← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال أبو علي (١) في "التذكرة" وغيرها: "لو (٢) قدم "المظلوم" على الوجه الأوَّل الذي هو فيه نعت "للمعقب"، [فجعله يلي "المعقب"] (٣) لم يجز، كما أنك لو قدمت "كله" في قول ابن مقبل (٤): ولَوْ أن حُبِّي أمِّ ذي الوَدْعِ (٥) كُلَّهُ … لأهْلِكَ مالٌ لم تسعْهُ المسارحُ لم يجز؛ لأنك لاتصف الموصول حتَّى يتم بصلة، وصلته هنا لم تتم بعد؛ لأنَّ "حقه" صلة "للمعقب" [ومن تمامه: وعلى الوجه الثَّاني يكون "حقَّه" أيضًا من صلة "المعقب"] (٦) كأنَّه قال: طَلَبُ المظلوم الماطل حقَّه، [فتكون "الهاء" راجعة إلى "المظلوم"، أيْ، طلبُ المدين الماطلَ حقَّه] (٧) بعْدُ؟ قيل: هو مثل "ضربَ غُلامَه زَيْدٌ" ألا ترى أنَّ الهاء متصلة بالمفعول. وقد يجوز على هذا أنْ تجعلَ "الهاء" للمستدين، تريد الحقَ الذي

стр. 317

يجب عليه الخروج منه، فأضفته إليه (١) وعلى هذا قولُ لبيد (٢): فاقْطعْ لُبانَةَ مَنْ تَعرَّضَ وصلُهُ … ولَخيْرُ واصلِ خُلَّةٍ صرَّامُها يريد: لُبانتَكَ منه، وكذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (٣)، فأضاف الدين إليهم لما كان واجبًا الأخذ به، وإنْ لم يكونوا مُتدينين به وعلى هذا يتجه ﴿كَذَلِكَ (٤) زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ (٥)، أي، العمل الذي أمروا به، وندبوا إليه، وقال في "البصريات" (٦) مكان: "وندبوا إليه"، وأوجب عليهم وشرع لهم. فإذا جعلت "الهاء" راجعة إلى (٧) المفعول احتمل أمرين: يجوز أن تعود إلى "المعقب" بأسره، ويجوز أنْ تكون (٨) راجعة إلى اللام، أيْ، الذي عقب حقّه، على قول أبي بكر، وعلى قول أبي عثمان [إلى] (٩) الذي دلّت

стр. 318

عليه اللام (١) وقبل البيت (٢): أو مسْحَلٌ شنجٌ عضادَة سَمْحَجٍ … بِسَرَاته [نَدَبٌ لها وكُلومُ] (٣) يُوفي ويربها النِّجاد كأنَّه … ذو إربةٍ كلَّ المرامِ يَرومُ قربًا يشج بها الحزون عشيَّةً … ربذ كمقلاة (٤) الوليد شتيمُ قوله: "تهجرَ" أيْ، سار هذا المسحل؛ وهو الحمار الوحشي في الهاجرة مع أتانه وذلك نصف النهار، [ويقال: هجر أيضًا، إذا ارتحل في وقت الهاجرة، ويقال للهاجرة: الهجير، والهجر أيضًا] (٥). وقوله: "وهاجها" يعني أنَّ العير (٦) هاج الأتان في وقت الرواح لطلب الماء. ومَنْ روى (٧) و"هاجه" أراد العَير، قال الأصمعي يقال (٨): "هجته

стр. 319

وأهجته" المعنى واحد (١) قال أبو عليّ (٢): و (٣) كان القياس أنْ يكون (٤): اهتاج مطاوع هاجه. قال أبو الحجاج: والوجه النصب في قوله (٥): "طلبَ المعقب" على المصدر المشبه به وهكذا رواه يعقوب وغيره، أيْ، يطلبُ الماءَ طلَبًا مثْلَ طلبِ المعقبِ حَقَّه، كذا (٦) قدره يعقوب وغيره من العلماء (٧)، وهو عندي من المصادر المنتصبة على المعنى، لما في (٨) متقدِّم الكلام من الدّليل عليه. وقد ينتصب عندي على المفعول له؛ أيْ، وهاجها العَيْرُ لأجل طلبِ الماءِ، "وقرَبًا" منتصب بذلك المصدر المحذوف، أيْ، طلبًا القَرب، وقد ينتصب على الظرف، أيْ، ليلة القَرِب، أو عشية القَربَ. وقال صاحب العين (٩) فيه: "المُعَقِّبُ -هنا- المتتبع (١٠) عقب الإنسان في طلب حقّه أو نحوه".

стр. 320

والرَّفع جائز على وجهين: أحدهما: أنْ يكون فاعل "هاجَها" على الاتساع والتشبيه. والثاني: أنْ يكون بدلًا من ضمير الفاعل، بدل الاشتمال، أيْ، هاجها طلبه للماء بها (١) كطلبِ المُعقِّبِ. وقوله: "شنج" أيْ، متقبض مجتمع. و"عِضادة سمحج" أيْ، ناحيتها لأرقابها. و"السمحج" (٢): الطويلة (٣) الظهر. و"سراته": أعلى (٤) ظهره. و"نَدَبٌ": أثر (٥). و"كلوم": جراح من عض الحمر إيَّاه. و"النّجاد" (٦): جمع نجْدٍ، وهو ما ارتفع من الأرض. و"الإرْبَةُ": الحاجة. و"القربُ": الليلة التي يرد الماء في صبيحتها. و"يشج": يعلو "الحزون" يقطعها وهي (٧) الغلاظ من الأرض واحدها: حزن (٨) و"ربذ": سريع.

стр. 321

و"المقلاء": عُصيَّةٌ يتخذها الصَّبِيُّ مِنْ أصْلبِ العيدانِ؛ ليضرب بها القلة. شبَّه الحمار بها في نزوها (١) نشاطًا وخفةً، يصف حمارًا (٢) وأتانًا، قد كانا في خصب زمانًا، حتّى إذا (٣) هاج النبات ونضَبَ أكثرُ العيون، وخَاف أنْ ترشقه من القناص سهام المنون؛ أسرع بأتانِه إلى كلّ نجد، يرجو (٤) أنَّ فيه أطيبَ (٥) كلأ وأهنأ ورد، وشبه به ناقته، حين استوفى طاقته.

стр. 322

وأنشد أبو علي (١): ٣٢ - ضَعيفُ النِّكاية أعداءَهُ … يخالُ الفرار يُراخي الأجَلْ (٢) لم ينسب هذا (٣) البيت في الكتاب. واستشهد به أبو عليّ على مثل ما استشهد به سيبويه، من إعمال المصدر المعرف بالألف واللام، وهو "النكاية"، ونصب قوله: "أعداءَه" به، وهو أبعد الوجوه الثلاثة من العمل في القياس. قال أبو عليّ في "التعاليق" (٤) وغيرها؛ لأنه معرف (٥) من جهة لا يُنوى بها الانفصال، ولم يتصل باسم يقوم مقام الفاعل كاتصال المضاف، فهو مباين للفعل، وأمَّا المصدر المعرف بالإضافة فقد يُنْوى بالإضافة الانفصال في نحو: "ضاربٍ زيدًا (٦) غدًا" يَعْني فلهذا المصدر المضاف نظير به يشبه (٧)، ويحمل عليه، ولا نظير لمعرف (٨) الألف واللام يرد في الشبه

стр. 323

إليه. النكاية: معروفة وقد نكيت (١) في العدو، وحكى صاحب (٢) العين: نكأت العدو أيضًا، [وكذلك حكاهما معًا في العدو أيضًا أبو إسحاق الحربي، ونكأ القرحة: قشرها فتندى قبل أن تبرأ] (٣). وأنشد أبو عليّ (٤) أيضًا: ٣٣ - لقدْ علمتْ أُولى المُغيرةِ أنَّني … لحقْتُ فَلمْ أَنْكُلْ عن الضَّرب مِسمَعَا (٥) البيت للمرَّار الأسديِّ كذا (٦) نسب في الكتاب، ونسبه الجرمي في المدخل المسمّى "بالفرخ" (٧) لمالك بن زغبة الباهلي (٨).

стр. 324

واستشهد به أبو عليّ على ما قد (١) نص عليه سيبويه (٢)، على (٣) اختلاف روايتيه (٤)، وقال في "التذكرة": ينشد "كررت"، و"لحقت"، فمن قال: "لحقت"، كان نصب مسمعٍ (٥) على وجهين: أحدهما: لحقت مسَمعًا. والوجه (٦) والآخر: أنْ يكون معمول "الضرب"، ومن أعمل "الضرب" فيه فهو عندي على قول من أعمل الثَّاني، وهو أحسن (٧) عند أصحابنا (٨)، ألا ترى أنَّ المعنى: لحقت مسمعًا فلم أنْكُلْ عن ضربه، فحذف المفعول من الأوَّل؛ لدلالة الثَّاني عليه. ومن أعمل "لحقت"، أراد: لحقت مِسْمَعًا فلم أُنْكُلْ عن الضرب إيَّاه، أو عن (٩) ضربيه، إلَّا أنه حذف؛ لأنَّ المصادر يحذف معها الفاعل والمفعول، فلا يجوز على هذا القياس "ضربت و (١٠) شتمت زيدًا" قال: لأنَّ الفعل لا يحذف معه هذا المفعول كما حذف مع المصدر.

стр. 325

قال أبو الحجاج: وقد أجاز السيرافي (١) حذف هذا الضمير (٢) الذي في هذا النحو مع الفعل أيضًا، وقال: لأنَّ (٣) المفعول كالفضلة المستغنى عنها، مع أنه قد (٤) علم أنَّ الفعل قد وقع به (٥)، قال أبو عليّ: ومنْ أنشد: "كررت" (٦)، كان "مِسْمَعٌ" مفعول الضرب لا غير؛ لأنَّ "كررت" يتعدَّى بالحرف ولا حرف هنا، فإنْ جعلت "على" مرادة كما جاء (٧) قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٨). وقول الشَّاعر (٩): وأُخْفى الذي لولا الأُسَى لقضَانِي

стр. 326

فلما حذفت (١) "على" أوصلت الفعل؛ فهو وجه. قال أبو الحجاج (٢): وهذا خلاف لما قال في "الإيضاح"؛ لأنَّه قال هنا (٣) "فإنَّ ذلك لا يؤخذ به ما وجدت مندوحة عنه". وليس ينكر على العالم أنْ (٤) يرجع عن قول إلى ما يرى (٥) غيرَهُ خيرًا منه. وبعده (٦): وإنِّي لأعْدي الخيْلَ تُعْثُر بالقنا … حفاظًا على المولى الحريدِ لِيُمنَعا ونحنُ حلبْنا الخيْلَ منْ سَرْو حِميَر … إلى أنْ وطِئنا أرْضَ حميرَ نُزَّعا يقول: لقد علمت أُولى الخيل (٧) المغيرة، وسرعان الكتيبة (٨) المُبيرة، أَنَّى دافعت رؤوسها، وضربت بالسيف رئيسها، وأظنه يريد "بمسع" هذا، مسمع بن مالك بن مسمع الشيباني (٩). سيد ربيعة بالعراق،

стр. 327

وكان أميرًا (١) على سجستان من قبل الحجاج، [وبها توفي. ومالك (٢) أبوه سيد ربيعة أيضًا، اجتمعت عليه ربيعة، كاجتماعها على كليب (٣) في الجاهلية. وهو الذي عرض بعزه للمال الذي كان زياد (٤) جمعه في البصرة، ووجه به إلى معاوية، فكلم مالك في ذلك، فلحق بالمال فردّه، وفرقة في تميم وربيعة ومستحقيه من أهل العطاء، فما راجعه زياد على ذلك بحرف، وكذلك فعل بعدُ بمال جمعه حمزة (٥) بن عبد اللَّه بن الزبير. وفي مالكٍ يقول العُديل (٦) بن الفرخ يمدحه: إذا ما خشينا من أمير ظُلَامَةً … دعونا أبا غسان يومًا فعسْكرا ترى الناسَ أفواجًا إلى باب داره … إذا شاء جاؤوا دراعين وحُسَّرا ويحتمل أن يريد "مِسْمعًا" أباه، وكان ممن ارتدّ وحاصر مع من حاصر حصن جواثى (٧) من البحرين، وضيقوا على عبد القيس، فقصدهم

стр. 328

العلاء (١) بن عبد اللَّه الحضرمي، فنصره اللَّه على سائر بكر، وجند كسرى، الذين كافيهم الغرور؛ المنذر بن النعمان بن المنذر، وأُسر مسمع فيمن أسر، والخبر بذلك كلّه (٢) مشهور] (٣). وأنشد أبو عليّ (٤): ٣٤ - كأنَّه واضحُ الأقْرابِ في لُقُحٍ … أسمى بهنَّ وعزَّتْهُ الأناصيلُ (٥) هذا (٦) البيت ينسب للأخطل؛ غياث بن غوث بن الصلت (٧) التغلبي، يكنى أبا مالك، وكان نصرانيًا. استشهد به أبو علي على حذف الجار الذي هو "على" (٨)، وتوصيل الفعل الذي هو "عزّ" إلى المضمر فنصبه، وكذا (٩) ذكره أيضًا في

стр. 329

غير "الإيضاح" (١)، وكذا حكاه (٢) عنه أبو الفتح في شرحه (٣) شعر أبي الطيب، [وأنشد لذي الرّمّة (٤): رعت بأرضَ البُهى جَميمًا وبُسرةً … وصَمْعَاءَ حتّى آنَفَتها نصالُها قال أبو الفتح: "جعل شوك البهمى كالنصال" ثم قال: ويجمع على أنصل وأناصل، وأناصيل] (٥). قال أبو الحجاج (٦): فقد (٧) نصّ أبو الفتح كما ترى (٨) على أنَّ "أنصلًا" جمع "نصل" الحديد. وأن "الأناصيلَ" في شاهد أبي عليّ جمع الجمع، ألحق "الياء" ضرورة عند أصحابنا وغير ضرورة عند الفرَّاء. والمراد من ذلك تشبيه سفا البهمى ونحوها من النبات بنصل السهم في حدته، وتعذر أكله ليبسه (٩)، فذهب أبو عليّ في شاهده إلى [نحو بيت

стр. 330

ذي الرّمّة من] (١) أنَّ المعنى: وعزت على هذا العير وأتنه الأناضيل، أيْ، تعذر عليها رعى السفا؛ لأنَّه كالنصل في حدّة الشبا، ولذلك قالوا: "قد أخذ المرعى رماحه" (٢)، وذلك عند الجفوف وامتناع الرعي، [قال أبو حنيفة وغيره (٣): إذا رعت السفا أوجعها وآنفها، أيْ، صيرها تشتكي أنوفها؛ لدخوله فيها، وفي أفواهها، ويقال لها عند ذلك: آنفة. قال أبو حنيفة: ويقال لشوك البهمى: نصال وسفا، قال هو وغيره: ويقال منه أنصل البهمى. وهذا عندي الذي ذهب إليه أبو عليّ، هو الذي عليه الشعراء، ألا ترى إلى قول الشاعر الشماخ (٤): رَعى بَارِضَ الوسْميِّ حتى كأنَّما … يَرَى بِسفَا البُهمى أَخِلَّة مُلْهِجِ وقد أنشده أبو العباس في "الكامل" (٥) وفسّره. وكذلك قال ذو الرّمّة (٦) في نحوه يصف حمار وحش أيضًا: حتّى إذا ما أنِف التَّنوما … وكان منتاشَ السفا مسمومًا

стр. 331

والشعر في مثله كثير، وقال بعضهم: وهو مع أنه يؤنفها يعطشها، فهي ترغب عنه من كلّ وجه، وقال الباهلى: الأناصيل: ما جفّ من النبت، فصارت أطرافه كالنصول، فلم يمكنه أنْ يرعاه، ويقال هو النبت] (١). ويؤيد مذهب (٢) أبي علي أيضًا قول جرير (٣): يعزُّ على الطَّريقِ بمَنْكَبَيْهِ … كما ابترك الخليعُ على القِداحِ وقال ابن (٤) الأنباري: أيْ، يغلب على الطريق. [قال أبو الحجاج: وإنما أطلت في تبيين صحة مذهب أبي علي وعضده؛ لأنَّ بعض النبلاء ذهب إلى ردّه] (٥)، وقال: إنما المعنى في "عزته" هنا أنَّ سهام الرماة غلبته على ما بقي من العيون، فجد في الارتفاع بأتنه إلى طلب ما يجزأ به في الحزون، فلا يحتاج مع (٦) هذا التأويل إلى جار محذوف؛ لأنَّ "عزّ" (٧) هذا يتعدّى بنفسه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (٨) أيْ، غلبني، وقال زهير (٩):

стр. 332

وَعَزَّتْهُ يَدَاهُ وكاهِلُه وهذا الذي ذهب (١) هذا الراد إليه، مذهب أيضًا (٢) حسن، لكن مذهب أبي علي مقدّم عليه. وقوله: "واضح الأقراب"، يعني (٣): حمار وحش أبيضَ الخواصرِ، والوضح: البياض، والقُرْب: الخاصرة، [وموضع الأضلاع إلى الحجبة، وقال صاحب العين (٤): القُرْب من لدن الشاكلة إلى مراق البطن، وكذلك من لدن الإبط قُرْب من كلّ جانب] (٥) جمعه، وإنما له قَربَان، لسعته في موضعه. ويُروى: [في لِقح، وفي لُقح، فاللِّقح: جمع لِقْحة مثل (٦)] كِسْرة وكِسَر، ويقال: لقاح أيضًا، وحكى أبو عليّ في "التذكرة": لقحة ولقائح، ونظيره -يعني في الثلاثي غير المزيد- ضَرَّةٌ وضَرَائِر، وكَنَّة وكنائِن، وحرّة وحرائر. [قال صاحب العين (٧): اللَّقحة: الناقة الحلوب، فإذا جعلتها نعتًا قلت: ناقة لقوح، ولا تقل: ناقة لقحة، يريد؛ لأنها جرت مجرى الأسماء غير الصفات.

стр. 333

قال: تقول: هذه لقحة فلان، فإذا نتج بعض الإبل فهي عشار، وإذا وضعْن كلهنّ فهي لقاح ولقح أيضًا] (١). وَمَنْ روى: في "لُقح" فهي جمع "لَقوح" وهو الحلوب، وتجمع على لقائح أيضًا كصَعُود (٢) وصعائد، ونحو ذلك [وكذا قال أبو زيد في ذلك كلّه. وقال الفرَّاء: تجمع اللَّقوح على لقاح، قال: ويقال: لقحة أيضًا للحلوب. قال صاحب العين (٣) وغيره: ويقال للتي استبان حملها: لاقح، ولقوح. قال ثعلب (٤): ويقال أيضًا: "لَقاح"، ومنه "حَيٌّ لَقاح" أيْ، أعزاء، كهذه اللّقاح التي لا يدنو منها فحل، لامتناعها منه. قال أبو الحجاج: كأنَّها وصفت بالمصدر؛ لأنَّ الفرَّاءَ حكى: كان ذلك عند لِقاحِها كالحَصَادِ والحِصاد. وأنشد ابن دريد في جمع لقحة على لِقح: لَا يَشحُّون عَلى المال ومَا … عُوِّدوا في الحيِّ تَصْرَار اللِّقَحْ فاللقح في هذا البيت عندي يعني بها التي نُتجت، لا التي حملت؛ لأنَّ أبا زيد قال: وهى إذا نتجت عائذ حتّى يسمو سنامُ ولدها. ثم هي لقحة حتّى يمضى لها سبعة أشهر، ويفصل ولدها فصلًا، وذلك عند طلوع سهيل، ثم تشول تشويلًا، يريد: يقل لبنها] (٥).

стр. 334

قال غيره (١): سميت لقحة؛ لأنَّ الفحل لقحها. [وقوله: "أسمى بهنّ" أيْ، ركب هذا الحمار بأتنه السماوة (٢) وهي فلاة معروفة بطريق الشام، وحكى عن الخليل (٣): أنَّ السماوة ماء معروف بالبادية. وقول ذي الرمّة: رعتْ بارِضَ البُهمى. . . . . البيت البارض: أوَّل نبت البهمى. و"جميمًا": أيْ، غضًا حين نهض شبه بجمم الرجال. و"بسرة": حين عظمت وتفقأت وتشعبت تشعّب الحبّ، وكلّ غض بسر. و"صمعاء": حين خرج سنبلها، ولم يتفقأ بعد، فهى محددة مجتمعة. والبُهْمى من خير أحرار البقول، وأنجع ما يرعاه ذو الحافر، ما لم تسف، وهي تنبت أوَّل شيء كما ينبت الحبّ] (٤). وقبل بيت (٥) الإيضاح: قنواء نضاخة الذفري مُفَرَّجَةٍ … مِرْفَقُها عَنْ ضُلوعِ الزَّورِ مَفْتُولُ فالوجه على هذا أنْ يُروى (٦): كأنَّها واضِحُ الأقراب في لقح

стр. 335

لأنه يَصف ناقة شبهها في القوّة والنشاط بواضح (١) الأقراب وهو العير الذي قدمناه، وكذا ثبت في الشيرزيات (٢) في موضعين على الصَّواب، وثبت في "الحلبيات" (٣) كالذي (٤) في "الإيضاح". [ونسب فيها للأخطل، فاضطرب في روايته أبو عليّ ﵀] (٥)، وقد يجوز التذكير (٦) حملًا على العير، لأنه يقع على الذكر والأنثى، [وقد عزاه بعضهم لابن مقبل، ولم أجده في شعره] (٧).

стр. 336

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ٣٥ - أَعَيَّاشُ قَدْ ذَاقَ القُيون مَرارتي … وأوقدت ناري فادْنُ دونَك فاصْطلِ (٢) البيت لجرير يتوعّد عَياشَ بنَ الزبْرِقان، حصين (٣) بن بدر السعدي من تميم. استشهد به أبو عليّ على وقوع "دونك"، الاسم الظرفي موقع (٤) فعل الأمر الذي هو "ادن"، إيجازًا واختصارًا، قال أبو عليّ: فهذا معناه: ادْن ادْن، يعني أنه تأكيد، قال: وهذا كما قال الآخر: فقلت لها فيئي إليكِ فإنَّني … حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذاكَ لبيبُ (٥)

стр. 337

فهذا بمنزلة: ارجعي ارجعى، قال أبو عبيدة (١): و"لبيب" هنا بمعنى "ملب" ومثله قول الآخر (٢): فاذْهَبْ إليكَ فإنّي مِنْ بَني أسَدٍ في أنَّ (٣) الاسم المسمّى به الفعل قد تكرَّر (٤) مع الفعل إلّا أنَّ ذلك متعذر (٥). المعنى (٦) فادْنُ منها ودُونَكَ النار؛ لأنَّ "دونك"، و"عليك"، وعندك (٧)، متعديات، وقال بعضهم: "دونك" بدل من قوله: "فادن"؛ لأنَّ فيه من التخصيص ما ليس في "ادن"؛ لأنَّ (٨) "دونك" يقتضى غاية اللصوق والملازمة، قال أبو الحسن، فما حكى عنه الفارسيّ في "شرح أبيات الإعراب" (٩) وغيره: ليس انتصاب "دونك" إذا جعلته اسمًا للفعل على حدّ انتصابه قبل، قال أبو عليّ: يعني أنَّ فتحتها (١٠) فتحةُ بناء فيمن جعلها اسمًا للفعل، كفتحة "رُوْيد"، وأنَّ حركتها إذا أُضيفت حركةُ إعراب.

стр. 338

قال أبو الحجاج (١): يريد أنَّ حركتها في مثل قولك (٢): "رأيت الناسَ دَوْنَكَ" نصبة، ولا يجوز: "دون زيدًا" ولا في غيره؛ لأنَّ العرب لم تقله في هذا الباب، إلَّا في قولهم: "عليَّ زيدًا" وقبله (٣): أإنْ سُبَّ قَيْنٌ وابنُ قينٍ غَضبتُم … أبهدَلَ يا أفْناءَ سَعْدٍ لبهْدَلِ أيْ، أدعوكم يا أفناء سعد للعجب من غضب بَهْدلَة بن عوف بن كعب بن سعد لقين سب. وبعدهما (٤): سَأذْكُر ما قالَ الحُطيئةُ جارُكم … وأُحدِثُ وَسْمًا فَوْقَ وَسم المُخبَّلِ أعيَّاشُ قد آوَتْ قفيرة نَسلَها … إلى بيْتِ لُؤمٍ مالُه مِنْ مُحَوَّلِ "القيون": يريد بهم (٥) بني مجاشع، [وهذه النسبة بسبب جبير وقفيرة (٦) هذه المعرض بها، وسيأتي خبرهما في غير هذا الموضع إن شاء اللَّه.

стр. 339

ويروى (١): "قد ذاق القيون مواسمي". وقوله: "فاصطل". قال أبو حنيفة (٢): يعني تلق صلاءها؛ وهو حرها، وقال غيره (٣): صليت اللّحم أصليه، إذا شويته، وصلّيته -بالتشديد- جائز أيضًا] (٤). قال أبو عبيدة (٥): لما بلغ عياشَ بن الزبرقان قولُ جرير: "فادن دونك فاصطل" قال: "إني إذن لمقرور". وعياش هذا هو ابن عمّة الفرزدق، وأمّه هنيدة [بنت صعصعة، وتسمّى ذات الخمار الملقى، لقولها: "من جاء من نساء العرب بأربعة يحل لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي، فلها صرمتي، أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان". وكان للزبرقان ابن آخر اسمه عباس، وبه كان الزبرقان يكنَّى أبا العباس، وكان له غير هذين أيضًا] (٦).

стр. 340

وأنشد أبو علي (١) أيضًا: ٣٦ - فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العقيقُ وأهلُه … وهَيهاتَ خِلٌّ بالعقيق نواصله (٢) هذا البيت نسب في "الموعب" لابن التياني، لقيس مجنون بني عامر، والصحيح أنه لجرير. استشهد به أبو عليّ على أنَّ "هيهات" (٣) من الأسماء التي سمّيت بها الأفعال في الخبر. قال (٤) أبو عليّ في "التذكرة": من فتح "هيهات" (٥) فكسر يَعني "التاء"؛ لتكون كسرتها في جمعه بمنزلة (٦) ما كان الواحد منه منصوبًا، أيْ، ليعتدل المثالان في الموضعين، بأنْ تكسر تاء "هيهات" في موضع الفتحة، كما تكسر في موضع النصبة، قال (٧): وقول من أفرد أوجه؛ لأنه اسم سمّي

стр. 341

به الفعل في الخبر، وجميع الأسماء التي سمّيت بها الأفعال في الخبر والأمر على لفظ الإفراد، ولذلك ترك تنويه في الاستعمال حين جُمع؛ ليقرب من المفرد، ولم يجعل "كعرفات"، ووجه من جمع "هيهات" (١) أنه شبهه بأسماء الفاعلين والفاعلات، لما كان خبرًا، وحذفت لام "هيهات" كما حذفت لام "ذوات" في الجمع أيضًا، إذْ (٢) لم يتمكنا، يعني (٣) أنَّ الأصل في القياس أن يقال (٤): "هَيْهيات" (٥) فأبدلت الياء ألفًا؛ لمكان الفتحة قبلها، ثم حذفت لالتقاء السَّاكنين، وبقيت الألف المصاحبة لتاء تأنيث (٦) الجمع المسلم. والوقف على هذه التاء المكسورة كالوقف على سائر (٧) تاءِ تأنيث الجمع. قال أبو علَيّ (٨): "وهيهات" مبنية أو بمنزلة المبنية؛ للزومها حالة واحدة، قال (٩): و"الألف" في قول مَنْ فتح "التاء" يحتمل أمرين: يجوز أنْ تكون من باب الحاحاة (١٠) والصِّيصيَة (١١)، فيكون معكوس قولهم:

стр. 342

"يَهْيَاه" (١) لصوت الراعي. ويجوز أن تكون مثل "الفَيْفاة" (٢)، والأوَّل أجود؛ لأنَّ باب "قَلْقَالٍ" (٣) أكثرُ من باب "قلق"، قال: وألف الفَيْفاةِ زائدة؛ لسقوطها في الفَيْف، يريد بالألف هنا (٤) همزة فَيفَأة؛ لأنَّ أصلها ألف، وقد بينها في باب "فَعْلاء" (٥) وغيره من كتاب "الإيضاح" (٦). قال أبو الحجاج: و (٧) معنى هذا أنَّ "هيهاة" (٨) إنْ جعلتها مثل "الحاحَاةِ" فأصلها: "هَيْهَيَةٌ" ثم قلبت "الياء" الثانية ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها فقيل: هَيْهاةٌ، فالكلمة على هذا المذهب رباعية من المضاعف مشبهة بمصادره، فألفها في حكم المنقلب عن (٩) الأصل. وإنْ جعلتها (١٠) من باب "الفَيْفاة" فالكلمة ثلاثية، وألفها زائدة غير منقلبة عن الأصل.

стр. 343

قال أبو عليّ (١): ولا يمتنع أن يكون "هَيْهاتَ" مع كونه اسمًا سمى به الفعل جَاريًا مجرى الظرف "كإليَّ" (٢) في قول القائل: إليَّ، وقد قيل له: إليك، كأنَّه قيل له: تنح، فقال: اتنحى. وقال أحمد بن يحيى: من قال: "هَيْهاتَ هَيْهاتَ" جعله مثل: "جاري بَيْتَ بيْتَ". قال أبو علي: الأبين في ذلك أنْ تكون تكريرًا كما قيل: إليَّ إليَّ (٣)؛ لأنَّ الأسماء التي سميت بها الأفعال، لم يجئ (٤) فيها اسمان أحدهما مضموم إلى الآخر، فإنْ قلتَ: فقد (٥) جاء "حَيَّهل" فهما صوتان وليسا باسمين. و"هيهات" أشبه بالأسماء المتمكنة من "حيَّ هَلْ"، وإنْ لم يتصرف تصرّفها، لأنَّها قد جمعت وثنيت فيما حكى ثعلب، وقد أبدل من بعض حروفها، فإنْ أجيز ذلك فيها، يعني التركيب، فالضمير ينبغي أنْ يكونَ في مجموع الاسمين، ولا يكون في كل واحد منهما (٦) ضمير، كما يكون [في كل واحد ضمير] (٧) إذا قدرت فيها التكرير.

стр. 344

قال أحمد: ومنهم من يقول: "أيهان" -بالنون- مثل رَجُلانِ، قال أبو عليّ: من قال أيهان (١) فإنَّه ثناه إرادة لتأكيد العبد، وجازت التثنَية فيه وإنْ تضمّن الضمير، كما جاز "مررت برجلين ضاربين"، وتثنية مثل (٢) هذا، مما يدلّ على صحّة ما قلناه في قولهم (٣): "دُهْدُ رَّيْنِ" إنَّه تأكيد وتكرير (٤) لمعنى (٥) "بَطَلَ"، كأنه قال: بَطَلَ مرَّة بعدَ مرَّة أوْ شيئًا (٦) بعد شيء، ولو قيل: "أَيْهَيْن" (٧) بالياء كما قالوا: "هَيْهاتِ" بالكسر كان قياسًا، وحكى أحمد أنَّ منهم من يقول: "هيهاتُ" بالرفع، وليس ذلك بالقياس؛ لأنَّ (٨) مثله من نحو؛ شَتَّانَ وسَرْعَانَ [لم يجيء فيه رفع] (٩)، ويمكن أن يكونوا عدلوا عن "الياء" في "أيهانِ" إلى "الألف"؛ كراهة لتكرير "الياء"، كما قالوا: "حاحَيْتُ" فأبدلوا الألف؛ كراهة لاجتماع الأمثال، يعني من "الياء" الأولى في "حاحيت"؛ لأنَّ الأصل: "حَيْحيْتُ".

стр. 345

قال: فإنْ قلتَ: فقد أبدلوا الهمزَة من "الهاء" في "أيهانِ" فإنَّ البدل قد يكون في حكم المبدل منه، ألا ترى أنَّ بدل الألف في "صَحْراءَ" كالألفِ، فإنْ كانت الألف في "أيْهانِ" للتثنية فلا يدل حذفهم إيَّاها أنَّ الكلمة من باب "سلس" دون "قَلْقالَ" (١)، والألف محذوفة كما حذفت من قولهم: ذَانِ واللَّذانِ وذاوت. قال: ويُقوِي ذلك قولهم: أيْهْى (٢)، فالهمزة بدل من "الهاء"، ويمكن أن يكون قَلْبَ "الياء" في "أيهى" على حد قلبها في "طائي" (٣) و"حاري" (٤)، مما ليس في موضع حركة، ويمكن أنْ تكون منقلبة عن ياء مفتوحة؛ لأنَّ الكلمة "ظرف" لم يتمكّن، ويمكن أن تكون الألف فيه كألف "حتّى" (٥) وأنا (٦) أصْلًا، لمشابهتها الحروف. قال أبو الحجاج: أكثر كلام أبي علي هنا من "تذكرته"، جمعته من متفرق، ولأبي الفتح (٧) فيه كلام أكثره نقل من كلام شيخه أبي عليّ، فلذلك تركت نقله (٨) كراهة (٩) التطويل، ويغني عنه ما أثبته (١٠) هنا عند ذوي

стр. 346

التحصيل، [مع أنّ كتب ابن جني أوجد كثرة من تذكرة أبي علي] (١). وفي "هيهات" عشر لغات (٢): هَيْهَاتَ، هَيْهَاتِ (٣)، وهَيْهاتُ، أيْهاتَ، أيْهاتِ، أيهى، أيْهانِ [أيهاةً، أيهاةٍ، ومن أبدل الهاء من الهمزة في هذه الأربع الأحرف فهي أربع عشرة] (٤). قال أبو عليَّ: "هيهات" اسم للبعد معرفة؛ ولذلك لم ينصرف. ومَنْ نونها نكَّرها كما تنكّر الأعلام الواقعة على الأشخاص (٥)، وإنْ كانت "هيهاتَ" من الأعلام الموضوعة للأجناس. وقد رُوي في بيت جرير هذا: "هَيْهاتِ وأيْهاتَ" في الثلاثة (٦). و"العقيق" مرتفع (٧) بـ "أيْهاتَ" الثَّانية على إعمال الثَّاني، وفي الأولى ضمير يرتفع بها أضمر قبل الذكر. ومن أعمل الأوَّل (٨) "فالعقيق" مرتفع بـ "أيهاتَ" الأولى والثَّانية مضمر فيها فاعلها.

стр. 347

ومَنْ (١) جعلهما معًا كالمركب، فـ "العقيق" يرتفع بما يفيد مجموعهما على ما تقدّم من مذهب الفارسيّ، وهذا (٢) من نحو قولهم: "هذا حلو حامض"، [وجعلهما خبرين "لهذا"، وفي إعرابه على مذهب أبي عليّ غورليس هذا موضع جلائه] (٣). و"خلٌّ"، مرتفع بهيهات (٤) الأخيرة، وبـ "العقيق" في موضع رفع، نعت (٥) "لخل"، أيْ، بَعُدَ خِلٌّ كائن بالعقيق، و"الباء" هنا (٦) بمعنى: "في"، وقد يتجه فيها أيضًا وجوه سوى هذا التأويل، منها: أنْ يكون موضعها نصبًا على الحال من الهاء في: "تواصله"؛ لأنَّ "تواصله" في موضع رفع على النعت "لخل" ومنها: أنْ يكون موضعها النصب على الظرف، والعامل (٧) فيه ما في "هيهات" من معنى الفعل، أو "تواصله". ويُروى (٨): "العقيق وأهله"، يروى: "ومن به"، ويروى: "وهيهات

стр. 348

وصل" وهكذا ثبت بخط الآمدي، كأنه جعل (١) "الخل وَصْلًا"، أو يكون على حذف المضاف (٢)، كأنه قال: و"بعد ذو وصل" [كما أنَّ المعنى في وراية "خل" وبعد دنو خل، أو عهد خل، ونحو هذا من التقدير، ولو روى: "تواصُلُه" على المصدر لم يبعد، وهو من بدل الاشتمال، والتقدير فيه: وهيهات تواصل خل بالعقيق] (٣) وهو موضع معروف بالحجاز، وإن كان البيت (٤) لقيس فهو العقيق الذي بالمدينة وإليه منتزه أهل المدينة [إذا سال بالماء ولذلك أكثروا من ذكره] (٥) وقبله في شعر جرير (٦): وَلَمْ أنْسَ يومًا بالعقيقِ تخايَلَتْ … ضُحَاهُ وَطابَتْ بالعَشيِّ أصائِلُه رُزِقْنا به الصَّيْدَ الغزيرَ ولم نكنْ … كمَنْ نَبْلُه مَحرومَةٌ وحبائِلُه ثواني أعْناقٍ يُودّعْنَ مَنْ صحا … ومنْ بَثهُ عنْ حاجَةٍ اللَّهو شاغِلُه

стр. 349

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ٣٧ - ما إن يَمَسُّ الأرْضَ إلّا مَنْكبٌ … مِنْهُ وحرْفُ السَّاقِ طَيّ المِحملِ (٢) البيت لأبي كبير عامر بن الحُلْيس (٣) الهذلي. استشهد به أبو عليّ على أنَّ "طىّ (٤) المحمل" مصدر مشبه به، وانتصابه على فعل محذوف، دلّ عليه قوله: "ما إنْ يمس"، وفاعله (٥) لأنه لم يمس الأرض إلّا ما حكى من جانبيه، فسائره متجافٍ عن (٦) الأرض، لا (٧) تصل إليه؛ لخمص بطنه وطيه، كالمحمل في اجتماعه وصلابته وليِّه،

стр. 350

فكأنَّه قال (١): طوَى طَيَّ المحملِ، أيْ، "طَيًّا مِثْلَ طَىِّ المحمل"، فحذف المصدر الموصوف وصفته، وأقيم المضاف إليه مقام المضاف في الإعراب؛ لأنَّ المعنى مفهوم من دليل الخطاب، و"إنْ" (٢) بعد "ما" النافية زائدة أبدًا (٣)؛ لتأكيد النفي. ويقال: مَسِسْتُ أمَسُّ، وهي اللغة العالية، [وقد حُكى: مَسَسْتُ أمُسُّ] (٤). و"المنكب" معروف. [ويروى عوضه: "جانب"، رواه أبو عبيدة في كتاب "مقاتل الفرسان" وغره، والمنكب وإن كان معناه الجانب لأنه] (٥) سمي منكبًا؛ لنكوبه عن موضع نظيره من الجانب الآخر، فهو أخصّ بمقابلة حرف السَّاق، فدلّا معًا على الأعلى (٦) والأسفل، [وليس الجانب كذلك لعمومه] (٧)، وخصّ المحمل؛ لشدّته وصلابته وضموره ويقال: إنَّ أول (٨) من اتخذ المحامل الحَجَّاجُ، [ولذلك قال الشَّاعر:

стр. 351

أوَّلُ خَلق أحْدَثَ المحاملا … أخزاه ربي عاجلًا وآجلًا] (١) وقال أبو عبيدة في قوله: "طي المحمل": يعني محمل السيف، أيْ، حمالته. وهذا (٢) من قصيدة مشهورة ثبتت في غير (٣) موضع. يصف أبو كبير صاحبًا صحبه جلدًا شجاعًا حازمًا يقظًا. وزعم بعضهم (٤) أنه يعني تأبَّطَ شرًا، ولا يصحّ (٥) هذا، بل قد (٦) عُزيت القصيدة لتأبط شرًا (٧)، وأنه يقولها في صاحب صحبه من هذيل صغير السّن كان يصحب أمّه. وقبله (٨): وإذا يَهُبُّ من المنامِ رأيْتَهُ … كرُتُوبِ كعْب السَّاق ليس بِزُمَّلِ

стр. 352

وأنشد أبو عليّ (١): ٣٨ - ديارُ التي كادَتْ ونحن على مِنًى … تَحُلّ بنا لولا نجاءُ الرَّكائبِ (٢) البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري (٣). استشهد به أبو عليّ على أنَّ "الباء" معاقبةٌ للهمزة في التعدية، وأنَّ قوله: "تحل بنا" كقولنا (٤): "تحلنا"، أيْ، تجعلنا نَحل من إحرامنا، وتفسد علينا حجنا؛ لإفراط جمالها، والطمع في وصالها؛ لولا سرعة ركابِها بها (٥) عن (٦) إدراك منالها (٧)، ورواية الفارسي (٨) "تحِل بنا" بكسر الحاء، قال:

стр. 353

ومعناه تُحِلنا، أيْ، تجعلنا حلالًا غير محرمين بالحج، وأنكر "تَحُل" (١) بالضمّ، وقال: هو خلاف المعنى الذي قصده الشَّاعر. قال أبو الحجاج: وقد فسر في شعر قيس على الوجهين جميعًا على "تُحِل" (٢) وعلى "تَحُل"، ويؤيّد مذهب أبي عليّ قولُه: "ونحن على مِنًى"، وهذا يدلّ على عمل الحج، وإشفاقه من فساده، وسميت "منى"؛ بما (٣) يمنى فيها من الدّم [أيْ، يتاح ويقدر من إراقته فيها، ومنه قول الشَّاعر (٤): ما يَمنى لك الماني (٥). ويقال: حَلَّ من إحرامه يحِلُّ، وحكى أبو زيد: وأحَلَّ أيضًا، وأنكر هذه الأصمعيّ (٦). وحللت بالرجل، وأحللته: نزلت (٧) به، وأنزلته، [ورواية ابن (٨)

стр. 354

دريد: "تَحُل"؛ لأنه قال في تفسير البيت، أىْ، لولا نجاء إبلنا بنا، أقمنا، وليس هذا القول ببعيد من الصَّواب عندي؛ لأنه إذا أقام قبل فراغه في أيام الحجّ من شأنه فقد فسد بحلوله ذلك، ما كان من عمله هنالك، وكذلك قول ابن دريد: "لولا نجاء إبلنا بنا" ليس عندي الوجه، وإن كان غيره قد قاله أيضًا قبله، وما كان هو ليسرع راغبًا عن جنابها، لو أقبلت عليه وأمسكت (١) من ركابها، ألا ترى إلى قول أبي النجم (٢): قدْ عَقَرَتْ بالقومَ أُمُّ الخَزْرَج فالمعنى: أنهم لما رأوها حبسوا إبلهم على سؤالها، والنظر إليها؛ شغفًا بها وحرصًا عليها، حتّى ساءت بالإبل الحال، وعقرتها الرحال (٣)، إلّا أن يقال: إن اللّفظة عموم في الركائب، فقد تقطع بها الحال المعجلة هناك عن تشفي الحبائب] (٤). وحكى أبو علي في "التذكرة"، عن أبي الحسن، أنَّه قال: كان القياس في "ديار" (٥) ألا تعل (٦)، لا بتاع "دار"، قال أبو عليّ: كما أنَّ حكم الجمع ألا يتبع الواحد كما (٧) في "معيشة ومعايش"،

стр. 355

إلّا أنَّ الكسرة (١) توجب الإعلال في "الواو" إذا كانت عينًا، لاسيّما إذا وليها معنًى غيرها. قال أبو الحجاج: وقد قارنها في المعاني التي توجب الإعلال (٢) في نحو هذا سوى (٣) الكسرة، شبه سكون عَينِ "دار"، في كونها الآن "ألفًا" ساكنةً، وإنْ كانت في الأصل "واوًا" مفتوحةً، بسكون (٤) عين "ثوبٍ وحَوْضٍ" ونحوهما، فجرت لتشابهما في اللّفظ مجرى حَوْضٍ وحياض وثَوْبٍ وثياب وأعان على ذلك أيضًا (٥) الجمع، وقد يستثقل فيه ما لا يستثقل في المفرد. وهذا البيت من قصيدة طويلة لقيس، أوَّلها [وهو من أحسن الابتداءات (٦): أتَعْرفُ رَسْمًا كاطراد المذاهبِ … لِعَمْرَة وَحشًا غَيرَ مَوْقفِ راكبِ تبدَّت لنا كالشَّمْس تحت غَمَامَةٍ … بدا حَاجِبٌ منْها وظَنَّتْ بحاجِبِ ولم أرها إلَّا ثلاثًا (٧) على مِنًى .... وعهدي بها في الحيِّ (٨) ذات ذوائبِ فتلك التي كادت ونحن على منًى … . . . . . البيت
следующие страницы →