стр. 211
← Нахв и сарф следующие страницы →
Нахв и сарф · id 774
المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح
ابن يسعون
Полный текст (1 579 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 212
ولم يقع في "كتاب المجاز" لأبي عبيدة (١) منسوبًا إلَّا لنهشل يرثي أخاه، وهو من بيوت الكتاب (٢) غير منسوب هناك (٣). ولنهشل بن حَري نسبه أبو حنيفة (٤) في كتاب "النبات" [إلَّا أنه أنشده:
لِيُبْكَ يزيدُ يائِسٌ ذو ضَرَاعَةٍ … وأَشْعَتَ ممّن طَوَّحته الطوائحُ
ولا يُنكر مثل هذا التغيير في الأشعار] (٥). قال أبو عبيد (٦): حَرّى كأنه منسوب إلى الحرة. وقال ابن (٧) دريد: هو (٨) منسوب إلى الحرة.
استشهد به أبو عليّ على مثل ما استشهد به سيبويه من (٩) أنَّ قوله: "ضارع": مرتفع بفعل مضمر دلّ عليه "ليبك" تقديره: ليبكه (١٠) ضارع ومختبط خصوصًا، وغيرهما عمومًا، وقد ردّ النَّاس (١١) هذه الرواية؛
стр. 213
تحاملًا على الشيوخ وجهلًا بأنه قد قرئ بنحوه في كتاب اللَّه، مثل (١) قراءة من قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٢)، [ومثل هذا أيضًا قراءة من قرأه] (٣): ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٤)، أيْ يسبحه فيها رجال صفتهم ما ذكره، وزَيَّنَه يعني: القتل شُركاؤُهم.
قال أبو الفتح (٥): "وهذا البيت يعني: "ليُبْكَ يزيدُ" شاهد على أنَّ اختزال الفاعل (٦) من اللّفظ لا يكون عن جهل به، بل للإيثار (٧) له".
قال أبو الحجاج: وفي الإيهام على المخاطب بحذف الفاعل في مثل هذا النَّحو الذي يقصد به العموم، تعظيم (٨) للمقصود بتلك القصة،
стр. 214
ومدح عميم ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ (١) على بناء ما لم يسم فاعله، أذهب في المدح والتعظيم، لما يقتضيه هذا اللفظ من العموم؛ لأنه يقتضي أن يسبحه (٢) فيها الإنس والجن والملائكة وسائر (٣) الخلق كما قال سبحانه (٤): ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٥) على أحد الأقوال هاهنا (٦) ثم خصَّ قوله: رجال صفتهم كذا مدحًا لهم وتشريفًا وعناية بهم، وكذلك البيت لما قال: "ليبك يزيد" عم المأمورين بالتفجع على هذا الميت والبكاءِ؛ لما كان عليه من كثرة الغناء (٧)، والاضطلاع بالأعباء، ثم خصَّ هذين الصنفين من جملة الباكين عليه، لشدّة احتياجهما عند (٨) الشدائد إليه، ولا شكّ أنَّ قراءة الجمهور أعلى، والاستمرار على حذف ما قد أقيم غيره مُقامه أولى، [لكن اللّغة العربية كثيرة الاتساع، يعرفها ذو الباع الوساع] (٩).
стр. 215
"وضارع ومختبط" مفردا اللفظ (١) والمراد بهما الجنس. والضارع: الذليل الخاشع.
وقال أبو عبيد (٢) وغيره: المختبط: الرجل يسألك عن غير معرفة كانت بينكما، ولا يد سلفت منه إليك.
[وقال صاحب (٣) العين: "الاختباط: طلب المعروف والكسب، وقد اختبطت فلانًا، واختبطت معروفه فخبطني بخير، وأنشد قول علقمة (٤).
وفي كلِّ حيٍّ قد خبطتُ بنعمة … . . . . . . . . . البيت
ثم ذكر نحو قول أبي عبيد] (٥).
وحكى بعضهم: اختبط فلان فلانًا ورقا: إذا أصاب منه خيرًا، وهذا كلّه يقتضى إلى أنَّ في البيت مفعولًا محذوفًا (٦) لمختبط، تقديره: ومختبط
стр. 216
معروفًا أو ورقًا (١) ونحو ذلك، أو (٢) يكون المفعول المحذوف نفس المرثي تقديره (٣) ومختبط إيَّاه، يعني: "يزيد"، ثم حذفه، لدلالة الكلام عليه.
وقوله: "مما" في موضع رفع على النعت لـ "مختبط" أوله و (٤) "لضارع" جميعًا؛ أيْ كائن أو كائنان من جنس تُطيحه المطيحات، أي؛ تهلكه المهلكات فتكون "ما" للجنس، ويؤيّد هذا التأويل رواية مَنْ روى: "ممن" (٥) وقد تكون "ما" مصدرية، أيْ، من إطاحة المطيحات إيَّاه، فيكون موضع "ممنْ" (٦) على هذا موضع نصب على المفعول له؛ لأنَّ المعنى من أجل إطاحة (٧) الطوائح إياه أو لإطاحته. وروى أبو عليّ في "التذكرة" قد "طوَّحَته" (٨) فهذا يؤكِّد كون هذه (٩) الجملة نعتًا "لمختبط" وحده (١٠)؛ لرجوع الضمير عليه مفردًا، والمعنى في هذا كلِّه ممن صار في حدّ الهكلة وقاربها.
стр. 217
[وقد يخرج الكلام على المآل، في أوَّل الأحوال، ثقة بفهم السَّامع] (١) والقياس في قوله: "الطوائح": المطاوح.
قال أبو حنيفة عن أبي عبيدة (٢): لكنه (٣) جاء على حذف الزيادة من فعله، ورده إلى الأصل، كأنه من "طاح" فهو طائح، ثم كسر على "طوائح" وهكذا قال (٤) أبو عليّ أيضًا، وقال أبو عمرو (٥) الشيباني: جاء على النسب كقولهم: "رجل لابن وتامر" أيْ؛ ذو لبن وتمر، فالمعنى: مما تطيحه ذوات الطوائح أيْ؛ الأمور التي تقترن بها المهالك.
قال أبو الحجاج ومثل "الطوائح" في هذا البيت قول اللَّه (٦) تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾.
قال ابن دريد (٧): "يريد ألقحت الريحُ السحابَ إذا جمعتْه وإذا ألّفته" (٨). والقياس: ملاقح وملقحات، ولكن قالوا: لواقح كما قالوا:
стр. 218
أعقت (١) الفرس، فهي عقوق ولم يقولوا: فهي (٢) معق وهذا عندي منقول من كلام أبي عبيدة، وقد ذكر نحوه عنه أبو إسحاق (٣) الحربي، وكذلك قال الفرَّاء (٤) وقال الزجاج (٥): الرياح تلقح السحاب، وتلقح الشجر، وقيل لها: لواقح. وإنْ ألقحت غيرها؛ لأنَّ معناها النسب، وجاز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير، كما قيل لها: عقيمٌ إذا أتت بالعذاب" وهذا القول أيضًا منقول من قول الفرَّاء حيث قال: "ريح لاقح؛ لأنَّها تلقح بالتراب أو بالماء، ألا ترى أنه قد سمى الريح التي فيها العذاب: العقيم" (٦)، وهذا كما تقول: "ليل نائم" لأنَّ النوم فيه، وهكذا قال أبو عمر الجرمي، وهذا كلّه راجع إلى قول أبي عبيدة وأبي عمرو من حذف الزيادة أو على مذهب النسب] (٧).
стр. 219
وحكى الجرمي عن الأصمعي (١): طاح الشيء وأطاحه (٢) غيره، وطوحه، أيْ؛ أبعده، [والطائحة: الفرقة، وجمعها: طوائح، يقال: ذهبت طائحة من العرب؛ أيْ، فرقة، ثم أنشد:
ليبك يزيدُ. . . . . . . . . البيت] (٣).
قال أبو الحجاج (٤) فإذا صحّ "أطاحهُ" غيره استقام جمع "الطوائح" عليه.
[وقال ابن (٥) النحاس: "أصله: المطاوح، وحذف ضرورة".
قال كراع (٦): "والمطواح: اللسان بلغة أهل اليمن، والمِطْوح: المذهب أيضًا وجمعه: مطاوح".
قال أبو الحجاج: وألف "طاح" منقلبة عن "واو" فيمن قال: طاحَ طَوْحًا، إذا هلك، وأيضًا سقط منبسطًا، وأيضًا ضطرب عقله، وعن "ياء" فيمن قال: طَيْحًا.
قال أبو زيد: وكذلك طاح يطيح طَيْحًا: تاه، وما أطوحه وأطيحه، وقد طوح نفسه: توهها.
стр. 220
وقال سيبويه (١): "أما طاح يطيح، فزعم الخليل أنها فَعِل يَفْعِل، مثل حَسِبَ يَحسِبُ، وهي من الواو، ويدلّك على ذلك طوحت، ومن قال: طيحت، فقد جاء بها على باع يبيع مستقيمة"] (٢).
وقال السيرافي (٣): "يجوز أن يكون من الياء والواو"، وقال (٤) أبو الفتح وغيره (٥): "من قال: طاح يطيح بالياء، فقياسه أن يقول: المطايح بتصحيح الياء، وبعده فيما أظن:
غدا بعدما جف الثرى عن نِقاله … بعصماء تدري كيف تمشي المنائح
ونقاله: نعاله. وعصماء: في معصمها بياض، والمنائح: جمع منيحة، ووصفها بالدراية؛ لأنها قد اعتادت أن تمنح.
стр. 221
وأنشد أبو عليّ (١):
١٢ - عسى الكربُ الذي أَمسَيْتَ فيه … يكونُ وراءَه فرجٌ قريبُ (٢)
البيت لهدبة بن خشرم بن كرز العدزي، استشهد به أبو عليٍّ على ما استشهد به سيبويه من مجئ خبر "عسى" دون "أن" ضرورة، وتشبيهًا "لعسى" بـ "كاد"، وتقريبًا من الشَّاعر للآتي من الحاضر، على جهة التفاؤل بالفرج المؤمل، [لو أنَّ القدر ساعد ذلك الوطر] (٣). و"عسى": طمع وإشفاق، وألفها منقلبة عن "ياء"؛ لقولهم "عَسيتُ أنْ أفعل ذاك" (٤) ولم تتصرف للاستغناء عن ذلك بلزوم "أنْ" للفعل الذي هو خبرها، و"أنْ" للتراخي، واستعمل الماضى فيها دون "الحاضر" (٥) والآتي؛ لخفته (٦)
стр. 222
ولما حاولوه من وقوع ما أملوه. و"الكرب": أشدّ من الغم، كذا قال ابن (١) دريد؛ لأنَّ الكرب ما أخذ بالنفس واشتدّ عليها.
وقوله: "أمسيت" (٢) يجوز أن يكون من الدخول في وقت الإمساء، فـ "فيه" على هذا ظرف للفعل، ويجوز أن يكون بمعنى صرت، فـ "فيه" في موضع نصب، لوقوعه (٣) موقع الخبر المحذوف، والتَّقدير أمسيت كائنًا فيه أو متردِّدًا فيه (٤) أو نحو هذا (٥) مما يليق بالمعنى، ولا موضع "لأمسيت فيه" من الإعراب؛ لأنَّها جملة وصل بها "الذي" وكذلك حكم كل صلة.
و"والذي" نعت "للكرب"، وقد عادت "الهاء" من الصلة إليه، وكذا (٦) حكم كلّ نعت أن يعود منه إلى منعوته ذكر ظاهر أو مضمر.
و"يكون" هاهنا لا خبر (٧) لها؛ لأنَّها بمعنى: يقع ويحدث، فهي على هذا فعل حقيقة لا مجازًا في مذهب المحقِّقين.
стр. 223
و"وراءه" (١) يجوز أنَّ يكون بمعناه (٢) لم ينقل عن موضعه (٣)، [فهي على أصلها باقية] (٤) فالمعنى على هذا (٥): عسى هذا الكرب أن يكون (٦) في طيه، وفي المغيب عني منه فرج؛ لأنَّ وراء الشيء وخلفه متوار عنك (٧) متغيب، ألا تَرى إلى قول امرئ القيس (٨):
كأنَّ هَزيزَهُ بواراءِ غَيْبٍ
أيْ خلف الغيب (٩).
[ولهذا زعم بعض النحوببن أنَّ ألف "وراء" منقلبة عن "ياء"؛ لأنها من الوراء والتواري، وهذا الأصل كلّه بمعنى: الاستتار، إلَّا أنَّ مجيء "ورئيَّة" بالتصغير يقوّي كون الهمزة أصلًا] (١٠).
стр. 224
ويجوز أن يكون "وراء" هاهنا بمعنى: أمام، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (١) إنَّ المعنى فيه: أمامهم.
و"وراء" ظرف متعلّق "بيكون"، كما تعلّق الجار والمجرور "بكان" المفتقرة إلى الخبر في قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ (٢)، إذْ ليس في الآية (٣) شيء يجوز أن يتعلّق (٤) الجار به غير "كان" هذه؛ لأنَّ "عجبًا" و"أن أوحينا" مصدران (٥)، فلا يتقدّم عليهما ما كان في حيزهما، وهذا نصُّ كلام أبي عليّ في غير موضع من كتبه، وإنما نبهت عليه؛ لأنَّ بعض (٦) شيوخ القرَّاء المتكلِّمين في الإعراب زعم أنَّ "كان" لا يتعلَّق الظرف بها، لضعفها وكونها فعلًا (٧) مجاز، [وإنما اتبع فيه قول غيره قبله] (٨)، وهو (٩) قول ساقط؛ لأن "كان وليس" ونحوهما من الأفعال
стр. 225
الضعيفة ليست بأضعفَ (١) من "كأنَّ" وغيرها (٢) من الحروف التي تعمل في الأحوال والظروف والمجرورات هذا القياس المعهود، مع أنَّ النص في ذلك موجود [ممن يعتمَّد عليه، ويرجع عند الاختلاف إليه] (٣).
ويجوز أن يكون "وراء" حالًا منقلبة عن النَّعت؛ لتقدمه، وكان الأصل فيه (٤): يكون فرج واقع وراءه؛ أيْ إثر الكرب، ويجوز أنْ يكون حالًا أيضًا من الضمير الفاعل في "قريب" العائد على "فرج".
وهذا البيت من قصيدة مشهورة قد أنشدها أبو عليّ البغدادي في "أماليه" (٥).
ويروى: "أمسيتُ" مخبرًا عن نفسه، و"أمسيتَ" مخاطبًا لصاحبه الذي يقول فيه (٦):
يُؤرقني اكتئابُ أبي نُميْرٍ … فَقَلْبي منْ كآبتهِ كَئيبُ
فقلت له هَدَاكَ اللَّهُ مَهلًا … وخيرُ القول ذُو اللُّبِّ المصيبُ
عسى -الكْربُ (٧) - الذي أمسيتَ … يكون وراءه فرجٌ قريبُ
فيأمن خَائفٌ ويُفكُّ عانٍ … ويأتيَ أهلَهُ الرَّجُل الغريبُ
стр. 226
ولهدبة خبر طويل في قتله ابنَ (١) عمه زيادة بن زيد بن مالك العذري، وإطالة سجنه حتّى بلغ ابن المقتول وأخذ بثأر أبيه [وقد ذكره ابن قتيبة في "طبقات الشعراء" (٢)، وأبو الفرج الأصبهاني (٣) وغيرهما] (٤).
وأنشد أبو عليٍّ أيضًا (٥):
١٣ - قدْ كادَ مِنْ طُول البلى أنْ يَمصحا (٦)
نسب هذا الشطر (٧) من الرجز (٨) في كتاب (٩) سيبويه لرؤبة بن العجاج، واستشهد به أبو عليّ على ما استشهد به سيبويه من استعمال
стр. 227
"أنْ" في خبر "كاد" ضرورةً، وتشبيهًا (١) لها "بعسى".
قال أبو عليّ: استعملت "أن" معها في الشعر من حيث كان الفعل غير حال في (٢) الحقيقة، وإنْ كانت (٣) مقاربةً لها.
يقال (٤): مصح الشيء يمصح: ذهب ودرس، ويقال: مصح اللَّه ما بك؛ أيْ أذهبه [وحكى أبو إسحاق الحربي: مصح الضرع مصوحًا؛ إذا يبس لبنه، وهذا كلّه راجع إلى معنى الذهاب] (٥). وكذا (٦) يقال: "مسح" بالسين في هذا المعنى أيضًا. يصف ربعًا قديمًا كاد البلى لا يبقى له رسومًا.
стр. 228
وأنشد أبو علي أيضًا (١):
١٤ - فَنِعْمَ صاحِبُ قَوْمٍ لا سِلاحَ لَهُم … وصاحبُ الرَّكْبِ عُثْمانُ بنُ عفانا (٢)
هذا البيت ينسب لكثير بن عبد اللَّه النهشلي (٣)؛ المعروف بابن العزيزة.
قال أبو الفرج الأصبهاني (٤): "والعزيزة هى أم عبد اللَّه وكانت سبية من تغلب، وهو جاهلي إسلامي". [قال أبو عبيد: أدرك معاوية، يعني: كثيرًا] (٥) وقبله (٦):
ضحُّوا بأشْمَطَ عنوان السجود به … يُقطِّعُ اللَّيلَ تسبيحًا وقُرآنًا
стр. 229
هكذا نسبهُ أبو محمَّد بن (١) السيرافي [في شرحه لأبيات الإصلاح] (٢)، ونسبه صاحب "الموعب" في اللّغة لأوس بن (٣) مغراء، [وكذا نسبه أبو حاتم في كتاب "إصلاح المفسد"، ومن ثم نقله ابن التياني ﵀ ونسب أيضًا بيت الإصلاح] (٤) لحسان بن ثابت من القصيدة التي يقول فيها (٥):
لتسمعن وشيكًا في دياركم … اللَّه أكبر يا ثارات عثمانا
[ويروى: "في ضماركم"، وينسب هذا البيت أيضًا في "البصريات" لحسان] (٦). ورواه أبو عمرو (٧):
فنعم عَيْرَ شتاءٍ لا سلاح لهم
قال الكسائي: يقال: "نعم عير الشتاء هو"؛ أيْ، نعم قرين الشتاء هو، يعني (٨) لأنه يعقر فيه.
стр. 230
استشهد به أبو عليٍّ (١) على دخول "نعم" على مرفوع مضاف إلى مالا ألف ولا لام فيه على الوجه الشَّاذ الذي ذكره (٢) قبل البيت، وهي لغة قوم من العرب، فيما زعم الأخفش، يرفعون النكرة المضافة "بنعم وبئس" تشبيهًا لها. مما أضيف إلى ما فيه ألف ولام [ومثله ما أنشده أبو عليّ (٣) الهجري لبعض بني نمير:
فنعمَ مناخُ أزفلة عجاف … وملقى نسعتين على رُحيْل
رجال من خويلد آل عوف … حِيال الشمس أو مجرى سُهيل] (٤)
وحسن عندي حذف الألف واللّام من المضاف إليه في بيت "الإيضاح" ثبوتهما في المعطوف؛ وهما شريكان، قال أبو عليّ في "التذكرة": ولا يجوز على قول سيبويه (٥) "نعم أخو رجل، ولا نعم غلام رجل"؛ لأنَّ فاعل هذا الضرب عندنا لا يكون إلَّا واقعًا على الجنس والشياع، وهذا الضرب من النكرة لا يدلّ على الجنس، ألا ترى أنك لو قلت: "أهلك النَّاس شاة وبعير" لم يكن على حد قولك: "الشَّاة والبعير". قال أبو الحجاج: وقد قال بعض منتحلي النَّحو (٦): يجوز أنْ يكونَ أراد:
стр. 231
فنعم الصاحبُ صاحب قوم، فحذف المرفوع "بنعم"، ونصب "نعم صاحب قوم". على التفسير له. ورأيت بعضهم قد تكلف الرّد على صاحب هذا القول بأنْ قال: لا يخلو (١) المضمر من أنْ يكونَ مفردًا، أوْ مضافًا، فإنْ كان مفردًا نحو ما تقدّم فلا يدلّ المضاف عليه، وإنْ كان مضافًا أضمرنا شيئين وذلك (٢) لا يستقيم، وهذا كلّه فاسد، والرواية مقبولة، إذا جاءت من قبل (٣) ثقة، وأبو الحسن في الثقة والعلم بالمكان (٤) الذي لا يجهل، ولم يصرح أبو عليّ باسمه في "الإيضاح" (٥) ولا في "التذكرة" حيث قال: "وقال بعض البصريين (٦): اعلم أنَّ العرب تجعل ما أضيف إلى ما ليس فيه ألف ولام بمنزلة ما فيه الألف (٧) واللّام، فترفعه كما ترفع ذلك فتقول: "نعم أخو قوم زيد وأنشد:
فنعم صاحب قوم. . . . . البيت
فهذا بمنزلة صاحب القوم".
стр. 232
قال أبو عليّ (١): فإن قلتَ: لعله ينشد: "فنعم صاحبَ قوم" بالنصب، قلتُ: لا يكون ذلك؛ لأنك لا تعطف معرفة مرفوعة على نكرة منصوبة، وهو قولك (٢): و"صاحب الركب" وهذا ضعيف، فهذا نص قول أبي علي، في رد قول مَنْ أراد أن ينصب.
فإن قيل: فلم (٣) لا يكون "وَصاحب الركب" معطوفًا على المرفوع المضمر في "نعم". فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه مضمر مُفسَّر لا سبيل إلى إظهاره، ولا تأكيده لأنه غير مستغن بنفسه؛ لافتقاره إلى التفسير فكأنَّه لم يتم بعد، والعطف والتأكيد إنما يكونان فيما تم، وإذا قبح العطف على المضمر المرفوع (٤) دون تأكيد، حتى لا يحمل عليه شيء من القرآن، فالواجب أن لا يجوز هنا ألبتة؛ لما بينته من أحوال مضمر "نعم"، ومع هذا فقد نصّ أبو بكر (٥) في "الأصول" (٦) وأبو عليّ في غير موضع أنَّ هذا العطف لا يجوز فكفيانا (٧) أمر (٨) الشغب (٩).
стр. 233
وقوله:
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم
إشارة إلى فضل (١) عثمان ﵁، وأنه يغني يوم القيامة بالشّفاعة، غناء من دافع [في الدنيا بسلاحه الشاكة عن عزل الجماعة] (٢). وقد يكون السِّلاح أيضًا؛ عبارة عن بذله لماله، وتوسعته لصحبه فيه، فيكون ذلك أجدى من السّلاح لحامليه (٣)، ويؤيّد هذا التأويل رواية من روى: "فنعم عير شتاءٍ"؛ لأنَّ الشتاء وقت يتميّز فيه الكرام من اللئام، بنحر الجزر وإطعام الطَّعام.
[وناهيك من مناقبه؛ تجهيزه جيش العسرة، وشراؤه لبني السبيل بئر رومة] (٤)، ولا يدفع يخر منافق فضائله (٥) المعلومة. [والسلاح تذكر وتؤنث] (٦).
ويعني بقوله: "ضحوا" أنهم صيروا قتله كالأضحية التي يتقرب مضحيها، بذبحها في الأيام المرغب فيها، وذلك إشارة إلى [قتله ﵁] في أيام الأضحى أو ما قاربها (٧).
стр. 234
قال المصعب (١) بن عبد اللَّه الزبيري: "قتل عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة"، وكذا قال: عمر (٢) بن شبة، وجمهور أهل التَّاريخ.
[وقال خليفة (٣) بن خياط: "قتل وسط أيام التشريق"، وقد قيل: يوم النحر، وقال الجعدي (٤).
وابن عفّان حنيفًا مسلمًا … ولحوم البدن لما تنتقلْ
وقيل: يوم التروية قال خليفة في قتل عثمان ﵁، ويسنده إلى أبي سعيد مولى أبي أسيد] (٥): لما دخل عليه، والمصحف بين يديه، قال لأوَّلِ داخلٍ (٦): بيني وبينك كتاب اللَّه، فخرج وتركه، ثم دخل عليه آخر فقال له: مثل ذلك فأهوى إليه بالسيف فاتقاه بيده فقطعها.
стр. 235
فقال: أما واللَّه إنها لأوَّل كف خَطَّتْ المفَصّلْ. [وقال وثاب: جاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ثم رجع] (١).
وجاء محمَّد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلًا فأخذ (٢) بلحيته ومال بها (٣) حتى سمعت وقع أضراسه، وقال: ما أغنى عنك معاوية، ولا ابن عامر، وما أغنت عنك كتبك.
قال وثاب: ورأيته قد استعدى رجلًا (٤) من القوم (٥) بعينه -يعني أشار إليه- فقام إليه بمشقص فوجأ به رأسه ثم تعاوروا (٦) عليه واللَّه حتى قتلوه ﵀".
[وقال أبو سعيد: خنقه رجل من بني سدوس، يقال له: الموت الأسود قبل أن يضرب بالسيف.
قال غيره: دخل عليه التجيبي فأشعره مشقصًا، فانتضح الدّم على قول اللَّه تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ (٧) فإنها في المصحف ما حكت.
стр. 236
وقال قتادة: الذي ولي قتله رومان رجل من بني أسد بن خزيمة.
وقال نافع: بعجه بحربة سودان بن حمران. وقال عبد اللَّه بن شقيق: أوَّل من ضرب عثمان رومان اليماني بصولجان، يقال: هو رومان بن سودان الأيدعاني التجيبي، ويقال: سودان بن رومان وهو ممن شهد فتح مصر، حكى ذلك الأمير (١) ابن ماكولا عن ابن يونس (٢).
وأيدعان (٣) هذا هو ابن سعد بن تجيب.
قال أبو الحجاج: وأكثر ما أضيف قتله إلى هذا اللعين التجيبي، ولذلك قال الوليد (٤):
ألا إنَّ خَيرَ الناسِ بَعْدَ ثلاثَةٍ … قَتيلُ التُّجيبي الذي جاءَ من مَصْرِ
وأمَّا التجوبي (٥) فقاتل عليَّ ﵁، وتجوب في مراد، وينبغي أن ينزه
стр. 237
مثل محمَّد بن أبي بكر وصنفه من الصَّحابة ﵃ عن كلّ مثلبة لا تليق بهم، ولم يصح وقوعها منهم؛ لأنَّ حاكي هذه الهنات قوم غيرُ ثقات] (١). ودفن عثمان ﵁ ليلًا، وصلّى عليه جبير بن مطعم، وكانت سنه يوم توفي ستًا وثمانين سنة، وقيل: اثنتين وثمانين، وقتل يوم الدار معه المغيرة (٢) بن الأخنس بن شريق الثقفي، فقول الشَّاعر فيه: "بأشمط" يعنيه، والأشمط: الأشيب إنما (٣) أشار بذلك إلى قلة غلبة الشيب عليه، أو إلى أنَّ قوته كانت لم تذهب ذهاب من بلغ مثل سنه.
"وعنوان السجود": أيْ علامته ورونقه، كما قال النبيّ ﷺ : "من كثر قيامه بالليل حسن وجهه بالنهار" (٤).
[وفي عنوان: لغات كثيرة، هذه أفصحها، كذا قال يعقوب (٥)، وذكر أكثر اللّغات فيه، وفي تصريف فعله كذلك، وذكر أبو عليّ (٦) في وزنه على اختلاف لغاته مذاهب كرهت استقصاءها؛ خوف التطويل.
стр. 238
وعنوان: عنده "فعوال"، مثل عتوار (١)، وعصواد (٢)، من عَنَّ إذا اعترض، وقال ابن الأعرابي: عننتُ الكتاب] (٣). قال: ويجوز أن يكون "فُعلانًا"، من عنا يعنو (٤).
قال أبو الحجاج (٥)، وكذا (٦) حكى أبو حنيفة: أنَّ "العنوان" من عنت الأرض؛ إذا ظهر نباتها حسنًا. [وقال أبو عليّ: كأنه تذلل لما زال استبهامه] (٧).
وموضع قوله (٨): "عنوان السجود به" (٩)، نصب على الحال من الضمير في "يقطع الليل"، أو جرّ على النَّعت لـ "أشمط"؛ وهذا أحسن؛ كأنه قال: بأشمط ظاهر الخير، وقد يكون حالًا من "أشمط"، وإنْ كان نكرة؛ لأنها مفهوم من يراد بها. وقد حكى سيبويه (١٠): "هذه مائة بيضًا".
стр. 239
وقوله: "قرآنًا": مصدر كالغفران ونحوه يريد (١): وقراءة، وكذلك هو في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٢)؛ أيْ ضمّه (٣) إليك بالحفظ، وقول حسان ثابت (٤): "يا ثارات عثمانا": هي جمع ثأر؛ وهو المطلوب بالدّم، وقال أبو علي: "الثأر: المقتول سمي بالحدث (٥) كرجل عدلٍ ونحوه، ولذلك جمع بالتاء، وأُضيف".
قال أبو الحجاج: وتفسير أبي عليّ (٦) عكس ما فسره غيره، وإذا كان منقولًا من المصدر، احتمل وصف الفاعل والمفعول به، و"يا ثارات عثمانا" محتملة لهذين التفسيرين، فعلى قول أبي عليّ، تقديره: يا مطلوبات (٧) عثمانًا وعلى قول غيره: يا طالبات ثأر (٨) عثمانا، هذا (٩) أوانك في الجد.
стр. 240
وأنشد أبو عليّ (١):
١٥ - فأمَّا الصُّدورُ لا صُدور لجعفرِ … ولكنَّ أعجازًا شديدًا ضَريرُها (٢)
هذا البيت نسبه أبو عليّ الهجري (٣) في "نوادره" لرجل من الضِّباب في خبر أذكره بعد هذا (٤) إنْ شاء اللَّه.
واستشهد به أبو عليّ الفسوي، على أنَّ "الصدور" الأوَّل مبتدأة (٥) ولم يعد عليها من اللّفظ شيء، لكنه قد عاد من المعنى؛ لأنه جعل قوله: "لا صدور" التي هي في موضع (٦) خبر "الصُّدور" الأوَّل كلّ واحد
стр. 241
منهما (١) قسمًا يتضمّن آحادًا ذوات أنواع، فيكون الذكر قد عاد في المعنى من النَّكرة العامَّة إلى "الصدور"، كما عاد الذكر في المعنى إلى "زيد" المبتدأ في قولك: "زيد نعم الرجل" من الجنس، الذي هو "الرجل"، ألا ترى أنَّ زيدًا داخل في جملة هذا الجنس. قال أبو عليّ: وهذا يدلّ على ما يخالف فيه أبو الحسن سيبويه، من عود الذكر غير الإضمار (٢)، وحمله على المعنى كما قال (٣) الجميح أو غيره:
إذا المرْءُ لم يَغْشَ الكريهةَ أو شكَتْ … حِبالُ الهوينى بالفتى أنْ تقطَّعا
قال أبو الحجاج: وجعل أبو الفتح (٤): "الصدور" الثانية هي "الأولى" (٥) في هذا البيت، وكذلك "القتال" (٦) في البيت الثَّاني هما سواء عنده قال (٧): "وكلاهما حسن".
стр. 242
وأمَّا (١) بيت "الكتاب" (٢):
ألا ليْتَ شِعري هَلْ إلى أُمِّ جحْدَرٍ … سَبيلٌ فأمّا الصبرُ عنها فلا صبْرا
فهو بمنزلة قولك: "نعم الرجل عبد اللَّه" فيمن (٣) رفع "عبد اللَّه" بالابتداء، وجعل ما قبله خبرًا عنه، مقدّما عليه، وذلك أنَّ "الصبر" عنها بعض الصبر [لا] (٤) أجمعه. وقوله: "فلا صبر" نفي للجنس أجمع، فدخل "الصبر" عنها، وهو البعض في جملة ما بقي من الجنس، كما أنَّ "زيدًا" بعض الرِّجال، وهذا واضح، قال أبو الحجاج: وكلام ابن جني هذا شرح شاف لبيتي "الإيضاح" في إغناء الجنس عن "الضمير"، لولا أنه خالف شيخه أبا علي فيما اعتقده من أنَّ "الصدور" الثانية هي الأولى (٥)؛ وظاهر كلام أبي علي في "الإيضاح" (٦) يقتضي أنَّ "الصدور" الثانية ليست الأولى؛ لأنه شبّهها بقولك: "زيد نعم الرجل" ولاشكّ أنَّ زيدًا هنا ليس يراد به عين هذا (٧) الجنس وذاته، إلّا أنْ يكون أبو علي، أراد أنَّ الثاني لما علم أنه يراد به الأوَّل نفسه في المعنى لا غير، جاز أن يقع مظهره
стр. 243
كمضمره، كما أجازوا: "الذي قمت أنا"، و"وأنا الذي قمت"، حملًا على المعنى، وهذا أحوج إلى العائد من الذي نحن بصدده، ويدلّ على تأويلي هذا بيت "الجميح" (١) المتقدِّم آنفًا (٢)، ألا ترى أنه قد استشهد به على نحو ما نحن بسبيله من كون المظهر يغني عن المضمر؛ لأنه أوقع: قوله: "بالفتى" موقع "المرء". المتقدِّم في صدر البيت، واستغنى به عن ذكر "المرء" المكرر القائم مقام العائد على "المرء" المرفوع من حيث فهم المعنى، ولاشكّ أنَّ المراد "بالفتى": "المرء" المذكور أوَّلًا، فإذا ثبت هذا لم يكن قول أبي الفتح خلافًا، بل يكون (٣) تبيينًا يوجب (٤) ائتلافًا؛ وإن كان أراد (٥) أبو عليّ: أنْ تكون "الصدور" الأولى مخصوصة، والثَّانية عمومًا، على ما يقتضيه ظاهر قوله في "الإيضاح"، وقد رأيت له في "التذكرة" ما يقتضي عضد (٦) ظاهر "الإيضاح" وقد بيّنت مراده (٧)، قبل بما يغني عن الإعادة،
стр. 244
ويقال لابن جني أيضًا من حيث جعلتَ أنت قوله: "فلا صبرا" نفيًا عامًا في اللّفظ (١)، جعل (٢) أبو عليّ: نفى الصدور الثَّانية عامًا في اللّفظ، وإن كان لم يرد (٣) في المعنى إلّا الصدور الأولى الموجبة المختصَّة، كما قالوا: "أما البصرة فلا بصرةَ لك"، وكما أنشد سيبويه (٤):
لا هيثمَ الليلة للمَطيِّ
ألا ترى (٥) كيف أجرى هذا مُجرى ما يكون شائعًا في الجنس. ويقال لابن جني أيضًا: ادعاؤك أنَّ قوله: "فلا صبرًا" نفي للجنس لا يصحّ إنْ كنتَ ذهبتَ (٦) إليه لفظًا ومعنًى؛ لأنَّ الشَّاعر لم يرد نفي صبره، في جميع أمره؛ لأنَّ هذا (٧) ذم منه لنفسه؛ لوصفه إيَّاها بعدم الصبر، في كلّ أمر، وإنما أراد: فلا صبر لي عن هذه المرأة فقط، وإنْ كنت صبورًا: عمن (٨) سواها، وذلك لما يغلبه من هواها.
стр. 245
فالصبر الثاني إذنْ هو الأوَّل، فما انفصل به من توجيه جليّ، كان حجّة لأبي علي.
و"أمَّا" حرف إخبار عن الجمل المستأنفة.
قال سيبويه (١): أمَّا كشَرْوى، وقال أبو سعيد (٢): يعني أنها غير مركبة، وفيها معنى الجزاء والفاء لازمة لها أبدًا.
قال أبو الحجاج: وحذفت هنا ضرورة وكذلك قال أبو عليّ (٣): إنَّ "الفاء" لا تحذف من جواب "أمَّا" إلّا في الشعر. والصدور جمع صدر. قال الفرَّاء: واكتفوا بها عن أصدر.
وجعفر هاهنا قبيلة (٤) يريد جعفر بن كلاب، وهم بيت كلاب بن ربيعة بن عامر (٥).
قال الهجريّ (٦) احتربت الضباب (٧) وجعفر فأعانت بنو أمية (٨) بني جعفر لصهر كان بينهم، وذلك أنَّ قُطية بنت الحارث (٩) كانت عند بشر
стр. 246
ابن الوليد بن عبد الملك، فقال رِجل من الضباب:
تزاحمنا عِنْدَ المكارمِ جَعْفَرٌ … بأعجازها إذْ أسلمتها صدورها
فأمَّا الصُّدورُ لا صدورَ [لجعفر … ولكن أعجازًا شديدًا ضريرها] (١)
[ويروى: "فإن الصدور"] (٢). فالصدور على هذا كناية عن رجال جعفر، والأعجاز كناية عن نسائهم، يعني أنَّ بني جعفر ليس شرفهم من قبل الرجال الحسباء، ولكن من قبل مناكح النساء، [وهذا كما قال الآخر:
فسادة عبسٍ في الحديث نِساؤها … وقادة عبس في القديم عبيدها (٣)
وذلك أنَّ ولادة (٤) بنت العباس بن جزء ويقال: ابن حزن العبسي كانت تحت عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد وسليمان ابنيه، فعرض بأن شرف عبس في الحديث سبُبه هذا المنكح، كما كان في القديم بعنترة عبدهم الأفلح.
стр. 247
وقوله: "شديدًا ضريرها" إشارة إلى أنَّ نساءَهم ذوات كد واعتمال، لا ذوات صون وحجال، فيكون كقول جرير (١):
إنْ تكف أمَّك يابَعيثُ فربما … صدرت ومرَّنَ بَظْرَها الاصدارُ
ذهبَ القَعودُ بلحم مقعدة استها … وكأنَّ سائر لحمها (٢) الأفْهارُ
قوله: "صدرت"، أيْ؛ هى راعية تصدر على قعود غير موطأ للقعود، فهي رسحاء، ذات عجز كالمدق، المتخذ من أصلب الحجر.
وقول الضبابي: "بأعجازها" فيه حذف، أيْ؛ بسبب أعجازها، أي من أجل نسائها، ومصاهرتهم إلى علية لم تكن جعفر من أكفائها، ولولا ذلك لم تزاحمنا رجالها، عند فعال لا يشاهدها حقيقة أمثالها، ولا يعدم من متجن ذنوب، الشاعر (٣) في أكثر أحواله كذوب، على أن دغْفلًا (٤) النسابة، قد قال في بني عامر لمعاوية حين سأله عنهم: "أعناق ظباء، وأعجاز نساء"، وإلى نحو هذا ذهب أبو محمَّد (٥) البطليوسي حين قال] (٦):
стр. 248
ذهب إلى أن قوتهم ليست في صدورهم، إنما هي في أعجازهم، وشبهه بقول الآخر:
ترتج ألياه ارتجاج الوَطْبِ (١)
وإنما ذهب عندي إلى الوصف بالأعجاز الضخام، نفيًا لهم عن الفروسية التي تذهب بلحم الأليات الجسام] (٢).
وقوله:
ولكن أعجازًا شديدًا ضَريرها (٣).
حذف فيه (٤) خبر "لكن" اكتفاء بقوله: "لجعفر" والتقدير: ولكن لها أعجازًا، هكذا يجب أن يكون الخبر (٥) المجرور مقدَّمًا (٦) قبل النكرة في مثل هذا (٧)، كما كان ذلك واجبًا في باب الابتداء، وقد تقدّم وجه ذلك.
стр. 249
وأنشد أبو عليٍّ (١):
١٦ - فأمَّا القتالُ لا قِتالَ لديكمُ … ولكنَّ سيرًا في عِراضِ المواكب (٢)
هذا البيت مما هُجيَ به قديمًا بنو أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، هكذا قال أبو الفرج (٣)، وأنشد قبله:
فضحتم قريشًا بالفرار وأنتم … قُمَدون سودانٌ عظام المناكِب
[قال أبو الحجاج: وقد أكثر الشعراء من هجاء بني عبد اللَّه بن (٤) خالد بن أسيد، فممن] (٥) هجى خالد بن عبد اللَّه بن خالد حين فرّ من البصرة، وقد ثار بها يدعو لعبد الملك، فلما كرّ مصعب بن الزبير إليها راجعًا من الكوفة، فرَّ خالد إلى الشَّام، فهجاه الفرزدق وسائر إخوته فقال (٦):
стр. 250
وكلّ بني السوداء قد فرَّ فرَّةً … فلم تبق إلّا فرَّةٌ في إست خالدِ
فضحتم أمير المؤمنين وأنتم … قُمدون سودانٌ جلادُ السواعِدِ
[وكذلك فرَّ أميَّة بن عبد اللَّه أخو خالد يوم "مرداء هجر" (١) من أبي فديك (٢)، وسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، وقد هجاه بذلك عبيد اللَّه بن (٣) قيس الرقيات، وكذلك أخوهما عبد العزيز بن عبد اللَّه من الأزارقة، وأسلم امرأته أم حفص بنت المنذر بن الجارود العبدي وهي التي بلغت مائة ألف فعقلها عمرو أبو الحديد العبدي آنفًا لما أقيمت حاسرًا، وكانت من أجمل النساء، فوصله عند ذلك أخوها الحكم بن الجارود (٤) بعشرة آلاف درهم، وقال له: من غسل عَنَّا العار غيرك.
وقد هجا عبد العزيز هذا كعب الأشقري (٥). وقد تمثل بالبيتين معبد (٦) بن وهب المغني لبعض من هجر من غنائه من ولد أسيد، حين أسن معبد وفسد صوته] (٧).