← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ابن الوليد بن عبد الملك، فقال رِجل من الضباب: تزاحمنا عِنْدَ المكارمِ جَعْفَرٌ … بأعجازها إذْ أسلمتها صدورها فأمَّا الصُّدورُ لا صدورَ [لجعفر … ولكن أعجازًا شديدًا ضريرها] (١) [ويروى: "فإن الصدور"] (٢). فالصدور على هذا كناية عن رجال جعفر، والأعجاز كناية عن نسائهم، يعني أنَّ بني جعفر ليس شرفهم من قبل الرجال الحسباء، ولكن من قبل مناكح النساء، [وهذا كما قال الآخر: فسادة عبسٍ في الحديث نِساؤها … وقادة عبس في القديم عبيدها (٣) وذلك أنَّ ولادة (٤) بنت العباس بن جزء ويقال: ابن حزن العبسي كانت تحت عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد وسليمان ابنيه، فعرض بأن شرف عبس في الحديث سبُبه هذا المنكح، كما كان في القديم بعنترة عبدهم الأفلح.

стр. 247

وقوله: "شديدًا ضريرها" إشارة إلى أنَّ نساءَهم ذوات كد واعتمال، لا ذوات صون وحجال، فيكون كقول جرير (١): إنْ تكف أمَّك يابَعيثُ فربما … صدرت ومرَّنَ بَظْرَها الاصدارُ ذهبَ القَعودُ بلحم مقعدة استها … وكأنَّ سائر لحمها (٢) الأفْهارُ قوله: "صدرت"، أيْ؛ هى راعية تصدر على قعود غير موطأ للقعود، فهي رسحاء، ذات عجز كالمدق، المتخذ من أصلب الحجر. وقول الضبابي: "بأعجازها" فيه حذف، أيْ؛ بسبب أعجازها، أي من أجل نسائها، ومصاهرتهم إلى علية لم تكن جعفر من أكفائها، ولولا ذلك لم تزاحمنا رجالها، عند فعال لا يشاهدها حقيقة أمثالها، ولا يعدم من متجن ذنوب، الشاعر (٣) في أكثر أحواله كذوب، على أن دغْفلًا (٤) النسابة، قد قال في بني عامر لمعاوية حين سأله عنهم: "أعناق ظباء، وأعجاز نساء"، وإلى نحو هذا ذهب أبو محمَّد (٥) البطليوسي حين قال] (٦):

стр. 248

ذهب إلى أن قوتهم ليست في صدورهم، إنما هي في أعجازهم، وشبهه بقول الآخر: ترتج ألياه ارتجاج الوَطْبِ (١) وإنما ذهب عندي إلى الوصف بالأعجاز الضخام، نفيًا لهم عن الفروسية التي تذهب بلحم الأليات الجسام] (٢). وقوله: ولكن أعجازًا شديدًا ضَريرها (٣). حذف فيه (٤) خبر "لكن" اكتفاء بقوله: "لجعفر" والتقدير: ولكن لها أعجازًا، هكذا يجب أن يكون الخبر (٥) المجرور مقدَّمًا (٦) قبل النكرة في مثل هذا (٧)، كما كان ذلك واجبًا في باب الابتداء، وقد تقدّم وجه ذلك.

стр. 249

وأنشد أبو عليٍّ (١): ١٦ - فأمَّا القتالُ لا قِتالَ لديكمُ … ولكنَّ سيرًا في عِراضِ المواكب (٢) هذا البيت مما هُجيَ به قديمًا بنو أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، هكذا قال أبو الفرج (٣)، وأنشد قبله: فضحتم قريشًا بالفرار وأنتم … قُمَدون سودانٌ عظام المناكِب [قال أبو الحجاج: وقد أكثر الشعراء من هجاء بني عبد اللَّه بن (٤) خالد بن أسيد، فممن] (٥) هجى خالد بن عبد اللَّه بن خالد حين فرّ من البصرة، وقد ثار بها يدعو لعبد الملك، فلما كرّ مصعب بن الزبير إليها راجعًا من الكوفة، فرَّ خالد إلى الشَّام، فهجاه الفرزدق وسائر إخوته فقال (٦):

стр. 250

وكلّ بني السوداء قد فرَّ فرَّةً … فلم تبق إلّا فرَّةٌ في إست خالدِ فضحتم أمير المؤمنين وأنتم … قُمدون سودانٌ جلادُ السواعِدِ [وكذلك فرَّ أميَّة بن عبد اللَّه أخو خالد يوم "مرداء هجر" (١) من أبي فديك (٢)، وسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، وقد هجاه بذلك عبيد اللَّه بن (٣) قيس الرقيات، وكذلك أخوهما عبد العزيز بن عبد اللَّه من الأزارقة، وأسلم امرأته أم حفص بنت المنذر بن الجارود العبدي وهي التي بلغت مائة ألف فعقلها عمرو أبو الحديد العبدي آنفًا لما أقيمت حاسرًا، وكانت من أجمل النساء، فوصله عند ذلك أخوها الحكم بن الجارود (٤) بعشرة آلاف درهم، وقال له: من غسل عَنَّا العار غيرك. وقد هجا عبد العزيز هذا كعب الأشقري (٥). وقد تمثل بالبيتين معبد (٦) بن وهب المغني لبعض من هجر من غنائه من ولد أسيد، حين أسن معبد وفسد صوته] (٧).

стр. 251

واستشهد (١) أبو عليّ بقوله: فأما القتال لا قتال. . . . . البيت على مثل قول الآخر: فأما الصدور. . . . . . البيت من كون "القتال" الثَّاني النكرة لعمومها قد (٢) تضمّنت "القتال" الأوَّل، فصار ذلك كالذكر العائد من الثَّاني إلى الأوَّل، فأشبه (٣) ذلك: "زيد نعم الرَّجل، في وقوع (٤) المظهر موقع المضمر، وتضمّنه الأوَّل واشتماله عليه؛ لأنه جنسه الذي يعمّه، وسائر نوعه. وحذف "الفاء" التي هى جواب "أمَّا" ضرورة، والتَّقدير: "فلا قتال" وكذلك حذف الجار والمجرور الذي هو في موضع خبر "ولكن سيرًا" (٥)، والتقدير: ولكن لكم سيرًا، وعلّته علّة ما قبله، والرواية هنا: "فأمَّا القتال" بالرّفع (٦) على الابتداء، وخبره في الجملة المنفية كما كانت "الصدور" في البيت الأوَّل مرفوعة على مثل هذا النَّحو (٧)، ويجوز هنا (٨)

стр. 252

النصب لأنَّ "القتال" مصدرٌ، فينتصب (١) على المفعول له، كما انتصب على ذلك قول ابن ميادة (٢): فأما الصبر عنها. . . . . البيت (٣) والتقدير: فأمَّا لأجل القتال إذا حضر، فلا (٤) نعرف لكم فيه إلَّا التعرض والأشر، والمباهاة بسير مراكبكم (٥) لمعارضة مواكبكم، وإعجابًا بسلطانكم، لا غلابًا (٦) لأقرانكم، مع شرف أحسابكم وعظم أبدانكم، هذا إن كان أراد بقوله: "السودان": المدح، وإثبات الحسب؛ لأنَّ الأدمة دليل على الصريح النسب (٧)، فهو مدح عند العرب، كما قال اللهبي (٨): وأنا الأخضر مَنْ يعرفني … أخضر الجلدة في بيت العربْ وقد يريد به الذم كما قال جرير (٩): كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها … فويلًا لتيم من سرابيلها الخضرِ [ويؤكّد هذا قول الفرزدق فيهم: كلّ بني السوداء] (١٠). . . . . . .

стр. 253

يرد مثلهم في السواد والأخلاق العبوديّة (١)، وقد يكر بعد الفر، على جهة الفخر والحمية، وأنتم أحرار، عادتكم الفرار، وإنما أشار بقوله "كل بني السوداء" إلى عنترة، حيث قال (٢) له أبوه في بعض الحروب: "كر عنترة (٣)، فقال: العبد لا يحسن الكر، وإنما يحسن الحلاب والصر. فقال له: كر وأنت عتيق، فكر وسر، [وكشف عن قومه الضر] (٤). ويؤكِّد (٥) أنه أراد مدحهم بالسواد، قوله: . . . . . . . . وأنتم … قمدون سود انجلاء المناكب ألا ترى كيف قرن السواد بالقمد، وهو القوي الشديد، وبنجل المناكب؛ وهو سعة ما بينهما وإشرافهما (٦)، وبذلك وصفوا في بيت "الإيضاح"، وكذلك قوله (٧) في بيت "الكتاب": فأمَّا الصبر (٨) عنها. . . . . . رفعه جائز أيضًا (٩).

стр. 254

وأنشد أبو علي (١): ١٧ - تَزَوّدْ مِثْلَ زادِ أبيكَ فينا … فنعمَ الزادُ زادَ أبيكَ زادًا (٢) البيت لجرير بن عطية الخطفى (٣) -واسمه حذيفة- والخطفى [لقب له؛ لقوله (٤): وعنقًا باقي الرسيم خطفًا ويروى (٥): خطيفًا] (٦). ويكنّى جرير أبا حزرة. استشهد به أبو عليّ على جواز اجتماع المميز (٧) والتمييز على جهة التأكيد، وهو مذهب شيخه؛ أبي بكر (٨) بن السراج، وذكر بعضهم أنَّ هذا

стр. 255

من ضرورة الشعر، وأنَّه لا يحسن في النثر (١)، وأما السيرافي (٢) فقال: "لا يجوز أنْ يجمع بينهما فتقول: نعم الرجل رجلًا". قال أبو الحجاج: وقد وجدت نحوًا من بيت جرير هذا، أنشد المصعب (٣) الزبيري لأبي بكر بن الأسود (٤) المعروف بابن شَعوب الليثيّ، وشعوب أم الأسود هذا. ذريني اصطبح يا بكر إني … رأيت الموتَ نقب عن هشام (٥) تخيره ولم يعدل سواهُ … ونعم المرءُ من رجل تهام فقوله: "من رجل" كقولك (٦): رجلًا، و"من" تدخل على التمييز كما احتج أبو عليّ لمثله بقول الآخر (٧):

стр. 256

يا سيّدًا ما أنْتَ مِنْ سيّدٍ وسيأتي بكماله (١) إنْ شاء اللَّه، بل هذا البيت أبين في الاحتجاج لأبي علي، وأقرب إلى التخلص من ذلك؛ لأنَّ بيتَ جرير قد فصل فيه بين المُميِّز والمميَّز، بقوله: "زادُ أبيك"، وهو على كلا (٢) حاليه كالأجنبي منهما (٣) وقد حكى أبو علي (٤) عن أبي عمر: الجواز (٥) في نحو، "حبذا رجلًا زيد، وحبذا زيدٌ رجلًا"، قال أبو علي: "والوجه أنْ لا يفصل بين المفسِّر والمفسَّر إلّا أنه قد جاء" (٦): فنعم الزاد زادَ أبيك زادًا. . . . . قال (٧): و"أما الحال، فإنْ شئت قدمت، وإنْ شئت أخرت". قال أبو الحجاج: وقد ينتصب قوله: "زادًا" على غير التمييز من وجوه (٨) منها: أن يكون مفعولًا "التزود"، و (٩) مثل: منصوب على الحال، من "زادا" (١٠)؛ لأنَّه نعت نكرة تقدّم عليها وهذا وجه حسن.

стр. 257

والثَّاني: أنْ يكون منتصبًا على المصدر المحذوف الزيادة، كما قال (١): فذلك كان قدري أيْ تقديري، والتقدير: "تزود متل زاد أبيك فينا تزودًا"، وهذا عندي أيضًا وجه حسن جدًا؛ لأنَّ الفرَّاء قد (٢) قال: "الزاد مصدر"، فحمله على هذا لا ينكر؛ إذْ أصله المصدر. والثَّالث: أنْ ينتصب على التمييز من "مثل" في قوله: "مثل زاد أبيك" أيْ "تزود (٣) مثل زاد أبيك زادًا"، فيكون نحو قولهم: "ما رأيتُ مثله (٤) رجلًا؛ أيْ من الرجال ولا يلزم في هذا كلّه أنْ يقال: إنَّ "زادًا" قد حصل في جملة المعطوف (٥)، فكيف يتوّهم أنه من حيّز المعطوف عليه؛ لأنَّ (٦) هذه الجمل كلّها متصل بعضها ببعض، فهي كقولهم: "ضربت وضربني زيدًا"، وقد أجمعوا على (٧) جوازه، ولم يعتقدوه فصلًا بين العامل

стр. 258

والمعمول بأجنبي، وهو في "الفاء"؛ لما تقتصيه من الاتصال (١) أحسن. وقد يجوز أنْ يجعل "الزاد" في قوله (٢): "مثل زاد أبيك" المزود والتزويد، وكذلك حكم (٣) بقية البيت. وهذا يقوله جرير لعمر بن عبد العزيز، وقبله (٤): ومن عبد العزيز لقيت بحرًا … إذا نقص البحور المد زادا فسدت النَّاس قبل سنين عشْر … كذاكَ أبوكَ قَبل العَشرِ سادا وثبَّتَ الفروع فهنَّ خُضْرٌ … ولو لم تُحي أصلهمُ لبادا وبعد هذا (٥): تزوّد مثل زاد أبيك. . . … . . . . . . . البيت وبعده (٦): فما كعب بن مامة وابن سعدي … . . . . . . . البيت

стр. 259

وأنشد أبو عليّ (١): ١٨ - من كانَ مَرْعَى عَزْمِه وهُمُومِه … روضُ الأماني لم يزلْ مَهْزولًا (٢) البيت لحبيب بن أوس الطائي، ولم يجلبه مستشهدًا بمثله على مكانة قائلة من الأدب وفضله، [ولكن بيته بيتُ مثلٍ، فيه للإعراب بعضُ عملٍ، فنبه عليه من وَجهيه، ونوّه بقائله وحرص عليه] (٣). [ولكنه كالمسألة الموضوعة، والشَّاهد قد تقدّم في الحديث (٤) المروي عن النبي ﷺ ، وقد حكى أنَّ أبا علي أجاب عندما سئل، لم أوردت هذا البيت الذي لحبيب شاهدًا على ما أردت؟. فقال: إنما أوردته؛ لأنَّ عضدَ الدولة كثيرًا ما كان ينشد هذه القصيدة التي لحبيب، وأوَّلها (٥):

стр. 260

يوم الفراق لقد خلقت طويلًا] (١). وقد قال ابن (٢) جني وغيره من جلة (٣) أهل الأدب: "المولدون" (٤) حُجّة في المعاني (٥) لا في الإعراب. وقد استشهد المبرد (٦) بغير بيت لحبيب على نحو هذا الوجه. [وشاهد المسألة بيت الكتاب (٧)؛ وهو: إذا ما المرء كان أبوه عبس … فحسبك ما تريد إلى الكلام] (٨)

стр. 261

وأنشد أبو عليّ (١): ١٩ - ولا أُنبأنَّ أنَّ وجهكِ شانُه … خُموشٌ وإنْ كانَ الحميمُ حميمُ (٢) البيت لعبد قيس بن خفاف البرجَمي [من تميم، وكنيته أبو جُبيل] (٣)، وكان شريفًا شجاعًا شاعرًا (٤)، ومدح حاتم بن عبد اللَّه الطائي (٥)، لأنه وصله بثلاثمائة بعير في حمالة لزمته، قاله أبو الفرج (٦). استشهد به أبو عليّ على إضمار الأمر والشأن في "كان"، ورفع قوله: "الحميمُ حيم" بالابتداء والخبر، إذْ لا ينبغي غير ذلك من نصب "الحميم" المعرفة على خبر "كان"، ورفع "حميم" النكرة على (٧) اسمها؛ إذْ لا ضرورة هنا داعية إلى ذلك؛ إذا أمكن الإضمار، وتوجه الاختيار.

стр. 262

وبعده عن (١) أبي زيد وغيره: ومات على سلمان سَلمى بنُ جنْدلٍ … وذلكَ مَيْتٌ لو علمتِ كريمُ وقبلهما (٢): أفاطم (٣) إني هالكٌ فَتبيَّني … ولا تَجْزعي كلُّ النساء تئيمُ يقال: آمتِ المرأةُ تَئيم أيمةً وإيْمأ وأيومًا (٤)، إذا هلك زوجها، وهى أيِّم، وكذلك الرجل أيضًا والجمع: أيامى، والقياس أيائم، ولكنه [قلب توسعًا (٥) وتخفيفًا، ومن أمثالهم (٦): "الحرب مأيمة". أيْ تقتل الرجال، فتدع النساء بلا أزواج] (٧). ويروى: "يئيم" بالياء حملًا على لفظ "كلّ"، و"تئيم" (٨) بالتاء حملًا على المعنى؛ لأنَّ المراد المرأة، مع (٩) أنَّ المضاف إليه مؤنث. [وروى المفضل بن محمَّد الضبي: "يتيم" حكاه عنه الفرَّاء، وقال: إنه صحف. وقال أبو حاتم غيره مرّة: كان المفضل لا يحسن معنى بيت ولا يضبطه.

стр. 263

وروى ابن الأنباري في الزاهر (١): "يئيم" من الأيمة على ما تقدّم، وروى أيضًا: "يتيم" على أنَّ اليتم: الانفراد والضعف] (٢). يخاطب زوجه ويحضها على الصبر (٣)، عند فجائع الدَّهر، بحميم فقده [أحر من الجمر، فالأ يوم أمر محتوم] (٤). والحميم: القريب الذي تحترق له النفسُ إشفاقًا عليه. والحامة: القرابة. قال الفرَّاء: وجمع الحميم: أَحْمَاء. قال أبو الحجاج: وقد يكون "حميم" النكرة بمعنى خيار كريم، من حمائم الإبل؛ وهي خيارها وكرائمها، الواحدة: حميمة. وحامة المال: خياره، حكى هذا يعقوب (٥) وغيره. وقد يكون "حميم" على حذف الصفة للفهم لذلك (٦)؛ أيْ، وإن كان الحميم حميم أيْ (٧) كريم عزيز عليك فقده. [والحميم في غير هذا: الدمع الحار، أنشد فيه الهجري (٨): قذاها القواذي غدوة وعشية … ويجري على أيدي القواذي حميمها

стр. 264

والخموش: جمع خمش؛ وهو الخدش. و] (١) قال ابن دريد (٢): الخمش: تناول الوجه بالأظفار حتّى يدمي. [وقال غيره: الخموش أيضًا: البعوضة. وقوله: شانه؛ أيْ عابه] (٣). وأنشد أبو عليّ (٤): ٢٠ - إنَّ مَنْ لامَ في بني بنْتِ حَسَّا … نَ ألمه وأعْصِه في الخُطوبِ (٥) البيت للأعشى، ميمون بن قيس بن جندل، من قيس بن ثعلبة، ويكنى أبا بصير؛ [لأنّه كان أعمى، وهو أحد المجيدين] (٦). واستشهد به أبو عليّ على مثل ما استشهد به سيبويه (٧)، من جواز حذف "الهاء" التي هي ضمير الأمر والشأن في الشعر، وقد كثر ذلك فيها (٨) حتى كاد حذفها يكون غير ضرورة، ولولا اعتقادُ هذا الحذف، لما جاز أنْ تكون "مَنْ" هاهنا (٩) شرطية فتجزم موضع "لام" وجزاءه (١٠)، وهو "ألمه"، والتقدير: إنَّه من يلمني (١١) في بني هذه المرأة ألمه، فحذف المفعول من الفعل الأوَّل، لدلالة الكلام عليه.

стр. 265

ومن حكم الاسم الذي يجازي به أنْ لا (٧) يعمل فيه إلَّا الابتداء، أو الفعل الذي بعده، كما يعمل (٨) هو فيه أيضًا الجزم لفظًا أو موضعًا، فأمَّا حروف الجرّ في نحو، بمَنْ تمرر أمرر، وعلى مَنْ تنزل أنزل، ففى حكم الفعل، ولمد للكلام (٩) فيه موضع غير هذا إن شاء اللَّه (١٠). ويروى (١١): من يلمني على بني

стр. 266

وبعده (١): أن قيسًا قيسَ الفَعَال أبا الأشْـ … ـــعَثِ أمست أصداؤه لشعوب كلَّ عام يمدني بجموم … عندَ وضْع العِنانِ أو بنجيب تلكَ خَيْلي منه وتلك ركابي … هُنّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبيبِ يريد -عندي- ببني (٢) بنت (٣) حسان: الأشعثَ بنَ قيس بن معد يكرب الكندي، [ورهطه، ويريد بحسان بن الجون: رهط امرئ القيس، لأنَّ قيسًا منهم، وقيل: من قبل النساء، وقد يريد بحسان هذا: حسان بن تبع الحميري، فجعل قيسًا من أولاده، لإصهار كان إليه من أجداده] (٤). يقول (٥): مَنْ يلمني على مدح هؤلاء الأقوام، ألقاه (٦) بمثله من الملام، وألمه عند الخطوب الملمة، التي لا أزال أدفعها بما لهم عندي من سوابغ النعمة. وكان الأعشى قد مدح قيسًا والد الأشعث بقصائد، ملأت يديه (٧) فوائد.

стр. 267

وأنشد أبو عليّ (١): ٢١ - فَلَيْتَ كَفافًا كانَ خيرُك كلُّه … وشَرُّكَ عَنّي ما ارتوى الماءَ مُرتُوي (٢) البيت ليزيد بن (٣) الحكم بن أبي العاص الثقفي، من قصيدة طويلة ثبتت في "الأمالي" (٤) وغيرها، ونسبها بعضهم (٥) لطرفة بن العبد، ولا يصحّ ذلك، ولا يشبه شعر طرفة، وليزيد في هذا النحو عدّة قصائد، وهو شاعر ثقيف في الإسلام، قاله أبو الفرج (٦). واستشهد به أبو عليّ على حذف المضمر (٧) في "ليت" كما حذف (٨) في "إنّ" في البيت قبلُ.

стр. 268

قال ابن جني: يريد فلَيتَهُ، أوْ فَلَيْتَكَ. قال: وهو عندنا ضرورة، وكان الفرَّاء يذهب على أنَّه ليس بضرورة، وقال في قولهم (١): "إنَّ في الدارِ قام زيد" (٢): الظرف يقوم مقام اسم "إنَّ" والفاعل يسدّ مسدّ خبرها. قال أبو عليّ في "التذكرة": فإنْ قلت فَلِمَ لا تنصب "كفَافًا" بـ "ليتَ"، وتجعل الجملة في موضع خبرها؟. قلت: ليس هذا بحسن، للابتداء (٣) بالنكرة، ولأنَّ قولك: "كان خيرك كلّه"، ليس هو هو، ولا له فيه ذكر، فلهذا حمل "ليت" على الضمير المحذوف، وصير "كفافًا" خبر "كان" مقدمًا عليها (٤). فأما قوله: وشَرَكَ عَنَّى ما ارْتَوى الماء مَرتَوي فقياس من أعمل الثاني أنْ يكون مرتفعًا بالعطف على "كان" وهو أحسن؛ لأنه أقرب إليه، و"مرتوي" في موضع نصب بخبر "كان" إلَّا أنه مما (٥) أسكن في الشعر، كقول (٦) الآخر:

стр. 269

كفَى بالنأي مِنْ أسماءَ كافيْ … ولَيْسَ لِحُبِّها ما عِشْتُ شافِيْ ونحو هذا (١) قال أبو الفتح (٢): "وهذا لِشَبَه (٣) الياءِ بالألفِ". قال أبو عليّ: ومن أعمل الأوَّل نصب "وشرَّكَ" بالعطف على "ليت"، و"مرتو" في موضع رفع؛ لأنه خبرها. وقوله: "ما ارتوى" في موضع نصب ظرف يعمل فيه "مرتو". وقوله: "عَنِّي" ينبغي أن يكونَ متعلقًا بـ "شر"، وتكون "ما" في موضع نصب؛ لأنه ظرف من الزمان؛ و"أفعل" فيه معنى الفعل، فلا يمتنع أنْ يعمل في الظروف الزمانية وغيرها: ويجوز أنْ يتعلّق "بمرتو"، كأنه قال: و"شرك مرتو عني ما ارتوى الماء، أيْ مُرتوٍ وقت رويّ شارب الماء، والمعنى فيه الدوام والأبد". قال أبو الحجاج: فإن قيل: كيف قال أبو عليّ (٤): وإن حملته يعني العطف على "ليت" نصبت قوله: "وشرك" و"مرتو" مرفوع، وقد قال هو وغيره: إنه لا يجوز العطف على هذا الاسم المضمر المحذوف من اللّفظ (٥) في "ليت" ونحوها (٦)، ولا تأكيده؛ لأنَّه مضمر على شريطة التفسير،

стр. 270

[وضمير الأمر والقصة في] (١) هذا بخلاف ما أجازه أبو علي الدينوري (٢) من قولك (٣): "الذي ظننت وزيدًا قائمًا أخوك"، فتنسق "بزيد" على "الهاء" المضمرة، قال: وتؤكدها إنْ شئتَ، فتقول الذي ظننت نفسه قائمًا أخوك، قال: لأنَّ موضع هذه "الهاء" معلوم، وإنما حذفت للطول. فالجواب أنَّ هذا الاعتراض ساقط عنه؛ لأنه قال: إنْ حملت العطف على "كان"، وإنْ حملته على "ليت"، ولم يقل: إنْ حملته على اسم "كان"، ولا إنْ حملته على المضمر الذي هو اسم "ليت". وهذا واضح، ومع ذلك فقد بينه في غير موضع، فقال في هذا البيت أثر قوله: وتنصب "شرك" بالعطف على "ليت"، فتقيم العاطف مُقام العامل (٤)، المعطوف عليه؛ لا مقام المعمول فيه (٥)؛ لأن ذلك "المضمر" لا يجوز أنْ يؤكّد، ولا أنْ يعطف عليه، ولكن يعطف على "ليت"، يريد: تحمل الجملة التي بعدها عليها (٦) في المعنى، ويؤيد (٧) هذا قوله في بيت جميل (٨):

стр. 271

ألا لَيْتَ أيَّامَ الصَّفاءِ جديدُ … ودهْرٌ تَولَّى يابُثَيْنَ يَعودُ على مَنْ رفع "الأيام" بالابتداء، وهي رواية ثابتة (١) فيه، و"جديد" خبر، قال (٢): و"تضمر القصة في "ليت"، والجملة في موضع الخبر، قال: فإذا قدرت هذا رفعت "ودهر تولى" بالابتداء؛ لأنَّ القصة لا يعطف عليها كما لا تؤكد". قال: "وأمَّا ما ارتوى الماء"؛ فالتقدير فيه: ما ارتوى شارب الماءِ، وقال: "ارتوى" للحاجة، وهو يريد: "روى"؛ لأنَّ هذا النَّحو قد جاء منه "افتعل" (٣)، كقوله: حتَّى إذا اشْتَالَ سُهَيْلٌ بالسَّحَرْ (٤) قال: فإنْ قلت: فهل يجوز النصب في "الماء" على تقدير: ما ارتوى من الماءِ، فلما حذف الحرف وصل الفعل إلى "الماء" فإنٌ ذلك لا يجوز؛ لبقاء و"شرك" بلا خبر، فيصير "ما ارتوى" في موضع الخبر.

стр. 272

وظروف الزمان وإنْ كانت تكون أخبارًا (١) عن الأحداث، فإنَّ ذلك لا يستقيم هنا؛ لأنَّ المعنى ليس على تمني شره أبدًا، إنما المعنى على كفّ شرّه. وكذلك يمتنع في "كان" إذا حملت "الشر" عليه، أو على ما عمل فيه "كان"؛ لأنَّ "كان" داخل في التمني أيضًا؛ لأنَّ المعنى على كفاف خيره وانتهاء (٢) شرّه، فوضع "المرتوي" (٣) موضع ذلك، أيْ، انتهى كما ينتهى المرتوي عن شربه. قال أبو الحجاج: هكذا نص أبو عليّ (٤) على هذا (٥) البيت في مواضع من كتاب "التذكرة" جمعتها أنا هنا (٦) من ذلك الافتراق. وقد بان النصّ الجلي، أنَّ الرفعَ في "الماء" مذهبُ الفارسيّ، وهي رواية بعيدة من الصواب، أحوجته إلى تكلف هذا الإعراب، والصحيح في قوله: "ما ارتوى الماءَ مرتوي" نصبُ "الماء"، هكذا رُوِّيناه في الأمالي (٧) لأبي علي البغداديّ، [عن أبي الحسن الأخفش أيضًا] (٨)،

стр. 273

على أنْ يكون "خيرُك كلُّه وشرُّك" مرفوعين (١) بـ "كان"، و"كفافًا" خبرًا عنهما معًا تقدّم (٢) على "كان"، والتقدير: "فليتك كان خيرك وشرك كفافًا"، أيْ مقدارًا متساويًا، ثم ينتصب "الماء" بارتوى نصب المفعول به، ويرتفع "مرتو" على أنَّه فاعل به، لأنه يقال: رويت الماء، وارتويته، بمعنى: استقيته وهذا في: "فعلته وافتعلته" كشويت الشيء واشتويته، ونحو ذلك، ويجوز أيضًا نصبه (٣) على معنى "ما ارتوى من الماءِ" أي، روى، فحذف الجار وعدى الفعل، ولم يمنع (٤) منه أبو عليّ لبعده، ولكن لاعتقاده أنَّ "مرتويًا" خبر عن "الشَّر" (٥)، وكانت تدعوه الحال في هذه الرواية أنْ يجعله فاعلًا لـ "ارتوى" فيبقى (٦) و"شرك" "عنده" (٧) بلا خبر. وكذلك تأوَّل ابن بابشاذ في قوله: إنَّ "مرتو" في (٨) موضع نصب، واقع موقع المصدر، بعيد من الصواب، في كلّ جناب.

стр. 274

وقول أبي علي: و"أفعل" فيه معنى الفعل هو وهم عندي؛ لأنَّ "شرًا" هاهنا (١) ليس في معنى "أفعل" الذي يراد به المفاضلة، وإنما هو (٢) الشر؛ الذي هو ضدّ الخير الذي قوبل به في البيت، فهو إذن "اسم" (٣) وحقه أن لا يعمل في شيء؛ لأنه "اسم جنس" (٤)، ولعلّ الكاتب غيَّره في "التذكرة" وإنما كان (٥) أبو علي ﵀: قال: وشرفيه معنى الفعل فإنْ كان لفظه هكذا، فقد يذهب "بالشر" وإنْ كان جنسًا إلى أنَّ فيه رائحة الفعل؛ لأنَّ أصله مصدر. وظاهر قول أبي عليَّ أنَّ قوله: "عني" (٦) يتعلّق "بمرتو"، يعني إذا جعلت "ما" ظرفًا لقوله: و"شرك" أيْ، وشرك مدّة الأمد مرتو عني، أيْ، متنه كانتهاءِ المرتوي، وقد يجوز (٧) أن يعمل "مرتو" على مذهبه (٨) في "عنَّى"، وفي "ما"، لأنهما ظرفان مختلفان (٩)، ولا يجوز أنْ يعمل "مرتو"

стр. 275

في "عنِّى" ولا في "ما"، إذا كان فاعل "ارتوى"، وكانت "ما" هنا ظرفا؛ لأنها هاهنا مصدرية في الأصل، فلا يعمل فيها، ما هو في صلتها. والعامل في "ما" عندي "كان" أو "ليت"، وفي "عنِّي" ما دلّ عليه قوله: "كفافًا"، أيْ، تكف عني، ويبعد أنْ يعمل فيه (١) "كفافًا"؛ لأنه مصدر، ولذلك وقع في موضع التثنية. يقول (٢): ليته كان خيرك وشرك كفافًا عني مدّة الأبد؛ لأنَّ الشرب (٣) متصل معه لا غناء عنه لأحد. وكأنَّ كفافًا مصدر أوقع موقع ما يساوي الشيءَ ويقاومه، دون زيادة عليه، ولا نقص عنه، كأنَّه قد كف عن هذين النوعين، ألا ترى أنَّ الجرميّ (٤) حكى عن الأصمعي: "نفقة كفافٌ"، أي، لا فضل فيها، قال الشَّاعر (٥): إذا أنتَ لم تُشرِكْ صديقك في الذي … يكونُ كَفَافًا لم تُشاركْه في الفضلِ

стр. 276

وقال (١) رؤبة: يا ليتَ حظِّى منْ جدَاكَ الضَّافي … والفضْلُ أنْ تتركَنِي كَفَافِ وهذا بمنزلة "نَزَال"، قال سيبويه (٢): "دعني كَفاف أيْ، دعني المكافة"، وقال سُحَيْم بن (٣) وثيل الرياحي: ألا ليتَ حظِّي مِنْ غُدانَةَ أنَّهُ … يكونُ كَفَافًا لا علي ولا ليا [وحكى أبو عمرو (٤) الشيباني: كفة وكفاف؛ وهى الكثرة. والكفاف: المصطف من السحاب] (٥). قال أبو الحجاج: وهذا كلّه راجع إلى معنى (٦) التكاف والتساوي. وهذا (٧) الذي أراد يزيد بن الحكم في بيته (٨)، يعاتب أخاه عبد ربه، [وابن عمّه عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاصي] (٩)، وقبله (١٠):

стр. 277

لسانُك ماذيٌّ وقلبُكَ علْقَمٌ … وشرُّكَ مبسوطٌ وخيرُكَ مُنطوي وإنما تمنى أنْ يكف عنه شره وأذاه، كما قد كف عنه خيره وجدَاه، وهذا هو حقيقة معناه، [وبيانه في البيت الذي أنشدناه] (١). وأنشد أبو عليّ (٢): ٢٢ - أعِدْ نَظرًا يا عَبْدَ قيسٍ لعلَّما … أضاءَتْ لك النَّارُ الحمارَ المقيَّدا (٣) البيت للفرزدق؛ همام بن غالب بن صَعْصَعة المجاشعي من تميم (٤)، وقال ابن (٥) قتيبة: "اسم الفرزدق: هُميم"، وقال أبو الفرج (٦): إنما (٧) هميم أخوه ولم يكن له نباهة. استشهد (٨) به أبو عليّ أنَّ "لعلَّ" لما دخلت عليها "ما"، كفّتها عن العمل،

стр. 278

وعرّضتها للجمل (١) الفعلية، وأزالت اختصاصها بالدّخول على الجمل المبتدئية، فقط، فوجب أنْ لا تعمل في القياس، وإنْ كان قد قوَّى عملها قياسًا (٢)، بعض النَّحويين، مع وصلها بـ "ما"، وقال: "لولا قوّة شبهها بالفعل ما عملت في الحال"، وأجاز الأخفش إعمالَ "ليتما" دون "كأنَّ ولعلَّ"، وإنْ وصلت (٣) "بما"؛ لقوة شبهها بالفعل، ولإعمالهم لها دونهما، قال: "ولا يجيزون في "كأنَّما ولَعَلَّما" النصب". وقد ذهب ابنُ دَرَستويه (٤)، وبعضُ الكوفيين، إلى أنْ تكون "ما" مع أنَّ وأخواتها نكرة مبهمة، بمنزلة الأمر والشأن، كالضمير المجهول؛ لما فيها من التفخيم والتعظيم، والجملة بعدها في موضع الخبر. كما أنَّ بعضهم أجاز أنْ يكون "الحمار" منصوبًا بـ "لعل"، و"ما" في موضع رفع على خبرها، كأنه قال: لَعلَّ الحمار المقيد الذي أضاءته لك النَّار. وهذا قول ساقط؛ لإجازته تقديم خبر "لعل" على اسمها، وليس بظرف ولا ما هو في حكمه.

стр. 279

[ويروى: "فإنما" عوض "لعلم"، وروى الأخفش أول البيت: فقلت تبصر] (١). وبعده (٢) أيضًا: حمارًا بمروت السَّخامة قاربت … وظِيْفَيْه حوْلَ البيتِ حتَّى تردَّدا كُلَيْبيَّة لم يجعلِ اللَّه وجهها … كريمًا ولم تسنحْ له الطيرُ أسْعُدا قال أبو الفرج (٣) وغيره: كان جرير قد قال وهو بالكوفة كلمته التي أوَّلها (٤): لقد قادني من حُبِّ ماوَّية الهوى … وما كنت أُلفى للجنيبةِ أقْودا أُحبُّ ثَرى نَجْدٍ وبالغَور حاجةٌ … فَغارَ الهوى يا عَبْدَ قَيْسٍ وأنْجدا أقول له يا عبدَ قيسٍ صَبابةً … بأيٍّ ترى مَسْتَوِقدَ النَّارِ أوْقَدا فقال أرى نارًا يَشُبُّ وَقُودُها … بحيثُ استفاضَ الجِزْعُ شيحا (٥) وغرقدا قال فأعجب بها أهل الكوفة، فقال جرير: كأنكم بابن القين، يعني: الفرزدق قد قال (٦):

стр. 280

أَعِدْ نَظرًا يا عبدَ قيْسِ لعلَّما … أضاءت (١). . . . . . البيت قال: فلم يلبثوا (٢) أن جاءتهم مناقضة الفرزدق لها، وهي الأبيات الثلاثة المتقدِّمة (٣)، فتناشدها النَّاس، وعجبوا من اتفاقهما، فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة (٤) قد قال: وَما عِبْتَ منْ نارٍ أضاءَ وَقودُها … فِراسًا وبسطامَ بنَ قيسٍ مُقيَّدًا وأوْقَدْتَ بالسِّيدان نارًا ذليلة … وأشْهدت من سواءتِ جِعْثنَ مشهدا فكان ذلك كما ظن، وعجب النَّاس من اتفاق خواطرهما. [وعبد قيس هذا هو] (٥): عبد قيس بن الكباس بن جعفر بن ثعلبة، وكان هو وابنه شهاب (٦) من سادات بني يربوع، وشهاب هذا هو الذي (٧) عنى الفرزدق بقوله (٨):

стр. 281

ولا شبثًا ورِثْتَ ولا شِهابا وقول (١) الفرزدق: "أعد نظرًا"، إشارة إلى ضعف ضوء (٢) هذه النَّار، وإنها لا يرتبط حولها غير حمار، وقد قيد أشدّ التقييد؛ لئلا يمتدّ إلى المرعى البعيد، إمَّا لضيق الفنا، أوْ لخوف المغار والعدا؛ إذْ أهله أهلُ ذلة، وأفراط خمول وقلة، ليسوا أرباب جياد، ولا أصحاب جلاد، وهذا عكس [قول الأخنس بن شهاب في أحد المذهبين] (٣). وكلُّ أناسِ قارَبوا قَيْدَ فَحْلهم … ونحنُ خلفْنا قيْدَهُ فهو ساربُ وقوله: "أضاءت" فعل ماض في موضع (٤) الحال، أيْ، لعلما تضيء لك النَّار الحمار. وفخر ببسطام بن قيس، فارس ربيعة؛ لأنَّ عتيبة (٥) بن الحارث بن شهاب اليربوعي، فارس تميم، أسره [يوم غبيط (٦) المدرة، ففدى نفسه وابنه زيقا (٧) بثلاثمائة بعير، وجز ناصية بسطام، ونقل يوسف أبو (٨)

стр. 282

يعقوب النجيرمي في كتاب "مجموعة الأخبار" له، أن قوله: أعد نظرًا يا عبد قيس. . . البيت يعني به "البعيث" (١) وأنه شبهه بالحمار لذلته، وقلة معرفته، وأنه أمره بالنظر إلى نفسه من النَّار؛ ليكون أقوى في الاستبصار. وهذا قول بعيد من الصَّواب، في كلّ جناب؛ لأني قد بيّنت عبد قيس هنا من هو، وأنَّ المراد نفس الحمار، ليس هنا بمستعار، وقد قال (٢) الفرزدق في هذا النحو يذكر جريرًا وأسرته: فما حاجبٌ في بني دارِم … ولا أُسْرَةُ الأَقْرَع الأَمْجَدِ بِأَخْيَلَ مِنْهُم إذا زَيَّنُوا … بِمَغْرَتِهمْ حَاجِبَيْ مُؤْجَدِ حِمار لهم مِنْ بَناتِ الكُدَا … دِ يُدَهْمِجُ بالوَطْبِ والمِزْوَدِ

стр. 283

يَبِيعونَ نَزْوَتَهُ بالوَصِيـ … ــفِ وكَوْمَيْهِ بالنَّاشِئِ الأَمْرَدِ] (١) وأنشد أبو عليّ (٢): ٢٣ - فإن تزْعميني كنتُ أجهلُ فيكم … فإني شريتُ الحِلمَ بعدَكِ بالجهل (٣) البيت لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي. استشهد أبو علي على جواز وقوع الجملة التي هى "كنت أجهل"، موقع المفعول الثَّاني المفرد "لتزعمين"، فموضعها إذن نصب، وكذلك (٤)

стр. 284

موضع "أجهل"، نصب أيضًا؛ لأنَّها (١) جملة أيضًا وقعت موقع المفرد (٢)، الذي يكون خبر "كنت" (٣)، والتقدير فيهما: فإنْ تزعميني كائنًا جاهلًا فيكم. قال أبو سعيد (٤) السيرافي: "الزعم قول يقترن به اعتقاد مذهب، وقد يصح ذلك وقد لا يصح، وقال ابن دريد (٥): أكثر ما يقع الزَّعم على الباطل. [وفي كتاب "العين" (٦): ويقال: زعمتني منطلقًا، والأحسن أن يوقع الزّعم على أنَّ، وقد يوقع في الشعر على الاسم، وأنشد بيت أبي ذؤيب هذا وقول الآخر (٧): زعمتني شيخًا ولست بشيخ … إنما الشيخ مَنْ يدُبُّ دبيبًا] (٨) و"شريت" هنا بمعنى: اشتريت، وهو من الأضداد، وقوله: "فيكم" تقديره (٩): وقت كوني فيكم واصلًا لكم، حريصًا (١٠) عليكم.

стр. 285

وتلخيص الإعراب (١) فيه: كنت جاهلًا (٢) وقت حبكم، أيْ، حبي أيَّاكم، فحذف المضافين؛ لفهم المعنى بما في باقي الكلام من الدَّليل عليه. [وإنما أشار إلى وقت الشباب والاغترار، الذي جلاه وقت التكهل والاقصار] (٣). وكذلك قوله: "بعدك"، فيه حذف مضاف أيضًا، والمعنى: بعد هجرك، أيْ، هجري إيَّاك. [أو فِراقي إيَّاك، ونحو هذا] (٤)، والمصدر في هذا النحو يقدر مضافًا إلى المفعول، والفاعل محذوف، وذلك مع المصدر كثير شائع؛ للدلالة عليه عند البصريين (٥)، وجمع قوله: "فيكم"، وهو يريد المرأة التي كان (٦) يشبب بها؛ للحاجة إلى ذلك عن إقامة الوزن، وذَكَّرَ؛ لأنه أراد من يُداخلهما (٧) ويدلّ عليهما (٨)، ممن كان يعرف حاليهما (٩) من رجلٍ (١٠) أو صبي.
следующие страницы →