← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وأطلق بعضهم الكراهة؛ لـ " أنه نهى عن النياحه. فقالت ام عطية: إلا آل فلان. فإنهم كانوا أسعدونى في الجأهلية، فلا بد لي من ان أسعدهم. فقال: إلا آل فلان " (١) . متفق عليه. وهو خاص بها؛ لخبر أنس: " لا إسعاد في الإسلام " (٢) . رواه أحمد. ولأنه معتاد في النوح ما يحرم، ولم ينهها مع حداثتها بالإسلام، ومع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قال في " الفروع ": وجاءت الأخبار المتفق على صحتها بتعذيب الميت بالنياحة والبكاء عليه (٣) ، فحمله ابن حامد على من اوصى (٤) به؛ لأن عاده العرب الوصية بفعله فخرج على عادتهم، وفي " شرح مسلم ": هو قول الجمهور وهو ضعيف. فإن سياق الخبر يخالفه، ويأي في آخر الباب، وحمله الأثرم على من كذب به حين يموت. وقيل: يتاًذى بذلك مطلقاً، واختاره (٥) شيخنا. وقيل: يعذب. وقال في " التلخيص ": يتاًذى بذلك إن لم يوص بتركه، كما كان السلف يوصون. ولم يعتبر كون النياحه عادة أهله، واختار صاحب " المحرر ": أن من هو عادة أهله ولم يوص بتركه عذب، لأنه متى ظن وقوعه ولم يوص فقد رضي ولم ينه مع قدرته. وما هيج المصيبة من وعظ وإثشاد شعر فمن النياحة. قاله شيخنا، ومعناه لابن عقيل في " الفنون ". فأنه لما توفي ابنه عقيل قرأ قارئ ﴿قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ ْ

стр. 1157

قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨] فبكى ابن عقيل وبكى الناس فقال للقارئ: يا هذا لِلَّهِ إن كان يهيج الحزن فهو نياحة بالقرآن، ولم ينزل للنوح بل لتسكين الأحزان. انتهى. ولا بد من حمل حديث: " ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " (١) على (٢) البكاء الذي معه ندب ونياحة ونحو هذا. قاله في " شرح المقنع ". وأما عائشة ﵂ فأنكرت حمل ذلك على ظاهره ووافقها ابن عباس وقالت: " والله لِلَّهِ ما حدث رسول الله ﷺ : أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: أن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه " (٣) . وقالت لما بلغها رواية عمر وابنه في ذلك: " إنكم لتحدّثون عني غير كاذبين ولا متهمين، ولكن السمعَ يخطى. وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] " (٤) . (وتُسن تعزيةُ مسلم) مصاب (ولو) كان (صغيراً) قبل الدفن وبعده؛ لعموم ما روى عبدالله بن محمد بن أبي بكر عن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " ما من مُؤمن يُعزِي أخاهُ بمصيبةٍ إلا كساهْ الله من حُلّلِِ الكرامةِ يومَ القيامة " (٥) . رواه ابن ماجه. وعن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال: " من عزَّى مصاباً فله كمثل أجره " (٦) رواه ابن ماجه والترمذي. وقال: حديث غريب.

стр. 1158

(وتُكره) تعزية الرجل الشابة أجنبية) منه؛ مخافة الفتنة. (إلى ثلاث) أي: تلاث ليال بأيامهن. فلا تعزية بعدها؛ لأن الشارع قد أذن في الأحداًد فيها بقوله ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً (١) " (٢) . وروت أسماء بنب عميس قالت: " لما أصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: تسلبي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت " (٣) . وفي لفظ: " دخل علي رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا " (٤) . رواهما أحمد. وهذا محمول على اختصاص الثلاث بالمبالغة في الأحداًد، لا باًصله؛ لأنها زوجة والأحداًد لازم لها مدة العدة. ويدل على أن ما يهجره المصاب من حسن الثياب والزينة لا بأس به مدة الثلاث. وفوله: " تسلبي " أي: البسي ثوب الحداد وهو السلاب، والجمع: سلب. (فيقال) في التعزية (لـ) مسلم (مصاب بمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. و) لمسلم مصاب (بكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك). وإنما كان كذلك؛ لأن الغرض من التعزية الدعاء للمصاب ولميته. إلا أنه إذا كان الميت كافراً أمسك عن ذكره؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه. (أو) يقال (غير ذلك)؛ لأن الدعاء الذي ذكر ليس بمتعين، بل تجوز التعزية بكل دعاء يقارب معنى ما ذكر. وقد وردت الآثار به وبغيره فروى زرارة بن أبي (٥) أوفى قال: " عزّى

стр. 1159

النبي ﷺ رجلاً على ولده فقال: آجرك الله وأعظم لك الأجر ". رواه حرب في " مسائله ". وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: " لما توفى النبي ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عَزَاءٌ من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات، فبالله فثقُوا، وإياه فارجُوا. فإن المُصاب من حُرم الثواب " (١) . رواه الشافعي. وعن الأشعب بن رجاء قال: " كان عطاء يعزي بقول: عظَّم الله لكم الأجر، وأعقبكم عقبى نافعة، صلوات منه ورحمة، وجعلنا وأياكم من المهتدين " (٢) . رواه أحمد. (وكُره تكرارُها) أي: تكرار التعزية. نص عليه. فلا يعزي عند القبر (٣) من عزى. قال أحمد: أكره التعزية عند القبر إلا لمن لم (٤) يُعَزِ. فيعزي إذا دفن الميت أو قبله. وقال: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية وإن شئب فلا. وإذا رأى الرجل قد شق ثوبه على المصيبة عزاه ولم يترك حقا لباطل، وإن نهاه فحسن. (و) كره أيضاً (جلوسٌ لها) يعني: أنه يكره للمصاب ان يجلس في مكان ليعزوه. ويكره للمعزي: أن يجلس عند المصعاب للتعزية؛ لما في ذلك من استدامة الحزن. قاله أحمد في رواية أبي داود: ما يعجبني. أن يقعد أولياء الميت في المسمجد يعزون، أخشى أن يكون تعظيما للموت أو قال: للميت.

стр. 1160

وقال في رواية أبي الحارث: ما أحب الجلوس مع أهل الميت والاختلاف إليهم بعد الدفن ثلاثة أيام، هذا تعظيم للموت. وقال بعضهم: إنما المكروه البيتوتة عند أهل الميت، وأن يجلس إليهم من عزى مرة، أو يستديم المعزي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التعزية. (لا) جلوس المعزي (بقُرب دار الميت) خارجاً عنه (ليَتْبعَ الجنازة) إذا خرجت، (أو ليخرجَ وليُّه) أي: ولي الميت (فيعزيه) يعني: أنه لا يكره الجلوس عند دار الميت خارجاً عنها، أو في مسجد بقربها انتظاراً لجنازته حتى يتبعها، أو لوليه حتى يخرج فيعزيه. إلا أنه إن كان الجلوس خارج المسجد على باريّة (١) أو بساط أخذه من المسجد كره. نص عليه في رواية المروذي وغيره، ونقل عنه عبدالله وأبو طالب جوازه، لأنه انتفاع بها في عبادة. أشبه ما لو قعدوا عليها داخله. قال في " شرح الهداية ": والأول أصح، لأنه إنما وضعت ليصلى عليها وينتفيع بها فيه خاصة. (ويردُ معزَّى) على من عزاه (بـ) قوله: (استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك) بهذا (٢) القول رد أحمد على من عزاه: وكفى به قدوة ومتبعا. (وسن ان يُصلّحَ لأهل الميت طعامٌ يُبعث إليهم) به (ثلاثاً) أي: ثلاث ليال بأيامهن. سواء كان الميت حاضراً أو غائباً وأتاهم نعيه؛ لما روى أبو داود فى والترمذي وحسنه عن عبدالله بن جعفر: " أنه لما جاء نعي جعفر حين قتل. قال النبى ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً. فقد أتاهُم ما يَشغَلُهم " (٣) .

стр. 1161

قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة رسول الله ﷺ إلى شعير فطحنته وأدمته بزيت جُعل عليه، وبعثت به إليهم. ويروى عن عبدالله بن أبي بكر أنه قال: " فما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها (١) ". ولأن أهل الميت ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن ياً تي إليهم عن أصلاًح طعام لهم. ولأن في ذلك جبراً لقلوبهم. وينوي أهل الميت، (لا لمن يجتمع عندهم) أي: عند أهل الميت (فيُكره) للمساعدة على المكروه وهو: اجتماع الناس عند أهل الميت. نقل المروذي عن أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديداً. ولأحمد وغيره عن جرير وإسناده ثقات قال: " كُنا نَعُدُ الاجتماعَ إلى أهل الميت، وصَنْعَةَ الطعامِ بعد دفنه من النياحة " (٢) . (كفعلهم) يعني: أنه يكره ان يصنع الطعام لمن (٣) يجتمع عند أهل الميت ككراهة فعلهم (ذلك للناس) الذين يجتمعون عندهم. قال في " الفروع ": ويكره صنيع أهل الميت الطعام وفاقاً للشافعي. زاد الشيخ وغيره: إلا لحاجة. وقيل: يحرم، وفاقاً لأبي حنيفة. (وكذبح) أي: وكما يكره ذبح (عند قبر وأكل منه) أي: مما يذبح عند القبر. قال في " الفروع ": وكره أحمد الذبح عند القبر وأكل ذلك؛ لخبر انس:

стр. 1162

" لا عًقْرَ في الإسلام " (١) . حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود. وقال عبدالرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة (٢) . وقال أحمد في رواية المروذي: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزوراً، فنهى عن ذلك. وفسره غير واحد بعد ذلك بمعاقرة الأعراب: " يتبارى رجلان في الكرم فيعقر هذا ويعقر هذا، حتى يطلب أحدهما الآخر. فيكون مما أُهلّ لغير الله به " (٣) . كذا قال ابن معين. ذكره البيهقي، وهذا غير هذا، جزم الأئمة بالتفرقة بينهما، وتبعهم أهل غريب الحديث. وحديث النهي عن معاقرة الأعراب رواه أبو داود. حدثنا هارون بن عبدالله حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف عن أبي ريحانة عن ابن عباس قال: " نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب " (٤) حديث حسن، وذكره في " المختارة ". قال أبو داود: وقفه غندر على ابن عباس. ولأبي داود عن هارون بن زيد (٥) بن (٦) أبي الزرقاء، عن أبيه، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة، عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين " (٧) . إسناد جيد. قال أبو داود: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس. ورواه الطبرانى، حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني نصر بن علي أنبأنا أبي عن هارون بن موسى عن الزبير عن عكرمه عن ابن عباس قال: " نهي عن

стр. 1163

? طعام المتباريين " (١) ، ورواه في " المختارة ". وهو إسناد جيد. ويأتي الذبح لغير الله في آخر الذكاة (٢) . قال جماعة: وفي معنى الذبح عند القبر الصدقة عنده، فأنه مُحدث وفيه رياء، ونقل أبو طالب فيها: لم اسمع فيه بشيء، وأكره أن أنهى عن الصدقة. وحرم شيخنا الذبح والتضحية عنده. قيل لأحمد: عما يفرقه المجوس على الجيران مما يصنعونه لأهل ميتهم فقال: لا بأس به. انتهى. ***

стр. 1164

(فصل): في زيارة القبور وأمور تتعلق بالميت. (سن لرجل زيارة قبر مسلم) على الأصح. نص عليه، وكذا زيارة قبر مسلمة. وعنه:. تباج الزيارة دون أن تستحب. وجه القول بالإباحة: ما روى بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا " (١) رواه مسلم وغيره. فاً مر بزيارتها بعد نهيه. والغالب في الأمر بعد الحظر: أن يكون للإباحة. لا سيما وقد قرنه بما هو مباج وهو إدخار لحوم الأضاحي، والانتباذ في كل سقاء. ويعضد ذلك ما وقع في رواية أحمد والنسائي عن بريده: " ونهيتكم عن زيارة القبور. فمن أراد أن يزور فليزر، ولا يقول (٢) : هُجْرا " (٣) . وما علق على الإرادة فالأصل فيها الإباحة. ووجه المذهب وهو القول بالاستحباب: قوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور] (٤) فزوروها. فإ نها تذكر الموت " (٥) .

стр. 1165

وللترمذي: " فإنها تذكر الآخرة " (١) . فعلل ﷺ الأمر بزيارتها بأنها تذكر الموت والآخره، وهذا التعليل يرجح كون الأمر الوارد في ذلك بعد الحظر للاستحباب. (و) سن (إن يقف زائر أمامه) أي: أمام القبر، (قريباً منه) على الأصح. وعنه: أن وقوفه وقعوده سواء. وعنه: يقف الزائر حيث شاء. وأما لمس القبر باليد فيباح على المذهب. وعنه: يكره؛ لأن القُرَب تُتَلَقَّى من التوقيف ولم يرد به سنة. ولأنه عادة أهل الكتاب. وعنه: يستحب؛ لأنه يشبه مصافحة الحي، لا سيما ممن ترجى بركته. (وتباح) زيارة المسلم (لقبر كافر). ويباح الوقوف أيضاً عند قبر الكافر؛ " لزيارته ﷺ قبر أمه " (٢) . وكان بعد الفتح. وأما قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فإنما نزل بسبب عبدالله بن أبي في آخر التاسعة. على أن المرادعند أكثر المفسرين من قوله: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، هو: القيام للدعاء والاستغفار. (وتكره) زيارة القبور (لنساء) على الأصح من الروايات؛ لما روت أم عطية قالت: " نُهينا عن زيارة القبور ولم يُعْزَمْ علينا " (٣) . متفق عليه. وعنه: يحرم؛ لقول النبي ﷺ : " لعن الله زوارات القبور " (٤) . رواه الخمسة

стр. 1166

إلا النسائي وصححه الترمذي. وعنه: تباح، لما روى عبدالله بن أبي مليكة (١) : " أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر. فقلت لها: يا أم المؤمنين لِلَّهِ من أين أقبلت؛ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؛ قالت: نعم. كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها " (٢) . رواه الأثرم في " سننه ". (وإن عَلمن) أي: النساء (أنه يقع منهن محرَّم حرُمت) زيارتهن القبور قولاً وأحداً. ويستثنى من القول بأن زيارة القبور للنساء مكروهة أو محرمة ما أشير إليه بقوله: (إلا " لقبر النبي ﷺ ، و) قبر (صاحبيه رضوان الله تعالى عليهما) فتسن للرجال والنساء. (ولا يمنع كافر من زيارة قبر قريبه المسلم). قاله الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه في " الفروع ". (وسن لمن زار قبور المسلمين، أو مر بها أن يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أو) يقول: السلام عليكم (أهل الديار من المؤمنين). ويقول عقب كل من السلامين: (وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستاخرين. نساًل ألله لنا ولكم العافية. اللهم لِلَّهِ لا تحرمنا أجرهم، ولا تفْتِنا بعدهم، واغفِر لنا ولهم)، للأخبار الواردة بذلك. فمنها: ما رواه مسلم من

стр. 1167

حديث أبي هريرة وهو: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " (١) . قال في " شرح المقنع ": وفي حديث عائشة: " ويرحم الله المستقدمين منكم والمستاخرين " (٢) . وروى مسلم من حديث بريدة قال: " كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نساًل الله لنا ولكم العافية " (٣) . وقد دل هذا الحديث على أن اسم الدار يقع على المقابر، وإطلاق الأهل على ساكن المكان من حي وميت. وروى أحمد من حديث عائشة: " اللهم لِلَّهِ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم " (٤) . وروى الترمذي من حديث ابن عباس قال: " مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة. فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور لِلَّهِ يغفر الله لنا ولكم. أنتم سلفنا ونحن بالأثر " (٥) . قال الترمذي: حديث غريب. وقد روي أنه ﷺ دعا لأهل البقيع فقال: " اللهم لِلَّهِ اغفر لأهل بقيع الغرقد " (٦) . وبقيع الغرقد: اسم لمقبرة المدينة، وهو في الأصل: اسم للمكان المستنقع الذي يكون به شجرات، وأضيف إلى الغرقد وهو. ما عظم من شجر

стр. 1168

العوسج؛ لأنها كانت مفروشة به. قال الهروي: الغرقد من العضاة، وكل شجرة لها شوك. وقوله: " دار قوم مؤمنين " منصوب إما على النداء أي: يا أهل دار، أو على الاختصاص. وقوله: " إن شاء الله بكم للاحقون " فيه إشكال. فإن الموت محقق لا بد منه، وإنما يعلق بأن ما كان مشكوكاً في وجوده. فلا تقول: أن غربت الشمس فعلت كذا، بل تقول: إذا غربت لتحقق غروبها. بخلاف: إن جاء زيد. وعليه أجوبة أصحها: أنه استثناء للتبرك؛ امتثالاً لقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وكما في قوله سبحأنه وتعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]. (ويخيَّر فيه) أي: في السلام (على حي بين تعريف وتنكير)؛ لأن النصوص صحت بالأمرين فخيرنا بينهما. (وهو) أي: السلام من منفرد (سنة) أي: سنة عين، (ومن جمع سنة كفاية). والأفضل: أن يسلموا كلهم، ولا يجب إجماعاً. ويكره في الحمام وعلى من يأكل، أو يقاتل، أو يصلي، أو يبول، أو يتغوط. (وردُّه) أي: رد السلام ممن كان وحده فرض، وإذا كانوا أكثر من واحد (فرض كفاية). ومحل فرضيته: أن لم يكن ابتداء السلام مكروها، ورد السلام سلام حقيقة؛ لأنه يجوز بلفظ: سلام عليكم، ولا يسقط برد غير المسلم عليه؛ لأنه ليس من أهل الفرض، كما لا يسقط الأذان عن أهل بلد بأذان أهل بلد غيرها. ولا يجب زيادة الواو [في الرد] (١) بأن يقول الراد: وعليكم السلام. وقيل: بلى.

стр. 1169

ولا تسن الزيادة في الابتداء، ولا في الرد على قوله: ورحمة الله وبركاته. ويجزئ إن زاد الابتداء على لفظ الرد، أو الرد على لفظ الابتداء. وقيل: تجب مساواة الرد للابتداء. وذكر ابن عقيل وابن تميم وابن حمدان: أنه يسن أن يترك المبتدئ لفظة: ورحمة الله وبركاته؛ ليقوله الراد عليه. انتهى. ويسن أن يأتي المبتدئ بلفظ الجمع فيقول: السلام عليكم، وإن كان المسلم عليه وأحداً. ولما كان بين رد السلام وتشيمت العاطس إذا حمد وإجابته للمشمت مناسبه من كون الشارع كلف كلاً منهما بالكلام لصاحبه بما أمره به قلت: (كتشميت عاطس حَمِدَ، وإجابته) أي: إجابة العاطس للمشمت بما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ولأن التشميت تحية. فكان حكمه كالسلام، ولهذا لا يشمت الكافر، كما لا يبدأ (١) بالسلام. قال ابن هبيرة: إذا عطس الإنسان استدل بذلك من نفسه على صحة بدنه، وجودة هضمه، واستقامة قوته. فينبغي له: أن يحمد الله، ولذلك أمره رسول الله ﷺ أن يحمد الله. وفي " البخاري " أن النبي ﷺ قال: " إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب " (٢) ؛ لأن العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاو ب غالباً؛ لثقل البدن وامتلائه واسترخائه، فيميل إلى الكسل. فأضافه إلى الشيطان؛ لأنه يرضيه، أو من تسببه لدعائه إلى الشهوات. وتشميت العاطس وجواب المشمت: فرض كفاية. قدمه ابن تميم وابن حمدان فيقال للعاطس إذا حمد الله: يرحمك الله، أو يرحمكم الله. ويجيب العاطس المشمت بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم. ذكره السامري،

стр. 1170

وزاد في " الرعاية ": ويدخلكم الجنة عرفها لكم، أو يقول: يغفر الله لنا ولكم. وقال أحمد في رواية أبي طالب: التشميت: يهديكم الله ويصلح بالكم. وقال في رواية حرب: هذا عن النبي ﷺ من وجوه. وعلم من قوله: عاطس حَمِدَ: أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يشمت؛ وذلك لما روى أبو موسى: " إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه " (١) . رواه أحمد ومسلم. وروى البخاري من حديث أبي هريرة: " فإذا عطس أحدكم فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يقول له (٢) : يرحمك الله " (٣) . - فإن عطس أكثر من ثلاث مرات لم يشمت. قال صالح ابن الإمام أحمد لأبيه: تشميت العاطس في مجلسه ثلاثاً؛ قال: أكثر ما قيل فيه ثلاث. وهذا كلام الأصحاب. على أن الاعتبار بفعل التشميت لا بعدد العطسات. فلو عطس أكثر من ثلاث (٤) متواليات فيشمت بعدها إذا لم يتقدم تشميت قولاً وأحداً. وإن عطس صغيرٌ عُلّم: الحمد لله. ثم قيل له: يرحمك الله، أو بورك فيك. ومن عطس فلما يحمد عقبه فلا بأس بتذكيره؛ لما روى المروذي: أن رجلاً عطس عند أحمد فلم يحمد الله. فانتظره ان يحمد الله فيشمته [فلم يحمد الله] (٥) .

стр. 1171

فلما أراد ان يقوم قال له أبو عبدالله: كيف تقول إذا عطست؟ قال أقول: الحمد لله. فقال له أبو عبدالله: يرحمك الله. (ويسمع الميت الكلام)؛ لأن في حديث بريدة في السلام على أهل المقابر (١) : دليل على أن الموتى يسمعون سلام (٢) المسلم عليهم، وإلا لم يكن رسول الله ﷺ ليأمر بالسلام على قوم لا يسمعون. ولأحمد من حديث سفيان عمن سمع أنساً عنه مرفوعاً: " إن أعمَالكُم تُعرضُ على أقاربكُم وعشائركُم من الأموات. فإن كان خيراً استبشَروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لِلَّهِ لا تُمِتْهُمْْ حتى تَهدِيَهُم كما هَدَيتَنا " (٣) . وروا أبو داود الطيالسي في " مسنده " عن جابر مرفوعاً، وهو ضعيف. وقال ابن الجوزي في كتابه " السر المصون ": الذي يوجبه القرآن. والنظر: أن الميت لا يسمع ولا يحس. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ومعلوم أن آلات الحس قد فقدت. وأجاب عما يخالف هذا مما يدل على سماعهم لكلام الأحياء كحديث بريدة وغيره بأنه محمول على رد الأرواح أي: إذا سلم المسلم مثلاً الميت رد الله عليه روحه فسمع كلامه، ولا يلزم أنه (٤) يسمع كلام الحي في وقت. قال الشيخ تقي الدين: واستفاضت الاثار بمعرفة الميت باًال أهلة وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الاثار بأنه يرى أيضاً، وبأنه يدري بما فعل عنده، ويُسر بما كان حسنا، ويتألم بما كان قبيحاً. وكان أبو الدرداء يقول: " اللهم لِلَّهِ إنى أعوذ بك أن أعمل عملاً أخزي به عبد الرحمن بن رواحة. وكان ابن عمه ".

стр. 1172

و" لما دفن عمر عند عائشة كانت تستتر منه وتقول: إنما كان أبي وزوجي، فأما عمر فأجنبي ". (ويعرف) الميت (زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس). قاله أحمد. وفي " الغنية ": يعرفه كل وقت، وهذا الوقت لآكد. (ويتأذّى بالمنكر عنده، وينتفع بالخير) عنده؛ لما تقدم من مجيء الاثار بذلك. ويجب الأيمان بتعذيب الموتى في قبورهم، واختلف في كيفيته فقال القاضي: هو واقع على الروح (١) والبدن بأن يخلق الله فيهما إدراكاً للتعذيب. وقال ابن عقيل وابن الجوزي: هو واقع على الروح فقط. وقال ابن الجوزي أيضاً: ومن الجائز أن يجعل الله للبدن تعلقاً بالروح فتعذب في القبر. (وسن) لزائر الميت فعل (ما يخفِّف عنه) أي: عن الميت، وظاهره (ولو بجعل جريدة رَطبةٍ في القبر)؛ للخبر، و " أوصى به بريدة " (٢) . ذكره البخاري، وفي معناه: غرس غيرها، وأنكر ذلك جماعة من العلماء. وكره الحنفية: قلع الحشيش الرطب منها قالوا: لأنه يُسبّح. فربما يأنس الميت بتسبيحه. (و) لو بـ (ذكر وقراءةٍ عنده) أي: عند القبر. قال في " شرح مسلم ": إن العلماء استحبوا القراءة عند القبر؛ لخبر الجريدة؛ لأنه إذا رجي التخفيف بتسبيحها فالقراءة أولى. ولا تكره القراءة على القبر على الأصح من الروايتين. وروي عنه: أنه رجع عن القول بالكراهة؛ وذلك لما روي " أن النبي ﷺ لما وضعت ابنته في اللحد تلا قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ

стр. 1173

تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] " (١) . وعن ابن عمر: " أنه كان يستحب إذا دفن الميت أن يقرأ عنده عند رأسه بفاتحة سورة البقره وخاتمتها " (٢) . رواه اللالكائي. ويعضده عموم قوله: " اقرؤوا يس على موتاكم " (٣) . فإنه يشمل المحتضرين والموتى قبل الدفن وبعده. وثبت عنه ﷺ : " أنه صلى على قبر بعد ما دفن " (٤) ، مع قوله: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (٥) . وروت عائشة عن أبي بكر قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: ". من زار قبر والديه في كل جمعة أو أحدهما، فقرأ عنده (يس)، غفر الله له بقد كل أية أو حرف " (٦) . رواه أبو الشيخ (٧) في " فضائل القرآن ". ولأن المقبرة موضع لا يكره فيه السلام وذكر الله والدعاء والاستغفار والترحم. فلا تكره فيه القراءة؛ كغير المقبرة. وما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر. فإن

стр. 1174

الشيطان يفرُّ من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه " (١) . رواه أحمد ومسلم. فمعناه: الحث على صلاة النفل في البيوت؛ لاشتمال الصلاة على القراءة، وأن تعطيلها من الصلاة يجعلها كالمقبرة إذا كانت لا يصلى فيها. (وكلُ قُربة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت حصل له) ثوابها، (ولو جهله الجاعل) أي: جهل الجاعل من جعله له؛ كالدعاء إجماعاً، والاستغفار إجماعاً، وواجب تدخله النيابة إجماعاً، وصدقة التطوع إجماعاً، وكذا العتق. ذكره القاضي وأصحابه أصلاً، وذكره أبو المعالي والشيخ تقي الدين إجماعاً، وصاحب " المحرر " وفاقاً. وكذا حج التطوع خلافاً لما في " المحرر " من ان من حج نفلاً عن غيره وقع عمن حج؛ لعدم إذنه، وكذا القراءة والصلاة والصيام. نقل الكحال: في الرجل يعمل شيئًا من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك ويجعل نصفه لأبيه أو أمه: أرجو. وقال أيضاً: الميت يصل إليه كل شيء من الخير من صدقة أو صلاه أو غيره. والأصل في ذلك قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. و" دعاء النبى ﷺ لأبي سلمة حين مات " (٢) .

стр. 1175

? وما روي عن عبد الله بن العاص بن وائل: " أن العاص نذر في الجأهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، وأن عمر (١) ساًل النبي ﷺ . فقال: أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك " (٢) . رواه أحمد. وما روي عن ابن عباس: " أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أن أمي تُوفِّيت أينفعُها إن تصدقت عنها؛ قال: نعم. قال: فإن لي مَخْرَفاً أُشهدك أّنى تصدقت به عنها " (٣) . رواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي. وماروي عن الحسنين: " أنهما كانا يعتقان عن علي بعد موته ". رواه أبو حفص. و" أعتقت عائشة عن أخيها عبدالرحمن بعد موته ". ذكره ابن المنذر. ونقل المروذي: إذا دخلتم المقابر فاقرووا أية الكرسي وثلاث مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم قولوا: اللهم لِلَّهِ آت فضله لأهل المقابر. يعني: ثوابه. وظاهر قوله (٤) : اللهم لِلَّهِ آت فضله لأهل المقابر: أنه لا يشترط في الإهداء إلى الميت أن يقول: اللهم لِلَّهِ إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، واشترط القاضى ذلك معللاً بأن الثواب قد يتخلف. فلا يحكم على الله.

стр. 1176

وقال المجد (١) : من ساً ل الثواب ثم أهداه كقوله: اللهم لِلَّهِ اثبني على عملي (٢) هذا أحسن الثواب واجعله لفلان كان أحسن. ولا يضر كونه أهدى ما لا يتحقق حصوله من الثواب " لأنه يظنه ثقة بالوعد وحسنا للظن، ولا يستعمل الشك تحسيناً لظنه بربه. ولا يضر في الإهداء كون الثواب مجهولاً " لأن الله سبحأنه وتعالى يعلمه، كمن وكل إنساناً في أن يتصدق عنه بشيء من ماله يعلمه الوكيل فقط فأنه يصح. ذكره القاضي. وهل يشترط في إهداء القربة إلى الميت ان ينويه قبل فعلها؛ وبه جزم الحلوانى في " تبصرته "، أو وقت فعلها، أو يشترط حصول أحد الأمرين؛. وبه صرح ابن عقيل في " مفرداته ". أقول: والأشبه على ما حرره في " الفروع ": أنه لا يشترط في الإهداء ونقل الثواب إلى الميت أن ينويه به ابتداء، لأن اشتراط ذلك للإهداء مخالف لكلام أحمد والأصحاب، ولا وجه له في أثر ولا نظر. وإنما المتجه حصول ثواب القربة للميت ابتداء بالنية له قبل الفعل، وسواء صرح بالإهداء له أو لا، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي حيث قال: ثواب القرآن يصل إلى الميت إذا نواه قبل الفعل ولم يعتبر الإهداء فظاهره عدمه. وفي " الفنون " عن حنبل: يشترط تقدم النية، لأن ما تدخله النيابة (٣) من الأعمال لا يحصل للمستنيب إلا بالنية من النائب قبل الفراغ. وظاهره أيضاً: عدم اعتبار الإهداء في حصول الثواب مع تقدم النية قبل الفعل. والله تعالى أعلم (٤) . والمراد بالقرب التي يصح إهداؤها للميت: ما تطوع به من العبادات البدنية والمالية. فيخرج من ذلك ما لو صلى فرضا وأهدى ثوابه لميت. فإنه لا يصح

стр. 1177

في الأشهر. وقال القاضي: يصح وبَعَّده بعضهم. وحيث علمت حصول الثواب لمن جعل له فالأصح: أن ذلك مستحب. فإن قيل: الإيثار بالدين والفضائل ليس بجائز عندكم فلم جوزتم بل استحببتم للمتقرب إيثار غيره بإهداء ثوابه له؟ فالجواب عن ذلك بما أشار إليه القاضي: حيث قيل له: لم قلتم بجواز ذلك وقد قال أحمد: ما يعجبني ان يخرج من الصف الأول ويقدم أباه، هو يقدر (١) أن (٢) يبره بغير هذا. فقال: وقد نقل عن أحمد أيضاً ما يدل على نفي الكراهة. فنقل أبو بكر بن حماد فيمن يأمره أبوه بتأخير الصلاة ليصلي به قال: يؤخرها. والوجه فيه: أنه قد أمر بطاعة أبيه في ترك صوم النفل وصلاة النفل. وقد نقل هارون: لا يعجبني أن يصوم إذا نهياه. وقد أجاب أبو المعالي أيضاً عن ذلك بنحو جواب القاضي. قال في " الفروع ": وهذا منهما تسوية بين نقل الثواب بعد ثبوته له، وبين نقل سبب الثواب قبل فعله. (وإهداءُ القُرَب مستحب). قال في " الفنون ": ويستحب إهداؤها حتى للنبي ﷺ ، وكذا قال صاحب " المحرر ". وقال الشيخ تقي الدين: لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين، بل كانوا يدعون لهم. فلا ينبغي الخروج عنهم. وذكر ان أقدم من بلغه أنه أهدى للنبي ﷺ : علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين من طبقة أحمد، وشيوخ الجنيد. ويدل لما في المتن من كون الحي في ذلك كالميت ما رواه أحمد من حديث

стр. 1178

أبي رافع: " أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، فلما ذبح أحدهما قال: اللهم لِلَّهِ إن هذا عن أمتي جمعياً من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ " (١) . وهذا يدل على أن أمته أحياءهم وأمواتهم قد نالهم الأجر والنفع بتضحيته، وإلا كان. ذلك عبثاً. وظاهر هذا جواز الصدقة وإهداء الثواب عنهم ولهم إلى يوم القيامة. وما تقدم كله فيمن يأتي بالقرب احتساباً. فأما اكتراء من يقرأ ويهدي ثواب قراءته فقد قال الشيخ تقي الدين: ما علمت أحداً ذكره، ولا ثواب له. فلا شيء للميت. قاله العلماء. انتهى. واحتج من قال بأن ما عدا الواجبات والصدقة والدعاء والاستغفار لا يفعل عن الميت ولا يصل ثوابه إليه بقول الله سبحأنه وتعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وبقول النبي ﷺ : " إذا ماتَ ابنُ آدم انقطعَ عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفعُ به من بعده، أو ولدٍ صالحٌ يدعو له " (٢) . ولأن نفعه لا يتعدى فاعله، ولا يتعداه ثوابه. وقال بعضهم: إذا قرأ القرآن عند الميت وأهدى إليه ثوابه كان الثواب لقارئه، ويكون الميت كأنه حاضرها. فترجى له الرحمة. وأجيب بما تقدم من الأدلة، وبأن الإجماع قائم على إهداء ثواب القراءة. فأنه في كل عصر ومصر يجتمعون ويقروون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من

стр. 1179

غيرنكير. ولأنه قد صح عن النبي " أن الميت يعذب ببكاء أهله " (١) . والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب ثواب القربة عنه. وأما الآية فمخصوصة بما سلمه الخصم من وصول ثواب الواجبات ؤالصدقة والدعاء والاستغفار. فيقاس عليه ما وقع الاختلاف فيه؛ لكونه في معناه. ولا حجة للمخالف في حديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله. . . " (٢) ؛ لأنه إنما دل على انقطاع عمله وليس هذا من عمله. فلا دلالة عليه فيه. ولو دل عليه كان ذلك مخصوصاً بما سلمه فيُعدى إلى ما منعه. وما ذكره (٣) من أن النفع لا يتعدى [فاعله، ولا يتعداه ثوابه: غير صمحيح. فإن تعدي الثواب ليس بفرع لتعدي النفع. ثم هو باطل بالصوم والدعاء والحح. وليس] (٤) له أصل يعتبر به. والله سبحأنه وتعالى أعلم. خاتمة: اختلفت الرواية عن أحمد في موت الفجاءة. والأخبار فيه مختلفة. فورد أنه ﷺ قال: " موت الفجاءة أخذةُ أَسِف " (٥) . أخرجه أبو داود " ورواه أيضاً موقوفاً على عبيد بن خالد الضحاك. والأسف: الغضب، ومنه قوله سبحأنه وتعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وورد: " أنه ﷺ استعاذ من موت الفجاءة " (٦) .

стр. 1180

وذكر المدائني: أن إبراهيم الخليل ﷺ وجماعة من الأنبياء ماتوا فجاءة قال: وهو موت الصالحين، وتخفيف على المؤمنين. قال بعض أهل العلم: يحتمل أن يقال: أنه رفق ولطف بأهل الاستعداد للموت المتيقظين، وأما من له تعلق يحتاج معه إلى الأيصاء والتوبة والاستحلال ممن بينه وبينه معاملة، فالفجاءة في حقه أخذه أسف. وشاهد ذلك: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود وعائشة: " أن موت الفجاءة راحةٌ للمؤمن، وأخْذَةُ أَسِفٍ للفاجر " (١) . ورواه مرفوعاً أيضاً. والله سبحأنه وتعالى أعلم بالصواب. *****

стр. 1181

كتاب الزكاة [الزكاة]: أحد أركان الإسلام ومبانيه المذكورة في قوله ﷺ : " بني الإسلام على خمس- فذكر منها: - وإيتاء الزكاة " (١). واشتقاقها لغة: من زكا يزكو إذا نمى وتطهر. والأصل في هذه التسمية قوله سبحأنه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبه: ١٠٣]. قيل: لأنها تطهر مؤديها من الإثم، لأن التطهير لغة: التنزيه والكف عن الإثم. وتنمي أجرها. وقال الأزهري: لأنها تنمي الفقراء. وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع: اما الكتاب " فقوله سبحأنه وتعا لى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]. وأما السنة، فـ " قوله ﷺ لمعاذ: أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (٢). رواه الجماعة.

стр. 1182

وأما الإجماع؛ فإن الصحابة ومن بعدهم في جمع الأعصار أجمعوا على وجوبها من غير أن يشذ منهم أحد. واختلف العلماء هل فرضت بمكة أم بالمدينة؟ وفي ذلك آيات، واختلفوا في آية الذاريات وهي قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [١٩] [هل المراد به الزكاة] (١) ، أو نصيب يوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى وإشفاقا على الفقراء؟ قال في " الفروع ": ويتوجه أنه الزكاة؛ لقوله في أية سأل ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]. والمعلوم: إنما هو الزكاة لا التطوع. وذكر صاحب " المغني " و " المحرر " وشيخنا: أنها مدنية. ولعل المراد طلبها وبعث السعاة لقبضها فهذا بالمدينة. ولهذا قال صاحب " المحرر ": إن الظواهر في إسقاط زكاة التجارة معأرضة بظواهر تقتضي وجوب الزكاة في كل مال؛ لقوله: و ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] واحتج في أن الصلاة لا يجب على كافر فعلُها، ويعاقب بها بقوله (٢) : ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]. والسورة مكية. مع أن أكثر المفسرين فسروا الزكاة فيها بالتوحيد. انتهى. وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي: أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر. بدليل قول قيس بن سعد بن عبادة: " أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات " (٣) . وفي " تاريخ ابن جرير الطبري ": أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة. وقيل: فرضت قبل الهجرة وبينت بعدها. وأما حد الزكاة في اصطلاح أهل الشرع فهي: (حقُّ واجبٌ في مال خاص) يأتي بيانه في المتن، (الطائفة مخصوصة). وهم الأصناف الثمانية المذكورة في

стр. 1183

قوله سبحا نه وتعا لى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ [الأية] التوبة: ٦٠]. (بوقت مخصوص) وهو تمام الحول فيما يشترط له الحول، وعند اشتداد الحب فيما تجب فيه الزكاة، وعند بدوّ صلاح الثمار فيما تجب فيه منها، وعند استخراج ما تجب فيه الزكاة من المعادن، وعند حصول ما تجب فيه الزكاة من العسل، وعند غروب الشمس من ليلة الفطر؛ لوجوب زكاة الفطر. (والمال الخاص) المذكور في الحد: (سائمة بهيمة الأنعام). وهي: الإبل والبقر والغنم الأهليتان. (و) سائمة (بقر الوحش وغنمه)، لشمول اسم البقر والغنم لهما. (و) سائمة (المتولد بين ذلك وغيره) أي: بين الأهلى والوحشي في الأصح، كالمتولد بين الظباء والغنم، وبين السائمة والمعلوفة. (والخارج من الأرض، و) من (النحل، والأثمان، وعر وض التجارة). ولا تجب الزكاة في غير ما ذكر من الخيل السائمة والرقيق؛ لقوله ﷺ : " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " (١) . ولقوله ﷺ : " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " (٢) . متفق عليه. وفي لفظ: " إلا زكاة الفطر في الرقيق " (٣) . وما روي عن جابر " أن النبي ﷺ قال في الخيل السائمة: في كل فرس ديناًر " (٤) : فيرويه غُورك السعدي وهو ضعيف.

стр. 1184

وما روي عن عمر: " أنه كان يأخذ من الرأس عشرة، ومن الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة ": فشيء تبرعوا به، وعوضهم عنه رزق عبيدهم. كذلك رواه أحمد. ولا يصح قياس ذلك على النَّعَم؛ لكمال نفعها بدمها ولحمها، ووجوب الزكاة في عينها، واعتبار كمال نصابها، وصحة التضحية بجنسها. وسيأتي الكلام على المال الخا ص إن شاء الله تعالى باباً باباً. (وشروطها) أي: شروط وجوب الزكاة (خمسة. وليس منها) أي: من شروط وجوب الزكاة (بلوغ). فتجب في مال الصغير. (و) لا (عقل). فتجب في مال المجنون؛ لعموم " قول النبي ﷺ لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (١) . رواه الجماعة. ولفظة: " الأغنياء " تشمل الصغير والمجنون، كما شملتهما لفظة: " الفقراء ". وروى الشافعي في " مسنده " عن يوسف بن ماهك أن النبي ﷺ قال: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تذهبها- أو لا (٢) تستهلكها- الصدقة " (٣) . ولا يضرنا كونه مرسلاً؛ لأنه عندنا حجة. وقد رواه الدارقطني مسندا من حديث عبدالله بن عمر (٤) . لكن من طرق ضعيفة. ولأنه مذهب جماعة من الصحابة منهم: علي وابن عمر وجابر بن عبدالله وعائشة والحسن بن علي. حكاه عنهم ابن المنذر. وكذلك رواه مالك في " موطئه "، والشافعي في " مسنده " عن عمر (٥) ،

стр. 1185

ورواه الأثرم في " سننه " عن ابن عباس. ولم يعرف لهم مخالف، وقد فعلوه في أوقات مختلفة، واشتهر ولم ينكر (١) فصار كالإجماع. ولأن الزكاة مواساه وهما من أهلها؛ كالمراه. بخلاف الجزية. فإنها لحقن الدم. ودمهما محقون، والعقل للنصرة وليسا من أهلها. إذا علمت ذلك فالأول من شروط وجوب الزكاة: (الإسلام. و) الثانى: (الحرية لا كمالها) في المالك (٢) . (فتجب على مبَّعض بقدر ملكه) أي: ما ملكه بجزئه الحر. (لا كلافر) أي: فلا تجب على كافر؛ لى " قوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوماً أهل كتاب. فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فإن هم اطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (٣) . متفق عليه. فجعل الإسلام شرطاً لوجوب الزكاة. ولأنه أحد أركان الإسلام. فلم تجب على كافر؛ كالصيام. حتى (ولو) كان الكافر (مرتداً)، سواء حكمنا ببقاء الملك مع الردة أو زواله، وفاقاً لأبي حنيفة ومالك. وعنه: تجب على المرتد، لأن الردة لا تزيل ملكه، بل يكون موقوفاً. والأول المذهب. ووجهه: عموم قوله سبحأنه وتعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].

стр. 1186

وقوله ﷺ : " الإسلام يجبُّ ما قبله " (١) . وفي كتاب أبي بكر الصديق: " هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله بها رسوله. فمن سُئِلَها من المسلمين على وجهها فليُعطِها " (٢) . وتخصيص المسلمين بالذكر دليل اختصاصهم بالحكم. ولأن المرتد كافر. فأشبه الأصلي. (ولا رقيق) يعني: أنه لا تجب الزكاة (٣) على رقيق، ولو قلنا أنه يملك بالتمليك وهو رواية. (ولو) كان (مكاتباً)، لأن ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة (٤) . ولما روى جابر بن عبدالله عن النبي ﷺ قال: " ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق " (٥) . رواه الدارقطني. ولأن تعلق حاجة المكاتب إلى فك رقبته من الرق بماله أشدّ من تعلق حاجة الحر المفلس بمسكنه وثياب بذلته. فكان بإسقاط الزكاة عنه أولى وأحرى. (ولا يملك رقيق غيره) أي: غير المكاتب (ولو مُلْك) يعني: أن العبد لا يملك شيئًا، ولو ملّكه سيده أياه على أصح الروايتين. قال أبو بكر: وهو اختياري، وهو ظاهر كلام الخرقي، لأن العبد مال. فلا يملك المال، كالبهائم. فعلى هذا تكون زكاة المال الزكوي الذي صدر فيه صورة تمليك من سيد لعبده على سيده، لأنه لم يخرج عن ملكه. (و) الثالث من شروط وجوب الزكاة: (ملك نصاب) لمسلم حر،

стр. 1187

للنصوص الواردة في ذلك. ولا فرق بين بهيمة الأنعام وغيرها. ولا يشترط كون النصاب تحديداً مطلقاً، بل يكون (تقريباً في أثمان) وهي: الذهب والفضة، (و) في قيم (عروض) التجارة. فتجب الزكاة مع نقص يسير في النصاب، كالحبة والحبتين؛ لأن هذأ لا ينضبط غالباً فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين (١) . وهذا لا يُخِلُّ بالمواساة، لأن اليسير لا حكم له في أشياء كثيرة، كالعمل اليسير في الصلاة، وانكشاف العورة، والعفو عن يسير الدم. فكذا هنا. (و) يشترط كون النصاب (تحديداً في غيرهما) أي: غير الأثمان وعروض التجارة. فلو نقص نصاب الحب والثمر يسيراً أو الماشية واحدة لم تجب. ويشترط كون ملك النصاب (لغير محجور عليه لفلس) ولو قلنا إن الدين لا يمنع الزكاة، كما هو مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وهذا المذهب الذي عليه القاضي والموفق ومن وافقهما؛ لأن المحجور عليه لفلس ممنوع من التصرف في ماله حكماً تشبيها لمنع التصرف الحكمي في هذا بمنع (٢) التصرف الحسي في المغصوب. وإنما وجبت زكاة المغصوب على مالكه إذا قبضه؛ لملكه الرجوع بها على الغاصب؛ لضمأنه ما يجب في (٣) المغصوب من أرش جنايته وزكاته ونحوهما، لكونه ظالماً بغصبه. بخلاف حجر الحاكم. وعند أبي المعالي والأزجي: أن في مال المحجور عليه لفلس روايتي المدين (٤) . إذا علمت ذلك: فمن كان من أهل الزكاة وفي ملكه نصاب فغُصب منه لم تسقط زكاته بغصبه، ولذلك قلت: (ولو) كان المال الذي تجب فيه الزكاة

стр. 1188

(مغصوباً) بيد غاصب، أو بيد من انتقل إليه من الغاصب، أو تالفاً؛ لأنه مال يجوز التصرف فيه بالإبراء منه والحوالة به وعليه (١) ، أشبه الدَّين على المليء. فيزكيه مالكه إذا قبضه لما مضى من السنين على أصح الروايتين. (ويرجع) مالكه (بزكاته) أي: زكاة الما ل المغصوب (على غاصبـ) ـه؛ لنقص المال بوجوب الزكاة فيه وهو بيده؛ كما لو تلف بيده. وكذا لو ضل النصاب عن مالكه، ولهذا قلت: (أو ضالاً) فيزكيه مالكه إذا وجده للحول الذي كان الملتقط ممنوعاً من التصرف فيه وهو حول التعريف، (لا زمن ملك ملتقط) وهو ما بعد حول التعريف؛ لأن الضال يدخل في ملك الملتقط بعد حول التعريف حكماً؛ كالمال الموروث. فيصير كسائر أمواله فيستقبل به حولاً في الأصح ويزكيه (٢) . نص عليه؛ لوجوب الزكاة عليه بالدخول في ملكه من حين مضي حول التعريف. (ويرجع) رب المال الضال إذا وجده عند ملتقطه (بها) أي: بالزكاة (على ملتقط أخرجها) أي: أخرج الزكاة (منها) أي: من اللقطة (٣) . يعني: أن الملتقِط متى أخرج زكاة المال الذي التقطه زمن وجوبها على رب المال - وهو حول التعريف- من عين اللقطة ثم أخذها ربُّها: رجع على الملتقط بما أخرج منها؛ لتعديه بالإخراج لعدم إجزائها عن ربِّها، وإن أخرجها من غيرها لم يرجع على ربها بشيء؛ لما تقدم. (أو غائباً) يعني: أن الزكاة تجب في المال الغائب إذا غلب على ظن ربه بقاؤه؛ كالأَبق من عبيد التجارة إذا غلب على ظن سيده حياته. (لا إن شك في بقائه) بأن شك هل هو حي أو ميت؛ فإن زكاته لا تجب مع الشك.

стр. 1189

(أو مسروقاً، أو مدفوناً منسياً، أو موروثاً جَهلَه) أي: جهل كونه انتقل إليه بالإرث " لعدم علمه بموت مورثه. (أو) علم ان مورثه مات وجهل الموروث عنه وهو ما خلفه (عند من هو) أي: الموروث (ونحوه) أي: ونحو ذلك، كالموهوب قبل قبضه. (ويزكِّيه إذا قدَر عليه) يعني: أنه لا يلزم إخراج زكاة ما تقدم من الغائب، والمسروق، والمدفون المنسي، والموروث المجهول، إلا إذا قدر عليه، ولا زكاة الموهوب إلا إذا قبضه. قال في " الإنصاف " عند قوله في " المقنع ": وفي الدَّين على غير الملي والمؤجَل والمحجور والمغصوب والضائع: روايتان. قال: وكذا لو كان على مماطل، أو كان المال مسروقاً، أو موروثاً، أو غيره أو (١) جهله، أو جهل عند من هو. وأطلقهما في " الفروع " و " الشرح " و " الرعايتين " و " الحاويين " و " المستوعب " و " المذهب الأحمد " و " المحرر ". إحداهما: كالدين على المليء. فتجب الزكاة في ذلك كله إذا قبضه، وهو الصحيح من المذهب. انتهى. (أو مرهوناً) يعني: أن الزكاة تجب في المال المرهون. قال في " الفروع ": ويزكى المرهون على الأصح وفاقاً. (ويخرجها) أي: يخرج زكاة المرهون (راهن منه) أي: من المرهون (بلا إذن) من المرتهن (إن تعذّرَ غيرُه) أي: أن تعذر إخراجها من غير المرهون، بأن يكون ما عدا المرهون من ماله غائباً أو مغصوباً أو نحو ذلك. قال في " الفروع ": كجناية رهن على ربه (٢) . وقيل: منه مطلقاً. وقيل: إن علقت بالعين. وقيل: يزكي راهن موسر.

стр. 1190

(ويأخذ مرتهِن) من راهن (عوض زكاة) أخرجها راهن من الرهن (إن أي سر) راهن بما عدا الرهن، باًن حضر له مال، أو قدر على رفع يد غاصب ماله عنه، أو نحو ذلك. (أو) كان المال الذي تجب فيه الزكاة (ديناً) على موسر أو معسر على الأصح " لما روي عن علي " أنه قال في الدين الظنون قال: إذا كان صادقاً فليزكه (١) إذا قبضه لما مضى " (٢) . وعن ابن عباس نحوه (٣) . رواه أبو عبيد (٤) . قال في " القاموس ": في مادة " ظن " بالمعجمة: وكصَبور، من الديون: ما لا يُدْرَى أيقْضيه آخذُه أم لا. انتهى. ولأن الدين على المعسر يجوز التصرف فيه بالبراءة والحوالة. أشبه الدين على المليء. ولأن ملكه فيه تام. أشبه المودَع المنسي. ولا فرق في انعقاد الحول على الدين بين كون الدين حالأ أو مؤجلاً، لأن تأجيله تكسب واستنماء برضى ربه واختياره. ومحل ذلك: إذا كان الدين (غير بهيمة الأنعام) فأنه لا زكاة فيها على رب الدين وفاقاً " لاشتراط السوم فيها. فإن عينت زكيت كغيرها. (أو) غير (دية واجبة) فإنها لا تزكى وفاقاً، لأنها لم تتعين مالاً زكوياً " ] لأن الإبل في الذمة في الدية] (٥) أصل، أو أحد الأصول الخمسة. (أو) غير (دين سَلَم)، لأنه ممنوع من التصرف فيه بحوالة به أوعليه، أو باعتياض عنه. (ما لم يكَن) دين السلم (أثماناً)، لوجوب الزكاة في عينها.

стр. 1191

(أو) يكون (لتجارة)؛ لوجوب الزكاة في قيمة عروضها. وهذا منها. وحيث قلنا تجب الزكاة في الدين. فأنها تجب (ولو) كان (مجحوداً بلا بينة)؛ لأن جحده لا أثر له في عدم وجوب الزكاة، ولا ضرر على المالك بذلك؛ لأنه لم يجب إخراج (١) زكاته (٢) إلا بعد قبضه. (وتسقط زكاته) أي: زكاة الدين (إن سقط- قبل قبضه- بلا عوض ولا إسقاط). ومن أمثلته: لو أصدق رجل امرأة نصاباً من الأثمان فحال الحول وهو في ذمته لها ثم فسخ النكاح لعيب فيها: سقط الصداق وسقطت زكاته؛ لأنه سقط قبل قبضه من غير عوض عنه ولا إسقاط. وكذا لو تعلق بذمة رقيق دين يبلغ نصاباً وحال عليه الحول ثم ملك رب الدين الرقيق الذي تعلق (٣) دينه بذمته قبل استيفائه: سقط الدين وسقطت زكاته؛ لسقوطه من غير عوض قبل استيفائه ولا إسقاط عن ربه. وكذا لو باع طعاماً مكيلاً بكيلٍٍ أو موزوناً بوزن بمائتي درهم أو عشرين مثقالاً مؤجله في ذمة المشتري وحال عليها الحول، ثم تلف الطعام قبل قبضه، بطل البيع وسقط الثمن وزكاته؛ لسقوطه عن ذمة المشتري، من غير أن يكون عوض ولا إسقاط. وإن كان البائع قد قبض الثمن وحال عليه الحول ثم تلف الطعام، رد البائع الثمن وكانت عليه زكاته؛ كما لو أسلم إليه نصاباً في طعام ثم تعذر عليه بعد حولان الحول وفسخ العقد؛ لأن (٤) الزكاة مواساة، ولا تلزم المواساة في شيء تعذر حصوله. (وإلا) أي: وإن لم يسقط قبل قبضه بلا عوض ولا إسقاط (فلا) تسقط

стр. 1192

زكاته. (فيزكّى) الدين (إذا قُبض، أو أُبرئ منه لما مضى) من السنين. ولا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه، لأن الزكاة إنما وجبت على سبيل المواساة، وليس من المواساة: أن يلزمه إخراج زكاة مال لا ينتفع به. والحوالة بالدين والإبراء منه كقبضه. (ويجزئ إخراجها) أي: إخراج زكاة الدين (قبل) أي: قبل أن يقبضه لزكاة سن ين، ولو قلنا لا يجوز تعجيل الزكاة لأكثر من سنة، لقيام الوجوب على رب الدين. وعدم إلزامه (١) بإخراج زكاة الدين قبل قبضه رخصة في حق رب الدين. (ولو قبض) رب الدين (٢) من دينه (دون نصاب، أو كان بيده) دون نصاب (وبافيه) أي: باقي النصاب (دين أو غصب أو ضال: زكاة) أي: زكى ما قبضه من الدين مما دون النصاب نصا، وزكى أيضاً ما بيده مما دون النصاب وباقيه دين أو غصب أو ضال في الأصح، لأنه مالك لنصاب ملكا تاما. أشبه ما لو كان النصاب كله بيده. (وإن زكّت) المرأة (صداقها كلّه) لحولان الحول وهو في ملكها، (ثم تنصّف) الصداق (بطلاقه) أي: طلاق الزوج: (رجع فيما بقي) من الصداق بعدما وجب فيه من الزكاة، (بكل حقه). فلو أصدقها ثمانين مثقالاً من الذهب ومضى عليها حول فأكثر ثم طلقها قبل الدخول رجع بنصفها كله وهو أربعون، وكانت الزكاة من النصف الباقي لها " لقوله تعالى (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) البقرة: ٢٣٧]. ولأنه يمكنه الرجوع في العين. فلم يكن له الرجوع إلى القيمة، كما لو لم تجب فيه زكاة. (ولا تجزئها زكاتها منه) أي: من الصداق (بعد) أي: بعد طلاقها. يعني: أن الزوج إذا طلقها بعد الحول وقبل الإخراج لم يكن لها أن تخرج الزكاة بعد طلاقها من الصداق، لأن حق الزوج تعلق به على وجه الشركة، والزكاة

стр. 1193

? لا تتعلق به على وجه الشركة. لكن لها أن تخرج الزكاة من غير الصداق، أو يقتسمأنه ثم تخرج الزكاة من حصتها. (ويزكّي مشتر مَبيعاً متعيناً)، كنصاب سائمة متعين، (أو متميزاً)، كدار اشتراها لتجارة تبلغ قيمتها نصاباً، (ولو لم يقبضه حتى انفسخ) البيع (بعد الحول. وما عداهما) أي: عدا المتعين والمتميز من المبيعات فيزكيه (بائع) يعني: أن المبيع غير المتعين، كأربعين شاة موصوفة في الذمة، أو غير المتميز " كنصف مشاعا في زبرة فضة وزنها أربع مائة درهم فيزكيه البائع. (و) الشرط الرابع من شروط الزكاة: (تمام الملك ولو) كان الملك التام (في) شيء (موقوف على معين: من سائمة). نص على ذلك. سواء كانت من غنم أو غيرها " لعموم قوله: " في أربعين شاة شاة " (١) . ولعموم غيره من النصوص. ولأن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه في الصحيح من المذهب. أشبهت سائر أملاكه. (و) كذا لو كان الملك التام في (غلة أرض، و) غلة (شجر) موقوفين. يعني: أنه لو كانت أرض أو شجر موقوفة على معين فحصل له من غلتها نصاب مما تجب الزكاة فيه (٢) وجب عليه إخراجها. نص عليه " لأن الزرع والثمر ليسا وقفا بدليل بيعهما. قال في " الفروع ": وقيل: تجب مع غنى الموقوف عليه. جزم به أبو الفرج والحلوانى وابنه وصاحب " التبصرة "، ولعله ظاهر ما نقله علي بن سعيد وغيره. انتهى. (و) إذا حال الحول على السائمة الموقوفة فإنه) يخرج) زكاتها (من غير

стр. 1194

? السائمة) الموقوفة، ولا يجوز أن يخرج منها لمنع نقل الملك في الوقف. وحيث علمت أن تمام الملك من شروط وجوب الزكاة؛ لأن الملك الناقص ليس بنعمة تامة، وإنما تجب الزكاة في مقابلة النعمة التامة، إذ الملك التام عبارة عما كان بيده لم يتعلق به حق غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، و " فوائده " حاصلة له، (فلا زكاة) على سيد مكاتب (في دين كتابة)؛ لنقص ملكه فيه. ودليل نقصه: أنه لا يستقر في الذمة بحال؛ لعدم صحة الحوالة عليه، وعدم صحة ضمأنه على الأصح؛ لأن المكاتب يملك إبطاله متى شاء بتعجيز نفسه، وامتناعه من الأداء. (و) لا زكاة أيضاً في (حصة مضارب قبل قسمة ولو ملكت بالظهور) في الأصح؛ لنقصان ملكه بعدم استقراره؛ لأنه وقآية لرأس المال. بدليل: أنه لو خسر المال بقدر ما ربح لم يكن للمضارب شيء. ولأنه ممنوع من التصرف في حصته. فلم يكن فيها زكاة؛ كمال المكاتب. ولأن ملكه لو كان تاماً لاختص بربحه؛ كما لو اقتسما ثم خلطا المال. (ويزكِّّّي رب المال حصته) من الربح. نص عليه؛ (كالأصل) تبعا له. فمن دفع إلى رجل ألفاً مضاربةٌ على أن الربح بينهما نصفين. فحال الحول وقد ربح ألفين فعلى رب المال زكاة ألفين. (وإذا أدّاها) أي: أدى رب المال زكاة مال المضاربة (من غيره) أي: من غير مال المضاربة (فرأس المال باق، و) إن أدى زكاة مال المضاربة (منه) فإن الزكاة (تحسب من اصل المال، و) من (قدر حصته) أي: حصة رب المال (من الربح). قال في " الإنصاف " على الصحيح، قدمه في " الفروع ". وقال: ذكره القاضي وتبعه صاحب " المستوعب " و " المحرر " وغيرهما. فينقص ربع عشر رأس المال. انتهى. يعني: مع ربع عشر حصة ر ّب المال من ر بح المال، ولا يصح أن تحسب كلها من رأس المال؛ لوجوب الزكاة على رب المال في حصته من ربحه تبعاً لأصله.

стр. 1195

(وليس لعامل إخراج زكاة تلزم رب المال بلا إذنه). نص عليه فيضمنها. (ويصح شرط كل منهما) [يعني: ويصح أن يشرط رب المال وكذا العامل إن قلنا بالوجوب] (١) (زكاة حصته من الربح على الآخر)؛ لأنه كأنه شرط لنفسه نصف الربح (٢) وثمن عشره. (لا) شرط (زكاة رأس المال أو بعضه من الربح)؛ لأنه قد يحيط بالربح فهو كشرط فضل دراهم. سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح؟ قال: لا. الزكاة على رب المال. (وتجب) الزكاة (إذا نذر الصدقة) أي: على من نذر الصدقة (بنصاب أو بهذا النصاب، إذا حال الحول) بأن يقول: لله عليَّ أن أتصدق بنصاب إذا حال الحول، أو يقول: لله عليَّ أن أتصدق بهذا النصاب إذا حال الحول. فإذا حال الحول (٣) وهو في ملكه وجبت زكاته في الأصح، ويجزئ إخراجها منه. (ويبرأ) رب النصاب (٤) (من زكاة ونذر، بقدر ما يخرج منه) أي: من النصاب الذي نذر الصدقة به، إذا حال الحول (بنيته) أي: بنية رب المال بالإخراج (عنهما) أي: عن النذر والزكاة؛ لكون كل منهما صدقة، كما لو نوى بالصلاة الراتبة والتحية. (لا في) نصاب (معين نذر أن يتصدق به) بأن قال: لله عليَّ أن اتصدق بهذا، أو قال: هو صدقة ولم يقل فيهما (٥) إذا حال الحول. يعني: أنه لا زكاة فيه؛ لزوال ملكه أو نقصه. وعند ابن حامد: تجب. فقال في قوله: إن شفى الله مريضي تصدقت من هاتين المائتين بمائة فشفي ثم حال الحول قبل
следующие страницы →