(أو) يكون (لتجارة)؛ لوجوب الزكاة في قيمة عروضها. وهذا منها.
وحيث قلنا تجب الزكاة في الدين. فأنها تجب (ولو) كان (مجحوداً بلا بينة)؛ لأن جحده لا أثر له في عدم وجوب الزكاة، ولا ضرر على المالك بذلك؛ لأنه لم يجب
إخراج (١) زكاته (٢) إلا بعد قبضه.
(وتسقط زكاته) أي: زكاة الدين (إن سقط- قبل قبضه- بلا عوض ولا إسقاط).
ومن أمثلته: لو أصدق رجل امرأة نصاباً من الأثمان فحال الحول وهو في ذمته لها ثم فسخ النكاح لعيب فيها: سقط الصداق وسقطت زكاته؛ لأنه سقط قبل قبضه من غير عوض عنه ولا إسقاط.
وكذا لو تعلق بذمة رقيق دين يبلغ نصاباً وحال عليه الحول ثم ملك رب الدين الرقيق الذي تعلق (٣) دينه بذمته قبل استيفائه: سقط الدين وسقطت زكاته؛ لسقوطه من غير عوض قبل استيفائه ولا إسقاط عن ربه.
وكذا لو باع طعاماً مكيلاً بكيلٍٍ أو موزوناً بوزن بمائتي درهم أو عشرين مثقالاً مؤجله في ذمة المشتري وحال عليها الحول، ثم تلف الطعام قبل قبضه، بطل البيع وسقط الثمن وزكاته؛ لسقوطه عن ذمة المشتري، من غير أن يكون عوض ولا إسقاط.
وإن كان البائع قد قبض الثمن وحال عليه الحول ثم تلف الطعام، رد البائع الثمن وكانت عليه زكاته؛ كما لو أسلم إليه نصاباً في طعام ثم تعذر عليه بعد حولان الحول وفسخ العقد؛ لأن (٤) الزكاة مواساة، ولا تلزم المواساة في شيء تعذر حصوله.
(وإلا) أي: وإن لم يسقط قبل قبضه بلا عوض ولا إسقاط (فلا) تسقط
стр. 1192
زكاته. (فيزكّى) الدين (إذا قُبض، أو أُبرئ منه لما مضى) من السنين. ولا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه، لأن الزكاة إنما وجبت على سبيل المواساة، وليس من المواساة: أن يلزمه إخراج زكاة مال لا ينتفع به. والحوالة بالدين والإبراء منه كقبضه.
(ويجزئ إخراجها) أي: إخراج زكاة الدين (قبل) أي: قبل أن يقبضه لزكاة سن ين، ولو قلنا لا يجوز تعجيل الزكاة لأكثر من سنة، لقيام الوجوب على رب الدين. وعدم إلزامه (١) بإخراج زكاة الدين قبل قبضه رخصة في حق رب الدين.
(ولو قبض) رب الدين (٢) من دينه (دون نصاب، أو كان بيده) دون نصاب (وبافيه) أي: باقي النصاب (دين أو غصب أو ضال: زكاة) أي: زكى ما قبضه من الدين مما دون النصاب نصا، وزكى أيضاً ما بيده مما دون النصاب وباقيه دين أو غصب أو ضال في الأصح، لأنه مالك لنصاب ملكا تاما. أشبه ما لو كان النصاب كله بيده.
(وإن زكّت) المرأة (صداقها كلّه) لحولان الحول وهو في ملكها، (ثم تنصّف) الصداق (بطلاقه) أي: طلاق الزوج: (رجع فيما بقي) من الصداق بعدما وجب فيه من الزكاة، (بكل حقه). فلو أصدقها ثمانين مثقالاً من الذهب ومضى عليها حول فأكثر ثم طلقها قبل الدخول رجع بنصفها كله وهو أربعون، وكانت الزكاة من النصف الباقي لها " لقوله تعالى (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) البقرة: ٢٣٧].
ولأنه يمكنه الرجوع في العين. فلم يكن له الرجوع إلى القيمة، كما لو لم تجب فيه زكاة.
(ولا تجزئها زكاتها منه) أي: من الصداق (بعد) أي: بعد طلاقها. يعني: أن الزوج إذا طلقها بعد الحول وقبل الإخراج لم يكن لها أن تخرج الزكاة بعد طلاقها من الصداق، لأن حق الزوج تعلق به على وجه الشركة، والزكاة
стр. 1193
?
لا تتعلق به على وجه الشركة. لكن لها أن تخرج الزكاة من غير الصداق، أو يقتسمأنه ثم تخرج الزكاة من حصتها.
(ويزكّي مشتر مَبيعاً متعيناً)، كنصاب سائمة متعين، (أو متميزاً)، كدار اشتراها لتجارة تبلغ قيمتها نصاباً، (ولو لم يقبضه حتى انفسخ) البيع (بعد الحول. وما عداهما) أي: عدا المتعين والمتميز من المبيعات فيزكيه (بائع) يعني: أن المبيع غير المتعين، كأربعين شاة موصوفة في الذمة، أو غير المتميز " كنصف مشاعا في زبرة فضة وزنها أربع مائة درهم فيزكيه البائع.
(و) الشرط الرابع من شروط الزكاة: (تمام الملك ولو) كان الملك التام (في) شيء (موقوف على معين: من سائمة). نص على ذلك. سواء كانت من غنم أو غيرها " لعموم قوله: " في أربعين شاة شاة " (١) .
ولعموم غيره من النصوص.
ولأن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه في الصحيح من المذهب. أشبهت سائر أملاكه.
(و) كذا لو كان الملك التام في (غلة أرض، و) غلة (شجر) موقوفين. يعني: أنه لو كانت أرض أو شجر موقوفة على معين فحصل له من غلتها نصاب مما تجب الزكاة فيه (٢) وجب عليه إخراجها. نص عليه " لأن الزرع والثمر ليسا وقفا بدليل بيعهما.
قال في " الفروع ": وقيل: تجب مع غنى الموقوف عليه. جزم به أبو الفرج والحلوانى وابنه وصاحب " التبصرة "، ولعله ظاهر ما نقله علي بن سعيد وغيره. انتهى.
(و) إذا حال الحول على السائمة الموقوفة فإنه) يخرج) زكاتها (من غير
стр. 1194
?
السائمة) الموقوفة، ولا يجوز أن يخرج منها لمنع نقل الملك في الوقف. وحيث علمت أن تمام الملك من شروط وجوب الزكاة؛ لأن الملك الناقص ليس بنعمة تامة، وإنما تجب الزكاة في مقابلة النعمة التامة، إذ الملك التام عبارة عما كان بيده لم يتعلق به حق غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، و " فوائده " حاصلة له، (فلا زكاة) على سيد مكاتب (في دين كتابة)؛ لنقص ملكه فيه. ودليل نقصه: أنه لا يستقر في الذمة بحال؛ لعدم صحة الحوالة عليه، وعدم صحة ضمأنه على الأصح؛ لأن المكاتب يملك إبطاله متى شاء بتعجيز نفسه، وامتناعه من الأداء.
(و) لا زكاة أيضاً في (حصة مضارب قبل قسمة ولو ملكت بالظهور) في الأصح؛ لنقصان ملكه بعدم استقراره؛ لأنه وقآية لرأس المال. بدليل: أنه لو خسر المال بقدر ما ربح لم يكن للمضارب شيء.
ولأنه ممنوع من التصرف في حصته. فلم يكن فيها زكاة؛ كمال المكاتب.
ولأن ملكه لو كان تاماً لاختص بربحه؛ كما لو اقتسما ثم خلطا المال.
(ويزكِّّّي رب المال حصته) من الربح. نص عليه؛ (كالأصل) تبعا له.
فمن دفع إلى رجل ألفاً مضاربةٌ على أن الربح بينهما نصفين. فحال الحول وقد ربح ألفين فعلى رب المال زكاة ألفين.
(وإذا أدّاها) أي: أدى رب المال زكاة مال المضاربة (من غيره) أي: من غير مال المضاربة (فرأس المال باق، و) إن أدى زكاة مال المضاربة (منه) فإن الزكاة (تحسب من اصل المال، و) من (قدر حصته) أي: حصة رب المال (من الربح).
قال في " الإنصاف " على الصحيح، قدمه في " الفروع ". وقال: ذكره القاضي وتبعه صاحب " المستوعب " و " المحرر " وغيرهما. فينقص ربع عشر رأس المال. انتهى.
يعني: مع ربع عشر حصة ر ّب المال من ر بح المال، ولا يصح أن تحسب كلها من رأس المال؛ لوجوب الزكاة على رب المال في حصته من ربحه تبعاً لأصله.
стр. 1195
(وليس لعامل إخراج زكاة تلزم رب المال بلا إذنه). نص عليه فيضمنها. (ويصح شرط كل منهما) [يعني: ويصح أن يشرط رب المال وكذا العامل إن قلنا بالوجوب] (١) (زكاة حصته من الربح على الآخر)؛ لأنه كأنه شرط لنفسه نصف الربح (٢) وثمن عشره.
(لا) شرط (زكاة رأس المال أو بعضه من الربح)؛ لأنه قد يحيط بالربح فهو كشرط فضل دراهم.
سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح؟ قال: لا. الزكاة على رب المال.
(وتجب) الزكاة (إذا نذر الصدقة) أي: على من نذر الصدقة (بنصاب أو بهذا النصاب، إذا حال الحول) بأن يقول: لله عليَّ أن أتصدق بنصاب إذا حال الحول، أو يقول: لله عليَّ أن أتصدق بهذا النصاب إذا حال الحول. فإذا حال الحول (٣) وهو في ملكه وجبت زكاته في الأصح، ويجزئ إخراجها منه.
(ويبرأ) رب النصاب (٤) (من زكاة ونذر، بقدر ما يخرج منه) أي: من النصاب الذي نذر الصدقة به، إذا حال الحول (بنيته) أي: بنية رب المال بالإخراج (عنهما) أي: عن النذر والزكاة؛ لكون كل منهما صدقة، كما لو نوى بالصلاة الراتبة والتحية.
(لا في) نصاب (معين نذر أن يتصدق به) بأن قال: لله عليَّ أن اتصدق بهذا، أو قال: هو صدقة ولم يقل فيهما (٥) إذا حال الحول. يعني: أنه لا زكاة فيه؛ لزوال ملكه أو نقصه. وعند ابن حامد: تجب. فقال في قوله: إن شفى الله مريضي تصدقت من هاتين المائتين بمائة فشفي ثم حال الحول قبل
стр. 1196
الصدقة: وجبت الزكاة.
(و) كذا لا زكاة في (موقوف على غير معين).، كعلى الفقراء، (أو) موقوف على (مسجد).
قال في " الفروع ": ولا زكاة في وقف على غير معين أو على المساجد والمدارس والربط ونحوها، خلافاً لمالك.
قال أحمد في أرض موقوفة على المساكين: لا عشر، لأنها كلها تصير
إليهم. انتهى.
(و) لا زكاة في (غنيمة مملوكة) إذا كانت أجناساً وفاقاً؛ لأن للإمام أن
يقسم بينهم قسمة تحكم. فيعطي كل واحد منهم من أيّ الأصناف شاء فما (١) تم ملكه على معين. بخلاف الميراث.
(إلا) إن كانت الغنيمة (من جنس) واحد.
قال في " الفروع ": وإن كانت صنفاً فكذلك عند أبي بكر والقاضي.
والأشهر ينعقد الحول عليها (إن بلغت حصة كل واحد نصاباً، وإلا) أي:
وإن لم تبلغ حصة كل واحد نصاباً (انبنى على الخُلطة)، ولا يخرج قبل القبض كالدين. انتهى.
(ولا) تجب الزكاة (في) مال (فيء، و) لا في مال (خمس)، لأن
ذلك يرجع إلى صرفه في مصالح المسلمين.
(و) لا في (نقد موصى به في وجوه بر، أو) نقد (يُشترى به وقف ولو
رَبَح. والر بح كأصل).
قال في " الفروع ": ومن وصى بدراهم في وجوه البر، أو ليشترى بها ما يوقف فاتجر بها الوصي. فربحه مع المال فيما وصى به، ولا زكاة فيهما، ويضمن إن خسر. نقل ذلك الجماعه.
وقيل: ربحه إرث. انتهى.
стр. 1197
?
(ولا) زكاة (في مال من عليه دين ينقص النصاب)، سواء كان النصاب من الأموال الباطنة " كالأثمان وقيم عروض التجارة، أو من الأموال الظاهرة " كالمواشي والحبوب والثمار على الأصح، لما روى السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: " هذا شهر زكاتكم. فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم " (١) . رواه أبو عبيد في " الأموال ".
وفي لفظ: " من كان عليه دين فليقض دينه وليزك بقيه ماله " (٢) . وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فدل على اتفاقهم عليه.
ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة للفقراء، وشكراً لنعمة الغِنى.
والمدين محتاج إلى قضاء دينه، كحاجة الفقراء وأشد. وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لدفع حاجة غيره.
ولا فرق بين الدين الحالّ والمؤجل. ذكره السامري. قال: ولم يفرق أصحابنا، وهو ظاهر ما في " الفروع " وهو قوله.
وعنه: يمنعها الدين الحالّ خاصة. جزم به في " الإرشاد " وغيره.
وعنه: لا يمنع الدين وجوب الزكاة مطلقاً وفاقاً للشافعي.
وعلى المذهب: وهو كون الدين يمنع وجوب الزكاة فأنه يمنع (ولو) كان الدين (كفارة ونحوها)، كنذر، أو كان الدين زكاة من جنس ما وجبت فيه، (أو زكاة غنم عن إبل) (٣) أو غير ذلك من ديون الله تعالى، لأنه دين يجب قضاؤه فمنع كدين الآدمي. وقد قال ﷺ : " دين الله أحق أن يقضى " (٤) . وهذا المذهب.
стр. 1198
?
وقيل: إن دين الله لا يمنع؛ لتعلقها بالعين.
قال في " الفروع " في مسألة هل وجبت الزكاة في العين أو في الذمة: فعلى النص: لو لم يكن له سوى خمس من الإبل ففي امتناع زكاة الحول الثاني لكونها ديناً الخلاف.
وقال القاضي في " الخلاف ": في هذه المسألة: لا تلزمه " لأن أحمد علل في المال بأنه إذا أدى منه (١) نقص فاقتضى ذلك أنه إذا (٢) أدى من الغنم ما يحصل عليه به دين لم يلزمه " لأن الدين يمنع وجوب الزكاة. وحمل كلام أحمد على أن عنده من الغنم ما يقابل الحولين. انتهى.
وعلى المذهب: فيستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله: (إلا ما) أي: إلا ديناً (بسبب ضمان) " لعموم كونه فرع أصل في لزوم الدين. فاختص المنع بأصله " كمن غصب الفاً ثم غصبه منه آخر واستهلكه، ولكل واحد (٣) منهما ألف، فإن الزكاة تمتنع بذلك في ألف الغاصب الثانى دون الأول مع تمكن المالك من مطالبة كل من الغاصبين.
ولأن منع الدين قي أكثر من قدره إجحاف بالفقراء. وتوزيعه على الجهتين لا قائل به فتعين مقابلته بجهة الأصل؛ لترجحها. لا سيما إذا كان الضامن ممن يرجع (٤) إذا أدى؛ لأنه حينئذ يكون في معنى الغاصب الذي [لا قرار] (٥) عليه.
(أو) ديناً بسبب مؤونة (حصاد، أو جذاذ، أو دِيَاس ونحوه).
قال في " الفروع " في باب زكاة الزرع والثمر: ولا ينقص النصاب بمؤونة حصاد ودياس وغيرهما منه؛ لسبق الوجوب.
وقال صاحب " الرعاية ": يحتمل ضده؛ كالخراج. انتهى.
стр. 1199
(ومتى بَرئ) المدين من الدين بأن قضاه من مال مستحدث، أو أبرأه رب الدين منه (ابتدأ حولاً) من حين برئ؛ لأن ما منع وجوب الزكاة منع انعقاد الحول وقطعه. وهذا المذهب.
وعنه: يزكيه وفاقاً لمالك. فيبنى إن كان فى أثناء حول. وبعده يزكيه في الحال.
(ويمنع ارش جناية عبد التجارة، زكاة قيمته)؛ لأنه وجب جبراً لا مواساة (١) . بخلاف الزكاة.
قال في " الفروع ": وجعله بعضهم كالدين.
(ومن له عَرض قُنيةٍ يباع لو أفلس) أي: لو حجر عليه لفلس وعليه دين، والعرض (يفي بدينه)، ومعه مال زكوي (جُعل) الدين (في مقابلة ما معه) من المال الزكوي، (ولا يزكيه) وفاقاً لأبي حنيفة؛ لئلا تختل المواساة.
ولأن عرض القنية كملبوس في أنه لا زكاة فيهما. فكذا فيما يمنعها. وهذا المذهب.
وعنه: يجعل الدين في مقابل العرض ويزكي ما معه من المال الزكوي.
ومحل الخلاف: فيما إذا لم يمكن العرض للتجارة.
(وكذا) أي: وكالمسألة المتقدمة (من بيده ألف، وله) دين (على مَليء الف، وعليه) دين (الف) فإن الدين الذي عليه يجعل في مقابل ما بيده. فلا يزكيه، وأما الدين الذي له فيزكيه إذا قبضه.
(ولا يمنع الدين خُمس الركاز)؛ لأنه لا يشترط له نصاب ولا حول.
(و) الشرط الخامس من شروط وجوب الزكاة: (لأثمان وماشية وعروض تجارة: مُضِيّ حول) عملى نصاب تام، وفاقاً للأئمة الثلاثة، رفقاً بالمالك، وليتكامل النماء فيواسي منه.
стр. 1200
والفرق بين ما ذكر وبين بقية اموال الزكاة: أن الأثمان وعروض التجارة
ترصد للربح، والماشية ترصد للدر والنسل. فاعتبر الحول لكل من ذلك،
لكونه مظنة النماء (١) ، ليكون إخراج الزكاة من الربح فإنه أسهل وأيسر.
ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة ولم تعتبر حقيقة النماء " لكثرة اختلافه،
وعدم ضبطه.
ولأن ما اعتبرت مظنته (٢) لم يلتفت إلى حقيقته، كالحكم مع الأسباب.
ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال. فلا بد لها من ضابط، لئلا يفضى إلى
تعاقب الوجوب في الزمن الواحد فيفنى مال المالك.
اما الزرع والثمار والعسل والمعدِن فهذه نماء في نفسها، تؤخذ الزكاة منها
عند وجودها، ثم لا تجب (٣) فيها زكاة ثانية، لعدم إرصادها للنماء. إلا أن الخارج من المعِدن إن كان من جنس الأثمان وجبت فيه الزكاة عند كل حول، لأنه مظنة للنماء من حيث: أن الأثمان قيم الأموال، ورؤوس مال التجارات، وبها تحصل المضاربة والشركة، وقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]
ينفي اعتبار الحول
في الحبوب والثمار. والمعِدن والعسل والركاز فبالقياس على الحبوب.
(ويُعفَّى فيه) أي: في الحول (عن نصف يوم).
قال في " تصحيح الفروع ": وهو الصحيح. انتهى.
وقيل وعن يوم.
وقيل: ويومين.
وفي " الروضة ": وأيام.
(لكن يستقبل بصداق وأجرة وعوض خلع معيّنين) مَن وجب له الصداق
стр. 1201
المعين، أو الأجرة المعينة، أو عوض الخلع المعين، (ولو قبل قبض) حولاً (من عقد).
قال في " شرح الهداية ": هذا نص أحمد. انتهى.
لثبوت الملك في غير ذلك بمجرد العقد. فينفذ فيه تصرف من وجب له.
(و) يستقبل (بمبهم من ذلك) أي: من صداق وعوض خلع من وجب له
حولاً (من) حين (تعيين)؛ كما لو اصدقها أحد هذين النصابين من الذهب أو الفضة أو السائمة في رجب مثلاً. فلم يعين إلا في المحرم. فأول (١) حوله حين تعيينه، وكذا لو خالعته عليه؛ لأنه لا (٢) يصح تصرف المنتقل إليه فيه قبل تعيينه.
(ويَتبع نتاجَ السائمة) الأصلّ في حوله. وهو الأمات إن كانت نصاباً.
قال في " الفروع ": كذا يقال أُّما ت، وإنما يقال أمهات في بنات آدم فقط.
واستعمل الفقهاء الأمهات في المواشي أيضاً، وهو غلط. كذا ذكره بعضهم.
وقول الفقهاء لغة أيضاً، ويقال في بنات (٣) آدم [امهات. وفيه لغة] (٤) أُّمات. انتهى.
(و) يتبع (ربح التجارة) أيضاً (الأصل) وهو رأس المال (في حوله) أي: في حول أصله: (إن كان) الأصل (نصاباً) لتبع النتاج والربح في الملك حين ملكا بملك الأصل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الأصل نصاباً (فحول الجميع) وهو النتاج والأمات أو رأس المال وربحه (من حين كَمُلَ) النصاب. فلو ملك ثلاثين من الغنم فولدت شيئاً بعد شيء فحول الجميع من حين كملت (٥) أربعين.
стр. 1202
?
ولو ملك ثمانية عشر مثقالاً من الذهب فربحت شيئًا بعد شيء فحولها من حين كملت عشرين مثقالاً.
أما كون نتاج السائمة تابعاً لأماته " فلقول عمر: " اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم " (١) . رواه مالك.
ولقول علي: " عد عليهم الصغار والكبار ". ولا يعرف لهما مخالف.
ولأن السائمة تختلف وقت ولادتها فإفراد كل واحدة يشق. فجعلت تبعاً لأماتها.
ولأنها تابعة لها في الملك فتتبعها في الحول. فلو ماتت واحدة من الأمات فنتجت سخلة انقطع. بخلاف ما لو نتجت ثم ماتت.
وأما ربح التجارة ففي معنى ذلك. فيكون مثله حكماً.
(و) أما (حول صغار) من إبل أو بقر أو غنم فـ (من حين ملك كـ) حول (كبار) على الأصح، لعموم قوله ﷺ : " في خمس من الإبل شاة " (٢) .
ولأن السخال تُعد مع غيرها. فتعد منفردة، كالأمات.
(ومتى نقص) النصاب مطلقاً، (أو بيع) بالبناء للمفعول بيعا صحيحاً ولو مع خيار، (أو أُبدل ما) أي نصاب (تجب) الزكاة (في عينه بغير جنسه)، كإبدال خمسة وعشرين فأكثر من إبل سائمة بثلاثين فأكثر من بقر سا ئمة، أو بأربعين فأكثر من غنم سائمة.
واحترز بقوله: ما تجب في عينه عما تجب في قيمته وهو عروض التجارة.
(لا) إن نقص النصاب أو باعه أو أبذله (فراراً منها) أي: لئلا تجب عليه زكاة: (انقطع حوله) أي (٣) : حول النصاب.
стр. 1203
?
أما كون الحول ينقطع بالنقص والبييع والإبدال لا فراراً من الزكاة؛ فلأن
وجود النصاب في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة وفاقاً.
وأما كون ذلك إذا فعله فراراً من الزكاة لا تسقط؛ فلقوله سبحأنه وتعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠]. ثم عاقبهم الله تعالى بذلك؛ لفرارهم من الصدقة.
ولأنه قصد إسقاط نصيبٍ مَن انعقد سبب استحقاقه. فلم يسقط؛ كما لو طلق (١) امرأته في مرض موته.
ولأنه لما قصد قصداً فاسداً اقتضت الحكمة عقوبته بنقيض قصده؛ كمن قتل
مورثه لاستعجال ميراثه، عاقبه الشرع بالحرمان.
ويستثنى من انقطاع الحول فيما إذا أبدل النصاب بغير جنسه لا فراراً من
الزكاة ما أشير إليه بقوله:
(إلا في) إبدال (ذهب بفضة، وعكسه)؛ كإبدال فضة بذهب؛ لأنه يُضم
بعض كل منها إلى الآخر في تكميل النصاب. فإن الحول لا ينقطع.
(ويُخرج) من وجبت عليه زكاة ذلك (مما معه) عند وجوب الزكاة من
ذهب أو فضة. قدّم ذلك في " الفروع "، ثم قال: وذكر القاضي في " شرح المذهب ": يخرج مما ملكه أكثر الحول.
قال ابن تميم: نص أحمد على مثله. انتهى.
(و) إلا (في اموال الصيارف) يعني: فلا ينقطع الحول بإبدالها؛ لئلا يفضي القول بانقطاع الحول إلى سقوط الزكاة في مال ينمو، ووجوب الزكاة فيما لا ينمو. وأصول الشرع تقتضي العكس.
(لا بجنسه) يعني: أنه لا ينقطع الحول بإبداله نصاب تجب الزكاة في عينه بجنسه. نص عليه؛ لأنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول. فبني حول بدله من
стр. 1204
?
جنسه على حوله، كالعروض.
(فلو أبدله بأكثر زكّاة) أي: زكّى الأكثر (إذا تم حول) النصاب (الأول، كنتاج).
قال أحمد بن سعيد: ساًلت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بضعفها من الغنم، أعليه أن يزكيها كلها أم يعطي زكاة الأصل؟
قال: بل يزكيها كلها (١) على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي، لأن نماءها معها.
قلت: فإن كانت للتجارة.
قال: يزكيها كلها على حديث حماس (٢) .
فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وإن كان عنده مائتان فباعها بمائة فعليه زكاة مائة.
(وإن فرَّ منها) أي: من الزكاة إنسان بالتحيّل على إسقاطها (لم تسقط بإخراج) أي: إخراج النصاب (عن ملكه) في أثناء الحول، ولا بإتلاف جزء من النصاب لينقص (٣) النصاب. فلا تسقط عنه الزكاة، لأن الزكاة أحد مباني الإسلام، ومن أفضل العبادات. فلو قلنا بسقوطها بالفرار منها كان ذلك ذريعة إلى إسقاطها جملة لما بنيت عليه النفوس من الشح.
(و) متى كان إخراج النصاب الذي انعقد سبب استحقاق أهل الزكاة فيه عن ملكه ببيع فأنه (يُزكى من جنس) النصاب (المبيع لذلك الحول) الذي فر من وجوب الزكاة عليه فيه، لأنه (٤) الذي وجبت الزكاة بسببه.
(وإن ادعى عدمه) أي: عدم الفرار من الزكاة (وثَم) بفتح المثلثة (قرينة)
تدل على الفرار: (عُمل بها) أي: بالقرينة. ولم يقبل قوله في عدم الفرار من الزكاة
стр. 1205
(وإلا) أي: وإن لم تكن قرينة (قُبل قولُه) أي: قول المالك أنه لم يقصد بفعله الفرار من الزكاة.
(وإذا مضى) الحول (وجبت) الزكاة (في عين المال) في أصح الروايتين. والمراد بالمال الذي تجب (١) الزكاة في عينه: هو المال الذي لو دفع زكاته منه أجزاته؛ كالذهب والفضة والبقر والغنم السائمة، وما بلغ من سائمة الإبل خمساً وعشرين فصاعداً، وكالحبوب والثمار المتعلقة بها الزكاة، وكالعسل والمعدن من أحد النقدين. وهذا المذهب.
قال في " الفروع ": نقله واختاره الجماعة.
قال الجمهور: هذا ظاهر المذهب، حكاه أبو المعالي وغيره، وفاقاً لأبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي.
وعنه: تجب في الذمة. اختاره الخرقي وأبو الخطاب وصاحب " التلخيص ". انتهى.
ووجه المذهب: قوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعاًرج: ٢٤]. وقوله ص: " فيما سقت السماء العشر " (٢) .
وقوله ﷺ : " في أربعين شاة شاة " (٣) .
وقوله ﷺ : " هاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم " (٤) .
و" في " للظرفية (٥) بطريق الأصالة. و " من " للتبعيض.
ولأن الزكاة حق يسقط بهلاك المال في بعض الأحوال. فأشبه أرش جناية العبد المتعلقة برقبته إذا مات قِنّاً من غير فعل آدمي. وهذا الوصف متفق عليه في الدَّين إذا سقط من غير إبراء ولا عوض، والزرع والثمر إذا تلفا قبل الحصاد
стр. 1206
?
والجذاذ بغير تعد من المالك.
ولأن الزكاة لو وجبت في الذمة دون العين لوجب إخراج زكاة الدَّين قبل قبضه، وزكاة الزرع والثمر قبل جعلهما في الجرين. وبالإجماع: لا يجب ذلك. ولأن الزكاة تختلف باختلاف أجناس المال وصفاته حتى وجب في الجيد والوسط والردئ ما يليق به. فعلم أنها متعلقة بعينه لا بالذمة، تحقيقا لمعنى المواساة فيها. وعكس ذلك زكاة الفطر.
وأما جواز إخراجها من غير عين ما وجبت فلا يمنع تعلقها بالعين " كما قلنا في العبد الجاني إذا فداه سيده، وفي بنت مخاض إذا عدل عنها إلى بنت لبون، وكذلك كون الفقراء لا حق لهم في النماء. بدليل: ما إذا ولدت الأمة (١) الجانية، أو كسب العبد الجاني.
إذا تقرر هذا (ففي نصاب)، كأربعين شاة أو ثلاثين بقرة مثلاً (لم يُزّكَّ) أي: لم تؤد زكاته (حولين أو أكثر زكاة واحدة) أي: زكاة عام واحد، ولو كان يملك مالاً كثيراً من غير جنس النصاب الذي وجبت الزكاة في عينه ولم يكن عليه دين.
قال في " التنقيح ": وإذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما فزكاة واحدة إن قلنا تجب في [العين، وزكاتان إن قلنا تجب في] (٢) الذمة. اطلقه الإمام أحمد.
وقيل: إلا إذا قلنا دين الله يمنيع زكاة واحدة، وعليه الأكتر، وهو أظهر. انتهى.
وقوله: وقيل: هو المعتمد؛ لأن الزكاة تعلقت فى الحول الأول من النصاب بقدرها. فلم تجب فيه فيما بعد الحول الأول زكاة؛ لنقصه عن النصاب. وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة فأنه قال في رواية محمد بن الحكم: إذا كانت الغنم أربعين فلم يأته المصدق عامين فإذا أخذ شاة فليس عليه شيء في الباقي.
стр. 1207
وقال في رواية صالح: إذا كان عند الرجل مائتا درهم فلم يزكها حتى حال عليها حول آخر يزكيها للعام الأول؛ لأن هذه تصير مائتين غير خمسة دراهم. وقال في رجل له ألف درهم فلم يزكها آخر (١) سنتين: تزكى في أول سنة خمسة وعشرين، ثم كل سنة بحساب ما بقي.
(إلا ما زكاته الغنم) أي: إلا ما يجب أن يخرج عنه (٢) غنم (من) نصاب (الإبل)؛ كمن عنده خمس من الإبل سائمة مضى عليها أحوال. فإن لم يكن له مال غيرها في تلك السنين الماضية لم يجب عليه غير شاة واحدة لأول سنة مضى عليها؛ لما تقدم من أن دين الله سبحأنه وتعالى المنقص للنصاب يمنع وجوب الزكاة.
وأما وجوبها في الحول الأول؛ فلأنه لم يكن عليه دين. لكن لما لم يخرجها صارت ديناً في ذمته. فمنعت الوجوب فيما بعد الحول الأول.
وإن كان له مال غير الإبل الخمسة (٣) : (فعليه لكل حول) من الأحوال الماضية (زكاة). نص عليه؛ وذلك لأن الفرض يجب من غير المال المزكى. فلا يمكن تعلقه بعينه.
فعلى هذا لو ملك خمساً وعشرين من الإبل فحالت عليها أحوال فعليه للحول الأول بنت مخاض، وعليه لكل حول بعده أربع شياه، ولو بلغت قيم الشياه الواجبة أكثر من خمس من (٤) الإبل.
(وما زاد على نصاب) مما الزكاة واجبة في عينه، (يُنقص من زكاته كلَّ حول) مضى، (بقدر نقصه بها) أي: بالزكاة؛ لأنها لما وجبت في العين نقص من المال بقدر الزكاة؛ لتعلقها به. فوجب أن لا تجب فيه زكاة؛ لكونه مستحقاً للفقراء. فوجب أن ينقص من الجميع مقدار زكاة النقص الذي تعلقت به الزكاة. فعلى هذا لو كان له أربعمائة درهم من الفضة وجب فيها لحولين مضيا تسعة
стр. 1208
?
عشر درهماً ونصف درهم وربعه؛ لأن تعلق قدر الواجب في الحول الأول بالمال عشرة دراهم فينقصها في الحول الثانى فيبقى ثلاثمائة درهم (١) وتسعون درهما، زكاتها تسعة دراهم ونصف درهم وربعه.
(وتعلُقها) أي: تعلق الزكاة بالنصاب الذى وجبت في عينه (كأرش جناية) أي: كتعلق أرش الجناية برقبة الجانى. (لا كدين برهن) أي: لا كتعلق الدين بالعين المرهونة عليه، (أو بمال محجور عليه) أي: ولا كتعلق دين الغرماء بمال المحجور عليه (لفلس، ولا) كـ (تعلُق شركة) فلا يصير الفقراء شركاء في عين النصاب.
(فـ) يتفرع على ذلك: أن (له) أي: للمالك (إخراجها) أي: إخراج الزكاة (من غيره) أي: من غير النصاب، كما أن لمالك الجانى إعطاء أرش الجناية من غير ثمن الجاني.
(والنماء بعد وجوبها) أي: وجوب الزكاة في عين النصاب اله) أي: للمالك. فلا تتعلق الزكاة بما نتجته السائمة بعد الحول؛ كولد الجانيه. فإنه لا يتعلق به أرش الجناية.
(وإن اتلفه) أي: أتلف النصاب المالك (لزمه ما وجب فيه) أي: في النصاب من الزكاة. (لا قيمته) أي: قيمة النصاب، كذلك لو قتل العبد الجاني مالكه فأنه يلزمه ما وجب بالجناية، لا قيمة العبد.
(وله) أي: ولمالك النصاب الذي وجبت الزكاة في عينه (التصرف) فيه (ببيع وغيره)؛ كهبة وإصداق وسؤال خلع عليه ونحو ذلك.
(ولا يرجع بائع) النصاب (بعد لزوم بيع) فيه (في قدرها) أي (٢) : قدر الزكاة، (إلا إن تعذر غيره) أي: [تعذر على البائع] (٣) إخراج الزكاة من غيره. كذلك لو باع الجاني مالكه ولزم البيع ليس له الرجوع في قدر ما يقابل أرش
стр. 1209
?
الجناية، إلا إن تعذر دفعه من غيره.
(و) متى رجع البائع في قدر الزكاة لتعذر دفعها من غير المبيع كان (لمشتر الخيار) في فسخ البيع، لتبعض (١) الصفقة في حقه.
(ولا يعتبر) لوجوب الزكاة (إمكان أداء) على الأصح. فيجب على مالك نصاب بحولان الحول، وإن لم يتمكن من أدائها، لقول النبي ﷺ : " لا زكاة في مال، حتى يحول عليه الحول " (٢) . فمفهومه وجوبها عليه إذا حال الحول مطلقاً. ولأنها حق للفقير. فلم يعتبر فيها إمكان الأداء " كدين الآدمي.
ولأنه لو اشترط إمكان الأداء لم ينعقد الحول الثانى حتى يتمكن من الأداء. وليس كذلك، بل ينعقد عقب (٣) الأول إجماعاً.
ولأنها عبادة. فلا يشترط لها إمكان الأداء، كبقيه العبادات. فإن الصوم يجب على المريض، والعاجز عن أدئه، وعلى الحائض. والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم، ومن أدرك من أول الوقت جزءاً لا يمكنه الأداء فيه ثم جن أو حاضت المرأة.
(ولا) يعتبر لوجوبها أيضاً (بقاء مال) وجبت في عينه على الأصح " لأن الزكاة عين تلزمه مؤونة تسليمها إلى مستحقها. فضمنها بتلفها في يده " كعارية وغصب ومقبوض بسوم. فرط أو لم يفرط، لأنها حق ادمي، أو مشتملة عليه. فلا تسقط بعد وجوبها، كدين الآدمي.
стр. 1210
?
ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله: (إلا إذا تلف زرع أو ثمر بجائحة قبل حصاد وجذاذ)؛ لأنها من ضمان البائع.
وعبارة الموفق ومن وافقه: قبل الإحراز. وعبارة المجد ومن وافقه: قبل أخذه. وعبارة صاحب " الرعاية ": قبل قطعه.
ولا يضمن زكاة الدين إذا فات بموت المدين مفلساً أو نحوه؛ لعدم تلفه (١) بيده.
(ومن مات وعليه زكاة أُخذت من تركته). نص عليه، وفاقاً للأئمة الثلاثة، ولو لم يوص بها، كالعشر، لقوله ﷺ : " فدين الله أحق بالقضاء " (٢) . ولأن الزكاة حق واجب تصلح الوصية به. فلم يسقط بالموت؛ كدين (٣) الآدمي.
(و) إن وجبت في التركه (مع دين بلا رهن وضيق مال) أي: مال التركة عن الزكاة ودين الآدمي (يتحاصان) أي: يتحاص دين الله ودين الآدمي. نص عليه؛ كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال. وهذا المذهب.
وعنه: يبدأ بدين الآدمي.
(وبه) أي: وإذا كان دين الآدمي به رهن فإنه (يقدم) بالرهن (بعد نذر) بصدقة (بمعين). يعنى: أن النذر بمعين يقدم على الزكاة وعلى الدين، (ثم) يقدم بعد النذر بمعين (أضحية معينة).
قال في " شرح المقنع الكبير " في الأضحية: وإذا عينها ثم مات وعليه دين لم يجز بيعها فيه. سواء كان له وفاء أو لم يكن؛ لأنه تعين ذبحها. فلم تبع في دينه؛ كما لو كان حياً، ويقوم ورثته مقامه في ذبحها وتفرقتها. انتهى.
(وكذا لو افلس حي) وفد نذر الصدقة بشيء معين وعين أضحية وعليه زكاة ودين لآدمي. والله أعلم (٤) .
стр. 1211
[باب: زكاة السائمة]
[السائمة] من بهيمة الأنعام. وهي: الإبل البخاتي، والعراب، والبقر الأهلية والوحشية، والغنم الأهلية والوحشية. وسميت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم. وبدئ بالكلام عليها، اقتداء بكناب الصديق الذي كتبه لأنس رضي الله تعالى عنهما (١) . أخرجه البخاري بطوله مفرقاً.
والسائمة: هي الراعية، يقال: سامت تسوم سوماً إذا رعت، وأسمتها إذا رعيتها. ومنه قوله سبحأنه وتعا لى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
وخصت السائمة بالذكر، للاحتراز عن المعلوفة. فأنه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ويقول: " في كل إبل سائمة. في كل أربعين ابنة لبون " (٢) . رواه أحمد وأبو داود والنسا ئي.
وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : " وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة. . . الحديث، - وفي آخره أيضاً-: وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها " (٣) . فقيَّد بالسوم، وأبدل البعض من الكل، وأعاد المقيد مرة أخرى. وذلك دليل اشتراطه خصوصاً مع اشتماله على مناسبته.
(و) حيث تقرر هذا فإنها (لا تجب) في المعلوفة، ولا تجب في السائمة (إلا فيما لدر ونسل) منها.
стр. 1212
?
قال في " الفروع ": زاد بعضهم: (وتسمين). فلا تجب في سائمة، للانتفاع بظهرها، كالإبل التي تكرى وتؤجر.
(والسوم) الذي تصير به سائمة هو: (أن ترعى المباح أكثر الحول). نص عليه في رواية صالح.
وقيل: كل الحول.
ووجه المذهب: أن علف السوائم يقع في العادة في السنة كثيراً، ووقوعه في جميع فصولها من غير عارض يقطعه أحيانا، كمطر، أو ثلج، أو برد، أو خوف، أو غير ذلك نادر (١) . فاعتبار السوم في كل العام إجحاف بالفقراء، والاكتفاء به في البعض إجحاف بالمُلَاك، وفي اعتبار الأكثر تعديل بينهما، ودفع لأعلى الضررين بأدناهما. وقد ألحق الأكثر بالكل في أحكام كثيرة.
(ولا تشترط نيته) يعني: أنه لا تعتبر نية السوم. وهي قصد الإسامة. (فتجب) الزكاة (في سائمة) سامت (بنفسها)، كما يجب العُشر فيما إذا حمل السيل بذر إنسان إلى أرضه فنبت وصار زرعاً، (أو بفعل غاصبها) يعني: أنه متى غصب إنسان بهائم إنسان وأسامها أكثر الحول فأنه تجب فيها الزكاة " كما لو غصب إنسان حب إنسان وزرعه في أرض ربه فأنه يجب فيه العشر على مالكه. إذا تقرر هذا فإن الزكاة (لا) تجب (في مُعتَلِفة بنفسها، أو بفعل غاصب لها) أي: للبهائم،) او) بفعل غاصب (لعلفها). سواء كان الغاصب للعلف ربها أو غيره. ولو اشترى لها ما تأكله، أو جمع لها من المباح ما تأكله لم تجب الزكا ة.
(وعدمُه) أي: عدم السوم (مانع) من وجوب الزكاة، لأن وجود السوم شرط لوجوب الزكاة في الأصح.
وقيل: عكسه.
قال في " شرح المقنع الكبير ": قولهم السَّوم شرط ممنوع. بل العلف في
стр. 1213
نصف الحول فما زاد مانع، كما أن السقي بكلفة كذلك مانع من وجوب العُشر. انتهى.
يعني: كله لا نصفه.
إذا تقرر هذا (فيصح أن تعجَّل) الزكاة (قبل الشروع فيه) أي: في السوم،
لعدم المانع حينئذ، وهو: وجود العلف في نصف الحول.
(وينقطع السََّوم شرعاً) أي: في حكم الشرع (بقطعها) أي: قطع الماشية
(عنه) أي: عن السوم الشرعي (بقصد قطع الطريق بها) أي: بالماشية (ونحوه)، كأن يجلب عليها خمراً، أو ليأتي امرأة (١) يزنى بها، (كـ) انقطاع (حول التجارة بنية قُنيةِ عبيدها) أي: عبيد التجارة (لذلك) أي: لقطع الطريق، (أو) نية قنية (ثيابها) أي: ثياب التجارة (الحرير للبس محرم) على لابسه.
وأما إن نوى أن يعمل بالسائمة عملاً من حمل أو كراء فأنه (لا) ينقطع حول السوم (بنيتها لعمل قبله) أي: قبل العمل الذي نواها له.
قال في " الفروع ": وجزم جماعة بأن من نوى بسائمة (٢) عملاً لم تصر له قبله. انتهى.
(و) إذا علمت ذلك فإنه (لا شيء في إبل) سائمة (حتى تبلغ خمساً)؛
لقول النبي ﷺ : " ليس فيما دون خمس ذّوْدٍ صدقة " (٣) . وبدئ بالإبل؛ لكونها أعظم النعم قيمة وأجساماً، وأكثر أموال العرب، واقتداء ببداءة الشارع بالإبل حين فرض زكاة الأنعام.
فإذا بلغت خمساً (ففيها شاة) إجماعاً، لقوله ﷺ : " إذا بلغت خمساً ففيها
стр. 1214
شاة " (١) . رواه البخاري.
ويعتبر في هذه الشاة: أن تكون (بصفة غير مَعيبة) ففي إبل كرام سمان شاة كريمة سمينة.
(وفي) الإبل (المعيبة) شاة (صحيحة) بقدر المال (تَنقُص قيمتُها بقدر نقص الإبل)؛ كشاة الغنم.
وقيل: شاة تجزئ في الأضحية.
فعلى المذهب: لو كان عنده خمس من الإبل مراضاً وقد حال عليها الحول فيقال: لو كانت الإبل صحاحاً كانت قيمتها مائة وكانت الشاه التي تجب فيها قيمتها خمسة، وكان نقصها بسبب مرضها عشرين وذلك خُمْس قيمتها لو كانت صحاحاً. فأنه يجب فيها شاة قيمتها أربعة بقدر نقص الإبل، وهو نقص الخمس من قيمة الشاة.
(ولا يجزئ) عن خمس من الإبل (بعير). نص عليه، وفاقاً لمالك، (ولا بقرة، ولا نصفا شاتين) في الأصح. سواء كانب قيمة البعير أو البقرة أكثر من قيمه الشاة أو لم تكن؛ لأن البعير والبقرة غير المنصوص عليه من غير جنسه. فلم يجزئه؛ كما لو أخرج بعيراً أو بقرة عن أربعين شاة.
ولأنها فريضة وجبت فيها شاة. فلم يجزئه غيرها.
ولأن في إخراج نصفي الشاتين تشقيص على الفقراء يلزم منه سوء الشركة الذي شرعت الشفعة لإزالته.
(ثم) إن زاد عدد الإبل على خمسة فأنه يجب (في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين. فتجب) (٢) في عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين (بنت مخاض) إجماعاً.
(وهي) أي: بنت المخاض: (ما تم لها سنة). سميت بذلك؛ لأن أمها
стр. 1215
?
قد حملت. والماخض (١) الحامل. وليس كون أمها ماخضاً شرط. وإنما ذكر تعريفاً لها بغالب حالها؛ كتعريفه الربيبة- بالحجر، وكذلك بنت اللبون.
وأدنى سن يؤخذ في الزكاة من الإبل بنت المخاض وتؤخذ إلى خمس وثلاثين؛ لما روى البخاري بإسناده عن أنس بن مالك " أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كتب له لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ ، والتي أمر الله بها رسوله ﷺ . فمن سئل من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يُعط: في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة. فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أُنثى. فإذا بلغت ستا ًوثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أُنثى. فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل. فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة. فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون أُنثى. فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل. فإذا زادت على العشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها. فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة " (٢) .
(فإن كانت) بنت المخاض (عنده) أي: عند من وجبت عليه إخراج بنت مخاض (وهي) أي: بنت المخاض التي عنده (أعلا من الواجب) الذي عليه فيما بيده: (خُيّر) مالكها (بين إخراجها) عما بيده، (و) بين (شراء ما) أي: بنت مخاض (بصفته) أي: صفة الواجب عليه ويخرجها. ولا يجزئه ابن لبون في هذه الصورة؛ لأن في إبله بنت مخاض صحيحة.
(وإن كانت معيبة أو ليست) بنت المخاض (في ماله: فـ) أنه يجزئه (ذكر) ابن لبون. سمي بذلك، لأنه أمه قد وَضعت فهي ذات لبن. (أو خنثى ولد لبون وهو: ما تم له سنتان. ولو نقصت قيمته) أي: قيمة ابن اللبون
стр. 1216
?
(عنها) أي: قيمة بنت المخاض، لأن في حديث أنس: " فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإن لم يكن فيها ابنة مخاض ففيها ابن لبون ذكر " (١) رواه أبو داود.
(أو حِق) وهو: (ما تم له ثلاث سنين). وتسمى الأُنثى إذا بلغت هذا السن حقة، لأنها استحقت أن يطرقها الفحل، واستحق كل من الذكر والأُنثى إذا بلغ هذا السن أن يحمل عليه ويركب. يعني: أنه يجزئه مع عدم بنت المخاض ابن لبون أو حق.
(أو جذع) بالذال المعجمة وهو: (ما تم له أربع سن ين). سمي بذلك؛ لأنه يجذع إذا سقطت سنه. وهذا أعلا سن تجب في الزكاة.
(أو ثني) وهو: (ما تم له خمس سنين). سمي بذلك؛ لأنه قد ألقى ثنيته.
(و) كان الثني (أولى) بالإجزاء عن بنت المخاض (بلا جبران) في الجميع. ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة السن في غير هذا الموضع. فلا يجزئه أن يخرج عن بنت لبون حقاً ولا عن الحقة جذعاً مع وجودهما ولا عدمهما؛ لأنه لا نص فيهما، ولا يصح قياسهما على ابن اللبون مكان بنت مخاض؛ لأن زيادة سن ابن اللبون على بنت المخاض يمتنع بها من صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه ويرد الماء. ولا يوجد هذا في الحق مع بنب اللبون، لأنهما مشتركان في هذا. فلم ييق إلا مجرد زيادة السن فلم يقابل الأنوثية.
ولأن تخصيصه في الحديث بالذكر دون غيره يدل على اختصاصه بالحكم بدليل الخطاب. وسيأنى في المتن بيان الجبران.
(أو) شاء أن يخرج (بنت لبون) عن بيت مخاض فإن له أن يخرجها (ويأخذه) أي: يأخذ الجبران (ولو وجد ابن لبون) لما سيأتي أن من وجبت عليه مفروضة فعدمها، فأنه إن شاء أخرج سناً أعلا منها وأخذ شاتين أو عشرين
стр. 1217
درهماً، وإن شاء أخرج أعلا وأخذ مثل ذلك من الساعي. إلا أنه لا يجوز أن يخرج أدنى من ابنة مخاض لأنها أدنى سن تجزئ في الزكاة، ولا يخرج أعلا من الجذعة إلا أن يرضى رب المال بإخراجها من غير جبران.
(وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين جذعة. وتجزئ) عن بنت لبون وعن حقة وعن جذعة (ثنية وفوقها) أي: فوق الثنية (بلا جبران)؛ لعدم وروده في الثنية.
(وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماعاً.
(وفي إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون) على الأصح؛ لقول النبى ﷺ : " فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون. والواحدة زيادة (١) .
وقد جاء مصرحاً به " في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ وكان عند آل عمر بن الخطاب " (٢) . رواه أبو داود والترمذي. وقال: هو حديث حسن.
وقال ابن عبدالبر: هو أحسن شيء روي في أحاديث الصدقات. فإن فيه: " فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون ". وهذا صريح لا يجوز العدول عنه.
ولأن سائر ما جعله النبي ﷺ غاية للفرض إذا زاد عليه واحدة تغير الفرض (٣) . كذا هذا.
(ويتعلق الوجوب) بجمع النصاب (حتى بالواحدة التي يتغير بها الفرض.
ولا شيء فيما بين الفرضين). ويسمى ما بين الفرضين العفو والوَقْص والشنَق بالشين المعجمة وفتح النون. ومعنى ذلك: أن الزكاة تتعلق بالنصاب دون العفو على الأصح. وبهذا قال أبو حنيفة والثوري وأبويوسف.
стр. 1218
وقال الليث وزفر ومحمد بن الحسن: تتعلق بهما.
وعن مالك والشافعي كالمذهبين.
ولهذا الخلاف فوائد:
منها: لو كانت له تسع إبل مغصوبة وقلنا تزكى إذا قبضت لما مضى فخلص منها بعير بعد الحول لزمه أن يؤدي عنه خمس شاة على المذهب وتسع شاة على الثانى. واحتج من علق الواجب بالعفو بـ " قول النبى ﷺ في صدقة الإبل: فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض. فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون " (١) . رواه البخاري.
ولأنه حق لله تعالى يتعلق بنصاب من المال. فتعلق به وبالزيادة عليه إذا لم ينفرد بوجوب، كالقطيع في السرقة.
ولنا ما روى ابن عمر في كتاب الصدقة عن النبي ﷺ قال: " وفي الغنم أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائه. [فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين. فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائه] (٢) . فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة " (٣) . رواه أحمد.
وهكذا في كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات إلى عمرو بن حزم (٤) . رواه أبو عبيد في " كتاب الأموال ".
وروى الدارقطني في كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم وكتاب عمر بن الخطاب إلى عماله في صدقة الإبل: " فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعاً وعشرين ومائة. فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك. فليس فيما لايبلغ العشرفيها شيء حتى تبلغ العشر " (٥) .
стр. 1219
?
وروى أبو عبيد (١) في " الأموال " عن يحيى بن الحكم أن النبي ﷺ قال: " إن الأوقاص لا صدقة فيها " (٢) .
وأما خبر أنس فحجة لنا في مواضع منه. فإن قوله فيه: " في أربع (٣) وعشرين من الإبل فما دونها من (٤) الغنم في كل خمس شاة " (٥) : يدل على أن الأربعة والعشرين تتعلق الشياه (٦) الأربع بالعشرين منها.
ولأن العفو مال ناقص عن نصاب يتعلق به فرض. فلم يتعلق به الوجوب.
أصله ما نقص عن النصاب الأول. وعكسه زيادة نصاب السرقة؛ لأنها وإن كثرت لا يتعلق بها فرض مبتداً، وفي مسألتنا لها حالة منتظرة يتعلق بها الوجوب فوقف على بلوغها. والله أعلم.
(ثم تستقر) الفريضة في إبل تزيد على إحدى وعشرين ومائة (في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة).
قال في " الفروع ": هذا المذهب للأخبار منها خبر أنس في البخاري وحديث أبي بكر وفاقاً للشافعي، ولروايته عن مالك. انتهى.
ففي مائة وثلاثين: حقة وبنتا لبون، [وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وابنتا لبون] (٧) ، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون.
(فإذا بلغت) الإبل (ما) أي: عدداً (يتفق فيها الفرضان كمائتين) فإن
стр. 1220
?
فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات (أو أربع مائة) فإن فيها ثمان خمسينات وعشر أربعينات: (خُير) المخرج (بين الحقاق وبين بنات اللبون) لوجود المقتضي لكل واحد من الفرضين. فيخير المالك للأخبار.
قال في " الفروع ": واختاره أبو بكر وابن حامد إجماعاً وجماعة.
قال ابن تميم: والأكثر.
قال صاحب " المحرر ": وقد نص أحمد على نظيره في زكاة البقر ونص أحمد تجب الحقاق، وقاله القاضي في " الشرح "، وهو قول أبي حنيفة على أصله. انتهى.
إلا أن يكون المخرج ولي يتيم أو مجنون من ماله فليس له أن يخرج إلا أدنى الفرضين.
(ويصح) إذا أخرج عن أربعمائة (كون الشطر من أحد النوعين) الذي هو الحقاق، (والشطر من) النوع (الآخر) الذي هو بنات اللبون فيخرج أربع حقاق وخمس بنات لبون، ولا يجوز أن يخرج عن مائتين حقتين وبنتي لبون ونصف لما فيه من التشقيص [الذي لم يرد به الشرع في زكاة السائمة إلا من حاجة، ولذلك جعل لها او قاصاً دفعاً للتشقيص] (١) عن الواجب فيها وعدل فيما دون خمس وعشرين من الإبل عن الجنس إلى الغنم فلا يجوز القول بجوازه مع إمكان العدول عنه إلى فريضة كاملة.
(وإن كان أحدهما) أي: أحد النوعين (ناقصاً لابد له من جبران) بأن كان في ماله أربع بنات لبون، والآخر كاملاً باًن كان في ماله أربع حقاق والمال مائتان: (تعين الكامل) وهو الأربع حقاق؛ لأن الجبران بدل، وهو لا يجوز مع المبدل؛ كالتيمم مع القدرة على استعماله الماء.
(ومع عدمهما) أي: عدم النوعين، (أو عيبهما). أي: عيب النوعين اللذين في المال، (أو عدم) كل سن وجب، (أو عيب كل سن وجب) وله
стр. 1221
أسفل كبنت اللبون والحقة والجذعة: فإن (له العدول إلى ما) أي: سن (يليه من أسفل، ويخرج معه جبراناً، أو) كان له أعلا كبنت المخاض وبنت اللبون والحقة: فإن له أن يعدل (إلى ما يليه من فوق ويأخذ جبراناً)؛ وذلك لما في حديث الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس أنه قال: " ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده، وعنده حقة فأنه تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنة لبون فإنها تقبل منه ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة بنب لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما (١) .
وهذا نص ثابت فلا يلتفت إلى ما سواه.
إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز العدول إلى الجبران مع وجود الأصل لأنه مشروط في الخبر بعدم الأصل.
(فإن عدم ما يليه) أي: عدم السن الذي يلي الواجب؛ كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم السن الذي يليها وهو الحقة (انتقل إلى ما بعده) أي: إلى ما بعد السن الذي يلي الواجب وهو في مثالنا بنت اللبون.
(فإن عدمه) أي: عدم بنب اللبون (أيضاً انتقل إلى ثالث) وهو بنت المخاض. فيخرج من وجبت عليه جذعة بنت مخاض ومعها ثلاث جبرانات. (بشرط كون ذلك) المخرج مع الجبراناًت (في ملكه.
وإلا تعين الأصل) الذي هو الواجب.
(والجبران شاتان أو عشرون درهما) للنمالثا بت في ذلك.
(ويجزئ في جبران) واحد، (و) في (ثان وثالث: النصف دراهم، والنصف شياه) في الأصح؛ كما قلنا في الكفارة له إخراجها من جنسين.
ولأن الشاة مقام عشرة دراهم فإذا اختار إخراجها وعشرة جاز.
стр. 1222
(ويتعين على ولي صغير ومجنون إخراج أَدْوَن مجزئ) مراعاة لحظ غير المكلف.
(ولغيره) أي: غير ولي الصغير والمجنون (دفع سن أعلا إن كان النصاب معيباً) من غير أخذ جبران، ودفع سن أسفل ويعطى الجبران. لا دفع أعلا مع أخذ الجبران، لأن الجبران جعله الشرع وفق (١) ما بين الصحيحين، وما بين المريضين أقل منه. فإذا دفع الساعي في مقابلة ذلك جبراناً كان ذلك حيف على الفقراء، وذلك لا يجوز. وإذا دفعه المالك مع السن الأسفل فالحيف عليه وقد رضي به فأشبه إخراج الأجود من المال. حتى لو كان المخرج ولياً ليتيم لم يجز له ذلك؛ كما لا يجوز إخراج الأجود، وسائر التبرعات.
(ولا مدخل لجبران في غير إبل) وفاقاً؛ لأن النص إنما ورد فيها وليس غيرها في معناها لأنها أكثر قيمة.
ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف صفتها وما بين الفريضتين في البقر. بخلاف ما بين الفريضتين في الإبل. فامتنع القياس فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد دونها لم يجز له.
وإن وجد أعلا منها فإن أحب أن يدفعها متطوعاً بغير جبران قبلت منه. وإن لم يفعل ولم تكن في ماله كلف شراءها.
стр. 1223
?
(فصل) في ذكر زكاة البقر
وهو اسم جنس. والبقرة تقع على الأُنثى والذكر ودخلت الهاء على أنها واحدة من جنس. والبقرات الجمع. والباقر جماعة البقر مع رعاتها. وهي مشتقة من بقرت الشيء إذا شققته لأنها تبقر الأرض بالحراثة.
والزكاة في الأهلية واجبة إجماعاً. وسنده ما روى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه. تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها. كلما نفدت آخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس " (١) . متفق عليه.
(وأقلُّ نصاب بقر أهليه أو وحشية) على الأصح من الروايتين في وجوبها في الوحشية (ثلاثون) لما روى معاذ قال: " أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئًا حتى تبلغ ثلاثين " (٢) .
(وفيها) أي: في الثلاثين (تبيع أو تبيعة. ولكل منهما) أي: من التبيع والتبيعة (سنة) وفاقاً لأبي حنيفه والشافعي.
وقيل: نصف سنة.
وقيل: سنتان.
سمي بذلك لأنه يتبع أمه. وهو جذع البقر الذي استوى قرناه وحاذى قرنه أذنه غالباً.
(ويجزئ مسنٌٌّ) ذكر عن التبيع أو التبيعة.
(و) يجب (في أربعين) من البقر (مسنة. ولها) أي: للمسنة (سنتان) وفاقاً لأبي حنيفة والشافعى.
стр. 1224
?
وقيل: سنة.
وقيل: ثلاث.
سميت بذلك لأنها ألقت سناُ غالباً وهي الثنية.
ولا فرض في البقر غير هذين السنين. والأصل في ذلك ما روى معاذ بن جبل قال: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن. وأمرنى أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة " (١) . رواه الخمسة وقال الترمذي: حديث حسن.
وقال ابن عبدالبر: حديثً ثابتً متصل.
(وتجزئ أُنثى) من البقر (أعلا منها) أي: من المسنة (سناً) عن المسنة.
(لا مسن) ذكر عن المسنة، (ولا تبيعان) عن المسنة على المذهب.
(و) تجب (في ستين) من البقر (تبيعان. ثم) فيما زاد على ذلك (في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. فإذا بلغت ما) أي: عدداً (يتفق فيه الفرضان كمائة وعشرين فكإبل) يعني: أنه إن شاء أخرج ثلاب مسنات. وإن شاء أخرج أربعة أتباع.
لما روى يحيى بن الحكم أن معاذاً قال: " بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن. فأمرنى أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً ومن كل أربعين مسنة. ففرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك وقلت لهم حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقدمت فاًخبرته فأمرنى أن آخذ من كل ثلاثين تبيعاً ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسناً وتبيعاً، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين
стр. 1225
?
ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعاً، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. قال: وأمرنى رسول الله ﷺ أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئاً إلا أن تبلغ مسنة أو جذعاً. وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها " (١) . رواه أحمد في " مسنده ".
(ولا يجزئ ذكر في زكاة إلا هاهنا) وهو التبيع والمسن عن التبيع. أما التبيع فلورود النص فيه. وأما إجزاء المسن عن التبيع فلأنه خير منه.
(و) إلا (ابن لبون وحق وجذع عند عدم بنت مخاض). وتقدم عند الكلام على زكاة الإبل.
(و) إلا (إذا كان النصاب من إبل أو بقر وغنم كله ذكوراً)، لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله.
***
стр. 1226
(فصل) في ذكر زكاة الغنم
(وأقل نصاب غنم أهلية أو وحشية أربعون. وفيها شاة). فلا شيء فيما دون الأربعين إجماعاً.
(و) يجب (في إحدى وعشرين ومائة شاتان) إجماعاً.
(و) يجب (في واحدة ومائتين ثلاث) من الشياه (إلى أربعمائة) على أصح الروايتين؛ لما رواه ابن عمر في كتابه للنبي ﷺ الصدقات الذي عمل به أبو بكر بعده حتى توفي وعمر حتى توفي: " وفي الغنم من أربعين شاة شاةُ إلى عشرين ومائة. فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين. فإذا زادت واحدة (١) ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة. فإذا زادت بعد فليس فيها شيء بعد (٢) حتى تبلغ أربعمائة. فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة " (٣) . رواه الخمسة إلا النسائي. وعنه: في ثلاثمائه وواحدة أربع شياه؛ لما روى أنس عن أبي بكر عن النبي: " وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة. فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائه. فإذا زادت ففي كل مائة شاة " (٤) . رواه البخاري وغيره.
وأجيب عن قوله في حديث أنس بعد النلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة:
أنه يدل على أنه لا شيء في الزيادة إذا نقصت عن مائة. وإنما حدد له حد الوقص
стр. 1227
?
إلى الثلاث مائة لأن منها يستقر حساب الفرض على أن في كل مائة شاة شاة.
(ثم تستقر) الفريضة (واحدة) أي: شاة (عن كل مائة). فعلى المذهب في خمسمائة شاة خمس شياه وفي ستمائة ست شياه وعلى هذا أبداً تستمر الزكاة.
(ويؤخذ من) نصاب (معز ثَنيّ. و) هو ما تم (له سنة. ومن) نصاب (ضأن جذع. و) هو ما تم (له ستة أشهر)؛ لما روى سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله ﷺ قال: " أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز " (١) .
ولأنهما يجزيان في الأضحية فكذا هنا. فإن كان الفرض في النصاب أخذه الساعي، وإن كان فوق الفرض خُيّر المالك بين دفع واحدة منه وبين شراء الفرض فيخرجه.
(ولا يؤخذ) في الصدقة (تيس حيث يجزئ ذكر)؛ لنقصه وفساد لحمه.
(إلا تيس ضراب لخيره برضا ربه). فيلزم الساعي قبوله إذا بذله مالكه حين
يقبل الذكر.
(ولا) يؤخذ في الصدقة (هرمة) وهي البهيمة الكريمة الطاعنة في السن (ولا معيبة لا يضحى بها). نص عليه أي: لا تجزئ في التضحية وفي النصاب ما ليس بهذه الصفة؛ لقوله سبحأنه وتعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. (إلا إن كان الكل كذلك) بأن يكون النصاب كله هرمات أو معيبات؛ لأن الزكاة مواساة. فلا يكلف إخراجها من غير ماله.
(ولا) يؤخذ (الرُّبى وهي التي تربي ولدها) قاله أحمد. وقيل: هي التى تربى في البيت لأجل اللبن.
стр. 1228
?
(ولا) تؤخذ (حامل)، لقول عمر: " لا تؤخذ الربى ولا الماخض " (١) . (ولا) تؤخذ (طروقة الفحل)، لأنها تحلب غالباً.
(ولا) تؤخذ (كريمة) وهي النفيسة " لشر فها.
(ولا) تؤخذ (أكولة) " لقو ل عمر: " ولا الأكولة " (٢) . ومراده السمينة.
(إلا أن يشاء ربها) أي: رب التي لا تؤخذ، لحق المالك لأن ذلك خير المال فلم يجز أخذه بغير رضا مالكه.
(وتؤخذ مريضة من مراض) إن كان النصاب كله مراضاً وتكون وسطاً في القيمة " لقول النبي ﷺ : " إياك وكرائم اموالهم " (٣) .
وقوله: " إن الله لم يسألكم خيره ولم ياًمركم بشره " (٤) رواه أبو داود.
ولأن مبنى الزكاة على المواساة، وتكليف الصحيحه عن المراض إخلالى بالمواساة. ولهذا يؤخذ الواجب في الحيوان والثمار من جنسه.
وقيل: يكلف شراء صحيحة على قدر قيمة المال؛ لقول أحمد: لا يؤخذ إلا ما يجوز في الأضاحي، وللنهى عن أخذ ذات العوار.
وأجيب عن ذلك بأنه محمول على ما إذا كان في النصاب صحيحة.
وعلى المذهب لو كان في النصاب بعض الفريضة صحيحاً أخرج الصحيحة وتمم الفريضة من المراض على قدر المال. ولا فرق في هذا بين الإبل والبقر والغنم.
(و) تؤخذ (صغيرة من صغار غنم). نص عليه وهو الأصح؛ لقول
стр. 1229
?
الصديق رضي الله تعالى عنه: " والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها " (١) . فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق.
ولأنه مال تجب فيها الزكاة من غير اعتبار قيمته. فيجزئ الأخذ من عينه؛ كسائر الأموال. وإنما يتصور كون النصاب صغاراً بأن تبدل الكبار بالصغار في أثناء الحول، أو يكون عنده نصاب من الكبار فتتوالد نصاباً من الصغار ثم تموت الأمات ويحول الحول على الصغار.
وقيل: لا تؤخذ إلا كبيرة بالقسط كما لو كان الصغار من الإبل أو البقر.
(لا) عن صغار (إبل وبقر) يعني: أنه. لا تؤخذ صغيرة من صغار إبل ولا بقر. (فلا يجزئ فصلان، و) لا (عجاجيل)؛ لأن الشارع فرق بين فرض خمس وعشرين وست وثلاثين من الإبل بزيادة السن، وفرق بين فرض ثلاثين وأربعين من البقر بزيادة السن. (فيُقومّ النصاب من الكبار ويُقوّم فرضه ثم تقوّم الصغار ويؤخذ عنها) أي: عن الصغار (كبيرة بالقسط) ليندفع بذلك محذور الإجحاف بالمالك مع المحافظة على الفرض المنصوص عليه.
وقيل: يجزئ إخراج الفصلان والعجاجيل. فيؤخذ من خمس وعشرين من الإبل إلى إحدى وستين واحدة، وفي ست وسبعين ثنتان. وكذا في إحدى وتسعين وفي ثلاثين من البقر عجل، وفي ستين اثنان وفي تسعين ثلاث. وقس عليه. والتعديل بالقيمة مكان زيادة (٢) السن. ولو كانت الإبل أقل من خمس وعشرين صغاراً وجبت في كل خمس شاة ككبار.
(وإن اجتمع) في نصاب (صغار وكبار، وصحاح ومعيبات، وذكور وإناث: لم يؤخذ) ولا يجزئ (إلا أُنثى صحيحة كبيرة على قدر قيمة المالين)
стр. 1230
?
اللذين هما الصغار والكبار أو الصحاح والمعيبات أو الذكور والإناث للنهي عن أخذ الصغير والمعيب والكريمة لقوله: " ولكن من وسط أموالهم " (١) .
ولتحصل المساواة فلو كانت قيمة المخرج إذا كان جميع النصاب كباراً صحاحاً عشرون وقيمة المخرج إذا كان جمع النصاب صغاراً مراضاً عشرة، وكان النصف من هذا والنصف من هذا: وجب إخراج كبيره صحيحه قيمتها خمسة عشر.
ويستثنى من ذلك صورتان أشير إلى إحداهما بقوله: (إلا) شاة (كبيرة مع مائة وعشرين سخلة فـ) أنه (يخرجها) أي: يخرج الكبيرة. (و) يخرج (٢) (سخلة). وأشير إلى الصورة الأخرى بقوله: (و) إلا (صحيحة مع مائة وعشرين معيبة فـ) إنه (يخرجها) أي: يخرج الصحيحة (ومعيبة).
قال في " الإنصاف ": لو كان ماله مائة وإحدى وعشرين شاة والجميع معيب إلا واحدة صحيحة (٣) ، أو كان عنده مائة وإحدى وعشرين شاة والجميع سخال إلا واحدة كبيرة: فإنه يجزئه عن الأول صحيحة ومعيبة، وعن (٤) الثانى شاة كبيرة وسخلة إن وجبت الزكاة في سخال مفردة، وإلا وجبت كبيرة بالقسط.
وهو معنى قولهم: وإن كان الصحيح غير واجب لزم إخراج الواجب صحيحاً بقدر المال. انتهى.
(فإن كان) النصاب (نوعين) من جنس واحد (كبَخاتيّ) واحدها بختي والأُنثى بختية. قال عياض: هي إبل غلاظ ذوات سنامين (وعراب) أي: مع عراب. وهي إبل جرد ملس حسان الألوان كريمة، (أو) كـ (بقر وجواميس، أو) كـ (ضأن ومعز، أو) كـ (أهلية ووحشية) من بقر وغنم: (أخذت الفريضة من أحدهما) أي: من البخاتي أو العراب أو من البقر أو الجاموس أو