← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وقال أبو عبيدة: ومعنى قوله: وكانا في الغنيمة كالرِّكاب أَيْ؛ أنَّهما لمن أراد الغنيمة لا امتناع بهما، كما لا تمتنع الرِّكاب؛ يعني: الإبل. قال أبو الحجّاج:] (١) ومن بعض خبر (٢) عبد اللّه بن الحجّاج الثَّعلبي؛ أنَّه كان من أشدّ النّاسِ على عبد الملك بن مروان في طاعة ابن الزّبير، فوجّه عبد الملك في طلبه، فلمّا خَشي عبد اللّه (٣) أن يُظْفَرَ به، تحيّل حتّى في دخل على عبد الملك (٤) في اليوم الذي كان يُطعم فيه، فمَثل بين يديه فقال (٥): حَرَبَتْ أُصَيبِيبَتي يَد أَرْسلتَها … وإليكَ بعد مُغارِهَا مَا ترجعُ كذا (٦) رواه أبو الفرج، وروى (٧) غيره: مَنَع القَرارَ فَجِئتُ نَحْوَكَ هَارِبًا … جَيْشٌ يَجُرُّ ومقْنَبٌ يَتَلَمَّعُ فقال عبد الملك: هذا لأنَّك مريب. فقال (٨): مَالٌ لَهم فيما أَظُنُّ جُمَعْتُه … يَوْمَ القَلِيب فَحِيزَ عَنْهُم أَجْمَعُ

стр. 877

فقال عبد الملك: أَحْسبُه كان (١) كَسْب سُوءٍ. فقال: فارحم أُصَيْبِيَتي فَدَيْتكَ إنَّهم … حِجْلَى ............... البيت فقال عبد الملك: أجاعُ اللّه بطونَهم. فقال: أَدْنُو لِتَرْحَمَني وتَقْبَلَ تَوْبَتِي … وَأَرَاكَ تَدْفَعُنِي (٢) فَأَيْن المَدْفَعُ فقال عبد الملك: إلى النَّار (٣). فقال: ضَاقَتْ ثِيَابُ المُلْبِسينَ ونَفعُهم … عَنَّى (٤) فَأَلْبسْنِي فَثَوْبُكَ أوْسَعُ قال: فنزع عبد الملك مِطْرَقًا كان عليه، ورمى به إليه، ثم قال: أأكلُ؟ قال: كل. فلما وضع لِده على الطّعام قال: أمنْتُ وَرَبّ الكعبة. قال: كُنْ آمِنًا من كنتَ، إلا عبد اللّه بن الحجاج. قال: فأنا عبد اللّه بن الحجّاج. قال: أولى لكَ. ثم أمَّنه. ثم قال: واللّه لقد طاولتك طمعًا في أنْ يقومَ إليك مَنْ يقتلك فأبى اللّه ذلك. وفي رواية أبي الفرج الأصبهاني (٥). أنَّ الأكل كان قبل الإنشاد. واللّه أعلم (٦).

стр. 878

وأنشد (١) أبو عليّ أيضًا: ١٥٢ - يَا أَمَةً وُجِدْت مَالًا لِلَا أَحَدٍ … إِلَّا لِظِرْبَى تَفَاسَتْ بَيْنَ أَحْجَار (٢) البيت للقتَّال عُبَادة، وقيل عبيد بن المَضْرَحِي، وقال عُمر (٣) بن شَبَّة: هو عبد اللّه بن المجيب (٤) بن المضرحي الكُلَّابِيُّ، وكذا جعل محمَّد (٥) بن حبيب: "المضرحي" جدّه، وقال: "هو أحد فتاك العرب". اشتشهد (٦) به أبو عليّ، على أنَّ "ظِرْبى" جمع "ظِرْبَان"، ولم يجئ (٧) "فِعْلَى" جمعًا غيره، وغير "حِجْلى" في البيت الذي تقدّم (٨) [وستأتي "لظربانَ" جموع أخَر. قال أبو عليّ: هو دَابّة كالهرَّة ينتنُ فساؤه] (٩).

стр. 879

وقال غير أبي عليّ (١): الظَّرْبَانُ شبه الكلب (٢) أصلم (٣) الأذنين، طويل الخرطوم، أسود السَّرَاة، أبيضُ البطن، خبيث الرَّائحة، شديد الفسو، منتنه، يَفسُو في جحر الضَّبِّ؛ فيقلق لذلك، فيخرج فيأكله. وتزعم الأعراب أنَّه إذَا فَسَا في ثوب صائده بقىَ خِبْثُ (٤) ريحه فيه حتى يفنى الثّوب. وهو مفرق النَّعَم، ويقال للمتقاطعين: "كأنّما (٥) فَسَا بينهم ظِرْبَانٌ" وزعم بعضهم: أنه النمس. وقوله (٦): "تفاسَتْ": أَيْ، استعملت الفسو، واتخذت (٧) سُلاحَها؛ سِلَاحها جبنًا في الطّباع، وضعفًا عن الدّفاع (٨)؛ ولذلك تلوذ بأجحارها، ولا تبعد عنها، لِشدّة حذارها؛ وإنْ كانت ذات (٩) مال، فلم ترثه عن سَرَاة رجال،

стр. 880

وهذا النفي على طريق المجاز والاتساع، تنبيهًا (١) على بُعْدِهم من الأحدية (٢) في الطِّبَاع، وأنّهم إنّما يشبهون الظربان، لا الإنسان، يخاطب بذلك قومًا من عشيرته، كانوا قد أسلموه لجريرته (٣)؛ لانّه كان كثير الفتكات، عظيم (٤) الجنايات، ولم يعدم (٥) متسرعًا إلى ذمّه، منذ (٦) قتل ظلمًا ابنَ عمّه، وتابعَ بعده قتل رجالٍ؛ ولذلك سُمِّي بالقتَّال (٧)، وأخبارُه في ذلك مشهورة، وفي غير (٨) موضع مسطورة، ونحو من هذا النحو قول (٩) الرّاعي: لَوْ كَنْتَ مِنْ أَحَدٍ يُهْجَى هَجَوتكُم … يَا ابنَ الرِّقَاع ولكِن لستَ مِنْ أَحَدِ تَأْبَى قُضَاعَةُ لَمْ تَقْبَلْ لكم نَسَبًا … وابْنَا نَزَار فَأَنْتُم بَيْضَةُ البَلَدِ

стр. 881

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٥٣ - إِلَيْهِ تَلْجأُ الهَضَّاءُ طُرًّا … فَلَيْسَ بَقَائِل هُجْرًا لجادي (٢) البيت لأبي دُؤاد (٣) الإِياديّ، استشهد به أبو عليّ على أن "الهضاءَ" "فَعْلَاء" وهمزته (٤)، للتّأنيث؛ لأنّه من "الهضّ"؛ وهو كسر دون الهدّ (٥) وفوق الرّض، قاله صاحب "العين" (٦) وقال (٧) أبو عليّ: إنّما قيل، للكتائب والجماعات والخيل الكثيرة: هَضَّاء؛ لأنّها تَهضَّ الأشياء أَيْ؛ تكسرُ [قال العجَّاج (٨):

стр. 882

وَكأَنَّ ما اهتضَّ الجِحافُ بَهْرَجا] (١) وأنشد أبو عليّ (٢) البغداديّ على أنّ "الهَضَّاء" أيضًا الكثير من الخيل، قول الآخر (٣): فيومًا بَهضاء يومًا بِسُربَةٍ … ويَوْمًا بِخَسْخَاشٍ من الرَّجْلِ هَيْضلِ وكذا فسّر (٤) يعقوب "الهضاء" في بيت أبي دؤادٍ هذا. وقال: الهضُّ: الدّفع عن أبي زيد (٥) قال أبو الحجاج: والمراد أصحاب الخيل، وكذلك المراد فيما أنشده أبو عليّ القَالي (٦)؛ لأنّه يصف حاله في غزوه؛ وأنَّه يغزُو تارة بجيش (٧) كثير الفرسان، وهم الهضاء، وتارة بفرسان قلائل؛ وهم السَّرَبة؛ وهي ما بين عشرين فارسًا إلى ثلاثين، وتارة بخشخاش، وهم الرَّجَّالة. والهيضل: الجماعة يُغْزَى لهم ليْسُوا بالكثير.

стр. 883

وقال أبو زيد (١): ألجأته إلى كذا (٢): أَيْ؛ اضطررته إليه حتّى لجأ (٣) [لَجْأً، ولَجًا ولُجوءًا والتجاءً، وقال أبو بكر (٤) الزبيدي: ألجأته: عصمته] (٥). قال أبو الحجّاج (٦): ومن هذا المعنى (٧) اشتقّ عندي (٨): الملجأ واللَّجاء [وقال قطرب: لَجيَت لغة] (٩). "وطُرًّا": من الألفاظ المنتصبة على الحال. حملًا على المعنى؛ لأنَّ معناه (١٠) مجتمعة إليه، منضّمة (١١) من جميع النّواحي؛ لأنّ أصل الطرَّة (١٢): النَّاحية. وطُرًّا: على رأي أبي الفتح: ينتصبُ على المصدر المحمول على المعنى؛ لأنَّه يُرادُ به العموم. ويروى: "يومًا" (١٣) عوض "طُرًّا" ويروى: "إليه تلجأ الهضبات منها" ولا شاهد فيه على هذا (١٤).

стр. 884

والجادي هنا: السّائل. يقال جداه يجدوه إذا سأله. قاله (١) أبو عمرو ويعقوب. وقال ابن دريد (٢): جَدَوْتُ الرجُلَ: أعطيته، وجَدَوته سألته، وهو من الأضداد. وأنشد: جَدَوْتُ أُنَاسًا مِنْ مَعِين فَما جَدَوْا … أَلّا اللهَ فاجدُوه إذَا كُنْتَ جَادِيَا (٣) [قال أبو حنيفة: والجدَا: المطر العام (٤) عن الأصمعيّ. والجَداء بالمدّ: الغناء] (٥) والهُجُر: القُبُح من الكلام. وقد أهجَر في منطقة إهجارًا. وحذف مفعول "الجادِي"، والمعنى: لِجاديهِ. وقبله (٦): فَبِتُّ أُرَاقِبُ الجَوْزَاءَ حَتَّى … تَغَيَّبَ مِنْ تَوَالِيها بَوَادِي لِفَقْدِ الأَرْيحِي أَبِى بجَادٍ … أَبِي الأَضْيَافِ في السَّنَةِ الجَمَادِ [أَيْ؛ التي لا مطر فيها] (٧) يرثى بهذا الشّعر. أَبَا بِجَادِ، وهو رجل من قوم (٨) أبي دواد، قتله شقيق بن عبد الله (٩) بن الأعور بن كعب بن عمرو بن سُدوس.

стр. 885

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٥٤ - أَلَا يَا بَيْتُ بِالعَلْيَاءِ بَيْتُ (٢) هذا صدر (٣) بيت لعمرو بن قنعاس، وقيل: قعاس المرادي، وقيل هو (٤) لهانئ المراديّ، ونسبه الجرمي في "الفرخ" للسَّموأل بن عاديا اليهوديّ. استشهد به أبو عليّ على أنّ "العلياء" اسم غير وَصْفٍ؛ ولذلك غُيّر بإبدال واوه ياءً، لا سيّما وهو في هذا البيت موضع بعينه، والأعلام

стр. 886

قد تُغيَّر كثيرًا. والعلياء: رأس كلّ جَبَل مُشرفٍ [قال الخليل: إنّما قالوا: "العَلْيَاء"؛ لأنّه لا ذكر لها أرادوا أنْ يفرّقوا بين ما له ذكر، وبين ما لا ذكر له. قال الفرّاء: وليس هذا بشيء؛ لأنَّه قد جاءت أشياء على "فَعْلَاء" لا ذكر لها، فلم يجعلوها "بالياء" كما زعم، قالوا: الحَلْواءُ واللأْوَاءُ] (١). والقول في ذلك: أنَّهم بنوها على "عليت"، ولم يبنوها على "علوْتُ". وقال أبو على (٢): "وإبدال الياءِ من الواو في "العلياء" نادر، وليس على "عليتُ"؛ لأنَّ هذا اسم لا يناسب الفعل، ومثل ذلك في الشّذوذ "داهِية دَهْيَاء"، وكان القياس: "دَهْوَاء"؛ لأنّها من الواو قال العجاج (٣): بَيْنا الفتى يَسْعَى إلى أُمْنِيَّهْ … يَحْسَبُ أنَّ الدّهرَ سُرْجُوجِيَّهْ إذْ عرضت دَاهِيَةٌ دَهْوِيَّهْ فاللّام (٤) "واو" هنا كانت (٥) "فُعْلِيَّة" أو "فُعْلولة" قال: وليس في "العلياء"، ما يوجب قلب الواو ياءً ألا ترى أنّك تقول: خَذْوَاء (٦) وقَنْوَاءُ وَجَأْوَاءُ

стр. 887

في مؤنث أَجَأى، فإذا كانت "اللّام" في هذا النّحو قد صحّت علمتَ أنّ قوله: أَلَا (١) يَا بَيْتُ بِالعَلْيَاءِ بَيْتُ أبدلت فيه على غير قياس، كما أبدلت الواو من الياء (٢) في "أشَاوِي" على غير قياسٍ، فأمّا "العُليا" في نحو قول الله تعالى (٣): ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾، بإبدال "الياء" فيه مُطَّرد في الاستعمال، وإنْ كان شاذًا في القياس، ألا ترى أنّهم قالوا: "الدُنْيَا"؛ وهي من "دنوتُ"، فأمَّا "القُصْوَى" فمما نبّه به (٤) على الأصل، كما جاء "قوَد"، ورجلٌ "رَوَع"، فصار تصحيح هذا شاذًا (٥) عن قياس نظائِره (٦)،

стр. 888

وما اطّرد فيه القلب، وإنْ كان على القياس المرفوض الذي ينبغي أن يجئ عليه هذا الباب. قال أبو الحجّاج: والمعنى: ألَا يَا بَيْت لي (١) بِالعَلْيَاءِ لي بَيْتٌ آخرُ أدَعَه وآتيك، حُبًّا في أهليك، "فبيت" الثّاني مبتدأ، وخبره "بالعَلْيَاء"؛ لأنّه كلام مستأنف. وقد يكون (٢) خبره أيضًا "لي" المحذوفة من اللّفظ، المرادة في المعنى؛ وهو الوجه عندي أن تحمل على الخبر لا على التبيين. وتأخرّ "المبتدأ" هنا واجبٌ؛ لأنَّه نكرة. وقد تقدّم (٣) القول في ذلك. قال أبو عليّ في "البصريات" (٤): "ولا يجوز عندي أنْ يكونَ "بالعَلْيَاءِ (٥) بيت" متعلقًا بمحذوف على أنْ يكون حالًا، ولكن تعلّقه بمحذوف على نحو قولك: "في الدّار رجلٌ"؛ لأنَّه خبر بيت الثّاني (٦) ".

стр. 889

قال أبو عليّ (١): "فإنْ قلت: فلم لا تجعل (٢) "بالعلياء" حالًا، وتجعل "بيت" (٣) الثّاني بدلًا من الأوّل ليخلص (٤) الظّرف حالًا؛ فإنَّ ذلك لا يجوز، ألا ترى أنَّه لا يستقيم أَنْ تقولَ مبتدئًا (٥): "يا زيدُ ولولا عمرو أكرمتك"؛ لأنَّ بعده (٦): وَلَوْلَا حُبُّ أهلِكَ مَا أَتَيْتُ [وقد ذكره ابن جني أيضًا وزاد في إيضاحه] (٧). وبعده (٨): ألَا يَا بَيْتُ أَهْلُكَ أَوْ عَدُونِي … كَأَنّى كُلُّ ذَنْبِهمُ جَنَيْتُ

стр. 890

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٥٥ - يَكلُّ وَفْدُ الرّيحِ مِنْ حَيْثُ انْخَرقْ (٢) البيت (٣) لرؤية بن العجّاج من الرّجز الذي أوَّله: وَقَاتِمِ الأعْمَاقِ خَاوِي المُخْتَرَقْ استشهد به أبو عليّ، على إجازة قول (٤) من جعل "الكَلّاء" الذي هو المرسي "فَعْلَاء" من المضاعف، "كالَهضَاء" منه؛ لأنَّه مستتر بكلّ عمل الريح فيه [على إذاية السفن؛ لتواريه. قال أبو حاتم (٥): ولا أعلم أحدًا يؤنثه. وقال كراع، وأبو علي البغدادي (٦): عن أبي زيد، يقال: قد كلؤا السّفينة: إذا أَدْنَوها من الشطّ.

стр. 891

قال أبو الحجّاج: وهذا كلّه يؤيّد أنَّ "الكَلّاء" "فَعَّالٌ" لا "فَعْلاء" و] (١) قوله: "يكلّ وفْدُ الرّيح" (٢) في موضع جرٍ على النّعت "لقاتم الأعماق" بعد وصفين تقدّما في البيت الذي قبله (٣) وهو: مُشْتَبِهِ الأَعْلَامِ لَمَّاعِ الخَفَقْ فمن روى "يُكل وفْدَ الريح" فلا حذف (٤) فيه. ومَنْ رَوى: "يكل وفد الريح" بفتح الياء ورفع "وَفْدُ" (٥) فلا بدّ من اعتقاد محذوف، [يرجع من الصّفة إلى الموصوف] (٦)، تقديره: "فيه" على مذهب سيبويه [وعلى مذهب أبي الحسن الأخفش على التّدريج، وهو أن يحذف حرف الجرّ ثم يتسع فيحذف "الهاء" تخفيفًا] (٧). واستعار الكلال للرّيح، وإنْ لم تكن ذات روح (٨)؛ لأنَّ المعنى ونَى (٩)

стр. 892

عملها وفترُ إمّا في "الميناء"؛ فلكثافة الحجاب، وإمّا في القفرِ (١)؛ فلهبوبها في متسع يباب، لا تصلُ إلى أقصاه، فضلًا أن تتعدّاه. وقيل: إنَّ الموضع إذا اتَّسع فترت (٢) فيه الرّيح، وإذا ضاق اشتدَّ مرورها فيه (٣). وأشار باستعارة "الوفد" أيْضًا إلى أنها وإنْ اختلفت، فلا تصل من قطع هذه المفازة إلى ما أمَّلت، [أَوْ إلى أنَّ الريّاح الأربع تتمكن منها؛ إذْ لا شيء يسترها عنها] (٤) وقال بعضهم: وفدُ الرّيح: أوّلها، وقيل: ما جاء منها. فرؤبة يفخرُ بقطعه إيَّاها، وصبره على ما لقي من أذاها. وقوله (٥): "انخرق" أَيْ، مَرَّ واتّسَع. يعني هذا الخرق القاتم [ويمكن أنْ أراد الوفد عندي، ومثله قول الرّاعي: وَخَرْقٍ تَلْعَبُ الأَرْوَاحُ فِيه … تَرَى للرَيحِ ذاهِبةً مَثَابَا وقد تقدّم القول في البيتين قبله] (٦).

стр. 893

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٥٦ - وَأَرْبدُ فارس الهَيْجا إذَا ما … تقَعَّرت المشاجرُ بِالفِئامِ (٢) البيت للبيد بن ربيعة العامري (٣)، استشهد به أبو عليّ، على أنَّ "الهيجا" فيه مقصورة، وقال بعض (٤) المتأخّرين: يجوز أن تكون (٥) الممدودة، إلَّا أنّه لما التقت الهمزتان، حذف الأولى؛ تخفيفًا على نحو قراءة من قرأ (على البَغَا إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) (٦). ولا يجوز أنْ يكون على تسهيلها؛ لأنَّ المسهلة في حكم المُحقَّقة (٧)، فكما أنّ تحقيق الهمزة هنا (٨) يكسر البيت،

стр. 894

ويخرجه عن عروضه، فكذلك التّسهيل، وإنّما كان يجوز على حذف الهمزة ألبتة. [قال أبو الحجّاج: وقد استشهد الجرمي بمثله على قصر "الهيجا"؛ وذلك قول لَيْلَى (١): سَمِعْنَ بِهَيْجَا أَضْلَعَتْ فَذَكَرْنَهُ … وَلَا يَبْعَثُ الأَحْزَانَ مِثْلُ التَّذَكُّرِ] (٢) والهيجاء: الحرب، وهي "فَعْلاء" من الهيج (٣)، أو "فَعْلَى" فيمن قصَرها (٤). وتقعَّرت: سقطت من أقصاها (٥) عن (٦) ظهر البعير؛ لأنَّ الانقعار: سقوط. وظهور (٧) قعر السّاقط: أَيْ؛ أقصاه من أسافله، وإنّما يقال: قعَّر وتقَعَّر في الرّجل، إذا تشدّق في كلامه، وتكلَّم بأقصى قعر فيه، والانقعار في النخل ونحوه (٨): انصراع من أصله، وانجِعاف.

стр. 895

والمشاجر (١): جمعُ مِشْجَرٍ [ويقال: مَشْجرٌ أيضًا] (٢)؛ وهو مركب أصغر من الهودج، مكشوف الأعلى [ويقال له أيضًا: شِجَارٌ؛ وهو مما جاء على مِفْعَلِ وفِعَالٍ؛ كَمِئْزَرٍ وإزَارٍ، ومِخْيَط وخِيَاط الإبرة، ومِقْنَع وقِنَاع، ونحو ذلك وقال بعضهم: الشّجَارُ جمع، وأصل الشّجر: التَّداخل والاشتياك ابتداءً، ثم الارتفاع وخروج كلّ فرع إلى ناحية انتهاءً، ومن هذا أخذ الشّجر. وتشاجر القوم؛ إذَا اختلفوا بعد اتّفاق] (٣). وقيل: إنّ المشاجَر: عيدان الهوادج (٤). والأصل في هذا كلّه واحد. والفِئَام: الهودج الذي قد وسعَ أسفله، ومنه يُقال: "رَجْل مُفَأَمٌ ومَفْأَم"، أَيْ؛ مُوسَّع. [وقال أبو عمرو (٥): وهو وطأ يكون للمشاجر، وجمعه فُؤْم، وتفسيره أليق بهذا البيت] (٦). وقال (٧) غيره: الفِئَام: العِكْمُ؛ مثل الجوالق، يعني: الغرارة (٨) صغير الفمّ، يُغطَى به مركب المرأة يُجْعَلُ

стр. 896

واحد من جانب (١)، وآخر من جانب. [وحكى أبو عمرو (٢) عن الكُلَابِي: فئام العكم: أحد جانبي فيه، فإذا فُتِح كلّه فليس له فئام] (٣) فموضع "الباء" من قوله "بالفِئام" على هذا التفسير كلّه في موضع (٤) نصب على "الحال"، كما تقول: "خرج زيد بثيابه" ونحو ذلك. والمعنى: تساقطت الهوادج مُفْأَمة، أَيْ؛ مهيأة للرّكوب. [وحكى ابن كيسان (٥) في "كتاب الألفاظ" ليعقوب: أنّ الفئام، الذي هو الجماعة مهموز وغير مهموز، وبالهمز حكاه صاحب "الموعب" عن أبي زيد وكذلك الفِئام؛ الذي هو الهودج مهموز أيضًا] (٦) وقد يجوز أنْ يعنى (٧) بالفِئام هنا: جماعة النِّساء يريد (٨): أن أربد كان عظيم الغناء؛ عند تساقط الهوادج بالنّساء؛ لشدّة الأحوال، واشتغال الرّجال بالفرار، أو (٩) القتال.

стр. 897

يؤبن لبيد بالقصيدة (١) التي هذا البيت منها أخاه لأمَّه، أَربَدَ بن قيس (٢) [بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب، وقَدِم أَرْبَدُ على النبيّ ﷺ مع عامر (٣) بن الطفيل، ولعامر يومئذٍ بضع وثمانون سنة، وكان أعور طعنه في عينه مُسْهر بن يزيد بن عبد يغوث بن صلاءة (٤) غدرًا فيما زعم بعضهم. واسم أربَد؛ عمرو، وسمَّى أربَد بقوله (٥): قُلْ لِقُرَيْشٍ يُثْلِغوا رَأسَ حَيّةٍ … تَدَلّى عليهم مِنْ تِهامَةَ أرْبَدُ وكان يكنّى أبَا الحَزَّان، قاله أبو عبيدة في "مقاتل الفرسان". وقال أبو عليّ الآمديُّ: يُكْنَى أبا حزَيز، وأبا الحزاز. وقال أبو الفرج (٦): كنيته أبو الحزاز، وصُغر في قول (٧) لبيد، ضرورة: فَوَدِّعْ بِالسَّلَامِ أَبَا حزَيْرٍ … وَقلَّ وَدَاعُ أَرْبَدَ بِالسَّلامِ وخبرهما في وفودهما على النبيّ ﷺ مشهور ثبت في السير

стр. 898

وغيرها] (١). وقبل (٢) بيت الإيضاح: فَيُحْمَدُ قَدْرَ أربَدَ مَنْ عَرَاها … إذَا مَا ذُمَّ أَرْبَابُ اللِّحامِ وإنْ يَشْرَبْ فَنِعْمَ أَخُو النَّدَامَى … كَرِيمٌ مَاجدٌ حُلو النِّدامِ وأنشد أبو عليّ (٣) أيضًا: ١٥٧ - إذَا كَانَتْ الهَيْجاءُ وانْشَقثِ العَصَا (٤) هذا صدر بيت استشهد به أبو عليّ (٥) على مَدّ "الهيجاء". وتمامه:

стр. 899

فَحَسْبُكَ والضَّحَاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ العَصَا هنا: الجماعة، ضرب انشقاق العصا مثلًا في اختلاف الأقوام، لهول المقام، وأنَّ الضَّحاك فيه أغْنَى حُسَام، وإنّما ضرب المَثَل بها، لقلّة جَدَائِها عند افتراق (١) أجزائِها (٢). روى ابن الأنباري (٣): "والضحّاكُ" بالنّصب والرّفع، وقال (٤): "سمعت أبا العبّاس يقول (٥): في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يجوز في "من" (٦) الرّفع والنّصب [فالرّفع على النسق على الله - يعني على العطف عليه -] (٧)، والنَّصب على معنى يكفيك الله، ويكفي المؤمنين، من قولهم (٨): "أحَسبي الشيء"، أَيْ؛ كفافي، وكذا (٩) قدّره أبو حاتم هنا، أَيْ؛ يحسبك الله ويحسب المتّبعين لك من المؤمنين. والرّفع: على تقدير ومتبعُوكَ حَسبُهم الله، قال أبو حاتم:

стр. 900

والجرُّ في قوله: "والضّحّاك" بالعطف (١) على "الكاف" في اللّفظ؛ وهو قبيح. وكذلك من اعتقد "مَنْ" في الآية في موضع جرّ. قال أبو الحجّاج: من نصب "والضّحّاك" فعلى المفعول معه، "وحسْبُكَ" مبتدأ، "وسيف" خبره. والمعنى (٢): كافيك سيف مع صُحبَةِ الضَّحَاك، وحضوره أَيْ؛ حضوره هو السّيف المغني عمّا سواه. ومن رفع "والضّحاكُ" (٣) فهو مبتدأ، وخبره "سيف"، وخبرُ "حسبُك" محذوف؛ للدّلالة عليه، لأنّه في معنى الأمر، أَيْ؛ فلتكتف (٤) ولتثق، فالضّحّاك سيفك الأوثق. والوجهُ المختار هنا (٥): النّصب بلا خلاف؛ لبُعْد الرّفع من المعنى؛ لأنَّ "الضّحّاك" هو السّيف المهنّد (٦) فليس هنا شيْء آخر يعطف عليه ويُعتمد، وإنَّما "الواو" هنا بمعنى: "مع" أو بمعنى (٧): "الباء"، كما كانت كذلك (٨) في قولهم: "كُلَ شَاةٍ وسخلَتَها بدرهم" أَيْ؛ مع سخْلتها، أو بسَخلتها، وفي قولهم (٩): "استوى الماءُ والخَشَبَةَ"، أَيْ؛ مع الخشبة،

стр. 901

أو بالخشبةِ [قال أبو عمر: "فالواو هنا بمنزلة حرف الجرّ، إلَّا أَنَّه ينتصب ما بعده نصب "المفعول" على جهة الظّرف". قال أبو الحجاج: إلّا أنَّ العامل الفعل، أو معناه بتوسُّط "الواو"] (١). قال (٢) أبو عليّ: "وليست "الواو" في نحو هذا، بدلًا من "الباء" يعني في قولهم (٣): "بعتك الشاء شاة بدرهم وشاةً ودرهمًا"، ولو كانت كذلك لجُرّت، ولكن الكلام بها في معنى "الباء" وعطفتَ "درهمًا" على "شاةً". ومن (٤) جَرَّ "والضّحّاك" على اعتقاد أنَّ "الواو" للقسم فليس أيضًا بجيّد؛ لأنَّ المعنى يُعْطِي أنَّ "الضّحّاك" هو المخبرُ عنه. وأنّه هو السيف بعينه. [وحمله على "الكاف" يضعف أيضًا من وجهين: أحدهما أنّ الحمل على المضمر المجرور لا يستقيم حتّى يعد الجار. والثّاني: أنَّ المعنى ليس عليه؛ لأنَّه لم يرد أنّ المخاطب يكفيه ويكفي الضّحّاك معه سيف مهنّد، بل المراد: أنَّ الضّحّاك نفسه السيف المهنّد] (٥).

стр. 902

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٥٨ - بَاتُوا يَعشَون القطيعاء جارهم (٢) هكذا ثبت هذا الصّدر في أكثر النّسخ، وثبت في بعضها بعجزه وهو: وعندهم البرني في جلل دُسْمِ استشهد به أبو عليّ. على مدّ (٣) "القُطَيعاء" وعلى أنّه يجوز أنْ يكون مكبَّرها "فَعْلاء"، إذْ القول بسكون العين، وفتح الفاء أولى من ادعاء غيره (٤). قال (٥) أبو حنيفة: وهى اسم للتمر الشَّهْريز، وسُمِّيت "القُطَيْعا"؛ لصغرها، وهو أحمرُ في لونه [وبذلك سُمّي، وهو فارسي (٦)، والقريثاء مثلهُ أحمرُ أيضًا، ويقالُ له: القَراثاء والكريثاء والكَرَاثاءُ،

стр. 903

وقد يُضاف أيْضًا، قال أبو زيد (١): ويُقال: للشِّهْريز أيضًا: سُوَادى قال أبو حنيفة: وأبو زيد يقول: تمر شِهْريز وَسِهْريز، ويَختار السين ولا يضيفه ولا البرنيّ؛ لأنّه يجعلهما اسمين وروى أبو الحسن اللحياني: "تمرُ شهريزٍ" مضافًا وكذلك "الأوتكَى" مثل الشهريز. قال أبو حنيفة: والشهريز بالعراق نظير العَجْوةِ بالحجاز. وقال النَّوْجَشاني (٢): "إنّما فرّق بينهما البلدان والهواءان". قال أبو حنيفة: والبَرْنِيّ: ضرب من التّمر طيّب، وهو أفضل تمر (٣) الحجاز، ويُروى أنَّ النبيّ ﷺ قال (٤): "أفضل تمرانكم البَرنيّ، والعجوة أم التمر"، ومعظم غلّة أهله، وسائر الأجناس والألوان بينهما، وإنْ كان ثم ما هو أظرف وأندر. قال: والبرنيّ بالبصرة يلقط أبدًا كما تلقطُ أُمُّ جِرْذان (٥) بالمدينة أبدًا؛

стр. 904

لأنَّه عظيم البركة. ويروى، أنَّ النبيّ ﷺ "دعا لأمّ جَرْذان مرّتين"، رواه الأصمعيّ عن نافع بن أبي نُعَيم (١) عن ربيعة (٢). وسمّيت أمَّ جَرْذَان لأنّها تحبّها. قال] (٣): والبَرنِيّ: فارسيّ أيضًا، وأصله: "بَارْني" "والبار" (٤): الحِمْلُ "و ني" تعظيم ومبالغة. وقال أبو بكر محمّد بن علي؛ مَبْرمَان (٥): يُقال: إنَّ البَرْنِيّ منسوب إلى قرية بالبحرين، يُقال لها: بَرْن (٦)، وكذلك قال (٧) اللحياني: أنّه منسوب. [قال أبو حنيفة: والبَرْدي: يشبه البَرنيّ؛ وهو من جيد التّمر، وأجودهُ اليماميّ. قال: وتمرُ اليمامةِ أجود التّمر] (٨).

стр. 905

والجُلل: جمعُ جُلّة؛ وهي وعاء يتخذ من الخوص، يُوضَعُ فيه التّمر، وتجْمعُ (١) أيضًا على "جِلال" [والجُلَّة أيضًا: الوردة، وجمعها "جُلُّ" وأصلها فارسية (٢). ويُقال، للأحمر والأبيض، والذي يختصّ بالأحمر منه: الحَوْجَمُ. وبالأبيض: الوتير. ويُقالُ للجبليّ منه خاصّة: العَبال] (٣). والدُسم (٤) هنا جمع دَسَماء. قال أبو الحجّاج (٥): وقد تكون الدُّسُم هنا: مُخَفَّفَة (٦) من "دُسم" جمع دَسِم (٧) كنمر ونِمر [أو دسيم كقضيب وقضب أو نحوه، وهذا الوجه أحسنها عندي وإن كان الأشهر في فعله دَسِم يدسم فهو دسيم] (٨). والدَّسْمة: غبْرة إلى السّواد [وأراد بها هنا: الكثيرة الودَك؛ لما عَلُق بها من عسل التمر، كذا قال أبو حنيفة: هي التي عتقت عندهم واتسخت. وقيل: ظهر صَقرها (٩) فالتبدت.

стр. 906

قال أبو الحجّاج: وفي تتميم بيت الإيضاح وفي البيت الثّاني الذي وُصل به خلاف في قوافيهما فأنشدهما أبو حنيفة، وصاحب "الموعب" عن أبي زيد هكذا (١): بَاتُو يُعَشوُّن القُطيعاء جَارَهم … وعندهم البرنيُّ في جُللٍ دُسْمِ ومَا أَطْعَمُونا الأَوْتَكَى مِنْ سَمَاحةٍ … ولَا مَنعُوا البَرْنِيَّ إلّا مِنْ اللّؤمِ وقال (٢) أبو الفتح في "المنصف" أنشدني أبو عليّ: ومَا أَطْعَمُونا الأَوْتَكَى مِنْ سَمَاحةٍ … ولَا مَنعُوا البَرْنِيَّ إلّا مِنْ البُخلِ قال: وأنشد غيره: فجلب البيتين. وآخر البيت الأول "في جَلل نُجْل" وآخر الثّاني: "إلّا من البُخْلِ" النّجل: الواسعة. وهذا يدلّ على أنَّ عجز بيت "الإيضاح" دخيل، إذْ حكاه ابن جنيّ كما ذكرته، وهو أجَلُّ أصحاب أبي عليّ ولعلّ أبَا عليّ ترك "العَجُز"، لعلمه باختلاف الروايتين. قال أبو الفتح (٣): "ولا يخلو "الأَوتَكى" مِنْ أنْ يكون "أَفْعَلَى أو فَوْعَلَى" فإنّ حملته على "أَفْعَلَى" كان بمنزلة "الأجفلى" وإن جعلته "فوعَلَى" كان بمنزلة "الخَوْزَلَى، وضَوطَرَى"، وحمله على "الأَفْعلَى" أَقْيس؛ لأنَّ زيادة "الهمزة" أولًا أكثر من زيادة "الواو" ثانية، أَلَا ترى إلى كثرة "أفْعل" (٤) وقلة "فوعل".

стр. 907

قال أبو الحجّاج: وهذا الوجه؛ أعني "الأفعلى" هو الذي اختار أبو عليّ أيضًا في "باب علم حروف الزّيادة" من الإيضاح (١) وفي "الموعب"، عن كراع (٢)، عن قُطْربٍ: أنَّه يقال للتمر: "الأَوتَك والأَوْتكى" وقال أبو زيد: يُقال، للشهريز: "أوتكى" على وزن "أَفْعَلَى" وأَنشد: ومَا أَطْعَمُونا الأَوْتَكَى مِنْ سَمَاحةٍ … ................... البيت] (٣) والمعنى: إنَّ هؤلاء المذكورين يؤثرون أنفسهم من التّمر بأعلاه، ويخصّون (٤) أضيافهم بأدناه.

стр. 908

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٥٩ - أَفِينَا تسوم السّاهرية بعدما … بدا لك من شهر المليساء كوكب (٢) هذا البيت لم يقع إليّ منسوبًا. واستشهد به أبو عليّ على مدّ "المُلَيْسَاء" وأنّها مما يجوز أنْ يكون مكبّرها فَعْلاء، ولم يقطع على ذلك فيها، ولا في "القُطَيْعاء" وأخواتها؛ لاحتمال أنْ يكون مكبّرها على "فَعَلاء" كَقَرَماء (٣) ونحو (٤) ذلك من الأبنية التي يجمعها هذا المثال من التَّصغير.

стр. 909

قال أبو حنيفة (١): شَهْرُ المليساء بين الصَّفريّة (٢) والشّتاء، وأنشد البيت، وزاد بعده: فَإنْ كنت قَيْنًا فَاعْتَرف بِنَسيئَةٍ … وإنْ كُنْتَ عطّارًا فَأنْتَ المُخيَّبُ قال: السَّاهرّية (٣): ضرب من الطيب. وقال الحربي (٤): كانوا يكرهون المؤنث من الطيب عند الإحرام، قال (٥): والمؤنث ما أثَّر (٦) وتطيب به النِّساء، نحو الخلوق، والملاب والسَّاهِرِيّة. والمذكّر: المسك والعنبر [وما أشبه ذلك، وأنشد أبو عليّ في الحجّة (٧): يَسْتَفْن رسم الشَّرَكِ المشقَّق … سَوْف العَذارَى سَاهِريَّ الزَّنْبَقِ قال أبو زيد: الصفريّة: أي استقبال أوائل البرد. يريد: أنَّ القين يُصْلِح قدورهم، وآنيتهم التي يشغلون بها أنفسهم] (٨) في أيّام المُلَيْسَاء؛

стр. 910

لاستقبال أيّام (١) البرد، وهي أتعب أيّام السّنة عندهم (٢)؛ لنظرهم في مواشيهم ومِيرهم، فأنكر عليه أن يكون في مثل ذلك الزّمان، يعرض عليهم العطر، وليس بزمان تعطُّر. والمُلَيْسَاء: نجمان أحدهما: السماك، والآخر الغفر، وفيه يقول السّاجع (٣): "إذا طلع الغُفْرُ، إقشعرّ السَّفْرُ (٤) وحسن في العين الجمرُ". قال يعقوب (٥): "وكوكب كل شيء: معظمه". [قال أبو الحجّاج: وقوله: "تسُوم السَّاهريّة" أَىْ؛ تطلب بها التّبائع] (٦) فحذف الجار وعدَّى (٧) الفعل، وقد يريد: "بيع السَّاهِريّة" فيحذف المضاف، ويقيم المضاف إليه مكانه. والمعنى: أعندنا (٨). تحاول بيعها في هذا الوقت المذكور.

стр. 911

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٦٠ - وَكَأَنَّ بُرقَعَ والمَلائِكُ حَوْلَها … سَدِرٌ تَوَاكَلَهُ القَوَائِمُ أَجْرَدُ (٢) البيت لأُمَيَّة بن أبي الصّلت؛ عبد الله بن أبي ربيعة الثّقفيّ، استشهد به أبو عليّ على أنَّ "السّماء" (٣) لا ينكر أن تُسمَّى "الجَرْبَاء" وإنْ وُصِفَتْ (٤) في هذا البيت وفي غيره (٥) "بالجرَد"؛ لاختلاف الأحوال التي تُوجب عليها هذه الصّفات، لأنَّ السّماء الدّنيا (٦) شبّهت "بالجَرْبَاء" من الإبل؛ لأنَّ الكواكب تظهر فيها كظهور الجرب بالجرْبَاء. قاله أبو عليّ البغدادي.

стр. 912

قال قطرب: "ومن أسماء (١) السّماء": "الخلقاء" فكأنَّها سُمّيتْ بذلك؛ لملاستها. [قال أبو الحجّاج: ولم يحك هذا أبو عليّ البغداديّ في كتاب "الممدود والمقصور"] (٢) وتأويل (٣) قطرب في "الخلقاء" يؤيّد (٤) رأي الفارسي. وقيل: إنَّ "بُرْقَع" السماءُ السّابعة حكى هذا (٥) أبو عليّ في "التَّذكرة" وحكاه غيره أيضًا. [قال أبو عليّ: الهمزة من "ملائك" فاء الفعل؛ لأنَّه من "الألوك"؛ وهي الرّسالة؛ إلّا من قال "مألك" فلم يقلب حذف الهمزة التي هي "فاء" منها حذفًا، ولو قلبها كما قلب "الأشياء وقِسِيًّا" ونحوهما فجعل "الفاء" موضع "العين"، ثم قال: "ملائك" لَمْ يحذف الهمزة حذفًا، لكن خفّفها بحذفها، والفاء حركتها على السّاكن قبلها، على شرط التّخفيف في مثلها. قال أبو الحجّاج: وقال بعضهم: أصله من "ألك" الفرسُ اللّجام في فيه يَأْلِكُهُ؛ إذا علكه قال: والألوك، والمألكة: الرّسالة؛ لأنّها تُؤلك في الفم، أَيْ؛ تُعْلَك، وعندي أنَّ الذي يجمع بينهما الترداد؛ لأنَّ العلكَ: ترديد المعلوك، كما أنَّ الرّسالهَ: تُرَدُّدٌ بين المرسل، والرّسول والمرسَل إليه.

стр. 913

وقد تقدّم القول (١) في "الملك" أيضًا في قول الشّاعر: أَبْلِغْ أَبَا دَخْتَنُوسَ مَأْلُكَةً … ............. البيت] (٢) وقال بعضهم (٣): لم يُسْمَع "بسَدر" في اسم البحر إلّا في شعر أميّة، وليس هذا القول عندي بشيء؛ لأنَّ "سَدِرًا" (٤) ليس باسمٍ للبحر، وإنّما هو صفة للمتحيّر المتردد في الشّيء (٥) ألا ترى إلى قوله (٦): سَدِرًا أَحْسِبُ غَيْيّ رَشَدًا فَتأوله أبو عليّ على أنَّه يريد البحر عند سكونه، وعدم تموجه، فهو حينئذ مستوٍ أملس (٧)، ولذلك تتواكله القوائم، يعني الخدَّام الذين يخدمونه

стр. 914

من النواتيّة، وأنت ضرورة على تأويل الجماعة القَوَائِم (١). كما قال (٢): "نواكِس الأبصار" [هذا عندي مراد؛ لأنَّه قال في "التّذكرة": يقول: لا قوائم له قد تواكله النّاس إذا تركوه، وقيل: إِنَّ أُمَيَّة] (٣). إنّما أراد تشبيه السّماء يوم القيامة، وحَمْل الملائكة لها بهذا السَّدر؛ الذي هو البحر على رأيه، ورأي من قال (٤) فيه مثل قوله؛ والبحر ساكن أملس، لا تموّج فيه (٥)، كما أنَّ السّماء وردة كالدّهان لا كواكب لها (٦). ويحتمل عندي أنْ يريد أُمَيَّة خلاف ما ذهب إليه أبو عليّ، وهو أنْ يكون السَّدر: البحر الهائج؛ ولذلك تتواكله القوائم؟ لشدّة هو له؛ لأنَّ "التواكل": التَّدافع من واحدٍ إلى آخر؛ تفاديًا من الشَيْء لشدّته، قال جرير (٧): لَعَمْرِي لئِنْ كَانَ القُيُونُ تَوَاكَلُوا … نَوَار لَقَدْ آبَتْ نوارُ إلى بَعْلِ

стр. 915

ويروى إلى "فَحْلِ" أراد (١): إن كان الرّجال أبَوْها، لقد قبلها منهم لَئِيم. وقال [الفرزدق (٢): وَفَضَّلَ آلَ ضَيَّةَ كُلَّ يَوْمٍ … وَقَائِعُ بِالمُجَرَّدَةِ العَوَارِي أَيْ؛ المنكشفة. وأنَّهُم هُم الحَامُونَ لَمَّا … تَوَاكَلَ مَنْ يَذُودُ عن الذّمَارِ فإنما أراد أميّة: تشبيه السماءِ وقد كشطت وتغيّرت عن الحال المعهودة فيها في الدّنيا بالبحر المتموج الهائج المخُوفُ ركوبه، وشبّه بياض التموّج بالجَرد؛ لبياضةِ أيضًا] (٣). وقد يكون (٤) "السَّدِر" هنا: الجمل الأجرب؛ فكنى بالأجرد عن الجَربَ؛ لما يُؤدّي إليه كلّ واحد من انسلاخ (٥) الوبر، وظهور بياض الجلد، واملاسه، ويعني بالقوائم: القائمين على طلائه بالقطران، يتكل بعضهم على بعض (٦) في طلائه، خوفًا من عَدَائِه. وقد يحتمل أنْ يريد بالقوائم: يديه ورجليه، ولا ضرورة في هذا
следующие страницы →