← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

إمَّا على المفعول به بعد حذف الجار (١)، أيْ؛ أجدوا في نجاء، فلما سقط (٢) الجار، وصل الفعل إليه فنصبه. وإمَّا أن ينتصب (٣) نصب (٤) المصدر أيْ؛ إجداد نجاء، فوقع نجاء موقع (٥) الإجداد؛ لدلالة "أجد" على ذلك، لاقتضائه التشمير والسرعة، [أو يكون مصدرًا محمولًا على المعنى، حتى كأنّه قال: نجوا نجاء] (٦)، ويجوز أن يكون "نجاء" حالًا من الضمير في "أجدّوا"، على أن يُوقع المصدر موقع ناجين (٧)، أو على حذف المضاف، وإقامة المصدر المضاف إليه مقامه، والتقدير (٨): أجذوا ذوي نجاء. "وغيبتهم" جملة في موضع الحال. والتقدير: أجدّوا في السرعة وقد غيبتهم، [بسبب جدهم وسرعتهم] (٩)، خمائلُ فحذف قد لفظًا، وأرادها معنًى، ولم يحتاج إلى واو الحال، للدلالة عليها، والاستغناء عنها بالضمير العايد من الجملة،

стр. 772

كما جاء قوله تعالى (١): ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. وأشار بقوله: "عشية"، إلى أنَّهم لم (٢) يرحلوا إلَّا بعد ارتفاع النَّهار، لاختلافهم في الاختيار، لموضع التسيار (٣)؛ لعزتهم، وتقلبهم (٤) حيث شاؤا من الديار. وأنشد أبو عليّ أيضًا (٥): يعصرْنَ السَّلِيطَ أقَاربُه هذا من (٦) عجز بيت للفرزدق. والبيت بكماله (٧): ١٣٢ - وَلَكِنْ ديافي أبُوهُ وأُمُّه … بَحْورَانَ يَعْصِرْنَ السَّليطَ أقَاربُهْ (٨)

стр. 773

استشهد به أبو عليّ، على أنّ النون في يعصرنْ لحقت فيه؛ لتدلَّ على أنَّ الفعل بعدها (١) للجماعة، وعلى مثل هذا استشهد به سيبويه، إلَّا أنَّ الاختيار في نحو هذا ألَّا تلحقه (٢) العلامات، بخلاف مفرد المؤنث الحقيقى، للعلة التي ذكر أبو عليّ. ويجوز في هذه "النون" وجهان آخران: أحدهما: أنْ تكون علامة إضمار وجمعٍ، ويكون "أقاربه" بدلًا منها؛ لأنها على هذا التأويل اسم مضمر، وعلى الذهب الأوَّل، حرف لتأنيث الجماعة، كالتاء في "قامت المرأة"، وقد تؤول (٣) مثل هذا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ فقيل: كثير بدل من الواو في قوله: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾، وقيل (٤): إنّ الواو فيه علامة للجمع فقط. ويجوز أن تكون (٥) أقاربه مبتدأ، ويعصُرنَ خبره، تقدّم عليه، وهذا سائغ عند أهل البصرة، كما قالوا: "مررتُ به المسكين" يريدون (٦): المسكينُ مررت به".

стр. 774

قال أبو عليّ: وفيه مع (١) هذا قبح؛ لأنَّ الخبر فيه جملة، وليس بمفردٍ، فلا ينبغي أن يجوز فيه، ما جاز في الأصل الذي هو المفرد. قال أبو الحجاج: وأهل الكوفة لا يجيزون مثل هذا؛ لتقدم (٢) المضمر على المظهر. وقوله: "ديافي" خبر مبتدأ مضمر لتقدم (٣) ذكره. تقديره: ولكن أنت ديافي، و"أبوه" على هذا مبتدأ ثان، و"أمه" عطف (٤) عليه، وخبرهما في قوله: "بحوران"، و"الباء" بمعنى "في". "ويعصرن": في موضع نصب على الحال، أيْ؛ عاصرة السليط أقاربه، أوْ في موضع رفع على النعت لدِيَافي، والضمير في أقاربه عايد عليه (٥). ويجوز أن يرتفع "أبوه" بديافي؛ لأنه من سببه، ويجوز أن يكون خبرًا عن الأب مقدمًا عليه، والجملة خبر عن المبتدأ المضمر، و"أمه" على هذا مبتدأ محذوف الخبر؛ لدلالة الخبر الأوَّل عليه، أي؛ وأمَّه كذلك ديافيه] (٦). وَديافَ (٧): قرية بالشّام، أهلها

стр. 775

نبط، [وقال الآمديّ: كان يسكنها نبيط العراق] (١). وحُورَان (٢): مدينة بالشّام أيضًا، وقال الطوسيّ: هو جبل [بالشّام. وقال عليّ بن حرب (٣) في كتاب "التيجان": هي مدينة بُصْرى] (٤). هجا الفرزدق بهذا الشعر عمرو بن عفراء الضبيّ. وقبله (٥): سَتَعْلَمُ يَا عَمْرُو بْنَ عفَرا مِن الذي … يُلامُ إذا ما الأمْرُ غبَّتِ عواقِبُه [فَلَو كُنتَ ضبيًا صَفَحْتُ وَلَوْ سَرتْ … على قدمي حياتُه وعقَاربُه وبعدها] (٦): تضنُّ بِمَالِ البَاهِلِي كَأنَّمَا … تَضَنُّ علَى المالِ الذي أنْتَ كَاسِبُهْ كان الفرزدق قد أتى عبد اللَّه بن مسلم الباهلي (٧) فسأله، فثقل عليه الكثير، وخافه في القليل، وكان (٨) عنده عمرو بن عفراء الضبي. فقال له:

стр. 776

لا يهولنك (١) أمره، أنا أرضيه عنك بدون ما كنت (٢) هممت له به، فأعطاه ثلاثمائة درهم، فقبلها ورضي، فلمّا بلغه صنيع عمرو، قال هذا الشعر، مفرطًا في سبّه؛ لبخله بما ليس من كسبه، [ولو كان صحيح النسب، في العرب، لوصل ذا رحم، ولم يضن على مثله بالنشب] (٣). وأنشد أبو عليّ أيضًا (٤): ١٣٣ - لَقد وَلَد الأُخَيطِلَ أمُ سَوْءٍ (٥) هذا صدر بيت لجرير (٦)، عجزه: علَى بَاب استها صُلبٌ وشَامُ استشهد به أبو عليّ، وغيره (٧)، على إسقاط علامة التأنيث الحقيقي

стр. 777

من قوله (١): "ولد"؛ ضرورهَ حَسَّنها بعض التحسين، وقُوع الفصل بين (٢) الفاعل وفعله بالمذكر. والأخيطل يريد (٣) به: الأخطل، وصغَّره؛ تحقيرًا له (٤). وقبله (٥): على اسْتِ التَّغْلبيَّة إذْ تَجَبَّى … صَليبُهُم وفي حرِهَا جُذَامُ وبعدهما (٦): أهَانَ اللَّه جُلْدَةَ حَاجِبَيْهَا … ومَا وارَى مِن القَذرِ اللِّثَامُ ويروى: "اللِّفام" (٧). وَنِسْوَتُه الخَبَائِبُ مُوْلَعَاتٌ … بِقَسِّ لا يُنيمُ ولا يَنَامُ الصُّلب (٨): جمع صليب. وشام: جمع شامة، وألفها (٩) منقلبة عن "ياء"؛ لقولهم: رَجُلٌ مَشْيُوم (١٠)، ومَشيم، وأشْيَم، وقد شيم. وقد قيل: لا

стр. 778

فِعْلَ له. ويُقال: أجبَت المرأة؛ إذا بركت، ووضعت يديها على ركبيتهما. بمنزلة الراكع، [أفحش جرير بوصمها من الشر بغير ما علامة، وأن لهيب حرها كلهيب الجذام، وأن كلّ بخر، وقذر، تحت اللثام واللفام] (١). [وثبت أيضًا صدره مكررًا لجرير، في شعر آخر حيث قال. لقد ولدَ الأخَيْطِلَ أمُ سَوْءِ … مُقَلِّدةً مِن الأمَّات عَارَا] (٢) وأنشد أبو عليٍّ أيضًا (٣): ١٣٤ - فَلا مِزْنَةٌ وَدَقَتْ ودقَها … ولَا أرْضَ أبقَل إبْقَالَهَا (٤) هذا البيت لعامر بن جوين الطائي.

стр. 779

استشهد به أبو عليّ، على إسقاط علامة التأنيث من أبقل، وهو في موضع الخبر عن "الأرض"، وهي مؤنثة، وضميرها المستكن فيه هو فاعله، العايد على الأرض، وكان ينبغي أنْ يكون وفقه في التأنيث؛ لكنه أسقط العلامة مع التأخير، لضرورة الشعر، كما تُسقَط مع التقديم في المؤنث غير الحقيقي؛ وذلك على التأويل؛ ولحمل (١) الأرض على المكان؛ إذْ كل أرض (٢) مكان، وموضع. هكذا (٣) نص عليه أبو عليّ في توجيه التذكير، وقال أيضًا في "التذكرة": إنما (٤) كان حذف التاء مع التقديم أحسن من حذفها مع التأخير؛ لأنَّ الاسم إذا تقدّم، فينبغي أن يكونَ العايد عليه (٥) وفقه في التأنيث أو التذكير، كما كان وِفْقَهُ في التثنية والجمع، فكما (٦) أنَّه لو ثنى أو جمع الاسم مقدمًا، عاد الذكر على ذلك الحدّ، كذلك إذا ذُكّر أو أنِّث، وليس كذلك إذا تقدّم الفعل؛ لأنه لم يسند إلى شيء (٧)، وقد (٨)

стр. 780

يجوز أن يخالف؛ لأنه يَصلُح أن يُسند إلى أشياء كثيرة، فليس يلزم لذلك أن يكود وفقًا لشيء، ألا ترى أنهم قالوا: "ما جَاءَ إلَّا هِنْد"، فحملوا الكلام على المعنى، على أنَّه ما جاء أحد، وإنْ كان اللّفظ على غير ذلك، ولو قال: "ما زيدُ إلَّا يجيء (١)، لم يحتمل؛ لتقديم (٢) زيد، أن يكون الفاعل ليجيء (٣)، إلَّا واحدًا في اللّفظ والمعنى، قال: فلهذا كان قوله: "ولا أرض أبقل إبقالها" أقبح من قوله: "أبَقَلَ الأرض". وقال غيره (٤): إنما قَبَّح ذلك؛ لاتصال الفاعل المضمر بفعله، وكونه كالجزء منه، حتّى لا يمكن الفصل بينهما بما لا يَسُدّ مسدّ علامة التأنيث. وقوله: "فلا مزنة" ألغى "لا" من العمل، ورفع "مزنة" بالابتداء، وإن كاتَ نكرة؛ لأنَّ النفي من مواضع النكرات؛ إذ الغرض فيه (٥) العموم، بخلاف الإيجاب الذي الغرض فيه التخصيص والتبيين. وودَقت (٦): جملة في موضع رفع على خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون نعتًا (٧)، والخبر محذوف،

стр. 781

أي، موجودة أو معهودة، ونحو هذا، و"ودقها" (١): نعت منصوب على الصدر المشبه به (٢)، وقوله: "ولا أرض" أعمل "لا"، ولم يجعلها في اللّفظ كالأولى (٣)، وهذا كلّه شائع في الكلام. وأبقل (٤): في موضع رفع على خبر التبرئة (٥)، وقد يكون نعتًا، والخبر محذوف أيضًا، على نحو ما تقدّم في الأوَّل. وزعم بعضهم (٦) أنه روى أيضًا (٧): وَلَا أرضَ أبقَلت إبقالها على نقل حركة "الهمزة" إلى "التاء"، وحذفها تخفيفًا، ولا ضرورة فيه على هذه الرواية. و"المزنة": واحدة المزن، وهو المطر نفسه، وكذلك "الودق"، وقيل: المزن: الأبيض منه، ويقال (٨): أبقل المكان، وبقل أيضًا، بقلًا (٩) وبقولًا؛

стр. 782

إذا نبت بقله، وكلّ نابتة بقلة في أوَّل ما ينبت، ومنه قيل: "بقل وجه الغلام بقلا"، ولا يُقَال فيه: إلَّا بَقَلَ لا غير (١). كما أنَّ أبقل المكان أكثر وأعرف، وأكثر العلماء يردّ "بقل المكان"، قال أبو حنيفة: ولا يعرف الأصمعي (٢) إلَّا أبْقَل المكان فهو باقل. قال: وجاء فيه باقل (٣)، كما قيل: عن أورس الرمث: وارس. ومن أعشَب: عاشِبْ، قال أبو الحجاج: وهذا كلّه عندي (٤) على معنى النسب [قال أبو حنيفة: والبقلُ: أصله كلّ ما نبت من بزرة، ولم ينبت في أرُومة. والجَنْبة: كلُّ ما نبت في أرُومةٍ يهْلك فرعها. والشجر: ما يبقى أصله وفرعه دقّ أو جلَّ، لأنه شجر بنفسه، أيْ سما وارتفع. وأمَّا "النجم": فوصف لكل ما نجم من الأرض، أيْ، طلع إلى أن تتبيّن وجوهه، وكلّ ما طلع ناجم، ولا يسمّى نجمًا؛ لأنَّ النجم اسم لكلّ ما افترش من النّبات، ولم يَسْمُ على ساق، كذا قال أبو عبيدة، وهو السّطاحُ. قال أبو حنيفة: وقال أبو زياد: النبت بَقْل، وخوصَة. فالخوصَة: ما نبت في أصلٍ حين يصيبه المطر. والبقْلُ: ما نبت في الحبّ، قال: وكلّ الشجر يخوص أخواصًا إلَّا الشوك والبقْلُ] (٥).

стр. 783

وأنشد أبو عليٍّ أيضًا (١): ١٣٥ - أرْمِي علَيْها وَهِيَ فرْعٌ أجْمَعُ … وَهِيَ ثَلَاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ (٢) هذان البيتان (٣) في كتاب سيبويه أيضًا، غير منسوبين، وهما (٤) لحميد الأرقط. استشهد (٥) بهما أبو عليّ، على تأكيد (٦) المؤنث بالمذكر؛ حملًا على

стр. 784

المعنى ضرورة؛ وذلك أنه ردّ قوله: "أجمعَ"، على المضمر الذي في قوله: "فرع"؛ لأنه في معنى مجتمع غير (١) فلق، وحقّ الضمير الذي فيه أن يكون مؤنثًا؛ لأنه يعود على قوله (٢): "وهي"، يعني القوس التي وصفها قبل، وكذا حقّ (٣) ما أكّد به، أن يكون مؤنثًا، فيقول: "جمعاء"، لكنه اضطر فذكر الضمير العائد (٤) من "فرع"، الذي هو خبر عن المبتدأ؛ حملًا على المعنى، لأنَّ "هي" وإن كانت كناية عن القوس، وهي مؤنثة، فتأنيثها غير حقيقي، وهي مع ذلك، قضيب وعود، وكلاهما مذكر فلما ذكر الضمير الرَّاجع على معنى القصيب، حمل التأكيد في التذكير عليه، هذا معنى ما أشار في "الإيضاح" إليه. وقال في "التذكرة"، في قول بشر (٥):

стр. 785

إذَا فَاقدٌ خَطْبَاءُ فَرْخَيْنِ رَجَّعَتْ … ذكرْتُ سُلَيْمَى في الخَليطِ المبَاينِ يمكن أن يقال فيه: إنه على إبدال النكرة من المعرفة المضمرة في اسم الفاعل، كقوله: "وهي فَرْعٌ" يعني، فلا يكون فيه فصل على هذا التأويل بين اسم الفاعل (١) ومعموله بالصفة، وهو لا يستحسن عمله موصوفًا، ومد تقدّم إجازته؛ لإعماله مع ذلك، ونصصته في شرح قول كثيّر عزه (٢): وعزّةَ ممطولٌ مَعنى غريمُهَا فظاهر (٣) قوله هنا، خلاف ما أشار إليه في "الإيضاح"؛ لأنه يظهر (٤) من كلامه هذا أنّ "أجمع" بدل من الضمير [الذي في قوله: فرع] (٥)، وهذا لا يتأوله عليه، من له أدنى نظر في هذه الصناعة، لأنَّ "أجمع" لا يكون إلّا تابعًا [على التأكيد لما قبله] (٦)، و "البدل" يحلّ محلّ المبدل منه، فيلي العامل (٧) الذي كان يليه؛ وإنما أراد أبو عليّ: أن التابعيْن محمولان (٨) على المضمر في الموضعين، إلّا أنَّ "أجمع" على التأكيد.

стр. 786

و "خطباءَ" على البدل، وكلاهما من التوابع. ألا ترى أنه [قد سوّى بينهما أيضًا على هذا النَّحو حيا] (١) قال: الدليل على احتمال الصفة ضمير الموصوف، تأكيدك إيَّاه، وعطفك عليه، وإبدلك منه، [وقد يكون أجمع تأكيد لقوله "وهى"، على المعنى أيضًا، كأنه قال: والقضيب أجمع فرع، إلّا أنه قبيح، لقطعه بين التأكيد والمؤكّد (٢) بالخبر، وإن كانوا قد أجازوه في الصفة، وهو في التوكيد عندي قبيح، ولا سيّما في أجمع؛ لأنه لا يلي العامل] (٣). ولا يحتاج إلى (٤) هذا التوجيه في البيت (٥)، على قول أهل الكوفة؛ لأنَّهم يجيزون (٦) أن تجري هذه التواكيد التي للإحاطة والعموم على النكرة المتبعضة في الشعر، كما تجرى على المعرفة، ويحتجون بظاهر مثل (٧) هذا البيت، وبمثل قول الآخر: إنَّا إذَا خُطّافنا تقَعْقَعَا … فَصرتِ البَكَرُةُ يومًا أجْمَعَا

стр. 787

وهذان (١) البيتان من شواهد الإيضاح المشكلة، ولذلك حسب بعض من تكلّم فيها (٢)، أنَّ شاهده في قوله: وهِيَ ثَلاثُ أذْرُع واصْبَع (٣) وليس كما ظن؛ لأن هذا البيت الثَّاني على ما ينبغي في القياس (٤) والسماع؛ لأنَّ قوله: "ثَلاثَ أذْرُع" قد سقطت الهاء فيها (٥) على ما يلزم؛ لأنَّ الأصمعي (٦)، وغيره، يؤنث الذراع. وقال أبو حاتم (٧): الغالب عليها التأنيث، وقد تُذَكَّر، ونحوه، قال أبو زيد وأنشد: وهِيَ ثَلاثُ أذْرُعٍ واصْبَع [وقال: يصف قوسًا عربية. وقال (٨) الفرّاء: الذراع أنثى، وتجمع فيقال: ثلاث أذرع وأنشد: مَا لَكَ لا تَرْمِى وأنْتَ أنزع … وهي ثلاث أذرع واصبعُ

стр. 788

وبعض عُكل] (١) يقول: هذا ذرَاع فيذكره. قال: وينبغي أن تجمع أذرعة، ولا أراهم سمَّوا (٢) أذرعَات، إلَّا بجمعه مذكرًا. والسماع (٣) الفاشي الكثير في الذراع التأنيث، والأذرع جمع يقتضي التأنيث؛ لأن الأفْعُل (٤) للمؤنث في الأغلب، و "الأفْعلَة" للمذكر، فهذا كما تراه على وجهه، لا ضرورة فيه، ولا عدول فيه (٥) عن القياس، فكيفى يتوهّم على أبي عليّ أنه جلبه شاهدًا على ذلك، [مع أنه ضيَّع الكلام هنا في "أجمع"] (٦)، وكذلك لم يرَ أبو الحجاج الأعلم ﵀ (٧) قول أبي عليّ في (٨) أجْمع هنا، فقال فيه في "شرح أبيات (٩) الكاب": أجمع هنا بمعني: جميع ومجتمع؛ ولذلك نعت به فرع، وهذا قول ساقط (١٠) هو فيه

стр. 789

جحيش وحده. وإخباره (١) عن القوس أنَّهَا فَرْعٌ، مما تمدح به، يقال: "قوس فرع"؛ إذاعملت (٢) من رأس القضيب، وليست بفلق. وقوله: "وإصْبَع": لم يُرِد به حقيقة مقدار الإصْبَع، ولكنه (٣) أشار بذلك إلى كمال القوس، واستيفائها لثلاث الأذرع المعلومة في ذات الكمال من القسيّ العربية، وعذا كما تقول: "الثوبُ سبعُ أذرع وأزيد (٤). تريد: أَنَّها مَوَّفاة هذا العدد. [وقيل: بل الإصبعُ على وجهه هنا (٥): أن القوس العربية الكاملة كذلك] (٦)، وقيل: بل الإصبع (٧) هنا: دهنها، وحسن القيام عليها [كما قال (٨): فَمَظعها عَامَيْنِ مَاءَ لِحَائِها

стр. 790

ولذلك] (١) روى هنا (٢) بعضهم: و "الإصْبَعُ" معرفًا؛ إمَّا إشارة إلى زيادة (٣) هذا القدر المعلوم، للكاملة من القسي (٤)، وإمَّا إلى الأثر الحسن، والتهمم بما، [وعلى هذا فسَّرُوا بيت الراعي (٥). ضَعِيفُ العَصَا بَادِيَ العُروقِ تَرَى لَهُ … عَلَيْهَا إذَا مَا أجدْبُ النَّاسُ أصْبَعَا أيْ، أثرًا حسنًا] (٦)، وأصل هذه الاستعارة في الأثر الحسن (٧)، أن يشار إليها بالأصبع، [أو الأصابع عند الرؤية] (٨)، ثم كثر ذلك حتّى سمّوا المشار (٩) إليه، من ذلك الأثر الحسن إصْبَعَا. [وعلى نحو هذا التأويل فسّر ابن دريد، ما روي في الحديث: "إنَ قلوبَ العباد ما بين أصبعين من أصابع الله" (١٠) قال (١١): أصله إن شاء الله: تقلب القلوب بين حسن آثاره

стр. 791

وصنعه] (١). وفي الأصبع لغات، أفصحها وأعلاها: إصْبعُ، ولم يعرف الأصمعيّ ما سواها، وهي مؤنثة (٢). ويقال: أصْبَعٌ، وأُصْبُعٌ، وإصْبعٌ. هذه الثلاث تتبع (٣) فيها حركة الباء حركة الهمزة، من فتح أو ضمّ أو كسر؛ إذْ ليس بينهما إلّا حرف ساكن؛ وهو حاجز غير حصين في بعض المواضع. وأصْبُع وإِصْبُع كزئبر (٤)، وأصُبوع. و بعدهما (٥): وَهِىَ إذَا أنْبَضتَ فِيهَا تَسْجَعُ … ترَنُّمَ النَّحلِ أبى لا يهجعُ وأنبضت: أي (٦)؛ ملأت وترها بإصبعى ثم أرسلت فصوتت [ويقال: أنبضَ وأنضَبَ: بمعنًى] (٧) وتسجع (٨): تُصَوّت في اعتدال، والسّجع: موالاة (٩) الصوت، على جهة واحدة واستواء، [حتّى سمّوا

стр. 792

القصد: سجعًا] (١). و"ترنَّم النحل": منتصب على المصدر المشبه به (٢) ونصبه بفعل (٣) مضمر؛ لأنَّ الترنم ليس بمصدر لتسجع، ولكنه (٤) في معناه، وهذا كقولهم: "تبسمت وَمِيضَ البَرق" هذا مذهب سيبويه (٥). وذهب (٦) أبو عثمان المازني: إلى أنّ "وميض البرق" ينتصب "بتبسّمت"، وعلى هذا القول ينتصب ترنُّم النحل، بتسجع. قال أبو عليّ: ووجه هذا القول الآخر (٧)، أنَّه لما كان معناه كمعناه، جاز أنْ يُحمَل عليه، وإنْ لم يكن من لفظه، كحمل سيبويه (٨) قولهم: "قَعَدَ القُرفُصَاءَ ورَجَعَ (٩) القهقريّ"، على أنَّهما منتصبان بقعد ورجع (١٠) وإن لم يكونا من الفظهما، لما كانا بمعناهما. وشبه سيبويه به. "له صراخ صراخ ثكلى" (١١)، ونحوه.

стр. 793

وأنشد أبو عليٍّ أيضًا (١): ١٣٦ - إذْ هِيَ أحْوَى مِنْ الرِّبعِيِّ حاجبه … وَالعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيِّ مكْحُولُ (٢) البيت لطفيل بن عوف الغنوي. استشهد به أبو عليّ، على نحو ما تقدّم في البيتين قبل (٣)، مِن حمل اللّفظ الثّاني على المعنى، لخلافه للأوَّل في اللّفظ الموافق له، وذلك أنَّ قوله: والعينُ اسم مبتدأ، ومكحول خبره، وكان ينبغى أنْ يقول: مكحولة فتوافق في اللّفظ العين؛ لأنَّها مؤنثة، إلَّا أن مثل هذا أحسن من الذي "تقدّم (٤)؛ لأنَّ تلك ضرورهَ فيها قُبْح، وهذا لا قُبْح فيه عند بعضهم،

стр. 794

ولذلك قدّم أبو عليّ قبله الآية (١) التي نصّ عليها الكلام. ثم قال (٢): ومثل ذلك قوله، وأنشده، ثم قال: حمله سيبويه على "العين" (٣) أنَّ "محكولًا" خبر (٤) عن العين، ومن صفتها، وذكره سيبويه مع قولهم (٥): "جَاءَنَا مَوْعِظة". وقال: "اكتفى بذكر الموعظة عن "التاء"، فكأنه أيضًا اكتفى بالعين وما يُعلم من تأنيثها عن تأنيث الصفة، يعني "مكحولًا" الذي هو الآن خبر لها، وهو في الأصل من صفتها؛ لأنَّه يُقالُ: "عينٌ مكحولة"؛ ولهذا (٦) رَجح ما ذهب إليه سيبويه، ولم يذهب مذهب الأصمعى، في جعله مكحولًا، خبرًا عن الحاجب؛ لأنه لا يقال: "حاجب مكحول"، كما يقال: "عين كحيل ومكحولة"، فجعله (٧) خبرًا عما (٨) هو المعلوم في

стр. 795

اللّغة أولى (١)، على أنَّ أبَا زيد، أنشدَ (٢) لضابئ بن الحارث (٣) البرجمي: شَديدُ سَوادِ الحاجِبَيْنِ كَأنَّمَا … أُسف صَلَا نارِ فَقَدْ عَادَ أكْحَلَا فقد (٤) يمكن أنْ يقول الأصمعي: أراد أكحل الحاجبين؛ لأنه في وصفهما، ويمكن أن يُقال له (٥): بل أرادَ: "أكحل العينين"، فأجرى صفة البعض على الكلّ، ونحو هذا كثير (٦)، والأحسن حمل مكحول على العين، كما قال سيبويه، [وإليه ذهب الفرّاء وغيره] (٧)؛ لأنَّ تأنيث العين غير حقيقة؛ ولأنَّ العين، والجفن (٨)، والبصر، واحد، كذا (٩) قال أبو عليّ وغيره. ومعنى (١٠): إذ هي أحوى. أي؛ إذ شماء؛ وهى امرأة شبب بها قبلُ - مثْلَ ظَبْى أحْوى، فهيَ مرتفعة بالابتداء، وأحوى خبرهما، بعد تقدير

стр. 796

حذف مضافين على ما ذكرتُ. وحاجبه مرتفع (١) بأحوى كقوله: ولا يشعرُ الرمح الأصم كعُوبَهُ (٢). قال (٣) أبو عليّ: والرواية على هذا: حاجبه بالتذكير؛ لتعود "الهاء" على الموصوف المحذوف الذي هو الظبي، كما عادت "الهاء" من كعوبه على الرمح. ويجوز أن يكون حاجبها [في من أنث، وهي الثابتة في كتاب سيبويه] (٤)، بدلًا من هي بدل بعض الشئ من جميعه؛ أي؛ إذْ حاجبها مثلُ أحوى في سواد شعره. قال يعقوب (٥): الأحوى (٦): الشديد سواد الشعر. وقال أبو زيد: الحَوَّاء من المعز: هي السوداء ما ظهر من أعاليها (٧)، والحمراء ما بطن من (٨) أسافلها. وقال أبو عمرو (٩): والحوة في المعز دون الضأن؛ وهى سواد وحمرة

стр. 797

مختلطان، [وقال غيره: الحوَة: سواد إلى الخضرة وإلى الصّفرة في النبات. وقد حَوِيَ يحْوى، وأحواوَى ما، واحوَوّى] (١). وقوله: "من الرَّبعي": في موضع رفع على النعت "لأحوى" أيْ؛ كائن من الجنس الرِّبْعيّ؛ وهو ما نُتِحَ في الربيع، وهو أفضل أوقات النتاح، ولذلك خصّه بالذّكر، وهو نسبٌ على غير قياس، والقياس: ربيعيّ. كما أنَّ قوله: بالإثمد الحاري منسوب إلى الحيرة (٢)، وهو على غير قياس أيضًا. قال صاحب "العين" (٣): قالوا: حَاريُّ. كما قالوا: نمريَّ، كأنَّه أراد أنْ يقول: حَيْري (٤)، فصارت الياء ألفًا ساكنة. وقال (٥) الأصمعيّ: كان الأصل أنْ يُقال: حيريّ (٦)، كما يقولون اليوم: "ثوب حيري"، فقلبوا الياء السّاكنة ألفًا، كما قالوا في طيِّء: طآئيّ؛ فحذفوا الياء (٧) المتحركة، ثم قلبوا الياء السّاكنة ألفًا، ولا يُروى بيت امرئ القيس إلّا بالألف، يعني قوله (٨):

стр. 798

إلى كُلِّ حَاريّ قَشيبٍ مُشطبٍ وقال (١) ابن النحاس في إثر قوله: والعين (٢) بالإثمد الحاري مكحول "حَارِيُّ وحيري: منسوب إلى الحيرة". وقال (٣) أبو الفتح: أبدلوا الياء ألفًا؛ للتخفيف، والكسرة فتحة. وفي "الموعب": أنَّ الحيرَة (٤) بجنب الكوفة نزلها نصارى العباد. والإثمد. كحل [ويروي (٥): "من الرَّبعيّ خاذلة"، أنثه لتأنيث المرأة، أو ألحق الهاء للمبالغة] (٦). وقبله، وهو أوَّل القصيدة (٧): هَلْ حَبْلُ شَمَّاءَ قَبْلَ البَيْن موصُولُ … أمْ لَيْسَ للصرْمِ عَنْ شَمَّاءَ مَعْدُولُ أمْ مَّا تُسَايلُ عَنْ شَمَّاء مَافَعَلَتْ … ومَا تُحاذِرُ مِنْ شَمَّاءَ مَفْعُولُ

стр. 799

وبعده (١): يَرْعَى مَنَابِتَ وَسْمِيّ أطَاعَ لَهُ … بِالجِرْع حَيْثُ عصَى أصْحَابَهُ الفِيلُ شُمَّاء: اسم امرأة، وحبلها: وصلها، ومَعْدُولَ: مصروف. [وقال يعقوب: يريد أنَّه لا يجد عن صرم شَمَّاءَ مَعْدَلًا. قال أبو الحجاج: وقول يعقوب، يقتضى أنَّ العدول عنده مصدر، كالمعدَل، كما اعتقد قوم في قولهم: "دَعْه إلى ميسوره" (٢)، أنّ المراد إلى يسره. فجعلوه مصدرًا، وكذلك ما كان مثله، و "سيبويه" لا يرى هذا، وإنْ كان قد قال (٣): لأنَّ المصدر مفعول، قال: وإنما يجيء هذا على المفعول، كأنه قال: "دعْه إلى أمر يوسِرُ فيه"، قال: "وكذلك "المعقول" (٤)، ونحوه، ويستغني بهذا عن المَفْعَل الذي يكون مصدرًا؛ لأنَّ في هذا دليلًا عليه] (٥). ويروى: أم (٦) مَا تُحَاوِلُ مِنْ شماء مَفعول

стр. 800

أي؛ الذي تحاوله منها تدركه أمْ لا؟!، وحيث (١) عصى الفيلُ الحبشة؛ هو المغمَّس، لما وصل إليه كفّ عن الحرم؛ وهو على أميال من مكّة. وأنشد أبو عليٍّ أيضًا (٢): ١٣٧ - وَكُنَّا وَرِثْنَاه عَلَى عَهدِ تُبعٍ … طَويلًا سَوارِيه شَديدًا دَعَائمهُ (٣) هذا (٤) البيت للفرزدق. استشهد به أبو عليّ، على ما ذكر، من أنَّ فعل الجماعة، يجوز إذا تقدّم، أنْ تُلْحق علامةُ التأنيث، وأن لا تُلْحق؛ لأنَّ (٥) تأنيث الجماعة، تأنيث لفظي، لا تأنيث حقيقة، ولذلك ذَكّر "طويلًا وشديدًا"، وقد ارتفع بهما ما بعدهما من الجمعين، وجريا (٦) مجرى أفعالهما؛ لأنَّهما صفتان جاريتان مجرى طال واشتدّ، كما استغنوا بافتقر عن فقر، على أنَّ ابن النحاس

стр. 801

قد حكاهما، قياسًا على فقير وشديد، وعلى ما أشدَّه، وما أفْقَرَه (١)، وليس في هذا كلّه دليل قاطع. وقد قال أبو عليّ: إن شدَّ وفَقرَ لم يسمعا، وأنهما اسْتُغنِي (٢) عنهما بالمزيد، كما استغنوا بترك عن ودَعَ وذرَ (٣)، وهذا النحو كثير. ولو قال: "طويلة وشديدة"، لجاز أيضًا؛ لأنهما (٤) وإن كانا حالين للضمير في (٥) ورثناه. يعني: بيت العز الذي ذكر (٦) قبل، فهما فعلان؛ لما (٧) ارتفع بهما من السّبب، وكذلك لو قال: "طويلات وشديدات" لجاز، على مذهب (٨) من الحقّ العلامة للجمع في نحو: يَعْصِرْنَ السليط أقاربه وقبله (٩): ومَا زالَ باني العز فينا وبيتُه … وفي النَّاس بَاني بيتِ عزِّ وهادمه

стр. 802

[ويروى: "قديمًا ورثناه"، بدل "وكنا ورثناه"، يعني: بيت العز] (١)، يقول هذا الشعر: ليزيد بن مسعود الدارمي (٢)، [قريبه مفتخرًا عليه، بأكارِمَ ومكارِمَ قررها لديه] (٣)، ولما جعل للعزّ بيتًا، استعار له سوارِي أيضًا؛ وهي جمع سارية؛ وهي الاسطوانة، أيْ، العمود من المرمر ونحوه (٤)، [سميت بذلك عندي؛ لارتفاعها وحسنها] (٥)، وكذلك استعار له (٦) "دعائم" أيضًا، وهي أرجل من خشب [عن أبي عبيدة، واحدتها: دعامة، ويُقال: دِعَام أيضًا] (٧). والتَّبعُ: الملك العظيم، من ملوك اليمن، قيل له (٨) ذلك؛ لأنه يتبعُ سيرة سلفه، أو سيرة الأفاضل منهم أو من غيرهم، أو لأنه يتتبع آثار العدَاة، أو الكفرَة في الأرض، [وهو مفرد كأنه قُصِرَ من "فعّال"، الذي هو للتكثير والمبالغة؛ وقد أنكر بعض (٩) من تقدّم من الأندلسيين لفظ "تُبَّع" للمفرد. وقد حَكَى سيبويه: "فُعَّلا" في المفرد،

стр. 803

اسمًا، وصفة قال (١): "فالاسم سُلَّم، وحمَّر، وغلّف، والصفة زُمَّل، وزُمَّج، ويمكن أن يكون تُبَّع] (٢) وصف بالجمع، إشارة إلى أنه يقوم مقام الجمع؛ لغنائه وفضل رأيه. والتبع في غير هذا الموضع (٣)، الظل، ومنه قوله (٤): "إذا اسمأل التبع"، وسيأتي بعد إن شاء الله، [ويقال: تُبُع بضمّ التَّاء والباء، والتبابعة كثير] (٥)، وقد فخر بجملتهم النعمان بن بشير الأنصاري (٦)، حيث قال في قصيدة طويلة: لَنَا مِنْ بَني قَحْطَانَ سَبْعُون تُبَعًا … أطَاعَتْ لَهُمْ بالخرجِ مِنْها الأعاجِمُ

стр. 804

وأنشد أبو عليٍّ أيضًا (١): ١٣٨ - وَمَا زِلْتُ مَحْمُولًا عَلَى ضَغينةٌ … وَمُضْطَلعَ الأضْغَانِ مُذْ أنَا يَافِعٌ (٢) البيت (٣) لرجل من سَلُول، [وقيل: هو للكميت بن معروف الأسديِّ] (٤). استشهد به أبو عليّ، على تذكيره (٥) "فعل" المفرد المؤنث، كما ذكر (٦) في بيت الفرزدق المتقدَّم، "فعل" الجميع (٧)؛ لأنّ تأنيث الضغينة تأنيث لفظي، كما أنَّ تأنيث الجماعة كذلك، فقال: "محمولًا" و لم يقل: محمولة، وإنْ كان الرافع لقوله: "ضغينة"، على صفة المفعول المبني لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأنَّ "الضغينة"، والضغن، واحد، فحمل الرافع على هذا المعنى،

стр. 805

فذكره، ومعناهما: الحقد والعداوة. والمضطلع بالشيء: المستقل به القادر عليه. والأصل في ذلك، إطاقة أضلاع (١) الدابة حمل ما حملته، [يقال: أضلع الرّجل بالشيء، واضطلع به؛ إذا أطاق حمله. ويجوز "اطلع" أيضًا. قال يعقوب (٢) وغيره: الفرس الضليع: التام الخلق المجفر الغليظ الألواح، الكثير العصب، ولا يقال: مطلع (٣)، وهو مضطلع بحمله أي؛ قوى عليه، من الضلاعه، يراد عظم الأضلاع، ومنه قول الجني لعمر: "إني منهم لضليع" (٤)، وكذا روى بيت الكندي (٥) أيضًا: ضَليعٌ إذا اسْتَدْبرته سَدَّ فرْجَه … ................... البيت وهي أحسن الروايتين؛ لأنَّ رواية (٦) الأصمعيّ: وَأنْتَ إذَا استدبرته سدَّ فَرْجَهُ فيه بعد في الإعراب؛ لأنَّ "أنت" إن كان مبتدأ، فالجملة بعده لا تصلح أنْ تكون في موضع خبره؛ إذ لا راجع فيها إليه من اللّفظ،

стр. 806

ففى هذه الرواية نظر. ويقال: دابّة مضطلع: لا تقوى أضلاعه على الحمل] (١)، فكان ينبغي أن يقول: "ومضطلعًا بالأضغان"، لكنه حذف الجار، وأضاف توسُّعًا. واليافع: الغلام الذي (٢) قد ناهز الحلم، يقال: غلام يفعة ويافع، وقد قيل (٣): وفعة وأفعة، وقد يفع، وأفَعَ وأيفع وأوفَع. يقول: لم أزل مذ ترعرعت، مسحودًا مضطلعًا (٤) على كيد الأعداء؛ للنجابة المتخيلة في، والاضطلاع بما أحمله من الأعباء، فعل القوي الضليع، الحسيب الرفيع، ومن أمثالهم (٥) "السؤدد من السواد" أي؛ النجابة والكرم متخيلان (٦) من الصغر، باديان على صاحبهما في حال سواد الشعر.

стр. 807

وأنشد أبو عليّ أيضًا: ١٣٩ - فإمَّا تريني ولي لِمَّةٌ … فإن الحوادِث أودى بها (١) البيت للأعشى، استشهد به أبو عليّ على نحو ما تقدّم من مجيء الرّاجع على غير ما يقتضيه لفظ المرجوع عليه، وكان ينبغي أن يقول: "أودين" (٢) أو "أودت" لكن حمله على المعنى للضّرورة (٣). ودلالة الكلام على المراد [قال في "التّذكرة": وهذا قبيح] (٤)، ومثله ما أنشده الكسائي من قول الآخر: مِثْلُ الفِرَاخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهْ (٥).

стр. 808

لأنَّه ذهب "بالفراخ" إلى الفرخ الذي يراد به الكثرة (١) والجنس [فأفرد لفظه مع الجمع كما كان يُفْرِده مع الواحد، كما قُدِّرَ في بيت الأعشى: "الحوادث" تقدير: الحدثان، الذي يراد بها العموم والكثرة قال] (٢) ومثله أيضًا، قول جميل: أَلَا لَيْتَ أَيَّامَ الصّفاءِ جَدِيدُ … وَعَهدًا تَوَلَّى يَا بُثنينُ يَعُودُ لأنَّه جعل "جديدًا" خبرًا عن "الأيام"، وهذا في "جديد" أجوَز؛ [لأنَّه قد جاء: "ملحفة (٣) جَديد"، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤) فكما أجرى مُجْرى "فَعُول" في أنْ لم يؤنث، كذلك يُجْرى مجراه في أنْ يُفْرَد ولا يجمع، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٥) فيكون "جديد" مثل "عدوّ" كما كان مثله في أنْ لم يؤنث فلا يكون مثل:

стр. 809

........ تواضتْ … سور المدينة .. ................. (١) قال] (٢): "ويجوز: ألَا لَيْتَ إيَّام الصَّفاءِ جديد (٣) على ضربين: على أنْ تضمر الخبر كما أضمرت في: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبا رَواجِعا (٤) وعلى أن تستغنى عن خبر الأوّل بخبر الثّاني. ويجوز أيضًا: [ألَا لَيْتَ أيَّامُ الصّفاءِ جديدُ] (٥) على أنْ ترفع "الأيام" بالابتداء و "جديد" خبره، وتضمر القصّة في "اليت" والجملة في موضع الخبر كقوله (٦):

стр. 810

فَلَيْتَ دَفعْتَ الهمَّ عَنِّي سَاعَةً فإذا قدّرت هذا رَفَعْتَ قوله: "وعهدُ" بالابتداء أيضًا؛ لأنَّ القصّة لا يُعطفُ عليها، كما لا تؤكد". [قال أبو الحجّاج: وقد تقدّم بيان هذا عند قوله: فَلَيْتَ كَفَافًا كَانَ خَيْرُك كُلُّه] (١) قال أبو علي: والحوادث: جمع حادث أو (٢) حادثة. ويجوز أن يكون جمع حَدَثان على حذف الزّيادة. واللّمّة: الشعر المُلِمُّ بالمنكبِ عند الجمهور (٣). وأوْدَى بها: ذهب بها [أيْ؛ أودى بجمالها، من لونها وكمالها. وروى سيبويه (٤): فَإِمَّا تَرَى لِمَّتي بُدِّلَتْ وروى (٥) أبو عبيدة: فَإنْ تَعْهَدِيني وَلِي لِمَّةً … فَإنَّ الحَوَادِثَ أَلْوَى بِهَا وكلتا الرّوايتين أحسن من رواية أبي عليّ هنا وأبين. وقد بيّنت وجْهها. ويجوز أنْ يَعْني: فإمّا ترينّى الآن دون لمّة كانت لي فيما مضى فإنّ صَرف الدّهر قد ذهب بها. فيجتمع هذا مع رواية من روى:
следующие страницы →