← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

استشهد به أبو علي (١)؛ مؤكدًا ما تقدّم من تنكير المضاف، وتعريف المضاف إليه، ليكتسي (٢)، الأوَّل منه التعريف، ولذلك يضاف، وهما من شواهد (٣) الكتاب، والبيت مضمن في (٤) قصيدة طويلة، وبعده: يُدْني خوافق مِنْ خوافق تلتقي … في ظل مُعتركٍ العجاج مُثارِ وَلَقَدْ وطئت يزيدُ كُلَّ مَدِينةٍ … بَيْنَ الدُرُوبِ وبَيْنَ بَحرْ وَبَارِ شُعْثَا مُسَوَّمَةً عَلَى أكْتَافِها … أُسْدُ هواصر بالكماةِ ضواري وفي الإزار: قولان، أحدُهما: أن يكون ذكره لتناوله إزاره بالعقد، كناية عن (٥) تهممه بشد، ما يحتوي عليه من كساء المجد، وقيل: بل الإزار هنا على أصله، أي لم يزل (٦) مذ بلغ من السن والقدر (٧)، إلى إحكام عقد الإزار، أمير كتايب، ومُعْمِل عوامل وقَواضب. وهذا القول هو الصحيح المعروف عندهم، ومما يبيّن ذلك، ما ذكروا أنه وقع بين غلمان سليمان بن عبد الملك، وبين غلمان عمر بن عبد العزيز كلام في سفر، فعاتب سليمان عمرَ على ذلك. فقال عمر: واللَّه ما علمتُ. فقال له سليمان (٨): كذبتَ.

стр. 702

فقال له عمر: ما كذبت وما تعمدتُ كذبًا مذ شددت مئزري على نفسي، وأنف عمر، فاسترضاه سليمان بعد. وفي قصة أبي مسلم (١)، والإمام إبراهيم بن محمَّد بن عليّ (٢)، المقتول في سجن مروان بن محمَّد (٣)، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار، فاقمته فأقتله. وعلى هذا يكون خمسة الأشبار منتصبًا بأدرك (٤) أي؛ بلغ قدر خمسة الأشبار، المعلومة لمنتهى حدّ الصغار، كما قال أبو النجم، يصف مجريًا (٥) أجرى له فرسه يوم رهان: فوق الخماسيّ قليلًا يفْضُلهْ … أدْرك عَقْلًا والرّهَانُ عَمَلُهْ يعني: أنه عانى (٦) الرهان من صغره. وفي "العين" (٧): الخماسيّ: الوصيف. ولا يقال له: سداسيّ، ولا سباعيّ ولا عُشَارِيَ كما يقال لغير ذلك.

стр. 703

وقال ابن دريد (١): "غلام خماسِيَ حين أيفع، وثوب خماسيَ فيه خمسة أذرع". وقد يكون منتصبًا نصب الظرف (٢) بقوله: فسما، أي فَعَلا قدره (٣) مقدار خمسة الأشبار، [فأدرك، أي؛ دخل في وقت الإدراك، وهو بلوغ الحلم، فأعمل الأوَّل على هذا التأويل، وقيل: المعنى حدّ لبس الثوب ذي خمسة الأشبار] (٤)، ففيه على هذا التأويل ثلاث محذوفات للإختصار، لأنَّ المعنى مفهوم، وخمسة الأشبار على هذا مفعول به "لأدرك" أي؛ بلغ لبس هذا القدر. وقيل يعني بخمسة الأشبار: السيف؛ لأنه الأغلب في السيوف الموصوفة بالكمال. والمذهب الأوَّل أمدح (٥)؛ لإحرازه المجد قبل منتهى حد (٦) الرجال. وقيل: بل خمسة (٧) الأشبار عبارة عن خلال المجد، على أحسن مذاهب أهل الجد، وهي: العقل والعفة والعدل والشجاعة والشعر. وقيل: بل الوفاء [بعنوان مكان الشعر] (٨). قال أبو إسحاق (٩) الحصري،

стр. 704

عن أبي جعفر قدامه بن جعفر (١): فضائل الرجل الكامل على الحقيقة أربع (٢)، فذكر ما تقدم وأسقط الشعر، وقال: لأنه بالعدل؛ لا ينحرف عن وجوه الفضل، وبالعفة؛ يمتنع من الشهوة، وعلى هذين الوجهين فسّر قول زهير (٣): أَخي ثقَة لا تتلِفُ الخمر ماله … ولكنه قد يَهلك المالَ نائلُه وقوله (٤): أخي ثقة، يصفه بالوفاء أيضًا. وعلى الوجهين الباقيين فسر قوله (٥): وَمَنْ مِثل حُصْنٍ في الحرُوبِ وَمثْلُه … لإنكارِ ضَيْمٍ أوْ لأمر يُحاوِلُهْ قال أبو الحجاج بن يسعون (٦): قسم خلال المجد، على مذهبه على هذين البيتين، من شعر زهير، وَحدَّ ذلك أبو تمام (٧) بثلاث (٨) حيث قال:

стр. 705

هل المجدُ إلَّا البأسُ والجُودُ والشِّعرُ وعلى هذين القولين، لا يكون خمسة الأشبار إلَّا مفعولًا به (١) لأدك أي بلغ واختار (٢) أعمال ذي الخمسة الأشبار، على مذهب (٣) عن جعلها عبارة عن السيف، ولابدّ من حذف "ذي"؛ لأنَّ السيف ليس بعدد، إنما هو حامل له، ولا يحتاج إلى حذف على قول (٤) من جعل هذا العدد عبارة عن أقسام المجد، ويجوز أن يكون خمسة الأشبار نعتًا للإزار، أو بدلًا منه، أو عطف بيان عليه، وفيه حذف مضاف أيضًا على هذه الأوجه (٥) اتسع في حذفه؛ لكونه مفهومًا من الخطاب، وعطف بالفاء (٦) إشعارًا باتصال هذه الأحوال. [والإزار والمئزر: واحد] (٧).

стр. 706

وأنشد أبو علي أيضًا (١): ١١٦ - فكَانَ نَصيري دونَ مَنْ كُنْتُ أتَّقي … ثَلاثَ شُخُوص كَاعِبَانِ ومُعصْرُ (٢) هذا البيت لأبي الخطاب؛ عمر بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة (٣) عمرو بن (٤) المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر (٥) بن مخزوم، من قصيدة طويلة مشهورة. استشهد به أبو عليّ، على حذف تاء التأنيث من "ثلاث"؛ حملًا على المعنى، لضرورة الشعر، ولولا ذلك لكان الواجب اثباتها؛ لأنَّ واحد (٦) الشخوص شخص؛ وهو مذكر، والحكم في العدد ثبات التاء فيه.

стр. 707

والرواية هنا: وفي "الكتاب"، نصيري بالنّون، وروي (١) بعضهم: بصيري بالباء؛ جمع بصيرة، وهي الترس، حكاه أبو عبيدة (٢)، واحتجّ بقول الأسعر الجعفي (٣): راحوا بَصَائِرهم عَلَى أكتَافِهم … وبصيرتي يعدو بما عَتَدٌ وَأى قال (٤) أبو محمَّد بن السيد: ويؤيّده رواية من روى (٥): فكان مجني والمجن: الترس. قال: وأكثر النَّاس: يرويه: نصيري بالنّون، وهو تصحيف. قال أبو الحجاج: وهذا القول إفراط من أبي محمَّد، ورواية النّون غير بعيدة من الصَّواب، وإن كانت رواية الباء أظهر؛ لقوله "دون"، ولم يقل "على" المستعلمة مع النصر، [في مثل النحو] (٦)، فإنَّ النصر يستعمل على (٧) وجوه، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ : "انصر أخاك ظَالمًا أو مظلومًا" (٨)

стр. 708

وكيف فسّر قوله: ظالمًا؛ بمعنى الكف له، والمنع من الظلم، فكان ذلك كالنصر عليه، [والإيجارة منه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أي؛ يجيرني منه] (١)، فكذلك يريد هنا (٢): فكان مانعي وساتري، دون من كنت (٣) اتقيت، من به عنه توقيت، وأبين من هذا (٤)، في عضد هذه الرواية، [قول اللَّه : ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ (٥) أي؛ يجيرنا ويمنعنا] (٦) فَمِنْ هنا كدون في البيت، لا فرق بينهما في المعنى، فالستر والمنع واحد، ويؤيّد (٧) هذا قوله قبل هذا البيت: فقالت لأختيها أعِينا على فتًى يريد (٨): بفتى، فأبدل الجار من الجار، [وقد يحمل على أنه أراد: على ستر فتًى، فحذف المضاف؛ لأنَّ المعنى الذي أراده مفهوم، وقد يكون

стр. 709

ناصري هنا بمعنى: نافعي، فتكون "دون" على وجهها] (١)، فقد قالوا: مَطرُ ناصِرَ، أي نافع، ونَصَرَت السَّماء أرضَ بني فلانٍ، أي؛ جادتهم ونفعتهم. وأنشد أبو عبيدة (٢)، وغيره، في ذلك قول الرَّاعي: أبُوك الذي أجرى عَلَيّ بنصره … فأنْصَتَ عَنِّي بعده كُلَّ قائل أراد (٣): بإعانته ونفعه، وإذا اتجهت الرواية، تعينت الحماية، [ولم ترد أقبح الردّ عن الصَّواب، لا سيّما وهي أيضًا الرواية في الكتاب] (٤)، لا سيّما [والمعروف في جمع البصيرة؛ التي هي الترس: بصاير ولم يُسمع فيها بصير (٥) لأن مثل هذا الجمع، إنما يطرِد في المخلوق، لا في المصنوع. و] (٦) الكاعبُ: التي نهد ثديها؛ أيْ، ارتفع، وصار كالكعب. والمعُصُر: المدركُ التي دنا حيضها.

стр. 710

وقال الكسائي (١): التي راهقت العشرين. وقيل: التي ولدت، أو عنست، وكمل عصر شبابها. قال ابن (٢) دريد: ويقال: مُعصرة أيضًا وأنشد: مُعَصِرَة أوقد دَنَا إِعصَارُها قال أبو علي: من روى "ثلاث شخوص" بالرّفع، وهو الوجه، يريد على أن يُضْمِرَ في "كان" ضمير الأمر والشّأن. قال: ويجوز في حذف الهاء من "ثلاثة" وجه آخر؛ وهو أنه لما أبدل قوله (٣): "كاعبان ومُعصر" من "ثلاث"، عامل البدل، وترك المبدل منه (٤)، كأنه (٥) قال: كان مجيئ ثلاثًا، بين كاعب ومُعصر، كما (٦) قال: للشِّقِ تَهْوِي جوفها مَفْتُوحًا وحكى (٧) الأصبهاني، عن الزبير (٨) قال: "لم يذهب على أحد من

стр. 711

الرواة، أنَّ عمر كان عفيفًا، يصف ويقف، ويحوم ولا يَرد، ويدلّ على ذلك قوله (١) في "نُعْم" هذه: طَالَ لَيْلِي واعْتَادَنِي اليومَ سُقْمُ … وأصَابَتْ مقاتلَ القَلْبِ نُعمُ حُرَّةُ الوَجْهِ والشَّمَائِل والجَوْ … هَر تَكْليمُها لَمن نَالَ غُنْمُ وَحَديثٍ بِمثْلِهِ تنزل العُصْمُ … رَخيمٍ يَشُوبُ ذلكَ حِلمُ هَكَذا وَصْفُ مَا بدَا لي مِنْها … لَيْسَ لي بالذي تَغيب علْمُ إنْ تجُودِي أوْ تَبْخَلي فبحمدٍ … كُنْتِ يا نُعْمُ فيهما لا بذم وقبل (٢) بيت الاستشهاد: فَقَالتْ لأختيها أعَينَا علَى فتًى … أتي زائرًا والأمْرُ للأَمرِ يُقْدَرُ فَأقبلتَا فارتاعتا ثمَّ قَالَتَا … أقلّي عَلَيْكِ اللّومَ فالخطبُ أيسرُ يَقُومُ فَيمشي بيْننَا مُتَنَكّرًا … فلا سِرّنَا يَفْشُو ولا هُوَ يُبْصرُ [وقد يكون "على فتى"، محمولًا على حذف مضاف، أيْ أعينًا على خلاص فتًى، ونحوه] (٣).

стр. 712

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ١١٧ - رُبَّاءُ شَماءَ لا يأوى لقلتها … إلَّا السَّحاب وإلّا الأوبُ والسَّبَلُ (٢) البيت للمتنخل؛ مالك بن عمرو (٣) الخناعيّ الهذلي. استشهد به أبو عليّ، على تأكيد (٤) عضد المعنى الذي ذكر، عن أنَّ "العين" يقال: للرجل الحافظ لأصحابه على الأماكن المشرفة، منقولًا من العين التي يحفظهم بما، فهو شاهد له معنًى لا لفظًا، [كما استشهد به فيما تقدّم (٥)، على هذا النحو، في قوله: رُبَّما أوْفَيْتُ في عَلَمٍ … تَرْفَعنْ. . . . . . البيت لأنَّ هذا العين المذكور، يقال لَه: رَبِيئَةَ ورابئ وربَّاء، على جهة الكثير، فقد اجتمعا من جهة المعنى؛ لأنَّ هذا الربَّاء، لا يكون حافظًا

стр. 713

لأصحابه، إلَّا بالعين الناظرة إلى ما يخاف أو يُرجَى] (١). ويحتمل أنْ يقال: إنه (٢) استشهد به على أنه ذكر "الرّباء"، حملًا على المعنى، كما ذكر من قال: "ثلاثة أعين"، حملًا على المعنى، ولو قال: ربَّاءة، فأنث، حملًا على لفظ العين لجاز، كما قالوا: رَبِيئة وَطلِيعة، فأنثوهما (٣) لفظًا؛ لأنهما بمعنى العين، فكان يكون هذا كقولهم: ثلاثة أعين، فراعوا اللفظ، فانتزعوا (٤) الهاء، وإنما حمل (٥) أبا عليّ على الاستشهاد به، وإنْ كان خاليًا عن (٦) لفظ "العين"، كونهما بمعنى واحد، مشهورًا عند العرب والعلماء. قال يعقوب: العين: الربيئة الذي (٧) ينظر للقوم. وقال ابنُ (٨) الأنباري: "عين الجيش: الربيئة مذكر. يعني [أنَّ العين

стр. 714

ذكر هنا، بخلاف العين التي للجارحة] (١)، ومثله قول عبد اللَّه بن ثعلبة (٢) اليشكري من الأزد: أمَّا النهارُ فرابئ … قومي بمرقبةٍ يفاعِ وقال (٣) أبو الوليد الوقشي في بيت الهذلي: "هو خالٍ من الشَّاهد. على أنَّ العين: الرجل الحافظ. وليس في هذا الاستدلال، أكثر من أن يُقال: "ثلاثة أعين"، في من كان موصوفًا من الرجال بما ذُكر فقط، لا في (٤) أي رجال كانوا ولا في أي أعين كانوا. قوله (٥): "رباء" نعت لما تقدّمه، ووزنه "فعَّال"، وهمزته (٦) أصل؛ لقولهم: "رَبَأْتَ القومَ"، وهوِ أمدح من "رابئ"؛ لاقتضاء "فعَّال" الكثرة (٧) بلفظه، ولذاك ضوعفَت عينه. و"شَمَّاءَ" في موضع جرٍ (٨) لإضافة "رَبَّاء" إليها، و"الشماء: الهضبة المرتفعة، وهي "فعلَاء" من الشمم؛

стр. 715

وهو الارتفاع، والمذكر: أشم، والجمع شمّ. وزعم أبو (١) الفتح الصقلي في "شرحه"، أنَّ بعض شيوخ الأندلس صحفه، فروى: "ربَّاء شمَّاء"، برفع "شمَّاءُ"؛ توهمها نعتًا "لربَّاء"، ولم يفهم معنى البيت، ولا تفطّن لخطئه (٢)، في ترك صرف "رباء". قال أبو الحجاج (٣): وقد رأيته أنا (٤) "ربَّاء شماءُ"، بخط بعض الجلة، ولعله (٥) الذي عنى الصقليّ، لكنّي لم أذكره؛ توقيرًا له، ولأنه يمكن (٦) أن جنت يده، ما لم يجن معتقده، [وهو الحقّ واللَّه أعلم] (٧)، ومثل قوله: "ربّاء شمّاء"، قول أبي المثلم (٨) الهذلي: رَبَّاءُ مَرْقبة قَوَّالُ مَخطبةٍ … دفَّاع مَعْطَبَةٍ قطّاعُ أقْرَانِ وقوله: لقلتها، يعني: أعلاها، ويأوي لقلتها (٩)، أو إلى قلتها بمعنى واحد، وفي التنزيل: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ (١٠).

стр. 716

قال أبو عليّ (١): فهو مثل أوحى لها، وأوحى إليها. والأوب هنا: النحل؛ لأنها تؤوب كلها إلى المباءة إذا جنح الليل، واحدها: آيب كصَاحِب وَصْحبَ، وهو اسم للجمع (٢) على مذهب سيبويه، ومكسر على مذهب أبي الحسن، وسيأتي ترجيح مذهب سيبويه (٣) إن شاء اللَّه. قال أبو عليّ: ويحتمل أن يكون "الأوب" مصدرًا، فيكون التقدير: ذوات الأوب. وقال أبو حنفية (٤): السَبَل: السحاب النازل المتصل نزوله على بعد من رائيه. وقال الأصمعيّ: السبل والودق: المطر نفسه. قال أبو الحجاج: وجاز عطف "السَّبل" (٥) على السحاب؛ لاختلاف اللّفظين، وكون الأخص بعد الأعم، فكان ذلك من باب عطف الشيء على غيره؛ لما أفاد معنى مختصًا مبينًا، قد أُبهم في العموم، ألا ترى قوله تعال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٦) كيف عطف فيه الأخص على الأعم؛ للبيان، إذ قد (٧) كان يتوهّم في العموم أنْ يكونَا في الملائكة، وأنْ لا يكونَا، فرفعَ العطف بالأخص هذا الإبهام،

стр. 717

كما رفع (١) التأكيدُ المجازَ، وقصر اللّفظ المؤكد (٢) على الحقيقة، ومن هذا النّحو (٣)، قوله أيضًا: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، وكذلك قول الشَّاعر (٤): أكر عليهم دعْلجا ولَبَانَه دَعلج (٥): اسم فرسه. واللبان: الصدر، وهو بعضه (٦)، فعطفه على الكلّ؛ لما بيّن به ما كان يظن أن يخرج عن الجملة، فكان ذكره أبين وأمدح للمعطوف (٧)، ولنوع من هذا البيان، والتأكيد قال (٨) الآخر: وألفَى قولها كَذَبا وَمينَا لأنَّ السَّحاب اسم عام للغيم، ولما (٩) ينسحب في الأفق، أي؛ ينجر (١٠) نازلًا ماؤه (١١)، أو غير نازل. والسَبلُ: المطر النازل الجاري،

стр. 718

فهو إذنْ أحصّ من السّحاب، ولذلك (١) جاء قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، لما كان الودق: الماءَ النازل نفسه. ويمكن عندي أن يعنى (٢) بالسَبلُ هنا: العسَلُ؛ لانسباله وسيلانه على سبيل واحد، أو لعمل النحل للشهد على طريقة واحدة؛ لأنَّ (٣) أصل السّبلُ: الاستمرار على سنن مستقيم، [ولهذا قيل للطريق: سبيل] (٤). وقبله (٥): أقُولُ لَمَّا أتانِي النَّاعيان به … لا يبعُدِ الرُّمحُ ذُو النَّصْلَيْنِ والرِّجلُ رَمح لنا كان لم يفلل تنوء به … توفي به الحرب والعزّاءُ والجُلَلُ يعني بالرجل: ابنه. والعزاء: الشدّة. والجُلَلُ: حمع جُلَّى (٦)؛ وهي الأمر العظيم. وأمَّا الجَلل -بالفتح (٧) -: فيكون الصغير والكبير.

стр. 719

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ١١٨ - قَدْ صرَّح السَّيْرُ عَنْ كتمان وابْتذلت … وَقْعُ المحاجِنِ بالمَهْرَية الذُّقُنِ (٢) هذا (٣) البيت لتميم بن (٤) أبي بن مقبل العجلاني. واستشهد به أبو عليّ (٥)، على أنه أنث الوقُعَ (٦)؛ لإضافته إلى المحاجن، وهي مؤنثة تأنيث الجماعة، واحتج به لقراءة من قرأ: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ (٧) بالتاء وظاهر هذا يقتضي أنَّ مثل هذا جائز عن غير ضرورة، وقد بيّن في "التَّعاليق" (٨) أنّه من ضرورة الشعر، فلا يحمل التنزيل عليه.

стр. 720

قال أبو عليّ: وإن بها شئت: إنه أراد وابتذلت المحاجن، يريد: وقعها وضربها، فردّ الوقع (١)، ولم يعتد به، كما ردّ الأهل، في قولهم (٢): "اجتعت أهل اليمامة" ولم يُعتد به، وقوله (٣): صرح يعني: بين وكشف، وقيل: خَلَصَ وانكشف، ولا حذف في البيت على هذا، [وعلى التفسير الأوَّل] (٤)، فيه حذف مفعول تقديره: قد كشف السير الجد والعزيمة، ونحو هذا. وإن كان (٥) بين بمعنى: بان فلا حذف فيه أيضًا. وكتمان: موضع (٦) معروف؛ وهو طرف أرض جَرْم وبني الحارث وعقيل. وقال أبو الفرج (٧): كتمان: واد بنجران، وقيل: جبل. [وقال (٨) الهجريّ أبو عليّ: ضلفع، والأوق، والسّيدانُ، وكتمان، والصاقبُ: جبال متدانية برنية (٩) وبيشة.

стр. 721

وأنشد الفرّاء: ومن دوني الأعيارُ والقنعُ كله … وكُتمان أيْهَى مَا أشَتَّ وأبْعَدَا (١) أيْهى لغة في هيهات، وقد تقدَّم ذكر ذلك (٢)]. وواحد المحاجن: محجن؛ وهي عصا معوجّة الرّأس، كالصولجان يتناول بها الشجر، إذا تباعدت فروعه (٣). والفعل: الاحتجان. [وقال أبو حنيفة وغيره] (٤): المحجن: الصولجان، يقال فيه، حجنت القضيب أحجنه حجنًا، إذا حنوت طرفه كما يُحْنَى الصولجان: [ويُقال: حنيته أيضًا حناية. قال أبو الحجاج: وأصل الحجن: العطف. والمحجن أيضًا: الحسن، القيام على المال، ويقال: هو محجن مال] (٥). والمهريّة: إبل منسوبة إلى

стр. 722

مَهَرة بن حيدان (١)، حي عظيم من اليمن، [وبهراءِ (٢) منهم، وقيل: من قضاعة، وهذا قول سيبويه (٣)، وقال السيرافي (٤): هم بناحية البحر. وقال أبو عبيدة: الحُوش: إبل (٥) الجن، يزعمون أنها تضرب في المَهرية والعمانية، فمن ثم هي هكذا. وقال أبو حاتم: وقد قيلَ: المهريّة: الإبل المهَريّة والداعرية (٦) والعمانية منسوبات إلى أرضين. وقد قيل: المهرية: التي ريضت، ويُقال للرائض لها: مَمهِر، وأحسب أن هذا على التشبيه بالمَهريّة، لانقيادها أو لغير ذلك من الشبه. و"المهريّة" في غير هذا الموضع: صنف من الحنطة الحمراء المدحرجة الحب] (٧). و"الذَّقُن": جمع ذَقُون؛ وهي التي يرجف ذقنها في سيرها؛ لسرعتها ونشاطها، وقوة نَفَسها، وتدنيه من الأرض. والذقن: مجتمع الصبيين (٨)؛ وهما أسفل اللّحيين.

стр. 723

وقوله (١): وابتذلت وقع المحاجن، من المقلوب، والأصل (٢): وابتذلت المهريّة بوقع المحاجن أيّ؛ بضربها بها (٣)؛ وساغ هذا القلب؛ لفهم المعنى، وأنه لا يشكل مع أنَّ الابتذال مشترك بينهما، وقد يمكن عندي أن يؤنث الوقعُ وهو يريد: المهريّة إذْ أصل الابتذال واقع بها، فيكون هذا التأويل وجهًا ثالثًا. ومن المقلوب قول كثَّير (٤) يصف إبلًا. وَهُنَّ مُنَاخَاتٍ يَجْلَلنَ زِينَةً … كَمَا اقتانَ بالنّبْتِ العِهَادُ المُجوِّدُ اقتان: أي، ازدان بألوان الزهر، والمتقيّن: المتزيّنُ، والمجوّدُ: الروّي، ومن المقلوب أيضًا، قول (٥) الشماخ: مِنْهُ نُجِلتُ ولَمْ يُوشب بِه نَسبِي … لَيًّا كَمَا عُصِبَ العِلْباءُ بالعُوْدِ أي، العُود بالعلَباء. ومن المقلوب أيضًا قول (٦) القطاميّ: فَلَمَّا أنْ جَرَى سَمنُ عَلَيْها … كما بَطَّنْتَ بالفَدَن السِّياعَا

стр. 724

يعني: كما بطنت بالسَّياع؛ وهو الطين بالتبن الفَدَن (١)؛ أي القصر [وقول أبي النجم: قبل دنو النجم من جوزائه] (٢) وهو كثير في الشعر. ومما جاء منه في التنزيل، قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ (٣)، قال أبو علي، وقوله أيضًا: ﴿خُلِقَ ائإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٤)، أي؛ العجلُ من الإنسان. قال الزجاج (٥): ويدلّ على ذلك قوله : ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ وقد قيل (٦): العجَلُ: الطين، ولا قلب فيه على هذا. وكذلك قوله تعالى (٧): ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، أي؛ بلغت الكبر.

стр. 725

والوجه: "وصرح" بالواو؛ لأنّ (١) قبله يصف ظُعنًا: شَقَّتْ قُسَيَّانَ وازْورّتْ ومَا عَلِمَتْ … مِنْ أهلِ تُرْبَانَ مِن سُوءِ ولا حَسَنِ وَاشْتَقَّت القُهبَ ذَاتَ البُرْق من مَرَسٍ … شَقَّ المُقاسِم عَنْهُ مِدْرَعَ الرَّدَنِ وبعدها (٢): وَقَدْ جَعَلْنَ أَفيحًا عَنْ شَمَائلها … بَانَتْ مَنَاكِبُه عَنْهَا ولَمْ يَبنِ واسْتَقبَلُوا واديًا ضَمَّ الأرَاكُ بهِ … بَيْضَ الهُدَاهِد ضَمَّ الميْتِ في الجَننِ مَازلتُ أرمُقُهم في الآلِ مَرْتَفقًا … حَتّى تَقطع مِنْ أقْرانِهم قَرَنِى قسيان (٣): وادٍ، وتربَانُ (٤): اسم ماءٍ، أي، لم يقيموا به فيعلموا من أهله خبرًا. والقُهبُ (٥): جبال فيها حمرة إلى سواد عن الأصمعيّ. [والرَّدَن: الحرير. وأنشد لعديٍّ: مسها ألين من مس الرَّدَن] (٦)

стр. 726

والبرقُ: جمع أبرق (١) وبرقاء، ويروى (٢)، أيضًا: "ذات الخرْج"، وهي أيضًا جبال مختلفة الأرض واللّون. و"مرس" (٣): موضع. وروى ابن الأعرابي (٤): مِرس بالكسر. وأفيح (٥): واد معروف. يقول (٦): بانت مناكبه عن هذه (٧) الظعُن، ولم يبرح أفيح، ولا يبرح. والجَنَن: القبر. وقيل: الكفنَ. ومرتفقًا: أي (٨)؛ يرتفق على مرفقه، حزينًا ينظر إليهم. والقَرَنُ: الحَبل، ضربه مثلًا للانقطاع. يقول (٩): لما بلغ القوم كتمان جدّوا في السير.

стр. 727

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ١١٩ - لَعُمْرُ أبِي عَمْرو لَقْد سَاقه المنَى … إلَى جَدثٍ يُوزى لَهُ بالأهاضبِ (٢) البيت لصخر الغي (٣) بن عبد اللَّه الهُذَلِي. استشهد (٤) به أبو عليّ، على أنَّ قوله: المَنَى من المقصور، الذي لا يُعلم قَصْره، من جههَ القياس، لكن بالسماع. والمَنَى هنا: القدَرُ، ويقال فيه: القدْر أيضًا. وقيل: إن "المَنَى" (٥) هنا، يراد به: المَنَايَا، فحذف؛ اضطرارًا. والجدث: القبر، وكذلك الجدف. ويُوزى: يسند ويرفع عن السكري (٦)، وقد أوْزَى ظهره إلى الحائط: أيْ، أسنده.

стр. 728

[وقال الهجريّ: وهو يستازى إلى حجًى، ولا تكون الأوزاء والأحجاءُ إلى سند جبل. قال أبو الحجاج: وقوله: يستازي يدلّ على الهمز، وإلّا فكان ينبغي أن يقول: يستوزي إلَّا أن يتأوّل على لغة (١) من يقول: ياجل في يَوْجَل، وقيل: معناه، يحاذي له أي، يجعل إزاءها وحذاءها، وأصله على هذا الهمز، وعليه الجمهور. قال صاحب العين (٢): "الإزاء: وضعك شيئًا على مصب الماء في مجراه إلى الحوض"، وأنشد هذا البيت، ثم قال: "وهو الإيزاء: يعني المصدر، وفلانٌ مؤازُ لفلان، أيّ؛ مقارن له، وهو إزاؤه، أي؛ مقابله". وقال الأصمعيّ (٣): آزى الشيء يأزَى: تقبض، وقال غيره (٤): قَصُرَ وأنشد لذي الرّمة (٥): نَصَبْتُ لَها وَجْهِي وأطلالَ بَعْدمَا … أزَى الظِّلُّ واكتن اللياحُ المولَّعُ وقال أبو عمرو (٦): يُقال: أزَى بَعضُه إلى بعض: اجتمع.

стр. 729

وقال أبو زيد (١) في قول رؤبة (٢): يَغرِفُ من ذي غيثٍ ويُوزِي أيْ: يفضلُ، من قولهم: "عَمِلَ فلان عملًا فأزيْتُ عليه" ووازيت، أي؛ أضعفتُ، وأزيتُ الحوض، وآزيته: جعلتُ له إزاءً. والأزاءً أيضًا: شِبْهُ جلْد، أو حجر يوضع على فم البئر. قال أبو الحجاج: وهذا كلّه عندي ضَمُّ وجَمْع، في طريق إصلاح الشيء، ومنه قيل؛ للحسن القيام على المال: "هو إزاء مال" (٣) أي؛ يجمعه ويصلحه بمشاهدته، ولا يكله إلى غيره، وهذا كلّه متجه في تفسير البيت، أي؛ يصلح له موضع قبره. وحَكى كراع (٤): "أزيتُ الشيء: فرقته، وأنشد قول رؤبة المتقدّم: يغرف من ذي غَيض ويوزي أي؛ يفرق، وهو على هذا من الأضداد"] (٥).

стр. 730

وواحد الأهَاضب: هَضْبَةٌ، وهي الجبل المنفرد الطويل الممتنع، [قال أبو عمرو (١): أي لون كان. وحكى ثعلب (٢)، عن الكلابي: أنَّ الهضبة لا تكون إلَّا حمراء، ولا (٣) القنة إلَّا سوداء، والهضبة أيضًا: الجيل المنبسط على الأرض] (٤)، وجمعها هضاب، عن أبي زيد. قال أبو الحجاج: وهذا هو القياس في جمع هضبة. قال الكندي (٥): ولَمْ يغفُلْ عن الصُمّ الهضابِ ووجهه (٦)، أنهم جمعوا "هضبة" على هَضُب، ثم جمعوا هَضْبًا على [أهضب، ثم جمعوا أهضبًا على] (٧) أهَاضبَ، كما جمعوا رهَطًا على أراهط، كأنهما جمع أهُضُبٍ وأرْهُطٍ، وإنْ (٨) لم يُقالا في النشر، وما جُمع على غير واحده كثير.

стр. 731

وحكى (١) سيبويه: "هضبة وَهِضبٌ"، والهَضُبةُ أيضًا: المطرة (٢) الدائمة القطر. قال أبو عليّ: ينبغي أن يكون وزن "يُوْزَى": "يُفْعَل"، من قولهم: "هو إزاءُ مالٍ" أي، حافظه ومصلحه، أوْ من إزاء الحوض، وكأنه على هذا اتساع، واللَّام من "أزَى" (٣) في الحرفين، منقلبة عن ياء أو واو، ولا تكون همزة؛ لأنَّ باب "أجأ" قليل. وليس بممتنع على ما قاله (٤) سيبويه في تحقير (٥) ألاءة وأشاءة. قال أبو الحجاج: فيما نصصت قبلُ، من تصريف فعل هذه الكلمة دليل قاطع على أنَّ لام "الأزاء" ياء، وأنها ليست "واوًا" ولا "همزة". وإنما حمل أبَا عليّ (٦)، أنْ قال في هذه "اللَّام": عن "ياء"، أو "واو"

стр. 732

أنه (١) حكى عن أبي زيد (٢): وزَأت الوعاءَ تَوْزيئًا: مددته فامتدّ (٣)، فكأنَّ "الإزاء" في التصريف من هذا الأصل، وليس في آزيت الحوضَ، وأزيته، بيان ولا قطع أنَّ "اللام" ياء أو واو (٤). وفي قوله (٥): "يوزى له بالأهاضب"، إشارة (٦) إلى شرف الميت هذا وعظم قدره؛ لأنَّ أبا عليّ قال في "التذكرة": وكان العظماء يدفنون في الأعالي، [ألا ترى قول الأعشى (٧). إذا الأرض وارتك أعلامها … فَكفَّ الرواعدُ عَنْهَا القطارا] (٨) وبعد بيت الهذلي، في كلمة يرثي فيها (٩) أخاه أبا عمرو (١٠)، وكان نهشته حيّة، في غزاة لهما (١١)، فمات من ذلك:

стр. 733

لِحية جحْرٍ في وجارٍ مُقيمةٍ … تَمنّى بَها سَوْقُ المنى والجوالِبِ أخي لا أخا لي بَعْدَهُ سَبَقَتْ بِه … مَنيَّته جَمْعَ الرّقى والطبائبِ وذلك مما يُحْدثُ الدَّهرُ أنَّه … لَهُ كُلُّ مَطْلُوبٍ حثيثٍ وطالبِ وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ١٢٠ - وَمُحترش ضب العَدَاوَةِ منهمُ … بِحُلْو الخَلَا حَرْش الضَّبابِ الخَوادِعِ (٢) هذا البيت لكثير بن عبد الرحمن، المعروف بابن أبي (٣) جمعة؛ وهو جدّه لأمه، وقد تقدّم ذكره مستوفى (٤). استشهد به أبو عليّ على قصر "الخلا"؛ الذي هو الكلام، و"الخلا" أيضًا من النبات مقصور؛ وهو الرّطب. وفي المثل (٥): "عبد وخَلَا في يَدَيْهِ"،

стр. 734

ويُرْوَى: "وخُلّى في يديه" (١)، وقوله: "ومحترش"، أي؛ مستخرج. و"الضّبَ: العداوة هنا، وظاهره يقتضي إضافة الشيء إلى نفسه؛ وذلك غير جائز. والوجه فيه أنَّ المراد بالضب: اللصوق والتواري، فالمعنى (٢) مستخرج لاصق العداوة، وكامنها من صدروهم، بمستعذب الكلام والتطلف، فعل الدرب ذي التصرف، كما يحترش الضب طالب صيده، ومعارض كيده بألطف كيده، وفيه تجنيس على هذا التأويل، وهو من بديع الكلام. ومن جعل "الضَّب": الحشرة المعلومة، فهو مجاز واتساع (٣)؛ لأنه جعل كامن العدواة في الصدر، كالضب المتواري (٤) في الجحر، لكنه قد يخرج منه، ولا تكاد الحيلة تضيق عنه. والخوادع: الممتنعة عن الأصمعي، وقال غيره: هي المتوارية المستترة في جحرها (٥). والإخداع: الإخفاء، ومنه سمّيت الخزانة: المخدع. [ويقال: المخَدعَ أيْضًا. والمخدع من خدع إذا توارى، وقال قطرب: يقال: خَدَعَ الضّبُّ خَدْعًا، إذا أروح ريح الصايد، فدخل جحره فلم يخرج. وقال أبو عليّ البغدادي (٦): نحو هذا في "الذيل"، وهذا كلّه متقارب في المعنى.

стр. 735

وقال الراجز: مَنْ يَشْتَري مِنّي شَيّخَا خبّا … أخَب منْ ضَبِّ يُراعَى ضبًا (١) وأصل الخدْع: التواري والكتم، وإليه يرجع قولهم: "خَدَع إذَا أمسك بعد ما كان يُعْطي"، وخَدَع الريق: جف وقل؛ لأنَّ ذلك قد توارى وكذلك] (٢) أصل الحرشُ؛ التهييج والتحريك والتأثير في الشيء، [ومنه تخشين صدر المغرى] (٣)، وحرَش الضب أن يدخل الخارش عودا، ونحوه في فم الحجر ويحرّكه تحريكًا لطيفًا؛ ليوهم الضب (٤) أنَّ حية تدخل عليه، فإذا أحس الضبُّ بالحركة خرج، وظن أنه حيَّة أو غيره من الحيوان، لكنه يخرج فيما زعموا على مؤخره (٥)، مقهقرًا فيضربُ العود بذنبه، ويجذب الصايد (٦) العود إليه جذبًا رفيقًا حتّى يتمكّن من ذنبه، فيقبض عليه، ويضرب به الأرض حتّى يقتله أو يذبحه. وانتصاب "حرش" (٧): هنا على المصدر المشبَّه به، وعلى حذف زيادته؛ لأنه لو جاء على "محترش"، لكان "احتراش الضباب"، وهو

стр. 736

مضاف إلى المفعول. و"الخوادع (١): من الجمع الذي جاء في فاعل، وإذا كان لمذكر؛ لأنه فيما لا يعقل، وسيأتي بعد شاهد عليه أيضًا. والرّفع في قوله: "ومحترش": هو الصَّواب (٢)؛ لأنَّ قبله (٣): وإنِّي لَمسنتأنٍ ومُنْتَظرٌ بهم … عَلَى هَفَواتٍ مِنْهُم وتَتايُعِ وبَعضُ المُوالِي يُتَّقى زَيغُ رأيه … كَمَا تُتَّقَى رؤس الأفاعي الطوالعِ المستأني: المتربّص. والهفوات: خفة العقل. والتتايع: التَّهَاوي في الجهل. والوالي هنا: بنو العمَّ؛ لأنه أراد (٤) خزاعة قومه حين دعاهم إلى التقرش معه، والدخول في المضرية، والانتفاء من اليَمَنيَّة، [لأنه كان يزعم أن خزاعة (٥) من ولد النضر بن كنانة، مع أنه رغب في صلة عبد الملك بن مروان إيّاه على ذلك، وأخباره في ذلك مشهورة، وأشعاره فيه كثيرة، ومن أحسن ما قيل، في مداراة ذوي القرابة، قول حاتم (٦) الطَّائي: تَحلَّم عن الأدْنَيْن واسْتَبقِ ودّهم … ولَنْ تستَطعَ الحُلْمَ حتَّى تَحلَّمَا

стр. 737

مَتَى ترق أَضْغَانَ العَشيرةِ بالأنَى … وتَركِ الأذى يُحسم لَكَ الداءَ مَحْسمَا] (١) وأنشد أبو عليّ أيضًا (٢): ١٢١ - يقول الذي يُمسي إلى الحَزْنِ أهلُه … بأيِّ الحَشَى صَارَ الخَلِيطُ المبَايِنُ (٣) البيت للمعطل الهذلي. استشهد به أبو عليّ، على قصر "الحشى"، الذي هو الناحية من الأرض، ومنه يقال (٤): "فلان في حشى فلان"، أي؛ في ناحيته، والحَشَى أيضًا بلد (٥) بين مر [وَشوكَان ذكره (٦) الهجري، وفسَّر الحشى هاهنا القبلة،

стр. 738

في شرح رجز ذي الرمّة (١)؛ لأنها تشتمل على من هو بها] (٢)، وحشى أيضًا: لغة في حاشا (٣). وحكى أبو زيد: "أرض حشاة: قليلة الخير سوداء". وحكى أبو عمرو (٤): أنَّ الحشا: جبل أبيض مثل الكذَّان] (٥). والحزن هنا: موضع في بلاد بني تميم (٦). ويروى (٧): "أمسى إلى الحزن أهله" [والحزن: أيضًا موضع معروف] (٨). والحرز: الذي هو المعقل والملجأ الذي يحرز من لجأ إليه. والخليط: الصاحب المداخل لصاحبه المخالط؛ وهو فعيل بمعنى مفاعل (٩) كصديق وجليس وشريك ونحو ذلك، والخليط: يكون واحدًا وجمعًا كالصديق، قال زهير (١٠): بَانَ الخَليط ولَم يأووا لمن تركوا

стр. 739

فهذا جمع، وقال (١) في المفرد: إنَّ الخَلِيطَ أجدَ البين فانفرقا وقد يحتمل أن تكون "الألف واللَّام" هنا (٢)، وفي بيت الهذلي، للجنس، فيؤَول المعنى كما قالوا في قوله (٣): أوْ تصجي في الظَّاعِن المولّى وقد تقدّم ذكره. وبعد (٤) هذا البيت: سؤالَ الغنِي عنْ أخيه كأنَّه … بِذِكْرتِه وَسْنَانُ أو مُتَواسنُ قوله (٥): "بأيِّ الحشى" يدل على أَنَّه يسأل، والمعنى: إن من غادرته في عزّ من قومه (٦) وأمانٍ، يسأل سؤال غير مكترث لغريب نازح الأوطن.

стр. 740

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ١٢٢ - وقَدْ أرْسَلُوا فراطهم فتأثَّلُوا … قليبًا سفاهَا كَالإماءِ القَواعِدِ (٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي. استشهد (٣) به أبو عليّ، على قصر "السفا"؛ الذي هو التراب، ويعني به هنا المدر (٤). والقليب: البئر، ويريد بها (٥) هنا: القبر، وقوله: كالإماء القواعد شبّه المدر في عظمه؛ لصلابة (٦) أرضه بعظم عجايزهنّ، إذا قعدن مستوقزات للخدمة. والفراط: المتقدّمون للماء؛ ليصلحوا ما تردّ عليه الواردة، وأراد بهم هنا من يُصلَح قبره، [ويجعل انتهاء موضعه برَّهُ. والمتأثل: الحافر للقليب، الممكن لها، وهو من الأثُل، والتأثيل وقد تقدّم الكلام فيه] (٧).
следующие страницы →