← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 774

المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح

ابن يسعون

Полный текст (1 579 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وأنشد أبو علي (١) أيضًا مكررًا: ١٦٧ - بل جوز تيهاء كظهر الحجفت (٢) [هذا شطر رجز لبعض الطّائيين، وقد تقدّم. استشهد به أبو عليّ مكررًا] (٣) على أنَّ من العرب من يترك تاء التّأنيث في الوقف على حالها في الوصل، تشبيهًا للوقف بالوصل، وهو ضدّ ما حكى (٤) سيبويه ﵀ (٥) من قول العرب في العدد "ثلاثة أرْبعة"؛ لأنَّ هؤلاء أجروا الوصل مُجرى الوقف. وحكى عن قطرب أنَّ طَيّئًا يقولون: "كيف البنون والبناه" يريدون: البنات (٦)، وقد حكى ذلك الفرّاء عنهم أيضًا (٧) على ما تقدّم. قال قطرب: وذلك شاذ. قال أبو الفتح (٨): وأمَّا من قال: "التّابوه" فلغة في "التّابوت" وقد وقف بعضهم (٩) على "اللّاتِ" بالهاء فقال: "اللّاه".

стр. 947

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٦٨ - لَقَدْ وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أَمُّ سَوْءِ (٢) [هذا صدر بيت لجرير يهجو الأخطل وقد تقدّم. استشهد به أبو عليّ هنا مكررًا] (٣) على مثل ما تقدّم من أنَّه كان ينبغي أنْ يثبت التّاء (٤) في "ولدَتْ" إلّا أنه اضطرّ فحذفها (٥)؛ تشبيهًا لفعل (٦) المؤنث الحقيقي بغير الحقيقي، وحسن ذلك الفصل الواقع بين الفعل (٧) وفاعله.

стр. 948

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٦٩ - قَرَنْبَى يَحُكُّ قَفَا مُقْرفٍ … لئيم مآثره قُعْدَدِ (٢) هذا البيت (٣) للفرزدق يهجو جريرًا. واستشهد به أبو عليّ على ترك الحادق (٤) علامة التَّأنيث في "لئيم"؛ لأنّه صفة "فاعل" جرى مجرى الفعل، فكأنّه قال: "لؤُم مآثره" والجموع مما يذكر الفعل قبلها؛ لأنَّ تأنيثها تأنيث غير حقيقي، ويُؤنث أيضًا لأنّها جماعة (٥)، ولو قال "ليئمة مآثره" لكان حسنًا. و "القَرَنْبى": وزنها (٦) "فَعَنْلَى" وهى (٧) دُوَيِبة شبيهة (٨) بالخنفساء طويلة الرجلين [قال أبو حاتم: القَرَنْبى: هو أبيض كالجُدْجُد في الطّول،

стр. 949

له رقبة طويلة، وقوائم قِصَار، يَدْخُل الخروق، ويكون ظاهرًا] (١) وقال صاحب العين (٢): "القَرَنْبَى: شبيه (٣) بالسّلحفاة، طويل القوائم [ويقال: دُويبة تكون في الرّمل"] (٤). والقُعْدُد: الخامل القاعد عن المكارم هنا [أو القُعْدُد في لؤم الأصل. قال ابن الأعرابي (٥): يكون القُعْدُد مدحًا وذَمًا. فالإقعاد: قلّة الجدود (٦)، والأطراف: كثرة الأجداد، وكلاهما مدح. وأنشد لأبي وجزة (٧) يمدح الزبير: أَمِرُونَ ولَّادُونَ كُلَّ مُبَارِكٍ … طَرِفونَ لا يرثون سَهم القُعْدَدِ

стр. 950

الطَّرْف: الكثير الآباء في الشرف] (١) ويُقال: رجلٌ قُعْدُد، وقُعْدَد منَلُ دُخْلُلٍ، ودُخْلَلٍ (٢). وقُعْدُدٌ: نعت (٣) لمقرف؛ والمُقْرِف: الهجين من قبل أبيه. يريدُ: أنّه قارف (٤) الهجنة و لم يتوغَلْ فيها من طرفيهِ. والمدَرّع: نحو المُقرِف. وأمَّا الهجين (٥): فهو العربيّ ابن الأمة، كذا قال أبو زيد (٦) [أوقال صاحب "العين" (٧): "هذا إذا كانت الأمة راعية لا تُحْصن، فإذا أحصنت فليس ولدها بهجين" قال (٨): والقَلَنْقَس: مثل المقرف. وقال أبو زيد: القَلَنْقَس (٩): الهجين من قبل أبويه. وقيل: العربيّ ابن العربيين لأمتين، جدّتاه من قبل أبيه وأمّه أمَتَان. وقال السيرافي: هو مَوْلى الموْلى] (١٠).

стр. 951

وقرنبي (١). خبر لمبتدأ مضمر، أي؛ هو قرنبي؛ يعني عطية (٢)، لأنَّ قبله (٣): أيدرك مجد بني دارم … عَطِيَّةُ كالجُعَلِ الأسودِ [وعطيّة هذا؛ هو والد جرير، والخطفى: جدّه، واسمه، حذيفة، وسمّي الخطفى بقوله (٤): يرفعن لليل إذا ما أسدفا … أعناق جنّانٍ وهامًا رجفا وعنقا باقي الرسيم خطفا وقوله: يحك قفا مقرف] (٥) يريد قفاه، فوضعَ الأعم موضع الأخص؛ لأنَّه أذَمَّ، لأنَّ في نسبة الإقْرافِ إليه، ما ليس في رَدّ الكناية عليه، وهذا كثير في الذّم والمدح [كما قال الآخر (٦): ...................... ولا … يَشْربُ كَاسًا بِكَفِّ مَنْ بَخلا أَيْ: إنما يشرب بكفّه (٧)، وهو جواد، ونحو من هذا قول عنترة (٨):

стр. 952

لأَقْضِيَ حَاجَةَ المتلَوِّمِ يعني: نفسه، فوضع الأعم موضع الأخص، لبيان ما أراده من صفة حاله. وفي بعض قصيدة الفرزدق التي منها هذان البيتان، يقول جرير (١): وَجَدْنَا جُبَيْرًا أَبَا غَالِبٍ … بَعِيدَ القَرَابَةِ مِنْ مَعْبدِ أَتَجْعَلُ ذَا الكِيرِ مِنْ دَارمٍ … وَأَيْنَ سُهَيْلٌ مِنْ الفَرْقَدِ جُبير هذا: عبد لِصَعْصَعةَ بن نَاجِيةَ بن عِقَال بن محمّدٍ بن سفيان، وكان قينًا؛ ولذلك يسمّى جرير بني مجاشع بالقيون، لأنّه كان يزعم أنَّ غالبًا أبَا الفَرَزْدَق إنّما هو ابنٌ لجبير، هذا العبد القين، لا لصعصعة. والشّاعر (٢) كذوب، والهاجي مُريب] (٣). والمآثِرُ: جمع مَأْثُرَةٍ؛ وهى ما يؤثر عن الإنسان، من الإساءة والإحسان، وهي (٤) في الخير أكثر، ومراده هنا ما يؤثر عنه من الشّر؛ إذْ لا خير عنده فيؤثر عنه (٥).

стр. 953

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٧٠ - فَلاقَى ابنَ أُنْثَى يَبْتَغِي مِثْلَ ما ابْتَغَى … مِنَ القَوْم مَسْقيُّ السِّمَامِ حَدَاِئدُهْ (٢) هذا (٣) البيت لمضرّس بن لقيط، وقيل: ابن ربْعي بن (٤) خالد الفقعِسي (٥) من بني أسدٍ، استشهد به أبو عليّ على نحو (٦) ما تقدّم من إسقاط التّاء من الصّفات الجارية مجرى الفعل المتقدّم، وحسّن ذلك ارتفاع الجمع به، وتأنيثه غير حقيقي؛ لأنَّه كما يعبّر (٧) عنه بالجماعة فيؤنث، كذلك يُعَبّر عنه بالجمع والجميع فيذكّر، ولو قال: "مسقيَّة السّمام

стр. 954

حَدائدُه"، لكن حسنًا، لكن الوزن منعه من ذلك. وبعده (١): فَآبَ بِه أَصْحَابُه يَحْمِلُونَه … عَلَى نَحْرِهِ دَاميِ النَّجيع وَجَاسِدُهْ رَأَتْ أُمُّهُ مَا لَوْ تَرَى العُصْمُ مِثْلَهُ … تَحَدَّرْنَ أَوْ مَالَتْ بِهِن رَوَاكِدُهْ وقبلهما (٢): لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي صُخَيرَةُ أَنَّني … ثِنًى مِنْ خَبَالٍ بَعْدَ بُرْءٍ أُعَاوِدُهْ أَمَلَّتْ مَطَاياَنَا وَعَنَّتْ بصُحْبتي … وَرَدَّتْ عَليَّ الهَمّ قَرِنًا أُكَابِدُهْ وَمَا وَجَدَتْ وَجْدِي بِهَا أُمُّ وَاحدٍ … رَجَا الغُنْمِ في أَسْلابٍ خَيْلٍ تُطَارِدُهْ [يعْني: بالضمير الذي في قوله: "أعادوه": الخبال] (٣) ويريد: "بأمّ واحدٍ": عجوزًا لها ولد واحد، فهى أحذرُ عليه، ممن لها أولاد، فغزا ولدها فقتل. وقوله (٤): "ابن أنثى" أَيْ؛ مثله في الجنس والجرأة (٥)، وفيه معنى التعظيم، وكأنّه أراد: ابن أنثى حرّة منجبة (٦)، فحذف للدّلالة على ما أراد

стр. 955

من معقود الكلام بَعْدُ، أَلا تَرى أَنَّه وصفه بالجدّ في طلاب (١) عُداته، والتَهَمُّم بسقي نصاله التي هي بعض آلاته، [وذلك من فعل بني المنجبات] (٢)؛ ولذلك قال: "يبتغى مثل ما ابتغى من القوم"، أَيْ؛ عند (٣) القوم، يريد: ذوي الجلد من الرّجال، الذين (٤) لا يقدم على لقائهم إلّا مثلُه من الأبطال، ويحتمل (٥) أن يكون "من القوم" من نعت "ابن أنثى"، أَيْ؛ لاقى هذا الواحد ابن حرّة كائنًا من القوم، وليس هنا قطع بين صفةٍ وموصوف؛ لأنَّ "يبتغي" في موضع نصب أيضًا (٦) على النَّعت "لابن أنثى"، و "مُسقيُّ السّمام" (٧) نعت له أيضًا، ويجوز أن يكون "حالًا" من الضمير في "يبتغي"، أوقد يحتمل أيضًا غير هذا، ولكني كرهت الإطالة بتقصيه (٨). ويروى "من الغُنْم" مكان "من القوم"] (٩) والحدائدُ: جمع

стр. 956

حديدةٍ، والأظهر أنّه يريد بها (١) نصال السهام، وقد يكون ذلك عامًا (٢) في نصل السيف، والسّنان (٣) والسهم، [وهذا أمدح لحامله الشهم. والسّمامُ: جمع سُمٍّ وسَمٍّ أيضًا كقُفٍّ، وقِفاف و] (٤) ضَبٍّ وضِبَاب، و "فعال" في المضاعف (٥) كثير جدًا. ووصفه (٦) سلاحه بسقى السُّمّ حقيقة (٧)، وقد يكون مجازًا، والمراد: حذقه بالرّمي، والإصَابَةِ (٨) للمقاتل، حتّى كأنَّه قد غَذَّى (٩) سلاحه بالسُّم القاتل. وقوله (١٠): "ثِنىً مِنْ خَبَالٍ" أَيْ؛ ذو ترداد (١١) من فساد وسُقم. "أُعَاوِده" (١٢): أَى، يعاودني بعد البرء، وكَأَنَّه من المقلوب لما لم يُخف لبسا.

стр. 957

وقد يريد (١): يعاوده بالعلاج، فحذف ذلك للعلم. مما (٢) أراد. والثِّنَى: المُثْنِيُّ عليه المرض، يريد به النكس (٣) في موضه. وقوله (٤): "أملَّت": صيّرت المطايا إلى المَلَالِ، كما حملت الصَّحْبَ على العناء والكَلَال. و "القِرْن": الذي يقاومه في قتال أو غيره (٥). "والنّجيع": الدّم. و "الجاسد منه": اللّاصق بالجسد. و"دامي النّجيع" مرفوع بالابتداء، وخبره في [المجرور قبله. واختيار أبي عليّ سقوط واو الحال في الحال، كما تسقط مع الصفة، وقد بيّنت قوله في غير موضع، ونبّهت عليه في مواضع من "الاقتضاب"، على أبي محمّد البطليوسي صاحبنا وأحد شيوخنا ﵀] (٦). و "الرواكد": السّواكن، يعني: مواضع العصم، وذكَّر الضّمير على معنى الجنس أو الجمع [أو على حمله على ذلك كاسَنه أشار إليه لتقدّمه] (٧). كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (٨).

стр. 958

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٧١ - وَكُنَّا وَرِثْنَاهُ عَلَى عهْدِ تُبَّعٍ … طَوِيلًا سَوَارِيه شَدِيدًا دَعَائِمُهْ (٢) قد ذكرنا (٣) أنّه للفرزدق، وبيّنا موضع الشّاهد منه، والبيتان قبله من شواهد الكتاب أيضًا على ما استشهد به أبو عليّ، من ترك علامة التَّأنيث في هذه الصِّفات الرّافعة (٤) لما بعدها كما تسقط من الفعل في هذا النّحو. و "طويلًا" منتصب (٥) على الحال من الضّمير المنصوب في "ورثناه"، العائد على "بيت العزّ" حسبما ذكرناه [ويروى: قديمًا ورثناه] (٦). ويروى (٧): طِوالًا سَوَارِيه شِدَادًا دَعائِمُهْ

стр. 959

جمع (١) الحال؛ لأنَّها في المعنى لما بعدها من الجمع، ولا شاهد فيه على هذه الرّواية. [وقوله: "على عهد تُبَّع" أَيْ؛ على زمنه ووقته. والتبابعة من حمير كثيرٌ، كما ذكرنا قبل، وأشهرهم تُبَّع الأصغر؛ عمرو بن حسّان بن أسعد تُبّع؛ وهو أسعد الكامل. وتُبَّع الأوسط بن ملكيكرب بن تُبَّع الأكبر بن تُبَّع الأقرن - سُمّي بذلك؛ لشامة كانت في قرنه - بن شمّر يَرْعِش (٢)، أَيْ؛ شمّر في طلب العزّ كما ذكر الهمداني في كتاب "الإكليل" (٣). يعني الفرزدق. أنَّ بيت مجده قديم محكم، وثيق البنيان، لم يخلقه لحصانته تقادم الزّمان، وللّه دَرّ الطائي (٤) حيث يقول: شَرَفٌ عَلَى أُولَى الزَّمانِ وَإنَّمَا … خَلَقُ المنَاسب أنْ يكونَ جديدًا ونحو قول الفرزدق هذا يفخر ببيته في الشّرف دول عمر بن لُجأ (٥) حين فضل الفرزدق على جرير، في شعر كثير، منه قوله: أَتَرُومُ مَنْ بَلَغَ السَّمَاءَ بِنَاؤُهُ … قَدْ رُمتَ مُطلِعًا عَلَيْكَ كَؤودًا

стр. 960

وَنَخَسْتَ يَرْبُوعًا لِتُدْرِكَ دَارِمًا … يَابْنَ الأَتَانِ فَبلَّدت تَبْليدًا وقوله أيضًا (١): ضَحِكَ التُّرَابُ لِلُؤْمِ مَنْ تَدْعُو لَهُ … وَلِمِثْلِ لُؤْمِكَ أَضْحَكَ الأَجْبَالَا أَبِجَدِّكَ الخَطَفَى وَذَلِكَ مُعْرِضٌ … تَرْجُو مَسَاعِيهِ ضَلَلْتَ ضَلَالَا هَذاَ القَضَاءُ مَضَى وَأَنْتَ تَلُومُنِي … لأُقِيمَ وَزْنًا حِينَ خَفَّ وشَالَا سَبَقَ الفَرَزْدَقُ بِالمَكَارِمِ والعُلَا … وابنُ المَرَاغَة يَنعِتُ الأَطْلَالَا] (٢) [يفخر الفرزدق برفعة بيته في دارم، يعني به عزه وشرفَه، ولما ذكر البيت جعل له سواري ودعائم. والسواري: حمع سارية؛ وهي العمد، والدّعائم: حمع دعامة؛ وهى أرجل من خشب عن أبي عبيدة. ويقال دعام أيضًا] (٣).

стр. 961

وأنشد أبو عليّ (١) أبضًا: ١٧٢ - عَهْدِي بِهَا فِي الحَيِّ قَدْ سُرْبِلَتْ … هَيْفَاءَ مِثْلَ المُهْرَةِ الضَّامِرِ (٢) البيت للأعشى (٣)، استشهد به أبو عليّ على جَري "الضامِرِ" وهو مذكّر اللفظ صفة "المهرة" وهي مؤنثة؛ لأنَّه حمل "الضامر" على النّسب والإضافة إلى المضمر، لا على الفعل وإرادة الحال الموجبة لثبات "التَّاء"؛ فرقًا (٤) بين المذكّر والمؤنث، نحو: ضمرت فهى ضامرة في هذا الوقت، وفي هذا (٥) اللّفظ ونحوه مما يستوى في الصّفة به (٦) المؤنث والمذكّر رَدٌّ على أهل الكوفة في دعواهم أن (٧) قولهم: "امرأة طالق وحائض" ونحوهما إنَّما (٨) يستغنى فيه عن "الهاء" لعدم الاشتراك.

стр. 962

"وعهدي" (١): مرتفع بالابتداء و "بها" في موضع نصب بالمصدر و (٢) في صلته، وخبره "قد سُرْبلت" (٣)؛ لأنّه في موضع نصب على الحال السَّادة [في مثل هذا النحو] (٤) مسدَّ خبر المبتدأ على مذهب أكثر النّحويين، ومن ذهب إلى أنَّ الخبر محذوف، للدّلالة عليه، أعتقد هنا أيضًا حذف الخبر، والتّقدير فيه: عهدي بها (٥) في قومها مُسَرْبِلةً هِيْفَاء صحيح، أوْ حق، أو كائن أو نحو ذلك (٦) [والكلام على هذا الموضع يطول، وإنّما رأيت التنبيه على شيء منه] (٧). و "هيفاء" حال بعد حال، على مذهب من يجيزهما من العامل الواحد. والأحسن أن يكون "هيفاء" حالًا من الضّمير في "سربَلَتْ"؛ أَيْ؛ عهدتها (٨) صغيرة حين ألبست السربال؛ وهو القميص، ونقلت عن صغار الملابس التي كانت قبل تصلح لها، وقد بيّن ذلك (٩) بقوله:

стр. 963

قَدْ نَهَدَ الثَّدْيُ عَلَى نَحْرِهَا … في مَشْرِق ذِي صَبَحٍ نائِرِ لَوْ أَسْنَدَتْ مَيْتًا إلى صَدْرِهَا … عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إلى قَابِرِ ولهذا البيت خبر في قصّة نصر بن حجاج (١). وقوله: "نَهَدَ": يعني: ارتفع وصار له حجم. وقوله (٢): "في مشرق" يعني: الحلي الذي على صدرها. و "الصَبَح": البياض الذي يخالطه حمرة. و "نائر": بمعنى: نَيِّر؛ لتوقد الحلي على نَحْرها وتلونه (٣).

стр. 964

وأنشد أبو عليّ أيضًا (١): ١٧٣ - وَقَدْ تَخِذَت رِجْلِي إلى جَنْبِ غِرْزِهَا … نَسِيفًا كَأُقْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرِّقِ (٢) هذا (٣) البيت للمُمزَّقِ؛ شَأَس بِنْ نَهارِ بنِ أسودَ العَبْدِيّ ثم النَّكِري (٤). واستشهد (٥) به أبو عليّ على جرىِ "المُطَرّق" صفة على "القطاة"، وإنْ كانت (٦) مؤنّثةً. و "المُطرَّق" صيغة (٧) مذكّر؛ لأنَّه أراد النَسب كما تقدّم في بها "الأعشى"؛ وأنَّها من هذا الجنس، لا في هذه الحال، وهكذا روى الأَصْمَعِيّ وأبو عبيدة، بكسر الرّاء (٨) قالا (٩): هي التي تضيق عن بيضتها

стр. 965

شيئًا، وأصله: المرأة يخرج بعض ولدها ويبقى بعضه (١) لا يخرج، قال يعقوب (٢): فيغشى (٣) عليها [وقد طّرَّقت: إذا ضاقت مَلَاقها، والتعضيل (٤) في المرأة أشهر. وقال الجاحظ (٥): وزعم بعضهم (٦) أنّ التّطريق لا يُقال في غير القطاة، وليس ذلك بصحيح وقد قال أوس (٧): لَنَا صَرْخَةٌ ثُمَّ اسْكَاتَةٌ … كَمَا طَرَّقَتْ بِنفَاسٍ بِكْر وقال أبو عمرو (٨): "إذا خرجت هوادى الولد، فقد طَرَّقَتْ"، ووقع في "المفضليّات" (٩): المُطْرَّقُ: - بفتح الرّاء - وفُسِّر بالمعَدّل، يقال: طَرَق: بمعنى: عدَل، وهو على هذا من صفة الأفحوص، ولا شاهد فيه على هذه الرواية] (١٠) ويروى:

стр. 966

رَحْلِي لَدَى جَنْبِ غَرْزِهَا و "رِجْلَاي (١) فِي جَنْبِ غِرْزِها" والغَرْزُ للرَّحل (٢) كالرّكاب في غيره (٣) [والغرز - بفتح الغين - هي اللّغة العُلْيا، والغُرزُ بالضّمّ لغة أهل البحرين عن الأصمعي] (٤). و "النسيف" الأثر في جنبي النَّاقة من القدمين حتّى ينحاص (٥) الوبر عنه. و"أفحوصُ القطاة": مبيضُهَا؛ لأنَّها تفحص عنه، أَيْ؛ تكشِفُه وتنقّيه ثم (٦) تبيض فيه. [والقُرمُوص: مثله عن يعقوب (٧). وقوله: "تَخِذَتْ" من الأفعال المشكلة الشّاذّة عن القياس، فأصله عند بعضهم من "ائتخذ"؛ لأنّه يُقال: أخذ وائتخذ بمعنى: كشوى واشتوى، ثم سُهّلت همزة "ائتخذ" بالحذف والبدل على غير مذهب أكثر البصريين، فقالوا: "اتخذ"، ثم حذفوا إحدى التَّاءين فسقطت ألف الوصل فبقي (٨) "تخذ"، ثم نُقِل "فَعِل"، وصار هذا البناء له كالأصل لا يستعمل مع الحذف غيره.

стр. 967

وقال الزّجاج (١): "التَّاء" بدل من "الهمزة" التي في "أخذت"، وأصل اتخذ: إئتخذ وهذا هو القول المتقدّم. ورَدَّه أبو عليّ في كتاب "الإغفال" (٢) وأفسده، لبعده عن القياس، ثم قال: على أنَّ "تخذت" "فَعِلت" و"أَخَذت" "فَعَلْت" وإبدال (٣) الحرف من الكلمة لا يوجب تغيير بنائها، وإزالتها عما كانت عليه من البدل، بل ينبغي أن يحافَظَ على البناء الأوَّل، ليكون أدَلَّ على أنَّه قد أُبْدِل منه، دال: فتخذت فَعِلتُ وأَخذتُ فَعَلْتُ. قال أبو الحجّاج: يعني أنّهما بناءان متغايران، وفآءهما (٤) أصلان، وإلى هذا ذهب ابن جنّي أن التَّاء في "تَجِذَ" (٥) أصل. وهكذا يقتضي مذهب سيبويه، حيث قال (٦) في أحد تأويليه في "استخذ": إنَّه "استفعل" فحذف التَّاء التي هي فاء من "تَخذَتَ"، ونقل هذا ابن جنّي، وزاده بيانًا فقال (٧): قولهم: "استخذ فلانٌ أرضًا" يجوز أنْ يكون

стр. 968

"استفعل" فالأصل فيه استتخذ فحذفت التَّاء الثَّانية التي هي فاء الفعل، كما حذفت التَّاء الأولى من تَقَى يَتّقِي، ويجوز أنْ يكون أبدل من التَّاء الأولى التي هي فاء "افتعل" سينًا، كما أبدلت التَّاء من السّين في "سِتٍّ". قال أبو الحجّاج: ونحو من "تَخِذَ" في الشّذوذ وتقي، تَجِهَ وتَسِعَ في اتَّجه واتَّسَع، إلَّا أن "تَخِذَ" أبعدها من توجيه القياس لها، وقد يتجه عندي قول أبي إسحاق على أوجه منها: أنّ بدل التَّاء من الهمزة من حيث كثر بدلها من الواو، والواو قد أبْدِلت من الهمزة، والهمزة منها في مواضع، وكذلك البناء قد غُيّر في المُبدَل، ألا تراهم قالوا: "تخم الرَّجلُ": إذا ثَقُل عليه الطّعام، وأصله من "وَخِمَ": إذا ثَقُل في أشياء يَطُول وصفها. يصف] (١) الممزّق ناقة داوَم (٢) السَّير عليها، حتّى نتفت قدماه الوبر عن جنبيها. وقبله (٣): وَنَاجِيَةٍ عَدَّيْتُ مِنْ عِنْدِ مَاجِدٍ … إلى وَاجِدٍ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ مُفَرَّقِ تُثِيرُ الحَصَى فِي مَرِّهَا وَتَرضُّهُ … بِأَسْمَرَ صَرَّافٍ إذَا حَمْيَ مَطْرَقِ لِتُبْلِغَنِي مَنْ لَا يُدَنِّسُ عِرْضَهُ … بِذَمّ وَلَا يَزْكُو لَدَيْهِ تَمَلُّقِي

стр. 969

[وبعده: وَقَدْ ضَمُرَتْ حَتَّى التقَى مِنْ نُسُوعِها … عُرَى ذي ثَلَاثٍ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ تَلْتَقِي] (١) وهي قصيدة طَويلة، ومنها (٢): فَإِنْ كُنْتُ مَأْكُولًا فَكُنْ أَنْتَ آكِلي … وإلَّا فَأَدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ وهذا البيت (٣) سُمِّي الممزَّقِ. وقوله: "وناجية": يعني: ناقة سريعة. وعدّيت: صرفت. وماجد: شريف. والواجد: اللّئيم السّيّء الخلق، لأنَّه يجد من غير وجدٍ للؤمة (٤). ويعني بالأسمر: خَفّها (٥)، وهذا اللون له أكرم، أو لأنّه قد تعقَّد عليه الدَّم، كما قال الكِنْدِيّ (٦): مَنْسِمُهَا رَثيمٌ دَامِ وصرَّاف: له صريفٌ في الحصى، [أَيْ؛ صوت؛ لشدَّة وقعه.

стр. 970

و"حَمْيَ": يريد: وحَمِيَ فأسكن، وفيه ضمير "الحصى"] (١) وأراد: جهده لها وقت الهاجرة، فِعْلَ حُرٍ نفسه (٢) للدَّعَةِ هَاجرة. و "مُطْرق": أَيْ؛ مبسوط، وهو من صفة "أحمر" والنَّسوع: السيُّيُور. و "عُرَى ذِي ثلاثٍ": الوضين، قال يعقوب (٣): والوَضِين للرحلِ، كالحزام للسَّرْج، وله ثلاث عُرَى، عروتان في طرفيه (٤)، وثالثة (٥) في الوَسَطِ أَوْ قريبًا منه، فإذا (٦) ضَمُرَ أدخل (٧) طرف الوضين في تلك العروة الوسطى.

стр. 971

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٧٤ - تَرْتَجُّ أَلْيَاهُ اِرْتِجَاجَ الوَطْبِ (٢) استشهد به أبو عليّ على مجئ "الأليتين" بلا "تاء"، وهذا خلاف ما يقتضيه مفردهما؛ إذْ (٣) واحدتهما "ألْيَة" في قول الجمهور، وقال ثابت (٤): "من قال: "أَلْيَ" قال في التّثنية: "أَلْيَانِ"، ومن قال: "أَلْيَة" قال "أَلْيَتَانِ"، وكذلك من قال: "خُصْي" قال في التَّثنية: "خُصْيَان"، ومن قال: "خُصْيَة" قال: "خُصْيَتان"، ونحو هذا كلِّهِ حكى أبو الفتح في "المنصف" (٥) عن أبي العبّاس". قال أبو حاتم (٦): "وربَّما حَذَفتِ العرب هاء التَّأنيث في التَّثنية فقالوا: خُصْيتان، وخُصْيان، وأَلْيَتَان وأَلْيَانِ"،

стр. 972

وعلى نحو هذا تأوَّل قول (١) الشاعر: حَمَامَيْ قَفْرَةٍ وَقَعَا فَطَارَا قال يونس (٢): الحمام: جماع (٣) وما جعله أحدٌ واحدًا إلّا في هذا البيت (٤)، وقال أبو حاتم: لعلّه أراد جنسين من الحمام، أو لونين، كقولك: رأيت أرضك نَخْلَتَيْنِ، أَيْ، طوالًا وقِصَارًا". يروى: "الوَطبُ"؛ وهو سقاء اللّبن، و "الوُطبُ" على الجمع [ومثله: وَرْدٌ ووُرد] (٥). والارتجاج: الاضطراب. وقبله (٦): كَأَنَّما عَطِيَّةُ بنُ كَعْبِ … ظَعِينَةٌ وَاقِفَةٌ فِي رَكْبِ

стр. 973

كذا أنشده (١) أبو زيد. والظَّعِينَة: المرأة في الهودج على اختلاف في ذلك، واستعملت "بالتَّاء"؛ لخروجها عن الصِّفة إلى حيّز الأسماء كالذّبيحة ونحوِها. والرّكبُ: أصحاب الإبل. وَصف أن عجُزَه عظيم (٢)، يضطرب اضطراب عجيزة (٣) امرأة تباهي في الرّكب بعظم (٤) عجيزتها وتعجّب بها (٥).

стр. 974

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٧٥ - كَأَن خُصْيَيْهِ مِن التَّدَلْدُلِ … ظَرْفُ عَجُوزٍ فِيه ثِنْتَا حنْظَلِ (٢) هذان البيتان (٣) لجندل فيما زعم الجرمي، استشهد (٤) بهما أبو عليّ: على مجئ التَّثنية في "خُصْية" (٥) على غير ما يقتضيه (٦) لفظ "خصية"؛ إذْ لا يُقَال في الواحد: "خُصْيٌ"، كما لا يقال في واحد "أليان": أَلْيُّ، ولكنهما جاء مثنيين على غير واحدهما عند جمهور العلماء، وإنّما القياس "خُصْيَتَانِ" كما قال الراجز (٧) فيما أنشده ابن الأعرابي:

стр. 975

يَشْكو عُروقَ خُصيْتَيْهِ وَالنَّسَى [ولم يعرف أبو عبيدة (١) في الواحِد: "خُصْيًا"، وحكى يعقوب (٢): خُصْية وخِصْية عن اللّحياني وأنكر الكسر في "خُصْية" أبو زيد وغيره (٣)، وقالوا: إنّما "الخِصْية" - بالكسر - جمع: خَصِي، كصبَيٍّ وصِبْية، وقالوا: "خِصيان" كما قالوا: "صبيان"، وقد أنشدوا في "الخُصْي" قوله] (٤): يَا بِأَبي خُصْيَاكَ مِنْ خُصْي وَزُبْ "فالخُصيان" (٥) تثنية "خُصْي". [وروى صاحب العين (٦): "من التهدُّل"؛ وهو استرخاء جلدة الخُصْية وقال أبو علي: الرواية الصّحيحة "التّدَلْدُلُ". وقال أبو عمرو: قوله: "ثنتا

стр. 976

حَنظَلِ" ليس الإضافة إلى مثل هذا بالجيّد] (١). وقال أبو عليّ في "التّذكرة": إضافة أسماء العدد من نحو ثلاثةٍ وأربعةٍ إلى مثل هذه الجموع (٢) يعني: للأجناس جائزة في القياس، وإنْ لم يكثرًا لاستعمال له (٣)؛ لكثرة استعمالهم إيّاها استعمال الآحاد، ومع ذلك فقد جاء عنهم نحو قوله: خَمْسَ بَنَانٍ قَانِئ الأَظْفَارِ (٤) وعلى هذا قوله: "ثنتا حنظَلِ". وقال في موضع آخر: "والشعر مما يُرَدُّ فيه الشيء إلى أصله، مع (٥) أنَّ رجلين ونحوهما من المعدود يدّلُّ على العددِ والنَّوع، وكذلك كان حكم واحد الإضافة إلى النَّوع، وإنْ كان يدُلُّ عليه في نحو، رَجُلٍ وحمارٍ (٦)، ولذلك قال سيبويه عندي: "كما أن الواحد أوّل العدد وإنْ لم يكن في قوله أن الواحد عنده عدد (٧) أو غير عدد، لأنَّ أوّل الشيء يجب أن يكون منه لا محالة".

стр. 977

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٧٦ - وَالمَرْءُ يُبْلِيهِ بَلاءَ السِّرْبَالْ (٢) استشهد به أبو عليّ على أنَّ المستعمل مع الألف واللّام لفظ "المَرْء"، لا لفظ "الامرأ" (٣)؛ طلبًا للتَّخفيف فيما يكثر اسعمالهم (٤) له، ويجوز و"المُرْءُ" بضمّ الميم اتّباعًا [وتوطِئَةً لما بعدها، وكذلك يقال: مررت بِمَرْءٍ وَمِرْءٍ، تكسر للتوطئة حكى ذلك الفرّاء] (٥). والمرءُ هنا مبتدأ، وخبره في الجملة التي (٦) بعده، وفاعل "يبليه" (٧) في الشطر الذي بعده. وهو:

стр. 978

كَرُّ اللَّيَالي وانتقال الأَحَوَال (١) أَيْ عليه. ونصب "بلاءَ" (٢) على المصدر المشبّه به، وهو مصدر: بلَاهُ (٣) الله يَبْلُوه بَلاءً في معنى: أبلاه (٤) الله ابلاءً، فجاء على غير فعله؛ لتقارب اللّفظين، واتفاق المعنيين. ومعنى يبليه - هنا (٥) -: يمتحنه ويخلقه؛ لأنَّه يُتْلِفُ جِدَّتَه، ويُضْعِفُ حِدَّتَهُ. والكرّ: التَّردُّد. واللّيَالِي: جمع ليلة على غير قياسٍ. وإِنَّما كان (٦) القياس في جمعها: لَيالا، كَرَيْطَةٍ ورياطٍ، ولكنّها جُمعتْ على حدٍّ "لَيْلَاة"، كما صُغّرَت عليها، حيث قالوا: "لُيَيْلِيَة". قال أبو العبّاس: وإنْ كانت "ليلاةٍ" غير مستعملة. قال ابن جنّيّ (٧): وقد وجدتها أنا مستعملة؛ قال الرّاجز (٨) فيما أنشده ابن الأعرابي:

стр. 979

في كُلِّ يَوْمٍ مَا وَكُلِّ لَيْلَاه … يَا وَيْحَه مِنْ جمل ما أَشقاه قال أبو الحجّاج (١): ولم يرد اللّيالي دون أيامها، ولكن اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر (٢)؛ لاتّصالهما وتعاقبهما، وهذا النَّحو كثير. ويحتمل أن يكون (٣) خصّ اللّيالي [بالذّكر؛ لانَّها أهيب وأجمع للهمّ] (٤) والفكر، لاسيّما على ذوي الهجر، أو على (٥) متطلّع إلى اطلاع الفجر. ويجوز أن تكون "الأحوال" حمع حَوْل؛ الذي هو العام، ويكون توكيدًا؛ لأنَّه أَعَمّ، ونحوه قول الكندِيّ (٦): أَلَا إنَّما الدّهر ليالٍ وَأَعْصَرُ ونظيره (٧) قولُ مُنبِّه؛ أَعْصر بن سعد، وبه سمّىَ أَعْصَر (٨):

стр. 980

أَبُنَّي إنَّ أَبَاكَ غَيَّرَ رَأْسَهُ … كَرُّ اللَّيالِي وَاختِلافُ الأَعْصُرِ ويحتمل أنْ تَكون "الأحوال" جمع حالٍ، التي (١) هي القضيّة والمشاف، وهي تُذكَّر وتؤنَّث، ويقال: حالة أيضًا. وأنشد أبو عليّ (٢) أيضًا: ١٧٧ - بأن الغَدْرَ في الأَقْوَامِ عَارٌ … وَأَن المَرْءَ يُجْزَأُ بِالكُرَاعِ (٣) البيت لأبي حَنْبل جارية (٤) بن مُرّ بنِ عَدِيّ بن مُرّ (٥) بن أَخزم بن أَبي أَخزم الطَّائِيّ، مِنْ بَنِي ثُعَلٍ [وهو ابن عمّ حاتم، يجتمعان في عديّ الآخر، وهو أبو خزم] (٦) استشهد به أبو عليّ على مثل البيت الأوَّل، ووجه

стр. 981

الرّواية فيه: "بأنَّ"؛ لأنَّها باء السّبب. وروى محمّد بن حبيب (١) وغيره: لأنّ الغدر (٢) وأنَّ الحرّ يجزأ بالكراعِ ولا شاهد فيه على هذه الرّواية، وقبله بيت يتعلّق به الجار، وهو (٣): لَقَدْ آلَيْتُ أَغْدُرُ فِي جَدَاعِ … وَإِنْ مُنّيتُ أُمَّاتِ الرَّبَاع قال (٤) أبو حنيفة: "الجداع": السّنة المجدبة التي تذهب بكلّ شيء [قال غيره: ويُقال لها] (٥): "جَدَاعِ" مَبْنية على الكسر. ويجزأ: أَيْ؛ يَكْتَفِي، يُقال: جَرِى النخل (٦) وجَزَأ يَجْزأُ فيهما جَزْءًا وجُزْءًا: أَيْ (٧)؛ استغنى عن السَّقي. [وأبو حنبل هذا أحد أوفياء العرب، قال محمَّد بن حبيب (٨): "ومن وفائه أنَّ امرأ القيس بن حجر الكندي، كان جارًا لعامر بن جُوَيْن الطّائي ثم الجرمي فَقبَّل (٩) عامر امرأة امرئ القيس، فأعلمته بذلك، فسار يريد جارية بن مرٍّ

стр. 982

ليستجيره (١)، فلم يصادفه، وصادف ابنه، فقال له ابنه: أجيرك من النَّاس كلّهم إلّا من أَبِي حَنْبَل، فرضي، وتحوّل إليه. فَلَمّا قدِم أبو حنبل رأى كثرة أموال امرئ القيس، وأعلمه ابنه بما شرط له في الجِوار، فاستشار في أكله (٢)) نساءَه، فكلّهن أشار عليه بذلك، وقلن: لا ذمَّة له عندك، فخرج أبو حنبل حتّى أتى الوادي ثمّ نادى: ألا أنَّ أبَا حنبل غادر، فأجابه بمثل ذلك صدى (٣) الجبل، ثمّ نادى: ألا أنَّ أبا (٤)) حنبل وافٍ، فأجابه الصدى (٥) بذلك، فقال: هذه أحسن من تيك، ثمّ أتى منزله فحلب جذعة من غنمه فشرب لبنها، ومس بطنه، وقال: أغدرُ وقد أَجْزَأَنِي لبن جذعةٍ، فوفّى (٦)) له، وقال هذين البيتين. ثمّ عَقد (٧)) له، وأعلمه امرؤ القيس بما فعل ابن جوين بامرأته، فركب في أسرته حتّى أتى منزل عامر بن جوين، ومعه امرؤ (٨)) القيس، فقال له: قبل امرأته ففعل) (٩)). وذكر الهمذاني (١٠): أنَّه قتل أخاه عمرو بن جوين بهذا السّبب.

стр. 983

وذكر المدائِني (١) وغيره: أَنَّ أبَا حنبل هذا هو "مجير الجراد" (٢)، وذلك أنَّ الحيَّ غدوا إلى قتله وقد بات قربه، فقال لهم: أين تريدون؟ قالوا: إلى جارك هذا الجراد قال: إذْ سميتوه جاري فلا سبيل لكم إليه، ثم نادى في بني أبيه وفتيانه فحضروا بالسِّلاح، فانصرف قومه عن الجراد، حتّى إذا طلعت الشّمس استقَلّ الجراد فذهب، وفي ذلك يقول هلال بن معاوية (٣) الطَّائيّ: وَمِنَّا ابنُ مُرٍّ أَبُو حَنْبَل … أَجَارَ مِن النَّاسِ رَجْلَ الجَرَادْ وَزَيْدٌ لَنا ولَنَا حَاتِمٌ … غِيَاثُ الوَرَى في السِّنين الشِّدادْ و "مجير الجراد" أيضًا بعده مُدْلج بن سُوَيْد بن مَرْثَد بن خَيْبَري (٤) الطّائي. وقد ذكره حمزة بن الحسن (٥) الأصبهاني ثم قال: "وفيه يقول الشاعر: وأنشد هذين البيتين، وهو وهم منه، وإنّما المراد بهما أبو حنبل المذكور"] (٦).

стр. 984

وأنشد أبو عليّ (١) أيضًا: ١٧٨ - تَظَلّ مَقَاليتُ النِّسَاءِ يَطَأْنَه … يَقلنَ أَلا يُلْقَى عَلَى المَرْءِ مِئْزَرُ (٢) هو (٣) لبشر بن أبي خازم (٤) الأَسَدِيّ؛ وشاهده مثل تقدّم، وكثر الشّواهد (٥) في "المرءِ"؛ ليرى أنَّه المستعملَ دون الأمرأ (٦). ["تظلّ): أَيْ؛ تصيرُ، ومنهم (٧) من يقصره على فعل النَّهار، كما يقصر "أمسى" على فعل اللّيل و] (٨) المقاليت: جمع مقلاتٍ (٩)، وهي التي لا يعيش لها ولد. [قال الهجريّ: أو لا يُولد لها ولد، ولا يقال: رجل مقلات. يوسف. وقد وإلى غيره أيضًا] (١٠).

стр. 985

وقال أبو محمَّد بن (١) السّيرافي: "يعني (٢) بهذا ابن ضَبَّاء الأسديّ، وكان مجاورًا في بني كِلَاب، فقتلوه وغدروا به"، ويزعم بعضهم أنَّ "المقلات" إذا وَطئت المقتول غدرًا عاش ولدها. [وإذا وطئت القتيل سبع مرّاتٍ عاش ولدهَا] (٣) وقيل: إنّما أراد بالوطء المرور به، يقال: "بنو (٤) فلان يطؤهم الطّريق"، أَيْ؛ يَمرُّ بهم أهله. وفي "الموعب" عن الأصمعيّ: كان يقال في الجاهليّة: إنّ المرأة التي لا تلد إذا وطئت على قتيل شجاعٍ ولدت. وقال (٥) بعضهم: ولدت ولدًا (٦) شجاعًا. وقوله: "ألَا يُلْقَى على المرء مِئزر" (٧)؛ إشارة إلى سوء فعلتهم (٨)، وقلة خفر نسوقم. [ويقال: إزَار، ومِيزرٌ، ومِيزِرٌ بكسر الزّاي؛ لكسر
следующие страницы →