← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ولا شبثًا ورِثْتَ ولا شِهابا وقول (١) الفرزدق: "أعد نظرًا"، إشارة إلى ضعف ضوء (٢) هذه النَّار، وإنها لا يرتبط حولها غير حمار، وقد قيد أشدّ التقييد؛ لئلا يمتدّ إلى المرعى البعيد، إمَّا لضيق الفنا، أوْ لخوف المغار والعدا؛ إذْ أهله أهلُ ذلة، وأفراط خمول وقلة، ليسوا أرباب جياد، ولا أصحاب جلاد، وهذا عكس [قول الأخنس بن شهاب في أحد المذهبين] (٣). وكلُّ أناسِ قارَبوا قَيْدَ فَحْلهم … ونحنُ خلفْنا قيْدَهُ فهو ساربُ وقوله: "أضاءت" فعل ماض في موضع (٤) الحال، أيْ، لعلما تضيء لك النَّار الحمار. وفخر ببسطام بن قيس، فارس ربيعة؛ لأنَّ عتيبة (٥) بن الحارث بن شهاب اليربوعي، فارس تميم، أسره [يوم غبيط (٦) المدرة، ففدى نفسه وابنه زيقا (٧) بثلاثمائة بعير، وجز ناصية بسطام، ونقل يوسف أبو (٨)

стр. 282

يعقوب النجيرمي في كتاب "مجموعة الأخبار" له، أن قوله: أعد نظرًا يا عبد قيس. . . البيت يعني به "البعيث" (١) وأنه شبهه بالحمار لذلته، وقلة معرفته، وأنه أمره بالنظر إلى نفسه من النَّار؛ ليكون أقوى في الاستبصار. وهذا قول بعيد من الصَّواب، في كلّ جناب؛ لأني قد بيّنت عبد قيس هنا من هو، وأنَّ المراد نفس الحمار، ليس هنا بمستعار، وقد قال (٢) الفرزدق في هذا النحو يذكر جريرًا وأسرته: فما حاجبٌ في بني دارِم … ولا أُسْرَةُ الأَقْرَع الأَمْجَدِ بِأَخْيَلَ مِنْهُم إذا زَيَّنُوا … بِمَغْرَتِهمْ حَاجِبَيْ مُؤْجَدِ حِمار لهم مِنْ بَناتِ الكُدَا … دِ يُدَهْمِجُ بالوَطْبِ والمِزْوَدِ

стр. 283

يَبِيعونَ نَزْوَتَهُ بالوَصِيـ … ــفِ وكَوْمَيْهِ بالنَّاشِئِ الأَمْرَدِ] (١) وأنشد أبو عليّ (٢): ٢٣ - فإن تزْعميني كنتُ أجهلُ فيكم … فإني شريتُ الحِلمَ بعدَكِ بالجهل (٣) البيت لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي. استشهد أبو علي على جواز وقوع الجملة التي هى "كنت أجهل"، موقع المفعول الثَّاني المفرد "لتزعمين"، فموضعها إذن نصب، وكذلك (٤)

стр. 284

موضع "أجهل"، نصب أيضًا؛ لأنَّها (١) جملة أيضًا وقعت موقع المفرد (٢)، الذي يكون خبر "كنت" (٣)، والتقدير فيهما: فإنْ تزعميني كائنًا جاهلًا فيكم. قال أبو سعيد (٤) السيرافي: "الزعم قول يقترن به اعتقاد مذهب، وقد يصح ذلك وقد لا يصح، وقال ابن دريد (٥): أكثر ما يقع الزَّعم على الباطل. [وفي كتاب "العين" (٦): ويقال: زعمتني منطلقًا، والأحسن أن يوقع الزّعم على أنَّ، وقد يوقع في الشعر على الاسم، وأنشد بيت أبي ذؤيب هذا وقول الآخر (٧): زعمتني شيخًا ولست بشيخ … إنما الشيخ مَنْ يدُبُّ دبيبًا] (٨) و"شريت" هنا بمعنى: اشتريت، وهو من الأضداد، وقوله: "فيكم" تقديره (٩): وقت كوني فيكم واصلًا لكم، حريصًا (١٠) عليكم.

стр. 285

وتلخيص الإعراب (١) فيه: كنت جاهلًا (٢) وقت حبكم، أيْ، حبي أيَّاكم، فحذف المضافين؛ لفهم المعنى بما في باقي الكلام من الدَّليل عليه. [وإنما أشار إلى وقت الشباب والاغترار، الذي جلاه وقت التكهل والاقصار] (٣). وكذلك قوله: "بعدك"، فيه حذف مضاف أيضًا، والمعنى: بعد هجرك، أيْ، هجري إيَّاك. [أو فِراقي إيَّاك، ونحو هذا] (٤)، والمصدر في هذا النحو يقدر مضافًا إلى المفعول، والفاعل محذوف، وذلك مع المصدر كثير شائع؛ للدلالة عليه عند البصريين (٥)، وجمع قوله: "فيكم"، وهو يريد المرأة التي كان (٦) يشبب بها؛ للحاجة إلى ذلك عن إقامة الوزن، وذَكَّرَ؛ لأنه أراد من يُداخلهما (٧) ويدلّ عليهما (٨)، ممن كان يعرف حاليهما (٩) من رجلٍ (١٠) أو صبي.

стр. 286

والجهل: الخلو من المعرفة، وهو نقيض العلم، أو الخلو من التّبيّن والتبصر؛ فلذلك صار نقيض الحلم؛ لأنَّ الحلم لزوم الوقار، عن عقل ورأي صحيح واستبصار. ألا ترى إلى قول أبي الطيب (١): إذا قيل رفقًا قال للحلم موضعٌ … وحلمٌ الفتى في غير موضعه جَهلُ وبعد بيت أبي ذؤيب (٢): وقال صحابي قد غُبنت وخلتني … غُبِنْتُ فما أدري أشكلهم شكلي أي: لا أدرى أموافقٌ لهم أم لا. وأنشد أبو عليّ (٣): ٢٤ - أَبَا الأرَجِيزِ يابنَ اللُّؤم تُوعِدُني … وفي الأرَاجِيزِ خِلْتُ اللُّؤمُ والخَوَرُ (٤)

стр. 287

عزي هذا البيت في كتاب (١) سيبويه للعين المنقري، وهو مُنَازِلُ ابن زَمْعَة (٢) من بني مِنقر بن عبيد بن الحارث (٣) من تميم. واستشهد أبو عليّ على أنَّ "خلت" ملغاة لما توسطت، كما تلغى إذا تأخرت. وأن قوله: "اللؤم والخور" مرفوع بالابتداء وخبره في الجار والمجرور الذي هو "وفي الأراجيز"، فهو إذنْ خبر متقدّم (٤)، وفيه ضمير فاعل مستتر يعود على المبتدأ وإنْ تأخر، كما يعود عليه إذا تقدّم، ومن أجل تضمّن الظرف لهذا الضمير، لا يجيز الفرَّاء وغيره من أهل الكوفة أن يتقدّم الخبر الحامل للضمير، ويرفعون مثل: "في الدار زيدٌ" بأنه فاعل ولا يجْعلون في (٥) "في الدار" ضميرًا، وهذا لا يجيزه سيبويه ومن تبعه، لضعفه عن رفع المظهر في هذا النَّحو، وإنْ رفع (٦) المضمر، ألا ترى أنَّ اسم الفاعل إذا كان للماضي يرفع المضمر ولا يرفع المظهر.

стр. 288

قال أبو عليّ: "وهذه جملة من فعل وفاعل قد جاءت لغوًا لم تعمل في لفظ ولا موضع؛ لأنه لو عمل في موضع الجملة، لعمل في لفظها؛ إذْ لا مانع من ذلك، كما قد جاء كلّ واحد منهما إذا انفرد لغوًا؛ مثل "كان" في قولهم: "ما كان أَحْسنَ زَيْدًا"، ومثل الفصل في نحو (١): ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ (٢) وأمَّا زيادة الحرف (٣) فيكثر. قال أبو الحجاج: و"خلت" هنا عندي بمعنى: علمت وتيقنت؛ لأنَّ المعنى على ذلك، لأنَّ الظن وبابه، إذا قوى في النفس، وتأكدّت دلائله العقلية، كان كاليقين (٤)، كما أنَّ العلم قد تضعف دلائله، فيداخله الشك؛ لأنَّها كلّها أفعال نفسانية، ألا ترى إلى قول (٥) طرفة: وأَعْلَمُ عِلْمًا لَيْسَ بالظن أنه … إذَا ذَلَّ مَوْلَى المرْءِ فَهو ذلِيلُ وكذا قال أبو عليّ: إنَّ "خِلْتُ" تكون بمعنى: علِمْتُ، كما يكون الظن، قال ويدل على ذلك قول النَّمِر (٦): دُعَاءُ العَذَارَى عَمَّهُنَّ وَخِلْتُنِي … لي اسمٌ فَلا أَدْعَى بِه وهو أوَّلُ

стр. 289

ألا تَرَى أنه ليس يخال أنه له اسم، لكنه يتيقّن ذلك، وكذلك "حسبت" مثل: "خِلْتُ" في هذا أيضًا، هكذا روى أبو عليّ: "دُعَاءُ العَذَارى" على إضافة المصدر (١) إلى الفاعل وحذف المفعول الأوَّل، قال: لأنَّ المفعول قد يحذف في المصدر مع الفاعل؛ لأنَّ المحذوف مع المصدر بمنزلة (٢) المثبت في اللّفظ، ألا ترى أنَّ "الفاعل"؛ قد يحذف معه أيضًا، والمعنى: دُعاء العذارى إيَّايَ عَمَّهُنَّ، ودعا هاهنا بمعنى: سمتني (٣). والأكثر أنْ ينشد: "دُعائي العَذَارى فيضيف المصدر إلى المفعول الأوَّل، "وعمهن" المفعول الثَّاني. قال أبو الحجاج: ورواه غير أبي عليّ (٤) "دعاني العذارى". [وهذه الرِّواية أبين، إن لم يكِنّ قبل البيت ما يقتضي المصدر] (٥). والأراجيز: جمع أرجوزة، وبالأراجيز (٦) في موضع المفعول الثَّاني "لتوعدني"، والإيعاد (٧) والتهدد بمعنى واحد، وأضاف المهجو (٨) إلى اللّؤم؛

стр. 290

تحقيقًا وتأكيدًا أنَّ لؤمه طبيعة وسجية، وهذا أبلغ في الذمّ، وإنْ حُمِلَ (١) على الحقيقة فلابدَّ من اعتقاد حذف مضاف، تقديره (٢): يابن ذي اللؤم، أم ذَوي اللؤم، ونحو هذا (٣)، واللؤم من أذم ما يهجي به [وشهرته تغني عن الإطالة في تفسيره] (٤)، [ولذلك جعل المهجو ابنًا له] (٥). والخور: الرخاوة والضعف، [ويقال لكل شيء رخو: خوار، وخور الأرض وخورتها وخوارتها مدح؛ لأنها إذا كانت خوارة سلست لعروق النبات وسهلت؛ لانحلال تربتها، وكذلك يقال للناقة الغزيرة: خوارة، وأكرم اللّقاح: الخور، وألأم الرجال الخوار، وقد خور الإنسان خورًا وخار] (٦). قال أبو الحجاج: وإنما (٧) بيت اللّعين المنقري من كلمة (٨) رويها لام، وقبله (٩):

стр. 291

إني أنا ابن جلا إنْ كُنت تعرفني … يا رؤبَ والحيَّة الصّماء في الجبلِ ما في الدوائر من رجليَّ مِنْ عَنَتٍ … عِنْدَ الرّهانِ ولا أُكْوي مِن العَفلِ أبا لأراجيزِ يَابْنَ اللؤُم تُوعِدني … وفي الأرَاجيز وخلت اللؤم والفشلِ هكذا رواه الجاحظ في "الحيوان" (١): و"الفشل" على الأقواء مع البيت الأوَّل، ورويت الأبيات الثلاثة (٢) في كتاب "الوحشي" (٣) وليس فيها إقواء؛ لأنه روى فيها (٤): وفي الأراجيز رأس النَّوك والفَشَلِ فهكذا (٥) هو هذا الشعر [الذي عزاه الجاحظ وغفيره للَعين المنقري] يهجو رؤبة بن العجاج. وقوله: "ولا أُكْوَى مِن العَفَلِ" (٦) تعريض برؤبة (٧)؛ لأنه من بني مالك بن (٨) سعد بن زيد مناة بن تميم، وهم يدعون بني العفلاء لخبر مشهور (٩).

стр. 292

ولعين بني منقر هذا هو القائل (١): سَأَقْضِي بَيْنَ كَلْبِ بني كُلَيْبٍ … وبَيْنَ القين قَيْن بني عِقَال فإنَّ الكَلب مطعمه خبيث … وإنَّ القَيْنَ يَعْمَلُ في سَفَالِ فما بُقْيا عَلى تركتماني … ولكِنْ خِفْتُما صَرد النِّبالِ وأنشد أبو عليّ (٢): ٢٥ - سلّ الهموم بكلّ مُعْطِي رأسِه … ناج مُخالطِ صُهبةٍ مُتعَيِّسِ (٣) هذا البيت للمرار بن سعيد (٤) الأسديّ الفقْعَسيّ. استشهد به أبو عليّ على مثل ما استشهد به سيبويه من جواز حذف التنوين من اسم الفاعل وإنْ كان للاستقبال، وإضافته على جهة تخفيف اللّفظ، ومراعاة الاسمية التي هي أصله، والمعنى مع ذلك الانفصال

стр. 293

والإعمال، ولذلك (١) بقي "مُعْطى رأسه" على نكرته حتّى وصف بالنكرات التي بعده، ويدلّ على تنكيره أيضًا إضافة "كل" إليه. وبعده في الكتاب (٢): مُغْتالِ أحبله مُبينٍ عِتْقُه … في مَنْكِبٍ زَيْنَ المطيِّ عرنْدَسِ الصُّهْبَةُ: حمرة تعلو (٣) ظاهر الشعر. والعيْسةُ والعَيَسَ: البياض مخالطه شُقْرة قليلة، قال العُذَافِرُ (٤) الكِندِيُّ: لمَّا رأتْ شيبَ قِذالى عِيسًا وحاجبَيَّ أَعْقَبَا (٥) خِليسا قلتْ وِصالى واصطفت إبليسا [أنشدها قاسم بن (٦) ثابت. وقال: قوله: "عيسا" يريد أبيض، وقيل: إنه اسم امرأة، والخليس والمخلس: الأشمط (٧)، وهو الذي أبيض

стр. 294

يقول: سلّ همك بما تلقاه من منازعة النفس بعد المشيب إلى الحبيب بإعمال كلّ بعير منقادٍ سريع، هجان اللّون نجيب، بمثله تقطع القفار، وتقضى الأوطار] (١). "مغتال أحبله"؛ أيْ، مهلكها بعظم خلقه، وسعة جنبيه. ومبين بين عتقه، أيْ، كرمه، [وهذه الرِّواية الجيدة، وقد روى بعضهم "بين عنقه"، يريد: بين طوله، وروى أيضًا: عنقه، فيؤيّد هذه الرواية قوله] (٢) "زبن المطي"، أيْ، دفعها "منكبه" (٣) بقوته، وتقدمها هذا البعير (٤) بسرعته. والعرندس (٥): القويّ الشديد.

стр. 295

وأنشد أبو عليّ (١): ٢٦ - يومًا تراها كشِبْه أرْديةِ الـ … ـعصْبِ ويَوْمًا أَديمُها نَغلا (٢) هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس، استشهد به أبو عليّ على أنه فصل بين العاطف وما عطفه بالظرف (٣)؛ لضرورة الشعر والحرف العاطف "الواو"، والظرف "يومًا"، والمعطوف "أديمها". قال أبو علي في "التذكرة" وغيرها (٤): ولا ينبغي أنْ يجوز في الكلام، لأن هذه الحروف قد تنزلت (٥) منزلة ما هو من نفس الحرف؛ بدلالة قولهم: "وهْوَ وهْيَ"، ونحوه فجعلوه بمنزلة قوله (٦): أراه منتفخًا. وأيضًا فإنَّ هذه الحروف تُقام (٧) مقام العامل، وليس به نفسه،

стр. 296

فينبغي أنْ تكونَ أقلّ تصرفًا من العامل، و (١) يدُلك على ذلك الأسماء التي سميت بها الأفعال، والظروف التي أقيصت مقام الفعل، فأمَّا قراءة من قرأ: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٢) فنصب "المثل"، فإنما أراد: الفعل فحذفه من اللّفظ وهو يريده، كما أنَّ "كل" في قوله (٣): أكلَّ امرئٍ تحسبينَ امْرأً … ونارٍ توقْدُ بالليلِ نارا كذلك، وقبل (٤) بيت الأعشى: والأرضُ حمَّالة لما حمل اللَّه … فما إنْ تُردُّ ما فَعلا [وهكذا روى أبو عبيدة: أردية العصب] (٥)، و"العصب" هنا ضرب من برود اليمن يعصب غزله (٦) أيْ، يدرج ثم (٧) يحاك، وليس من برود الرقم، ولا يجمع [وعندي أنه لم يجمع؛ لأنه مصدر في الأصل كالخلق وغيره، مما نقل عن الحدث إلى العين وسمى به، لأنه معصوب، أيْ، مشدود مدرج محكم] (٨).

стр. 297

وقال ابن دريد (١): "العصب" برود كانت الملوك تلبسها، [وأنشد: أتجعل أجلافًا عليها عباءَها … ككندة تردي في المطارف والعصبِ قال كراع (٢): والعَصَّاب: الغَزال] (٣). وحكى أبو حنيفة (٤) عن الأصمعيّ أنه (٥) قال: "ثلاثة أشياء لا تكون إلَّا باليمن، وقد طبقت الدنيا، العصب والورس واللبان، واللبان أكرم العلوك". وروى أبو عبيد (٦) وغيره: "كشبه أردية الخمس" (٧). قال صاحب العين (٨): الخميس (٩) والمخموس: الثوب طوله خمسة أذرع، وقال غيره (١٠): بل "الخميسي" (١١) منسوب إلى ملك من ملوك اليمن أمر أنْ تعمل هذه الأردية، فنسبت إليه.

стр. 298

قال أبو الحجاج: فكأن الخمس، جمع خميس وخفف في الجمع بالإسكان لعينه، [وتقديره على هذا: كشبه أردية الثياب الخمس؛ ونحو من هذا التقدير. وقد يكون "الخمس" اسم الملك المذكور، وقد رواه بعضهم: "الخِمس" بكسر الخاءِ، حكاه أبو محمَّد (١) البطليوسي مكسورًا أيضًا] (٢). يصف الأعشى انتقال الأرض من حال إلى حال، فتارة ترى ذات بهجة وجمال، من رائق (٣) زهر كأرفع الأبراد، وتارة ذات اختلال كالجلد النغل، [المتناهي الفساد، وجعل لها أديمًا نَغِلًا مجازًا وتوسعًا] (٤).

стр. 299

وأنشد أبو عليّ (١): ٢٧ - الحافظو عورةَ العشيرة لا … يأتيهم منْ ورَائنا وَكَفُ (٢) هذا البيت نسب (٣) في الكتاب لرجل من الأنصار، وقيل: هو لأبي زيد قيس (٤) بن الخطيم بن عدي بن عمرو (٥) بن سواد (٦) الظفري الأوسي، وهو جاهلي من فحول الشعراء.

стр. 300

وقال فيه أبو محمَّد بن (١) السيرافي: أظنه لعمرو (٢) بن امرئ القيس (٣) وهو أنصاري. وقال أبو محمَّد البطليوسي (٤) في "الاقتضاب": يقع لقيس في بعض الروايات. قال أبو الحجاج (٥): والصواب أنه لعمرو بن امرئ القيس (٦) كما ظن (٧) ابن السيرافي. وقبله (٨): نحنُ بما عنْدنا وأنْتَ بما … عندَكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ نحنُ المكيثُونَ حيثُ يحمدُنا المَكْـ … ــــثُ ونحنُ المصالِتُ الأنُفُ استشهد به أبو عليّ على مثل (٩) ما استشهد به سيبويه من أنَّ الرواة روته بنصب "العورة" (١٠)، إذْ حذف النون تخفيفًا مع ما فيه الألف

стр. 301

واللام، قال أبو الفتح (١): تشبيهًا لهذه الأسماء المتمكِّنة غير الموصولة بالأسماء (٢) الموصولة؛ لأنها في معنى الموصولة. قال أبو عليّ (٣): والأكثر الجر. "العَوْرَة": ما لم يحم. وقال ثعلب (٤): كل مخوف: عَوْرةٌ. وقال كراع (٥): وعورة الرجل في الحرب: ظهره [وبذلك فسر هذا البيت] (٦). وعشيرة (٧) الرجل: الذين يعاشرهم من قومه ويعاشرونه. والوكف: العيب، وقيل: الإثم، [وقد وَكَف وكفًا، كذا قال يعقوب (٨). وقال الحربي عن الأصمعيّ] (٩): ويقال (١٠): ليس عليك من ذلك (١١) وكف، أيْ

стр. 302

مكروه، [والوكف: الغرق أيضًا وحكى عن غيره: في هذا الأمر وكف، أيْ، نقص، وفي عقله وكف أيضًا، أيْ، نقص. والوكف: المطمئن من الأرض أيضًا، وهذا كلّه قريب في المعنى بعضه من بعض] (١). ويُروى: "نطفُ"؛ وهو التهمة [والذي يمكن أن يكون] (٢) قبله لقيس: أبْلغ بني جَحْجَبَى وقومَهُمُ … خَطْمَةَ أنَّا وراءَهُم أُنُفُ وأننا دونَ ما يسومُهُمُ الأعـ … ـداءُ منْ ضَيْمِ خُطَّةٍ نُكُفُ و"نُكُف" عندي جمع: "ناكف"، كتاجر وتُجُر، يقال: نَكِفْتُ من كذا (٣)، ونكَفْتُ أيضًا، أيْ، استنكفته، وأنفت منه (٤). وقوله: "من ورائنا؛ أيْ، من غيبنا، فكنى بـ "وراء" عن ذلك، فامتدح بحفظهم عورة قومهم بظهر الغيب، وأمنهم من ناحيتهم كلّ نقص وعيب، ويجوز أنْ يعني من وراء حفظنا إيَّاهم، وذبنا عن حماهم، فحذف المضاف الذي هو حفظ، وأقام المضاف إليه مقامه، ومَنْ روى: "من ورائهم" فالمعنى فيه أوضح (٥)، وحمل الضمير على العشيرة أرجح (٦).

стр. 303

[وأنشد أبو علي] (١): ٢٨ - فلولا رَجاءُ النَّصرِ منْكَ ورَهبَةٌ … عقابَك قدْ صاروا لنا كالمواردِ (٢) هذا البيت غير معروف قائله، واستشهد به أبو عليّ على مثل ما استشهد به سيبويه، من إعمال المصدر المنوّن وهو "رهبة"، ونصب قوله "عقابك". والرَّهبة: الخوف. والموارد هنا: الطرق، واحدتها: مَوْرِدهٌ، قال الرَّاعي: مَوارِدُ منها مُستقيمٌ وجائرُ وقد يعني (٣) به: مقاصد المياه واحدها: مَوْردٌ، قال طَرَفةُ (٤): بكَهْفَيْ حِجَاجَيْ صَخْرةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ "ولولا" هذه هي التي تدلّ على (٥) امتناع الشيء لوجود غيره "ورجاء" مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف أبدًا؛ للدلالة عليه لما طال الكلام بالجواب، وهو (٦) أيضًا مصدر مضاف إلى المفعول الذي هو "النصر"، والفاعل محذوف من اللّفظ، [معتقد في النية؛ لأنه مفهوم بما اقترن به من

стр. 304

الخطاب] (١)، والتقدير: فلولا رجاؤنا نصرك إيَّانا، على من تعرّض لأذانا، وخوفنا من عقابك وسطوتك، إنْ تناولناهم قبل نصرتك، لوطئناهم وطءَ فُرض الشارب المذللة (٢) لكل شارب. وحكى أبو عليّ عن المازني: [أنَّ قومًا زعموا] (٣) أنّ الاسم بعد "لولا" مرتفع بها، وهذا لم يذهب إليه سيبويه (٤). قال أبو عليّ: ومما يضعف هذا (٥) أنَّ الحروف التي ترفع السماء الظاهرة تنصب أيضًا كما ترفع (٦) نحو: "ما ولات وإنْ وأخواتها"، وليس فيها شيء يرفع، وليس (٧) ينصب، فليس هذا القول بمستقيم؛ لدفع الأصول له، ولا حجّة في اقتضائها للجواب كما اقتضته "أمَّا" (٨)؛ لأنَّ اقتضاء الحرف للجواب لا يدلّ على تضمّنه معنى الفعل، ألا ترى أنَّ "لما ولو" يقتضيان أجوبة، ولم يتضمّن معنى الفعل ولم تتضمّن "أما" معنى الفعل؛ لاقتضائها الجواب؛ ولكن لتعلّق الظرف والحال بها. وأنَّ "الفاء" لا تكون جوابًا إلَّا لفعل أو لمعناه، والدلالة قائمة أن "الفاء" بعد "أما": جواب؛ إذْ لا يصحّ العطف فيما دخلت عليه.

стр. 305

قال أبو الحجاج: وينبغي أن يكون العامل في قول (١) أبي علي في أوَّل كتاب "الإيضاح" "أمَّا"، على أثر ذلك ما في "أما" من معنى الفعل، على ما نصّ عليه هنا من عملها في الظرف (٢) والحال، وأنْ يؤثر على عمل ما بعد الفاء فيه [من أجل أن، وللكلام في هذا موضع غير هذا] (٣) واللام التي تتلقى بها "لولا" محذوفة من قوله: "قد" أيْ، لقد صاروا، وصاروا، رافع ومرفوع [والكاف (٤) في "كالموارد" في موضع نصب على خبر "صار"، جعلت "الكاف" حرفًا أو اسمًا، و"لنا" تبيين، فيتعلّق "بصار" كما تعلقت اللام "بكان" (٥) في قوله ﵎: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (٦). [وقد تقدّم تبييننا له] (٧)، ويجوز أن يكون موضع "لنا" نصبًا (٨) على الحال، والتقدير (٩): لقد صاروا مَوْطوئين (١٠) لنا مذلليّين (١١) ونحو ذلك. [وقد تقدّم القول في أنَّ "لولا" مركبة] (١٢).

стр. 306

وأنشد أبو عليّ (١): ٢٩ - أَمِنْ رَسْمِ دارٍ مَرْبَع ومَصيفُ … لِعيْنَيْكَ مِنْ ماءِ الشُّؤونِ وَكيف (٢) هذا البيت أوَّل قصيدة للحُطيئة جرول بن أوس بن مالك العبسيِّ ويكنّى أبا (٣) مليكَة ولقب بالحُطئية؛ لقربه من الأرض، وقيل: لأَنَّه (٤) ضرط، فقيل له (٥): ما هذا؟ فقال: حُطيئة، فسمّى بذلك. استشهد به أبو عليّ على أنَّ "الرَّسم" مصدر مضاف إلى المفعول الذي هو "دار"، وأنَّ "المربع" فاعل [وكذلك ما عطف عليه] (٦) والتقدير: على مذهبه: أمن أجل أنْ رَسَمَ دارًا مَرْبَعٌ ومَصيفٌ، أي، غَيَّرَ أثرها بشدّة الاختلاف عليها، والرَّسم -هاهنا (٧) -: شدّة التغيير. من قولهم: رَسَمتِ النَّاقَةُ رسَيمًا، إذا أثرت في الأرض بشدّة وطئها، ومنه سمى العود الذي فيه خُطوط يختم به الطعام: رَوْسَمًا؛ لقوة أثره في المختوم به.

стр. 307

"والمربع" على هذا يريد به (١) زَمَنَ الرَّبيعِ، وكذلك "المصيف" (٢)؛ أيْ، زمنه، كما قال النَّابغة الذبياني (٣): فَمُجْتمع الأشراجِ غيّر رسمها … مصايفُ مرَّت بعدَنا ومرابعُ ورد بعض المتأخرين هذا التأويل على أبي عليّ وقال: إنَّ الرَّسمَ في البيت بمعنى (٤) المرسوم، فهو اسم لا مصدر، كأنه قال: أمن أجل مرسوم دار يلوح بعينيك من ماء الشؤون وكيف، فلا يعمل "الرسمُ" (٥) على هذا شيئًا. قال: ويرتفع "مربع ومصيف" [على إضمار المبتدأ، أيْ، المرسوم اللائح الباقي مربع ومصيف] (٦). قال أبو الحجاج: فالمربع -على هذا التأويل-: الموضع الذي يحل في الربيع. والمصيف: الموضع الذي يحلّ في الصيف، كذا فسرهما (٧) يعقوب (٨) وغيره (٩).

стр. 308

فأمَّا الربع (١): فالمنزل في الشتاء والصيف عند الجمهور؛ لأنَّهم يربعون فيه أيْ، يَطْمَئنّون، وقد يكون "الربع": الموضع الذي يرتبعون فيه زمن الربيع، قال الأخطل (٢): رَبْعٌ تبدَّل بَعْدَ أُم مُحلِّمٍ … أُدمَ الظباءِ تُرشِّحُ الأطفالَا قال ابن (٣) دريد: ربما سمّوا الغَيْثَ: ربيعًا، وربما سمّوا الكلأ: ربيعًا ومما يؤيّد قول هذا (٤) الراد قول الحطيئة في موضع آخر (٥): أرَسْمَ ديارٍ منْ هُنيدَةَ تَعرِفُ … بأسقُفَ منْ عرفانِها العينُ تذرفُ ألا ترى أنه إنما تعرف العين الذي هو المرسوم، لا الحدث، فهذا ذاك؛ لأنَّه أرادَ هُناك: أمن أجل عرفان رسم دار غيرها المربع والمصيف، لعينيك انسكابٌ وجدا عليها ووكيف، وكلا المذهبين عندي (٦) حسن، إلَّا أنَّ مذهب أبي عليّ أقيَسُ؛ لما فيه من حمل الكلام على أصله وظاهره؛ لأنَّ الرسم أصله المصدر في الحقيقة، وإنْ كان قد كثر وقوعه موقع

стр. 309

"المرسوم" كالخلْقِ، ونحوه، مما نقل عن موضوعه (١)، وكذلك إعرابه لا يتحاج إلى تقدير إضمار. و"الوكيف": -هاهنا (٢) - سيلان الدمع [ويقال فيه: وَكَفٌ أيضًا] (٣). والشؤون: مجاري الدموع إلى العين فيما حكى الأصمعي (٤)، والأصل في قبائل الرأس، والواحد شأن. وبعده (٥): رَشَاشٌ كَغَرْبَيْ هاجريٍّ كلاهُما … له داجنٌ بالكرَّتَينِ عليفُ تذكَّرتُ فيها الجهلَ حتى تبادرَتْ … دَموعي وأصحابي على وُقوفُ يقولون هل يبكي من الشوق مسلمٌ … تخلَّى إلى وجهِ الإله حنيفُ الرَّشُ، والرَّشاشُ: القطر. والغربان: الدلوان الضخمتان (٦) والهاجري: الحاذق بالسقي (٧) هاهنا ويقال: فلان أهجرُ من فلان؛ إذا كان أفضلَ منه، ولبن هجير، أيْ، جيد ويقال (٨): إن معاوية ﵀] (٩)

стр. 310

خرج متنزها فمرّ بحِواء (١) ضخم، فقصد (٢) قَصْدَ بيت منه (٣)، فإذا بفنائه امرأة بَرْزَةٌ. فقال (٤): هل من غذاء؟ قالت: نعم حاضر، قال: ما غذاؤكِ؟ قالت: خبز خميرٌ، وماءٌ نَميرٌ، وحيْسٌ فَطيرٌ، ولبن هجيرٌ. قال: فثنى وركه ونزل، فلما تغدّى، قال: هل لكِ من حاجة؟ فذكرت حاجة أهل الحواء. فقال لها؛ هاتي حاجتك في خاصة نفسك؟ فقالت: يا أمير المومنين، إني لأكره لك أنْ تنزل واديًا فيرفَّ أوله، ويقفَّ آخره. والداجن (٥): -هنا-: البعير الموقوف على السقي والعمل. ويعني (٦) بالكرّتين: الذهاب والمجيء. وهو عندي في معنى الجمع والكثرة، نحو قول اللَّه تعالى (٧): ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ، كرات؛ لأنَّ البصرَ لا ينقلب خاسئًا حسيرًا إلَّا إذا ردد النَّظر كثيرًا (٨). والعليف (٩): المعلوف.

стр. 311

وأنشد أبو عليّ (١): ٣٠ - قدْ كُنْتُ دايَنْتُ بها حسَّانا … مخَافَةَ الإفْلاسِ واللِّيانا (٢) وبعدهما في الكتاب (٣): يُحْسِنُ بَيْع الأصلِ والقيانا هذه الأشطار (٤) لزياد العنبري، كذا قال أبو عليّ، وزعم أنَّه ألفى ذلك بخط مؤرج (٥) أنشده إيَّاها أبو الدُّقيش (٦) لزياد هذا، ونسبت (٧) في "الفرخ" لرؤبة.

стр. 312

واستشهد به أبو عليّ (١) بالمشطورين (٢) الأولين على أنه عطف "واللَّيانا" على موضع "الإفلاس"؛ لأنَّه (٣) موضع نصب، لكونه مفعولًا في المعنى، لقوله "مخافة"؛ والحمل على المعنى كثير. ويجوز أيضًا النصب (٤) في "الليان" من وجهين آخرين؛ أحدهما أن يريد: ومخَافَة اللَّيانِ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه في الإعراب. والآخر أنْ ينتصب (٥) على المفعول معه، أيْ، مخافة الإفلاس مع اللّيان. ويقال: اللَّيانُ واللِّيانُ -بفتح اللام وكسرها-، والفتح أكثر استعمالًا، وأشدُّ قياسًا (٦)، والكسر أقيس (٧)؛ إذْ ليس (٨) في المصادر "فَعْلانٌ" بفتح الفاء وسكون العين (٩) إلَّا الليان فيمن فتح اللام (١٠)، "والشَّئَنْآن" فيمن أسكن النون (١١)، [وهما نادران، ومن قال: "اللِّيانُ والشَّنآن"،

стр. 313

لم يكن فيهما "فَعْلان"] (١). قال أبو عليّ: "اللَّيان": الذي يُلوي بالحقّ، يريد أنه من صفة الفاعل، وأنه (٢) أحقّ به من المصدر، وكذلك قال في "الشَّنآن": إنه من صفة الفاعل، [والشنآن المصدر وقال في (٣) أبنية الأفعال الثلاثية ومصادرها: قالوا: لويته (٤) ليانًا وحكي كسر اللام في الليان، وكذا حكى كسر اللام أيضًا في "التذكرة" عن أبي الدقيش. واللّيان: المطل بالدين، قال ذو الرمَّة (٥): تسيئين لَيَّاني وأنت بخيلة … وأحسن يا ذات الوشاح التَّقاضيا] (٦) ويقال: أفلس الإنسان (٧) أيْ، صار إلى الفلس أو دخل فيه، وفَلَسَ، أيْ، ألفى عديمًا. والقيان: الإماء، الواحدة قينة، سميت بذلك؛ لأنها تصلح من شأن أهلها (٨) ويتزيّن بها.

стр. 314

وأنشد أبو عليّ (١): ٣١ - حتَّى تَهجَّرَ في الرِّواحِ وهاجها … طَلَبَ المُعَقِّبِ حقَّهُ المظلومُ (٢) البيت للبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر، وكنيته أبو عَقيل. استشهد (٣) أبو عليّ بعجزه على أنَّ قوله "المظلوم" صفة "للمعقب"؛ حَمْلًا على المعنى؛ لأنه فاعل في المعنى وإنْ (٤) كان مجرورًا في اللّفظ بإضافة المصدر إليه، والتَّقدير: كما طلب المعقِب حقَه المظلوم (٥)، وقال بهذا القول مع أبي على جماعة أيضًا، وفسروا المعقب: الذي يطلب حقّه مرّة بعد مرَّةٍ أيْ (٦)، يتتبع ذلك ولا يسأمه. قاله يعقوب (٧) وقاسم بن ثابت

стр. 315

وأبو عليّ أيضًا. ويقال: "المعقب": الماطل، يقال عقبني حقِّي، أيْ: مطلني. "فالمظلوم" على هذا فاعل، و"المعقِب" مفعول به في المعنى، وقال خالد بن كلثوم (١): المعقِب: الذي أغير عليهَ فَحُرِب ماله، ثم أغار على المغير عليه فأخذ أكثر من مالهَ كقولك (٢): طَلَبُ زيدٍ حَقَّه عمرو (٣) "فالمظلوم" على هذا أيضًا فاعل؛ لأنه يطلب المعقب (٤) بارتجاع تلك الزيادة عن عنده، وقال أبو حاتم (٥): المظلوم جار على الضمير (٦) الذي في "المعقب"، كأنه يذهب إلى أنه بدل من المضمر الفاعل الذي في "المعقب". وقال أبو عليّ في التذكرة أيضًا (٧) وقيل: إنَّ "المظلوم" فاعل بقوله: "حَقَّه"، وحَفهُ فعل ماضٍ، و"الهاء" مفعوله. قال أبو الحجاج: والمعنى غلب الماطل (٨) في المخافةِ المظلوم فهذه ثلاثة أوجه، لأبي علي الفارسي انفرد منها بحكاية قول من جعل "حقه" فعلًا ماضيًا، وتبعه ابن جني (٩) في ذلك أيضًا.

стр. 316

قال أبو علي (١) في "التذكرة" وغيرها: "لو (٢) قدم "المظلوم" على الوجه الأوَّل الذي هو فيه نعت "للمعقب"، [فجعله يلي "المعقب"] (٣) لم يجز، كما أنك لو قدمت "كله" في قول ابن مقبل (٤): ولَوْ أن حُبِّي أمِّ ذي الوَدْعِ (٥) كُلَّهُ … لأهْلِكَ مالٌ لم تسعْهُ المسارحُ لم يجز؛ لأنك لاتصف الموصول حتَّى يتم بصلة، وصلته هنا لم تتم بعد؛ لأنَّ "حقه" صلة "للمعقب" [ومن تمامه: وعلى الوجه الثَّاني يكون "حقَّه" أيضًا من صلة "المعقب"] (٦) كأنَّه قال: طَلَبُ المظلوم الماطل حقَّه، [فتكون "الهاء" راجعة إلى "المظلوم"، أيْ، طلبُ المدين الماطلَ حقَّه] (٧) بعْدُ؟ قيل: هو مثل "ضربَ غُلامَه زَيْدٌ" ألا ترى أنَّ الهاء متصلة بالمفعول. وقد يجوز على هذا أنْ تجعلَ "الهاء" للمستدين، تريد الحقَ الذي

стр. 317

يجب عليه الخروج منه، فأضفته إليه (١) وعلى هذا قولُ لبيد (٢): فاقْطعْ لُبانَةَ مَنْ تَعرَّضَ وصلُهُ … ولَخيْرُ واصلِ خُلَّةٍ صرَّامُها يريد: لُبانتَكَ منه، وكذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (٣)، فأضاف الدين إليهم لما كان واجبًا الأخذ به، وإنْ لم يكونوا مُتدينين به وعلى هذا يتجه ﴿كَذَلِكَ (٤) زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ (٥)، أي، العمل الذي أمروا به، وندبوا إليه، وقال في "البصريات" (٦) مكان: "وندبوا إليه"، وأوجب عليهم وشرع لهم. فإذا جعلت "الهاء" راجعة إلى (٧) المفعول احتمل أمرين: يجوز أن تعود إلى "المعقب" بأسره، ويجوز أنْ تكون (٨) راجعة إلى اللام، أيْ، الذي عقب حقّه، على قول أبي بكر، وعلى قول أبي عثمان [إلى] (٩) الذي دلّت

стр. 318

عليه اللام (١) وقبل البيت (٢): أو مسْحَلٌ شنجٌ عضادَة سَمْحَجٍ … بِسَرَاته [نَدَبٌ لها وكُلومُ] (٣) يُوفي ويربها النِّجاد كأنَّه … ذو إربةٍ كلَّ المرامِ يَرومُ قربًا يشج بها الحزون عشيَّةً … ربذ كمقلاة (٤) الوليد شتيمُ قوله: "تهجرَ" أيْ، سار هذا المسحل؛ وهو الحمار الوحشي في الهاجرة مع أتانه وذلك نصف النهار، [ويقال: هجر أيضًا، إذا ارتحل في وقت الهاجرة، ويقال للهاجرة: الهجير، والهجر أيضًا] (٥). وقوله: "وهاجها" يعني أنَّ العير (٦) هاج الأتان في وقت الرواح لطلب الماء. ومَنْ روى (٧) و"هاجه" أراد العَير، قال الأصمعي يقال (٨): "هجته

стр. 319

وأهجته" المعنى واحد (١) قال أبو عليّ (٢): و (٣) كان القياس أنْ يكون (٤): اهتاج مطاوع هاجه. قال أبو الحجاج: والوجه النصب في قوله (٥): "طلبَ المعقب" على المصدر المشبه به وهكذا رواه يعقوب وغيره، أيْ، يطلبُ الماءَ طلَبًا مثْلَ طلبِ المعقبِ حَقَّه، كذا (٦) قدره يعقوب وغيره من العلماء (٧)، وهو عندي من المصادر المنتصبة على المعنى، لما في (٨) متقدِّم الكلام من الدّليل عليه. وقد ينتصب عندي على المفعول له؛ أيْ، وهاجها العَيْرُ لأجل طلبِ الماءِ، "وقرَبًا" منتصب بذلك المصدر المحذوف، أيْ، طلبًا القَرب، وقد ينتصب على الظرف، أيْ، ليلة القَرِب، أو عشية القَربَ. وقال صاحب العين (٩) فيه: "المُعَقِّبُ -هنا- المتتبع (١٠) عقب الإنسان في طلب حقّه أو نحوه".

стр. 320

والرَّفع جائز على وجهين: أحدهما: أنْ يكون فاعل "هاجَها" على الاتساع والتشبيه. والثاني: أنْ يكون بدلًا من ضمير الفاعل، بدل الاشتمال، أيْ، هاجها طلبه للماء بها (١) كطلبِ المُعقِّبِ. وقوله: "شنج" أيْ، متقبض مجتمع. و"عِضادة سمحج" أيْ، ناحيتها لأرقابها. و"السمحج" (٢): الطويلة (٣) الظهر. و"سراته": أعلى (٤) ظهره. و"نَدَبٌ": أثر (٥). و"كلوم": جراح من عض الحمر إيَّاه. و"النّجاد" (٦): جمع نجْدٍ، وهو ما ارتفع من الأرض. و"الإرْبَةُ": الحاجة. و"القربُ": الليلة التي يرد الماء في صبيحتها. و"يشج": يعلو "الحزون" يقطعها وهي (٧) الغلاظ من الأرض واحدها: حزن (٨) و"ربذ": سريع.
следующие страницы →