← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

"لكم" بعشرين ونحوها من الأعداد المعربة (١) المنونة، وقد كان الخفض الوجه (٢) لولا هذا الفصل، قال أبو عليّ في "تذكرته": ويكون (٣) "من الأرض" متعلقًا "بمحدودب" (٤)، يتناوله ويعمل فيه، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من "غارها"، والعامل فيه "محدودب". ويجوز أن يكون حالًا من "الهاء" (٥) في "دونه"، الذي هو خبر "كم"، ويكون متعلقًا بمحذوف. قال أبو الحجاج: وتقديره: معترض أو كائن دونه حاجزًا في الأرض، فالعامل في "حاجز" الذي هو حال الخبر، الذي هو كائن (٦)، ونحوه، مما يتعلق به الظرف الذي هو "دونه"، و"غارها": مرتفع "بمحْدودب" (٧) وأراد: "غائرها" فحذف "العين" حذْفًا كما حذفها مَنْ قال: "رجل شاك السلاح"، واجترؤوا على ذلك، لما اعتلت هذه "العين" بالقلب والبدل وسائر ذلك من التغيير، "فالألف" على هذا التأويل زائدة، ووزنه على هذا: "قال"، وقيل: إنَّها بدل من "واو" الأصل، وأنَّ الأصل "غور"، فأبدلت الواو ألفًا؛ لما تحركت وانفتح ما قبلها، وهذا كقولهم:

стр. 457

"رجل (١) مال، وكبش صاف"، ونحوهما (٢)، مما أصله فَعِلٌ لا فاعل. وقوله (٣): تؤم. أيْ (٤) تقصد، يعني ناقته، وسنان هو سنان بن أبي حارثة المري، ومعنى البيت منكشف جليّ (٥). وأنشد أبو عليّ أيضًا (٦): ٦٠ - عَلَى أنَّني بَعْدَ ما قَدْ مَضَى … ثلاثُونَ لِلهَجْرِ حولًا كَمِيلًا يُذَكِّرُنِيكِ حَنِينُ العَجُو … لِ وَنَوْحُ الحَمَامَةِ تَدْعُو هَدِيَلا (٧) هُما للعباس بن مرواس السُّلَميّ (٨)، كذا نُسبا في "الموعب"، عن صاحب "العين" (٩)، ولم يُنسبا في "كتاب" سيبويه.

стр. 458

واستشهدا (١) بهما على إجازة (٢) الفصل بين "ثلاثين"، وبين مميزها في الشّعر ضرورة وتشبيهًا لها بـ "كم". قال أبو عليّ الدِّينوريّ: وإنما (٣) حسن الفصل في "كم"؛ لأنهم (٤) جعلوا ذلك فيها عوضًا من التمكّن، وكأنَّه قام مقام التَّنوين. وكميل بمعنى: كامل، [قال صاحب العين: وهو ضرورة] (٥). قال أبو الحجاج: وقد حُكي في فِعله: "كَمَلَ وكمِلَ وكمُلَ"، فإن ثبت كُمَل (٦) فَكمِيلٌ غير ضرورة؛ لأنَّ الأغلب على اسم الفاعل من (٧) "فَعُلَ" فَعِيل. والعجول: الناقة التي قد ذبح ولدها، أو مات، أو وهب، [قاله الأصمعي، وأنشد للغساني (٨):

стр. 459

ما وَجْدُ ثَكْلَى ما وجدت ولا … وَجْدُ عَجُولٍ أَضلَّها رُبَعُ] (١) قال ابن (٢) دريد: والجمع: عُجُلٌ. وقال غيره: العجول: الناقة التي تُلْقي ولدها قبل أنْ يتم بشهر أو شهرين. [قال قاسم بن ثابت] (٣): وقيل لها ذلك؛ لأنها أعجلت (٤) عن ولدها. [وأنشد: أحِن إليك حنين العَجُولِ … إذا ما الحمامةُ تدعو هديلا قال أبو علي البغدادي: والعجول أيضًا التي تشت براكبها قبل أن يسويّ ثيابه] (٥). والحنين: الطرب ومد الصوت؛ اشتياقا إلى إلف أو ولد أو وطن، وأصله في الإبل، [وسيأتي الكلام فيه بعد أيضًا إن شاء اللَّه] (٦). ونوح الحمامة: تصويت تستقبل به صاحبتها؛ لأنَّ أصل النوح: التقابل. والهديل: الحمام الوحشي؛ كالقماري والدَّباسي، وبعضهم يجعله ذكر الحمام الوحشي، وقيل: الهديل: الفرخ عن صاحب العين (٧)، [والآمدي، وقال كذا تزعم الأعراب] (٨).

стр. 460

وقال (١) الجاحظ: يقال في الحمام الوحشي من القماري والفواخت، والدّباسي (٢) وما أشبه ذلك: هدل يهدل، ويقال: هدر الحمام يهدر، وقال أصحابنا: الجمل يهدر، ولا يكون باللام. [قال أبو الحجاج: وكذا قال أبو زيد في ذلك كلّه] (٣). قال الجاحظ: "والحمام يهدل (٤)، وربما كان بالرَّاء، وبعضهم يزعم أنَّ الهديل من أسماء الحمام الذكر، قال الرَّاعي (٥): كهُداهد كسر الرَّماة جناحه … يدعو بقارعة الطريق هديلًا وقال أبو حاتم: الهديل: الفرخ، وأنشد بيت الراعي المذكور (٦). قال الجاحظ (٧): والتغريد: التطريب ويكون للحمام والإنسان (٨)، وأصله في الطير". قال أبو الحجاج: وإنما اجتلبت (٩) الأقوال في تفسير الهديل؛ ليكون الإعراب فيه على حسب (١٠) ذلك، فمن زعم أنَّ الهديل: الفرخ،

стр. 461

أوْ ذكر الحمام، فقوله: "تدّعو (١) هديلًا" مفعول (٢) به لتدعو"؛ لأنَّ المعنى تناديه ليسعدها (٣) الذكر، أو يقبل عليها الفرخ، [إنْ كان المراد الجنس] (٤)، وإن كان المراد "الفرخ" الذي يزعم بعض الأعراب أنَّ جارحًا صاده في سفينة نوح، فهو أيضًا مفعول به، "وتدعو" في معنى: تبكي وترثي. وإن كان "الهديل": الصوت، فقوله: "هديلا" ينتصبا انتصاب المصادر، إمَّا على فِعل مُقدَّر من لفظه دلّ عليه "تدعو"، أيْ، تهدل (٥) هديلًا، وإمَّا "تدعو"؛ لأنَّ معناه كمعنى تهدل؛ ويجوز أن ينتصب "هديلًا" على الحال من الضمير في "تدعو" أيْ (٦)، تدعو صاحبتها فحذف؛ لأن المعنى في ذلك مفهوم، وإنما جلب البيتين معًا هو وسيبويه، للتضمين الذي فيهما (٧)؛ لأنَّ قوله: يُذكِرنيك حنين العجول جملة موضعها الرفع على خبر "أنَّ".

стр. 462

وأنشد أبو علي أيضًا (١): ٦١ - وَكَائِنْ بِالأباطِح مِنْ صَدِيقٍ … يَرَانِي لَوْ أُصْبِتُ هُوَ المُصَابَا (٢) البيت لجرير بن عطيّة بن الخَطَفَى التميميّ (٣). استشهد به أبو عليّ على عضد ما ذكره من أنَّ "كائنًا" (٤) يستعمل (٥) للتكثير، استعمال "كم"، وأنها أكثر ما تستعمل مع "من"، قال أبو سعيد السيرافي: "كأبِّن" أفصح (٦)، [وكائن أكثر في الشعر، ومعناها معنى "رب"، وحكى المبرِّد: كيِّء، وابن كيسان (٧): كائن، وبندار (٨): كئن] (٩).

стр. 463

وقال قطرب عن يونس: وزن "كائن" فاعل، من كان يكون، وكثر تفسيرها بـ "كم". قال أبو الحجاج: وهذا قول ضعيف (١) عندي من جهة الإعراب والاشتقاق، أمَّا من جهة الإعراب؛ فكان ينبغي أنْ يكون معربا لتمكنه. وأمَّا من جهة المعنى، فكائن بمعنى: واقع وحادث، فكيف يلائم في الاشتقاق ما يكون بمعنى "كم" في التردد والكثرة. وقد (٢) يمكن عندي أن يكون مشتقًا من قولهم: كَاءيكئُ كَيْئًا وَكَيْأةً، إذا رجع وارتدع، وأيضًا إذا هاب، فهو "كاءٍ" (٣) من هذا اللّفظ، كجاءٍ وبابه (٤)، ثم الزم الاستعمال بمعنى "كم"، من حيث كان الرجوع والارتداع، تَرَدُّدًا وانْضِمامًا، واجتماع بعض الشيء إلى بعضه، وهذا المعنى قريب من العدد والكثرة. وقال (٥) أبو عليّ: أصله "كَأيٍّ (٦) ثم قلبت الهمزة إلى آخر الكلمة، فصارت (٧) كيِّيء، ثم حذفت إحدى الياءين

стр. 464

كما فعل في "سَيّدٍ" و"مَيّت"، فبقى "كيء" بوزن: كَيْعٍ، ثم قلبت الياء ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها فقيل: "كآءٍ"، كما قالوا في طيء: طائِي، فقلبوا الياء السَّاكنة ألفًا؛ طلبًا للتخفيف. قال أبو الفتح (١): هذا مذهب أصحابنا، وفعل به ذلك، لتردده في الكلام وفيه لغات: [كاء بوزن: كَاع، وكَأْيٍ بوزن: كَعْين (٢)، وكَيْء بوزن: كيع. قال أبو الحجاج] (٣): وقد استوفى أبو علي الكلام عليها، وعلى مسألة كذا (٤)، "وكأنَّ"، في مسائله البغداديَّة (٥)؛ لأنها عنده مركَّبة من كاف التشبيه "وأيّ" كما أنَّ "كذا وكأن" مركّبتان أيضًا. وفي هذا البيت تشغيب (٦) كثير (٧)؛ لاختلاف رواياته، فيروى في الإيضاح (٨): "يراني" بالياء للغائب، الذي هو الصديق، و"تراني" يعني المخاطب. ورواه (٩) السيرافي: "تراه" و"يراه"، وهذه الرواية (١٠) أبين؛

стр. 465

لأنَّ "المصاب" اسم المفعول، ويروى: "لو أصبتُ"، و"لو أصيبَ"، وكذا وجدته بخط الشيخ (١) أبي تمام القطيني في "التذكرة"، فأمَّا إعرابه على رواية. تراه لو أصبت هو المصابا فظاهر، وكذلك معناه؛ لأنَّ "الهاء" المنصوبة في "تراه" مفعول بها أوَّل، و"المصاب" (٢) مفعول ثان، و"هو" فصل؛ أو تأكيد للمضمر (٣)؛ لأنَّ الأوَّل هنا (٤) هو الثَّاني في المعنى، أيْ، تراه الإنسان (٥) المصاب لو أصبت؛ لمحبته فيّ، وعظم مصابه بما (٦) طرأ عليّ، و"لو أصبت" اعترض بين المفعولين؛ للتشديد والتأكيد. وكذلك أيضًا الكلام (٧) في رواية من روى (٨): "يراه" بالياء، فيكون الضميران: المرفوع والمنصوب "للصديق"، أيْ، يرى هذا الصديق نفسه المصاب لو أصبت؛ لأنَّ هذا الفعل وما يشبهه (٩)، يتعدّى إلى هذا (١٠) الضمير المنصوب كتعديه إلى الظاهر، تقول:

стр. 466

رأيتني مسرورًا بكذا (١)، ووجدتني مشفقًا من كذا، كما تقول: رأيت نفسي مسرورة بكذا. ومن روى: "يراني لو أصبت"، فلابدّ من تقدير حذف مضاف، حتّى يكون الثَّاني الأوَّل. والتقدير (٢) "يرى مصابي هو المصاب لو أصبت"، فحذف المضاف وأقام (٣) المضاف إليه؛ الذي هو "ياء" المتكلِّم مقامه، إلَّا أنَّه عوض منها الضمير المنصوب الذي هو "ني"؛ لما ولى الفعل، فهو على هذا التأويل فصل أيضًا بين المفعولين. والمصاب (٤) المحذوف والباقي مصدران، وهذا كما تقول: "أنت أنت، ومصيبتي المصيبة" أيْ، ما عداها جلل وهين. ويجوز أن يكون "هو" وصفًا (٥) وتأكيدًا، للضمير المرفوع في "يراني"، فيكون رفعًا على هذا، ولا يكون فصلًا؛ لأنَّ "هو" للغائب (٦)، و"في" للمتكلم، [والفصل يكون الأوَّل في المعنى] (٧)، والمعنى على هذا التأويل، يراني هو المصاب، أي الإنسان (٨) المصاب، للصداقة وعظم مصيبتي لديه، وليس كالعدو (٩) والأجنبيّ الذي

стр. 467

لا يكرثه ذلك ولا يعزّ عليه. "فالمصاب" (١) على هذا نعت للإنسان (٢) الذي أقيم مقامه. وهذا كلام محمول على المعنى في الفائدة لا في اللّفظ ونظيره كثير، وهذا كلّه (٣) نص كلام أبي عليّ، وابن جني، أعنى في رواية: "يراني". قال أبو الحجاج (٤): ومن روى "ترأني لو أصيبَ"، وكذا ضبطه القطيني في بعض المواضع من "التذكرة"، كأنه تنبيه منه على هذه الرواية، فهو عندي رفع، لكونه وصفًا لضمير ما لم يُسمِّ فاعله الذي في "أُصِيبَ" (٥)، و"وني" و"المصاب" (٦) مفعولا "ترى"، أيْ، تراني أيّها المخاطب الرجل المصاب، لو أصيبَ ذلك الصديق الذي غاب (٧)، لعظم مصيبته عليّ، وكرم منزلته لديّ. وهذا (٨) المعنى مقلوب (٩) معنى الروايات الأخر، [وهذا له أمدح،

стр. 468

وبوفائه أفصح] (١). وكلا المعنيين حسن لازم للصديقين كما قلت (٢). أبْكِي وتَبْكِي رَحْمةً وَصَبابةً … فَالكُلُّ مَشْغُوفٌ شَدِيدُ بُكَاءِ لا خَيْرَ في الأحْبَاب ما لم يَقْسِمُوا … حُلْوَ الحياة (٣) ومُرَّها بِسواءِ وهذا المعنى الأخير كما قال بعضهم: أنْشدهما أبو إسحاق (٤) الحُصْري. مُزِجَتْ نَفْسُكَ مِنْ نَفْسِي كَمَا … تُمْزَجُ القَهْوَةُ بِالماء الزُّلالْ فَإذَا نَالَكَ شَيءْ نَالَنِي … فَكَأنِّي أنْتَ في كُلِّ الخِلَالْ ومن رَوَى: "يراني لو أُصِيبَ"، فوجهه عندي أنْ يكون "هو" أيضًا وصفًا للمضمر (٥) المرفوع في "يراني" [إنْ آثرت تأكيد الأوَّل، أو لضمير "أصيب"] (٦) إنْ آثرت تأكيد الأقرب، وهو أحسن، والمعنى إنه لو أصيب لرآني الرجل المصاب معه، لما يعلم من وفائي بالارتياض (٧) للأخلاء، ومشاركتي لهم في السَّراء والضَّراء.

стр. 469

وبعده (١): وَمَسْرُورٍ بأوبتنا إِلَيْهِ … وآخَرَ لا يُحِبُّ لَنَا (٢) إيَابَا يريد عندي لا يحب (٣) الإياب إليه، لثقله عليه، وهي أبيات كثيرة يمدح فيها جرير (٤) الحجاج بن يوسف، وأوَّلها (٥): كِرهْتُ علَى المُوَاصَلَةِ العِتَابَا … وَأَمْسَى الشَّيْبُ قدْ نَدَبَ الشَّبَابا جَرَتْ هَوجُ الرِّياح مُبَشِّراتٍ … إلى بينٍ تَجرُيه السَّحَابا لقدْ أقْرَرتِ غَيْبتَنَا لِوَاشٍ … وكُنَّا لا نُقِرّ لَكِ اغْتِيابا ولا يَمْشِى اللّئامُ لَهَا بِسرٍّ (٦) … ولَا تُهدِي لِجيْرتِهَا السِّبابا [وكائن بالأباطح. . . . . . … . . . . . . . . البيت] (٧)

стр. 470

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ٦٢ - يا لَلْكهُول ولِلشُّبَانِ لِلْعَجَبِ (٢) هذا عجز بيت من أبيات (٣) الكتاب. استشهد به أبو عليّ على ردّ "لام" الجرّ، في المعطوف إلى الكسر، الذي صار عرفها مع الاسم المظهر؛ لما أمن اللّبس، إذْ المعطوف عليه قد أبانت لامه المفتوحة أنه المنادى المستغاث به، وإنما فتحت "لام" المستغاث به، وتركت "لام" المستغاث من أجله، للفرق بينهما (٤)، وكانت "لام" المنادي المستغاث به أولى بالفتح، لأنه الواقع موقع الاسم (٥) المضمر،

стр. 471

كما قال الكنديّ (١): فَيَالَكَ مِنْ ليْلٍ كأن نجومَهُ والمضمر تفتح معه لام الجر، على أصلها الذي ينبغي لها، وكلّ (٢) حرف يكون على حرف واحد، طَلَبًا للخفة، نحو "واو" العطف، وفائه وسين الاستقبال، ولكنها كسرت مع المظهر، لرفع اللّبس بينها (٣) وبين لام الابتداء، والتأكيد في نحو قولك: إنّ هذا لزيد، وإنّ هذا لزيد إذا وقفت (٤)، فلولا كسر "اللام" في أحد المظهرين، وفتحها في الآخر، لم يفهم، وليس نقد (٥) ابن النحاس لهذا التوجيه بشيء؛ لأنَّ هذا البيان (٦) محتاج إليه في موضعه، كالاحتياج إلى الإعراب في موضعه، فينبغي أنْ يراعى حكمه، ويرفع اللّبس فيه. وكذلك تقول: إنَّ الغُلامَ لَهذا [وإنّ الغلام لِهذا] (٧)، وكذلك المقصور كلّه؛ فلولا الفتح والكسر، لوقع اللّبس، فقد جرى المبهم في هذا مجرى المظهر.

стр. 472

فإنْ قيل: فهلّا كسرت "لام" الابتداء (١) والتأكيد، وفتحت "لام" الجرّ، فالجواب: إنَّ لام الجرّ (٢) إنما خصت بالكسر دون تلك (٣)؛ لأنها حرف لازم للأسماء، جار لها لفظًا أو تقديرًا، فوجب أنْ تكون هي أحقّ بالكسر، لتكون حركة بنائها مشبهة للجر الذي هو حركة عملها، أوْ لأنَّ "الجرّ" خاص للأسماء، وهي حرف مختصّ بعمله، فلزم كسرها دون لام التّأكيد الذي لا يعمل شيئًا، ولا يختصّ بالأسماء دون الأفعال، ولما شركت "الباء" اللام في الحرفيَّة، ولزوم (٤) الجرّ، بنيت على الكسر أيضًا. وذهب ابن (٥) جني إلى أنّ "لام" الابتداء، لما كان أصلها الفتح أوّلًا، وكان (٦) الابتداء أوّل أحوال الاسم، ترك الفتح الذي هو لها أوّلًا، مع الابتداء الذي هو أوّل، وجعل الكسر الذي هو تبع، لكونه غير أوَّلٍ، مع الجر الذي هو تبع، قال (٧): "ولا يلزمنا الاعتراض "بكاف" التشبيه أن تكون مكسورة أيضًا كالباء؛ لأنها فارقتها باضطرابها في كونها مرّة حرفًا،

стр. 473

ومرةً اسمًا، "والباء واللّام" (١) لا تكونان إلَّا حرفين، وكذلك لا يلزمنا الاعتراض "بلام" التعريف، وإن كانت (٢) حرفًا لازمًا للأسماء؛ لأنَّها لا تعمل فيها جرًا. وقد كنّا اشترطنا في التقييد أوَّلًا بأنَّ "لام" الملك حرف (٣) لازم جار (٤). فلا كسر علينا إذنْ بشيء من هذا. وقد قيل: إنما كسرت "لام" المستغاث به على أصلها من الفتح، فإنْ قيل: فهلا خافوا مع المضمر ما خافوه في المظهر من اللّبس. قيل: لم يخافوا في المضمر لبسًا؛ لأنَّ للمضمر (٥) في أغلب أحواله صيغًا مختلفة، تفرق بين مرفوعه ومنصوبه مخفوضه (٦)، ألا ترى أنَّك تقول (٧) إنَّ الغلام لأذت، وإنَّ الغلام لك، فيتبيّن الفرف بين المعنيين، باختلاف لفظ المضمرين (٨)، مع الفرق (٩) بين اتفاق فتح اللامين، ولا ينكسر هذا فيه، إلَّا في القليل مع قلّة (١٠) استعماله، وما يقترن (١١) به مما يبيِّنه، وليس المظهر كذلك،

стр. 474

وقد حُكى مع ذلك فتح اللّام مع المظهر في مواضع، وهو شاذ لا يعتمد عليه. وقد ذكر (١) أبو الفتح منها أشياء في حرف "اللام"، من كتاب "سر الصناعة"، فمن أحبّ معرفتها نظر إليها هناك. وصدر هذا العجز: يَبْكيكَ نَاءٍ بَعيدُ الدَّارِ مَغْتَربٌ يقال (٢): بكيته، وبكيت عليه، بكاءً وبكًى (٣)، بالمد والقصر، وزعم الخليل (٤)، أنَّ البكاء ممدود (٥) يكون معه صوت. وناء: بعيد، [وكرره تأكيدًا، وجاز العطف فيهما؛ لاختلاف لفظيهما] (٦) وقد يعني (٧) بناء: نأي القرابة، [فيحسن العطف فيه على هذا، لاختلافهما لفظًا ومعنى] (٨). قال أبو الحسن (٩) بن سيده: يقول: إذا مت في دار غربة، بكاك الغريب الذي هو مثلك في الاغتراب، فإذا ورد نعيك على أهلك، وبني عمّك، سروا بموتك، يتعجّب من هذا، ويستغيث بالكهول والشبان،

стр. 475

لهذا الأمر (١) العظيم، وتبعه على (٢) هذا التأويل، شيخنا أبو بكر خازم بن (٣) محمَّد بن خازم القرطبي، وذهب أبو الحجاج الأعلم الشنتمريّ (٤)، إلى أنه إنما تعجب ودعا للعجب (٥) من موته، وبكاء الغريب عليه، ولم يذكر أهله، ولا سرورهم بموته، ولا دليل عليه في البيت، وإنما قال (٦): غره -يعني ابن سيده- قول الآخر: يَبْكِي الغَريبُ عَلَيْه لَيْسَ يَعْرِفُه … وَذَو قَرابتِه في الحيِّ مَسْرورُ (٧) وكلا (٨) المعنيين عندي (٩) محتمل، وإنما كان ينكشف أحد المعنيين، لو اقترن بالبيت غيره، وكأن ابن سيّده اعتمد في الشّاعر (١٠)،

стр. 476

أنه من الخُلَعَاء، أو من (١) عليه وتر للقرباء (٢)، وهذا الشَّأن في العرب كثير، ولذلك قال الشاعر (٣): وذو قرابته في الحيّ مسرور وأنشد أبو عليّ أيضًا (٤): ٦٣ - ورد جازرهم حرفا مصرمة … ولا كريم من الولدان مصبوح (٥) هذا البيت لرجل جاهلي من النبيت (٦) واسمه (٧)؛ عمرو بن مالك بن الأوس [بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر] (٨)، وله ولحاتم الطائي،

стр. 477

والنابغة الذبياني، خبر طريف في اجتماعهم عند ماوية بنت عفزر خاطبين لها، فغلبت حاتمًا وتزوجته، [وقد أثبت الخبر في قصيدة النابغة التي أوَّلها: بانت سعاد وأمسى حبلها انجدما] (١) [ونسب البيت لأبي ذؤيب وهو وهم] (٢). واستشهد (٣) به أبو عليّ على أنه يجوز في قوله: "مصبوح" أن (٤) يجعل صفة لكريم، ويضمر الخبر (٥). وعلى أنه يجوز أن يجعل الخبر، وهذا الوجه اختيار (٦) الجرمي، واستدلّ بهذا المرفوع على أن الموضع موضع رفع. والجازر هنا للجنس؛ لأنَّ الحي لا يكتفون بجازر واحد. وأصل الجزر: القطع. والحرف: الناقة المُسِنة البازل، كذا فسرها أبو عمرو (٧). ومال أبو زيد: الحرف: النجيبة التي أنضتها الأسفار، وأنكر قول من يقول: إنها

стр. 478

المهزولة. وقال صاحب العين (١): هي الصلبة، شبهت بحرف الجبل. [وتبعه ابن الأنباري، ثم قال: وقيل: شبهت بحرف السيف في مضائها. قال أبو الحجاج: وقول صاحب العين أولى، لقولهم (٢) أيضًا: إن الوجناء شبهت بذلك تشبيهًا بوجين الأرض في صلابتها، على أحد التفسيرين. وهذا التفسير كلّه يدلّ على أنّ الحرف أثيرة لديهم، شديد انحرافها عن حال السمن عليهم؛ ولذلك خصَّها هذا الشَّاعر بالذكر] (٣). والمصرمة: التي ينهزها (٤) ولدها، وهو ابن مخاض حتّى تيبس أطباؤها (٥). وربما (٦) صرمت كلّها، أو بقى (٧) طي أو طبيان، قاله أبو عليّ القالي (٨). والكريم: الشريف الحسب. والمصبوح: الذي يسقي اللبن صباحًا.

стр. 479

وصف (١) هذا النبيتي (٢) سنة شديدة الجدب، قد أذهبت [الارتفاق بألبان النوق، واللّقاح النجب] (٣)، حتّى حرم سقي شربة من الألبان، كلّ شريف من الولدان. وأوَّل القصيدة (٤): هَلَّا سَألت النَّبيتيِّين ما حسبي … عِنْدَ الشِّتاءِ إذا ما هبَّتْ الرِّيحُ وردَّ جازرُهم [حَرْفًا مُصرَّمَةً … في الرَّأسِ مِنْها وفي الأصْلَاءِ تمليحُ وقال رائدهم سيان ما ولدوا … مِثْلانِ مِثْلٌ لهم يرعى وتسريحُ إذا اللّقَاحُ غَدَتْ مُلَقى أَصْرَّتها … ولا كَريمَ مِن الولدان مَصْبُوحُ هكذا الرواية هنا، وتقسم بيت "الإيضاح" كما ترى، وكما في "الإيضاح"، ثبت في "كتاب سيبويه (٥)، ثم في "الفرخ" لأبي عمر (٦)، ومن هناك نقلاه، ولا ينكر اختلاف الروايات، في كثير من أشعارهم. ويروى: هلَّا سألت هداكِ اللَّه

стр. 480

وروى أبو عمرو: "وردَّ راعيهم". الأصلاء: جمع صلا؛ وهو ما حول الذنب هنا، وهكذا رواه أبو حنيفة في "النبات" (١)، وأبو الفرج في "الأغاني" (٢)، وروى قاسم بن ثابت في "الدلايل" (٣)، "وفي الانقاء"، وقال: واحدها نقى؛ وهو كلّ عظم فيه مخ، أو شيء من سمن، وروى ابن الأعرابي: "وفي الرجلين"، وقال: أراد بالرأس: العين، وبالرجلين: السُّلامَى كما قال (٤): مَا دَامَ مُخَّ في سُلامى أو عينْ قال: وأوَّل ما يبدأ السمن في اللسان. والكرش، وآخر ما يبقى في السُّلامى والعين. والسلامي: عظام صغار. وفي كلّ رجل أو يد منها أربع سُلاميات أو ثلاث. والتمليح: شيء من ملح أي شحم، وقال بعضهم: إنما سُمي الشحم بالملح تشبيهًا له به. والأصِرَّةُ: جمع صِرَار؛ وهو ما يُشَدّ به الطِّبيُ؛ لئلا يرضعه الفصيل. وإنما ألقوها لما لم يكن ثم دَرّ] (٥).

стр. 481

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ٦٤ - وَلا أبَ وابْنا مِثْلَ مروانَ وابنِه … إذا هُوَ بِالمجْد ارْتدَى وَتَأزْرا (٢) هذا البيت لرجل من عبد مناة بن كنانة فيما (٣) زعم أبو عَبيد البكري، ولم ينسب في كتاب سيبويه (٤). استشهد به أبو عليّ على أنه عطف "وابنا" (٥) على لفظ "لا أبَ"، ولو رفعه وعطفه على الموضع لجاز. قال أبو عليّ (٦) في "التذكرة": وقوله: "مثل مروان" يحتمل أمرين:

стр. 482

الصفة والحبر، فإن كان صفة احتمل أمرين: أن تنصبه على اللّفظ، وإن حملته على الموضع -هنا يعني- فرفعته، كان أقبح منه في غير هذا الموضع (١)؛ لأنَّك عطفت بالنصب. فإذا رفعت بعد ذلك (٢) قَبُح؛ لأنَّك قد (٣) حكمت برفعه، بعدما حكمت بنصبه. فهذا أقبح من أن تحمل الأسماء المبهمة على المعنى، ثم ترجع إلى اللّفظ؛ لأنَّ الاسم كما تعلم منه الإفراد، فقد يُعلم منه الجمع، ولا تعلم من الرَّفع النصب، ولا من النصب الرفع؛ فلهذا استجيز حمل الصفة هنا على اللّفظ، يعني مع كون أحد الموصوفين مبنيًا، وكون الآخر معربًا؛ لأن هذا المبني (٤) أصله الإعراب. قال أبو عليّ: لا تنصب نصبًا صحيحًا، وإنما بُنيت من حيث جُعلت بعد ما عملت فيه بمنزلة شيء واحد، ويدلّ على ذلك أنه قد عطف عليه المنصوب في قوله: "لا أبَ وابنا"، فلولا أنها عملت نصبًا، ما عطف عليه (٥) بالنصب الصَّحيح؛ لأنَّ المعطوف يدخل في إعراب المعطوف عليه ويشركه، إلَّا أن حركة البناء، وافت حركة الإعراب، فبني الاسم على الحركة التي

стр. 483

كانت تكون للإعراب، كما بُني قولهم (١): "يا ابن أمَّ"، على الحركة التي كانت تكون للإعراب، قبل الحال المفضية بالاسمين إلى النباء. قال: "ومثل" صفة لهما جميعًا لا (٢) لأحدهما، ألا ترى أنه قد أضيف إلى "مروان"، وعطف "وابن" (٣) عليه، فكأنه قال (٤): "مثلهما"، لأنَّ العطف "بالواو" نظير التثنية، فكما أنَّ "مثلهم" في قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٥) خبر عن جميع الأسماء، حيث كان مضافًا إلى ضمير الجمع، كذلك يكون "مثل" هنا وصفًا للاسمين جميعًا، المعطوف والمعطوف عليه، ففي "مثل" ذكر هنا ليس على حد: لا رجل وغلامًا عاقلين، ولكن على حد لا رجلين عاقلين، ولكن على ذلك، وتضمر الخبر إذا جعلت "مثلا" صفة، فإنْ جعلت "مثلا" (٦) الخبر، رفعته لا غير، ولم تضمر شيئًا. ومثله: ولا كريم من الولدان مصبوح

стр. 484

وقد يستقيم أن تجعله هنا، يعني قوله: "مصبوح"، وصفا على الموضع، وتضمر الخبر، ولا يقبحُ من حيث قبح في البيت الآخر (١)؛ وهو: "لا أبَ وابنا" قال (٢): "والعامل في "إذا" معنى المماثلة، جعلته خبرًا أو وصفًا، وإن شئت جعلت العامل في "إذا" الخبر إذا أضمرت". قال أبو الحجاج: ولو أمكنه الوزن لقال: إذا هما بالمجد ارتديا وتأزرا لكنه (٣) اكتفى بالخبر عن الواحد منهما؛ اختصارًا لفهم المعنى. ونحو من هذا الاكتفاء، بالواحد عن الاثنين، قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٤)، فاكتفى بإعادة الضمير إلى التجارة، عن إعادة الضمير إلى اللّهو؛ لأنَّ المعنى مفهوم. ومثل هذا كثير. ويروى: إذا ما ارتدى (٥) بالمجد ثم تأزرا وكذا رواه ابن الأنباري (٦)، ورواية "الكتاب" (٧) أجود؛ لأنَّ الايتزار

стр. 485

قبل الارتداء، ففي الكلام تقديم وتأخير، تحتمله "الواو"؛ لعدم الرتبة فيها، ولا تحتمله (١) "ثم"، للرتبة التي وضعت لها. وضرب هذا (٢) الشَّاعر التأزر والاتداء، مثلًا لما أحرزاه من كمال وعلاء؛ لأنَّ الارتداء، لا يحسن إلا بمن بلغ من شرف الملبس الانتهاء، كما أنَّ شد الإزار من الأوصاف، المقتضية للحزم (٣) أو العفاف، [أوّلهما معًا، وجامعهما أعلى من الشرف موضعًا] (٤). وأنشد أبو علي أيضًا (٥): ٦٥ - هذا لعَمرُكمُ الصّغارُ بعَيْنِه … لا أمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أبُ (٦) هذا (٧) البيت نُسب في الكتاب لرجل من مَذْحج.

стр. 486

وذكر الرياشي أنه لهمام بن مرة أخي جساس قاتل كليب. ونسبه أبو علي الحاتمي (٢) لابن أحمر الكناني، ولرجل من بني عبد مناة بن كنانة أيضًا، [نسبه ابن الأعرابي، وقد قيل: إنه من الشعر القديم جدًا] (٣). استشهد به أبو علي، على مثل ما استشهد به سيبويه، من حمل المعطوف الذي هو "ولا أبُ"، على موضع "لا أم"؛ لأنَّ الموضع مرفوع. وقبل البيت [على ما أنشده أبو علي في "الذيل"، وغيره] (٤): يا ضمرَ أخبرني ولَستَ بكاذبٍ … وأخوكَ نافِعُكَ الذي لا يكذبُ هل في القضية أنْ إذا استغنيتمُ … وأمنتمُ فأنا البعيدُ الأجنبُ وإذا الشدائدُ بالشدائدِ مرَةً … أشجتكمُ فأنا الحبيب الأقربُ ولما لكم أنفُ البلادِ ورَعْيُها … ولنا الثّمادُ ورعيُهنَ المجدِبُ عجبا لتلك قضية وإقامتي … فيكم على تلك القضية أعجبُ

стр. 487

[هذا عن أبي عبيدة] (١) وإذا تكونُ كريهةٌ أدْعى لها … وإذا يحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُندَبُ ذاكم (٢) وجدكم الصغار. . . … . . . . . . . . البيت [قوله: "يا ضمرَ"، أراد: يا ضمرةُ، فرخم. ويروى "فلستُ بصادقي"، وكلتا الروايتين في الذيل] (٣). ويروى: أمن السويّة أنْ (٤) إذا أخصبُمُ [وكذا روى الرياشي] (٥). والمالُ هنا (٦): الإبل. والحيسُ: تمر يُخُلطُ بسمن وأقطٍ ثم يدلك حتّى يختلط. والأنفُ: ما لم يرعَ من النبت (٧). والرعي: المرعى. والثماد: جمع ثمد؛ وهو القليلُ. وقوله: "لا أمَّ لي". أيْ؛ أنا لقيط لا يُعرف أبي ولا أمي، إن صبرت بعد لما يرام من صغاري وظلمي.

стр. 488

وقوله: "إنْ كان ذاك" أيْ (١)، رضاء ذاك، أو احتمال (٢) ذاك، لابدّ من تقدير نحو (٣) هذا المضاف؛ ليصح المعنى؛ لأنه إنما اشترط أنه لا يرضى بذاك (٤) الخسف الذي يرام منه، واعترض بهذا الشرط بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو كثير، [وحذف جواب الشرط؛ لدلالة الجمل عليه، وإغنائها عنه، وهذا كثير أيضًا] (٥). وقوله: "بعينه" في موضع نصب على الحال. أي الصغار حقًا.

стр. 489

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ٦٦ - أبا لموتِ الذي لابدَ أنّي … مُلاقٍ لا أباك تُخوّفيني (٢) هذا (٣) البيت لأبي حية النميري، [فيما زعم أبو عبيدة] (٤). استشهد (٥) به أبو عليّ على حذف لام الإضافة، ضرورة من قوله (٦): "لا أباكِ"، يريد: لا أبا لك، وأنها وإنْ حذفت من اللّفظ، فهي في حكم المثبت فيه؛ ولذلك دخلت لا عليه. قال أبو عليّ في "التذكرة": جاز أن تعمل "لا" في "لا أبا لك" وهو معرفة؛ لأنه مضاف إلى معرفة؛ لأنَّ المتكلّم بهذا ليس قصده نفي

стр. 490

الأب إنما قصده الذّم، فهو موقع على جهة المثل، والتنوين مقدر، كأنه: "لا أبا" لك. كما أنه مقدّر في: "هذا ضاربُ زيدٍ غدًا". فهو إذًا نكرة مثله، وهذا أحق بالتنكير؛ لدخول اللّام الموجبة لثبات التنوين، ويجوز أن يكون "أبًا" غير مضاف، ولكنه ردّ فيه لام الفعل (١)، كما ردّ في قوله (٢): كأنَّك فينا يا أباةِ غريبُ وقول الآخر (٣): ولكن على أعقابِنا تقْطُر الدَّما "فلك" على هذا صفة "لأبا"، ولا اعتراض بقولهم: "لا أخالكَ"؛ لأنا قد قلنا إنه مَثَل من الأمثال (٤)، يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها. وهو أيضًا موضع تغيير كالنداء. وقولهم: "لا غلامي لكَ"، قياس من النحويين، على "لا أبالك"؛ لأنهم اعتقدوا فيه أنه مضاف.

стр. 491

وفي الكتاب (١): "لا أبا فأعلم لك (٢) "، وفي هذا دليل على أنه ليس بمضاف. وقال أبو العباس في "الكامل" (٣): "في قولهم: "لا أبالك": هذه كلمة فيها جفاء، والعرب تستعملها عند الحث على أخذ الحقّ والإغراء، وربما استعملتها (٤) الجفاة من الأعراب (٥) عند المسألة، فيقول القائل للأمير والخليفة: انظر في أمر رعيتك لا أبالكَ، ثم حكى تأويل سليمان بن عبد الملك في قول الأعرابي (٦): أنزلْ عليْنَا الغيثَ لا أبالكا وفي "الموعب" (٧) لابن التياني: وزعم بعضهم أنّ قولَهم: "لا أبالك" مدح، و"لا أم لك" ذم. وقيل: يكونان جميعًا في المدح والذّم.

стр. 492

وقال مؤرج: "لا أُمَّ لك" ذم، أيْ؛ أنت لقيط لا تعرف أمك، و"لا أبالك" مدح، أي لا (١) مكافئ لك ولا مجرى. قال أبو الحجاج: وقوله: "تخوفيني"، كان الوجه (٢) أن يقول: "تخوفينني"، ولكنه حذف إحدى النّونين اضطرارًا، كذا قال أبو الحسن (٣) الأخفش علي بن سليمان. قال (٤): وقال قوم: حذف النّون الأولى التي هي علامة الرّفع. قال هو وأبو الفتح (٥): وحذفها لا يجوز؛ لأنَّ دليل الإعراب لا يحذف. وكان أبو (٦) العباس المبرد، يرى فيما كان مثل هذا، حذف النون الثانية؛ لأنَّها إنما زيدت مع الياء في الواحد؛ ليسلم قبلها حرف الإعراب، يعني في نحو "يضربني"؛ إذْ (٧) كانت الياء تكسره.

стр. 493

وهكذا كان يقول، في قول (١) عمرو بن معديكرب: ترَاهُ كالثّغام يُعلُّ مسكا … يَسُوءُ الفاليات إذا فليْني قال (٢) أبو الفتح: تركت في الجمع، على حد ما كانت عليه في الواحد، يعني في "فليني"، أنّ "النّون" من (٣) فلينني الثّانية (٤) حذفت، وإنْ كانت "النون" الأولى اسمًا؛ لأنَّها ضمير جماعة المؤنث، والكسرة في الأسماء لا تكره، كما كرهت في الفعل، لكنها حذفت معه، كما حذفت مع المفرد الذي هو "تخوفيني" ونحوه. قال: وإذا اضطر في الجمع، حرك "النون" التي هي علمُ الرفع (٥) بالكسر، يعني في مثل: "يرهبون"، ولم تمتنع من ذلك؛ لأنها ليست حرف الإعراب، فيكره (٦) الكسر فيها قال: وحذف الأولى في "فليني" أبعد من الجواز؛ لأنها علامة الأسماء المضمرة، وقرأ بعضهم (٧) ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ (٨)

стр. 494

فحذف الأولى التي هي علمُ الرفع، كما تقول: "هو يمكّني" (١) فتحذف الضمّة للتَّخفيف، ولا يجوز أن تكون هنا المحذوفة (٢) الثانية: لأنَّها من الأسماء المضمرة، فلا يمكن حذفها (٣). قال أبو الحجاج: و"الباء" في قوله: "أبا لموت"، في موضع نصب على المفعول الثَّاني "لتخوفيني"، ويجوز أن تكون زائدة للتَّأكيد، والتَّقدير: أتخوفينني بالموت (٤) أيْ، لتعرضي (٥) الأسباب الجالبة له، ففصل بالظرف وما اتصل به، بين (٦) حرف الاستفهام والفعل. وحذف مفعول "ملاق" العائد (٧) على "الموت"؛ للدّلالة عليه من معقود الكلام، والتقدير فيه. ملاقيه، أو ملاق إيّاه، ومثل شاهد "الإيضاح" قول الآخر (٨): وقدْ ماتَ شماخ ومات مُزرِّدٌ … وأيُّ كريم لا أباكَ يُخلّدُ

стр. 495

وأنشد أبو علي أيضًا (١): ٦٧ - رُبَّ رِفْدٍ هَرَقْتَه ذلكَ اليومِ … وأسْرى منْ مَعشرٍ أقْتالِ (٢) البيت للأعشى ميمون بن قيس (٣). استشهد به أبو علي على خفض "رُبَّ" "لرفد" (٤)، وكون "هرقته" في موضع الصفة "لرفد"، أيْ، رُبَّ رفد مَهراق، وأنَّ "مِن" يتعلّق بمحذوف، ولا تكون من صلة "أسْرى"؛ لأنَّ "أسرى" مطوف على معمول "رُبَّ" الذي هو "رفد"، فيلزم من وصف المعطوف، ما يلزم (٥) من وصف المعطوف عليه. قال أبو عليّ (٦) في "تذكرته": قد كنا رأينا في قول الأعشى: وأسْرى من معشرٍ أقتال أنّ "من" يتعلّق بمحذوف، ليكون صفة "لأسرى"؛ لأنّك إنْ علقته
следующие страницы →