← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(ووقتها) أي: وقت صلاة الكسوف) من ابتدائه إلى التجلي) " لما روى ابو بكرة قال: " كنا عند النبي ﷺ وانكسفت الشمس. فقام يجر رداءه حتى دخل المسجد. فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس. ثم قال: إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد. فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم " (١) . رواه البخاري والنسائي. وعن عائشة عن النبي ﷺ قال: " إنما الشمس والقمر آيتان من ايات الله تعالى، لاينكسفان لموت بشر. فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى تنجلي " (٢) .] رواه مسلم. (ولا تقضى) صلاة الكسوف (إن فاتت)؛ لقول النبي ﷺ : " فصلوا حتى تنجلي " [ (٣) . ولم ينقل عنه انه أمر بها بعد التجلي ولا فعلها. ولأن القصد عود نور المكسوف وضووه. وقد عاد كاملا. ولأنها سنة غير راتبة ولا تابعة لفرض. فلم تقض؛ (كاستسقاء، وتحية مسجد، وسجود شكر)، لفوات محله. (ولا يشترط لها) أي: لصلاة الكسوف، (ولا لى) صلاة (استسقاء إذن الإمام)، لأن كلا منهما نافلة، وإذنه ليس شرطا في نافلة مطلقا؛ لصحة صلاتها منفردا. قال في " الفروع ": ولا يشترط لها إذن إمام ولا لاستسقاء وفاقا، كصلاتهما منفردا. وعنه: بلى. وعنه: لا ستسقاء. وعنه: لها لصلاة وخطبة، لا للخروج والدعاء. انتهى.

стр. 1017

(وفعلها) أي: فعل صلاة الكسوف (جماعة بمسجد افضل) من فعلها منفردا أو بغير مسجد؛ لقول عائشة ﵂ " خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه " (١) . متفق عليه. ولما فيه من المبادرة بها لخوف فوتها بالتجلي. وعنه: فعلها بالمصلى أفضل. (وللصبيان حضورها)، واستحبها ابن حامد لهم ولعجائز؛ كجمعة وعيد. (وهي) أي: صلاة الكسوف (ركعتان: يقرا في) الركعة (الأولى) منهما (جهرا- ولو) كانت الصلاة (في كلسوف الشمس- الفاتحة وسورة طويلة) من غير تعيين. وذكر جماعة: أنه يقرأ قدر سورة البقرة أو هي. (ثم يركع) ركوعاً (طويلاً) فيسبح. قال جماعة: نحو مائة آية. (ثم يرفع فيسمع) أي يقول: سمع الله لمن حمده، (ويحمد) أي يقول: ربنا ولك الحمد.) ثم يقرأ الفاتحة) أيضا (وسورة) أيضا، (ويطيل هو دون) الطول (الأول) في القيام. (ثم يركع) أيضاً (فيطيل وهو دون) الركوع (الأول. ثم يرفع) فيسمع ويحمد. (ثم يسجد سجدتين طويلتين. ثم يصلي) الركعة (الثانمة كـ) الركعة (الأولى) في كونها بركوعين طويلين وسجدتين طويلتين. (لكن دونها) أي: دون الأولى (في كل ما يفعل). فيكون قيامها الأول دون القيام الأول من الركعة الأولى، ويكون الركوع الأول من الركعة الثانية دون الركوع الأول من الركعة الأولى، وهكذا إلى آخرها. (ثم يتشهد ويسلم). والأصل في ذلك ما روى جابر قال: " كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحر. فصلى بأصحابه فاًطال القيام حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم

стр. 1018

سجد سجدتين، ثم قام فصنع نحو ذلك. فكانت اربع ركعات وأربع سجدات " (١) . رواه احمد ومسلم وأبو داود. وعن أسماء بنت ابي بكر " أن النبىصلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقام فأطال القيام، ثم ركع فاً طال الركوع، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فسجد فأطال السجود، ثم رفع فسجد فأطال السجود، ثم قام فاًطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فاً طال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فسجد فاًطال السجود، ثم رفع فسجد فأطال السجود، ثم انصرف " (٢) . رواه احمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه. وعن نافع عن ابن عمر قال: " كسفت الشمس في زمن النبي ﷺ . فقام فاًطال القيام حتى قيل لا يركع من طول قيامه. ثم ركع فأطال الركوع حتى قيل لا يرفع من طول ركوعه. ثم انتصب قائما فقام كنحو قيامه الأول أو أدنى شيئا. ثم ركع كنحو ركوعه الأول أو أدنى شيئا. ثم انتصب فسجد. ثم قام فركع الركعة الاخرة ففعل مثل ذلك. ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس! إن كسوف الشمس والقمر ليس لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما ايتان من ايات الله . فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة " (٣) . رواه أبو بكر النجاد. (ولا تعاد) الصلاة (إن فرغت قبل التجلي، بل يذكر ويدعو). وقيل: تعاد ركعتين.

стр. 1019

(وإن تجلى) الكسوف (فيها) أي: أثناء الصلاة: (أتمها) أي: أتم الصلاة (خفيفة)؛ لقول النبي صص في حديث ابن مسعود: " فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم " (١) متفق عليه. ولأن المقصود التجلي وقد حصل. وظاهره (٢) : أنه لا يقطعها؛ لكونه منهيا عنه. ويشرع (٣) في تخفيفها؛ لزوال السبب. (و) إن تجلى الكسوف (قبلها) أي: قبل الصلاة: (لم يصل)؛ لقول النبي ﷺ : " إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى تنجلى " (٤) . فجعل الإنجلاء غاية للصلاة. والمقصود منها زوال العارض، وإعادة النعمة بنورها، وقد حصل. وإن خف الكسوف قبل الصلاة: شرع فيها (٥) وأوجز. (وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلع الفجر والقمر خاسف لم يصل)؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما. (وإن غاب) القمر (خاسفا ليلا صلى)؛ لأنه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره. وقيل: لا يصلي لغيبوبته كاسفا؛ كالشمس إذا غابت كاسفة. (ويعمل بالأصل في وجوده) أي: وجود الكسوف. فلو شك فيه مع غيم لم يصل. (و) يعمل أيضاً بالأصل في (بقائه). فلو شك في التجلي لحصول غيم

стр. 1020

صلى؛ لأن الأصل بقاؤه، وإن كان قد ابتدأها أتمها من غير تخفيف. (و) يعمل أيضاً بالأصل في (ذهابه) أي: ذهاب الكسوف كله. فلو انكشف الغيم عن بعض النيرين ولا كسوف عليه وهو في الصلاه أتمها؛ لأن الأصل أن الكسوف لم يذهب عن جمع المكسوف. (ويدعو ويذكر). ولا يصلى إذا وقع الكسوف (وقت نهي) على أصح الروايتين؛ لعموم أحاديث النهي. ويشهد للمنع أيضاً ما روى قتادة قال: " انكسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة فقاموا يدعون قياما فساً لت عن ذلك عطاء فقال: هكذا كانوا يصنعون ". رواه الأثرم. ومثل هذا في مظنه الشهرة فيصير كالإجماع. (ويستحب عتق في كسوفها) أي: كسوف الشمس؛ لما روت أسماء بنت أبي بكر قالت: " لقد أمر رسول الله ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس " (١) . متفق عليه. (وإن اتى) في صلاة الكسوف (في كل ركعة بثلاث ركوعات أو اربع أو خمس فلا بأس)؛ لما روى مسلم من حديث جابر " أن النبي ﷺ صلى ست ركعات بأربع سجدات " (٢) . ولما روى ابن عباس " أن النبي ﷺ صلى في كسوف، قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها " (٣) . رواه مسلم

стр. 1021

وأبو داود والنسائي. وفي لفظ: " صلى النبي ﷺ حين كسفت الشمس ثمانى ركعات في اربع سجدات " (١) . رواه أحمد ومسلم والنسائي. وزاد مسلم: وعن علي مثل ذلك. ولما روى أبو العاليه عن ابي بن كعب قال: " انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، وانه صلى بهم فقرا سورة من الطول (٢) ، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو، حتى انجلى كسوفها " (٣) . رواه أبو داود وعبد الله بن احمد في " المسند ". قال ابن المنذر: روينا عن علي ﵇ " أن الشمس انكسفت فقام علي فركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانيه مثل ذلك، ثم سلم، ثم قال: ما صلاها بعد النبي ﷺ غيري ". وظاهر ما تقدم: أنه لا يزيد على خمس ركوعات في كل ركعة، ولا على سجدتين في كل ركعة، لأنه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه. (وما بعد) الركوع (الأول) من كل ركعة (سنة)، كتكبيرات العيد (لا تدرك به الركعة) للمسبوق (٤) ، ولا تبطل الصلاة بتركه، لأنه قد روي عن النبي ﷺ من غير وجه: انه صلى صلاة الكسوف بركوع وأحد (٥) . ولهذا قال

стр. 1022

الأصحاب: (ويصح فعلها كنافلة) ويحمل النص بالركوع الزائد على الفضيلة. (ولا يصلى لآية غيره) أي: غير الكسوف، (كظلمة نهارا، وضياء ليلا، وريح شديدة، وصواعق)، لعدم نقل ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق. وروي عن النبي ﷺ " انه كان إذا هبت ريح شديدة اصفر لونه وقال: اللهم! اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " (١) ، لأن الرياح نعمة، لقوله : (من اياته ان يرسل الرياح مبشرات)] الروم: ٤٦]. والريح عذاب، لقوله : (فارسلنا عليهم ريحا صرصرا في ايام نحسات)] فصلت: ١٦]. (إلا لزلزلة دائمة) نص عليه، لفعل ابن عباس (٢) . رواه سعيد والبيهقي. وروى الشافعي عن علي نحوه. وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به. وعن احمد رواية اخرى: يصلي لكل آية، لأن النبي ﷺ علل كون الكسوف ويصلى له بأنه اية (٣) . وا لأول المذ هب. والزلزلة: رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها. (ومتى اجتمع كسوف وجنازة) في وقت (قدمت) الجنازة أي: قدمت صلاة الجنازة على صلاة الكسوف. (فتقدم) أي: قدمت صلاة الجنازة (على) كل (ما يقدم عليه) الكسوف من الصلوات، (ولو) كانت (جمعة امن فوتها ولم يشرع في خطبتها، أو عيدا) كانت، (او) كانت (مكتوبة وأمن الفوت) أي: فوت المكتوبة في وقتها، (او) كانت (وترا ولو خيف فوته: و) حيث

стр. 1023

تقرر ذلك فإنه (تقدم جنازة على عيد وجمعة أمن فوتهما، و) تقدم (تراويح على كسوف إن تعذر فعلهما) أي: فعل التراويح والكسوف في وقتهما. ويتصور الكسوف في كل يوم وليلة من الشهر. ولهذا قال الفقهاء: لو اجتمع عيد وكسوف قدم الكسوف. (وإن وقع) الكسوف (بعرفة صلى) صلاة الكسوف، (ثم دفع)؛ وذلك لأن الشمس قد كسفت يوم مات إبراهيم وهو يوم عاشر ربيع الأول. ذكره القاضي والامدي والفخر في " تلخيصه " اتفاقا عن أهل السير. قال في " الفصول ": لا يختلف النقل في ذلك. نقله الواقدي والزبير بن بكار، وأن الفقهاء فرعوا وبنوا على ذلك: لو اتفق عيد وكسوف. وقال في " مجمع البحرين " وغيره: لاسيما إذا اقتربت الساعة. انتهى. وذكر أبو شأمة في " تاريخه ": أن القمر خسف في ليلة السادس عشر من جمادى الاخره سنة أربع وخمسين وستمائة، وكسفت الشمس في غده. والله على كل شيء قدير. انتهى. وقيل: لا يتصرر كسوف الشمس إلا في الاستسرار (١) وهو ثامن عشري الشهر وتاسع عشريه، ولا يتصرر كسوف القمر إلا في الأبدار. قال في " الفروع ": واختاره شيخنا ورد بوقوعه في غيره. انتهى. قال ابن هبيرة: ما يدعيه المنجمون من أنهم يعرفون ذلك قبل كونه من طريق الحساب: فلا يختص بهم دون غيرهم ممن يعرف الحساب، بل هو مما إذا حسبه الحاسب عرفه، وليس مما يدل على أنهم مختصون فيه، مما يجعلونه حجة في دعواهم علم الغيب، مما تفرد الله بعلمه. فإنه لا دلالة لهم على ذلك، ولا فيما تعلقوا به من هذا الاحتجاج على ما ارهجوا به. انتهى. والرهج: الشغب.

стр. 1024

] باب: صلاة الاستسقاء] (وهو) أي: الاستسقاء: (الدعاء بطلب السقيا) على صفة مخصوصة. والسقيا: بضم السين من السقي. (وتسن) صلاة الاستسقاء (حتى) لو كان المستسقي (بسفر إذا ضر) الناس (إجداب ارض). والجدب: المحل. يقال: أجدب القوم إذا محلوا، (و) ضرهم (قحط مطر) وهو احتباسه، (أو) ضرهم (غور ماء عيون) وهو: ذهاب مائها في الأرض، (او) ضرهم غور ماء (انهار) جمع نهر بفتح الهاء وسكونها، وهو: مجرى الماء. (ووقتها) أي: وقت صلاة الاستسقاء (وصفتها في موضعها وأحكامها؛ كصلاة عيد). قال ابن عباس: " سنة الاستسقاء سنة العيدين " (١) . فعلى هذا تسن في الصحراء، وأن يصلي ركعتين، يكبر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا، من غير أذان ولا إقأمة؛ "لأنه ﷺ لم يقمها إلا في الصحراء" (٢) وهي اوسع عليهم من غيرها. وقال ابن عباس: " صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلى في العيدين " (٣) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر " أنهم كانوا يصلون صلاة الاستسقاء ويكبرون فيها سبعا وخمسا " (٤) . رواه الشافعي من رواية إبراهيم بن أبي يحيى.

стр. 1025

وهو مرسل. وعن ابن عباس نحوه وزاد فيه: " وقرا في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (الغاشية) (١) . وعلم مما تقدم: أنها تفعل في وقت صلاة العيد. (وإذا اراد إمام الخروج لها) أي: لصلاة الاستسقاء (وعظ الناس) أي: ذكر لهم ما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب وخوفهم بالعواقب، (وأمرهم بالتوبة) من المعاصي أي: الرجوع عنها، (والخروج من المظالم) بأن يرد من عنده مظلمة إلى مستحقها، وذلك واجب في كل وقت. ولأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات. يدل لذلك قوله : (لو ان اهل القري امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض .... .) الآية] الأعر اف: ٩٦]. (و) أمرهم أيضا بـ (ترك التشاحن) هو: تفاعل من الشحناء. وهي: العداوة؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله ﷺ : " خرجت أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت " (٢) . (و) أمرهم أيضاً (بالصدقة)؛ لأنها متضمنة للرحمة المقتضية لرحمتهم بنزول الغيث. (و) أمرهم أيضا بـ (الصوم)؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث؛ لما روي: " أن دعوة الصائم لا ترد " (٣) .

стр. 1026

ولما فيه من كسر الشهوة، وحضور القلب، والتذلل للرب. زاد جماعة: ثلاثة أيام، وأنه يخرج صائما. (ولا يلزمان) أي: الصدقة والصوم (بأمره) أي: أمر الإمام. قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم لا يلزم الصرم بأمره. مع ان في " المستوعب " وغيره تجب طاعته في غير المعصية. وذكره بعضهم إجماعاً. ولعل المراد في السياسة والتدبير والأمور المجتهد فيها لا مطلقا، ولهذا جزم بعضهم: تجب في الطاعة، وتسن في المسنون، وتكره في المكروه. وذكر ابو الوفاء وأبو المعالي: لو نذر الإمام الاستسقاء زمن الجدب وحده أو هو والناس لزمه في نفسه، وليس له أن يلزم غيره بالخروج معه، وإن نذره غير الإمام انعقد ايضا؛ كالصلوات المشروعة للأسباب، كركعتي الطواف، وتحية المسجد. فإنه لو قال: لله علي أن أركع للطواف، وان اجيء المسجد صح. انتهى. (ويعدهم) الإمام (يوما يخرجون فيه) أي: يعينه لهم ليتهياً (١) للخروج (٢) على الصفة المسنونة، (ويتنظف لها) أي: لصلاة الاستسقاء من إزالة الرائحة الكريهة، وتقليم الأظفار، لئلا يؤذي الناس يوم يجتمعون فيه. (ولا يتطيب) وفاقا، لأنه يوم استكانة وخضوع. (ويخرج) الإمام كغيره (متواضعا متخشعا) أي: خاضعا، (متذللا) والذل: الهوان، (متضرعا) أي: مستكنا؛ لما روى ابن عباس قال: " خرج النبي ﷺ للاستسقاء متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلى " (٣) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (ومعه اهل الدين والصلاج والشيوخ)؛ لأنه أسرع في إجابة دعائهم.

стр. 1027

(وسن خروج صبي مميز). وقيل: يباح. والأول المذهب. قال القاضي وابن عقيل في " الفصول ": نحن لخروج الصبيان والشيوخ اشد استحبابا. ولأنهم لا ذنوب لهم. فيكون دعاوهم مستجابا. (وابيح خروج طفل) يعني: لم يميز، (وعجوز وبهيمة). وقيل: لا يجوز خروج العجوز. وقيل: يكره إخراج البهيمة. (و) يباح (التوسل بالصالحين). قال في " الفروع ": ويجوز التوسل بصالح. وقيل: يستحب. قال احمد في " منسكه " الذي كتبه للمروذي: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه. وجزم به في " المستوعب " وغيره. وجعله شيخنا كمساً لة اليمين به. قال: والتوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته، والصلاة والسلام عليه ﷺ ، وبدعائه وشفاعته، ونحوه مما هو من فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقه مشروع إجماعاً. وهو من الوسيلة المأمور بها في قوله تعالى: (اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيله)] المائدة: ٣٥]. وقال أحمد وغيره في قوله ﷺ : " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " (١) : الاستعاذة لا تكون بمخلوق. قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف: الترياق المجرب. وقال شيخنا: قصده للدعاء عنده ورجاء الإجابة بدعة لا قربة باتفاق الأئمة. وقال أيضاً: يحرم بلا نزاع بين الأئمة، وقد شاع عند الناس لاسيما أهل

стр. 1028

الحديث تعظيم السلطان محمود بن سبكتكين. قال أبو الحسن (١) عبد الغفار (٢) إسماعيل الفارسي: هو: أبو القاسم ابن ناصر الدين أبي منصور، ولي (٣) خراسان أربعين سنة. ثم عظمه إلى غاية إلى أن قال: وقد زرت مشهده بظاهر غزنة، وهو الذي يتقرب إليه الناس ويرجون استجابة الدعوات عنده. انتهى. وقال في " المبدع ": يستحب الاستسقاء بمن ظهر صلاحه " لأنه أقرب إلى الإجابة. وقد استسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى. ذكره الموفق. وقال السامري وصاحب " التلخيص ": لا باًس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين. وقال في " المذهب ": يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح. وقيل: يستحب. انتهى. (ولا يمنع أهل الذمة) من الخروج إلى الاستسقاء؛ لأنه خروج لطلب الرزق، والله ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين. إذا أرادوا الخروج (منفردين) بمكان عن المسلمين " لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب فيعم من حضر، لقوله : (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه)] الأنفال: ٢٥]. (لا) إذا أرادوا الخروج منفردين عن المسلمين (بيوم) فإنا لا نمكنهم من ذلك " لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم فيكون أعظم لفتنتهم، وربما افتتن بهم غيرهم. (وكره إخراجنا لهم) أي: لأهل الذمه؛ لأنهم أعداء الله. فيكونون.

стр. 1029

بعيدون من الإجابة. ولا تخرج شابة منهم بلا خلاف في المذهب. ذكره في " الفصول "، وجعل كأهل الذمة من خالف دين الإسلام في الجملة. ثم إذا خرجوا بدأ الإمام بالصلاة، (فيصلي) ركعتين. يأتي فيهما بالتكبيرات الزوائد، كصلاة العيد. (ثم يخطب) خطبة (واحدة) على الأصح، لأنه لم ينقل ان النبي ﷺ خطب في الاستسقاء بأكثر من وأحد ة. وعنه: خطبتين. وعنه: يخطب ثم يصلي. وعنه: يخير. وعلى الأصح: (يفتتحها بالتكبير، كخطبة العيد)، لقول ابن عباس: " صنيع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنيع في العيد " (١) . وعنه: يفتتحها بالحمد " كالجمعة (٢) . (ويكثر فيها الاستغفار)؛ لأنه سبب لنزول الغيث. روى سعيد " ان عمر خرج يستسقي. فلم يزد على الاستغفار. فقالوا: ما رايناك استسقيت. فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي ينزل بها المطر، ثم قرا: (استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا)] نوح: ١٠ - ١١] " (٣) . (و) يكثر فيها أيضاً (قراءة آيات فيها الأمربه) أي: بالاستغفار، كقوله : (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يرسل السماء عليكم مدرارا) [هود: ٥٢]، (وان استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يمتعكم

стр. 1030

متاعا حسنا) [هود: ٣] (١) . (ويرفع يديه) في الدعاء؛ لقول أنس: " كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء. فكان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه " (٢) . متفق عليه. قال جماعة: (وظهورهما فحو السماء)؛ لحديث رواه مسلم (٣) . (فيدعو بدعاء النبي ﷺ وهو: (اللهم!) أي: يا الله (اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها، (غيثا) هو: مصدر. والمراد به: المطر، ويسمى الكلأ غيثا، (مغيثا) والمغيث: المنقذ من الشدة، يقال: غاثه وأغاثه، وغيب الأرض فهي مغيثة ومغيوثة، (هنيئا) ممدود ومهموز وهو: الذي يحصل من غير مشقة، (مريئا) ممدود مهموز وهو: السهل النافع المحمود العاقبة، (غدقا) بفتح المعجمه وكسر الدال المهملة (٤) وفتحها. والغدق: الكثير الماء والخير، (مجللأ) وهو: السحاب الذي يعم البلاد والعباد نفعه، (سحا) أي: صبا يقال: سح الماء يسح، إذا سال من فوق إلى أسفل، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض، (عاما) بتشديد الميم: أي شاملا، (طبقا) بفتح الطاء والباء، الذي طبق البلاد مطره، (دائما) أي: متصلا إلى أن يحصل الخصب. (اللهم! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين)، والقانط الآيس؛ لقوله تعالى: (لاتقنطوا من رحمة ألله) [الزمر: ٥٣] أي: لا تيأسوا. (اللهم! سقيا رحمة) السقيا، بضم السين: الاسم من السقاء؛ كالغسل،

стр. 1031

بالضم من الغسل بفتحها، (لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق. اللهم! إن بالعباد والبلاد من اللأواء) أي: الشدة (والجهد) بفتح الجيم وضمها: الطاقة. قاله الجوهري. وقال ابن منجى: هما المشقة. (والضنك) أي: الضيق (ما) أي: شدة وضنكا (لا نشكوه إلا إليك. اللهم! أنبت) بقطع الهمزة (لنا الزرع وأدر لنا الضرع). قال الجوهري: الضرع لكل ذات ظلف أو خف. (واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهم! ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم! انا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا). والمدرار: الدائم من الحاجة. وهذا الدعاء بكماله رواه ابن عمر عن النبي ﷺ (١) . غير أن قوله: " اللهم! سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق " (٢) . رواه الشافعي في " مسنده " عن المطلب بن حنطب وهو مرسل. وعن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال: " كان النبي ﷺ إذا استسقى قال: اللهم! اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت " (٣) . رواه أبو داود. وعن ابن عباس مرفوعا أنه كان يقول: " اللهم! اسقنا غيثاً مغيثا مريئاً مريعا طبقا غدقا جلا غير رائث " (٤) . رواه ابن ماجه، وإسناده ثقات.

стр. 1032

قوله: " غير رائث " أي. غير بطيء ولا متأخر. وظاهر ما تقدم: أن الدعاء يختص بالإمام، وأن المأمومين يؤمنون. وقال الخرقي: بل يدعون أيضا. (ويكثر) في الخطبة (من الدعاء، ومن الصلاه على النبي ﷺ ؛ لأن في ذلك معونة على الإجابة. وعن عمر قال: " الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شئ حتى تصلي على نبيك " (١) . رواه الترمذي. (ويؤمن مأموم) على دعاء الإمام. قدمه في " الفروع " ثم قال: قال الحلواني: وقال الخرقي: يدعون. انتهى. ولا يكره قول: اللهم! أمطرنا. ذكره أبو المعالي، يقال: مطرت وأمطرت. وذكر أبو عبيدة: أمطرت في العذاب. (ويستقبل) الإمام (القبلة) استحبابا (في أثناء الخطبة)؛ " لأن النبي ﷺ حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه " (٢) . متفق عليه. وقيل: يستقبلها بعد الخطبة. قال النووي: فيه استحباب استقبالها للدعاء، ويلحق به الوضوء والغسل والتيمم والقراءة وسائر الطاعات، إلا ما خرج. بدليل الخطبة. (فيقول سرا: اللهم! إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما امرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا)؛ لأن في ذلك استنجازا لما وعد من فضله جيث قال: (واذا سالك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداعي إذا دعان) ] البقره: ١٨٦].

стр. 1033

وإن دعا بغير ذلك فلا باًس. (ثم يحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن). نص على ذلك " لما روى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة " أن النبي ﷺ خطب ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن " (١) . وكان الشافعي يقول بهذا الحديث ثم رجع عنه (٢) . فقال: يجعل أعلاه أسفله " لما روى عبد الله بن زيد " أن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء. فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها فثقلت عليه فقلبها: الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن " (٣) . رواه أحمد وأبو داود. وأجيب عن هذه الرواية بأن قوله: " فثقلت عليه " من ظن الراوي، وقد نقل التحويل جماعة، لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله، ولا أن ذلك للثقل عليه، ويبعد أنه ﷺ ترك ذلك في جمييع الأوقات لثقل الرداء. (وكذا الناس) يعني: أنه يسن لهم تحويل أرديتهم كالإمام، لأن ما ثبت في حقه ﷺ ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه. كيف وقد عقل المعنى وهو التفائل بقلب الرداء، لقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب، مع أنه روي عن جعفر بن محمد عن أبيه " أن النبي ﷺ حول رداءه ليتحول القحط " (٤) . رواه الدارقطني. (ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم)، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه أنه غير رداءه حتى عاد إلى منزله.

стр. 1034

(فإن سقوا) في أول مرة فذلك فضل من الله ونعمة، (وإلا) أي: وإن لم يسقوا في أول مرة (عادوا ثانيا، و) كذلك يعودون (ثالثا) أي: إن لم يسقوا ثانيا؛ لأن ذلك أبلغ في التضرع. وقد روي: أن الله يحب الملحين في الدعاء. ولأن الحاجه [داعية إلى ذلك. فاستحب كالأول. قال أصبغ: استسقي للنيل بمصر خمسة وعشرين مره] (١) متوالية. وحضره ابن وهب وابن القاسم وجمع. ) وإن سقوا قبل خروجهم فإن) كانوا (تأهوا) للخروج (٢) (خرجوا وصلوها) أي: صلوا صلاة الاستسقاء (شكرا لله تعالى)، وساً لوه المزيد من فضله؛ لأن الصلاة شرعت لإزالة العارض من الجدب، وذلك لا يحصل بمجرد النزول. (وإلا) أي: وإن لم يكونوا تأهبوا للخروج للصلاة (٣) (لم يخرجوا، وشكروا الله تعالى وسألوه (٤) المزيد من فضله)؛ لقوله تعالى: (لئن شكرتم لازيدنكم) [ابراهيم: ٧]. ولأن الصلاة تراد لنزول الغيث، وقد وجد من غير أن يتأهبوا للخروج. فلم يشرع في حقهم. ويستحب التشاغل عند نزول الغيث بالدعاء؛ لقوله ﷺ : " يستجاب (٥) الدعاء عند ثلاث: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيب " (٦) . وقالت عائشة: " كان النبي ﷺ إذا رأى المطر قال: اللهم! صيبا

стр. 1035

نافعا " (١) . رواه احمد والبخاري. وذكر القاضي وجمع: أن الاستسقاء ثلاثة أضرب: أحد ها: ما وصفنا وهو أكملها. والثانى: استسقاء الإمام يوم الجمعة في الخطبة؛ كما فعل النبي ﷺ (٢) . متفق عليه من حديث أنس. والثالث: ان يدعو الله تعالى عقب صلواتهم. (وسن وقوف في أول المطر، وتوضؤ، واغتسال منه، وإخراج رحله) وهو هنا ما يستصحب من الأثاث، (وثيابه؛ ليصيبها) المطر؛ لقول أنس: " أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر. فقلنا: لم صنعت هذا؛ قال: لأنه حديث عهد بربه " (٣) . رواه مسلم. وروي " أنه ﷺ كان ينزع ثيابه في أول المطر إلا الإزار يتزر به ". ولما روي " أنه ﷺ كان يقول إذا سال الوادي: اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله ظهرا (٤) فنتطهر به ". قال أبو المعالي: ويقرأ عند فراغه: (قذ أجيبت دعوتما فاًستقيما) [يونس: ٨٩] تفاولا با لإجابة. وينبغي لمن سمع الرعد ورأى البرق ان يسبح؛ لما في " الموطاً " " أن عبد الله بن الزبير كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته " (٥) .

стр. 1036

ولا يتبع بصره البرق، لأنه منهي عنه. (وإن كثر) المطر (حتى خيف) منه، (سن قول: اللهم! حوالينا ولا علينا. اللهم! على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر، (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به … )) [البقرة: ٢٨٦] إلى اخرها، وهي قوله تعالى: (واعفوا عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا علي القوم الكافرين) [البقرة: ٢٨٦]. وذلك لما روي في " الصحيح " انه ﷺ كان يقول ذلك (١) ما عدا الاية. وهي لائقة بالحال. فاستحب قولها، كسائر الأقوال اللائقة بمحالها. ويفهم مما تقدم أنه يدعو كذلك عند زيادة ماء العيون زيادة يحصل بها الضرر، لأنه أحد الضررين. فاستحب الدعاء لانقطاعه من غير صلاة. وقال الآمدي: يصلى لكثرة المطر. ثم اعلم أن الظراب: جمع ظرب بكسر الراء وهي: الرابية الصغيرة. والاكام بفتح الهمزة على وزن امال جمع أكم ككتب. وبكسر الهمزة من غير مد، كجبال جمع أكم كجبل (٢) ووأحد ها أكمة، وهي ما علا من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلا، وكان أكثر ارتفاعا مما حوله. وقال مالك: الآكام الجبال الصغار. قال الخليل: هي حجر واحد. وبطون الأودية: الأماكن المنخفضة. ومنابت الشجر أصولها " لأنه انفع لها، وقوله تعالى: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به .... ) الآية [البقره: ٢٨٦] أي: لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق. وقيل: هو حديث النفس والوسوسة.

стр. 1037

وعن مكحول: الغلمة. وعن إبراهيم: هو الحب. وعن محمد بن عبد الوهاب: هو العشق. وقيل: هو شماتة الأعداء. وفيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله من جمع ذلك. (ووأعف عنا) أي: تجاوز وأمح عنا ذنوبنا. (وأغفرلنا) أي: استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا. (وارحمنا) فإننا لا نسأل (١) العمل إلا بطاعتك، ولا نترك معاصيك إلا برحمتك إيانا. (أنت مولانا) ناصرنا (٢) وحافظنا، (فانصرنا على القوم الكافرين). (وسن) لمن اغيث بالمطر (قول: مطرنا بفضل الله ورحمته. ويحرم) أن يقول: مطرنا (بنوء كذا)؛ لخبر زيد بن خالد الذي في "الصحيحين " (٣) . ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا: " ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال (٤) : ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا اصبح فريق منهم بها كافرين. يقولون: الكوكب وبا لكوكب " (٥) . وله أيضاً عنه مرفوعا: " ما انزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين. ينزل الله (٦) الغيب فيقولون: الكوكب كذا وكذا "، وفي

стр. 1038

رواية: " بكوكب كذا وكذا " (١). فهذا يدل على ان المراد: كفر النعمة. وأم اإضافة المطر إلى النوء دون الله تعالى فكفر إجماعا. والنوء: النجم مال للغروب. فاله في " القاموس ". (ويباح) أن يقول: (في نوء كذا). خلافا للآمدي. وإن نذر المطاع في قومه زمن الجدب أن يستسقي وحده لزمه وحده. ومن رأى سحابا أو هبت ريح سأل الله خيره وتعوذ من شره. ولا سأل الله سائل ولا تعوذ متعوذ بمثل المعوذتين. وورد في الأثر: ان قوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق. قال ابن حامد في " أصوله ": هو من آيات الله تعالى. فال: ودعوى العامة: إن غلبت حمرته كانت الفتن والدماء، وإن غلبب خضرته كان رخاء وسرورا: هذيان. والله سبحانه وتعالي أعلم.

стр. 1039

كتاب الجنائز [الجنائز] بفتح الجيم وهو جمع جِنازة بالكسر، والفتح: لغة. وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت. ويقال: عكسه. فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال. نعش ولا جنازة، وإنما يقال: سري. وهي مشتقة من جَنَزَ إذا ستر، يجنِز بكسر النون. (يُسن الاستعداد للموت) بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم. (والإكثار من ذكره)؛ لقول النبي ﷺ : " أكثروا من ذكر هاذم اللذات " ((١)). هو بالذال المعجمة يعني: الموت. (و) تسن (عيادة) مريض (مسلم)؛ لما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: " خمس تجب للمسلم على أخيه: ردَُ السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوى، وعيادة المريض، واتباع الجنازة " (٢). وفي لفظ: " حق المسلم على المسلم ست. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله تعالى فشمّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه " (٣). متفق على ذلك. إلا أن البخاري لم يذكر لفظ حديث الست، ولا ذكر فيه " النصيحة ". (غير مبتدع يجب هجره؛ كرافضي). قال في " الإنصاف ": نص الإمام أحمد: أن المبتدع لا يعاد. وقال في " النوادر ": تحرم عيادته. وعنه: لا يعاد الداعية فقط.

стр. 1040

واعتبر الشيخ تقى الدين: المصلحة في ذلك. (أو) إنسان (يسن) هجره؛ (كمتجاهر بمعصية) يعني: أنه يسن أن لا يعاد إذا مرض. بخلاف غير المتجاهر. نقل حنبل: إذا علم من رجل أنه يقيم على معصية لم يأثم إن هو جفاه (١) حتى يرجع، وإلا كيف يبين للرجل ما هو عليه إذا لم ير منكرًا عليه ولا جفوة من صديق. وتُكره عيادة رجل لامرأة غير محرم أو تعوده. قاله ابن الجوزي. قال في " الفروع ": وأطلق غيره عيادتها. انتهى. والأولى: حمل من منع على خوف الفتنة، وحمل من لم يمنع على من لا يخاف منها فتنة؛ كالعجوز. وتشرع العيادة في كل مرض على ظاهر كلام الأصحاب. وقال أبو المعاًلي: لا تشرع لوجع الضرس والدمل (٢) والرمد. قال: ولايسمى صاحبها مريضا. واحتج بما رواه الدارقطني في " العلل " أنه ﵊ قال: " ثلاث لا يعادون: صاحب الضرس، وصاحب الرمد، وصاحب الدمل ". لكن هذا الحديث غير ثابت. قال الحافظ عبدالحق: يرويه مَسلمة ابن علي الخشني. وهو ضعيف. على أنه قد ثبتت (٣) العيادة في الرمد عن زيد بن أرقم. ولفظه: " أن النبي ﷺ عاده من وجع كان بعينه " (٤) . أخرجه أبو داود وصححه الحاكم. ويسن كون عيادة المريض (غِبْاً). قال في " الفروع ": قال جماعة: ويغبٌ بها. وظاهر إطلاق جماعة

стр. 1041

خلافه. ويتوجه اختلافه باختلاف الناس، والعمل بالقرائن وظاهر الحال، ومرادهم في الجملة، وهي تشبه الزيارة. وذكر ابن الصيرفي الحرانى في " نوادره ": الشعر المشهور وهو: لا تُضجِرَنٌَ عليلاُ في مُساءلةٍ إن العيادة يومٌ بين يومَين بل سَلْه عن حاله وادعُ الإله له واجلسْ بقدر فُوَاقٍ بين حَلُبَيْن (١) من زار غِباً أخاً دامت مودتُه وكان ذاك صلاحاً للخليلَََين وتكون العيا دة (من أول المرض)، وتكون (بُكرةً وعشياً)، وتكون (فى رمضان ليلاُ). قال أحمد: يعود بكرة وعشياً. وقال عن قرب وسط النهار: ليس هذا وقت عيادة. وقال بعضهم: تكره إذاً. نص عليه. قال صاحب " المحرر ": لا بأس آخر النهار؛ للخبر. ونص أحمد: العيادة في رمضان ليلاُ. (و) يسن للعائد (تذكيره) أي: تذكير المريض (التوبة)؛ لأنها واجبة على كل حال. والمريض أحوج إليها من غيره؛ لقول النبي ﷺ : " إن الله يقبلُ توبةََُ العبد ما لم يُغرغِر " (٢) . أي: تبلغ روحه إلى حلقه. (و) تذكيره أيضاً (الوصية)؛ لقول النبي ﷺ " ما حقُّّّ امرئ مسلم له شيء يوصي به، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (٣) . متفق عليه من حديث ابن عمر. (ويدعو) العائد للمريض (بالعافية والصلاح)؛ لقوله ﷺ " من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم

стр. 1042

أن يشفيك. إلا عافاه الله من ذلك المرض " (١) . أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن، والحاكم وصححه. ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، لقوله في الحديث الصحيح: " وما يدريك أنها رقية " (٢) . وأن يقرأ عنده سورة الإخلاص والمعوذتين. فقد ثبت ذلك عنه ﷺ (٣) . وروى أبو داود أنه ﷺ قال: " إذا جاء رجل يعود مريضاً فليقل: اللهم لِلَّهِ اشف عبدك. يَنُكَأُ لك عدواً ويمشي لك إلى صلاة " (٤) . وصح " أن جبريل ﵇ عاد النبي ﷺ فقال: بسم الله أرقيك. من كل شيء يؤذيك. من شر كل نفس أو عين حاسد. الله يشفيك. باسمه أرقيك " (٥) . وأنه ﷺ كان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس. طهور إن شاء الله " (٦) . (و) يستحب أن العائد (لا يُطيل الجلوس) عند المريض؛ لما في إطاالة الجلوس عنده من إضجاره، ومنع بعض تصرفاته، والتضييق عليه. وعنه: يستحب أن يكون الجلوس بقدر الجلسة بين الخطبتين. (ولا بأس بوضع يده) أي: يد العائد (عليه) أي: على المريض؛ لما روي في " الصحيحين ": " أنه ﷺ كان يعود بعض أهله، ويمسح بيده اليمنى، ويقول: اللهم لِلَّهِ رب الناس، أذهب الباس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا

стр. 1043

شفاؤك، شفاء لا يغادرسقماً " (١) . وفي " الفنون ": إن سألك وضع يدك على رأسه للتشفي (٢) فجدد توبة لعله يتحقق ظنه فيك. وقبيحٌ تعاطيك ما ليس لك. وإهمال هذا وأمثاله يعمي القلوب ويخمر العيون ويعود بالرياء. (و) لا بأس بـ (إخبار مريض بما يجد بلا شكوى)؛ لما ذكر القاضى أبو الحسين عن عبد الرحمن طبيب السنة قال: دخلت على أحمد بن حنبل أعوده. فقلت: كيف تجدك؟ فقال: أنا بعين الله. ثم دخلت على بشر بن الحارث. فقلت: كيف تجدك؟ فقال: أحمد الله إليك. أجد كذا، أجد كذا. فقلت: أما تخشى أن يكون هذا شكوى؟ فقال: حدثنا المعافى بن عمران عن سفيان بن سعيد عن منصورعن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا: سمعنا عبدالله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ " إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك ". فدخلت على أحمد فحدثته. فكان إذا ساًلته قال: أحمد الله إليك. أجد كذا، أجد كذا. (وينبغي) للمريض (إن يُحسن ظنٌه بالله تعالى)؛ لما في " الصحيحين " عن أبي هريرة مرفوعاً: " أنا عند ظن عبدي بي " (٣) . زاد أحمد " إن ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله " (٤) . وقال ابن هبيرة في حديث أبي موسى: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " (٥) . متفق عليه. قال: يدل على استحباب تحسين

стр. 1044

العبد ظنه عند إحساسه بلقاء الله؛ لئلا يكره أحد لقاء الله. يود أن لو كان الأمر على خلاف ما يكرهه، والراجي السرور يود (١) ثبوت ما يرجو حصوله. ويُغََلُب رجاه. قدمه في " الفروع ". وفي " النصيحة ": يغلب الخوف لحمله على العمل وفاقاً للشافعية، وقاله الفضيل بن عياض وغيره، ونصه: ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه وأحداً، زاد في رواية: فأيهما غلب صاحبه هلك. قال في " الفروع ": قال شيخنا: وهذا هو العدل. ولهذا: من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط، إما في نفسه وإما في أمور الناس. [ومن غلب عليه حال الرجاء بلا خوف اوقعه في نوع من الأمن لمكر الله، إما في نفسه وإما في الناس] (٢) . والرجاء في (٣) رحمة الله التي سبقت غضبه يجب ترجيحه؛ كما قال تعالى: " أنا عند حسن ظن عبدي بي. فليظن بي خيراً " (٤) . وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد وتعدْيه. فإن الله عدل لا يأخذ إلا بالذنب. وعند الحنفية: يُغلب الشاب الرجاء، والشيخ الخوف. (ويُكرهُ الأنين) على أصح الروايتين؛ لأنه يترجم عن الشكوى المنهى عنها. مالم يغلبه. ويستحب للمريض الصبر على المرض والرضاء بقضاء الله سبحأنه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦ ا]، ولقوله تعالى:

стр. 1045

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. واعلم أن الثواب في المصائب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها. فإنها (١) ليست من كسبه، وإنما يثاب على كسبه، والصبر من كسبه، والرضى بالقضاء فوق الصبر، فأنه يوجب رضى الله سبحأنه وتعالى. وإن أخبر بما يجده على وجه الشكوى لربه الذي ابتلاه لا لأحد من خلقه لم يكن ذلك مذموماً اتفاقاً، ولا منافياً للصبر. بل هو مطلوب شرعاً. ومنه قول أيوب ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. وقال ابن عيينة: أن الشكوى للخلق مع الرضى بقضاء الله تعالى لا بأس بها. واحتج لذلك بقول النبي ﷺ في مرضه لجبريل ﵇: " أجدنىِ مغموماً، أجدنى مكروباً ". ومنه قول موسى لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. فهذه الآية تدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من الأذى والتعب. ولا يكون مثل ذلك من الشكوى المذمومة إذا كان راضياً بقضاء الله تعالى. وهذا هو اللائق بحال موسى ﵇. (و) يكره أيضاً (تمني الموت) نزل به ضر أو لم ينزل على الصحيح. ويحمل قوله ﷺ فيما رواه الشيخان: " لا يتمنى أحدكم الموت من ضُرٍ أصابَه. فإن كان لابُدَّ فأعلا فليقل: اللهم لِلَّهِ أَحْيني ما كانت الحياةُ خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي " (٢) : على الغالب من أحوال الناس. ويستثنى من ذلك حالتان لا يكره تمني الموت فيهما:

стр. 1046

الأولى: عند مخافة الفتنة في دينه؛ لقوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مالك: " وإذا أردتَ بعبادك فتنة فاقْبِضْني إليك غير مَفْتُون (١) . الحالة الثانية: تمني الشهادة لا سيما عند حضور أسبابها فتستحب؛ لما روي في الصحيح: " من تمنى الشهادة خالصاً من قلبه أعطاه الله منازل الشهداء " (٢) . (و) يكره أيضاً (قطعُ الباسور) وهو داء معروف. (ومع خوفِ تلف بقطعه يحرم) قطعه؛ لما في ذلك من التعريض إلى أهلاك نفسه. (و) مع خوف التلف (بتركه) أي: بعدم قطعه (يباح) قطعه. (ولا يجب التداو ي) من المرض (ولو ظُن نفعُه). لكن يجوز اتفاقاً، ولا ينافى التوكل. فإن الله سبحأنه وتعالى خلق الداء والدواء. [أخرج أبو داود عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: " إن الله أنزل الداء والدواء " (٣) ، وجعل لكل داء دواء. فتداووا ولا تتداووا بالحرام " (٤) . (وتركُه) أي: ترك التداوي (أفضل) من فعله. نص عليه؛ لأنه أقرب إلى التوكل. وقيل: فعله أفضل. وقيل: بل يجب؛ لظاهر الأمر. (ويحرم) التداوي (بمحرم) من مأكول وغيره، حتى ولو بصوت آلة لهو؛ لعموم قوله ﷺ : " ولا تتداووا بالحرام " (٥) . ونقل الجماعة عن أحمد: تحريم التداوي بألبان الأُُتن والترياق والخمر. وجوّز في " الأيضاًح " التداوي بالترياق.

стр. 1047

وقيد التحريم في " البُلغة " بالأكل والشرب. فخرج الادهان ونحوه. ويجوز ببول إبل في المنصوص، وكذا بول كل ما أُكل لحمه. وفي الأصح: وكل ما فيه سمية من النبات، إن كان الغالب مع استعماله السلامة. (ويباح كَتبُ قرآن) بإناء، (و) كتب (ذكر بإناء لحاملٍ لعسر الولادة، ومريض، ويُسقَيأنه) أي: الحامل والمريض. نص عليه؛ لقول ابن عباس. (وإذا نزل به) أي: نزل الملك بالمريض لقبض (١) روحه: (سن تعاهد) أرفق أهل المريض به وأتقاهم لربه: (بلُ حلقه) أي: حلق المريض (بماء اوشراب)، وتعاهد أيضاً (تنديَةِ شفتيه بقطنة)؛ لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة، ويسهل عليه النطق بالشهادة. (و) سن أيضاً (تلقينُه) أي: تلقين المريض المنزول به قول: (لا إله إلا الله)؛ لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " (٢) . وأُطلق على المحتضر اسم الميت باعتبار ما هو واقع لا محالة. وعن معاذ مرفوعاً: " من كان اخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " (٣) . رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد. واقتصر عليها؛ لأن إقراره بها إقرار بالأخرى. قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال كما ذكر جماعة من الحنفية والشافعية: يلقن الشهادتين؛ لأن الثانية تبع. فلهذا اقتصر في الخبر على الأولى. ويلقن (مرة). نقله مهنا وأبو طالب وفاقاً للأئمة الثلاثة، واختارالأكثر ثلاثاً. (ولم يزد على ثلاث، إلا أن يتكلم) بعد الثلاث (فيُعيدُه) أي: يعيد

стр. 1048

التلقين (برفق). وذكر أبو المعاًلي: يكره التلقين من الورثة بلا عذر. (و) سن أيضاً (قراءة الفاتحة، و) قراءة [(يس) عنده] أي: عند من نزل به. وهو المحتضر. نص عليهما؛ لقوله ﷺ : " اقراوا على موتاكم يس " (١) . رواه أبو داود وصححه ابن حبان. ولأحمد: " يس قلب القرآن. لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفرله. واقرؤوها على موتاكم " (٢) . ولأن قراءة ذلك يسهل خروج الروح. وفي " المستوعب ": ويقرأ (تبارك) أيضاً. (و) سن أيضاً (توجيههُ إلى القبلة على جنبه الأيمن)؛ لما روي " أن حذيفة أمر أصحابه عند موته أن يوجهوه ". وأخرج الحاكم والبيهقي من حديث أبي قتادة " أن النبي ﷺ قدم المدينة فسأل عن البراء بن معرور فقالوا: توفي وأوصى بثلثه لك، وأن يوجه إلى القبلة لما احتُضر، فقال ﷺ : أصاب الفطرة. وقد رددت ثلثه على ولده. ثم ذهب وصلى عليه " (٣) . وصححه الحاكم. وقال: لا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره. ولما روي: " أن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت لأم رافع: استقبلي بي

стр. 1049

القبلة. ثم قامت واغتسلت أحسن ما تغتسل، ولبست ثياباً جدداً وقالت: إنى الآن مقبوضة، ثم استقبلت القبلة متوسدة يمينها " (١) . وهذا (مع سعة المكان، وإلا) أي: وإن لم يمكن توجيهه لضيق المكان (فعلى ظهره) أي: فيُلقى على قفاه وأخمصاه إلى القبلة؛ كالموضوع على المغتسَل. زاد جماعة: ويرفع رأسه قليلاُ؛ ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء. (وينبغي) للمريض (إن يشتغلَ بنفسه) باًن يستحضر في نفسه: أنه حقيرمن مخلوقات الله تعالى، وأن الله سبحأنه وتعالى غني عن عباداته وطاعاته (٢) ، وأنه لا يُطلب الإحسان والعفو [إلا منه] (٣) ، وأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. وأن يُكثر ما دام حاضر الذهن: من قراءة القرآن، وشكر الله سبحأنه وتعالى بقلبه ولسأنه، وأن يبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها، برد المظالم والودائع والعواري، واستحلال أهله من والد وزوجة وأولاد وغلمان وجيران وأصحاب (٤) ، وكل من كان بينه وبينه معاًملة أو تعلق في شيء، ويحافظ على (٥) الصلوات واجتناب النجاسات، ويصبرعلى مشقة ذلك، ويحذر نفسه من التسأهل في ذلك. فإن من أقبح الأمور: أن يكون اخر عمره وخروجه من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة مفرطاً فيما وجب عليه أو ندب إليه، ولا يقبل قول من يخذله عن ذلك، بل يجتهد في ختم عمره بأًكمل الأحوال، وأن يتعاهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته؛ لحديب خبيب " أنه لما أراد كفار قريش قتله استعار موسى فاستحد بها " (٦) . (و) أن (يعتمد على الله تعالى فيمن يُحب) من بنيه وغيرهم، (ويوصي)

стр. 1050

? على غير البالغ الرشيد من أولاده (للأرجح في نظره) من قريب وأجنبي؛ لأن ذلك هي المصلحة المرئية في حق الموصى (١) عليه. (فإذا مات: سن تغميضُه)؛ " لأنه ﷺ أغمض أبا سلمة وقال: أن الملائكة يؤّمنون على ما تقولون " (٢) . رواه مسلم. وعن شداد مرفوعاً: " إذا احتضر الميت فأغمضوا البصر. فإن البصر يتبع الروح (٣) . وقولوا خيراً. فأنه يؤمن على ما قال " (٤) . رواه أحمد. ولئلا يقبح منظره ويساء به الظن. (ويُباح) تغميضُه (من محرَم ذكر أو) محرم (أُنثى. ويكره) تغميضه (من حائض و) من (جنب، أو أن يَقْرُباه) أي: يكره أن يقرب الميت جنب أو حائض. (و) سن عند تغميضه (قول: بسم الله وعلى وفاة رسول الله). نص عليه؛ لما رواه البيهقي عن بكر بن عبد الله المزنى. ولفظه: " وعلى ملة رسول الله " (٥) . (و) سن أيضاً (شَدُّ لََحْيَيْه) بعصابة أو نحوها تأخذ جمع لََََحييه. ويربطها فوق رأسه؛ لئلا يبقى فمه مفتوحاً فتدخله الهوام ويتشوه خََلْقه. (و) سن أيضاً (تليينُ مفاصله) بأن يرد ذراعيه إلى عضديه ثم يردهما، ويرد أصابع يديه إلى كفيه ثم يبسطهما، ويرد فخذيه إلى بطنه وساقيه إلى فخذيه ثم يمدهما. والمعني في التليين: سهولة الغسل. فإن البدن بعد مفارقة الروح تبقى فيها حرارة، فإن لينت المفاصل في تلك الحال، وإلا فلا يمكن تليينها بعد ذلك. ومن ثم سن فعل ذلك عقب الموت قبل قسوة الأعضاء ببرودة الميت. (و) سن أيضاً (خلعُ ثيابه، وسترُه بثوب). أما خلع ثيابه؛ فلئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير، وربما خرج

стр. 1051

منه شيء فلوثها. وأما ستره بثوب؛ فلما روت عائشة " أن النبي ﷺ حين توفي سجي بثوب حبرة وهو البرد " (١) ؛ لأن في ذلك احتراماً للميت، وصيانة له عن الهوام. وينبغي أن يُجعل أحد طرفيه تحت رأسه والآخر تحت رجليه؛ لئلا ينكشف. (و) سن أيضاً (وضع حديدة)؛ كمرآة وسيف وسكين؛ لما روي " أنه مات مولى لأنس بن مالك عند مغيب الشمس. فقال أنس: ضعوا على بطنه حديداً " (٢) . أخرجه البيهقي. (أو نحوها) أي: ونحو الحديدة من شيء ثقيل؛ كقطعة طين رطب (على بطنه)؛ لئلا تنتفخ بطنه فيقبح منظره. حكى ابن المنذر أن ذلك من السنة. وحكي عن بعض أهل العلم: أنه قدر زنة الموضوع بعشرين درهما، أو ما قارب ذلك. ويصان عنه المصحف إحتراماً له، وكذا كتب الفقه والحديث والعلم النافع. (و) سن أيضاً (وضعُه على سرير غُسله)؛ لأنه يبعد بذلك عن الهوام، ويرتفع عن نداو ة الأرض. حال كونه (متوجهاً) إلى القبلة (منحدراً نحو رجليه) أي: بأن يكون رأسه أعلا من رجليه؛ لينصَب عنه ماء الغسل وما يخرج منه. (و) سن أيضاً (إسراعُ تجهيزِه)؛ لقوله ﷺ : " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله " (٣) رواه أبو داود. ولأنه أصون له وأحفظ من التغيْر. ومحل ذلك: (إن مات غير فجأة). فإن مات فجأة أو شك فى موته، انتظر به حتى يعلم موت (٤)

стр. 1052

(و) سن أيضاً إسراع (تفريق وصيته)؛ لما في ذلك من تعجيل الأجر. (ويجب) الإسراع (في قضاء دينه) أي: ما على الميت من الدين. واقتضى ذلك تقديم الواجب الذي هو قضاء الدين على تفريق الوصية؛ لقول علي رضي لله عنه: " قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية " (١) . وإنما قدمت في القرآن بالذكر (٢) ؛ لأن في إخراجها مشقة على الوارث فقدمت حثا على إخراجها. قال الزمخشري: ولذلك جيء بكلمة " أو " للتسوية أي: فيستويان في الاهتمام وعدم التضييع لواحد منهما. (ولا بأس ان يُنتظر به) أي: بالميت (من يحضُره من ولي أو غيره إن قرُب) المنتظر، (ولم يُخشَ عليه) أي: على الميت، (أو يَشُقُ) الانتظار (على الحاضرين). نص عليه. (ويُنتظرُ بمن مات فجأة، أو شُك في موته حتى يُعلم) موته. [قال أحمد: من غدوة إلى الليل. وقال القاضي: يترك يومين أو ثلاثة ما لم يُخف فساده] (٣) . ويتيقن موته (بانخساف صُدغَيٍِِِْه، وميلِِِِِِِ أنفه. ويُعلمُ موتُ غيرهما) أي: غيرمن مات فجأًة أو شك في موته (بذلك) أي: بانخساف صدغيه وميل أنفه، (وبغيره؛ كانفصال كفيه) بأن ينخلعا عن ذراعيه؛ لأنه تسترخي عصبة اليد فتبقى كأنه امنفصلة في جلدها عن عظمة الزند، (واسترخاء رجليه) لأنه يحصل لهما ما يحصل لكفيه. فيرتخيان؛ كإمتداد جلدة وجهه، وتقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة. ويكره ترك الميت ليلاُ في بيت وحده (٤) ، بل يبيت معه أهله. قاله الآجري.

стр. 1053

قال النخعي: كانوا لا يَدَعونه في بيت وحده يقولون: يتلاعب به الشيطان. ولا يستحب النعي وهو الأعلا م بموته، خلافاً لمالك بل يكره. نص عليه خلافاً لأبي حنيفة. ونقل صالح: لا يعجبني. وعنه: يكره إعلام غير قريب أو صديق. ونقل حنبل: أوجار. وعنه: أو أهل دين. قال في " الفروع ": ويتوجه استحبابه، ولعله (١) المراد " لى " إعلامه ﵊ أصحابه بالنجاشي " (٢) ، وقوله ﵊ عن الذي. يقم المسجد أي: يكنسه: " أفلا كنتم آذنتموني " (٣) أي: أعلمتمونى. ولا يلزم أعلا م قريب. (ولا بأس بتقبيله والنظر إليه) أي: أن يقبل من يباح تقبيله للحى بعد موته وان ينظرإليه، (ولو بعد تكفينه). نص عليه، لما روت عائشة قالت: " رأيت رسول الله ﷺ يقبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل " (٤) . ولما روى جابر قال: " لما قتل ابي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي. والنبي ﷺ لا ينهانى " (٥) . قال في " شرح المقنع ": والحديثان صحيحان. * * *

стр. 1054

[فصل: في غسل الميت] (فصل. وغُسله مرة) واحدة، (أو يُيَمَّمُ لعذر: فرض كفاية) إجماعاً عل كل من عرف به وأمكنه، لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته: " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه " (١) . متفق عليه من حديث ابن عباس. وهذا أمر. والأمر للوجوب. فإن تركه أهل قرية عالمين به أثموا جمعاً. ولو لم يعلم به إلا واحد تعين عليه القيام به (٢) . وهو من حقوق الله تعالى الواجبة للإنسان المسلم بعد موته، حتى لو وصى بإسقاطه مسلم لم يسقط. وأما كون تيممه عند تعذر غسله فرض كفاية " فلأن غسل الميت طهارة بدني تجب بالماء مع وجوده. فوجب أن ينوب عنها التيمم عند عدمه " كطهارة الحي. وكذا إذا تعذر غسله للخوف عليه من التقطع والتهري بالغسل " كالمحترق والمسموم، قياسا على الحي إذا كان به قروح لا يستطيع معها الغسل. قال في " التنقيح ": وغسله فرض كفاية. ويتعين مع جنابة أو حيض ويسقطان به. انتهى. فإن حملنا ذلك على أنه يتعين غسله على كل من علم به لم يصح هذا الحمل؛ لسقوط فرض الغسل بفعل واحد منهم. وإن حملناه على أن الغسل تعين على الميت قبل موته ثم مات وهو في ذمته، وأن الذي يتولى غسله يقوم مقامه في ذلك، ويكون ثوابه كثوابه فصحيح. ولهذا قلت: (وينتقل إلى ثواب فرض عين، مع) وجوب غسل (جنابة أو حيض) على

стр. 1055

الميت، (ويسقطان) أي: غسل الجنابة والحيض (به) أي: بغسل الميت. ويستثنى من كون غسل الميت أو تيممه فرض كفاية ما أشير إليه بقوله: (سوى شهيد معركة). وهذا قول عامة أهل العلم، إلا ما يروى عن ابن المسيب والحسن أنهما قالا: يغسل، لأن كل ميت جنب. وشهيد المعركة من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال. فلو مات لا بسبب من أسباب القتال في المعركة لم يثبت له هذا الحكم؛ لقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ آل عمران: ١٦٩ [والحي: لا يغسل. ولما ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه في شهداء أحد: " أنه أمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلهم " (١) . ولا يقال إن ذلك خاص بهم؛ لأننا نقول: أن النبي ﷺ علل ذلك بعلة توجد في سائر الشهداء. فروى جابر أن النبي ﷺ قال في قتلى أحد: " لا تغسلوهم. فإن كل جرج، أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة. ولم يصل عليهم " (٢) . رواه أحمد. وعن عبدالله بن ثعلبة قال: قال النبي ﷺ : " زَمِّلُوهُم بدمائهم. فأنه ليس كََلْمٌ يُكْلَمُ في الله إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك " (٣) . رواه النسائي. وهذه العلة توجد في غيرهم بدليل ما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده، لا يُكْلَمُ أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، إلا جاء يوم القيامة، واللون لون الدم، والريح ريح المسك " (٤) . متفق عليه.
следующие страницы →