← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كما تقول: أحدهما، وهذا أفضلهما، وأيهما أخوك، ولما رفضوا أنْ يقولوا: مررت به واحده، قالوا: مررت به وحده؛ لتقع إضافة المصدر إلى ضمير المفرد، لأنَّ (١) المصدر غيره، وشبه "كلا لكل" في حال إفرادهما عن الإضافة. فإذا (٢) كان "كِلا" مضافًا كان بمنزلة الاثنين (٣) سواء؛ لأنه ليس غير المضاف إليه، كما أنَّ اثنين (٤) ليسا غير المضاف إليهما، وليس "كل " كذلك؛ لأنَّ "كلا" عبارة عن أجزاء الشيء المضاف إليه، والأجزاء غير المُجزأ (٥)، ويدلّ أيضًا أن "كلا" ليس بتثنية (٦) أنَّ الحرف المنقلب منه قد أبدل منه "التاء" (٧) فقالوا: "كلتا" (٨) فهذا دليل على أنَّه (٩) "لام" لا حرف تثنية؛ لأنَّ حرف التثنية لم تُبدل (١٠) منه "التاء" في شئ من كلامهم، وقد أبدلت من اللامات في نحو: بنت أُخت.

стр. 177

ولا تكون "التاء" زائدة، و"الألف" بعدها للتثنية كما قاله أبو عمر (١)؛ لأنَّ قوله فاسد تدفعهُ الأصول، ألا تُرى أنَّ "التاء" لم تزد في هذا النحو، ولا قال أحد: أنَّ "تاء" (٢) "بَلتع" إنها زائدة، وقد ثبت البدل من "اللام" قبل ألف التأنيث في نحو (٣): "شَرْوى وتقْوى ورَعْوى" فكذلك الألف في "كلتا" (٤) تكون على هذا الحدّ (٥)، ولا تكون زائدة في مثل هذا الموضع. فأمَّا انقلابُ "ألف" التأنيث في نحو: "كلتيهما"، فليس موضع قلبها، بل هو موضع قلب "اللامات"، فكما قلب "ألف" حُبلى مَنْ قال في أفْعًى: أفْعَيْ (٦)، وقد قُلبت حروف التثنية وهي زائدة، كما أنَّ ألف التأنيث كذلك، قال: فالانقلاب فيها لا يخرجها عن (٧) أنْ تكون ألف تأنيث، وأيضًا فإنَّها انقلبت وهى زائدة آخرًا، كما انقلبت الألف التي هي لام آخرًا؛

стр. 178

لئلا يختلف الآخر، والمعنى الذي أوجب الانقلاب في الآخر من المذكر، موجود في المؤنث وهو لزوم الاضافة، ومشابهتها بذلك "على ولَدَى" في الافتقار إلى ما بعدهما ولم يكونا كثيري التصرّف به (١). قال أبو الحجاج (٢) وإنما فعلوا ذلك مع المضْمر خاصَّة، لكثرة اتصاله بما قبله، ولأنَّه قد يغير (٣) له ما لا يغير لغيره، قال بعضهم: ولم يكن ذلك مع الظاهر فثبتت (٤) ألفًا في (٥) كل حال معه، ولا في حال الرَّفع مع المضمر؛ لأنَّها بعدت عن (٦) شبه "على" في هذا الموضع (٧)؛ إذْ لا تقع فيه. قال أبو الحجاج (٨): وفي هذا الكلام نظر؛ لأنه يقتضى أنَّ ألف "كلا" (٩) في حال الرَّفع مع المضمر معربة الموضع (١٠) كما أنَّها معربة الموضع مع الظاهر، وليست كذلك، وإنما هي حرف الإعراب مع المضمر،

стр. 179

كحروف التثنية. ولهذا توهم الكوفيون أنَّها اسم مثنى، وليس انقلابها مع المضمر "ياء" بدليل قاطع لهم (١) على أنها تثنية، كما لا يدلّ انقلابها في "على ولدى وإلى" إلى "الياء" على أنها تثنية. وأمَّا "لامها" فقال أبو الفتح في "شرحه لتصريف (٢) المازني": "اعلم أنَّ ألف "كلا" (٣) بدل من "واو" لا من "ياء"، لقولهم في المؤنث: "كلتا" (٤) فكلتا وزنُها "فِعْلى" (٥) و"التاء" فيها بدل من لام الفعل -قال (٦) بعضهم: لتأكيد التأنيث- و"التاء" مما تبدل من "الواو" في الأمر الشائع نحو: "تجاه وتراث وتخمةٍ وتوراة"، وكأنَّها في الأصل "كِلوى"، قال أبو عليّ: ولذلك (٧) مثّلها "سيبويه" (٨) "بِشَرْوَى" (٩) يريد: أنَّ أصل "شَرْوى": شَرْيا.

стр. 180

كما أنَّ أصل "كِلتا: كِلْوَى" فأُبدلت اللامان، لأنَّ "شَرْوَى" في الأصل (١): من "شريت" وشَرْوى الشَّيْءِ: مقدارُه ومِثْلُه. وهذا المعنى موجود في "شريت"؛ لأنَّ العرف والعادة أنَّ الشيء إنما يشترى بقيمته ومقداره، ولكن "الياء" في هذا النحو قلبت "واوًا" لما (٢) أذكره في موضعه". قال أبو الحجاج: وذهب "العبدي" (٣) إلى أنَّ ألف "كلا" منقلبة عن "ياء"، وقال: لأنَّ الامالة تجوز فيها، ولا يبطل هذا بإمالة "العشى" (٤)؛ لأنه شاذ (٥)؛ ولأنَّ المذهب في "اللام" المجهولة أنْ تحمل على الياء". و"التاء" في "كلتا" (٦) بدل من "الياء" كما أبدلت منها في قولهم (٧): ثنتان، وقد شبه سيبويه: "كلتا" (٨) بشرْوى؛ من حيث غيرت

стр. 181

اللامان [قبل ألف التأنيث] (١)، قال: وقد قيل: إنها في "كلتا" بدل من "واو" على حدّ أخت وبنت وتجاه وتراث، قال أبو عليّ (٢) في "التذكرة": وإنما غيرت البناء (٣) بالبدل في "كلتا" (٤)؛ [لأنهم حيث أدخلوا ألف التأنيث لم يجز أنْ يترك اللَّفظ] (٥) على ما كان عليه قبل لحاق الألف؛ لأنه لم يجئ على هذا الحدّ (٦)، وإنما جاء ذلك في "التاء" نحو قائم وقائمة، ألا ترى أنهم حيث قالوا: أحد (٧) يريدون: واحدًا، قالوا (٨): إحدى حيث أنثوا فغيروا البناء، فكذلك فعلوا في "كلتا" غيروا اللّام فقلبوها تاء؛ لمكان الألف، ولا يجوز أن تكون اللّامُ هي (٩) الألف في "كلتا" كما كانت قبل دخول "التاء"؛ لأنَّ "التاء" التي للتأنيث لا تكون وسطًا، وإنما تكون طرفًا، فإذا (١٠) كان كذلك علم أنَّ "الألف" للتأنيث، وأنَّ الألف مع "التاء" (١١) التي هي بدل من "اللام" كالألف التي في شروى.

стр. 182

و"كِلَا" (١) من غير لفظ "كل"؛ لأنَّ "كلا" من الثلاثي المعتل اللّام على ما بيّنته، و"كُلّا" (٢) من الثنائي الصحيح الذي (٣) ضوعفت لامه من عينه. فقد افترقا لفظًا ومعنًى، ولا يجوز أنْ يتأوَّل في ألف "كلا" أنَّ أصلها "لام" من لفظ "كلّ" أبدلت "ياء" ثم قُلبت "ألفًا" كما قيل: "لا أملاه" (٤) في لا أمِلّه؛ لأنَّ بهذا البدل شاذ، وهو مسموع فلا يقاس عليه، ولم (٥) تدع الضرورة إليه. [وقوله: "كلا يومي طوالة": كأن أروى وعدته وعدين في يومين فكان ذلك ظنونًا. قال أبو عليّ (٦) في "الذيل": الظنون: الوشل، أو البئر تكون قليلة الماء وأنشد: لَعَمْرُكَ إنني وطِلابَ حبَّى … لكالمتبرض الثمد الظنونا يطيف به ويُعْجِبُه ثَراهُ … وضيقُ مَجَمِّهِ قطع العيونا

стр. 183

يعني: عيون الماء؛ والمتبرض: الذي لا يطعم إلّا البرض؛ وهو القليل من كلّ شيء. وقال أَبو علي البغدادي] (١) والآمدي: كان الشماخ قد لقى أروى محبوبته هذه على تلك البئر مرتين فلم ير (٢) منها ما يحبه، فأخبر عما كان منها، عارضًا على نفسه السلو عنها، وإنَّ الظنون الذي لا يوثق بما عنده، جدير أنْ تطرحه وتؤثر بُعدهِ (٣)، وأشار إلى أنَّ أروى كالأروى؛ لفظًا ومعنًى، فلا مطمع فيها لمعنى (٤). قال أبو الحجاج: "فالظنون" على قول الآمدي هذا (٥) صفة لموصوف محذوف تقديره: آن (٦) مطرح الإنسان الظنون. وجعل أبو علي البغدادي: "الظنون" صفة "للوصل" المحذوف أي؛ آن (٧) اطراحُك للوصل الظنون.

стр. 184

[قال ابن الأنباري (١): تقول العرب: "وصل فلان ظنون"، إذا كان ضعيفًا] (٢). قال الآمدي: "وطوالة" فيما يقال: بئر قليلة الماء، إذا استجمعت يومين وقد رأنها قد كثرت جمتها لم ترو الشاربة، فيقول: إنما وصل أروى لك بعد طول إعتابك (٣) إيَّاها ظنون، كيومي طوالة هذه البئر. [و"الظنون" في غير هذا الموضع: المرأة تتزوج رغبة في ولدها؛ لشرفها وقد أسنت إلّا إنَّ الولد يرتجى بعدُ منها. قال يعقوب] (٤): وتصغير "أروى": "أُوريًّا" على من جعلها "فَعْلَى" كما تقول (٥): في سلمى سُليمى، ومَنْ جعلها "أَفْعَلَ" قال في تحقيرها (٦): "أُرَيْو" (٧) على من قال: "أسيودٌ" ومن قال: "أُسَيد"، قال: "أُرَي"، فيحذف اللام على قول يونس (٨) وسيبويه (٩). وقال أبو عليّ (١٠): "وهذا

стр. 185

قول العرب، ولا تنون في قولهما، وتنون في قول عيسى (١) ". و"آن". بمعنى: حان وكذلك أنَا يَأني على القلب إنّى (٢) وأنْيًا، والأناء (٣): الوقت من هذا. قال أبو عليّ وأبو الفتح (٤): آن يئين هو المقلوب عن (٥) أنَى يأْنى أنْيًا وإنى (٦)؛ لأنَّ "لأنَى" (٧) مصدرًا ولا مصدر "الآن" (٨)، فوجب أن يكون ذو التصرف هو (٩) الأصل. قال أبو الفتح (١٠): وقد حكى أبو زيد: أنَّ "الأين" مصدر "آن"، وهو خلاف قول الأصمعي؛ لأنه جعل "الأين" التعب والإعياء، فعلى مذهب أبي زيد هما أصلان معًا لتساويهما في التصرّف. وألف "آن" منقلبة عن "ياء" وقال بعضهم (١١): هى منقلبة عن "واو"؛ لأنها من "الأوان"، وأصلها عنده: أون ثم قلب.

стр. 186

و"مطرح" مصدر بمعنى: الاطراح. وبعد (١) البيت: وَمَا أَرْوَى وإنْ كَرُمَتْ عليْنَا … بِأَدْنَى مِنْ موقَّفةٍ حرونِ تُطِيف بها الرُّماةُ وتتَّقيهم … بأَوعالٍ (٢) مُعطَّفةِ القُرُونِ الموقفة: الأرْوُية التي في موضع الوقف من يديها خطوط تخالف سائر لونها. والوقف: الخلخال، ويقع على السوار أيضًا. ضرب بهذه الأروية الموصوفة بالامتناع، المُؤيسة من الإطماع، المثل في امتناع (٣) هذه المرأة عنه؛ لعفّتها وخفرها، واحتمائها بعُدَّة (٤) نفرها، [ويدل على هذا المعنى قوله: وتتقيهم بأوعال معطفة القرونِ إشارة إلى الحماة، الكاملي الحنكة والأداة] (٥).

стр. 187

وأنشد أبو علي (١): ٧ - وقائلةٍ خَوْلَانَ فانْكحْ فَتَاتَهُم … وأُكْرُومَة الحيّينِ خِلْوَ كَمَاهَيا (٢) هذا البيت من بيوت الكتاب أيضًا، ولم ينسب هناك، ولا وقعت إليَّ نسبته. واستشهد به أبو عليّ على مثل ما استشهد به سيبويه (٣) من رفع "خولان" على خبر مبتدأ محذوف؛ دل عليه سياق الكلام، والتقدير: هؤلاء (٤) خولان، ولابدّ من تقدير مبتدأ يسند إليه هذا الخبر، "والفاء" على هذا عاطفة جملة فعلية على جملة مبتدئية، ودالة على الاتصال. قال أبو علي (٥): "وهذا كقولهم: هذا الهلال؛ أيْ انظر إليه، ففيه معنى الأمر، وإن كان الكلام مبتدأ وخبرًا، [وقد أشار سيبويه ﵀ إلى ذلك] (٦)، ولا يجوز أنْ يكون "فانكح" خبرًا لخولان؛ لمنع "الفاء" من ذلك؛

стр. 188

إذْ لا تدخل "الفاء" بين المبتدأ وخبره، في هذا النحو، وقد أساء (١) أبو الحجاج الأعلم (٢) في اختياره: ارتفاع "خولان" ههنا (٣) بالابتداء، وأن تكون "الفاء" وما بعدها خبره؛ لأنَّ الكلام في معنى الأمر، ولا يمتنع دخول "الفاء" في الرَّفع عنده، كما لا يمتنع في قولك (٤): "زيدٌ (٥) فاضربه"، قال أبو الحجاج ابن يسعون (٦) وهو عندي مذهب فاسد؛ لأنه في الأمر ينتصبُ بفعل مضمرٍ يدلّ عليه هذا الظَّاهر، فالكلام إذنْ (٧) جملتان، وهو (٨) على الرَّفع جملة واحدة؛ إذْ المبتدأ وخبره كالشيء الواحد، فدخول "الفاء" بينهما فصل (٩) قبل تمام الفائدة التي وضع المبتدأ لها (١٠) وخبره،

стр. 189

ولهذا قال سيبويه (١): "و (٢) لو قلت: زيدٌ فاضربه كان بمنزلة قولك زيد فمنطلق، وهذا غير جائز"، ولهذا -واللَّه أعلم- جعل أبو الحسن الأخفش (٣) "الفاء" زائدة حين أجاز رفع "خولان" بالابتداء، وجعل "فانكح" خبره على توهم سقوط "الفاء"، وردّ أبو الحسن (٤) بن بابشاذ القول بزيادة "الفاء"، وقال: هذا عندنا لا يجوز، فإنْ كان أراد أهل البصرة، فهذا وهم، وقد أجازه جماعة منهم أبو عليّ وأبو الفتح ورأيا قول الأخفش، واعتمداه، وإن أراد نفسه، فلا منع له مع تجويز هؤلاء الأئمة. قال أبو عليّ (٥): "ومن جعل "الفاء" زائدة أجاز في "خولان" الرَّفع والنَّصب، كقولك زيدًا اضربه وزيدٌ اضربه (٦) وأنشد عن أحمد بن يحيى (٧):

стр. 190

يا ربَّ مُوسَى أَظْلَمِي وأَظْلَمُهْ … فاصْبُبْ عَلَيْهِ مَلِكًا لا يَرْحَمُهْ معناه: أظلمنا فاصبب عليه؛ كقولهم (١): "أخزى اللَّه الكاذبَ مني ومنه" أيْ منا، قال: "وهذا يدلّ على جواز ارتفاع "زيد" بالابتداء في نحو: "زيدًا فاضربه" إنْ جعلت "الفاء" زائدة على ما يراه أبو الحسن، فإن قلت: أضمر المبتدأ كما أضمرت في قولك (٢): خولان فانكح فتاتهم فإنَّ ذلك لا يسهل؛ لأنه (٣) للمتكلّم، فكما لا يتجه "هذا أنا" على إرادة إشارة المتكلم إلى نفسه، من غير أنْ ينزل منزلة الغائب، كذلك لا يحسن إضمار "هذا" هاهنا فإن قلت: إنَّ قوله: "أظلمنا" على لفظ الغيبة، فليس مثل (٤) "هذا أنا"، فإنَّه وإنْ كان كذلك (٥)، فالمراد به بعض المتكلمين، ولا (٦) يمتنع ذلك، ألا ترى أنهم قالوا: "يا تميمُ كُلُّهم" فحملوه على الغيبة لما كان اللفظ له، وإن (٧) حملته على هذا، كأنك قلت: "أَظْلَمُنا في عِلمِكَ" كان مستقيمًا.

стр. 191

وخولان المشهورة (١): خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث (٢) بن مرّة بن أدد. وفي قضاعة أيضًا خولان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة، وهي أيضًا قبيلة عظيمة أكثرها باليمن. والأكرومة: الكرمُ، فهى مصدر، فلا يكون "الخلو" إذنْ خبرًا (٣) عنها، إلَّا على اعتقاد حذف مضاف (٤)، والتقدير: وذات الأكرومة خلو؛ وهي (٥) المرأةُ الخالية عن زوج، والرَّجل خلو أيضًا؛ كالخِطْب الذي يصلح لهما معًا (٦)، ويقال للمرأة: خلوة أيضًا، وموضع الكاف في (٧) "كما هي" رفع على النعت "لخلو"، اعتقدتها حرفًا أو اسمًا أيْ؛ خلو مثل ما هي، أيْ خلو من زوج بكر على ما عهدت عليه من بكارتها. فأمَّا "ما" في قوله: "كما" (٨) فالوجه فيها عندي أن تكون زائدة للتأكيد والتحقيق والمناب عن المحذوف؛ لأنَّه كان ينبغي أن يقول: كعهدها؛

стр. 192

لأنَّ المعنى على هذا، أيْ: كما عُهدت عليه (١) من البكارة، فحذف المضاف وأقام (٢) المضاف إليه مقامه فصار "كها" (٣) فعوض الضمير المستقل بنفسه؛ لانفصاله،: هو قوله (٤) "هي" من "ها" التي تحتاج أنْ (٥) تتصل بما قبلها، و"الكاف" لا تدخل على مثل هذا الضمير المتصل [في الوجه المختار] (٦) فصار اللّفظ به "كَهِيَ"، ثم أدخلت "ما" فقيل: "كما هي" وهذا كما تقول: "كن كما أنت" أيْ؛ كعهدك وحالك. ويجوز أنْ تكون "ما" بمعنى: التي (٧) فترفع "هي" بالابتداء والخبر محذوف؛ للعلم به من فحوى الخطاب، والتقدير: كالتي هي معلومة أو معهودة ونحو ذلك. وثَنَّى حييها على إرادة فصيلتها (٨) الدنيا، وقبيلتها (٩) العليا، إشارة (١٠) إلى أنَّ شرفها متصل (١١)، وفضلها مكتمل، وشرف الأقرب

стр. 193

إليها أمدح لها كما قال الشَّاعر (١): لها نسب في الصالحين قصير ويحتمل أن يريدَ: حيَّ أبيها، وحيَّ أمها كما قال ابن ميادة (٢) وقد رأى محمَّد (٣) بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفَّان، فأعجبه وسأل عنه. فقال: أخبرت أنه للحيين وبين (٤) الخليفتين، أراد حي أبيه؛ عبد شمس، وحي أمه؛ هاشمًا؛ لأنَّ أم محمَّد هذا فاطمة بنت الحسين، وأنشد أبو حنيفة: [قال أبو الحجاج: لطريح بن (٥) عبيد الثقفي] (٦): طُوبى لِفَرْعيْكَ مِنْ هُنَا وهُنا … طُوبَى لأَرْحامِكَ التي تشجُ أيْ: تشتبك فتشتدّ وتصلب.

стр. 194

وأنشد أبو عليّ (١): ٨ - إذا هيَ لَمْ تسْتكْ بعُودِ أراكةٍ … تُنخَّلَ فاستاكتْ بِه عُود إسْحِلِ (٢) البيت لعمر بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة عمرو (٣) بن المغيرة المخزومي. وقال الأصمعي: هو لطفيل (٤) الغنوي، ونسبُه الجرمي في كتابِ "الفرخ" للمقنع (٥) الكندي، والصحيح أنه لطفيل وفي شعره ثبت من رواية يعقوب. واستشهد (٦) به أبو علي على إعمال الفعل (٧) الأوَّل الذي هو "تنخل"؛ ولذلك رفع "عود إسحل"، وكنى عنه مقدّمًا في اللّفظ [في قوله: "به"] (٨) قال أبو علي: "فصل بين الفعل والفاعل بالجملة الثانية؛

стр. 195

لأنَّ مثل هذا من الجملتين لما تداخلتا صارتا كالجملة الواحدة، وهذا مما يقوّي مذهب النحويين غير (١) أبي عثمان في الأخبار، ولولا أنَّ مثل هذا كالشيء الواحد لم يجز. قال أبو الحجاج: ويجوز جرّ "عُود (٢) اسحل" على البدل من الضمير في "به". فلا إعمال فيه للأوَّل على هذا، وتضمر في "تنخل" قبل الذكر؛ لدلالة ما بعده عليه. وقولُه: "إذا هي" هي هُنا يرتفع بفعل مضمر على مذهب سيبويه (٣)، فالتقدير (٤): إذا لم تسْتك لم تسْتك، فيستتر الضمير الفاعل الذي هو قوله: "هى" إذا حضر فعله معه (٥)؛ لأنّ هذا حُكمُ الضمير الفاعل المتصل، ولا يجوز غير ذلك، ولكنه فعل لا يجوز إظهاره؛ إذْ لا فائدة في إظهاره؛ لإغناء هذا الظاهر المفسر له عنه؛ وليس كلّ ما يقتضيه المعنى يجوز إخراجه إلى اللّفظ به.

стр. 196

ويقال: استاك الإنسان بالسواك والسواك، واستن به، وساك فاه، وسنه (١)، وشاصه (٢) وماصه به، يشوصه ويموصه [أيْ؛ جلاه به] (٣). وتنحل: تنقى واختير [ومنه سمي الغربال مُنخلًا] (٤). و"الإسحل": شجر يشبه الأثل ينبت بالحجاز، واحدته: إسحلة، وقضبانه سمر طيبة مستوية لطيفة؛ ولذلك شبه به (٥) امرؤ (٦) القيس بنانَ المرأةِ حيث قال (٧): أو مساويك إسحل [وأطرافه من أحسن سواك، أيضًا وشجره يغلظ حتّى تصنع منه الرحال] (٨). وأمَّا الأراك: فشجر كثير الأغصان، يستاك بفروعه وعروقه [وصُرُعه (٩)

стр. 197

وهي تنهصر إلى الأرض في الظل، واحدها: صريع؛ وهو أحسن المساويك؛ للينه وطيب رائحته. ويروى: بعود بشامةٍ، وقبله بأبيات كثيرة في وصف هذه المرأة] (١): ديارٌ لِسُعدى إذْ سُعادُ جَدَايةٌ … مِن الأدم خُمْصان الحشَا غَيْر خُنْثَلِ هِجَانُ البياض أشربَتْ لَوْنَ صُفْرةٍ … عَقيلَةُ جَوِّ عازبٍ لم يُحَلَّلِ الجَداية: بنت شهرين أو ثلاثة من الظباء والذكر أيضًا جداية. والخنثل: العظيمة البطن المسترخيته، ولم يسمع إلّا في المؤنث. [قال يعقوب: ويروى: "غير حَنبل" أيْ غير قصيرة] (٢). وهجان البياض: كريمته. والجو: البطن من الأرض وأراد بالعقيلة البيضة، وأنْ تكون في موضع خال من النَّاس أحسنَ لها (٣) وأراد في هذا كله: أنها امرأة عزيزة مصونة في خدرها، مُتَهمِّمٌ؛ لكرمها عليهم بأمرها.

стр. 198

وأنشد أبو عليّ (١): ٩ - قضى كُلُّ ذي دَيْنٍ فَوفَّى غريمَهُ … وَعزَّهُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غريمُها (٢) البيت لِكُثيَر بن (٣) عبد الرحمن بن الأسود بن عامر الخزاعي، ونسب إلى أبي جمعة جده، والد أمه؛ وهو أبو جمعة بن الأسود بن حذيفة بن أُقيش (٤)، وكنيةُ كثيِّرٍ (٥) أبو صخر. وعزة بيت جميل بن حفص بن إياس بن عبد العزى بن حاجب بن غفار (٦) بن مُلَيْل (٧) بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. استشهد به أبو عليّ على إعمال الفعل الثَّاني، وهو "فوفى غريمه"،

стр. 199

وحذف مفعول "قضى" حذفًا؛ للاستغناء عنه بذكره مع الفعل الثاني (١)، ولو أعمل الأوَّل لقال: "فوفاه غريمه". وقوله: "وعزة ممطول" (٢) عزة: مرفوعة بالابتداء و"غريمها": مبتدأ ثان، و"ممطول" خبره، و"مُعَنَّى": خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون نعتًا لـ "ممطول"، وأن يكون حالًا من ضمير الغريم [الذي في "ممطول"، أو من الغريم] (٣)، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره أو خبريه (٤) في موضع رفع؛ لكونها خبرًا عن "عزة"، وجاز (٥) ذلك للضمير (٦) العائد منها على المبتدأ الأوَّل وهو الضمير (٧) المؤنث في قوله: "غريمها"، تقديره (٨): وعزة غريمها ممطول مُعَنَّى. ويجوز أن يَرتفع "عزة" بالابتداء أيضًا، و"ممطول" خبر عنها، و"غريمها": مرفوع على أنه اسم ما لم يسم فاعله، وجاز (٩) أن يجري اسم

стр. 200

المفعول على غير من هو له؛ للضمير العائد مما انضاف إليه من (١) مرفوعه، وهو "الهاء" في قوله: "غريمها". ولا يجوز أن يرتفع "غريمها" بمعنى كما جاز (٢) أن يرتفع "بممطول"؛ إذْ لا يكون في "ممطول" ذكر يعود على "عزة". وقد تأوَّل بعضهم هذا المذهب الفاسد على أبي علىّ [﵀] (٣) جهلًا منهم بموضعه الأرفع (٤) من هذه الصناعة. وقد نصّ أبو عليٍّ (٥) على هذا الموضع [من هذا البيت] (٦) نصًا رأيت ذكره. قال (٧) في "تذكرته"؛ وفي غيرها من كتبه (٨): "غريمها" مرتفع "بممطول" كأنه قال: "ممطول غَريمها"، فتعمل (٩) الأوَّل من اسمى المفعول، ولا يجوز أن يرتفع "بمعنَّى"؛ لأنَّ "الممطول" يبقى منفردًا، غير عامل في شيء،

стр. 201

وبقاؤه منفردًا (١)، غير محتمل للضمير، ولا عامل في شيء لا يصحّ (٢)، فإذا لم يصح رفضته، وأعملت الأوَّل؛ ليصير في "مُعنَّى" ذكر من "الغريم". قال أبو الحجاج: ثم جلب كلامًا كثيرًا تلخيصه: فإنْ قيل (٣) أعمل "معنى" وأظهر الضمير في "ممطول"؛ لجريه على غير من هو له، فأقول: "ممطول" هو "معنى غريمها" قيل: لا يجوز هذا؛ لأنَّ "الغريم" لم يتقدّم له هنا (٤) ذكر يتضمّنه اسم المفعول فتبرزه، وكذلك (٥) لا يجوز أن تعتقد أنَّ في "ممطول" إضمارًا قبل الذكر، كما تضمر في قولك: "ضربني وضربت زيدًا"، إذا أعملت الآخر؛ لأنَّ الضمير مع اسم الفاعل واسم المفعول لا يكون (٦) في أحكام الجُمل ألا ترى أنَّك لا تصل به الموصول، كما تصل بالفعل وضميره. قال ومن ذهب إلى أنه لا ذكر للأوَّل في قولك: "ضربني وضربت زيدًا" أجاز على مذهبه هاهنا (٧) أن يرتفع "الغريم" "بمُعنَّى" ويبقى "ممطول" مفردًا غير مسند إلى شيء، وهو مذهب فاسد؛ لأنَّ بقاء الفعل دون فاعل لا يجوز؛ لأنَّ المواضع التي يحذف فيها المبتدأ يضمر فيها الفاعل، ولا يحذف عندهم.

стр. 202

والإضمار قبل الذكر جاء في مواضع من كلامهم، فإذا كان ذلك الوجه مرفوضًا، والآخر مستعملًا، حملته على المستعمل، هذا في القياس، على أنَّ السماع قد جاء عنهم، قالوا: "ضرباني وضربت أخويك" فقد خالف مَنْ (١) لم يضمر النص والقياس معًا. قال أبو الحجاج: فإنْ قيل: كيف يستقيم رفع "غريمها (٢) بممطول" مع كون "مُعَنَّى" نعتًا له، قيل: لا نجعل "معنى" نعتًا، ولكن نجعله (٣) "حالًا" تقدّمت من "الغريم"، وهو عندي وجه حسن جدًا، ويجوز (٤) أن يكون "مُعنَّى" أيضًا تأكيدًا، قال أبو عليّ (٥): ولا يحتاج هُنا إلى إظهار الضمير الذي في "معنى"؛ لأنه قد جرى على "الغريم" وهو هو. قال أبو الحجاج (٦): ويبعد أن تجعل "معنَّى" خبرًا "لعزة" بعد خبر؛ لأنه لا ينبغي (٧) أن يكون حكم الخبرين واحدًا (٨) في تناول العامل لهما،

стр. 203

والضمير العائد على المبتدأ من مجموعيهما (١)، فيلزم على هذا أن يبرز الضمير (٢) المرتفع "بمعنى"؛ لجريه على من ليس له، أو يضمر قبل الذكر؛ وذلك كلّه فاسد على ما تقدّم من كلام أبي عليّ في "التذكرة". إلَّا أنه قال في "البصريات" (٣): "ومن أجاز ألّا يظهر هذا (٤) الضمير مع جريانه على غير من هو له، [واستدلّ بقول الأعشى (٥): لَمَحقوقةٌ أنْ تَسْتجييي لِصوتِه … وأنْ تَعْلَمي أنَّ المُعانَ مُرفَّقُ] (٦) فينبغي له (٧) أنْ يجيز ارتفاع "غريمها" "بمُعنَّى"، ويضمر في الأوَّل على شريطة التفسير. وقد أجاز أبو عليّ مع ذلك (٨) عمل اسم الفاعل الموصوف (٩) في قول بشر (١٠) بن أبي خازم في أحد قوليه (١١) فيه:

стр. 204

إذَا فاقدٌ خَطْباءُ فرخَيْنِ رَجَّعَتْ … ذَكَرْتُ سُليْمى في الخَليط المُباينِ وفي قول (١) ذي الرُمة: وقائِلة تخْشَى عليَّ أظُنّهُ … سيودي به تَرْحَالُه ومَذَاهِبُهْ ثم قال: "والأجود عندي في (٢) تخشى" أنْ تَستأنفَ له إضمار القول، قال: وإنْ جعلت "تخشى" في موضع حالٍ (٣) من الضمير في الصفة، نصبت الجملة بهذا القول الظاهر. ويبت كثير هذا من قصيدةٍ حسنةٍ مختارةٍ يرثي فيها عبد العزيز (٤) بن مروان، وبعده (٥): إذا سُمْت نَفْسي هَجْرَها واجتنابَها … رأتْ غمراتِ الموت في ما أسومُها [أيْ؛ أعرض عليها] (٦): فَهَلْ تَجزيَنّي عَزَّةُ القرْضَ بالهوى … ثوابًا لنفْسٍ قد أُصِيبَ صميمُها [مَتى تَتأنى الأُولى يغصبونها … إليَّ ولا يشتم لدى حميمها] (٧)

стр. 205

وقدْ علِمتْ بالغيب أنْ لنْ أَودَّها … إذا هيَ لمْ يكرَمْ عليَّ كَريمُها والمُعَنَّى: المُنْصب (١) المتعبُ، أو (٢) المذلل المأسور، وقوله: "قضى (٣) كلّ ذي دين" مجاز واستعارة، وإن كان فيه إلى تقدّم عِدَةٍ إشارة. على أنَّ هذا قد قيل، لكن اختصرت ذكره؛ لئلا أطيل. وفي "زهر الآداب" (٤): أنَّ عَزَّةَ دَخلت على عبد الملك بن مروان فقال لها: أنت عَزَّةُ كُثّير؟ قالت: أنا أم بكر الضمرية، فقال لها: يا عَزَّةُ هَلْ تروين من شعر كُثيِّر شيئًا؟ قالت: ما أعرفه، ولكن سمعت الرواة ينشدون له: قَضى كُلُّ ذي دَيْن [فوفَّى … غَريمَه، وعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعنَّى غَريمُها] (٥). فقال (٦): أتروين قوله: وَقَدْ زَعَمَتْ أنَّى تَغَّيرْتُ بَعْدَها … ومَنْ ذا الذي يا عَزَّ لا يتغيَّرَ فقالت (٧): ما سمعت هذا، ولكن سمعتهم ينشدون: كأَنَّى أُنادي صخرةً حينَ أَعرضَتْ … من الصُّم لو تَمْشي بها العُصْم زلَّتِ غَضَوبا فما تلقاكَ إلَّا بخيلَةً … فَمنْ ملَّ منها ذلك الوصلُ ملَّتِ

стр. 206

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ١٠ - فَلَو أنَّ ما أسْعَى لأَدنى معيشةٍ … كفافي -ولم أطلُبُ- قيلٌ من المال (٢) البيت لامرئ القيس بن حجر الكندي. استشهد به أبو عليِّ على إعمال الفعل (٣) الأوَّل، الذي هو "كفى"؛ لأنَّ إعمال الفعل الثَّاني هنا مفسد للمعنى؛ ولهذا لم يطرد القياس في إلحاق ضمير بقوله: "ولم أطلبُ" يَعود على "قليل" [فيقول: "ولم أطلبه" فعدل عن] (٤) الوجه المختار من الإضمار إلى الظاهر الذي هو الملك مطلوبه أيْ؛ ولم أطلب الملك، ثم حذف على سبيل الاختصار مع أنه قد أبانه (٥) حيث قال (٦):

стр. 207

ولكنما أسْعَى لمجد [مُؤَثِّلِ … . . . . . . . . . البيت] (١) قال الجرمي (٢): أراد كفاني قليل من المال (٣) ولم أطلب الملك، ولو أعمل "أطلب" لاستحال الكلام، قال سيبويه (٤): "ويجوز حذف ضمير المفعول من الفعل الثاني؛ لأنَّ المفعول كالفضلة. قال ابن جني (٥): "وللعلم به أيضًا فيقع التخفيف بحذفه". قال أبو الحجاج (٦): وبهذا البيت احتجّ الكوفيون (٧) في اختيار إعمال الأوَّل؛ لأنه متفق عليه في جواز إعماله. قال أبو الفتح (٨): "بل المختار إعمال الثَّاني؛ إذا لم يمنع منه مانع؛ لأنك إذا كنت تعمل الأوَّل على بعده، وجب إعمال الثَّاني أيضًا لقربه؛ لأنه لا يكون الأبعد أقوى (٩) سببًا من الأقرب".

стр. 208

قال أبو الحجاج: وموضع (١) "أنَّ" بعد (لو) رفع بفعل مضمر؛ لأنها بالفعل أولى عند سيبويه (٢)، والتقدير: "لو صحَّ أنما أسعى" أوْ لو قدر (٣) أو نحو هذا. [قال أبو عليّ: ومذهب سيبويه (٤) أنَّ "أنَّ" وقعت بعد "لو" في موضع فعل، كما أنَّ "تسلم" فعل وقع موقع الاسم في قولهم (٥) "بذي تسلم"] (٦) و"ما" في موضع نصب "بأنَّ" والأحسن فيها (٧) أنْ تكون هنا مصدرية، و (٨) تكون مع "أسعى" بمعنى (٩): السعي؛ أيْ فلو أنَّ سعيي لكسب أقرب المكتسب؛ لكفاني اليسير منه عن الجهد في الطلب، ولكني ساعٍ في استرجاع (١٠) المجد القديم، محاول (١١) لإدراك الغاية من الأخذ بالثأر المنيم.

стр. 209

وقد تكون "ما" بمعنى الذي فتحتاج حينئذ إلى عائد عليها بلا خلاف، إذ في المصدرية (١) خلاف، والتقدير: فلو أنَّ الذي أسعى له، فحذف على رأي سيبويه (٢) حذفًا للمعرفة به، وعلى رأي أبي الحسن، حذف الجار، ثم وصل الفعل إلى المفعول به فصار التقدير: "أسعاه"، ثم حسُن حذفه؛ لطول الصلة والاستغناء عن المفعول إذا فهم المراد. وأصل المَعيشَةِ: مَعْيِشة على وزن "مَفْعِلَةَ" فأُعلت كما أعلّ الفعل (٣) المشتق منها وهو "يعيش" لأنهما في المتحركات والسواكن سواء، فلما اتفق الوزن في "مَفْعِلٍ" و"يَفْعِل" أعل الاسم كما أعل الفعل في نحو هذا، ولم (٤) يخافوا لبسًا؛ لفصل الميم الاسم من أمثلة الفعل، وإنما أوضحتها (٥) لمجيئها في البيت؛ ولأنَّها مقدِّمة لما يأتي من هذا النحو في بابه من "كتاب الإيضاح" [إن شاء اللَّه] (٦)، [وأجاز الخليل (٧) أن تكون

стр. 210

"مَعِيشةً": "مَفْعُلة" و"مَفْعِلةً"، وخالفه الأخفش في هذا، وقال: مَفْعُلة من العيش: مَعْوشة"] (١). والمجد: الشرف، وأصله الكثرة؛ ألا ترى إلى قولهم (٢): "وفي كلّ شجر نار، واستمجد المَرْخُ والعَفَارُ"، أيْ؛ كثر وجود النَّار في هذين النَّوعين [ويروى: "واستمجِد" على الأمر؛ فكأنَّ أصلَ "المجد": كثرةُ الأفعال الجميلة، التي توجب لصاحبها الشرف، وهو الارتفاع] (٣). والمؤثل: "المثبت" (٤) القديم الأصل المعظم، [وقيل: المتمكن، وكذلك الأثيل. وقوله: "أمثالي"؛ تعظيم لشأنه؛ وجمْعُه "المثل" دليل على أنه متبوع في سلطانه] (٥).

стр. 211

وأنشد أبو علي (١): ١١ - لِيُبْكَ يزيدُ ضارع لِخُصومةٍ … ومُخْتَبِطٌ مما تُطيح الطَّوائحُ (٢) البيت (٣) لنهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر النهشلي (٤)، وكان بعض شيوخنا (٥) ينسبه إلى الحارث بن نهيك النهشلي ونسبه (٦) بعضهم لمزرد (٧) ونسبه أبو إسحاق الجرمي (٨)، عن أبي عبيدة لمهلهل،

стр. 212

ولم يقع في "كتاب المجاز" لأبي عبيدة (١) منسوبًا إلَّا لنهشل يرثي أخاه، وهو من بيوت الكتاب (٢) غير منسوب هناك (٣). ولنهشل بن حَري نسبه أبو حنيفة (٤) في كتاب "النبات" [إلَّا أنه أنشده: لِيُبْكَ يزيدُ يائِسٌ ذو ضَرَاعَةٍ … وأَشْعَتَ ممّن طَوَّحته الطوائحُ ولا يُنكر مثل هذا التغيير في الأشعار] (٥). قال أبو عبيد (٦): حَرّى كأنه منسوب إلى الحرة. وقال ابن (٧) دريد: هو (٨) منسوب إلى الحرة. استشهد به أبو عليّ على مثل ما استشهد به سيبويه من (٩) أنَّ قوله: "ضارع": مرتفع بفعل مضمر دلّ عليه "ليبك" تقديره: ليبكه (١٠) ضارع ومختبط خصوصًا، وغيرهما عمومًا، وقد ردّ النَّاس (١١) هذه الرواية؛

стр. 213

تحاملًا على الشيوخ وجهلًا بأنه قد قرئ بنحوه في كتاب اللَّه، مثل (١) قراءة من قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٢)، [ومثل هذا أيضًا قراءة من قرأه] (٣): ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٤)، أيْ يسبحه فيها رجال صفتهم ما ذكره، وزَيَّنَه يعني: القتل شُركاؤُهم. قال أبو الفتح (٥): "وهذا البيت يعني: "ليُبْكَ يزيدُ" شاهد على أنَّ اختزال الفاعل (٦) من اللّفظ لا يكون عن جهل به، بل للإيثار (٧) له". قال أبو الحجاج: وفي الإيهام على المخاطب بحذف الفاعل في مثل هذا النَّحو الذي يقصد به العموم، تعظيم (٨) للمقصود بتلك القصة،

стр. 214

ومدح عميم ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ (١) على بناء ما لم يسم فاعله، أذهب في المدح والتعظيم، لما يقتضيه هذا اللفظ من العموم؛ لأنه يقتضي أن يسبحه (٢) فيها الإنس والجن والملائكة وسائر (٣) الخلق كما قال سبحانه (٤): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٥) على أحد الأقوال هاهنا (٦) ثم خصَّ قوله: رجال صفتهم كذا مدحًا لهم وتشريفًا وعناية بهم، وكذلك البيت لما قال: "ليبك يزيد" عم المأمورين بالتفجع على هذا الميت والبكاءِ؛ لما كان عليه من كثرة الغناء (٧)، والاضطلاع بالأعباء، ثم خصَّ هذين الصنفين من جملة الباكين عليه، لشدّة احتياجهما عند (٨) الشدائد إليه، ولا شكّ أنَّ قراءة الجمهور أعلى، والاستمرار على حذف ما قد أقيم غيره مُقامه أولى، [لكن اللّغة العربية كثيرة الاتساع، يعرفها ذو الباع الوساع] (٩).

стр. 215

"وضارع ومختبط" مفردا اللفظ (١) والمراد بهما الجنس. والضارع: الذليل الخاشع. وقال أبو عبيد (٢) وغيره: المختبط: الرجل يسألك عن غير معرفة كانت بينكما، ولا يد سلفت منه إليك. [وقال صاحب (٣) العين: "الاختباط: طلب المعروف والكسب، وقد اختبطت فلانًا، واختبطت معروفه فخبطني بخير، وأنشد قول علقمة (٤). وفي كلِّ حيٍّ قد خبطتُ بنعمة … . . . . . . . . . البيت ثم ذكر نحو قول أبي عبيد] (٥). وحكى بعضهم: اختبط فلان فلانًا ورقا: إذا أصاب منه خيرًا، وهذا كلّه يقتضى إلى أنَّ في البيت مفعولًا محذوفًا (٦) لمختبط، تقديره: ومختبط
следующие страницы →