← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

و"عدَّ" هاهنا: يجري عندي مجرى "حسِبَ" وبابه، في أنَّه يَتَعدَّى إلى مفعولين؛ لأنه من جهة الاعتقاد، لا من جهة الأعدادِ، ويجوز أنْ يكونَ من "العدِّ" (١)، ويكون "أفضل مجدكم" مفعولًا ثانيًا بإسقاط حرف الجر، أيّ؛ تَعُدون ذلك مِنْ أفضل مجدكم، وقول الشَّاعر (٢): لا أعُدُّ الاقْتارَ عُدْمًا ولكن … فَقْدُ مَنْ قَدْ رُزِئتهُ الإعدامُ يؤكد الوجه الأوَّل. والعَقْرُ هاهنا: عرقبةُ الإبل، لئلا تبر لما يرام (٣) من نحرها. والنيّبُ: جَمْعُ نابٍ، وأصلها نَيَبٌ، فأُبدلت "الياء" (٤) ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ودليل كون عينها "ياء" قولهم في الجمع القليل: أنْيابٌ، ووزنُ نُيْبٍ "فُعْل" أبدلت من الضمّة الكسرة، لتسلم "الياء" ونظيرها من الصحيح: أسدٌ وأُسْدٌ. والناب: الناقة التي نصفت سنها (٥)، وهي أحمدُ (٦) ما تكون؛

стр. 142

لكثرة رسلها (١)، وتتابع نسلها، قال خُليْد (٢) عَيْنَيْنَ يرثي المنذرَ بن الجارود (٣): بَحْريَّ قوقي فانْدُني مُنْذرًا … بصالح الفعْلِ وما تعْلَمينْ لِعَقْرِهِ النِّيبَ إذا ماشتا … وحَمْلِه الثُّقْلَ عنِ الغارمينْ فمدح بعقرها كما ترى، ولكن جريرًا قصد الذمَّ، فزعم أنها عُقرت لأنها قد نيَّبت وأسنت، فلا يرجون نسلها ولا رسلها. [وقولُه: "بحْريّ" ترخيم "بحرية"، وهي اسمُ نادبةٍ للمرثي المذكور] (٤). و"بني صوْطَرى": [منصوب على النداء] (٥) رماهم (٦) بالحمق؛ لأنَّ أُمَّهم؛ محمقةٌ، والضَّوْطرى: المرأة (٧) الحمقى (٨)، وزنها "فوْعَلَى" (٩)

стр. 143

كالخوْزلى والأوْتكى في أحد (١) المذهبين، [وسيأتي الكلام فيها موَّفًى إنْ شاء اللَّه. وقيل: "الضَّوْطرى": الضخمُ مِثل الضَّيْطَر الذي لا غناء عنده، وحكى "كراع" (٢) عن يعقوب: الضَّوْطر (٣): الكثير اللَّحم، وقال غيره: هو الضَّوْطَرى وأنشد بيت جرير هذا. وقد روى (٤) في هذا البيت: مكان لَوْلَا: هلًا، ومكان مجدكم: سعيكم] (٥). و"الكميُّ": الشجاع الذي لا يخيم، قاله أبو عبيد (٦)، وقال: "هو أمْدَحُ (٧) من البطَلِ، والبُهْمَةَ أمدحُ منه؛ لأنَّه لا يدري [كيف يؤتى، والبئيس أكثر منه".

стр. 144

واشتقاقُ الكَميِّ من كَمَى وتكَمَّى إذا قصد إلى القتل، قاله ثعلب (١)، وأنشد: بلْ لَوْ شَهِدتَ النَّاس إذْ تكُمُّوا … بِغُمَّةٍ لَوْ لم تُفرَّجْ غَمُّوا فهو على هذا "فَعيْلٌ" أو "فَعُول" على الخلاف فيه، وقد أشار إليه أبو عليّ حيث قال في تكسير الصفات (٢): "وزعم أبو زيد (٣) أنَّهم قالوا: كمَّى وأكماء". قال أبو عليّ: "وزعم غيره -يعني أبا الخطابِ (٤) - أنَّ مثلَه عدوّ وأعداء". وهذا الجمع على اعتقاد حذف الزيادة منه، ومَنْ قال في جمعه: "كماة" شبه "فعيلًا" بفاعل] (٥) وقال ابن قتيبة (٦) وغيره: هو من كَمَى الشيءَ إذا سترَه، وجعَله "فَعيلًا". بمعنى مفْعول؛ كأنه مَكْميّ أي: مَسْتورٌ، كأنَّ اللَّه يستره بحفظه إيَّاه، ومنْ أمثالِهم: "الشُّجاع مُوقَّى" (٧).

стр. 145

وقيل: هو "فَعيلٌ" لفْظًا ومعْنى، أيْ: يُخْفي شجاعتَه فلا يظهرها إلّا عند الحاجة، ويخفى نفسه في السِّلاح [وقيل: التَّكمِّي: القمْعُ] (١). وحكى أبو بكر (٢) بن عبد العزيز: "كمَى الشَّهادة وكُلَّ شيءٍ وأكماهُ إذا ستره، قال: والكَمِي منه؛ كأنَّه في ستر اللَّه". قال أبو الحجاج (٣): ويكون عندي "فَعيلًا" بمعنى "مُفْعِل" أيضًا على لغةِ أكْمَى. و"المُقَنَّعُ": الذي عليه مِغْفَر وبَيْضَةٌ، كذا قال (٤) يعقوب. وقيل البيت (٥): فلنْ تَذكروا جَرَّ الفقيميِّ غالبًا … ولا العقر عند المنقريِ المُضيَّعا سأذكرُ ما لم تذكروا عنْد مِنْقَرٍ … وأثني بعارٍ مِنْ حُميْدَةَ أشنعا والمعنى في بيت الكتاب إنَّه يقول لبني مجاشع: فخرتم بعقر النيب المُسنةِ، لا بعقر الكماة عند اشتجار (٦) الأسنَّة.

стр. 146

وفيها (١) يقول: أتعْدِلُ يرْبوعًا خَنَاثَى مُجَاشِعٍ … إذا هُزَّ بالأَيدي القَنَا فتزعزعا وللفقيمي (٢) مع غالب أبي الفرزدق خبر (٣) حين أرجله من راحلته وأذله. وقوله: "ولا العقر" يُعرِّضُ بجَعْثِنَ أخت الفرزدق حين تعرَّض (٤) لها لتفتضح نكاية للفرزدق في تعرضه المنقرية (٥)، وهذا كان سبب (٦) ما وقع بين الفرزدق وبين بني فقيم. وكان الفرزدق عاهرًا، وأخته جِعْثَنُ امرأة (٧) عفيفة صالحة، وحميدة هذه التي عرَّض بها جرير، هي من بني رزام بن مالك بن حنظلة، كانت امرأة مَعْبَدٍ السَّليصي، خدعها حَوْطُ بن سنان، فأخفاها في رحله ثم عثر عليها، فرجمها عبد الرحمن بن عبيد، صاحب شرطة الحجاج، فعير جرير الفرزدق بها؛ لأنَّها كانت من بني مالك.

стр. 147

قال أبو الحجاج: ولهذه المعاقرة خبر طويل [اجتلب بعضه (١) مختصرًا؛ وذلك أن بني تميم احتلت في سنة مجدبة (٢) صوأر؛ وهو ماء لكلْب بطرفٍ السماوة، وكان ذلك في خلافة عليّ بن أبي طالب ﵁ فصنع غالب أبو الفرزدق طعامًا وقسَّمه على أهل المزايا؛ أيْ القَدْر، فكفأ سُحَيْمُ (٣) بن وثيل الجَفْنَةَ المرسلةَ إليه، وضرب الخادم وشَرِيَ (٤) القولُ بينه وبين غالب حتّى تداعيا إلى المعاقرة، فعقر غالب مائتين من الإبل. قال أبو عليّ البغدادي في كتاب "الذيل" (٥): "وعقر سُحيم بعد ذلك إبله في كناسة الكوفة؛ لأتها كانت غائبة في وقت المعاقرة" (٦). وروى أنَّ عليَّ بن أبي طالب ﵁ قال حينئذٍ: "لا تأكلوها فإنها مما أهلّ به (٧) لغير اللَّه" وأمر بطرد النَّاس عنها.

стр. 148

ففى هذه المعاقرة يقول جرير مناقضًا (١) للفرزدق من كلمةٍ أوَّلها (٢): لقدْ سرَّني أن لا تعُدَّ مُجاشعٌ … مِن المجد إلَّا عَقْرَ ناب بصَوْأر أنابُكَ أَمْ قَوْمٌ تَفضُّ سيوفُهم … عن الهام تثني بَيْضَةِ المُتجبِّر تفُضُّ: تقطع، وقوله "أنابُك": هو عندي مبتدأ محذوف الخبر؛ لدلالة الكلام عليه، والتقدير: أنابك فخر أم الفخر قوم (٣) صفتهم كذا؛ أيْ فخرُ قوم، فحذَفَ المضافَ وأقام المضافَ إليه مُقامه، وقد يكون [المعنى: أنابك فخر] (٤) أم قوم شجعان الفخر، ونحو ذلك فيكون فيه على هذا التأويل حذف الخبر فقط. [وكثرت الشعراء في هذه المعاقرة القول، فممن قال فيها: ذو الخِرَق (٥) الطُّهوي يَتَعَصَّب لغالب (٦)؛ لأنه من بني مالك بن حنظلة:

стр. 149

أبلغ رياحًا على نأيها … ورَهْطَ المحلِّ شُفَاةَ الكَلَبْ فلا تبْعَثوا منْكُم فارطًا … عظيمَ الرِّشاءِ كبيرَ الغَرَبْ يُعارضُ بالدَّلوِ فَيْضَ الفُراتِ … يَصُكُّ أواذيَّه بالخَشَبْ فما كان ذَنْبُ بني مالكٍ … بأنْ سُبَّ منْهُم غُلامٌ فَسَبْ عراقيب كومٍ طوال الذرى … تخرُّ بوائكُها للرُّكبْ بأبيْضَ يهْتزُّ في كفِّه … يقُطُّ العظامَ وبيْري العَصَبْ (١) ويروى (٢) "ذي شُطبٍ باتر" تسامى قروم بني مالك … فسامى بهم غالبٌ إذْ غلَبْ وأبقى سُحيمٌ على مالِه … وهاب السُّؤالَ وخافَ الحَرَبْ يريد: المحلَّ (٣) بن كعبٍ أخا بني قطن بن نهشل. وكذلك قال في تفضيل الفرزدق وفخر بهذه المعاقرة عُمَرُ بن لجأ (٤) ومما قاله في ذلك (٥) جرير:

стр. 150

فنودر يومَ الروْع خيلًا مُغيرة … وتوردُ نابًا تحملُ الكيرَ صوأرا سُبِقْتَ بأيام الفَخَار فلم تَجِدْ … لِقَوْمِكَ إلا عَقْرَنا بِكَ مفْخَرا الثناء يكون في الخير (١)، وذهب قوم إلى أنه قد يكون في الشر (٢)، ويمكن أن يحتجّ لهذا المذهب بقول جرير هنا: "وأُثني بعار". وقد يقال: إنما أراد أنّ الذي يقوم مقام الثَّناء على غيركم ذكري العار عنكم ونشره، فلا حجة فيه على هذا التأويل، ونحوه قول اللَّه تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾] (٣).

стр. 151

وأنشد أبو عليّ (١): ٣ - وقدْ جَعلتُ إذا ما قُمتُ يُثْقِلُني … ثَوْبي فأنْهضُ نَهْضَ الشَّارب الثَّملِ (٢) استشهد به أبو عليٍّ على أنَ "جَعَل" (٣) هنا بمعنى صار، أي، صرت إلى هذه الحال ودخلت فيها؛ لفقد الشباب، حتّى إنه ليثقلني حمل ما علي من الثياب، وأنهضُ لضعفي نهضَ نشوان من الشراب. وكان بعض [من لقيت من] (٤) الشيوخ ينسب هذا البيت (٥) للحكم ابن عبدل (٦) الأعرج الأسديّ، ولم أجده في شعره. وروى [هذا البيت جماعة] (٧): "السَّكر" مكان "الثَّمِل"،

стр. 152

وممن رواه هكذا الجاحظ (١): في "باب العرجان" من كتاب الحيوان، ونسبه لأبي حيَّة (٢) النُّميريِّ، وأنشده له هكذا: وقدْ جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يوجِعُني … ظهري فقمتُ قيامَ الشَّارب السَّكرِ وكنتُ أمشي على رجلين معتدلًا … فصرتُ أمشي على أُخرى من الشجرِ [وأنشد ابن الأعرابي (٣) والسُّكَّري: في شَرح شعر طفيل (٤) الغنويّ، وابن الأنباري في الزاهر (٥) عن أبي العباس، وأبو عليّ في الأمالي (٦): ما للكواعب يا عيْساءُ قَدْ جعلتْ … تزْوَرُّ عنِّي وتَطوِي دونيَ الحُجَرُ

стр. 153

وكنتُ فتَّاحَ أبوابٍ مُغلّقة … ذَبَّ الرِّيادِ إذا ما خولِسَ النظرُ فاليومَ صرْتُ أرى الشخصين أربعةً … والواحد اثنين ممّا بوركَ البصرُ وكنتُ أمشي على رجلينِ معتدلًا … فصرتُ أمشي بأُخرى ربُّها الشَّجرُ كذا أنشده ابن الأنباري، وقال أبو عبيد (١) البكري: روى بعضهم: برجْلٍ أُختها الشّجَرُ. ونسبه ابنُ الأعرابي في "نوادره" لعبد أسودَ من عبيد بجيلة، ونسبه أبو عمر عن أبي عبيدة: فاليومَ صرْتُ أرى الشخصينِ أربعةً … والشخص شخصين لما مسَّني الكبرُ والذي يليه بعده، لِقَرَدَة (٢) بن نُفاثة السَّلولي، إلّا إنَّه روى: تُنْبِتُ الشَّجرُ. وروى أبو سعيد السُّكريُّ: فَصِرْتُ أمشي على أخرى من الشَّجر على الإقواء (٣). ولم ينشد بيت "الإيضاح" غير الجاحظ.

стр. 154

قال السكري: "قوله: "ذبَّ الرِّياد" أي؛ كثير الذهاب والمجيء"؛ ولتقصى الكلام فيه موضع غير هذا. وقوله: "بورك البصر" على جهة الهزء منه ببصره. والنَّهضُ والنُّهوضُ: التحرك للمشي. والثَّمِلُ: النَّشوان الذي قد حيَّر عقله السّكر ولما يغلب. والجمع ثِمَال، قاله أبو حنيفة. وأنشَد الفرَّاءُ في نحو بيت أبي حيَّة هذا: أصبحتُ يا زيدُ كأنّي نِقْضُ … وصِرتُ لا يحملُ بعضي بعضُ وضُعفَ العظْمُ وجفَّ النحضُ النِّقْضُ: البعير الذي قد ردد في السَّفر] (١). وأمَّا شعر الحكم بن عبدل (٢) الأعرج الأسدي من أسد خزيمة [فهو في العرج] (٣). قال أبو الفرج (٤) وغيره: لقى (٥) ابن عبدلٍ عبد الحميد بن عبد الرحمن

стр. 155

ابن زيد بن الخطاب. وكان أمير الكوفة، وكان أعرجَ، وصاحب شرطته أعرج أيضًا (١)، وقد تعرض لعبد الحميد سائلٌ أعرج يسأله، فقال (٢) الحكم معرضًا بالأمير (٣)، وصاحب شرطته: ألق العصا ودع التعارج والتمس … عملًا فهذي دولة العرجان فأميرنا وأمير شرطتنا معًا … لكليهما يا قومنا رجلان فإذا يكونُ أميرنا ووزيرنا … وأنا فإنَّ الرَّابع الشيطان فلما بلغت أبياتُه هذه الأميرَ بعث إليه بمائتي درهم، وسأله أن يكف عنه، قال: وكان قد ترك الوقوف على (٤) أبواب الملوك؛ لعرجه وصار (٥) يبعث إليهم بعصاه مكتوبًا عليها حاجته فتقضى له، وفي ذلك يقول يحيى بن نوفل (٦): عصا حكم في الدارِ أوَّل داخلٍ … ونحنُ على الأبواب نُقصى ونُحجبُ وكانت عصا موسى لفرعونَ آية … وهذي لعمر اللَّه أدهى وأعجبُ

стр. 156

قال أبو الفرج (١): فكان هذا سبب رجوعه إلى الكتابة (٢) في الرقاع [قال أبو الحجاج: وقد نسب بيتَ "الإيضاح" بعضُ (٣) منْ تكلَّفَ نسبَةَ أبياته لابن أحمر، ولم ألفه في ديوان شعره. ولعلَّ بيتَ "الشارب الثَّمل" من غير هذه الرَّائية، ووقع الوفاق بينَ هذينِ البيتين لهذين الشَّاعرين كما وقع لغيرهما، مثل قول ابن الخطيم (٤): رددْنا الكتيبةَ مفلولةً … بها أَفْنُها وبها ذانُها وهكذا هو لكنّاز (٥) الجرمي، حاشى القافية فإنها: "ذابُها" بالباء. وهذا (٦) التوارد كثير].

стр. 157

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ٤ - وقدْ جعلَتْ نفسي تطيبُ لضغْمةٍ … لضغْمهما ها يقْرعُ العظمَ نابُها (٢) استشهد به (٣) أبو عليّ أنَّ "جَعَلَ" للأخذ في الشيء أيضًا والمقاربة (٤) له. وهو لغلمس (٥) بن لقيط الأسدي يرثي أخاه، ويشتكي من قريبين له يؤذيانه، وقيل: هما ابنا أخيه مُدْرِك ومُرَّة. [وقال المرزباني (٦) فيه: "السَّعدي قال] (٧) وكان له ثلاثة إخوة،

стр. 158

فمات أحدهم، وكان به بارًا، فأظهر الباقيان عداوته". فقال: ثم أنشد الأبيات [لهذا السعدي، ثم ترجم بعده لمغَلِّس بن لقيط بن حبيب بن خالد (١) بن نضلةَ الأسديّ، جاهلي هو وأخواه بعثرو نافع ابنا لقيط شعراء. فجعلهما المرزباني كما ترى مغلسِّين مُختلفي النسبة. وقبله أنشده السيرافي (٢) وغيره] (٣): وأبقت لي الأيامُ بعدَك مُدرِكًا … ومُرَّةَ والدنيا قليلٌ عِتابُها قريبين كالذئبين يقتسمانني … وشرُّ صحابات الرجال ذئابُها [إذا رأيا لي غَفْلةً آسدا بها … أعادِيَّ والأعداء كَلْبَى كِلابُها وإنْ رأياني قدْ حذرتُ تبغّيًا … لرجلى مُغوَّاة هياما تُرابُها] (٤) فَلولا رَجَائي أنْ تثُوبَا وَلَا أرى … عقو لَكما إلّا شديدًا ذهابُها سقيتُكما قبلَ التَّفرُّق شَربَةً … يمرُّ على باغي الظِّلام شَرابُها وقد جعلَتْ نفسي [تَهُمُّ بضغمةٍ … على قلي غيظٍ يهزم العظمَ نابُها

стр. 159

كذا رواه أبو عمرو (١): في "كتاب الحروف" (٢) له، وكما ثبت في "الإيضاح" رواه سيبويه (٣)] (٤)، واستشهد به على وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل؛ لأنَّ مجيء الضمير (٥) المنفصل مع المصدر أحسن، والمصدر هو (٦) "لضغمهماها"، وهو مضاف إلى "هما"، و"هما" في المعنى (٧) فاعلان، والمفعول "المضغوم" محذوف، ولو (٨) ذكره مع هذه الهاء [المتصلة العائدة على "ضغمة"] (٩) لقال: "لضغمهماها (١٠) أيَّاي"، ولو أتى بضمير "الضغمة" منفصلًا على الوجه الأحسن لقال: "لضغمهما إيَّاي إيَّاها"، "فكان" "إيَّايَّ" يتقدّم (١١) لوجهين: أحدهما (١٢)؛

стр. 160

لأنَّه ضمير المتكلم (١)، وهو أولى بالتقدّم (٢) من ضمير الغائب، والوجه الآخر (٣): أنَّ "إياي" ضمير المفعول به، و"إيَّاها" (٤) ضمير المصدر، فهي فضلة مستغنى عنها بما هو آكد منها. وكان الأصل "لضغمهما إيَّاي مثلها"، [أيْ، مثل تلك الضغمة] (٥)، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فكان ينبغي أن يأتي بالضمير المنصوب المنفصل، وحَذفُ المفعولِ مع المصدر إذا كان معه الفاعل كثير، كما قد (٦) يحذف معه الفاعل أيضًا (٧). ومثل هذا البيت في حذف المفعول مع المصدر قول النَّمِر (٨): دُعاءُ العذارىَ عمَّهُنَّ وخِلْتَنِي … ليَ اسمٌ فلا أُدْعى به وهو أوَّلُ

стр. 161

التقدير: دُعاءُ العذارى إيَّايَ، [وسيأتي هذا البيت موفى الكلام عليه بعد إنْ شاء اللَّه تعالى] (١) قال أبو عليَّ؛ لأنَّ المحذوف مع المصدر بمنزلة المثبت في اللّفظ". والضَّغْمُ: العضُّ بالفم كله، ومنه قيل للأسد: ضَيْغَمٌ. [قال أبو زيد (٢): "ضَغمْتُ به أضغمُ ضغْمًا وهو أن تملأ فاك بما أهوَيْتَ قصدَه مما يؤكل ويعض"] (٣). وقوله: "يقرع العظم نابها" جملة (٤) في موضع جرّ على النعت "لضغْمَة"، والهاء عائدة عليها، والتقدير: لعضة قارع العظم نابها؛ لأنَّ ضغماني ضغمة مثلها، وجعل للضغمة نابًا على الاتساع، والمرادُ ربُّها. [وقال الأخفش (٥) - فيما حكى عنه ابن النحاس (٦): المعنى لعضهما إيَّاها] (٧) يقرع نابها ظفرها حُزنًا، كما قال تعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٨).

стр. 162

قال أبو بكر بن الفرضي (١): "فالهاء" على هذا التأويل عائدة على "العظم" الذي هو الظفر، وأنث؛ حملًا على الأنملة، هكذا حكى عنه بعضُ أصحابنا وهو عندي غلط من الناقل عنه، لأنَّ "الهاء" إنما تعودُ على عضة (٢) على هذا التأويل أيضًا؛ لأنَّ "يقرع العظم نابُها" صفة "لضغمة" فلابدّ من عائد من هذه الجملة إليها (٣). والأحسن عندي حمل قوله: "العظم" على العموم، لا على "الظفر" فقط؛ لأنَّ الشاعر إنما ذهب لتوعّدهما (٤) وتهديدهما -إنْ لم يقلعا عن أذاه، ويثوبا إلى وصل الرَّحم الذي (٥) ترجاه- بأنْ يبلغَ منهما من المكروه مثل ما بلغاه (٦)، وأشار ببلوغ "العض" إلى العظم إلى إفراطهما في الأذية (٧) له والظلم. [ورواية الشيباني تؤكد ما ذهبتُ له] (٨). و"العتاب" في قوله: "عتابها": في معنى الإعتاب، فالعتاب (٩) على هذا

стр. 163

مضاف إلى الفاعل، أيْ: لا نزوع له (١) عن العتاب، كما قال أرطاة بن سُهية (٢): على الدّهر فاعتب إنَّه غيرُ معتبِ أيْ؛ غير نازع عن العتاب ولا مُرضِ. ويكون عندي بمعنى "المعاتبة"، فالمصدر على هذا مُضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف من اللّفظ مُقدر في المعنى مراد، أيْ؛ عتابُ المعاتب (٣). لها (٤) لا ينجع فيها؛ لأنَّها مطبوعة على ضر الأحرار من بينها (٥). وقوله: "قليل" نفي، أو تقليل. وقوله: "آسدا بها": أيْ أغريا بها بسبب الغفلة عداي، وأطماعهم في انتهاز الفرصة من أذاي. و"كَلبى": جمعُ كلبٍ، قال الفرَّاء وغيره: رجلٌ كَلِبٌ، وقوم كَلبَى: إذا أصابهم الكَلْبُ والكَلَب؛ وهو الذي لا يبرأ منه. "والمغواة" حفرة للصائد:

стр. 164

"والهيام" من الرمل: اليابس وروى أبو علي في "التذكرة": "هَيَالي ترابها". وقال: "هذا يدلّ على أنَّ "الترابَ" جمعُ "تُربٍ" كقوله: "مررت برَجُلٍ حِسَانٍ قوْمُه"؛ ولو كان مُفردًا لقال: "هائِل ترابها" وقال صاحب (١) العين: "الهائل والهيْل: الرمل الذي لا يثبت" وضرب هذا مثلًا؛ لكثرة معرفتهما بالشرّ، والتحيُّلِ في جلب أنواع الضر] (٢). والظلام (٣) بمعنى الظلم، وقد يكون عندي جمعًا "لظُلْم"، كما ذهب إليه أبو عليّ في "التراب" أنه جمعُ "تُرْب"، فيلحق بالألفاظ التي جُمعت على "فُعالٍ"، وقد قيل (٤) فيه: "الظِّلامُ" بكسر الظاء، وكذا رأيته مكسورًا في نسخة من "شعر أبي دواد" (٥)، زعم كاتبها أنه قابلها بنسخة كانت بخط سيبويه. وقد قيدهُ صاحب (٦) "كتاب الموعب" (٧) عن أبي زيد (٨) فقال (٩):

стр. 165

"فلان يريد ظِلامي -بكسر الظاء- وظِلامتي (١) وظلمي، وأنشد: وسامته عشيرتُه الظِّلاما (٢) وقال ابن دريد (٣): الظلام مصدر ظالمته. وقال كراع (٤): جمع الظلم: ظلام. وأنشد للمثقب (٥): وهُنَّ على الظِّلام مُطلبَّاتٌ … قوات كلِّ أشجعَ مُسْتكين وقال أبو الحجاج (٦): وقد يكون "الظّلام" لغة (٧) في "ظلم"، كلبسٍ ولِباسٍ ونحوه (٨). وقد يكون جمع ظلم، [كما قال كراع] (٩)، وإن كنت لا أعلم "فعالًا" في جمع "فُعْل" إلّا في المضاعف (١٠) نحو قُفٍّ وقِفاف، كما قد (١١) يكون "الظلام" جمع "ظلامة" وهو أشبه وجوهه.

стр. 166

وأنشد أبو عليٍّ (١) أيضًا: ٥ - عُلينَ بكِدْيونٍ وأُشعِرْن كُرَّةً … فَهُنَّ إضاءٌ صافياتُ الغلائلِ (٢) البيت للنايغة زياد لات معاوية بن ضباب، وقيل زياد بن عمرو الذُبياني من كلمة طويلة، وقبله (٣): وكلُّ صَمَوتٍ نَثْلَةٍ تُبَّعيَّةٍ … ونَسْجَ سُلْيمٍ كُلَّ قضاءً ذائلِ استشهد به أبو عليّ على أنَّ قوله: "إضاءٌ" خبر للمبتدأ الذي هو "هنَّ" على سبيل المجاز والاتساع (٤)، إذْ "هنّ" ضمير الدروع التي (٥) تقدم ذكرها في البيت قبله؛ و"إضاء" جمع: "إضاءة" فيمن كسر الهمزة في جميعها (٦)؛ وهى غدير الماء في القاع من سيل (٧) كان ذلك أوْ من (٨) غيره.

стр. 167

[وقال أبو حنيفة: "الإضاة": منتهى السيل كالنَّهي والتنهية] (١). وقال أبو عليّ أيضًا: "إضاء" جمع "أضا" كسروها على "فِعال" كما كسروها على "فعول" في قولهم: "صَفًا وصفِيّ". شبه هذه الدروع التي وصفها بها في الصفاء، وشدّة الجلاء، لتهمم الممدوح ربّها (٢)، للقاء الأعداء بها. ويروى: "فهن (٣) وِضاء" وهي (٤) جمع وضيئة أيْ، صقيلة نقية (٥)، والخبر على هذا حقيقة لا مجاز، وقد يحمل قوله: "إضاء" على الحقيقة أيضًا؛ بأنْ يريد "وضاء" ثم يبدل واوها همزة وهو مذهب مطرد في القياس، عند الجمهور من النَّاس. وقال (٦) أيضًا: "أضًا" جمع "أضاءة" بفتح الهمزة [فيها قال أبو عليّ: لغة فيها تمد، يعني في "أضاءة"، وهذه رواية غريبة ذكرها سيبويه ﵀] (٧). وقوله: "عُلين" (٨) أيْ صُبّ عليها من خارجها الكديون؛

стр. 168

وهو عكر الزيت، وجعل في داخلهن "الكُرَّة"؛ وهو البعر العَفِن المحرق، وصار (١) لها ذلك كالشعار؛ وهو ما يلي الجسد (٢) من الثياب [استعاره هاهنا لفرط المداخلة، ويروى (٣): "وأُبطن كرة (٤) " وهذه الرواية أشهر وأجود. وقال ابن دريد (٥): "يحرق البعر، قال غيره: ويدق ثم ينثر على الدرع لئلا تصدأ"] (٦) ولام "أضاة" واو؛ لقولهم في جمع السَّلامة: أضَوَات [وقد قالوا في جمعها: إضون وأُضِي وإضِي، وقد يجوز أنْ يكون أُضِي وإضِي جمع أضًا، لا جمع أضاةٍ. كما قال أبو الفتح (٧) في قولهم: مواقع الطير على الصُّفيِّ أن يكون "صُفيُّ" جمع "صفًا" أشبه.

стр. 169

قال أبو الحجاج: وهو قول سيبويه (١) وقول أبي عليّ (٢) على ما تقدّم] (٣) و"الباء" في قوله: "بكديون" (٤) في موضع نصب، و"صافيات الغلائل": الأحسن فيها أن تكون خبرًا عن قوله: "فهن" بعد خبر؛ لأنها عندي أحق بالمبتدأ؛ لكونها (٥) حقيقة، فلها فضل على المجاز، ولأنها مجموعة جمع السَّلامة، ولأنَّها (٦) أبلغ في المدح للدروع، ونحو من هذا مذهب (٧) أبي الفتح في قوله (٨) تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾؛ لأنه جعل "خاسئين" خبرًا "لكان" بعد خبر ولم يجعله نعتًا؛ لفضيلة السلامة، ويجوز أن يكون "صافيات الغلائل" نعتًا "لأضاء" على سبيل (٩) المجاز فيها أو (١٠) الحقيقة لاستقلال الفائدة بها في الوجهين. و"الغلائل" جمع غِلالة الثوب، وقيل (١١): جمع غليل؛ وهي (١٢)

стр. 170

مسمار الدرع، وهي (١) "فَعيل" بمعنى "مفعول" من غل إذا أدخل في الحلق، هذا قول أبي الحسن (٢) الطوسي [ونحوه حُكي عن الأصمعي وابن الأعرابي. وقيل: واحدها "غليلة" يُراد مسمار الدروع] (٣) وخص "الغلائل" بالصفاء؛ لأنَّها أوَّل ما يصدأ من الدّروع (٤)، فإذا وصفها بالصفاء فسائر ذلك منها في غاية الرونق والنقاء (٥)، ومن جعلها البطائن التي تلبس تحت الدروع، ذهب إلى أنّ الدروع لنقائها وشدّة صفائها، لم تصدأ الغلائل [وقال المبرد: "يقال لمن رق لونه حتّى يكاد يخفى: إنَّه لصافي الغِلالة" وأنشد شاهدًا هذا البيت على ذلك، "فالغلائل" على هذا "الألوان" وفي كتاب "العين" (٦): والغلالة: الدرع أيضًا] (٧) ويروى "وكلُ (٨) صموت" بالرفع والنصب والخفض بحسب المعطوف عليه، والكلام على بيت المعطوف (٩) يطول، وهو ثابت في شعره موجود، فلذلك لم أتقص (١٠) الكلام فيه؛ إذ غيره المقصود.

стр. 171

وأنشد أبو عليٍّ (١) أيضًا: ٦ - كلا يَوْمَيْ طُوَالةَ وَصْلُ أَروى … ظَنون آن مُطَّرحُ الظَّنُونِ (٢) هذا البيت أول (٣) قصيدة للشماخ، واسمه معقل، وقيل: الهيثم، قال أبو الفرج (٤): وهو الصحيح، ابن ضرار بن سنان بن أمامة (٥) بن عمرو بن جحاش المازني (٦)، من غطفان. واستشهد (٧) به أبو عليّ أنَّ "كلا" (٨) ظرف (٩) متعلق "بظنون" مقدم على المبتدأ، وإذا تقدّم جزء من الخبر، كان بمنزلة تقدّم الخبر كلّه، ولا يجوز أن يكون "كلا" ظرفًا لـ "وصل" المبتدأ؛ لما في ذلك من تقدّم

стр. 172

الصلة على الموصول، وإنما امتنع ذلك؛ لأنَّ ما تعمل فيه الصلة لا يجوز أن يتقدّم عليها كما لا يجوز أن تتقدّم [الصلة نفسُها على الموصول، وإذا لم يجز أنْ يتقدّم العامل، لم يجز أن تتقدّم] (١) المعمول، والعامل نفس الصلة؛ أعني (٢) في نحو: "أنْ أضربَ زيدًا"، فلا يجوز: "زيدًا أنْ أضرب"، وكذلك في المصدر؛ لأنه مقدّر بالحرف والفعل، حتّى كأنه قال: أنْ (٣) تصلني أروى ظنون (٤)؛ فإنْ قيل: فلم (٥) أجزتم تقدّم (٦) ما يتعلّق بالخبر، وقد زعمتم أنَّه كالجزء منه، فقد أشبه الصلة والموصول؟ فالجواب: إن هذا الاتصال خلاف ذلك؛ لأنَّ اتصال الصلة بالموصول لابدّ منها؛ لأنَّها توضحه وتبيّنه في ذاته حتّى يَستقل بها كاسم مفرد (٧)، وما اتصل بمثل "ظنون"، إنما هو زيادة فائدة في اسم قد أفاد واستقلّ بنفسه، فجزؤه (٨) وكادة (٩) تتميم للخبر، لا لذات "ظنون".

стр. 173

وقصد أبو عليّ بهذا الاستشهاد الردّ على الكوفيين الذين لا يجيزون تقدّم (١) خبر المبتدأ عليه؛ لأنَّ أكثر الأخبار تحتمل ضمير المبتدأ، فيؤدِّى إلى تقديم المضمر عندهم على المظهر؛ ولأنَّ خبر المبتدأ يجري (٢) عندهم مجرى الفاعل، في أنَّه كالشيء الواحد (٣) مع مبتدئه، كما أنَّ الفعل والفاعل كذلك، فكما لا يتقدّم الفاعل على فعله عند الجميع، فكذلك (٤) هذا فاستدل (٥) بهذا البيت على فساد مذهبهم، ويمكن عندي أنْ يقول الكوفي المذهب: هذه ضرورة شعر، أوْ يقول: إنَّ "كلا" (٦) في موضع رفع بالابتداء و"وصل أروى" مبتدأ ثانٍ، وخبره "ظنون"، وهى جملة في موضع [خبر المبتدأ الأوَّل الذي هو] (٧) "كلا"، والعائد عليه محذوف من اللّفظ، مُعتقد؛ لدلالة الكلام عليه، والتقدير: "كلا (٨) يومي طوالة وَصل أروى ظنون فيه أو فيهما"، على اختلاف الفريقين (٩)، ومثل هذا الحذف

стр. 174

كثير حسن، إذا طال الكلام وبان المعنى، وأحج (١) من هذا البيت قول اللَّه تعالى: ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٢)، ألا ترى أنه ليس هنا ما يتعلّق به الجار والمجرور إلَّا قولُه: "خالدون". و"كلا" اسم مفرد اللفظ، مصُوغ (٣) للتثنية. كما صيغت "كل" للجمع (٤)، وفريق وقبيل، ونحو (٥) ذلك، إلّا أنَّ (٦) ما صيغ للتثنية قليل ليس هو في كثرة (٧) ما صيغ للجمع، قال أبو عليّ: لأنَّ الجمع (٨) أشبه بالواحد، ومن ثم ذهب البغداديون فيما أرى إلى أنْ قالوا: إنَّ "كلا" لفظ تثنية وإن لم يكن ذلك صوابًا عندنا". قال أبو الحجاج: والكلام في "كلا" (٩) يطول من وجوه: هل (١٠) هى مفردة أو مثناة؟ وهل هى من لفظ "كل" أم لا؟ وهل لامها واو أو ياء؟ (١١).

стр. 175

وأنا بمعونة اللَّه أبيِّن الكلام هنا في بعض ذلك (١) مختصرًا. وسيأتي الكلام عليها أيضًا في استشهاد أبي عليّ على أنَّها مفردة بقول (٢) جرير: كلا يومي أمامه يوم صد … . . . . . البيت فمذهبُ البصريين أنَّ "كلا" مفردة، قال أبو عليّ (٣): "والدَّليل على أنَّ "كلا" (٤) مفردة إضافته إلى ضمير الاثنين؛ لأنَّه لو كان مثنى لفظًا ومعنى لم تخز إضافته إلى ضمير الاثنين؛ لأنَّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، كما لا يقال: قال الرجلان اثناهما، ولا مررت بهما اثنيهما، ولا مررت به واحده، كما قالوا: مررت بهم ثلاثتهم؛ من حيث كان الجمع المضاف إليه للكثرة، فتركوه وبينوا مرادهم بتحديد الأوَّل، ولم يجز ذلك في التثنية؛ لمعادلتها الضمير الذي لا يجوز أنْ يراد به أكثر من الاثنين، فتحصل فيه إضافة الشيء إلى نفسه، فرفضوا ذلك، وصاغوا "كلا" مفردًا، دالًا على التثنية، كدلالة "كل" على الجمع (٥)، وأضافوا هذا المفرد إلى الاثنين

стр. 176

كما تقول: أحدهما، وهذا أفضلهما، وأيهما أخوك، ولما رفضوا أنْ يقولوا: مررت به واحده، قالوا: مررت به وحده؛ لتقع إضافة المصدر إلى ضمير المفرد، لأنَّ (١) المصدر غيره، وشبه "كلا لكل" في حال إفرادهما عن الإضافة. فإذا (٢) كان "كِلا" مضافًا كان بمنزلة الاثنين (٣) سواء؛ لأنه ليس غير المضاف إليه، كما أنَّ اثنين (٤) ليسا غير المضاف إليهما، وليس "كل " كذلك؛ لأنَّ "كلا" عبارة عن أجزاء الشيء المضاف إليه، والأجزاء غير المُجزأ (٥)، ويدلّ أيضًا أن "كلا" ليس بتثنية (٦) أنَّ الحرف المنقلب منه قد أبدل منه "التاء" (٧) فقالوا: "كلتا" (٨) فهذا دليل على أنَّه (٩) "لام" لا حرف تثنية؛ لأنَّ حرف التثنية لم تُبدل (١٠) منه "التاء" في شئ من كلامهم، وقد أبدلت من اللامات في نحو: بنت أُخت.

стр. 177

ولا تكون "التاء" زائدة، و"الألف" بعدها للتثنية كما قاله أبو عمر (١)؛ لأنَّ قوله فاسد تدفعهُ الأصول، ألا تُرى أنَّ "التاء" لم تزد في هذا النحو، ولا قال أحد: أنَّ "تاء" (٢) "بَلتع" إنها زائدة، وقد ثبت البدل من "اللام" قبل ألف التأنيث في نحو (٣): "شَرْوى وتقْوى ورَعْوى" فكذلك الألف في "كلتا" (٤) تكون على هذا الحدّ (٥)، ولا تكون زائدة في مثل هذا الموضع. فأمَّا انقلابُ "ألف" التأنيث في نحو: "كلتيهما"، فليس موضع قلبها، بل هو موضع قلب "اللامات"، فكما قلب "ألف" حُبلى مَنْ قال في أفْعًى: أفْعَيْ (٦)، وقد قُلبت حروف التثنية وهي زائدة، كما أنَّ ألف التأنيث كذلك، قال: فالانقلاب فيها لا يخرجها عن (٧) أنْ تكون ألف تأنيث، وأيضًا فإنَّها انقلبت وهى زائدة آخرًا، كما انقلبت الألف التي هي لام آخرًا؛

стр. 178

لئلا يختلف الآخر، والمعنى الذي أوجب الانقلاب في الآخر من المذكر، موجود في المؤنث وهو لزوم الاضافة، ومشابهتها بذلك "على ولَدَى" في الافتقار إلى ما بعدهما ولم يكونا كثيري التصرّف به (١). قال أبو الحجاج (٢) وإنما فعلوا ذلك مع المضْمر خاصَّة، لكثرة اتصاله بما قبله، ولأنَّه قد يغير (٣) له ما لا يغير لغيره، قال بعضهم: ولم يكن ذلك مع الظاهر فثبتت (٤) ألفًا في (٥) كل حال معه، ولا في حال الرَّفع مع المضمر؛ لأنَّها بعدت عن (٦) شبه "على" في هذا الموضع (٧)؛ إذْ لا تقع فيه. قال أبو الحجاج (٨): وفي هذا الكلام نظر؛ لأنه يقتضى أنَّ ألف "كلا" (٩) في حال الرَّفع مع المضمر معربة الموضع (١٠) كما أنَّها معربة الموضع مع الظاهر، وليست كذلك، وإنما هي حرف الإعراب مع المضمر،

стр. 179

كحروف التثنية. ولهذا توهم الكوفيون أنَّها اسم مثنى، وليس انقلابها مع المضمر "ياء" بدليل قاطع لهم (١) على أنها تثنية، كما لا يدلّ انقلابها في "على ولدى وإلى" إلى "الياء" على أنها تثنية. وأمَّا "لامها" فقال أبو الفتح في "شرحه لتصريف (٢) المازني": "اعلم أنَّ ألف "كلا" (٣) بدل من "واو" لا من "ياء"، لقولهم في المؤنث: "كلتا" (٤) فكلتا وزنُها "فِعْلى" (٥) و"التاء" فيها بدل من لام الفعل -قال (٦) بعضهم: لتأكيد التأنيث- و"التاء" مما تبدل من "الواو" في الأمر الشائع نحو: "تجاه وتراث وتخمةٍ وتوراة"، وكأنَّها في الأصل "كِلوى"، قال أبو عليّ: ولذلك (٧) مثّلها "سيبويه" (٨) "بِشَرْوَى" (٩) يريد: أنَّ أصل "شَرْوى": شَرْيا.

стр. 180

كما أنَّ أصل "كِلتا: كِلْوَى" فأُبدلت اللامان، لأنَّ "شَرْوَى" في الأصل (١): من "شريت" وشَرْوى الشَّيْءِ: مقدارُه ومِثْلُه. وهذا المعنى موجود في "شريت"؛ لأنَّ العرف والعادة أنَّ الشيء إنما يشترى بقيمته ومقداره، ولكن "الياء" في هذا النحو قلبت "واوًا" لما (٢) أذكره في موضعه". قال أبو الحجاج: وذهب "العبدي" (٣) إلى أنَّ ألف "كلا" منقلبة عن "ياء"، وقال: لأنَّ الامالة تجوز فيها، ولا يبطل هذا بإمالة "العشى" (٤)؛ لأنه شاذ (٥)؛ ولأنَّ المذهب في "اللام" المجهولة أنْ تحمل على الياء". و"التاء" في "كلتا" (٦) بدل من "الياء" كما أبدلت منها في قولهم (٧): ثنتان، وقد شبه سيبويه: "كلتا" (٨) بشرْوى؛ من حيث غيرت
следующие страницы →