← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ففى هذه الرواية نظر. ويقال: دابّة مضطلع: لا تقوى أضلاعه على الحمل] (١)، فكان ينبغي أن يقول: "ومضطلعًا بالأضغان"، لكنه حذف الجار، وأضاف توسُّعًا. واليافع: الغلام الذي (٢) قد ناهز الحلم، يقال: غلام يفعة ويافع، وقد قيل (٣): وفعة وأفعة، وقد يفع، وأفَعَ وأيفع وأوفَع. يقول: لم أزل مذ ترعرعت، مسحودًا مضطلعًا (٤) على كيد الأعداء؛ للنجابة المتخيلة في، والاضطلاع بما أحمله من الأعباء، فعل القوي الضليع، الحسيب الرفيع، ومن أمثالهم (٥) "السؤدد من السواد" أي؛ النجابة والكرم متخيلان (٦) من الصغر، باديان على صاحبهما في حال سواد الشعر.

стр. 807

وأنشد أبو عليّ أيضًا: ١٣٩ - فإمَّا تريني ولي لِمَّةٌ … فإن الحوادِث أودى بها (١) البيت للأعشى، استشهد به أبو عليّ على نحو ما تقدّم من مجيء الرّاجع على غير ما يقتضيه لفظ المرجوع عليه، وكان ينبغي أن يقول: "أودين" (٢) أو "أودت" لكن حمله على المعنى للضّرورة (٣). ودلالة الكلام على المراد [قال في "التّذكرة": وهذا قبيح] (٤)، ومثله ما أنشده الكسائي من قول الآخر: مِثْلُ الفِرَاخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهْ (٥).

стр. 808

لأنَّه ذهب "بالفراخ" إلى الفرخ الذي يراد به الكثرة (١) والجنس [فأفرد لفظه مع الجمع كما كان يُفْرِده مع الواحد، كما قُدِّرَ في بيت الأعشى: "الحوادث" تقدير: الحدثان، الذي يراد بها العموم والكثرة قال] (٢) ومثله أيضًا، قول جميل: أَلَا لَيْتَ أَيَّامَ الصّفاءِ جَدِيدُ … وَعَهدًا تَوَلَّى يَا بُثنينُ يَعُودُ لأنَّه جعل "جديدًا" خبرًا عن "الأيام"، وهذا في "جديد" أجوَز؛ [لأنَّه قد جاء: "ملحفة (٣) جَديد"، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤) فكما أجرى مُجْرى "فَعُول" في أنْ لم يؤنث، كذلك يُجْرى مجراه في أنْ يُفْرَد ولا يجمع، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٥) فيكون "جديد" مثل "عدوّ" كما كان مثله في أنْ لم يؤنث فلا يكون مثل:

стр. 809

........ تواضتْ … سور المدينة .. ................. (١) قال] (٢): "ويجوز: ألَا لَيْتَ إيَّام الصَّفاءِ جديد (٣) على ضربين: على أنْ تضمر الخبر كما أضمرت في: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبا رَواجِعا (٤) وعلى أن تستغنى عن خبر الأوّل بخبر الثّاني. ويجوز أيضًا: [ألَا لَيْتَ أيَّامُ الصّفاءِ جديدُ] (٥) على أنْ ترفع "الأيام" بالابتداء و "جديد" خبره، وتضمر القصّة في "اليت" والجملة في موضع الخبر كقوله (٦):

стр. 810

فَلَيْتَ دَفعْتَ الهمَّ عَنِّي سَاعَةً فإذا قدّرت هذا رَفَعْتَ قوله: "وعهدُ" بالابتداء أيضًا؛ لأنَّ القصّة لا يُعطفُ عليها، كما لا تؤكد". [قال أبو الحجّاج: وقد تقدّم بيان هذا عند قوله: فَلَيْتَ كَفَافًا كَانَ خَيْرُك كُلُّه] (١) قال أبو علي: والحوادث: جمع حادث أو (٢) حادثة. ويجوز أن يكون جمع حَدَثان على حذف الزّيادة. واللّمّة: الشعر المُلِمُّ بالمنكبِ عند الجمهور (٣). وأوْدَى بها: ذهب بها [أيْ؛ أودى بجمالها، من لونها وكمالها. وروى سيبويه (٤): فَإِمَّا تَرَى لِمَّتي بُدِّلَتْ وروى (٥) أبو عبيدة: فَإنْ تَعْهَدِيني وَلِي لِمَّةً … فَإنَّ الحَوَادِثَ أَلْوَى بِهَا وكلتا الرّوايتين أحسن من رواية أبي عليّ هنا وأبين. وقد بيّنت وجْهها. ويجوز أنْ يَعْني: فإمّا ترينّى الآن دون لمّة كانت لي فيما مضى فإنّ صَرف الدّهر قد ذهب بها. فيجتمع هذا مع رواية من روى:

стр. 811

فإنْ تَعْهَدِيني وَلِي لِمَّةٌ أيْ؛ الزّمن الذي عهدت لا الآن، هكذا يقتضي ظاهر اللّفظ في قوله: "أوْدى بها" وكذلك "أَلْوى بها" أيضًا، وقد يريد بذلك سوادها وحسنها، فجعل ذهاب اللّمّة في ذهاب حسن تلك الهيئة. ويؤيّد هذا التَّأويل رواية سيبويه: فإمّا تَرْى لَمّتي بُدِّلَتْ وقبله؛ وهو أوّل قصيدة يمدح فيها يريد بن عبد المدان (١) بن الدَّيّان الحارثي: أَلَمْ تَنْهَ نَفْسَك عَمَّا بِها … بَلَى عَادَهَا بَعْضُ أَطْرَابِها لِجَارتِنا إِذْ رَأَتْ لِمّتي … تَقُولُ لَكَ الوَيْلُ أَنَّى بِها "اللّام" في "الجارتنا" بمعنى: إلى؛ وهي متعلّقة "بالأطراب" والواحد: طرب؛ وهو هنا خفة من الشوق. وقوله: "أنَّى بها" أيْ؛ أيُّ شيْء ذهب بسوادها. وهذا يؤكّد ما ذهب إليه في تفسير "أوْدَى بها"] (٢).

стр. 812

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٤٠ - وحَمَّالُ المئين إذَا أَلَمَّتْ … بِنَا الحَدَثانُ وَالأَنِفُ النَّصُورُ (٢) استشهد به أبو عليّ على نحو ما تقدّم من (٣) العدول عن اللّفظ إلى المعنى للضّرورة؛ لأنَّه أنّثَ "الحدثان"؛ حملًا على "الحوادث"؛ لأنَّه أراد الحدثان الذي يُراد به العموم والكثرة والجنس (٤)، فالمراد إذًا الجمع لا الواحد، كما (٥) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ (٦) و ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ

стр. 813

لَفِي خُسْرٍ﴾ (١) وهذا النحو كثير (٢)، ألا ترى أنَّه لا يعني (٣) حدثانًا واحدًا؛ لأنَّه إنَّما أراد مدح الممدوح باحتمال المغارم الثّقال، عند نزول النّوائب [التي لا يستقل بها إلّا عظماء الرِّجال] (٤). وقال أبو علي (٥): جعل "الحدثان" هنا جمعًا، كما جعل عدي بن زيد "المنون" جمعًا في وقوله (٦): مَنْ رَأَيْتَ المَنُونُ عَرَّيْنَ أَمْ مَنْ .... ذَا عَلَيْهِ مِنْ أنْ يُضَام خَفِيرُ [وكذا قال أبو حاتم: إنّه جعل "المنون" جمعًا في هذا الموضع] (٧). ويجوز أن يكون أراد به الجنس فحمله على المعنى [وقال أبو الفتح عن أبى عليّ] (٨): "المنون" هنا مبتدأ. و "عَرّيْن" في موضع خبره، و "مَنْ"

стр. 814

مفعول أوّل، و (١) المعنى عرينه (٢) منها [والحدثان في غير هذا الموضع: الفأس، حكى ذلك أبو عليّ (٣) عن أحمد بن يحيى. وقال: ليس على الحقيقة. وأنشد أبو حنيفة في ذلك عن أبي عمرو: وَجَوْنٌ تَزْلُق الحَدَثانُ عَنْهُ … إذَا أَجَرَاؤُه نَحطُوا أجاباَ (٤) قال: الجون: جبلٌ أو حجر. وقال غيره: الجون: قصر مشيد أبيض. والحدثان: حَدَثان (٥) الدّهر أي تزل الحدثان عنه، ولا تؤثر فيه؛ لحصانته. كما قال اليشكريّ (٦): مُكْفَهِّرٌ عَلَى الحوادثِ لا ترْ … توه للدَّهْرِ مؤيّدٌ صَمَّاءُ أَيْ لا تنقص منه شيئًا. يعني: جبلًا. وقوله: "نَحَطُوا"، أي؛ زفروا عند كسْره أو قلعه. وأجاب: أي أجابهم بالصَّدّى (٧) فصرّتْ للفزع.

стр. 815

قال صاحب العين (١): "المائة محذوفة الأخير لا يُدْرى أواو أم ياء"، وحكى صاحب "الموعب" عن ابن الأعرابي: مأَيْتُ القوم، وأمأيتُهم، أي؛ صاروا (٢) مائة. وقال الفرّاء: أصلها: مِئْية، وأنشد: فَقُلْتُ والمَرْءُ قَدْ تُخْطِئه مِنْيَتُه … أَدْنَى عَطِّيَّتِهِ إِيَّايَ مِئْيَاتُ (٣) وكذا حكى كراع (٤) وأنشد هذا البيت. قال أبو الحجّاج: وفي قولهم: "مأيتُ القوم" دليل قاطع على كون اللّام "ياء" وقالوا: "مأيتُ السقاء مأيًا" (٥) إذا أوسعته فكأنّ المائة اتساع عدد. وقال أبو عليّ: الكسرة في "مئتين" هي الكسرة في "مِأْيَة" وليس "كَثُبَةٍ وثُبِين" وأصلها على قول أبي الحسن "فِعْلَة"؛ لأنّ "العين" أصلها السّكون حتّى تقوم الدّلالة على الحركة والدّلالة لم تَقُمْ، وقال مزرِّد (٦): أَتَيْتُ بَنِي عمِّي فَكَانَ عَطَاؤُهم … ثَلاثَ مِيء مِنْها قِسِيٌّ وَزَائِفُ

стр. 816

أَصْلهُ مبني على "فُعُول" كحُلِيِّ ثم كُسِرَتِ الفاء (١) لأحد أمرين؛ إمّا أنْ يكون كقِسِيِّ، أو من أجل حرف الحلق؛ وهو أشبه، ثم خُفّفت كما يُفعَل ذلك بها في القَوَافي كثيرًا؛ تشبيهًا لهذا الموضع بالقافية، وليس "مِئيُّ" كتَمْرةٍ وتَمْرٍ، ونحو ذلك؛ لأنّ بنات الحرفين لم تجْمع على هذا، فلا يحمل على ما لا نظير له. قال أبو الحجّاج: وقد أجاز هذا الوجه فيه السيرافيّ (٢)، وأجاز أيضًا أن يُريدَ "مئين" فحذف "النّون" اضطرارًا، وأجاز أنْ كون "فَعِيلًا" كعَبِيدٍ، وكسروا أوّله؛ لحرف الحلق نحو شِعِير ثم خُفف للضّرورة. قال أبو علي: ولا يكون "مِئي" "فِعِلًا" على قول سيبويه (٣)؛ لأنّه لم يجئ "فِعِل" (٤) على ذلك عنده إلّا "إِبِل". وحكى أبو عليّ أيضًا عن أبي الحسن "مِئْى" مثل مِعْي. وقال: حكاه أبو بكر في التصريف (٥). وقال: النسب إليها على قوله (٦): "مِئيٌّ" وليست كأختٍ وابنٍ؛ لأنَّ "التّاء" بمنزلة اسم ضُمّ إلى المصدر.

стр. 817

وقال أبو عليّ في موضع آخر من "التّذكرة": "ذكر الأخفش "مِئِين وسِنين" فقال فيها قولين ثمّ اختار أحدهما؛ وهو الصّحيح عندنا قال (١): وأمَّا "سِنينَ ومِئينَ" في قول من رفعَ النّون فهو "فَعيل" ولكنّهم كسروا الفاء لكسرة ما بعدها، وأجمعوا كلّهم على كسرها، وصارت "النّون" في آخر "سِنينَ" بدلًا من "الواو"؛ لأن أصلها من "الواو"، وفي "مِئين" "النّون" بدل من "الياء"؛ لأنَّ أصلها من "الياء" كأنَّها كانت "مئي" وقد قالوها في بعض الشّعر ساكنه، ولا أراهم أرادوا إلّا التَّثْقِيل، ثم اضطروا فخفّفوا؛ لأنَّهم لو أرادوا غير التَّخفيف لصار الاسم على "فِعِل"؛ وهذا بناء قليل: قال (٢): حَيْدَةُ خَالِي وَلَقِيط وعَلِيْ … وَحَاتمُ الطائِي وهَّابُ المِئِيْ مثل "المِعِيْ"، ثم قال: "والقياس الجيد عندنا أن تكون "سنينَ" فِعْلِينًا مثلُ "غِسْلِين" محذوفة، ويكون قول الشَّاعر: "السُّنِيّ والميئيّ" (٣) مرخّمًا. فإنْ قُلت: فإنَّ "فِعْلِين" لم يجئ في الجمع، وقد جاء "فِعِيلٌ" نحو عَبِيد وكَلِيب، وقد جاء فيه ما لزمه "فِعِيل" مكسور الفاء نحو "ضِئين"

стр. 818

فإنّ من الجمع أشياء لم يجئ مثلها إلّا بغير اطراد نحو "سَفْر" (١)، وقد جاء منه ما ليس له نظير نحو "عِدًى"، وأنت إذا جعلت "سِنين" "فِعيلًا" جعلت "النّون" بدلًا، والبدل لا يقاس ولا يَطرد، ومخالفة الجمع للواحد قد كَثُر، فإنْ تحمله على ما لا بدل فيه أولى، وليس يجوز أنْ تقول إنّ "الياء" في "سِنين" أصليّة، وقد وجدتها زائِدة في هذا البناء بعينه لما قلت: "فِعْلين وفِعْلون". قال أبو الحجّاج: رأيت إثبات أكثر كلام أبي عليّ هنا في "سِنين"، لتكون مقدّمة لشاهده (٢) فيها بعدُ إنْ شاء الله؛ إذْ هو من أغمض شواهد "الإيضاح"، وكذلك لما اقترن به بَعدُ، وكم زَلّ فيه، مَن حَسب أنَّه يَدرِيه. فقوله] (٣): "وحمّال المئين" من رواه "بفتح النّون" (٤) احتمل وجهين أحدهما: أن تكون (٥) الياء علامة الخفض؛ لإضافة "حمال" إليها؛ لأنّه على مثال (٦) الجموع المسلّمة في مذكّر من يعقل؛ إذْ جعَل ذلك في هذه المعتلّات

стр. 819

كالعوض (١) من المحذوف منها [على ما يردُ بيانه، بعد إن شاء الله] (٢). والوجه الآخر: أنْ يكون منصوبًا "بفعَّال" على اعتقاد حذف التّنوين من "حمّال" (٣)؛ لالتقاء السّاكنين كما قرأ بعض القرّاء (٤): ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. ومَنْ رَوى "المِئينِ" بكسر "النّون" فهو على ما تقدّم من القول فيه (٥)؛ وذلك أن يَكون أصله "المَئين" على وزن "فَعيل" فكُسِرت "الفاء" كسرًا مستمرًا لم يسمع غيره (٦)، كما كسرت من قِسِي ومن شِعير، وجرّ النّون للإضافة إليه. والوجه الآخر: أنْ يكون أصله: "المِئْيين" على وزن "فِعْلين"؛ كغِسْلين فحذفت (٧) "الياء" التي هي لام؛ حذفًا لكثرة الاستعمال؛ ولأنَّ "النّون" كالعوض منها وكُسِرت "الهمزة" قبل هذه "الياء" المزيدة؛ لتصحّ المدَّة فيها (٨)، وجرّت "النّون" منها؛ للإضافة إليها؛ إذْ هي حرف الإعراب؛ كالنّون من "غسلين".

стр. 820

وقوله (١): "إذا ألمت" جملة في موضع الحال، والعامل في "إذا" "حمّال"، والتّقدير: وحَمَّال المِئين في أوقات إلمام الحوادث بنا. "والأنف النّصور": معطوف على قوله: "وحَمَّال المئين" [والأنفُ: الكاره للشيْء الآبي منه] (٢) يقال: أنِفَ فُلان من احتمال الضيم أَنَفًا وأَنَفَةً (٣): أَبَاهُ [وأنِفَ من الشّيء: كرِهَه] (٤). وقبله (٥): أَلَا ذَهَبَ المُحامِي والمُجِيرُ … ومِدْرهنَا الكميُّ إذا نُغِيرُ [المِدْرِةُ: الدافع عن القوم بلسانٍ أو سنانٍ، وفي "العين" (٦): والمَدره: رأس القوم الذي به يصولون. وقد دَرَه لقومه يَدْرَهُ. وقد قيل: إنَّ "الهاء" فيه بدل من "الهمزة"؟ وأنَّه من الدَّرْءِ، وعلى هذا جاء التفسير الأوّل] (٧).

стр. 821

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٤١ - وَقَدْ عَلَوْتُ قُتُودَ الرَّحْلِ يَسْفَعُني … يَوْمٌ قُدَيْديمةُ الجَوْزَاءِ مَسْمُومُ (٢) البيت لعَلْقَمة بن عَبْدَةَ التَّميميِّ استشهد به أبو عليّ على لحاق "الهاء" "قُدَيْدِيمة" تصغير "قُدَّام"؛ إشعارًا بتأنيثها والخروج عن نظائرها من الظروف؛ إذْ هي مذكرة كلّها إلّا "قُدَّام ووراء"؛ فلذلك ألحقوهما (٣) "الهاء" في التّصغير [إيذانًا بتأنيثهما، وإنْ كان ذلك خروجًا عمّا عليه حكم الأسماء الزّائدة على الثّلاثة في التَّصغير، إذْ لا تلحق فيه إلّا بنات الثلاثة، لخفّتها، لكن جاءت "قُديْديمة ووريئة" شاذتين عن الجمهور، وتنبيهًا على الأصل المرفوض؛ ليُعْلم بهذا أنَّ الأصل لحاق الهاء في التّصغير لكلّ مؤنث] (٤) ولام "وراء" همزة؛ لظهورها في "وُرَيئة" [وقد قيل: إنَّ أصلها "ياء" من "تواريت"] (٥).

стр. 822

وواحد القُتُود: قَتَدٌ [ويُقال: قِتَدٌ أيضًا، ويجمع في القليل على: أَقْتَاد] (١)؛ وهي خشبُ الرّحل، وقيل: جميع (٢) أداته، والرَّحل: مركبُ البعير [وجمعه: أرْحُلٌ ورِحال] (٣). ويسفع (٤): يُغيّر. [وأصل السّفع: التغيير، ومنه السُّفْعَةُ؛ وهي سوادٌ تعلوها حمرة، وأمَّا السَّفْعَةُ بالفتح: فالعين تصيحب الإنسان، يُقال: رجل مَسْفُوعٌ؛ أيْ مَعِين، ويُقَال: مَعْيُون أيضًا، ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (٥) أيْ لنأخذنَّ أخذ تغيير لحالها التي كانت عليها] (٦). ومَسْمُوم: نعت "ليوم" ومعناه: شديد الحرّ [قال أبو عبيدة (٧): السَّمُوم بالنَّهار، وقد يكون باللّيل. والحَرُورُ باللّيل، وقد تكون بالنَّهار، وقد أصابه سفع من سَموم وحَرور، وكذلك سَفَعتْ لون وجهه، وكذلك سفعتْهُ النّار سفعًا، ومثله (٨) لفحته ونفحته، أيْ، اشتدّت عليه

стр. 823

بحرها وغيّرته. وقال (١): ما كان من الحرّ فهو لفْحٌ، وما كان من البّرْدِ فهو نَفْحٌ، والوَمَدُ (٢): الحرُّ الشّديد بلا ريح. وحكى (٣) يعقوب عن الفرّاء: أسَمَّ يومنا وسَمّ (٤) وسُمَّ ويوم مسموم، والريح الحارة هي: السَّمومُ والحرورُ والسمامُ، وفي كتاب "المصادر" للفرّاء: أَسَمَّ يومُنا وسَمَّ وسُمَّ ويوم مسموم، والرّيح الحارة هي: السّموم والحَرورُ والسّمام، وفي كتاب "المصادر" للفرّاء: أَسَمَّ يومُنا وسَمَّ وحَرَّ من الحرّ يحرُّ. وحكى الكسائي (٥): أنَّه سمعَ من يقولك أَحَرَّ النّهار، وأمَّا أنا فلم أسمعها بعد أنْ استعرضتُ العرب عنها. و "قديديمة الجَوزاء": يَعْنِي طلوعها بالغداة. قال أبو حنيفة: وذلك في حَمَّارَة القيظ] (٦). يصفُ علقمة وقوّته وجلدَه، وعلوّه في مثل هذا الوقت قتدَه (٧)،

стр. 824

صابرًا على لَفْح السَّمَائم في طلب المكارم [وهذا مثل قول الآخر (١): وَنَارٍ ودِيِقَةٍ في يَوْمِ هَيْجٍ … مِن الشِّعْرى نَصَبْتُ لَها الجَبِينا ومن أَمْثَالِهم (٢): "إِذا طلعت الجوزاء، تَوَقّدت المَعْزاء، وَكَنَسَتِ الظِّباءُ، وَعَرِقَتِ العِلْبَاءُ، وطاب الخَباءُ". ويروى (٣): يوم تجيء به الجوزاء مسموم. أيْ، تجيء بمجيئه وتطلعُ عند حضوره، فكأنَّها هي التي جاءت به. وبعده (٤): حَامٍ كَأنَّ أُوَارَ النَّارِ شَامِلُه … دُونَ الثِّياب وَرَأسُ المَرْءِ مَعْمُومُ ويُرْوَى: "كأنَّ أُوَارَ الشّمس". قال أبو عليّ: وروى ابن الأعرابي: "شَامِلَةٌ" والوجه فيه: "شامل"؛ لأنّه خبر "الأوار"؛ لكنّه أُنّث "للنّار" المضاف إليها "الأوار"، وهذا النحو كثير] (٥).

стр. 825

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٤٢ - فِي سَعْي دُنْيَا طَالَما قَدْ مَدَّتِ (٢) هذا (٣) البيت استشهد به أبو عليّ على استعمال "دنيا" بغير ألف ولام، على ما كان ينبغي في "الفُعْلَى" التي مذكرها "الأفْعلُ" (٤)؛ لأنَّ "الدنيا" مؤنث "الأدنى"؛ ولكنه أجرى "دُنْيَا" (٥) مجرى الأسماء التي ليست بصفات نحو "بُشْرى ورُجْعَى" [قال أبو علي: فغُيّرَتْ؛ ولولا ذلك لكان التَّصحيح أولى بها من حيث كانت وصفًا؛ لأن الصّفات أبْعد من التّغيير لمشابهتها الفعل] (٦). وقال أبو الفتح (٧): الدُّنْيَا والعُلْيَا وشبههما مما غَلبَ عليه حكم الأسماءِ لتركهم (٨) إجراءَها وصفًا في أكثر الأمر، واستعمالهم إيَّاها

стр. 826

استعمال الأسماء، وأبدلوا (١) اللّام التّي هي "واو ياءً" (٢) في "فُعْلَى" كما أبدلوها وهي "ياءٌ واوًا" في "فَعْلَى"؛ لضرب من التّعادل والعوض. يعني في نحو (٣): "الشرْوى والفَتوى"؛ إذْ كثُر غلبة "الياء" على "الواو" في أكثر المواضع، وخَصُّوا "اللّام"؛ لأنّها أقبل للتغيير؛ لضعفها بكونها طَرَفًا، وكانت الأسماء لخفّتها؛ أحمل لهذا التّغيير من الصّفات؛ لثقلها. وروى ابن الأعرابي (٤): "دُنْيًا" بالصَّرف، قال: إنّهم شبّهوها "بفُعْلَل" (٥) فنوّنوها وهو نادر، ولم نعلم شيئًا مما في آخره ألف التّأنيث مفردُه مصروفًا غير هذا الحرف. ولو قال قائل: إنّ "دُنْيا" ملحقة "بجُنْدَبٍ" في قول أبي الحسن، وكالألف في "بُهْماة" لم أر به بأسًا. ولو قال: "دُنْوًى"؛ لأنّ القلب قد لَزِمَ في الاستعمال، وشبه الإلحاق بالتَّأنيث. قال أبو الحجاج: واعتلّ لذلك ابن جنّي (٦) بكلام كثير اختصرته كراهة الإطالة] (٧).

стр. 827

وقَبْله (١): يَوْمَ تَرَى النُّفُوسُ مَا أَعَدَّتِ … مِنْ نُزُلٍ إذا الأُمورُ غَبتِ [مِنْ سَعْي دُنْيَا .......... … ..................... البيت حَتَّى انْقَضى قَضَاؤُهَا وَأَدَّتِ … إِلَى الإِلَهِ خَلْقَهُ إِذْ طَمَّتِ غَاشِيَةُ النَّاسِ التِّى تَغَشَّتِ … يَوْمَ يَرى المُرتَابُ أنْ قَد حُقَّتِ قوله: غَبَّتْ: أيْ، أتى عليها زمانٌ. والنُّزُل: ما يهيأ للنزيل (٢). والسّعي: من سعي الدّنيا؛ وهو العمل هنا، ومنه قيل؛ للعمال على الصّدقات: سُعَاة. وقال كراع] (٣): السّعي في الخير. والسِّعاية في الشَّر. وقال صاحب العين (٤): كلّ عمل من خير أو شرِّ؛ فهو سَعيٌ. والسِّعَاية: أخذ الصّدقات، ومنه أيضًا: استسعى العبد في ثمن رقبته، والسِّعَاية بالرّجل إلى من فوقه، والسَّعْي أيضًا: الجرْي، وأيضًا: القصْدُ وأيضًا: الذّهاب. قال أبو الحجّاج: وقوله: "من سَعْي دنيا" على تفسيره الذي قدّمناه "بدلّ" من "نُزُل" وتَبيِين له. والغاشية: القيامة. وَطمّت: عَلَتْ. وينبغي أن يكتب نحو "طالَما وقلَّما" مما كُفَ "بما" متَصِلًا، كذا قال أبو الفتح:

стр. 828

في كتاب "التَّنبيه" (١): و "مَدَّتْ" بفتح الميم. وهو الوجه عندي: أيْ؛ مَدَّت الدّنيا للإنسان حبال الأمل، حتّى قطعها هجوم الأجل. ومن روى (٢): "مُدَّت": فمعناها مُدَت لعامريها إلى غاية لابدّ من تقضيها] (٣). وأنشد أبو عليّ (٤) أيضًا: ١٤٣ - يَا لَيْتَها كَانَتْ لأَهْلِي إِبِلَا … أَوْ هُزِلَتْ في جدبِ عامٍ أَوْلَا (٥) هما من بيوت الكتاب غير منسوبين هناك (٦). استشهد بهما أبو عليّ على أنَّ "أوّل" نعت "لعام"، لكنه لم ينْصَرِف؛ لأنَّه صفة و (٧) على وزن الفعل الغالب. قال: ويجوز أَنْ ينتصب انتصاب "الظرف"؛ كأنَّه قال:

стр. 829

أو هزلت في جدب عام قبل هذا العام [وقد بين الوجهين في الكتاب] (١) و "أَوَّل: أَفعل" فاؤه وعينه واوان (٢) [وهذا النّحو قليل. قال أبو عليّ (٣): وأصل "أَوَّل" الصفة، بدليل قولهم: "الأَوَّلُ والأُولى" فهو كالأفْضَل والفُضْلَى، فتقدير "أَوَّل" على هذا أنْ يكون متصلًا "بمن" كسائر أمثاله، فإنْ حذفت "من" وأَنت تريدها لم تصرف الاسم، كما لا تصرف "آخر" إذا أردت معه "من"، والدّليل على جواز حذف "من" قول الله : ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٤)، أيْ؛ وأَخْفَى منه؛ ولذلك (٥) لم يُصْرَف. قال أبو الحجّاج: وقد قيل: إِنَّ "أَخْفَى" هنا فعل ماضٍ، أيْ؛ وأخفى السِّرَّ عن خلقه، فحذف المفعول. قال أبو عليّ: وقد استعمل "أوَّل" هذا الصفة ظرفًا. قال سيبويه: "سألته عن قوله: "مُذْ عامٌ أَوَّلَ" فقال: معناه: أَوّل مِنْ عَامِكَ، أيْ؛ عَامٌ قَبْلَ عامِكَ" واستعمالهم هذا الوصف ظرفًا كاستعمالهم "قريبًا" ظرفًا في قولهم (٦): "إِنَّ قريبًا منك زبدًا"

стр. 830

ومثله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (١). قال أبو عليّ: و "أَوَّلُ" هذا الذي هو صفة قد استُعملَ حُذف "من" معه على ضربين: أحدهما: أنْ يكون محذوفًا من اللّفظ مرادًا في المعنى، فهذا بمنزلة الإثبات، والاسم فيه صفة. والآخر: أن تحذف معه "من" ولا تُرَاد فيكون "أَوَّل" (٢) فيه اسمًا "كأَحْمر" بعد التّسمية به وإنْ نكّرْتَه صرفته "كأَفْكل" (٣)، لأنّه إنما كان صفة لفظًا أو مرادًا ويَدُلُّ على ذلك حذفهم له في قولك: "ما تركْتُ له أوّلًا ولا آخرًا" (٤) فصار هذا بمنزلة قولك: "ما تركتُ له قديمًا ولا حديثًا" في المعنى ثم قال: لننظر في "أَوّل" التي للغاية وأفضى الكلام به فيها آخرًا إلى أن تكون المبنية الظّرفيّة وقد أثبت كلامه مستوفى فيها في غير هذا الموضع. وقال المازني (٥): "رفضوا الفعل من "أوّل" قال أبو الفتح (٦): لأنَّ "فاءه وعينه" واوان، فلو قالوا فيه: "فَعَل يفْعَل" (٧) لكان فيه شيئان يتدافعان؛ لأنَّ "فَعَل" الذي فاؤه واو يجيء "يَفْعِل" منه مكسورًا نحو،

стр. 831

وَعَد يَعِد، وما "عينُه" واو فمضارعه "يفعُل" نحو، "قال يقول" فكان يجب أنْ تكون العين من "يفعَل" مكسورة مضمومة في حال وهذا متنافٍ (١) مع ما ينضاف إليه من ثقل "الواوين"، وإذْ لم يأت مثال "وَعْوَت"، مع أنّ باب "سَلِسَ وقَلِقَ" أكثر من باب "دَدَن وكوكب" فَأَلّا يجوز اجتماع "الواوين" فاءً وعينًا أجدر، وإذا رفضوا الفعل فيه في الصّحيح فرفضهم له في المعتلّ أولى". وحكى ثعلب عن الفرّاء: أنَّ "أَوَّلَ" يجوز أن يكون من "وَأَلْتُ" ومن "وأُلتُ" والقياس يدفع ذلك؛ لأنَّ "أَوَّلَ" من "وَأَلَ" "أَوَّلَ" والأصل فيه: "أَوْأَل" عَلَى أنْ يلزم التّخفيف، وكذلك كان يكون "أَوَّل" أيضًا من "أُلْتُ" على سبيل التّخفيف والأصل فيه من هذا: "أَأْوَل"، فيلزم بدل "فَائه" ألفًا؛ لسكونها "كآدم" ونحوه فلا سبيل إلى التّشديد في "الواو" منه، في القياس على هذين القولين كما لم يشدّد "مَوءَلة" (٢) من خفّف "مؤْلة". ولا يقاس على قولهم في: سَوْءَةٌ: سَوَّة، وفي شيْء، شيٌّ؛ لشذوذهما، فكلاهما ساقط. والقول قول أصحابنا: إنّ الفاء والعين من موضع واحد وأنَّه لا فعل له، ولا حجّة في "الأولى والأوائل"، لانقلابهما في الموضعين "همزة"؛ لأنَّ الأصل: "وُوْلى" فصارت "أُولى"؛ لانضمامها

стр. 832

وكراهة اجتماع "واوين" والأصل: في الأوائِل: "أَوَاوِل" فقلبت "الواو" الثّانية "همزة"؛ لانكسارها وكراهة اجتماع "واوين" ليس بينهما إلّا حرف ساكن، وهو حاجز غير حصين، ولا سيّما وهو "الألف"؛ وهو حرف مدّ ولين، من جنسهما؛ ولقرب "الواو" الثّانية من الطرف وهو موضع التّغيير. قال أبو الحجّاج: لم يقع إليَّ ما يتصل بهذين البيتين، وظاهرهما يقتضي أنَّه] (١) يصف بهما (٢) إبلًا ذهب بها في أحسن سنة وأخصبها، فتمنى أنْ يكون أهله غانميها، أو أنْ (٣) يكون الهزال مستمرًا فيها، حتّى يقلّ [توجع أهليها، ولا يكمل السّرور لآخذيها] (٤) وكأنَّ هذا الشَّاعر لم يكن قومه أرباب هذه الإبل إلَّا أنْ يجعل "كان" بمعنى: "صار" فتدُلّ على الحال. [كلَاء تجتمع له كبدُ المصْرِم] (٥).

стр. 833

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٤٤ - وَلَسْتَ بِالأَكْثَرِ منْهم حَصىً … وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ (٢) البيت للأعشى، استشهد به أبو عليّ على أنَّ تعلق ((من)) ((بالأكثر)) (٣) ليس على حدّ (٤) المفاضلة؛ لتدافع إجتماع ((من)) المعاقبة للألف واللّام معهما لما قد بيّنته (٥) ولكن على كون ((من)) هاهنا ظرفًا بمنزلة ((في)) وهذا كما تقول: أنت (٦) الأكرم عليّ من النّاس، ونحو هذا [مما تريد به تبيين الجنس الذي هو منهم ومعهم] (٧)، وكذلك يريد الأعشى هنا (٨) فيقول: لعلقمة بن علاثة (٩) لست بالأكثر عددًا فيهم، يعني في بني عامر، أو من بين بني عامر،

стр. 834

[وهكذا قدّره أبو عليّ أيضًا، وابن جنّي] (١). قال أبو الفتح: "هذا" (٢) كقولك: "أنت من النّاس حُرٌّ" (٣) "وهذا الفرس من الخيل كريم"، أيْ؛ هو (٤) من بينها، ولكن (٥) الأكثر عددًا فيهم ابن عمّك؛ عامر بن (٦) الطفيل، فالعزّة له دونك (٧)؛ لأنّهم بالكثرة [يفضلونك ويعزّونك، قال أبو عليّ في "التّذكرة": وفيما تتعلّق به "من" هنا نظر وأنشد قول الراجز (٨): فورَدَت قَبْلَ أَنَى ضَحَائِها … تَجُرُّ بالأَهْوَنِ مِنْ أدْنَائها فيمكن أن يكون "الأهون" بمعنى: "الهيِّن) فيتعلّق الجارّ به على هذا، وإنْ كان "أَفْعَل) الذي معناه زيادة الشّيْء على الشَّيْء، كان "من" كما قال: وَلَسْتَ بِالأَكْثَرَ مِنْهُم حَصىً قال أبو الحجّاج: فهذا نصّ منه في أنّ "من" في بيت "الأعشى"

стр. 835

بمنزلة "في" على ما قد ذكرته، ثم قال أبو عليّ: فإنْ قيل: فَلِمَ لا تتعلّق "من" "بتجر"؛ فإنّه خلاف ما فسَّر به البيت فلينظر بعد، ومعنى "تَجُرّ" أَيْ: تسيرُ بالأهون من سيرها وأرفقه يصف إبلًا. وقال في موضع آخر من "التّذكرة"] (١): تخصيص "اللَّام" أكثر ممّا يحدثه اتصال "من" به؛ لأنَّ ذلك تقريب من التّخصيص، وهذا توَغُّل في التّعريف فلا وجه إذَنْ لاتصال "من" به، مع كونها دون "اللَّام" في التّخصيص، وأنَّه كالتّنكير بعد التَّعريف وقد كان يجوز أن تجعل تعلّق الجار والمجرور في "أفعل منك" على حدّ تعلّق المفعول به، لكنّهم غلَبوا عليه حكم الإضافة، فاتصال "من بالأكثر" على أحد (٢) وجهين: على "الظّرف"، أو على "الحال"، فالظرف كقول أوس (٣): "أَحْوَجَ سَاعَةً" واتصاله به (٤) على حدّ الحال لا يمتنع؛ لأن "الحال" في هذا "كالظّرف"؛ لأنَّ المعاني تعمل فيهما [إذا كانت مُقَدَّمَة عليهما] (٥).

стр. 836

قال أبو الحجّاج (١): ويجوز أيضًا عند أبي عليّ [وغيره] (٢)، أنْ تتعلّق "من" (٣) "بلستَ"، كأنّه قال: "ولستَ بالأكثر منهم حصًى" [وهذا قول جيّد أيضًا، وقد أشار إليه أبو عليٍّ في قوله: فإنْ قِيل: فلمَ لا تتعلّق "من بتجرّ". ويجوز أيضًا أن يكون "الأكثر" بمعنى "الكَثير" كما كان "الأهون" في معنى الهيّن. ألا ترى أنه قد قال بعد "الكاثر" فوضعه موضع "الأكبر" أوْ "الكثير" (٤)؛ لأنَّه رَدَّ عليه، وهو من بديع صنعه الشّعر، فتكون "عن" على هذا التّأويل متعلّقة "بالأكثر" دون تدافع، فهذه أربعة أوجه في تأويل اجتماع الألف واللَّام مع "من" [في] (٥): وَلَسْتَ بالأَكْثَرِ مِنْهم حصًى (٦) وقد (٧) أجاز أبو محمَّد بن السيرافي أنْ تَكون متعلّقة بشيْء محذوف مقدّرٍ، كأنّه قال: أعني منهم [وما أشبه هذا فهذا وجه خامس، ولم يكن بَصَرُ الجاحظ لواحد منها يلاحظ، حين كسر به قول النّحويين (٨):

стр. 837

لا تجتمع "الألف واللَّام" مع "من" المعاقبة لها في باب المفاضلة؛ لأنَّ ذلك من المحال، فكَسْرُ عَمْروٍ عَلَى عَمْروٍ ومن تابعه بظاهر هذا البيت صحّح ذلك المقال؛ وكك أمري وصنعته، فلا تعدل بالجاحظ إلى النّحو محجّته، فتهن فيها حجّته. ويروى: "فلستَ بالأكثر منه حصًى" يعني عامرًا] (١). والحصى: العدد الكثير. قال يعقوب (٢): "وأصله: أنْ يُريد (٣) أنَّه مثل الحصى، وهو في موضع نصب على التّمييز (٤)، كما تقول: "زيد الأفضل أبًا" [والعامل فيهما "أفعل". والكاثر - هنا - بمعنى: الأكثر أو الكثير على ما أوضحته قبلُ؛ لأنَّ هذا كله قريب بعضه من بعض، وقد يكون بمعنى: المكاثر، وبمعنى: الغالب بالكثرة؛ وهذا الوجه عندي من أحسنها، قال صاحب "العين" (٥): يقال كَاثرونا فَكَثَرْناهم. أي؛ زدنا على عددهم فنحن كاثرون". قال ابن السيرافي (٦) والمضارع أكثر.

стр. 838

وهذا البيت من قصيدة طويلة للأعشى يُفضِّلُ فيها عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر على ابن (١) عمّه عَلْقَمَة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، وكان الأعشى مع عامرٍ، والحطيئة مع علقمة وخبرهما في منافرتهما مشهور (٢)، فأغنانا عن ذكره هنا. وبعده (٣): وَلَسْتَ في الأَثْرَيْنِ مِنْ مَالِكٍ … وَلَا أَبي بَكْرٍ ذَوي النَّاصِرِ هُمْ هَامَةُ الحَيّ إذا حُصِّلُوا … مِنْ جَعْفَرٍ في السُّؤدَدِ القاهِرِ] (٤) وأنشد أبو عليّ (٥) أيضًا: ١٤٥ - فإِنَّا رأينا العِرْضَ أَحوَجَ سَاعةً … إلى الصَّوْنِ مِنْ رَيطٍ يَمانٍ مُسَهَّمِ (٦)

стр. 839

البيت لأوس بن حجر بن معبد بن حزن (١) التميمي الأسَيدي (٢). استشهد به أبو عليّ على أنَّه نصب "ساعةً" "بأحوج" نصب الظّرف؛ لأنَّه وإنْ ضعف عن قوّة الشّبه للفعل، فليس بأضعف من المعنى الذي يعمل فيه، وليس لفظ الفعل موجودًا فيه كما في "أفْعَل" مع أنَّه قد أشبه الفعل من أوجه. قال أبو عليّ في "التَّذكرة": "ساعةً" منتصبة "بأحوج" لا "بوجدنا"؛ لأنَّه لو كان منتصبًا "بوجدنا" لكان قد فصل بين "أحوج" وبين ما هو من صلته (٣) يعني: "إلى الصَّون من ريط" بما ليس من صلته؛ يعني: "ساعةً". وقال أبو الفتح (٤): "كان ينبغي أنْ يقول: أَشدّ احتياجًا، لأنَّه من "احتاج"؛ لكنّه حذف الزّيادة للضّرورة [وبناه على (٥) الأصل، وله نظائر … ". قال أبو الحجّاج] (٦): قوله "ساعةً" يريد: ساعة الغضب فغني (٧) عن إضافته إليه، للدّلالة القايمة من اللّفظ عليه [وفي المثل السَّائر: "الغضبُ يغول

стр. 840

الحلم" (١) أيْ؛ يتلفه ويهلكه، والسّاعة أيضًا: المشَقَّة، وأنشدوا في ذلك: جاوزتُها ساعة لا ساعة … ونحن بين الهضب هضبُ القنيب أَيْ؛ ساعة مشقّة وجدٍ في العمل، لا يمكن المكث فيها من شدّة الوَجَلْ، وهذا عندي على الاستعارة وحذف المضاف إليه، أيْ ساعة جدٍ وعمل، لا ساعة راحةٍ وكسل. وللكلام (٢) على إضافة ساعة إلى ساعة، موضع غير هذا. والسّاعة أيضًا: البعدُ عن ابن الأعرابيّ، وأنشد (٣): صُدُوحُ الضُّحى مَعْرُوفَةُ اللَّحْن لَمْ تَزَلْ … تَقُودُ الهَوَى مِن سَاعةٍ ويَقُودُها هكذا روى هذا البيت عنه أبو تمام في "الموعب"، ولعلّ أصل هذا من قولهم: وَسُعَ الفَرَسُ وَسَاعةً وسعَة (٤)، وهو وَسَاع "فالفاء" إذَنْ من هذه "واو" حذفت، أو قلبت إلى ما بعدها، وأمَّا "الألف" من "السَّاعة" التي هي الوقت "فعين"، وأصلها: "سَوَعة" فقلبت "الواو" ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها. والعرضُ: الحسبُ، وقيل: النفسُ، والخليقة المحمودة. وقيل: ما يُمدَحُ به ويُذَمَّ.

стр. 841

والريطُ: جمع ريطةٍ؛ وهي كلّ مُلَاءَةٍ لم تكن لفِقَيْن. وقيل: كلّ ثوب رقيق ليّن (١): ريطة. ويمان: منسوب إلى اليمن على غير القياس. والقياس: يمنيّ، وليس هذا أيضًا موضع الاعتلال له لكلّ نبّهنا عليه تشويقًا إليه. ومُسَهَّم: فيه خطوط كالسّهام. وقال يعقوب] (٢): المسَّهم (٣) الذي وشيَه مثل أفاريق السّهام [ويقال: أفواق أيضًا. والسَّعيدية من البرود: مسهَّمة كلّها، أي؛ فيها كآثار السّهام. ويروى (٤): "وجدْنَا" مكان "رَأيْنا" وكلتا الرّوايتين في معنى العلم والتَّحقّق (٥). ويروى (٦): "أفقر" عوض "أحْوَج"، وقبله (٧): وَمُسْتَعْجِب ممَّا يَرَى مِنْ أَنَاتِنَا … وَلَوْ زَبنَتْهُ الحربُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ أَيْ؛ رُبَّ مستَعجا من حِلمنا وأناتنا، عَمّن سفِه علَيْنَا وتعرض بذلك إلى أَذَاتنَا أخذًا بأحسن الأدب، عند سَورَاتِ الغضب.

стр. 842

وَمُسْتَعجب: أحد ما جاء من "استفْعَل" بمعنى: "فَعَل" ومثله: سَخِرتُ منه واسْتَخَرْتُ. والأناة: التمكث والصّبر. والزّبنُ: الدّفْعُ. و لم يترمرم: لم يتحرّك ولم يتكلّم، أي؛ نحن أعلم بشأن الحرب منه. ومَمثّل به معاية ﵀ (١) للوليد بن عقبة حين قدومه الكوفة وقد استنشده معاوية قوله (٢): أَلَا أَبْلِغْ مُعاوِيَةَ بنَ صخرٍ … بِأَنَّكَ مِن أَخِى ثِقَةٍ مُلِيمُ قَطَعْتَ الدَّهْرَ كالسَّدْمِ المُعَنًّى … تُهدِّر في دِمَشْقَ ولا تَريمُ يُمنِّيكَ الخلافةَ كُلُّ رَكْبٍ … لأَنْضَاءِ العراق بِهم رَسيمُ فإنَّك والكتابَ إلى عَلِيٍّ … كَدَابغَةٍ وقد حَلِمَ الأَدِيمُ في أبيات غيرها. قال المصعبُ (٣) الزُبَيري: وكان الوليد من رجال قريش وشعرائهم وأسخيائهم] (٤).

стр. 843

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٤٦ - وأَلّا النَّعَامَ وَحَفَّانَهُ … وطَغْيًا مَع اللَّهَقِ النَّاشِطِ (٢) البيت لأسامة بن الحارث الهذليّ [من قصيدة ثابتة في "ديوان" أشعار هذيل، ونسبه أبو عمرو الشّيبانيّ في كتاب "الحروف" (٣) لتأبّطَ شرًا] (٤). واستشهد به أبو عليٍّ على أنَّ "طَغْيا" مما جاء على "فُعْلَى" اسمًا لا مصدرًا. [قال أبو عليّ (٥) البغداديّ: قرأته على ابن دريد في بيت أسامّة الهذلي برواية الأصمعيّ. وإلَّا النَّعَامَ وحفَّانه … وَطَغْيًا مَعَ اللَّهَقِ النَّاشِطِ

стр. 844

بفتح الطاء، وهي بقرّة الوحش الصغيرة عن ثعلب، قال أبو عليّ: وقد حُكِي عن الأصمعيّ أيضًا أنَّه كان يقول: "طُغْيًا" بالضّمّ، قال أبو سعيد (١): ولم أسمع "طُغْيًا" إلَّا في هذا. قال غيره: ويُروَى: "وخَيْطًا من اللّهق الناشِطِ" وقال: يعني: بقرًا وطَغْيًا: نبذ منه. قال أبو الحجاج: وهذا يُؤكّد رواية من رَوَى: "وطَغْيًا من اللّهق"] (٢). قال أبو بكر بن عبد العزيز وغيره (٣): طَغَت البقرة الوحشية تَطْغى طَغْيًا صاحت (٤)، والثور (٥) كذلك. والطَّغَا: الصوتُ. وطِغَى الرجل وَطغَا طَغْوًا وطُغْيَانًا أسرف في الظّلم والمعاصي. والنّعام: جمعُ نَعَامَة، والنَّعامة: اسم للذّكرِ والأنثى [منها. ويُقال: نعامات، ونعائم، في جمع نعامة أيضًا.

стр. 845

وذكر أبو عليّ (١) عن ابن الأنباريّ، عن الأصمعيّ قال: حفان: إناث النّعام. قال أبو حاتم: وقيل: حفان النّعام: ريشه، وقيل: الحفان: ولده وولد الإبك أيضًا، وكذا قال أبو عبيد (٢) و لم يشترط الصِّغَر. وقيل: صغار النّعَام والإبل، والواحدة: حفَانة؛ الذكر والأنثى فيه سواء. وفي العين (٣): "الحفان أيضًا: الخدم" فكأنَّ الحفان الذي هو ولد النَّعام سُمِّي بذلك؛ لحفيف جناحيه؛ وهو صوتها عند شدّة، أو لأنّه يَحِفُّ بأبويه، أيْ؛ يطيف بهما، ويعْكُفُ عليهما، فيكون هذا الأشتقاق يجمع بينه وبين ولد النَعم، وبَيْنَ "الحفان" الذين هم الخدَم؛ لعكوفهم على من يخدمونه. وقال أبو خيرة (٤): الأَفيلُ أيضًا: صغارُ النَّعَم، كما يُقَال: في صغار الإبل، والأنثى: أفيلة واللَّهق، ويقال: اللَّهقُ أيضًا الأبيض، ويقال: اللّهاق أيضًا، لَهَاق ولِهاق والأنثى لهقة ولهاق، وقد لهِق ولهق لَهقًا ولهْقًا وأكثر ما يوصف به الثور الوحشي، ويقال: بلق بمعنى لهق] (٥).
следующие страницы →