَّرْنَ مِنْها قَيْسَرِيًّا كَأَنَّه … وَقَدْ أَنْهَجَتْ عَنْهُ عَقِيقَتُهُ قَصْرُ رَفَعنَ عَلَيْهِ الرَّقْمَ حَتَّى كَأَنَّهُ … سَحُوق تَدَلَّى مِنْ جَوَانِبِهَا البُسْرُ] (٣) قوله (٤): "أخلفت هوادي" أَيْ، جاءت بعدها (٥). و "أم القردان": النقرة التّي تكون في أصل فِرْسِنِ البعير. وأحصد: حان حصاده. والقُرْيَان (٦): جمع قَرِيٍّ، وهو مدفع الماء إلى الرّوضة. وأجلى: انكشف، يُقَال للقوم إذا مضوا؛ "قد (٧) شالت نعامتهم"

стр. 1356

[وانفتلت: انعاجت. وشَزْر: على (١) غير قصدٍ، وهو صفة "لنوى" الأولى. القَيْسَريّ: الجمل (٢) الضخم الهامّة. وأنهجت: أخلقت. والرّقم: ثياب موشَّاة. وسَحوق: نخلة طويلة جدًا. وجواب قوله: فلما مضى نوء الثريا قوله في البيت الذي يليه "رَمَى"، وقوله في البيت الثّاني لهما: "وقَربْن"، معطوف على قوله: وأجلى نعام البين أو على "انفتلت بنا" بعده. "وقرّبن" يعني جارات مَيٍّ، وهذا أوضح من أن يكون يشرحُ، لكن نبهت به على وهم من جعل "الواو" زائدة في قوله: "وقرّبن بالرزق" لا للعطف، لأنّها عنده جرم؛ ليس لها في إعراب، ولا معنى حكم] (٣).

стр. 1357

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٨٦ - هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقوَامٍ فَتُنْذِرَهُمْ … مَا جَرّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وتَفرْيسي (٢) البيت لجرير، استشهد به أبو عليّ على جمع المصدر؛ وهو الحلم (٣)، وهو نحو من جمع الجمع، وليس جمع الجمع بقياس، ولكن في وجود النَّظير بعض الإيناس، وقد مضى الكلام فيه، مقرونًا بما يليه. وأنشد أبو عليّ (٤) أيضًا مكرَّرًا: ٢٨٧ - ظَهْراهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ (٥) البيت (٦) لخطام المجاشعي، أستشهد به، هو (٧) وغيره على جمع اللّغتين،

стр. 1358

حين أبقى التَّثنية في "ظهراهما"، وصرفها إلى لفظ الجمع في ظهور، وقد تقدّم موصولًا بشطرين. وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٨٨ - لأَصْبَحَ القَوْمُ أَوْبَادًا وَلَمْ يجِدوا … عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الهَيْجَاءِ جِمَالَيْنِ (٢) هذا البيت لعمرو بن العداء الكلبيّ، استشهد به أبو عليّ على تثنية "الجمالين" (٣)؛ لمّا ذهبوا بهما مذهب القطيع. قال أبو عليّ (٤): "وقالوا: "الجمائل" في جمع "جمال"، كما قالوا: جمالان فثنوا، و "لِقَاحانِ (٥) سَوْدَوانِ". و "لِقَاح" (٦): جمع لِقْحَةٍ، حكاه

стр. 1359

سيبويه (١). [ومَنْ قال (٢): "لقاحان"، ونحوهما، لم يقل: أقوالان؛ لأنَّه يجوز أن يعنى "بأقوال" ثلاثة وأربعة إلى العشرة، فلّما جاز أن يقع نفس البناء على ما تقع (٣) عليه التَّثنية، رفضى ذلك، واستغنى عنه، وليس الجمع في نحو "لَقاحين وجمالين ورِمَاحَيْ" (٤) في قوله (٥): بَيْنَ رِمَاحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ كذلك؛ لأنَّ الجمع لا يغني عن التَّثنية، كما أنّ "تَمْرَيْنِ" ونحوه، من أسماء الأجناس التي تختلف، لم يستغن فيه عن التَّثنية، فاستعملت فيها، على حدّ ما استعملت في "جَمَالَيْنِ"، ولا يستقيم مثل هذا من التّثنية في ضَرَبَيْ الجمع المسلم، مذكره، ومؤنّثه، ولا في الجمع الذي يراد به القليل؛ لأنَّ ذلك مع التَّثنية كالحَرْفَيْن إذا كانا لمعنى. قال أبو عليّ (٦): "وهذا عندي قياس قول سيبويه (٧) في قولهم: "أبينون"، ألا ترى أنَّه جعل "أَبْنَى" كَأَعْمَى، ولم يذهب به إلى أنَّه "أَفْعَل"، كما ذهب غيره (٨) ".

стр. 1360

الأوْبَاد: جمع وَبَدٍ، وهو سُوء الحال. يقال: وبِدَتْ حاله، تَوْبَدُ وَبَدًا؛ إذا سَاءَتْ، فقد يكون "الوَبَدُ" اسمًا، وقد يكون حدثًا، نقل إلى أن يجعل اسم الشَّيء نفسه، كالحَلَبِ والجَلَبِ، اللّذين هما اسمان للمحلوب، والمجلوب ومصدران، ولابدّ مع تأويله الحدث، أوْ اسمًا لسوء الحال، من اعتقاد المجاز فيه والاتساع، فإمّا أنْ يحمل على أنَّه جعل القوم الفقرَ والبؤسَ، مبالغة في سُوءِ أحوالهم، لِذهاب هذا الصّدق بأموالهم، وإمّا أنْ يحمل على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه، لما فهم المراد. والتَّقدير: لأصبح القوم ذَوِي أَوْبادٍ، أو مُحالفِي أوباد، وما أشبه هذا. و (١) إلى نحو هذا ذهب الجمهور، وقد حكى الحربي (٢): امرأة وَبِدَة؛ سيئة الحال. وقال اللّحياني (٣): إنَّه لَوَبِدٌ، فعلى هذا يكون "أوباد" جمع "وَبِدٍ" الصّفة، لا الحدث، وعلى هذا حقيقة لا مجاز. وروى أبو الفرج (٤): لأَصْبَحَ القَوْمُ أَوقَاصًا وَلَمْ يَجِدُوا … يَوْمَ التَّرَحُّل وَالهَيْجَاءِ جمالَيْنِ

стр. 1361

وقبله (١): سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرو عِقَالَيْنِ يعني عمرو بن عتبة بن أبي سفيان (٢)، وكان معاوية ولّاه صداقات كلب فاعتدى (٣) عليهم. والأوقاص: جمع وَقَصٍ، وهو ما بين الفريضتين من الإبل. والمعنى: لَوُجِدُوا مثل الأوقاص؛ في عدم الاعتداد بهم، كما لا يعتد بالوقَصَ، أو في ألّا يوجد عندهم في العام الآتي، ما تلزمهم فيه زكاة؛ لظلم هذا العاتي، وهذا أيضًا في الاتساع، والتّقدير على نحو ما تقدّم، إلَّا أنَّ حمل الحذف هنا على الأوّل عندي هو الوجه، تقديره: لأصبح مال القوم، ونحو هذا مما يليق بالمعنى] (٤). والهيجاء: الحرب تمدُّ وتقصر، وأصلها من الهيج، وهو الثوران والحركة.

стр. 1362

والعِقَال: صدقة عام، من (١) الأنعام، سمّيت بذلك، لأنَّها تعقل بالعقال؛ الذي هو الرِّباط. والسَّبَدُ: الشّعر، ويحتمل أنْ يعنيه، على وصفه بالنِّهاية، في الإذاية (٢)، ويكون على حذف مضاف تقديره (٣): ذا سبَدٍ يعني: الإبل والشَّاء (٤). وأنشد أبو عليّ (٥) أيضًا: ٢٨٩ - هُمَا إِبِلَانِ فِيهما مَا عَلِمْتُمُ … فَعَنْ أَيِّها مَا شِئْتُمُ فَتَنَكَّبُوا (٦) البيت لشعبة بن قمير (٧)، استشهد به أبو عليّ على قوله (٨): "إِبلان"

стр. 1363

في تثنية إِبِلٍ، قال (١): وهو في "إبل" أسهل؛ لأنَّه لم يكسَّر عليه شيء. وأنشد أبو زيد (٢) قبله: غَدَاةَ دَعَا الدَّاعِي فَكَانَ صَرِيخُهُ … نَجِيحًا إذا كَرّ الدُّعَاءَ المُتَوِّبُ بِكُلِّ وَآةٍ ذَاتِ جِدٍّ وَبَاطِلٍ … وَطِرْفٍ عَلَيْهِ فَارِسٌ مُتَلَبِّبُ وَجَمْع كِرَامٍ لَمْ تَمَزَّزْ سَرَاتُهم … حَشَا الذُّلِّ لا دُرْدٌ ولا متأَشَّبُ الصّريخ هنا: الإجابة، وهو في معنى "مصرخ"؛ الذي هو مصدر كالإصراخ يقال: أصرخته، إذا أعنته، [وقد يكون مصدر "صَرَخ"؛ كالصُّراخ يريد: فكان] (٣) دعاؤه نجيحًا: أَيْ، منجحًا. والمثوّب: المنادي؛ سمّي بذلك لأنّه يردد النّداء. والوآة: الحجر السّريعة المقتدرة الخَلْق؛ كأنّها تضمن لحاق المطلوب؛ لسرعتها وقوَّتها. والطَّرفْ: الحصان الكريم. والمتلبب: المتحزّم المشمّرُ. [ولم تمزز: أَيْ، تجزأ بذلك. والدُّردُ: جمع أدْرد؛ وهو الذي قد تحاتت أسنانه هرمًا. ولا متأشب أَيْ؛ مختلط. ومَنْ روى (٤) "ولا متأشِّب": أراد به المصدر، الذي هو التّأشب، يريد: ولا ذوو (٥)

стр. 1364

اختلاط، أَيْ، هم صرحاء. ويروى (١): "فعن أيةٍ ما شئتم" يقول: هما قطيعان، فيهما أَيْ في قربهما ما علمتم قبل، من الدّفاع الذي يأتي عليكم بسببه القتل. كقول الآخر (٢): تَراكِها من إِبل تَرَاكِها … أَمَا تَرَى المَوْتَ لَدَى أَورَاكِها ولم يرد إسلام أحدهما، وقد قال: "فيهما"؛ ولكنّه على جهة الوعيد، والإيذان، بأنّ رَبّ كلّ فرقة (٣) ذو بأسٍ شديد. وأعاد "الهاء" من قوله: "فعن أَيِّها" مفردة مؤنّثة، حملًا على معنى الفرقة. ألا ترى إلى الرّواية الأخرى: "فَعَنْ أَيَّةِ". ويجوز أن تعود "الهاء" على "الإبلين"، و "ما" التي في قوله: "ما علمتم"؛ لأنَّه عنى بِها المنِيَّة. والمعنى: إنْ أعرضتم عن الإبل نجوتم، وإن تعرضتم لها هلكتم، فاختاروا أيَّ حالٍ شئتم. وتذكير "أيّ" مع الإضافة إلى المؤنث جائز، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٤). ويحتمل أن تكون الهاء هاء "التنبيه" وما تقدّم أحسن، ولكنّه وجيه] (٥). وتنكبوا، بمعنى اعدلوا عنها، ولذلك عدَّاه بالجار.

стр. 1365

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٩٠ - وَأَيْنَ رُكَيْبٌ وَاضِعُونَ رِحَالهم … إلى أَهْلِ نَارٍ مِنْ أُنَاسٍ بَأَسْوَدا (٢) البيت (٣) لعبد قيس بن خُفاف البرجمي، استشهد به أبو عليّ على أنَّ "رُكيبًا"، في تصغير "ركب"، يدلّ على أنَّ "ركبًا"، ليس بتكسير "راكب"، كما زعم أبو الحسن الأخفش، ولو كان تكسيرًا، أوْ بابًا للجمع مطردًا (٤) كما ذكر، لقيل: "رُوَيْكبون"، فإن لم يقل ذلك، دَلَّ على صحّة قول سيبويه، ومن تبعه؛ من أن "ركْبًا وسَفْرًا ورَجُلًا"، ونحو هذا من الجموعِ التي لم يطّرد عليها تكسير الواحد (٥)، فوجب أن تصغر تصغير الواحد؛ لأنَّ هذا ليس بجمع، يطرد عليه "باب"، فيرد إلى واحده، ثمّ يجمع بالواو والنّون،

стр. 1366

أو بالألف والتَّاء؛ إن كان مؤنثًا، إلَّا أنْ يكون بناء لأدنى العدد (١)، فيترك على حاله والرّكب في الأغلب: ركبان الإبل. وواضعون: حاطون رحالهم (٢). و "إلى" هنا: بمعنى "لدى" عند من يقول (٣) بالبدل في الحروف الجارّة، وعلى مذهب (٤) البصريين الحاملين ذلك على المعنى يكون معنى وضع الرّحل: شدّه إلى أهل نار، ونحو هذا من التّقدير. وأنشد أبو زيد قبله: إذا ما اتصلت قلت يا لتميمنا … وأين تميم من مقامه أهودا وبعدهما (٥): عليها نجاشي يشحب وقودها … إذا خمدت يوم النعامة أوقدا [وأوّلها: إليك أبيت اللعن أعملتُ ناقتي … تجر برجليها السَّريح المقددا فلما أتتك بالبريض جعلتها … كذي الرامك الموعود يسقى غدا غدا يكذب رأيه ويخلف قوله … ويعطى إذا أعطى قليلًا مصردا] (٦)

стр. 1367

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٢٩١ - بَنَيْتُهُ بِعُصْبَةٍ مِنْ مَالِيَا … أَخْشَى رُكَيْبًا أَوْ رُجَيْلًا غَادِيَا (٢) البيتان (٣)، لأبي عمرو؛ أُحَيْحَة بن الجُلَاحِ (٤) بن الحريش بن جَحْجَبي الأوسيّ، استشهد بهما (٥) أبو عليّ على، أنَّ "ركبا" و (٦) "رَجْلًا" صُغرًا على "رُكيْب ورُجَيل"، مؤكدًا صحّة مذهب سيبويه، دون من خالف عليه. [وقبلهما (٧): بَنَيْتُ بَعْدَ مُسْتَظِلٍ ضَاحِيَا (٨)

стр. 1368

مستظِلِ، وضاح: أُطمان. وعلى "ضاحٍ" منهما تعود "الهاء" من قوله: "بنيته" ويُقال له: الضَّحْيَان أيضًا. وروى أبو الفرج (١) وغيره: "بقودة من ماليَا"، عوض "عصبة" يريد: بناحية من مالي وقطعة منه. وروى: "أخْشَى رِكَابًا"، فلا شاهد فيه على هذا. والرّكاب: الإبل، يعني: أَصْحَابَها. قال أبو الفرج (٢): "المستظل: أطم بناه أحيحة في قومه، وفيه تحصن من تبع الأخير. أبي (٣) كرب عمرو بن حسان بن تبع أسعد الحميري، حين قتل الأزياد؛ بابنه المقتول بالمدينة غيلة، وأراد: قتل أحيحة، ففطن له، وفرَّ إلى أطمه المعروف "بالمستظل" (٤)، وقيل: بل إلى "الضحيان"، وهو أطمه بالعُصبة (٥) في أرضه؛ التي يقال لها (٦): القُبَابة (٧)، بناه بحجارة سود، وبنى عليه نَبْرَة (٨) بيضاء، مثل الفضّة، يراها الراكب من مسيرة يوم،

стр. 1369

أو نحوه. وكانت الآطام عزّهم وحصونهم، وكان إذا أمسى، جلس بحذاء حصنه؛ "الضّحيان"، وأرسل كلابًا له تنبح (١) دونه، حذار أنْ يأتيّه عَدُو، يصيبُ منه غرة. قال (٢): وركب الوليد بن عبد الملك إلى المساجد يومًا بالمدينة، فأتي مسجد العُصَبة (٣)، فلما صلّى، قال للأحوص (٤): يا أحْوصُ، أين الزّوراء (٥) التي قال فيها صاحبكم (٦)؟: إنِّي مُقِيمٌ عَلَى الزَّوْرَاءِ أَعْمُرُهَا … إنَّ الكَرِيمَ عَلَى الأَقْوامِ ذُو المالِ لَنَا ثَلَاثُ بِئَار في جَوَانِبِهَا … فَكُلُّها عَقَبٌ يُسْعَى بِأَقْبَالِ وَاسْتَغْنِ أَوْ مُتْ وَلَا يَغْرُرْك ذُو نَشَبٍ … مِنْ ابن عَمٍّ ولَا عَمٍّ ولا خَال

стр. 1370

فأشار إليه الأحوص إليها، وقال: ها هي تلك، لو طوّلت لأَشْقَرك (١) هذا لجال عليها. فقال الوليد: إنَّ أَبَا عَمْرٍو، كان يراه غنيًا بها، فعجب النّاس يومئذ؛ لعناية الوليد بالعلم، حتّى علِم أنَّ كنية أُحَيْحة أبو عمرو. قال: والعَقب: الذي في أوّل المال (٢)، عند مدخل الماء. والطلب: الذي في آخره. ويروى (٣): "غاديًا" بالغين؛ من الغدو. و "عاديا" من العدوان] وغازيًا من الغزو (٤).
следующие страницы →