← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

? [فصل: في دفن الميت] (فصل. ودفنه فرض كفاية) وهو: إكرام الميت. فأنه لو ترك لأنتن، وتاًذى الناس بريحه، واستقذر، وربما أكلته الوحوش. وقد أرشد الله سبحأنه وتعالى قابيل إلى دفن أخيه هابيل، وأبان ذلك: ببعث غراب يبحث في الأرض؛ لتعريفه الدفن. قال الله سبحأنه وتعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ﴾ [المائده: ٣١]. وقال سبحأنه وتعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلاًت: ٢٥ - ٢٦] أي: جامعة للأحياء في ظهرها بالمساكن، والأموات في بطنها بالقبور. والكَفْت: الجمع. وقال سبحأنه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]. قال ابن عباس: معناه: أكرمه بدفنه. (ويسقط) دفن (وتكفين وحمل) الميت (بـ) فعل (كافر)؛ لأن فاعل كلُ من ذلك لا يختص بكونه من أهل القرية. (ويقدَّم بتكفين من) قلنا: (يقدَّم بغسل) الميت. (ونائبْه) أي: نائب من يقوم بذلك (كهو) فيقدم النائب على من يقدم عليه مستنيبه. (والأولى تولِّيه) أي: أن يتولى من هو مقدم بذلك الشيء (بنفسه) دون نائبه. (و) يقدَّم (بدفن رجل من يقدم بغسله) " لأن النبي ﷺ ألحده العباس وعلي وأسامة " (١) . رواه أبو داود. وكانوا هم الذين تولوا غسله. ولأن المقدم بغسله أقرب إلى ستر أحواله، وقلة الاطلاع عليه.

стр. 1122

(ثم بعد الأجانب) يعني: أن المقدم بدفنه بعد المقدم بغسله الرجال الأجانب. ثم يقدم بدفن الميت بعد الرجال الأجانب (محارمُه) أي: محارم الميت (من النساء). فإن عدم محارمه من النساء (فالأجنبيات) للحاجة إلى دفنه وعدم غيرهن. (و) يقدم (بدفن امرأة محارمها الرجال) الأقرب فالأقرب؛ " لأن امرأة عمر لما توفيت قال لأهلها: أنتم (١) أحق بها " (٢) . ولأن محرمها أولى الناس بولأيتها في الحياة. فكذلك بعد الموت. فإن عُدموا (فزوج)؛ لأنه أشبه بمحرمها من النسب من الأجانب. فإن عدم الزوج (فأجانب) أي: فالرجال الأجانب في أصح الروايتين؛ لأن النساء يضعفن عن إدخال الميت القبر. و" لأن النبي ﷺ حين ماتت ابنته أمر أبا طلحة فنزل في قبرها وهو أجنبي " (٣) . ومعلوم: أن محارمها كن هناك؛ كأختها فاطمة. ولأن تولي النساء لذلك لو كان مشروعاً لفعل في عصر النبي ﷺ وعصر خلفاته. ولأن الجنازة يحضرها جموع الرجال غالباً. وفي نزول النساء القبر بين أيديهن تعريض لهن بالتهتك والتكشف بحضرة الرجال. فإن عدم الرجال (فمحارمُها) أي: محارم الميتة (النساء) الأقرب فالأقرب منهن كما قلنا في الرجال. (ويقدم من رجال) أجانب (٤) (خصي، فشيخ، فأفضل ديناً ومعر فة. ومن

стр. 1123

بَعُد عهده بجماع أولى ممن قََرُب) عهده بالجماع. ولا يكره للرجال الأجانب دفن امرأة مع حضور محرم لها. نص عليه. قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال يحملها من المغتسل إلى النعش، ويسلمها إلى من في القبر، ويحل عقد الكفن. وقاله الشافعي في " الأم " وبعض أصحابه. انتهى. (وكُره) دفن الموتى (عند طلوع الشمس وقيامها وغروبها)، لقول عقبة: " ثلاث ساعات كان النبى ﷺ ينهانا عن الصلاة فيهن وأن نقبر فيهن موتاناً: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة [حتى تميل الشمس]، وحين " [تَضَيََّفُ الشُمس للغروب حتى تغرب " (١) . رواه مسلم. ومعنى: تضيّف أي: تجنح وتميل للغروب من قولك] (٢) : تضيفت فلاناً إذا ملت إليه. فأما في غير هذه الأوقات فيباح الدفن ليلاُ ونهاراً. قال أحمد في الدفن في الليل: لا بأس بذلك، " أبو بكر. دفن. ليلاُ " (٣) ، و " علي دفَنَ فاطمة ليلاُ " (٤) . وعنه: أنه يكره الدفن ليلاُ. والأول المذهب. ووجهه: ما ذكرنا من فعل الصحابة. وروى ابن عباس " أن النبي ﷺ دخل وأحداً فأُسرج له سراج. فأُخذ من قبل القبلة وقال: رحمك الله لِلَّهِ إن كنت لأوَّاهاً تلاّءّ للقرآن " (٥) . قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 1124

ولأن الليل أحد الزمانين. فجاز الدفن فيه؛ كالنهار. وما روى مسلم من " أن النبي ﷺ ذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلاُ. فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل، إلا أن يضطر أنسان إلى ذلك " (١) ، فمحمول على التأديب (٢) . والدفن بالنهار أولى؛ لأنه أسهل على متبعى الجنازة، وأكثر للمصلين عليها، وأمكن لاتباع السنة في دفنه وإلحاده. (ولَحد) أفضل من شِقّ وهو بفتح اللام، والضم لغة، وأصله الميل. وصفته: أن يحفر في أسفل حائط القبر حفرة تسع الميت. والشِقّ: أن يحفر وسط القبر؛ كالنهر. ويبنى جانباه. (وكونه) أي: اللحد (مما يلي القبلة) أفضل من كونه مما يقابل القبلة. فالذي مما يلي القبلة يكون ظهره إلى جهة ملحده، والذي لا يلي (٣) القبلة يكون وجهه إلى جهة ملحده؛ لأنه يكون في الحالتين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة. (ونصبُ لَبِنٍ) وهو: ما ضرب من الطين مربعاً للبناء (عليه) أي: على اللحد (أفضل) من نصب الحجارة عليه. ووجه كون اللحد أفضل من الشق: ما روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي مات فيه: " الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليََّ اللبن نصباً كما فعل برسول الله ﷺ " (٤) . (وكُره شقً بلا عذر) كما لو تعذر اللحد؛ لكون التراب ينهال (٥) ، ولا يمكن دفع ذلك بنصب لَبِن أو حجارة. وإن أمكن أن يجعل فيها شبه اللحد من

стр. 1125

الجنادل واللبن جعل. نص عليه، ولم يعدل إلى الشق. قال أحمد: لا أحب الشق؛ لما روي في الحديث: " اللحد لنا والشق لغيرنا " (١) . رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. لكنه ضعيف. (و) كره أيضاً (إدخالُه) أي: إدخال القبر (خشباً - إلا لضرورة- وما) أي: وشيئًا (مسته نار)؛ كالآجُر. (ودفن في تابوت ولو امراة)؛ لقول إبراهيم النخعي: " كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب " (٢) . ولا يستحبون الدفن في تابوت؛ لأنه خشب. ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وفيه تشبه بأهل الدنيا، والأرض أنشف لفضلاته. ومنع ما مسته النار تفاؤلاً أن لا يمس الميت نار. (وسن أن يعمَّق ويوسَع قبر بلا حد)؛ لقوله ﷺ في قتلى أحد: " احفروا وأوسعوا (٣) وعمقوا " (٤) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ولأن تعميق القبر أنفى لظهور الرائحة التي يستضر بها الأحياء، وأبعد لقدرة الوحش على نبشه، وآكد لستر الميت. وأعلم أن التوسيع هو: الزيادة في الطول والعرض؛ لما روى " أنه ﷺ قال لحفار: أوسع من قبل الرأس ومن قبل الرجلين " (٥) . وأما التعميق فهو: الزيادة في النزول، وهو بالعين المهملة كما قاله الجوهري. وكون ذلك بلا حد هو المذهب المنصوص نظراُ لظاهر الحديث.

стр. 1126

وعنه: يسن إلى الصدر. وعنه: قامة وبسطة. وهي بسط يده قائمة. واختاره الأكثر. (ويكفي ما) أي: تعميق (يمنع السباع والرائحة). فمتى حصل ذلك فقد حصل المقصود، ولم يرد فيه عن النبي ﷺ تقدير. فيرجع فيه إلى ما يحصل المقصود. ولا فرق في ذلك بين قبر الرجل والمرأة. (و) سن (إن يسجَّى) أي: يغطى القبر (لأتتى وختتى)، لأن المرأة عورة، والخنثى يحتمل كونه امرأة. ولأنه لا يؤمن أن يبدو من المرأة شيء فيراه الحاضرون. ولأن بناء أمرها على الستر، ولهذا يستحب ان يوضع على نعشها ما يسترها حال حملها، من مكبة، أو قبة، أو خيمة. قال الموفق: لا نعلم في استحباب تغطية قبر المرأة خلافاً بين أهل العلم. (وكُره) تغطية القبر (لرجل إلا لعذر) من مطر أو نحوه. نص عليه؛ لما روي عن علي " أنه مرَّ بقوم وقد دفنوا ميتاً وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء " (١) . ولأن مبنى حال الرجال على الانكشاف. ولأن كشفه أبعد من التشبه بالنساء، مع ما فيه من اتباع أصحاب رسول الله ﷺ . (و) سن (إن يُدْخَلَه) أي: يدخل القبر (ميت من عند رجليه) [أي: رجلي القبر] (٢) . وذلك: أن توضع الجنازة آخر القبر، ليكون رأس الميت عند الموضع الذي تكون فيه رجلاه إذا دفن، ثم يسل الواقف في القبر الميت [سلاً

стр. 1127

رفيقاً فيوضع في اللحد. وهذا المذهب؛ لما روي " أن النبي ﷺ سُلَّ] (١) من قبل رأسه " (٢) . أخرجه الشافعي في " الأم " والبيهقي بإسناد صحيح. وعن عبدالله بن زيد الأنصاري " أنه صلى على جنازة، ثم أدخله القبر من عند رجل القبر وقال: هذا من السنة " (٣) . رواه أبو داود والبيهقي وصححه. ومحل استحباب ذلك: (إن كان أسهل) إذ المقصود الرفق بالميت. (وإلا) أي: وإن لم يكن إدخال الميت القبر من عند رجله أسهل (فـ) يدخله (من حيث) أي: من أيّ محل (سهُل) إدخاله منه، (ثم) إن استوت الكيفيات في السهولة فـ (سواء) أي: فلا تترجح إحدى الكيفيات على الأخرى. (ومن مات بسفينة) فأنه (يُلقى في البحر سَلاَّ؛ كإدخاله القبر) بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه، وبعدما يُثقّلونه بشيء؛ ليستقر في قرار البحر. نص عليه. ومحل ذلك: إن لم يكونوا بقرب الساحل. فإن كانوا بقرب الساحل وأمكنهم دفنه فيه وجب. (و) سن (قول مُدخِله) أي: يسن لمن يدخل الميت القبر أن يقول: (بسم الله، وعلى ملة رسول الله)، لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ (٤) " (٥) . رواه أحمد. وفي لفظ: " كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله وعلى سنة (٦) رسول الله " (٧) . رواه الخمسة إلا النسائي.

стр. 1128

? ومهما أتى به من ذكر أو دعاء عند وضعه وإلحاده وتسوية اللبن عليه مما يليق بالحال، فلا بأس به. قال سعيد بن المسيب: " حضرتُ ابن عمر في جنازة. فلما وضعها في اللحد قال: بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله. فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال: اللهم لِلَّهِ أجِرْها من الشيطان ومن عذابِ القبرِ. اللهم لِلَّهِ جافِ الأرض عن جَنبيها، وصعّد روحَها، ولقِّها منكَ رضواناً. وقال ابن عمر: سمعته من رسول الله ﷺ " (١) . رواه ابن ماجه. وعن بلال: " أنه دخل مع أبي بكر في قبر. فلما خرج قيل لبلال: ما قال؛ قال: أسلَمَه إليك الأهل والمال والعشيرة. والذنب العظيم وأنت غفور رحيم، فاغفر له " (٢) . رواه سعيد. (و) سن (أن يُلحِدَه على شقه الأيمن)؛ لأنه يشبه النائم، والنائم سن ته النوم على جنبه الأيمن؛ لقول النبي ﷺ للبراء: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ ثم اضطجع على جنبك الأيمن " (٣) . (و) سن أيضاً أن يجعل (تحت رأسه) [أي: الميت] (٤) (لَبِنة). فإن لم

стр. 1129

توجد وُضع حجر، فإن عدم وُضع تحت رأسه قليل من تراب؛ لأن هيئته بوضع ذلك أحسن من أن يكون رأسه مائلا. ولأن في ذلك شبها " (١) بالمخدّة للحي. وعلم مما تقدم: أنه لا يوضع تحت رأسه آجرة؛ لأنها (٢) مما مسته النار. ويُفضى بخده الأيمن إلى الأرض باًن يزال الكفن عنه (٣) ، ويلصق بالأرض؛ لأنه أبلغ في الاستكانة والتضرع؛ لقول عمر: " إذا أنا مت فأفضوا بخدي إلى الأرض ". (ومموه مخدة) أي: يكره ان يجعل تحت رأسه مخدة. نص أحمد على ذلك؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف. (و) تكره (مضرَّبة وقطيفة تحته). قال أحمد: أحب. أن تجعلوا في الأرض مضربة. ولأنه روي عن ابن عباس " أنه كره أن يلقى تحت الميت في القبر شيء " (٤) . ذكره الترمذي. وعن أبي موسى قال: " لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئًا ". " والقطيفة التي وضعت تحت رسول الله ﷺ إنما وضعها شقران " (٥) ، ولم يكن ذلك باتفاق (٦) من الصحابة. (أو أن يُجعل فيه) أي: في القبر (حديد) أو نحوه، (ولو أن الأرض?

стр. 1130

رخوة) يعني: أنه كما يكره أن يجعل فى القبر مضربة أو قطيفة يكره أن يجعل تحت الميت حديد أو رصا ص أو غيرهما. وعنه: لا بأس بالقطيفة ونحوها من علة. وعنه: مطلقاً. وقيل: تستحب القطيفة؛ لفعل شقران. (ويجب أن يُستقبل به) أي: بالميت (القبلة)؛ لقول النبي ﷺ في الكعبة: " قبلتكم أحياء وأمواتاً " (١) . ولأن ذلك طريقة (٢) المسلمين بنقل الخلف عن السلف. ولأن النبي ﷺ هكذا دفن. وما في المتن هو المذهب. وعند صاحب " الخلاصة " و " المحرر ": يستحب كجنبه الأيمن. وينبغي أن يدنى من الحائط؛ لئلا ينكب على وجهه، وأن يسن د من وراءه بتراب؛ لئلا ينقلب. ثم يشرح اللحد باللبن؛ لقول سعد: " انصبوا عليَّ اللبن كما صُنع برسول الله ﷺ " (٣) . ويتعاهد خلال اللبن بسدّه بالمدر ونحوه، ثم يطين فوق ذلك؛ لئلا ينتخل عليه التراب. وقد روي عن أبي أمامة قال: " لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في اللحد قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. فلما بنى عليها لحدها، طفق يطرح إليهم الحبوب ويقول: سدوا خلال اللبن. ثم قال: ليس هذا بشيء، ولكنه يطيب نفس الحى " (٤) . رواه أحمد فى " مسنده ". والحبوب، جمع حبوبة وهي: المدر.

стр. 1131

وعن جابر بن عبدالله " أن النبي ﷺ رأى في قبر ابنه حجراً فأمر بسله، ثم قال: أنه لا ينفع الميت ولكن يسلي بنفس المصاب ". رواه الخلال في " جامعه ". (وسن حثو التراب عليه) أي: على الميت (ثلاثاً) أي: ثلاث حثيات (باليد، ثم يُهال) عليه التراب، لما روى أبو هريرة " أن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاً " (١) . رواه ابن ماجه. وعن عامر بن ربيعة " أن النبي ﷺ صلى على عثمان بن مظعون فكبر عليه أربعاً وأتى القبر، فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم عند رأسه " (٢) . روأه الدارقطني. ولأن مواراته فرض (٣) ، وبالحثي يصير ممن شارك فيها. وفي ذلك أقوى عبرة وتذكار فاستحب لذلك. (و) سن أيضاً (تلقينُه) أي: تلقين الميت عند الأكثر، لما روى أبو أمامة البأهلي قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب. فليقم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة. فأنه يسمع ولا يجيب، ثم لمقل: يا فلان ابن (٤) فلانة ثانية. فأنه يستوي قاعداً، ثم ليقل: يا فلان ابن (٥) فلانة فأنه يقول: أرشدنا يرحمك الله. ولكن لا تسمعون فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماًُ. فإن منكراً ونكيراً يقولان: ما يُقعدنا عنده (٦) وقد لقن حجته. فقال رجل: يا رسول الله لِلَّهِ فإن لم يعرف اسم أمه؛ قال: فلينسبه إلى حواء " (٧) .

стр. 1132

قال أبو الخطاب: هذا الحديث رواه أبو بكر عبدالعزيز في " الشافي ". وقال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: هذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ما فارقت عليه: شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ما رأيت أحداً نقل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، جاء أنساً فقال ذاك. وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم: أنه م كانوا يفعلونه. قال في " شرح الهداية ": وممن يرى (١) تلقين الميت كأصحابنا. أصحاب الشافعي فيما ذكر بعض المتأخرين منهم فقال: يجوز تلقين الميت في لحده، وعند احتضاره عندنا خلافاً للمعتزلة فإنهم لم يجوزوه بعد الموت. وأحتج عليهم بقول النبي ﷺ : " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " (٢) . وهذا اللفظ يتناول حقيقة من قد مات دون من سيموت. فيحمل عليهما أو على الحقيقة. أما على المجاز وحده فعلى خلاف الظاهر. فإذا تقرر هذا فهل يلقن الصغير؟ قال أبو حكيم النهروانى: يلقن، لعموم الخبر. ولأنه محكوم بإسلامه، فأشبه المكلف. وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب. وقال ابن عقيل: إنما يلقن إذا كان كبيراً، لأن ظاهر الأخبار في مُسائلة منكر ونكير أنها تختص بالمكلفين. وهذا قياس قول القاضي، لأنه ذكر: أن الصبيان والمجانين آمنون من مسائلة منكر ونكير. انتهى كلامه في " شرح الهداية ". (و) يسن أيضاً (الدعاء له) أي: للميت (بعد الدفن عند القبر). نص عليه وقال: قد فعله علي والأحنف بن قيس (٣) ، وذلك لما روي عن عثمان بن عفان قال: " كان النبى ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وأسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " (٤) . رواه أبو داود.

стр. 1133

? وعن ابن مسعود " أن النبي ﷺ كان يقف على القبر بعدما يسوى عليه فيقول: اللهم لِلَّهِ نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا خلف ظهره. اللهم لِلَّهِ ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به ". رواه سعيد في " سننه ". والأخبار بنحو ذلك كثيرة. وقال أكثر المفسرين في قوله سبحأنه وتعالى عن المنافقين: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] معناه: بالدعاء له والاستغفار بعد الفراغ من دفنه. فيدل على (١) أن ذلك كان عادة النبي ﷺ في المسلمين. ونقل محمد بن حبيب النجار (٢) قال: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي فقمنا ناحية. فلما فرغ الناس من دفنه وانقضى الدفن جاء إلى القبر وأخذ بيدي، وجلس ووضع يده على القبر وقال: اللهم لِلَّهِ إنك (٣) قلت في كتابك: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * [فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ]﴾ (٤) [الواقعة: ٨٨ ـ ٨٩] وقرأ إلى آخر السورة ثم قال: اللهم لِلَّهِ إنا نشهد أن هذا فلان بن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك. اللهم لِلَّهِ فاقبل شهادتنا له. ودعا له وانصرف. (و) سن أيضاً (رشُه) أي: رشزب القبر (بماء)؛ لما روى جعفر بن محمد عن أبيه " أن النبي ﷺ رَشَّ على قبر ابنه إبراهيم ماء، ووضع عليه حَصْباء " (٥) . رواه الشافعي. ولأن الرش أثبت له وأبعد لدروسه، ووضع الحصباء أمنع لترابه من أن تذهبه الرياح. والحصباء: صغار الحصى. (و) سن (رفعُه) أي: رفع القبر عن (٦) الأرض (قدر شبر)؛ ليعرف أنه

стр. 1134

قبر فيتوقى، ويترحم على صاحبه. وقد روى الشافعي عن جابر: " أن النبي ﷺ رُفع قبره عن الأرض قدر شبر " (١) . وروى القاسم بن محمد قال: " قلت لعائشة: يا أُمَّهْ لِلَّهِ اكشفي لي عن قبر رسول الله وصاحبيه. فكشفت لى عن ثلاثة قبور، لا مُشْرِفة ولا لاطِئَة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " (٢) . رواه أبو داود. (وكره) رفعه (فوقُه) أي: فوق الشبر؛ لقول النبي ﷺ لعلي: " لا تدعْ تمثالاً إلا طَمَسْتَه، ولا وأحداً مُشْرفاً إلا سوَيته " (٣) . (٤) رواه مسلم وغيره. والمُشْرف: ما رفع كثيراً؛ بدليل قول القاسم في صفة قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه رضي الله تعالى عنهما: " لا مُشْرفَة ولا لاطِئة ". (و) كره أيضاً (زيادة ترابه) أي: تراب القبر من غيره. نص عليه؛ لما روى جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يُبنى على القبر أو يزاد عليه " (٥) . رواه النسائي وأبو داود. وعن عقبة بن عامر قال: " لا يجعل على القبر من التراب أكثر مما خرج منه حين حفر ". رواه أحمد بإسناده في رواية ابنه عبدالله. ولأن العادة أن يفضل من التراب عن مساواة الأرض لمكان الميت من القبر ما يكفي لسن هـ التسن يم. فلا حاجة إلى الزيادة.

стр. 1135

(و) كره أيضاً (تزويقُه) أي: تزويق القبر، (وتخليقُه ونحوه) كدهنه؛ لأن ذلك كله بدعة لم (١) يرد بها الشرع. (و) كره أيضاً (تجصيصُه) وهو: تبييضه (٢) بالجص، (واتكاء عليه، ومبيت) عنده، (وحديث في أمر الدنيا، وتبسّْم عنده، وضحكٌ أشد) من التبسم، (وكتابة) على القبر، (وجلوس ووطء وبناء) عليه؛ لما روى جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه " (٣) . رواه مسلم والترمذي. وزاد: " وأن يكتب عليه " (٤) . وقال: حديث حسن صحيح. وروى أبو مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " (٥) . رواه مسلم. وروي " أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قد اتكاً على قبر فقال: لا تؤذ (٦) صاحب القبر " (٧) . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لأن يجلس احدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر مسلم " (٨) . رواه مسلم.

стр. 1136

(و) يكره (مشيٌ عليه) أي: على القبر (بنعل حتى بالتُمُشْكِ بضم التاء والميم وسكون الشين)، نوع من النعال وجمعه: تمشكات. قال الخطابي: ثبت أن النبي ﷺ نهى أن توطأ القبور. (وسن خلعُه) أي: خلع النعل إذا احتاج إلى المشي على القبور (١) . (إلا خوف نجاسة، و) خوف (شوك ونحوه) مما يتأذى به؛ كسخونة الأرض وحروريتها؛ لما روى بشير بن الخصَاصِية قال: " بينما أنا أُماشي رسول الله ﷺ إذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان. فقال له: يا صاحب السَّبِتيَّتين ألق سِبْتيتِيَّك. فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما " (٢) . رواه أبو داود. وقال أحمد: إسناده جيد. ولأن خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين. وأما كون ذلك لا يكره مع خوف النجاسة أو الشوك ونحو ذلك؛ لأن ذلك عذر والعذر يمنع الوجوب في بعض الأحوال. فهنا أولى. ولا يدخل في ذلك نزع الخفاف؛ لأنه يشق. وقد روي عن أحمد: أنه كان إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه. (ولا بأس بتطيينه) أي: تطيين القبر فيباح في الأصح؛ لما روى عبدالعزيز ابن محمد الدراوردي (٣) عن جعفر بن محمد عن أبيه: " أن النبي ﷺ رُفع قبره عن الأرض شبراً، وَطُيِّنَ بطين أحمر من العرصة، وجعل عليه من الحصباء " (٤) . ولأن زينة التطيين دون زينة التجصيص.

стр. 1137

(و) لا بأس بـ (تعليمه بحجر أو خشبة ونحوهما، وبلوح). نص أحمد على إباحة تعليم القبر؛ لما روى أبو داود بإسناد عن المطلب قال: " لما مات عثمان بن مظعون أُخْرج بجنازته فدفن. أمر النبي ﷺ أن نأيته بحجر فلم نستطع حمله. فقام رسول الله ﷺ فحسر عن ذراعيه فحملها فوضعها عند رأسه وقال: أعلم بها قبر أخي، أدفن إليه من مات من أهلي " (١) . ورواه ابن ماجه عنه ﵇ من رواية أنس (٢) . (وتَسنيمٌ أفضل) يعني: أن تسن يم القبر أفضل من تسطيحه؛ لما روى سفيان التمار أنه قال: " رأيتُ قبرَ النبي ﷺ مُسَنَّماً " (٣) . رواه البخاري، وعن الحسن مثله. ولأن التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا. (إلا) من مات (بدار حرب: أن تعذر نقله) من دار الحرب (فتسويتُه) أي: تسوية قبره بالأرض (وإخفاؤه) أولى من تسن يمه وإظهاره؛ خوفا من أن ينبش فيمثل به. (ويحرم إسراجُها) أي: إسراج القبور؛ لقول النبي ﷺ : " لعن الله زوّارات القبور، والمتخذات عليهن المساجد والسرج " (٤) . رواه أبو داود والنسائي بمعناه. ولو أبيح لم يلعن النبي ﷺ من فعله. ولأن في ذلك تضييعاً للمال من غير فائدة، ومغالاة في تعظيم الأموات يشبه

стр. 1138

تعظيم الأصنام. (و) يحرم أيضاً (التخلّي) عليها (١) ؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال النبي ﷺ : " لأن أطأ على جمرة أو سيف، أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم. ولا ابالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق " (٢) . رواه الخلال وابن ماجه. (و) يحرم أيضاً (جعل مسجد عليها) أي: على القبور، (وبينها) أي: بين القبور؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (٣) متفق عليه. وعن جندب بن عبدالله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهويقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا لِلَّهِ فلا تتخذوا القبور مساجد. فإنى أنهاكم عن ذلك " (٤) . رواه مسلم. (ودفن بصحراء أفضل) من الدفن بالعمران؛ لأنه أقل ضرراً على الأحياء من الورثة، فأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه. ولم تزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحاري. (سوى النبي ﷺ فإنه إنما قبر في بيته. قالت عائشة: " لئلا يتخذ قبره مسجداً " (٥) . رواه البخاري. ولأنه روي: " يدفن الأنبياء حيث يموتون " (٦) . مع أنه ﷺ كان يَدفن

стр. 1139

أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره. وإنما أصحابه راو اتخصيصه بذلك؛ صيانة له عن كثرة الطراق، وتمييزا له عن غيره ﷺ . (واختار صاحباه) أبو بكر وعمر ﵄ (الدفن عنده: تشرُّفاً وتبرُّكاً. ولم يُزَد) عليهما؛ (لأن الخرق) بدفن غيرهما (يتسع والمكان ضيق. وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع). ويكره أن يُتخذ على القبور خيمة أو فسطاط. نص على ذلك؛ " لأن أبا هريرة أوصى حين حضره الموت: أن لا تضربوا علي فسطاطاُ " (١) . رواه أحمد في " مسنده ". قال البخاري في " صحيحه ": " ورأى ابن عمر فسطاطاُ على قبر عبدالر حمن فقال: انزعهُ يا غلام. فإنما يُظُِلُّه عمله " (٢) . ولأن الخيام بيوت أهل البر. فكرهت؛ كما كرهت بيوت أهل المدن. (ومن وصّى بدفنه بدار) في ملكه (أو أرض في ملكه، دفن مع المسلمين)؛ لأنه يضر الورثة. قاله أحمد. (و) قال أحمد أيضاً: (لا بأس بشرائه) أي: بأن يشتري الإنسان (موضعَ قبره، ويوصي بدفنه فيه). فعله عثمان وعائشة. قال في " الفروع ": فلهذا حمل صاحب " المحرر " الأول على أنه لم يخرج من ثلثه. وما قاله متجه، وبعّده بعضهم. وفي " الوسيلة ": فإن أذنوا كره دفنه فيه. نص عليه. انتهى. ومراد صاحب " الفروع " بالأول: ما إذا أوصى بدفنه في ملكه. والله أعلم. (ويصح بيع) أي: أن يبيع الورثة (ما دُفن فيه) الميت (من ملكه، ما لم يجعل) أي: يصير (مقبرة) نص عليه. ومنع ابن عقيل بيع موضع القبر مع بقاء رمته.

стр. 1140

قال في " الفنون ": لأنها ما لم تَستحِلْ تراباً فهي محترمة. قال: وإن نقلت العظام وجب الرد؛ لتعيينه لها. قال جماعة: وله (١) حرثها إذا بلي العظام. (ويُستحب جمع الأقارب) الموتى في المقبرة الواحدة؛ لأنه أسهل لزيارتهم، وأبعد لاندراس قبورهم. ويعضد ذلك قول النبي ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون وعلم قبره: " أدفن إليه من مات من أهلي " (٢) . (و) يستحب (البقاع الشريفة) أي: الدفن فيها؛ لما في حديث أبي هريرة مرفوعاً: " ان موسى لما حضره الموت سأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر. قال النبي ﷺ : لو كنت ثَّمَّ لأريتكم قبره عند الكثيبِ الأحمر " (٣) . وقال عمر: " اللهم لِلَّهِ ارزْقْني شهادةً في سبيلَكَ، واجعلْ موْتى في بلدِ رسولك " (٤) . متفق عليهما. ويستحب أيضاً ما كثر فيه الصالحون من البقاع؛ لتناله بركتهم. ولذلك التمس عمر الدفن عند صاحبيه، وساًل عائشه حتى أذنت له. (ويُدفن) الميت في (مُسَبَّلةٍ ولو بقول بعض الورثة) يعني: أنه متى أرادَ بعض ورثة الميت دفنه في مقبرة مُسبّلة وأراد الباقون دفنه في مكان خلفه دفن في المسبَّلة؛ لأن دفنه فيها أفضل، وأقل ضرراً، ولا منّة فيه. [بخلاف ما إذا طلب بعضهم أن يكفن من أكفان المسلمين لم يلتفت إليه؛ لأن فيه] (٥) منّة على الميت والورثة.

стр. 1141

(ويقدَّم فيها) أي: في المقبرة المسبلة (بسبق) يعني: أنه لو لم يكن في المقبرة المسبلة إلا ما يسع قبراً وأحداً وأتي بميتين أحدهما أسبق من الآخر، قدَّم السابق على المتأخر منهما، لأن السابق إلى مباح مقدّم بسبقه، (ثم) إن استويا قدّم احدهما بـ (قرعة)، لأن القرعة وضعت لتمييز ما أُبهم. (ويحرم الحفر فيها) أي: في المقبره المسبّلة (قبل الحاجة) إلى الحفر. قال في " الفروع ": ذكره ابن الجوزي. وإن ثبت قو لّ بجواز بناء بيت ونحوه فهاهنا كذلك وأولى، ويتوجه هنا ما سبق في المصلى المفروش. انتهى. (ويحرُم دفن غيره عليه) أي: دفن ميت على آخر (حتى يُظنّ أنه) أي: أن المدفون اولاً (صار تراباً). فيجوز نبشه مع ظن أنه صار تراباً في أصح الوجهين. ويختلف ذلك باختلاف البلاد والهواء، وهو في بعض البلاد الحارة أسرع منه في الباردة، ويُرجع فيه إلى أهل الخبرة. وكذا يجوز نبشه إذا ظُن أنه صار تراباً؛ لزرع وغرس. قاله أبو المعالي. والمراد: ما لم يخالف شرط واقف في تعيينه الأرض للدفن، ثم إن وجد فيه عظام عند نبشه لم يجز دفن ميت آخرعليه نصاً. وعنه: تبقى العظام مكانها ويدفن بإزائها. نقلها (١) أبو طالب (٢) ، واختارها الخلال. وتحرم عمارة القبر الدائر الذي غلب على الظن بلاء صاحبه، وتسوية التراب عليه في المقبرة المسبّلة، لئلا يتصور بصورة الجديد. فيمتنع من الدفن فيه، قياساً على تحريم الحفر (٣) فيها قبل الحاجة إليه. (و) يحرم أيضاً: أن يدفن (معه) أي: مع الميت ميت آخر فأكثر في أصح الروايات. يعني: أنه يحرم أن يدفن في القبر الواحد ميتان فأكثر، (إلا لضرورة أو حاجة).

стр. 1142

أما كونه لا يدفن مع الميت ميت آخر من غير حاجة " فـ " لأن النبي ﷺ كان يدفن كل ميت واحد في قبر ". وسُئل أحمد عن الاثنين والثلاثة يدفنون في قبر واحد قال: أما في مصر فلا، ولكن في بلاد الروم يكثر القتلى. انتهى. وإنما قال ذلك، لأن الإفراد لا يتعذر غالباً في مصر، ويتعذر غالباً في موضع تقع الحرب فيه. أما إذا وجدت الحاجة في مصر أو غيره فأنه يجوز دفن الاثنين فأكثر في قبر واحد. (وسن حجزّ بينهما بتراب) أي: أن يُجعل بين كل اثنين حاجزاً من التراب، (وأن يُقدَّمَ إلى القبلة من يقدمََّ إلى الإمام) إن (١) اجتمع جنازتان فاً كثر للصلاة عليهم " وذلك لما روى هشام بن عامر قال: " شُكِيَ إلى رسول الله كثرة الجراحات يوم أحد فقال: احفروا وأوسعوا (٢) وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والتلاثة في قبر واحد، وقدّمُوا أكثرهم قرآناً " (٣) . رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وإنما يسن أن يُجعل بين كل اثنين حاجز من التراب؛ لأن الكفن حائل غير حصين. قال أحمد: ولو حُفر لهم شبه النهر وجُعل رأس أحدهم عند رجل الآخر وجُعل بينهما حاجز من تراب لم يكن به بأس. (و) الميت (المتعذَّر إخراجه من بئر إلا متقطّعاً ونحوه وثََََمْ حاجة إليها) أي: إلى البئر (أخرج) متقطعاً " لأن الضرر الحاصل بمُثلة الميت أخف ضرراً من الضرر الحاصل بالحاجة إلى البئر.

стр. 1143

(وإلا) أي: وإن لم تدع الحاجة إلى البئر (طُمُّتْ) على الميت. فتصير قبره، لأنه لا ضرورة إلى إخراجه متقطعاً. وعلم مما تقدم: أنه إن لم يتعذر إخراجه وأمكن معالجة البئر بالأكسية (١) المبلولة تدار فيها حتى يجتذب البخار، ثم ينزل من يطلعه، أو أمكن إخراجه بكلاليب ونحوها من غير مثلة: وجب ذلك؛ لتأدية فرض غسله. ويُمتحن زوال البخار إذا شك فيها بسراج ونحوه. فإن انطفأ فهو باق، وإلا فقد زال. فإن العادة أن النار لا تبقى إلا فيما يعيش فيه الحيوان. (ويحرُم دفن بمسجد ونحوه)، كرباط، (ويُنْبَشُ) من دفن، ويخرج نصاً. (و) يحرم (٢) دفن الميت أيضا (٣) (في ملك غيره ما لم يأذَن) رب الملك في دفنه. (وله) أي: لرب الملك مع عدم إذنه (نقلُه) أي: نقل ميت دفن في ملكه بغير إذنه. (والأولى) له (تركُه) أي: أن لا ينقله لهتك حرمته بنقله. وكرهه أبو المعالي لما ذكر. (ويباح نبشُ قبر حربي لمصلحة)، لأن موضع مسجد النبي كان قبوراً للمشركين. فأمر بنبشها وجعلها مسجداً. (أو) من أجل (مال فيه) أي: في قبر الحربي؛ لما روى أبو داود أن النبي ﷺ قال: " هذا قبر أبي رِغَال، وآية ذلك: أن معه غصناً من ذهب، إن أنتم (٤) نبشتم عنه أصبتموه معه. فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن " (٥) . قال في " الفروع ": ونقل المروذي فيمن أوصى ببناء داره مسجداً فخرجت مقبرة، فإن كانوا مسلمين لم يخرجوا، وإلا أخرجت عظامهم. ثم قال:

стр. 1144

ويتوجه يجوز نبش قبر الحربي لمال فيه، ولا تصريح بخلافه. بل هو ظاهر كلام من جوزه لمصلحة وفاقاً للشافعية والمالكية، واحتجت بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبشت قبر أبي رغال. وكرهه مالك. انتهى. (لا مسلم) يعني: أنه لا يجوز نبش قبر مسلم (مع بقاء رمته، إلا لضرورة)؛ كما لو دفن في ملك غيره بغير إذنه. (وإن كُفن بغصب) أي: في ثوب مغصوب نبش مع بقاء الكفن بحاله ويرد إلى مالكه إن تعذر غرمه، وإلا لم ينبش؛ لهتك حرمته مع إمكان دفع الضرر بدونها. (أو بلَع مال غيره) يعني: أن الميت متى كان قد بلع مال غيره (بلا إذنه) ثم مات، (و) الحال أن ما بلعه (يبقى) بأن كان ذهباً أو نحوه، (وطلبَه ربّه وتعذر غرمُه) من التركة أو من غيرها: نبيش وشق جوفه، ودفع المال إلى ربه؛ لما في ذلك من تخليص الميت من الإثم، ورد المال إلى مالكه. وأما مع إذن مالكه في بلعه، فلا يؤخذ حتى يبلى الميت؛ لأن مالكه هو المسلط له على ماله بالإذن له. (أو وقع ولو) كان وقوعه (بفعل ربه في القبر ما) أي: شيء (له قيمة عرفا نبش وأخذ)؛ لما روي: " أن المغيرة بن شعبة وضع خاتمه في قبر النبي ﷺ ثم قال: خاتمي، فدخل وأخذه. وكان يقول: أنا أقربكم عهداً برسول الله ﷺ ". وقال أحمد: إذا نسي الحفار مسحاته في القبر جاز أن ينبش. انتهى. ولتعلق حق ربه بعينه ولا ضرر في أخذه. فوجب رده. وعنه: المنع من نبشه إن بذل لربه عوضه. (لا إن بلَع) قبل موته (مال نفسه ولم يبل) فأنه لا ينبش من أجل ذلك؛ لأن ذلك استهلاك لمال نفسه في حياته. أشبه ما لو اتلفه. (إلا مع) وجود (دين) عليه فينبش ويشق جوفه فيخرج ويوفى دينه؛ لما في ذلك من المبادرة إلى تبرئة ذمته من الدين. وفيه وجه.

стр. 1145

(ويجب نبشُ من دُفن بلا غسل) وقد (أمكن) تغسيله قبل دفنه، تداركاً لواجب غسله. فيخرج ويغسل، ما لم يخش تفسخه. وقيل: ما لم يتغير. وقيل: ولو تغير وخشي تفسخه. وقيل: لا ينبش من دفن بلا غسل مطلقاً. (أو صلاة) يعني: أنه يجب نبش (١) من دفن قبل الصلاة عليه. فيخرج ويصلى عليه، ثم يرد إلى مضجعه. نص عليه أحمد، لأن مشاهدته حال الصلاة عليه مقصودة، ولهذا المعنى لو لم يدفن وصلي عليه مع وجود حائل لم يسقط فرض الصلاة. فوجب إخراجه تحصيلاً للمقصود. ومحل ذلك: ما لم يخش تفسخه. وقيل: لا ينبش بل يصلى على القبر. وعنه: التخيير بين إخراجه والصلاة على قبره. (أو كفن) يعني: أنه يجب نبش من دفن بلا كفن. فيخرج ويكفن. نص عليه " كما لو دفن بغير غسل استدراكاً للواجب وهو التكفين. ويصلى عليه، ولو كان قد صلي عليه، لعدم سقوط الفرض بالصلاة عليه عرياناً " لما روى شريح بن عبيد الحضرمي: " أن رجالاً قبروا صاحباً لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفناً، ثم لقوا معاذ بن جبل فأخبروه. فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره، ثم غسل وكفن وحنط وصُلُي عليه ". رواه سعيد في " سننه ". ومحل ذلك أيضاً: ما لم يخش تفسخه. وقيل: لا ينبش من دفن بلا كفن، لأن المقصود بالتكفين ستره واحترامه، وقد فات ذلك وستره التراب. فالاكتفاء بذلك أولى من هتك حرمته بالنبش. والأول المذهب.

стр. 1146

(أو إلى غير القبلة) يعني: أنه يجب نبش من دفن موجهاً إلى غير القبلة؛ كما لو دفن من غير غسل، تداركاً لواجب التوجيه إلى القبلة. فينبش ويوجه إلى القبلة. وقيل: يستحب نبشه لذلك. وقيل: يحرم. (ويجوز) نبش الميت (لغرض صحيح) في نبشه؛ (كتحسين كفن)؛ لما روى جابر قال: " أتى النبي ﷺ عبدالله بن أبي بعدما دفن فأخرجه، فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه " (١) . أخرجه البخاري ومسلم. (ونحوه) [أي: ونحو] (٢) تحسين الكفن؛ كإفراد من دفن مع غيره؛ لما روى جابر قال: " دفن مع أبي رجل. فلم تطب نفسي حتى أخرجته. فجعلته فى قبر على حِدة " (٣) . وفي رواية: " كان أبي أول قتيل يعني يوم أحد فدفن معه آخر في قبره. ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر. فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه " (٤) . رواهما البخاري (٥) . (ونقله) يعني: ويجوز نبشه لنقله (لبقعة شريفة، ومجاورة صالح)؛ لما في " الموطأ " لمالك أنه سمع غير واحد يقول: " إن سعد بن أبي وقاص وسعيد ابن زيد ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة ودفنا بها " (٦) .

стр. 1147

وقال سفيان بن عيينه: " مات ابن عمر هاهنا، وأوصى أن لا يدفن هاهنا، وأن يدفن بسرف ". ذكره ابن المنذر. وروى حرب في " مسائله " قال: حدثنا محمد. بن نصر قال: حدثنا حسان عن يونس بن زيد عن الزهري قال: " حُمل سعد بن أبي وقا ص من العقيق إلى المدينة " (١) . و" حُمل أسامة بن زيد من الجرف إلى المدينة " (٢) . قال حسان: " ورأيت ابناً لهشام بن عروة حُمل من العقيق إلى المدينة فصلي عليه عند باب المسجد، ودفن بالمدينة بالبقيع في حياة هشام ". وأما ما ينقل عن عائشة: " أنه لما مات عبدالرحمن بن أبي بكر بالحُبْْشِ وهو مكان بينه وبين المدينة نحو اثني عشر ميلاً ونُقل إلى مكة. أتت قبره وقالت: والله لِلَّهِ لو حضَرتُكَ ما دفنتك إلا حيث مُتَّ. ولو شَهِدْتُكَ ما زُرْتُك " (٣) . رواه الترمذي. فمحمول على أنها: لم تَر غرضاً صحيحاً في نقله، أو أنه تاً ذى به. وما ذكره [ابن عبدالبر] (٤) عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: " تدفن الأجساد حيث تقبض الأرواح " (٥) فمحمول على الشهداء؛ لأن السنة في غيرهم دفنهم في الصحراء وهم لم يقبضوا فيها. (إلا شهيداً دُفن بمصرعه) فأنه لا يجوز نقله. (ودفنه) أي: دفن الشهيد (به) أي: بمصرعه (سنة). قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي ﷺ قال: " ادفنوا القتلى

стр. 1148

في مصارعهم " (١) . (فيردُّ) الشهيد (إليه) أي: إلى مصرعه (لو نثقل) منه موافقة للسنة. (وإن ماتت) امرأة (٢) (حامل) بمن ترجى حياته (حرُم شقُ بطنها) من أجل الحمل، مسلمة كانت أو ذميه على الأصح؛ لما في ذلك من هتك حرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة؛ لأن الغالب والظاهر: أن الولد لا يعيش. واحتج أحمد على ذلك في رواية أبي داود بما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " (٣) . رواه أبو داود، ورواه ابن ماجه من رواية أم سلمة وزاد: " في الإثم " (٤) . (وأخرج النساء من تُرجى حياته) وهو: ما إذا كان يتحرك حركة قوية وانتفخت المخارج، وله ستة أشهر فأكثر. (فإن تعذر) عليهن إخراجه فالمذهب لا تشق بطنها، و (لم تُدفن حتى يموت) حملها، ولا يوضع عليه ما يموته، خلافاً لما جزم به بعض الشافعية. ولو قدر أن يخرجه الرجال؛ لما فيه من هتك حرمتها، وبعد احتمال الحياة. وعنه: أن الرجال يسطون عليه فيخرجونه. (وإن خرج بعضه) أي: بعض الحمل (حياً، شُق) بطنها (لـ) خروج (الباقي)؛ لتيقن حياته بعد أن كانت موهومة. (فلو مات) الحمل (قبله) أي: قبل أن تشق بطنها: لم تشق و (أُخرح. فإن تعذر) إخراجه (غُسِّل ما خرج) منه، (ولا تيمم للباقي) الذي لم يخرج؛ لأن ما خرج منه له حكم السقط، وما لم يخرج منه له حكم الحمل.

стр. 1149

وقيل: تيمم لما لم يخرح. وهو احتمال لابن الجوزي. (وصُلي عليه) أي: على من خرج بعضه (معها) أي: مع أمه بأن ينوي المصلي الصلاة عليهما (بشرطه) وهو: أن يكون له أربعة أشهر فأكثر " لأن شرطه أن يخرج بعضه حيا ثم يمو ت، (وإلا) بأن لم يوجد شرط صحة الصلاة عليه (فـ) أنه ينوي الصلاة (عليها دونه) أي: دون حملها. (وإن ماتت كافرة) ذمية أو غير ذمية (حامل بمسلم) أي: محكوم بإسلامه (لم يصلّ عليه) ما دام داخل بطنها، كمبلوع ببطن بالع، (ودَفَنها) أي: وتولى دفنها (مسلم) من أجل سنة الدفن التي يأتي ذكرها (مفردة) عن مقابر المسلمين وأهل الذمة. نص عليه أحمد، وحكاه عن واثلة بن الأسقع. ومحل ذلك: (إن أمكن) إفرادها، (وإلا) أي: وإن لم يمكن إفرادها (فمعنا) أي: فمع المسلمين، لأن ذلك أولى من دفن المسلم الذي هو الجنين مع الكفار، وكما لو اشتبه ميت مسلم بكافر فإنهما يدفنان مع المسلمين. ويكون دفنها (على جنبها الأيسر، مستدبرة القبلة)، ليكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبل القبلة. ويُصلى على مسلمة حامل مع حملها بعد مضي زمن تصويره (١) ، وإلا فعليها دونه.

стр. 1150

[فصل: في احكام التعزية] (فصل) في أحكام المصاب والتعزية. (ويسن لمصاب) بموت قريبه أو نحوه: (أن يسترجع) وفاقاً للأئمة الثلاث. (فيقول) أي: والاسترجاع أن يقول: (إنا لله) أي: نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء، (وإنا إليه راجعون) أي: نحن مقرون بالبعث والجزاء على أعمالنا. (اللهم لِلَّهِ أجرنى في مصيبتي، وأخلِفْ لي خيراً منها). وأجرنى: مقصور، وقيل: ممدود. وأخلف: بقطع الهمزة وكسر اللام، يقال لمن ذهب منه ما يتوقع مثله: أخلف الله عليك مثله، ومن ذهب منه ما لا يتوقع مثله: خلف الله عليك أي: كان الله لك خليفة منه عليك. قال الآجري وجماعة: ويصلي ركعتين. قال في " الفروع ": وهو متجه. فعله ابن عباس وقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقره: ٤٥]، ولم يذكرها جماعة. ولأحمد وأبي داود (١) عن حذيفة قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلمي إذا حَزَبَهُ أمرٌ صلّى " (٢) . قال في " القاموس ": وحَزَبهُ الأمرُ: نابَهُ، واشتدَّ عليه أو ضَغَطَهُ، والاسم: الحُزَابَةُ بالضم، وأمرُ حازبٌ وحَزِيبٌ: شديد. انتهى. ولمسلم عن أم سلمة مرفوعاً: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. فلما مات أبو سلمة قال: قولي:

стр. 1151

اللهم لِلَّهِ اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة " (١) . (و) أن (يصبر) المصاب، والصبر الحبس. ويجب منه ما يمنعه عن محرم. وفي الصبر على موت الولد أجر كبير وردت به الآثار، ومن ذلك: ما روى النسائي أنه ﷺ قال: " ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهما الله تعالى بفضل رحمته أياهم الجنة. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فيقولون: حتى يدخل آباؤنا. فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم " (٢) . وفي " الصحيحين " أنه ﷺ قال: " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تحلة القسم " (٣) . يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مر يم: ٧١]. والصحيح أن المراد به: المرور على الصراط. وأخرج البخاري أنه ﷺ قال: " يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء، إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إلا الجنة " (٤) . وأخرج الترمذي أنه ﷺ قال: " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى: قبضتم ولد عبدي. فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده. فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؛ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعا لى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد " (٥) .

стр. 1152

فيستحب لأهل الميت اعتماد ذلك، وفعله رجاء؛ لما جاء من الوعد العظيم من الله الغفور الرحيم. (ولا يلزم الرضى) أي: لا يجب على الإنسان أن يرضى (بمرض) يصيبه (وفقر وعاهة) وهي عرض مفسد لما أصابه. خلافاً لابن عقيل. فأنه يوجب الرضى بذلك. (ويحرم) على الأنسان أن يرضى (بفعله المعصية). ذكره ابن عقيل إجماعاً. قال في " الفروع ": وذكر شيخنا وجهاً: لا يرضى بذلك؛ لأنها من المقضي. قال: وقيل: يرضى من جهة كونها خلقاً لله، لا من جهة كونها فعلاً للعبد. قال: وكثير من النساك والصوفية ومن (١) أهل الكلام حيث رأوا: أن الله خالق كل شيء وربه اعتقدوا أن ذلك يوجب الرضى والمحبة لكل ذلك، حتى وقعوا في قول المشركين ﴿وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وغفلوا عن كون الخالق نهى عن ذلك وأبغضه، وسبب ذلك اشتباه مساًلة الشرع والقدر، ويتمسكون بالإجماع على الرضى بقضاء الله. وهذا كلام مجمل يتمسك به القدرية المشركية. وأما القدرية المجوسية فتقول: أن الله قدره وقضاه. وإلا للزم الرضى به، والرضى بالكفر كفر بالإجماع. قال: والتحقيق: أنه ليس في الكتاب والسنة نص يأمر فيه بالرضى بكل مقضي، ولاقاله أحد من السلف. وأما ما في كلام العلماء والاثار من الرضى بالقضاء فإنما أرادوا ما ليس من فعل العباد. ولأنه إذا لم يجب الصبر على ذلك، بل تجب إزالته بحسب الإمكان. فالرضى أولى. ثم ذكر شيخنا: أنه إذا نظر إلى أحداًث الرب لذلك للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضى لله (٢) بما رضيه لنفسه، فيرضاه ويحبه مفعولاً مخلوقاً لله،

стр. 1153

ويبغضه ويكرهه فعلاً للمذنب المخالف لأمر الله. وهذا كما نقول فيما (١) خلقه من الأجسام الخبيثة. قال: فمن فهم هذا الموضع انكشف له حقيقة هذا الأمر الذي حارت فيه العقول. والله أعلم. انتهى كلامه في " الفروع ". (وكُره لمصاب تغييرُ حاله: من خلع رداء ونحوه)، كخلع نعل، (وتعطيل معاشه)، وغلق حانوته في الأصح، لما في ذلك من إظهار الجزع. قال ابن الجوزي في قوله سبحأنه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]: اعلم أنه من علم أن ما قضي لابد أن (٢) يصيبه قلّ حزنه وفرحه. وقال إبراهيم الحربي: اتفق العقلاء (٣) من كل أمة أن من لم يتمش مع القدر لم يَتَهَنَّ بعيش. (لا بكاؤه) أي: لا بكاء المصاب. فأنه لا يكره قبل الموت ولا بعده، لكثرة الأخبار. ذكر منها في " شرح الهداية " اثني عشر حديثاً، وأخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة. قال صاحب " المحرر ": أو أنه كره كثرة البكاء والدوام عليه أياماً كثيرة. قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال: يحمل النهي بعد الموت على ترك الأولى. وقد قيل: عجبت لمن يبكي على فقد غيره دموعاًو لم يبك (٤) على فقده دماً وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينيه من عيبه عمى قال جماعة: والصبر عنه أجمل. وذكر شيخنا: أنه يستحب رحمة للميت، وأنه أكمل من الفرح، كفرح الفضيل لما مات ابنه علي.

стр. 1154

وفي " الصحيحين ": " لما فاضت عيناه، لما رفع إليه ابن بنته ونفسه تَقَعْقَعُ كأنها في شَنَّة، أي: لها صوت وحشرحة؛ كصوت ماء ألقي في قربة بالية. قال له سعد: ما هذا يا رسول الله؛ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " (١) . انتهى. (وجعلُ علامة عليه) يعني: أنه لا يكره جعل علامة على المصاب من ثوب، أو ريشة على رأسه، أو غيرهما (ليُعرفَ) بالعلامة (فيُعزَّى) " لتتيسر التعزية المسن ونة بذلك على كل أحد. (وهجرُه) يعني: أنه لا يكره هجر المصاب للزينة، وحسن الثياب ثلاثة أيام). قال صاحب " المحرر ": ولا بأس بهجر المصاب للزينة وحسن الثياب ثلاثة أيام، وجزم بذلك أيضاً ابن تميم وابن حمدان. وسئل أحمد يوم مات بشر عن مسألة. فقال: ليس هذا يوم جواب، هذا يوم حزن. (وحُرِم ندبٌ) وهو: تعداد محاسن الميت بلفظ النداء بالواو بزيادة الألف والهاء في آخره، كقولهم: واسيداه، واجبلاه، وانقطاع ظهراه. (و) حرم أيضاً (نياحة). نص عليهما. والنياحه: قيل: من رفع الصوت بالندب. وقيل: هي ذكر محاسن الميت وأحواله. (و) حرم أيضاً (شقُّ ثوب، ولطمُ خد، وصراخ، ونتفُ شَعر ونشرُه، ونحوه)؛ كتسويد الوجه وخمشه؛ لما في " الصحيحين " أن رسول الله ﷺ قال: " ليس منا من لطم الخدود وشقُ الجيوب ودعى بدعوى الجأهلية " (٢) .

стр. 1155

و" فيهما ": " أنه ﷺ برئ من الصَّالِقَة والحالِقََة والشَّاقَّّة (١) " (٢) . فالصالقة (٣) : التي ترفع صوتها عند المصيبة، ويقال: السالقة بالسين المهملة. والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة. والشاقة: التي تشق ثيابها عن المصيبة. وفي " الصحيحين " عن ام عطية أنها قالت: " أخذ علينا رسول الله ﷺ في البيعة أن لا ننوج " (٤) . وفي " صحيح مسلم ": " أنه ﷺ لعنَ النّاِئحةَ والمُسْتَمِعَة " (٥) . وتحريم ذلك كما في المتن هو الصحيح من المذهب؛ لما تقدم من الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك مع تأكيده بالتبرؤ من فاعله ولعنه وغير ذلك. ولما فيه من عدم الرضا بقضاء الله سبحأنه وتعالى والسخط من فعله. ولأن في (٦) شق الجيوب إفساداً للمال لغير (٧) حاجة. وعن أحمد رحمه الله تعالى: أنه إذا تجرد الندب والنياحة عن اللطم ونتف الشعر وذكر الميت بما ليس فيه ونحو ذلك: كره، ولم يحرم.

стр. 1156

وأطلق بعضهم الكراهة؛ لـ " أنه نهى عن النياحه. فقالت ام عطية: إلا آل فلان. فإنهم كانوا أسعدونى في الجأهلية، فلا بد لي من ان أسعدهم. فقال: إلا آل فلان " (١) . متفق عليه. وهو خاص بها؛ لخبر أنس: " لا إسعاد في الإسلام " (٢) . رواه أحمد. ولأنه معتاد في النوح ما يحرم، ولم ينهها مع حداثتها بالإسلام، ومع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قال في " الفروع ": وجاءت الأخبار المتفق على صحتها بتعذيب الميت بالنياحة والبكاء عليه (٣) ، فحمله ابن حامد على من اوصى (٤) به؛ لأن عاده العرب الوصية بفعله فخرج على عادتهم، وفي " شرح مسلم ": هو قول الجمهور وهو ضعيف. فإن سياق الخبر يخالفه، ويأي في آخر الباب، وحمله الأثرم على من كذب به حين يموت. وقيل: يتاًذى بذلك مطلقاً، واختاره (٥) شيخنا. وقيل: يعذب. وقال في " التلخيص ": يتاًذى بذلك إن لم يوص بتركه، كما كان السلف يوصون. ولم يعتبر كون النياحه عادة أهله، واختار صاحب " المحرر ": أن من هو عادة أهله ولم يوص بتركه عذب، لأنه متى ظن وقوعه ولم يوص فقد رضي ولم ينه مع قدرته. وما هيج المصيبة من وعظ وإثشاد شعر فمن النياحة. قاله شيخنا، ومعناه لابن عقيل في " الفنون ". فأنه لما توفي ابنه عقيل قرأ قارئ ﴿قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ ْ

стр. 1157

قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] فبكى ابن عقيل وبكى الناس فقال للقارئ: يا هذا لِلَّهِ إن كان يهيج الحزن فهو نياحة بالقرآن، ولم ينزل للنوح بل لتسكين الأحزان. انتهى. ولا بد من حمل حديث: " ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " (١) على (٢) البكاء الذي معه ندب ونياحة ونحو هذا. قاله في " شرح المقنع ". وأما عائشة ﵂ فأنكرت حمل ذلك على ظاهره ووافقها ابن عباس وقالت: " والله لِلَّهِ ما حدث رسول الله ﷺ : أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: أن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه " (٣) . وقالت لما بلغها رواية عمر وابنه في ذلك: " إنكم لتحدّثون عني غير كاذبين ولا متهمين، ولكن السمعَ يخطى. وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] " (٤) . (وتُسن تعزيةُ مسلم) مصاب (ولو) كان (صغيراً) قبل الدفن وبعده؛ لعموم ما روى عبدالله بن محمد بن أبي بكر عن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " ما من مُؤمن يُعزِي أخاهُ بمصيبةٍ إلا كساهْ الله من حُلّلِِ الكرامةِ يومَ القيامة " (٥) . رواه ابن ماجه. وعن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال: " من عزَّى مصاباً فله كمثل أجره " (٦) رواه ابن ماجه والترمذي. وقال: حديث غريب.

стр. 1158

(وتُكره) تعزية الرجل الشابة أجنبية) منه؛ مخافة الفتنة. (إلى ثلاث) أي: تلاث ليال بأيامهن. فلا تعزية بعدها؛ لأن الشارع قد أذن في الأحداًد فيها بقوله ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً (١) " (٢) . وروت أسماء بنب عميس قالت: " لما أصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: تسلبي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت " (٣) . وفي لفظ: " دخل علي رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا " (٤) . رواهما أحمد. وهذا محمول على اختصاص الثلاث بالمبالغة في الأحداًد، لا باًصله؛ لأنها زوجة والأحداًد لازم لها مدة العدة. ويدل على أن ما يهجره المصاب من حسن الثياب والزينة لا بأس به مدة الثلاث. وفوله: " تسلبي " أي: البسي ثوب الحداد وهو السلاب، والجمع: سلب. (فيقال) في التعزية (لـ) مسلم (مصاب بمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. و) لمسلم مصاب (بكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك). وإنما كان كذلك؛ لأن الغرض من التعزية الدعاء للمصاب ولميته. إلا أنه إذا كان الميت كافراً أمسك عن ذكره؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه. (أو) يقال (غير ذلك)؛ لأن الدعاء الذي ذكر ليس بمتعين، بل تجوز التعزية بكل دعاء يقارب معنى ما ذكر. وقد وردت الآثار به وبغيره فروى زرارة بن أبي (٥) أوفى قال: " عزّى

стр. 1159

النبي ﷺ رجلاً على ولده فقال: آجرك الله وأعظم لك الأجر ". رواه حرب في " مسائله ". وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: " لما توفى النبي ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عَزَاءٌ من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات، فبالله فثقُوا، وإياه فارجُوا. فإن المُصاب من حُرم الثواب " (١) . رواه الشافعي. وعن الأشعب بن رجاء قال: " كان عطاء يعزي بقول: عظَّم الله لكم الأجر، وأعقبكم عقبى نافعة، صلوات منه ورحمة، وجعلنا وأياكم من المهتدين " (٢) . رواه أحمد. (وكُره تكرارُها) أي: تكرار التعزية. نص عليه. فلا يعزي عند القبر (٣) من عزى. قال أحمد: أكره التعزية عند القبر إلا لمن لم (٤) يُعَزِ. فيعزي إذا دفن الميت أو قبله. وقال: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية وإن شئب فلا. وإذا رأى الرجل قد شق ثوبه على المصيبة عزاه ولم يترك حقا لباطل، وإن نهاه فحسن. (و) كره أيضاً (جلوسٌ لها) يعني: أنه يكره للمصاب ان يجلس في مكان ليعزوه. ويكره للمعزي: أن يجلس عند المصعاب للتعزية؛ لما في ذلك من استدامة الحزن. قاله أحمد في رواية أبي داود: ما يعجبني. أن يقعد أولياء الميت في المسمجد يعزون، أخشى أن يكون تعظيما للموت أو قال: للميت.

стр. 1160

وقال في رواية أبي الحارث: ما أحب الجلوس مع أهل الميت والاختلاف إليهم بعد الدفن ثلاثة أيام، هذا تعظيم للموت. وقال بعضهم: إنما المكروه البيتوتة عند أهل الميت، وأن يجلس إليهم من عزى مرة، أو يستديم المعزي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التعزية. (لا) جلوس المعزي (بقُرب دار الميت) خارجاً عنه (ليَتْبعَ الجنازة) إذا خرجت، (أو ليخرجَ وليُّه) أي: ولي الميت (فيعزيه) يعني: أنه لا يكره الجلوس عند دار الميت خارجاً عنها، أو في مسجد بقربها انتظاراً لجنازته حتى يتبعها، أو لوليه حتى يخرج فيعزيه. إلا أنه إن كان الجلوس خارج المسجد على باريّة (١) أو بساط أخذه من المسجد كره. نص عليه في رواية المروذي وغيره، ونقل عنه عبدالله وأبو طالب جوازه، لأنه انتفاع بها في عبادة. أشبه ما لو قعدوا عليها داخله. قال في " شرح الهداية ": والأول أصح، لأنه إنما وضعت ليصلى عليها وينتفيع بها فيه خاصة. (ويردُ معزَّى) على من عزاه (بـ) قوله: (استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك) بهذا (٢) القول رد أحمد على من عزاه: وكفى به قدوة ومتبعا. (وسن ان يُصلّحَ لأهل الميت طعامٌ يُبعث إليهم) به (ثلاثاً) أي: ثلاث ليال بأيامهن. سواء كان الميت حاضراً أو غائباً وأتاهم نعيه؛ لما روى أبو داود فى والترمذي وحسنه عن عبدالله بن جعفر: " أنه لما جاء نعي جعفر حين قتل. قال النبى ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً. فقد أتاهُم ما يَشغَلُهم " (٣) .
следующие страницы →