قال أبو عبيد: الواطئة السابلة. سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار وكذلك المو طأة (١) .
والأكلة: أرباب الثمار وأهل وهم ممن لصق بهم. والعرية: النخلة أو النخلات توهب للإنسان لياً كل ثمرتها.
وقد روى أبو عبيد بإسناده عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال " ليس في العرايا صدقة" (٢) .
وأما الوصية فقال صاحب " الحاوي " ما يوصي به ارباب الثمار بعد الزكاة. والعرية: ما يفرد للصلاة في الحياة. والنائبة: ما ينوب الثمار من الجوائح. ولأن احتساب ذلك على المالك مع جريان العادة ومشقة تركه فيه إجحاف بهم ولذلك أسقطنا عنهم زكاة ما تلف في هذه الحالة بجائحة لكثرة افات الثمار.
(فإن أبى) الخارص ترك ذلك لرب المال (فلرب المال اكلل قدر ذلك من ثمر) نص عليه.
(و) أكل (من حب العادة وما يحتاجه. ولا يحتسب) ذلك (عليه).
قال أحمد في رواية عبدالله: لا باًس ان يأكل الرجل من غلته بقدر ما يأكل هو وعياله. ولا يحتسب عليه.
(ويكمل به النصاب) أي: بما كان له أن يأكله. ولا يحتسب عليه) إن لم يأكله. وتؤخذ زكاة ما سواه بالقسط) أي: سوى ما ترك أكله مما كان له أن يأكله ولا يحتسب عليه. فلو كان ثمره كله خمسة أوسق ولم يأكل منه شيئا فإنه يكمل النصاب بالربع الذي كان له أن يأكله ولا يحتسب عليه ويؤخذ منه زكاة ما سواه وهو ثلاثة أوسق وثلاثة أرباع وسق.
(ولا يهدي) يعني: أن لرب المال أن يأكل كما تقدم لا أن يهدي.
стр. 1262
قال أحمد في رواية المروذي: وقد ساً له عن فريك السنبل قبل أن يقسم قال:
لا بأس أن يأكل منه صاحبه مما يحتاج إليه. قال: فيهدى للقوم منه. قال: لا. حتى يقسم.
(ويزكي) رب المال إن ترك الخارص شيئا من الواجب (ما تركه خار من الواجب). نص عليه؛ لأن الواجب لا يسقط بترك الخارص إياه.
(و) يزكي رب المال أيضاً (ما زاد على قوله) أي: قول الخارص انه يجيء منه تمر أوزبيب كذا (عند جفاف).
و (لا) يزكي (على قوله) أي: قول الخارص يجيء منه تمر أو زبيب كذا عند جفاف (إن نقص) عما قال الخارص؛ لأنه لا زكاة عليه فيما ليس في ملكه. وإذا ادعى رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملا قبل قوله بغير يمين. وإن لم يكن محتملا؛ مثل: إن إدعى غلط النصف ونحوه: لم يقبل؛ لأنه لا يحتمل. فيعلم كذبه. وإن قال: لم يحصل في يدي إلا كذا قبل قوله؛ لأنه قد يتلف بعضه بافة لا يعلمها. قاله (١) في " شرح المقنع الكبير ".
(وما تلف) من الثمر حال كونه (عنبا او رطبا) وكان تلفه (بفعل مالك) للثمر (او تفريطه) حتى تلف: (ضمن زكاته) أي: زكاة التالف (بخرصه) أي: خرص التالف (زبيبا او تمرا) أي: بما كان يجيء منه تمر أو زبيب لو لم يتلف؛ وذلك لأن المالك يلزمه تجفيف الرطب والعنب إلى أن يصير تمرا وزبيبا. بخلاف ما لو كان المتلف أجنبيا فإنه يضمنه بمثله رطبا وعنبا.
(ولا يخر ص) من الثمار (غير نخل وكرم)؛ لأن النص إنما ورد بخرصها مع كونها مجتمعه في العرودق والعناقيد فيمكن أن يأتي الخرص عليها غالبا. والحاجه إلى أكلها رطبا أشد من غيرها. فيمتنع القياس عليها. ولا خلاف بين العلماء في ان الخرص لا يدخل الحبوب. والله أعلم.
стр. 1263
[فصل: زكاة ناتج الأرض المستعاره ونحوها]
(فصل) في بيان حكم الزرع أو الثمر إذا كان مستعيرا للأرض، أو مستأجرا أو غاصبا. وبيان الأرض العشرية والخراجية وشراء أهل الذمة للأرض من المسلمين.
(والزكاة) فيما إذا استعار إنسان من أهل الزكاة أرضا فزرعها أو غرس فيها ما أثمر ما تجب فيه الزكاة: (على مستعير) دون المعير وفاقاً.
(و) كذا إن كانت الأرض بيده بإجارة فإن زكاة الزرع والثمر تكون على (مستأجر) للأرض (دون مالك)؛ كتاجر استأجر حانوتا فإن زكاة عروض التجارة تكون على مالكها دون مالك الحانوت وفاقاً.
ولأنها زكاة مال فكانت على مالكه كزكاة السائمة.
ولأنه اجتمع مالك الأرض ومالك الزرع. فكان العشر على من له الزرع، كالمعير والمستعير.
ولأن الزكاة من حقوق الزرع. بدليل أنه لا تجب زكاة إن لم تزرع الأرض. وتتقدر الزكاة بقدر الزرع. بخلاف خراج الأرض فإنه من حقوق الأرض فلهذا كان خراج أرض العنوة على من هي بيده وفاقاً.
(ومتى حصد غاصب أرض زرعه) من الأرض المغصوبة (زكاه) غاصبها؛ لاستقرار ملكه عليه.
(ويزكيه) أي: يزير الزرع (ربها) أي: رب الأرض المغصوبة (إن تملكه) أي: تملك رب الأرض المغصوبة زرع الغاصب (قبل) أي: قبل حصده؛] لأن لرب الأرض تملك زرع الغاصب قبل حصده [ (١) بمثل بذرة
стр. 1264
وعوض لواحقه كما ياًتي في الغصب.
(ويجتمع عشر وخراج في) كل أرض (خراجية). نص عليه؛ لعموم قوله (ومما أخرجنا لكم من الأرض) [البقرة: ٢٦٧].
وقوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر " (١) .
وقوله: " يخرص العنب فتؤخذ زكاته زبيبا " (٢) .
إلى غير ذلك من العمومات بالعشر. فالخراج في رقبتها والعشر في غلتها.
ولأن سبب احدهما التمكين من الانتفاع والآخر وجود الماء فجاز اجتماعهما كأجرة المتجر مع زكاة التجارة.
(وهي) أي: الأرض الخراجية ثلاثة أضرب:
أحدها: (ما فتحت عنوة ولم تقسم.
و) الثانية (ما جلا عنها أهل ها خوفا منا.
و) الثالثة: (ما صولحوا) أي (٣) : أهل ها (على انها) أي: الأرض (لنا ونقرها معهم بالخراج) الذي عليها.
ولا زكاة على من بيده أرض خراجية في قدر الخراج إذا لم يكن له مال اخر يقابله.
قال في " منتهى الغاية ": على الصحيح من المذهب.
قال في " الفروع " وفي " المستوعب ": لأنه كدين ادمي. وكذا ذكره الشيخ- يعني: الموفق- وغيره أنه اصح الروايات وأنه اختيار الخرقي لأنه من مؤنة الأرض كنفقه زرعه. انتهى.
فإن كان في غلة الأرض ما لا عشر فيه كالثمار التي لا زكاة فيها والخضروات
стр. 1265
وفيها زرع فيه الزكاة: جعل ما لا زكاة فيه في مقابلة الخراج وزكى ما فيه الزكاة إذا كان ما لا زكاة فيه وافيا بالخراج، وإن لم يكن له غلة إلا ما تجب فيه الزكاة أدى الخراج من غلتها وزكى ما بقي.
قال في " شرح المقنع ": في أصح الروايات.
(و) أما الأرض (العشرية) فخمسة أضرب: احدها: (ما أسلم أهلها عليها كالمدينة ونحوها) كجواثى من قرى البحرين.
(و) الثانية: (ما اختطه المسلمون كالبصرة ونحوها) كمدينة واسط.
(و) الثالثة: (ما صولح أهل ها على أنها) أي: أرضهم الهم بخراج يضرب عليهم كاليمن) أي: كأرض اليمن.
(و) الرابعة: (ما فتح عنوة وقسم) بين الغانمين (كنصف) أرض (خيبر).
(و) الخامسة: (ما أقطعه الخلفاء الراشدون من السواد إقطاع تمليك).
قال أحمد في رواية ابن منصور: والأرضون التي يملكها أربابها ليس فيها خراج مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد لسعد وابن مسعود وخباب. قال القاضي: وظاهره أنه لم يوجب في قطائع السواد خراجا. وهو محمول على أنه أقطعهم منافعها وخراجها، وللإمام ان يسقط الخراج على وجه المصلحة.
قال في " الفروع ": ولعل ظاهر كلام القاضي هذا أنهم لم يملكوا الأرض بل أقطعوا المنفعة وأسقط الخراج للمصلحة. ولم يذكر جماعة هذا القسم من أرض العشر. انتهى (١) .
(ولأهل الذمة شراؤهما) أي: شراء الأرض العشرية والخراجية على.
الأصح فيهما.
стр. 1266
ويكره للمسلم بيعهما او إجارتهما أو إحداهما للذمي؛ لإفضاء ذلك إلى إسقاط عشر الخارج منها. ووجه صحة الشراء على المذهب أن الأرض مال مسلم يجب فيه الحق لأهل الزكاة. فلم يمنع الذمي من شرائه؛ كالسائمة.
(ولا تصير به) الأرض (العشرية) إذا اشتراها الذمي (خراجية) كما لو اشتراها مسلم أو ذمي تغلبي. ودعوى كون العشر من حقوق الأرض ممنوع بل هو من حقوق الزرع ولذلك لا يجب عشر إن لم تزرع.
(ولا عشر عليهم) أي: أهل الذمة بشرائهم الأرض العشرية لأن العشر زكاة وقربة فلا وجه لوجوبه مع الكفر.
وأما إن كان مشتري الأرض تغلبيا وزرعها أوغرس فيها ما حصل منه ما تجب الزكاة فيه كان عليه عشران نص على ذلك في رواية ابن القاسم لكن يصرفان مصرف الجزية لا مصرف الزكاة. وإذا أسلم سقط عنه أحد العشرين وصرف الآخر مصرف الزكاة.
стр. 1267
(فصل) في حكم زكاة العسل
وتضمين أموال العشر والخراج
(و) يجب (في العسل) أي: عسل النحل (العشر). نص على ذلك.
قال الأثرم: سئل أبو عبدالله أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم. أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر. قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به. قال: لا. بل أخذ منهم.
وبهذا قال مكحول وسليمان وربيعه والزهري ويحيى بن سعيد وابن وهب بن موسى والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد وإسحاق بن راهويه والشافعي في القديم. وعليه استقر عمل عمر بن عبد العزيز.
(سواء اخذه) أي: أخذ العسل (من موات) كرؤوس الجبال وسائر الموات (أو) من أرض (مملوكة) عشرية أو خراجية.
وقال أبوحنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة، وإلا باًن كان بأرض خراجية فلا زكاة فيه بناء على أصله في أن العشر والخراج لا يجتمعان.
وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر: لا زكاة في العسل بحال لأنه مائع خارج من حيوان. أشبه اللبن.
قال المجد: وهو القياس لولا الأثر.
قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل حديث يثبت ولا إجماع.
ووجه المذهب ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله ﷺ
كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها " (١) . رواه أبو عبيد والأثرم وابن ماجه.
стр. 1268
وما رواه أبو سيارة المتعي قال: " قلت: يا رسول الله! إن لي نحلا. قال:
فأد العشر. قال: قلت يا رسول الله! احم لي جبلها قال: فحمى لي جبلها " (١) رواه أحمد وابن ماجه.
وفي لفظ لأبي داود والنسائي قال: "جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وكان سأله ان يحمي واديا يقال له سلبة. فحمى له رسول الله صص ذلك الوادي. فلما ولي عمر بن الخطاب كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك. فكتب إليه: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صص من عشر نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء " (٢) .
وروى الأثرم عن أبي ذباب عن ابيه عن جده " أن عمر أمره في العسل بالعشر" (٣) .
ويفارق العسل اللبن أن الزكاة واجبة في أصل اللبن وهو السائمة بخلاف العسل.
стр. 1269
وبأن العسل (١) مأكول في العادة (٢) ، متولد من الشجر، يكال ويدخر.
فأشبه التمر وذلك أن النحل يقع على نور الشجر فيأكله فهو متولد منه.
(ونصابه) أي: نصاب العسل عشرة أفراق. نص عليه أحمد. جمع فرق بفتح الراء؛ لما روي عن عمر " أن ناساساً لوه. فقالوا: إن رسول الله صص اقطع لنا واديا باليمن فيه خلايا من نحل. وإنا نجد ناسا يسرقونها. فقال عمر: إن اديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم ". رواه الجوزجانى.
وهذا تقرير من عمر رضي الله تعالى عنه فيجب المصير إليه.
والأشهر: أن الفرق ستة عشر رطلا عراقيا. فالعشر أفراق: (مائة وستون رطلا عراقية). وهو مكيال معروف بالمدين. ذكره الجوهري وغيره؛ لخبر كعب في الفدية (٣) . فحمل كلام عمر على المتعارف ببلده وهي الحجاز أولى مما سواه، والفرق ستة أقساط. وهي ثلاثة اصع. فتكون اثني عشر مدا.
وقال ابن حامد والقاضي في " المجرد " وجزم به في " المقنع " و" التسهيل " و" المبهج ": أن الفرق ستون رطلا.
والأول المذهب.
(ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمن والترنجبيل والشيرخشك ونحوها كاللاذن وهو طل وندى ينزل على نبت تأكلله المعزى فتتعلق تلك الرطوبة بها) أي: با لمعزى (فتؤخذ) من المعزى.
قال في " الإنصاف ": فائدة: لا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمن والترنجبيل والشيرخشك ونحوها ومنه اللاذن. وهو: طل وندى ينزل على نبت
стр. 1270
تأكله المعزى فتتعلق تلك الرطوبة بها فتؤخذ. قدمه ابن تميم و" الفائق ".
قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلام جماعة لعدم النص وجزم به المصنف في " المغني " والمجد في " شرحه " انتهى.
ووجه ذلك ان الأصل عدم الوجوب. اشبه سائر المباحات من الصيود وثمار الجبال.
وقد تقدم في العسل أن القياس عدم الوجوب فيه لولا الأثر.
(وتضمين أموال العشر و) أموال (الخراج بقدر معلوم باطل) نص أحمد على معنى ذلك. وعلله في " الأحكام السلطانية " وغيرها: بأن ضمانها بقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه في تملك ما زاد وغرم ما نقص. وهذا مناف لموضوع العمالة وحكم الأمانة.
سئل أحمد في رواية حرب عن تفسير حديث ابن عمر " القبالات ربا " (١) .
قال: هو ان يتقبل بالقرية وفيها العلوج والنحل. فسماه ربا أي: في حكمه في البطلان.
وعن ابن عباس " إياكم والربا ألا وهي القبالات ألا وهي الذل والصغار " (٢) .
قال أهل اللغة: القبيل الكفيل والعريف. وقد قبل به يقبل ويقبل قبالة ونحن في قبالته أي: في عرافته. والله أعلم.
стр. 1271
(فصل) في حكم زكاة المعدن
وهو بكسر الدال. سمي به لعدون ما أثبته الله فيه لإقامته يقال: عدن بالمكان يعدن. والمعدن المكان الذي عدن فيه الجوهر ونحوه.
(وفي المعدن) وإن لم ينطبع خلافاً لأبي حنيفة. (وهو) أي: المعدن (كل متولد في الأرض لا من جنسها) اي: جنس الأرض (ولا نبات، كذهب وفضة وجوهر وبلور وعقيق وصفر ورصاصر وحديد وكحل وزرنيخ ومغرة وكبريت وزفت وملح وزئبق وقار ونفط ونحو ذلك) مما يسمى معدنا كالياقوت والبنفش والزبرجد والفيروزج والموميا، واليشم.
وقال القاضى عما يروى مرفوعا " لا زكاة في حجر " (١) : إن صح فهو (٢) محمول على الأحجار التي لا يرغب فيها عادة. فدل على أن الرخام والبرام ونحوهما كحجر المسن معدن. وجزم بمعنى ذلك في " الرعاية " وغيرها.
قال أحمد رحمه الله تعالى: كلما وقع عليه اسم المعدن ففيه الزكاة حيث كان في ملكه أو في البراري.
(إذا استخرج) لعموم قوله : (ومما أخرجنا لكم من الأرض) [البقرة: ٢٦٧].
ولأنه مال لو غنمه أخرج خمسه. فإذا أخرجه من معدن وجبت زكاته، كالذهب والفضة.
وزكاته (ربع العشر من عين نقد) وهو الذهب والفضة (وقيمه غيره) أي: غير النقد. تصرف لأهل الزكاة، لما روي" أن لنبى ﷺ أقطع بلال بن الحارث
стр. 1272
المزني المعادن القبلية. وهي من ناحية الفرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاه إلى اليوم " (١) . رواه أبو داود ومالك في " الموطأ ".
قال أبو عبيد: القبلية بلاد معروفة بالحجاز.
وذكر القاضي في " تعليقه ": أن هذه المعادن في ناحية الحمى من المدينة وهي ناحية السباط.
ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى فكان زكاته كسائر الزكوات. أو نقول حق يجب على المسلم في ماله فأشبه ما ذكرنا ولا يلزم عليه الركاز (٢) لأنه يجب في مال الكافر ولا الكفارات لأنها تجب في الذمة.
ولوجوب الزكاة في المعدن شرطان: اشير إلى أحدهما بقوله: (بشرط بلوغهما) أي: عين النقد وقيمة غيره (نصاباً بعد سبك وتصفية) كالحب والثمر. فلو أخرج ربع عشر ترابه قبل تصفيته وجب رده إن كان باقيا أو قيمته إن كان تالفا. والقول في قدر المقبوض قول الأخذ لأنه غارم. فإن صفاه الاخذ فكان قدر الزكاه أجزأ، وإن زاد رد الزيادة إلا أن يسمح له بها المخرج، وإن نقص فعلى المخرج.
(ولا يحتسب بمؤنتهما) اي: مؤنة السبك والتصفيه في الأصح (ولا مؤنة استخراج).
ومحل ذلك: إن لم يكن دينا. فإن كان دينا احتسب به على الصحيح من المذهب.
الشرط الثانى: ما اشير إليه بقوله: (وكون مخرج من أهل الوجوب) أي:
وجوب الزكاة. فلا تجب على كافر أخرج من معدن نصاباً زكاة لأن مصرف الواجب فيه لأهل الزكاة.
وفي " الإيضاح " لابن هبيرة: في المعدن الخمس يصرف مصرف الفيء وفاقاً
стр. 1273
لأبي حنيفة في أحد قوليه، فهي فيء من الكفار عند ابي حنيفة كالركاز والغنيمة، مع ان الشارع غاير بينهما في قوله: " المعدن جبار وفي الركاز الخمس " (١) .
قال القاضي وغيره: اراد بقوله: المعدن جبار إذا وقع على الأجير شيء وهو يعمل في المعدن فقتله: لم يلزم المستاًجر شيء.
ولا يشترط لوجوب الزكاة في النصاب إخراجه في دفعة واحدة [مطلقا؛ لأنا لو اعتبرنا ذلك لأدى إلى عدم الوجوب فيه لأنه يبعد استخراج نصاب دفعة واحدة] (٢) . بل تجب الزكاة في النصاب (ولو) استخرجه (في دفعات) كثيرة (لم يهمل العمل بينها) أي: بين الدفعات (بلا عذر) كمرض وسفر وإصلاح آلة ونحوها مما جرت به العادة كالاستراحة ليلا أو نهارا أو اشتغاله بتراب يخرج بين النيلين- يعني: الإصابتين- أوهرب عبيده.
(أو) كان له عذر ولم يهمل العمل (بعد زواله ثلاثة أيام). وأما إن إهمل العمل ثلاثة أيام من غير عذر فلكل مرة حكم نفسها.
(ويستقر الوجوب) أي: وجوب الزكاة (بإحرازه). فلا تسقط الزكاة بتلف النصاب بعد الإحراز.
إذا تقرر هذا (فما باعه) مما أحرزه من المعدن (ترابا) من غير تصفية وقد بلغ ما فيه نصاباً: (زكاه كتراب صاغة). فيجوز بيع تراب المعدن وتراب الصاغة بغير جنس ما فيه. نص عليه. وبه قال الحسن والنخعي وألليث وربيعة. وعنه: المنع. وبه قال الشافعي؛ لأن المقصود بالبيع مجهول مستتر. فهو كبيع الثوب في الكم.
والأول المذهب. ووجهه: أن تراب المعدن مستور بما هو من اصل الخلقة. فلم يمنع بيعه معه؛ كالجوز واللوز والفستق والبندق ونحو ذلك في قشره. ولا يلزم عليه في اللبن في الضرع لأنه يجوز بيعه مع الشاة كما اجزنا بيع التبر مع التراب. وإذا ثبت هذا في تراب المعدن قسنا عليه تراب الصاغة لعلة أنه
стр. 1274
لا يمكن تمييزه عن ترابه إلا في ثانى الحال بكلفة ومشقة فأشبه ما ذكرنا. ولذلك احتملت جهالة أخلاط المركبات كالمعاجين ونحوها وجهالة أساسات الحيطان وما يستره التجصيص والتطيين وإن كان معظم المقصود الحاجة.
(و) المعدن (الجامد المخرج من) أرض (مملوكة لربها) أي: لرب الأرض. سواء اخرجه هو أو غيره لأنه يملكه بملك الأرض. (لكن لا تلزمه زكاته حتى يصل إلى يده) كمدفون منسي.
(ولا تتكرر زكاة معشرات) لأنها غير مرصدة للنماء فهي كعرض القنية بل أولى لنقصها بالأكل ونحوه.
(ولا) تتكرر أيضاً زكاة (معدن غير نقد) أي: غير ذهب أو فضة؛ لأن ما سواهما عرض مستفاد من الأرض. فلم تتكرر زكاته؛ كالمعشرات.
(ولا يضم جنس) من المعادن (إلى) جنس (اخر في تكميل نصاب) كبقية الأموال الزكوية.
(غيره) أي: غير النقد. فيضم الذهب إلى الفضة على الأصح؛ كما لو لم يستخرجهما من معدن.
(ويضم ما) أي: مستخرج (تعددت معادنه) اي: اماكن استخراجه (واتحد جنسه) كزرع الجنس الواحد في أماكن متعددة.
(ولا زكاة في) شيء اصابه إنسان من أهل الزكاة من (مسك وزباد) ولو بلغت قيمتة نصاباً. (ولا) على الأصح فيما أصاب من (مخرج من بحر كسمك ولؤلؤ ومرجان) هو نبات حجري متوسط في خلقته بين النبات والمعدن. ومن خواصه أن النظر إليه يشرح الصدر ويفرج القلب. ولا في عنبر ونحوه من جميع ما يلقيه البحر؛ لأن الأصل عدم الوجوب. والغالب وجوده من غير مشقة بخلاف المعدن.
ولأن العنبر كان يخرج على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه ولم يثبت عنه ولا عنهم فيه سنة. فوجب البقاء على أصل عدم الوجوب؛ كما في سائر المباحات.
стр. 1275
(فصل) في أحكام الركاز
(الركاز: الكنز من دفن الج أهل ية) بكسر الدال أي: مدفون الج أهلية.
(أو) دفن (من تقدم من كفار في الجملة). سمي ركازاً من الركوز وهو التغييب. ومنه ركزت الرمح إذا غيبت أسفله في الأرض، ومنه الركز (١) وهو الصوت الخفي. ويلتحق بالمدفون في الحكم ما يوجد على وجه الأرض كما سيأتي في المتن.
وكان (عليه) كله (او على بعضه علامة كفر فقط) أي: دون علامة الإسلام.
(وفيه) أي: في الركاز إذا وجد (ولو) كان (قليلا) اي: دون النصاب (أو) كان (عرضا) أي: غير نقد: (الخمس) على واجده من مسلم وذمي وكبير وصغير وعاقل ومجنون وحر ومكاتب، لعموم قوله ﷺ فيما روى أبوهريرة عن رسول الله ﷺ انه قال: " وفي الركاز الخمس " (٢) . متفق عليه.
قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف هذا الحديث إلا الحسن فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب. فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة.
وهذا الخمس (يصرف مصرف الفيء المطلق للمصالح كلها) على الأصح نص على ذلك في رواية محمد بن الحكم وفاقاً لأبي حنيفه، لما روى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي " أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارجا (٣) من المدينة.
стр. 1276
فأتى بها عمر بن الخطاب فأخذ منها مائتى دينار ودفع إلى الرجل بقيتها. وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة. فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك " (١) .
ولو كان الخمس زكاة خص به أهل الزكاة.
ولأن ذلك يجب على الذمي، والزكاة لا تجب عليه.
ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكفار أشبه خمس الغنيمه.
قال في " شرح الهداية ": وهذه الرواية أقيس في المذهب.
(وبافيه لواجده) لما تقدم من (٢) فعل عمر. حتى (٣) (ولو) كان واجده (اجيرا) لنقض حائط أو حفر بئر أو نحو ذلك على الأصح.
(لا) إن كان أجيرا (لطلبه) أي: طلب الركاز؛ لأنه (٤) نائب مستأجره فيكون لمستاًجره.
(او مكاتبا أو مستأمنا) يعني: أن الركاز يكون لواجده ولو كان مكاتبا او مستأمنا وتقدمت الإشارة إلى ذلك. وإن كان قنا كان لسيده.
وسواء وجده (بدارنا) أي: دار الإسلام (مدفونا بموات، أو شارع، أو) في (أرض منتقلة إليه) أي: إلى الواجط ولم يدعه المتنقله عنه (أو) في أرض (لا يعلم مالكها، او علم) مالكها (ولم يدعه) أي: يدع الركاز مالك الأرض: فإن الركاز يكون لواجده في هذه الصور على الأصح؛ لأن الركاز ليس من أجزاء الأرض بل هو مودع فيها. فهو كالصيد يملكه من يظفر به. ومحل ذلك ما لم يدعه مالك الأرض.
(ومتى ادعاه) أي: ادعى الركاز مالك الأرض، (أو) ادعاه (من انتقلت
стр. 1277
عنه) الأرض (بلا بينة ولا وصف: حلف واخذه) اي: أخذ الركاز من واجده لأن يد مالك الأرض على الركاز، ويد من انتقلت عنه الأرض كانت عليه بكونها على محله.
ومتى دفع إلى مدعيه بعد ان اخرج واجده خمسه باختياره غرم بدل خمسه لمدعيه.
(او ظاهراً) يعني: أن الركاز يكون لواجده ولو وجده على ظهر الأرض (بطريق غير مسلوك، او خربة بدار إسلام، او) بدار (عهد، أو) بدار (حرب. وقدر) واجد الركاز (عليه وحده، او) قدر عليه (بجماعة لا منعة لهم) لأن المالك لا حرمة له. أشبه ما لو وجده بموات. وإن لم يقدر عليه إلا بجماعة لهم منعة كان غنيمة يعطى حكمها لأن قوتهم أوصلتهم إليه. فكان غنيمة، كالمأخوذ با لحرب.
(وما) وجد على الصفة المتقدمة من مال وقد (خلا من علامة) عليه للكفار من أسماء ملوكهم او صورهم أو صورة أصنامهم أو صلبانهم أو نحو ذلك (او كان على شيء منه علامة المسلمين: فلقطة)؛ لأنه مال مسلم لم يعلم زوال ملكه عنه. وتغليبا لحكم دار الإسلام.
(وواجدها) أي: واجد اللقطة (في) أرض (مملوكة احق) باللقطة (من مالك) الأرض. فيملكها واجدها بعد التعريف. (وربها) أي: رب الأرض المملوكة (أحق بركاز ولقطة) فيها (من واجد متعد بدخوله) في الأرض المملوكة.
(وإذا تداعيا دفينة) وجدت (بدار مؤجرها ومستأجرها) كل يدعيها لنفسه (ف) هي (لواصفها) منهما (بيمينه): اما كونها لواصفها لوجوب دفع اللقطة لمن وصفها. واما كونه بيمينه فلاحتمال صدق الآخر في دعواه إياها.
والله أعلم.
стр. 1278
[باب: زكاة الأثمان]
هذا (باب) في حكم زكاة الذهب والفضة وما يباج استعمالهما فيه.
(زكاة الأثمان وهي الذهب والفضة) أي: القدر الواجب فيهما: (ربع عشرهما). والأصل في وجوب الزكاة في الذهب والفضة الكتاب والسنة والإجماع.
وسنده من الكتاب قوله : (والذين يكنزون الذهب والفضه ولاينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) [التوبة: ٣٤].
ومن السنة ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار يحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد " (١) . أخرجه مسلم. إلى غير ذلك من الأحاديث.
ويعتبر لهما النصاب إجماعا.
(واقل نصاب ذهب عشرون مثقالا) وفاقاً للأئمة الثلاثة، لما روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة " (٢) . رواه أبو عبيد.
(وهي) أي: وزنة العشرين مثقالا (ثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم إسلامي. و) هي أيضاً (خمسة وعشرون) دينارا (وسبعا دينار وتسعه) اي: تسع دينار (ب) الدينار (الذي زنته درهم وثمن) أي: ثمن درهم (على التحديد. و) أما (المثقال) فزنته بالدراهم (درهم وثلاثة أسباع درهم. و)
стр. 1279
زنته (بالدوانق ثمانية وأربعة اسباع) دانق.
(و) زنته (بالشعير المتوسط ثنتان وسبعون حبة) من الشعير.
(و) أما (الدرهم) الإسلامي فزنته بالمثاقيل (نصف مثقال وخمسه) أي:
خمس مثقال. [فتكون العشرة من الدراهم سبعة من المثاقيل] (١) .
(و) زنته بالدوانق (ستة دوانق. وهي) أي: الستة دوانق (خمسون) حبة من الشعير (وخمسا حبة. و) أما (الدانق) فهو (ثمان حبات) من الشعير (وخمسان) أي (٢) : خمسا حبة.
(وأقل نصاب فضة مائتا درهم) إسلامي إجماعا، لقول النبي ﷺ " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " (٣) . متفق عليه.
والأوقية: أربعون درهما.
(وترد الدراهم الخراسانية وهي دانق او نحوه) اي: نحو الدانق. (و) الدراهم (اليمنية وهي دانقان ونصف. و) الدراهم (الطبرية وهي اربعة) من الدوانق. (و) الدراهم (البغلية) منسوبة إلى ملك يسمى رأس البغل.
(وتسمى السوداء وهي ثمانية) من الدوانق: (إلى الدرهم الإسلامي). يقال أن الدراهم كانت في صدر الإسلام صنفان: سوداء الدرهم منها ثمانية دوانق.
وطبرية الدرهم منها أربعة دوانق. فجمعتها بنو أمية في زمن عبد الملك بن مروان وجعلوا الدرهم ستة دوانق.
قال أحمد في رواية المروذي: وذكر له دراهم باليمن صغار. الدرهم منها دانقان ونصف. فقال: ترد إلى المثاقيل.
وقال في رواية الميمونى: وقد سأله عمن عنده شيء وزنه درهم سواء وشيء وزنه دانقان وهي تخرج في مواضع ذا مع وزنه وذا مع نقصانه على الوزن سواء. فقال: يجمعها جميعها ثم يخرجها على سبعة مثاقيل.
стр. 1280
وقال في رواية الأثرم: قد اصطلح الناس على دراهمنا ودنانيرنا هذه.
والدنانير لا اختلاف فيها. فيزكي الرجل المائتي درهم من دراهمنا هذه. فيعطي منها خمسة دراهم.
وساًله محمد بن الحكم عن الدراهم السود. فقال: إذا حلت الزكاة في مائتين من دراهمنا هذه أوجبت فيها الزكاة.
وقد قال صاحب " الشفاء " المالكي: لا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي صص. وهو يوجب الزكاة في أعداد منها. وتقع بها البياعات والأنكحة كما في الأخبار الصحيحة.
وهو يبين أن قول من يزعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبدالملك فإنه جمعها برأي العلماء، وجعل وزن الدرهم ستة دوانق: قول باطل.
وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام وعلى صفة لا تختلف. فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه. فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم.
وفي " شرح مسلم ": قال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على هذا التقدير أن الدراهم ستة دوانق. ولم تتغير المثاقيل قبل في الج أهلية والإسلام. (ويزكى مغشوش) من ذهب وفضة (بلغ خالصه نصابا). نقل حنبل في دراهم مغشوشة ولو خلصت نقصت الثلث أو الربع لا زكاة فيها لأن هذه ليست بمائتين مما فرض رسول الله ﷺ . فإذا تمت ففيها الزكاة.
(فإن شك) مالك المغشوش (فيه) أي: في بلوغ قدر ما في المغشوش من الذهب والفضة نصاباً (سبكه) أي: سبك المغشوش ليعلم قدر ما فيه، (أو استظهر) أي: او (١) احتاط (فأخرج) من الذهب والفضة (ما يجزئه) إخراجه (بيقين).
وإن أخرج من عين المغشوش ما تيقن أن فيما أخرجه منه قدر الزكاة أجزأه.
стр. 1281
ومتى ادعى رب المال انه علم الغش أو أنه استظهر وأخرج الفرض قبل منه بغيريمين.
(ويزكى غش بلغ بضم نصابا) بأن كان غش الذهب فضة وعنده اربعمائة درهم فيها ذهب ثلاث مائة وفضة مائة. وعنده من الفضة غير ذلك مائة درهم: فيكون عليه زكاة الغش الذي في الذهب مضموما إلى المائة وقدر ذلك خمسة دراهم.
(او بدونه) أي: بدون ضم (كخمسمائة درهم فيها ذهب ثلاثمائة وفضة مائتان): فيكون عليه زكاة المائتي درهم الفضة التي هي غش في الخمسمائة. (وإن شك من أيهما) أي: من أي: النقدين (الثلاثمائة) هل الثلاثمائة من الذهب أو من الفضة؟ (استظهر فجعلها ذهبا) وأخرج زكاة ثلاثمائة درهم من الذهب ومائتي درهم من الفضة.
(وإن زادت قيمة مغشوش بصنعة الغش وفيه) أي: في المغشوش (نصاب) تام من احد النقدين: (اخرج ربع عشره) أي: عشر النصاب الذي زادت قيمته بغشه بأن صارت العشرين مثقالا تساوي اثنين وعشرين مثقالا بسبب الغش فيكون عليه إخراج ربع عشرها مما قيمته كقيمتها لأن عليه إخراج زكاة المال الجيد الصحيح من جنسه بحيث لا ينقص عن قيمته (كحلي الكراء إذا زادت قيمته بصناعته).
وإن لم يكن فيه نصاب فلا زكاة فيه لأن زيادة النقد بالصناعة والضرب لاتكمل بعض نصابه في القدر.
(ويعرف غشه) اي: غش المغشوش إذا كان الغش فضة في ذهب (بوضع ذهب خالص وزنه) أي: وزن جملة المغشوش (بماء) [اي: في ماء] (١) (في إناء اسفله) اي: اسفل الإناء (كأعلاه) اي: مثل اعلاه. ثم يرفع الذهب (ثم) يوضع (فضة وزنه) أي: وزن المغشوش (وهي) أي: الفضة
стр. 1282
(أضخم) من الذهب ثم يرفع (ثم) يوضع (مغشوش) ثم يرفع.
(ويعلم عند كل) من الذهب والفضة والمغشوش (علو الماء) الذي في الإناء (فإن تنصفت بينهما) أي: بين علامة الذهب وبين علامة الفضة (علامة مغشوش فنصفه) أي: نصف المغشوش (ذهب ونصفه فضة. ومع زيادة أو نقص) بين ذلك فإنه يكون (بحسابه) أي: بحساب النقص أو الزيادة.
стр. 1283
[فصل: إذا كان المزكى انواعا مختلفة]
(فصل. ويخرج) المزكي الزكاة (عن جيد صحيح) من ذهب أو فضة من نوعه. فلا يجزئ ادنى عن أعلا مع عدم زيادة فضل القيمة، كالماشية.
ولأن الفقراء شركاوه وليس ذلك وظيفة الشركة.
(و) يخرج عن (رديء) من ذهب أو فضة (من نوعه) لأن الزكاة مواساة.
فليس عليه أن يخرج أعلا مما وجبت فيه (١) .
(و) لو كان النصاب أنواعا مختلفة القيمة أخرج (٢) (من كل نوع بحصته)، لأنه الواجب.
وقيل: إن شق ذلك لكثرة الأنواع أخرج من الوسط كالماشية. وجزم بذلك في " المغني " و" الشرح ".
(والأفضل) إخراجها (من الأعلا) اي: أعلا الأنواع التي عنده؛ لما في ذلك من زيادة الخير للفقراء. (ويجزئ) إخراج (رديء عن) نوع (اعلا). مع الفضل. فلو وجب عليه دينار جيد فأخرج عنه من الرديء دينارا ونصفا قيمتها بقدر قيمه الدينار الجيد أجزا. نص عليه؛ لأن الربا لا يجري بين العبد وربه كما لا يجري بين العبد وسيده.
وقال أبو حنيفة: يجزئ الرديء عن الجيد من غير فضل؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا (٣) لا قيمة لها. ولنا: أن الجودة متقومة في الإتلاف. ولأنه إذا لم يجبره بما يتم به قيمة الواجب دخل في قوله : (ولا تيمموا الخبيث) الآية] البقرة: ٢٦٧].
стр. 1284
ولأنه أخرج رديئاً عن جيد بقدره. فلم يجزئه؛ كالماشية.
(و) يجزئ دينار (مكسر عن) دينار (صحيح. ومغشوش عن) خالص (جيد. و) دراهم (سود عن) دراهم (بيض. مع الفضل) في ذلك كله. نص على ذلك في رواية المروذي؛ لأنه أدى الواجب عليه قمية وقدرا. وكما لو أخرج من عينه.
(و) يجزئ دينار (قليل القيمة عن) دينار من نوعه (كثيرها) أي: كثير القيمه (مع) اتفاقهما في (الوزن)؛ لتعلق الوجوب بالنوع وقد أخرج منه.
وقيل: لا يجوز إلا مع زيادة إخراج قدر القيمة.
ولا يجزئ أن يخرج أعلا من الواجب ما هو بقدر قيمته دون وزنه وفاقاً.
فمن وجب عليه نصف دينار لم يجزئه إخراج ثلث دينار قيمته قيمة النصف الواجب؛ لمخالفة النص. ويلزمه إخراج سدس دينار مع الثلث المخرج ليبرأ من عهدة نصف الدينار الواجب.
(ويضم احد النقدين) اللذين هما الذهب والفضة (إلى) النقد (الآخر) في تكميل النصاب على أصح الروايتين وفاقاً لأبي حنيفة ومالك؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقة. ولأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر كأنواع الجنس.
ويكون الضم (بالأجزاء) على أصح الوجهين. وهو ظاهر كلام أحمد في روايه الأثرم وفاقاً لمالك وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ورواية عن أبي حنيفة (في تكميل النصاب). ووجه ذلك: ما لا يقوم بالقيمة إذا انفرد لا يقوم مع غيره كالحبوب والثمار.
(ويخرج عنه) يعني: أنه من وجب عليه زكاة عشرين مثقالا من الذهب أجزأ إخراج قيمة ربع عشرها من الفضة.
ومن وجب عليه زكاة مائتي درهم من الفضة أجزأه إخراج قيمة ربع عشرها من الذهب.
وهذا الأصح من الروايتين. ووجهه: أن المقصود من الذهب والفضة الثمينة والتوسل بهما إلى المقاصد. فهما يشتركان في ذلك على السواء. فأشبه إخراج
стр. 1285
المكسرة عن الصحاح. بخلاف سائر الأجناس والأنواع مما تجب فيه الزكاة.
فإن لكل جنس مقصودا مختصا به لا يحصل من الجنس الآخر. وهاهنا المقصود فى حاصل فوجب إجزاوه. إذ لا فائدة في اختصاص الإجزاء بعين (١) مع مساواة غيرها لها في الحكم.
ولأن ذلك أرفق بالمعطي والأخذ. فإنه لو تعين إخراج الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين دينارا مما تجب في الزكاة إخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقراء له في دينار من ماله. او بيع احدهما نصيبه من الدينار.
ولأنه إذا دفع للفقير قطعة من الذهب في موضع لا يتعامل بها فيه لا يقدر على قضاء حاجته بها. وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر دفع لهذا الضرر فلا وجه لمنعه.
أما إن اختار المالك الدفع من الجنس واختار الفقير الأخذ من غيره لضرر يلحقه في أخذ الجنس لم يلزم المالك إجابته لأنه ادى ما فرض الله تعالى عليه.
فلم يكلف سواه.
(و) يضم (جيد كل جنس ومضروبه إلى رديئه وتبره) وفاقاً للأئمة الثلاثة؛ لأنا حيث قلنا بضم جنس الذهب إلى جنس الفضة فضم نوع كل من الجنسين إلى النوع الآخر من جنسه أولى.
(و) تضم (قيمة عرض تجارة إلى احد ذلك وجميعه)؛ لأن العروض تقوم بكل واحد من الذهب والفضة. فمن له عرض تجاره (٢) قيمته خمسة مثاقيل، ومن الفضة مائة درهم، ومن الذهب خمسة مثاقيل ضم كلا من قيمة العروض والذهب والفضة إلى الاخرين وأخرج ربع عشرها من أي: نقد شاء.
стр. 1286
[فصل: في زكاة الحلي]
(فصل. ولا زكاة في حلي مباج معد لاستعمال او إعارة)؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " ليس في الحلي زكاة " (١) رواه الطبراني.
وهو قول خمسة من الصحابة: أنس وجابر وابن عمر وعائشة وأختها أسماء.
ولأنه مال معدول به عن جهة الاسترباح إلى استعمال مباح. فأشبه ثياب البذلة وعبيد الخدمة والبقر العوامل.
(ولو لمن يحرم عليه) كرجل يتخذ حلي النساء لإعارتهن. أو امرأة تتخذ حلي الرجال (٢) لإعارتهم على الأصح. قاله صاحب " المجرد " و" الفصول " و" المستوعب " و" المغني " و" المحرر " خلافاً لمالك. مع أن عنده لا زكاة فيما يتخذ لزوجته وأمته.
وعن أحمد رواية أخرى: أن في الحلي الزكاة. روي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس؛ لعموم قوله ﷺ " في الرقة ربع العشر " (٣) .
و" ليس فيما دون خمس أواق صمدقة " (٤) : مفهومه أن فيها صدقه إذا بلغت خمس أواق.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: " أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها في يديها مسكتان من ذهب. فقال: هل تعطين زكاة
стр. 1287
هذا؟ قالب: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله سوارين من نار " (١) . رواه ابو داود والنسائي.
وقد روي باً سانيد كلها معلولة.
وأجيب عن هذا الحديث بقول الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء (٢) .
ثم إن ثبت حملت الزكاة فيه على الإعارة، كما قال الحسن وغيره.
قال إمامنا أحمد: خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لا زكاة في الحلي ويقولون زكاته عاريته.
أو يحمل على أن ذلك كان وقت تحريم الذهب على النساء. وقد كان محرما عليهن في ابتداء الإسلام. يدل لذلك ما روي عن منصور عن ربعي عن امرأته عن أخت حذيفة قالت: " خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر النساء (٣) لِلَّهِ لاتحلين بالذهب. أما لكن في الفضة ما تحلين به؟ ما منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به " (٤) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وإنما نسخ تحريم الذهب على النساء بقوله ﷺ لما صعد المنبر" الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم " (٥) . وباًمثال ذلك من النصوص. وأجيب عن قوله ﷺ : " في الرقة ربع العشر " (٦) : أن الرقة هي الدراهم
المضروبة.
стр. 1288
قال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المضروبة ذات السبكة السائرة في الناس.
وإنما لم تجب زكاة الحلي إذا كان مالكها (غير فار) من الزكاة باتخاذها.
قاله بعضهم.
قال في " الفروع ": ولعله مراد غيره.
وقد تقدم في المتن أنه إذا أخرج المال الزكوي عن ملكه في أثناء الحول ليقطع الحول فراراً من الزكاة لم تسقط ولم ينقطع فمن اتخذ حليا فرارا من الزكاة وجبت فيه.
- ومتى تكسر الحلي المباح كسرا لا يمنيع اللبس فهو كالصحيح. إلا أن ينوي ترك لبسه. وإن كان كسرا يمنيع الاستعمال ففيه الزكاة " لأنه صاركالنقرة. (وتجب) الزكاة (في) حلي (محرم) وفاقاً. وانية من ذهب أو فضة وفاقاً. سواء قلنا يحرم اتخاذها أو استعمالها أو هما، لأن الصناعة لما كانت لمحرم جعلت كالعدم. ولا يلزم من جواز الاتخاذ جواز الصنعة " كتحريم تصوير ما يداس مع جواز اتخاذه.
(و) تجب الزكاة أيضاً في حلي (معد لكري او نفقة إذا بلغ نصاباً وزنا)، لأن الزكاة إنما سقطت مما اعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء ففيما عداه يبقى على الأ صل.
قال أحمد: ما كان على سرج أو لجام ففيه الزكاة.
وعلى قياس ما ذكره حلية كل ما على الدابة وحلية الدواة والمقلمة والمكحلة ونحو ذلك.
ومحل وجوب الزكاة فيه: إذا اجتمع منه شيء كما سيأتي.
ويستثنى من اعتبار نصاب النقد بالوزن صورة اشير إليها بقوله: (إلا المباح) أي: مباح الصناعة إذا كان معدا (للتجارة). فإن المعد للتجارة (ولو) كان (نقداف) إن نصابه يعتبر (قيمته) أي: بالقيمة كسائر
стр. 1289
أموال التجارة.
قال في " الإنصاف ": فأما المباح للتجارة فالصحيح من. المذهب أنه تعتبر قيمته. نص عليه. انتهى.
(ويقوم) النقد من الحلي المباج الصناعة المعد للتجارة (بنقد آخر) يعني: أنه إن كان من ذهب قوم بفضة وإن كان من فضة قوم بذهب. فمن ملك مثلا خواتم من فضة زنتها مائة وتسعون درهما بنية التجارة وحال عليها الحول وكانت قيمته عند حولانه عشرين مثقالا من الذهب أخرج زكاتها ربع عشر قيمتها.
ومحل تقويمها (إن كان) التقويم (احظ للفقراء أو نقص عن نصابه) كما مثلنا. واما لو كانت زنة الخواتم مائتي درهم وقيمتها تسعة عشر مثقالا وجب أن لا تقوم واخرج ربيع عشر المائتي درهم.
(ويعتبر مباح صناعة) من حلي غير معد للتجاره (بلغ نصاباً وزنا في إخراج) لزكاته (بقيمة) فيعتبر في نصاب بوزنه وفي إخراج بقيمته.
قال في " الإنصاف ": الأشهر في المذهب أن الاعتبار في مباح الصناعة في الإخراج بقيمته. قاله (١) في " الفروع ". واختاره القاضي والمصنف- يعني: الموفق- والشارح وغيرهم. قال ابن تميم: هذا الأظهر. قال ابن رجب: اختاره القاضي واصحابه. وقال القاضي: هو قياس قول احمد: إذا أخرج عن صحاح مكسرة يعطي ما بينهما. فاعتبر الصفة دون الوزن لزيادة القيمة لنفاسة جوهره. وقيل: تعتبر القيمه في الإخراج إن اعتبرت في النصاب وإن لم تعتبر في النصاب لم تعتبر في الإخراج. انتهى.
(ويحرم ان يحلى مسجد او محراب أو يموه سقف او حائط بنقد) ذهب أو فضة. وكذا سرح ولجام وتفريض على ذلك. وعلى قياس ذلك حلية الدواة. والمقلمة ونحوهما، لأنه سرف ويفضي إلا الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
فحرم، كاتخاذ الآنية. وقد " نهى النبي ﷺ عن التختم بخاتم الذهب
стр. 1290
للرجل " (١) . فتمويه السقف ونحوه (٢) اولى.
(وتجب إزالته وزكاته) إذا كان بحيث لو أزيل اجتمع منه شيء. (إلا إذا استهلك) فيما حلي به أو موه به (فلم يجتمع منه شيء) بالإزالة (فيهما) أي: في وجوب الإزالة ووجوب الزكاة فلا تحرم استدامته، لأنه لا فائدة في إتلافه وإزالته. ولا زكاة فيه لأن ماليته ذهبت.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أراد جميع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب. فقيل له: إنه لا يجتمع منه شيء. فتركه.
стр. 1291
(فصل) في أحكام التحلي
(ويباح لذكر) وخنثى (من فضة خاتم)؛ " لأن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق " (١) . متفق عليه.
(و) لبسه (بخنصر يسار افضل) من لبسه بخنصريمين. نص أحمد على ذلك في رواية صالح والفضل، وأنه أقر وأثبت.
وضعف في رواية الأثرم وغيره " حديث التختم في اليمين " (٢) .
قال الدارقطني وغيره: المحفوظ أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره. وأنه إنما كان في الخنصر لكونه طرفا فهو أبعد من الامتهان فيما تتناوله اليد.
ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله.
وقيل: لبسه بخنصر يمنى أفضل وفاقاً للشافعي لأنه أحق بالإكرام.
(ويجعل فصه مما يلي كفه).
قال في " الفروع ": والأفضل جعل فصه مما يلي كفه؛ " لأن النبي صص كان يفعل ذلك " (٣) .
و" كان ابن عباس وغيره يجعله مما يلي ظهركفه " (٤) .
وله جعل فصه منه ومن غيره لأن في البخاري من حديب أنس " كان فصه
стр. 1292
منه " (١) . ولمسلم " كان فصه حبشيا " (٢) .
(وكره) لبسه (بسبا بة ووسطى).
قال في " الفروع ": وفاقاً للنهى الصحيح عن ذلك. وجزم به في " المستوعب " وغيره. ولم يقيده في " الترغيب " وغيره. فظاهر ذلك لا يكره في غيرهما.
وإن كان الخنصر أفضل اقتصارا على النص.
وقال أبو المعالي: والإبهام مثلهما فالبنصر مثله ولا فرق انتهى.
(ولا بأس بجعله) أي: جعل الخاتم من الفضة للرجل (اكتر من مثقال ما لم يخرج عن العادة).
قال في " الرعاية ": ويسن دون مثقال.
قال في " الفروع ": وظاهر كلام أحمد والأصحاب: لا بأس بأكثر من ذلك لضعف خبر بريدة السابق. والمراد ما لم يخرج عن العادة وإلا حرم؛ لأن الأصل التحريم خرج المعتاد لفعله (٣) ﷺ وفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم (٤) لم يخرج بصيغة لفظ ليعم. ثم لو كان فهو بيان للواقع. انتهى.
ويكره أن يكتب على الخاتم ذكر الله. قران أو غيره نصا.
قال إسحاق بن راهويه: لما يدخل الخلاء فيه.
قال في " الفروع ": ولعل أحمد كرهه لذلك.
وعنه: لا يكره دخول الخلاء بذلك. فلا كراهة ولم أجد للكراهة دليلا سوى هذا، وهي تفتقر إلى دليل والأصل عدمه.
стр. 1293
وظاهر ذلك لا يكره غيره.
وقال صاحب " الرعاية ": او ذكر رسوله.
ويتوجه احتمال لا يكره ذلك وفاقاً لمالك والشافعي وأكثر العلماء؛ لما في " الصحيحين " عن انس " أن النبي ﷺ اراد ان يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي. فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما. فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقة فضة. ونقش فيه محمد رسول الله. وقال للناس: إني اتخذت خاتما من فضة ونقشت فيه محمد رسول الله. فلا ينقش أحد منكم على نقشه " (١) .
وللبخاري: " محمد سطر. ورسول سطر. والله سطر " (٢) .انتهى.
وفي الحديث نهي الرعية أن ينقشوا على هيئة نقش خاتم السلطان.
(و) يباح للذكر أيضاً من الفضة (قبيعه سيف)؛ لقول أنس: " كانت قبيعة سيف النبي ﷺ فضة " (٣) . رواه الأثرم.
والقبيعة: ما يجعل على طرف القبضة.
ولأنها حلية معتادة للرجل. اشبهت الخاتم.
(و) يباح له أيضاً (حلية منطقة) على الأصح. وهي: ما شددت به وسطك. قاله الخليل. وتسميها العامة: الحياصة؛ لأن الصحابة اتخذوا المناطق محلاة بالفضة فهي كالخاتم.
стр. 1294
(و) على قياسها حلية (جوشن) وهو الدرع. (و) حلية (خوذة) وهي البيضض. (و) حلية (خف. و) حلية (ران (١) . وهي: شيء يلبس تحت الخف. و) حلية (٢) (حمائل) واحدتها حمالة. قاله الخليل؛ لأن ذلك حلية للرجل. فهى كالخاتم والقبيعة.
(لا) حلية (ركاب و) حلية (لجام و) حلية (دواة (٣) ونحو ذلك)؛ كسرج ومقلمة ومراه ومشط ومكحلة ومجرة فتحرم.
(و) يباح لذكر (من ذهب قبيعة سيف) على الأصح.
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب.
قال الإمام أحمد: " كان في دسيف عمر سبائك من ذهب " (٤) . و " كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب " (٥) .
(وما دغت إليه ضرورة؛ كأنف) وفاقاً ولو أمكن اتخاذه من فضة؛ " لأن عرفجه بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب. فاتخذ انفا من فضة فأنتن عليه. فأمره النبي ﷺ فاتخهذ انفا من ذهب " (٦) . رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم. (وكشد سِنٍّ)؛ لما روى الأثرم عن موسى بن طلحة وابن جمرة الضبعي
стр. 1295
وأبو رافع وثابت البنانى وإسماعيل بن زيد بن ثابت والمغيرة بن عبدالله " أنهم شدوا أسنانهم بالذهب " (١) .
وهي ضرورة. فأبيح؛ كالأنف.
وقيل: يباح الذهب في السلاح. واختاره الشيخ تقي الدين.
وقيل: كل ما أبيح تحليته بفضة أبيح بذهب.
(و) يباح (لنساء منهما) اي: من الذهب والفضة (ما جرت عادتهن بلبسه) قل أو كثر (ولو زاد على الف مثقال) كالطوق والخلخال والسوار والدملوج والقرط والخاتم.
قال في " الفروع ": قال الأصحاب: وما في المخانق والمقالد من حرائز وتعاويذ وكذا فال في " الهداية " و" المستوعب " و" المحرر " وغيرها.
و" التاج " وما أشبه ذلك. انتهى.
وقل ابن حامد: إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزكاة.
قال في " الإنصاف ": فظاهره انه سواء كان من ذهب او فضة.
(و) يباح (لرجل وامراة تحل بجوهر ونحوه) كزمرد وزبرجد وياقوت وبلخش وفيروزج.
فال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وذكر ابو المعالي يكره ذلك للرجل للتشبه.
فال في " الفروع ": ولعل مراده غير تختمه بذلك. انتهى.
(وكره تختمهما) أي: الرجل والمراة (بحديد وصفر ونحالس ورصاص)
стр. 1296
نص على ذلك أحمد في رواية الجماعة.
ونقل مهنا: أكره خاتم الحديد لأنه حلية أهل النار.
ونقل أبو طالب " كان للنبي ﷺ خاتم حديد عليه فضة فرمى به " (١) .
فلا يصلى في الحديد والصفر.
قال في " الفروع ": وهذا الخبر لم يروه في " مسنده ".
وعن إياس بن الحارث بن المعيقيب عن جده قال: " كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة. قال: فربما كان في يدي. قال: وكان المعيقيبب على خاتم النبي ﷺ " (٢) . إسناده جيد إلى إياس. وإياس تفرد عنه نوح. ونوح (٣) بن ربيعة لم اجد فيه كلاما. رواه أبو داود والنسائي.
وساًله الأثرم عن خاتم الحديد فذكر خبر عمرو بن شعيب " أن النبي ﷺ قال لرجل: هذه حلية أهل النار " (٤) .
وابن مسعود قال: " لبسة أهل النار ".
وابن عمر قال: " ما ظهرت كف فيها خاتم من حديد " (٥) .
و" قال النبي ص في حديب بريدة لرجل لبس خاتما من صفر: أجد منك ريح الأصنام " (٦) . فقد احتج بخبر بريدة.
وقال في " مسنده ": حدثنا يحيى بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده " أن النبي ﷺ رأى على بعض اصحابه خاتما من ذهب. فأعرض عنه فألقاه
стр. 1297
واتخذ خاتما من حديد. فقال: هذا شر. هذا حلية أهل النار. فألقاه واتخذ خاتما من ورق. فسكت عنه " (١) . حديب حسن. انتهى.
وأما الدملوج الحديد فجوزه أبو الخطاب وخالفه ابن الزاغونى.
(ويستحب) تختم (بعقيق). ذكره في " التلخيص " وابن تميم و" المستوعب "،وقال: قال رسول الله ﷺ " تختموا بالعقيق فإنه مبارك " (٢) . قال في " الفروع ": كذا ذكر. قال العقيلي: لا يثبت عن النبي ﷺ في هذا شيء. وذكره ابن الجوزي في " الموضوعات ". فلا يستحب هذا عند ابن الجوزي ولم يذكره جماعة فظاهره لا يستحب. وهذا الخبر في إسناده يعقوب بن إبراهيم الزهري المدنى الذي قال ابن عدي: ليس بالمعروف. وباقيه جيد.
ومثل هذا لا يظهر كونه من الموضوع. انتهى.
ويحرم أن ينقش على الخاتم صورة حيوان بلا نزاع ويحرم لبسه في الأصح.
стр. 1298
] باب: زكاة العروض]
هذا (باب) ذكر حكم (زكاة العروض). اي: عروض التجارة واحدها عرض بسكون الراء.
(والعرض) هنا: (ما يعد لبيع وشراء لأجل ربح) وسمي عرضا لأنه يعرض ليباع ويشترى. تسمية للمفعول باسم المصدر كتسميه العلوم علما.
وقيل: لأنه يعرض ثم يزول (١) ويفنى.
والأصل في وجوب الزكاة في عروض التجارة] قوله (والذين في اموالهم حق معلوم) [المعارج: ٢٤]، وقوله (خذ من اموالهم صدقه) [التو به: ١٠٣].
ومال التجارة أعم الأموال فكان أولى بالدخول.
والقول بوجوب الزكاة في عروض التجارة] (٢) قول عامة أهل العلم. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وإسحاق. واحتج احمد بقول عمر لحماس- بكسر الحاء المهملة-: " اد زكاة مالك. فقال: مالي إلا جعاب وأدم. فقال: قومها ثم أد زكاتها " (٣) .
رواه أحمد.
حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبدالله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس أن أباه أخبره. ورواه ابو عبيد وأبو بكر بن أبي شيبه وغيرهما. وهو مشهور.
стр. 1299
ولأن عروض التجارة مال مرصد للنماء. فأشمبه المواشي والنقدين.
وقال داود: لا زكاة في عروض التجارة. واحتج بظواهر العفو عن صدقة الخيل والرقيق والحمر.
والظواهر المذكورة معارضة بظواهر من الكتاب والسنة تقتضي وجوب الزكاة في كل مال؛ لقوله : (والذين في اموالهم حق معلوم)] المعارج: ٢٤] وقوله ﷺ : " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (١) " (٢) .
ثم الظواهر التي تمسك بها محمولة على زكاة العين دون زكاة القيمة. بدليل أدلتنا الخاصة.
(وإنما تجب في قيمة) لعروض (٣) تجارة (بلغت نصابا) من أحد النقدين.
لا في نفس (٤) العرض؛ لأن القيمة محل الوجوب لأن ما اعتبر النصاب به كان محل الوجوب كزكاة الأعيان. والقيمة إن لم توجد حسا فهي مقدرة شرعا.
وذلك يكفي في كونها [محل الوجوب] (٥) كالديون.
) لما) اي: لعرض (ملك) أي: ملكه (٦) مالكه (بفعل) كالبيع والنكاح والخلع. (ولو بلا عوض) كقبول الهبة والوصية واكتساب المباحاب.
(أو) كان العوض (منفعة او استردادا) لمبيع (بنية التجارة) عند التملك؛.
لأن التجارة عمل. فوجب اقتران النية به؛ كسائر الأعمال.
ويعتبر وجود النية في جميع الحول (٧) ؛ لأنها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول. فاعتبر فيه؛ كالنصاب. فلو دخلنت العروض في ملكه بغيرفعله كإرث
стр. 1300
ومضى الحول على اللقطة بعد التعريف. أو ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نواها للتجارة: لم تصر للتجارة على الأصح؛ لأن ما لا تتعلق به الزكاة من أصله لا يصير محلا للزكاة بمجرد النية؛ كالمعلوفة إذا نوى ان (١) يسيمها.
ولأن الأصل في العروض القنية. فلا تنتقل عن الأصل بمجرد النية. فلا بد من النية عند تملك ما ليس بعوض عن عرض تجارة.
(او استصحاب حكمها) أي: حكم النية (فيما تعوض عن عرضها) أي: عرض التجارة. واستصحاب حكمها باًن لا ياًتي بما ينافي التجارة، كما لو تعوض عن عرضها شيئا ونواه للقنية.
(ولا تجزئ) زكاة التجارة إن أخرجها (من) عين (العروض) ولو كانت من بهيمة الأنعام، لأن محل الوجوب القيمة.
(ومن) كان (عنده) معد التجارة فنواه لقنية ثم) نواه (لتجارة: لم يصر لها) أي: للتجارة؛ لأن القنية الأصل في العرض. والرد إلى الأصل يكفي فيه مجرد النية " كما لو نوى المسافر الإقامة.
ولأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض. فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب.
وفارق السائمة إذا نوى علفها لأن الشرط فيها الإسامة دون نيتها. فلا ينتفي الوجوب إلا بانتفاء السوم.
والمراد (غير حلي لبس)، لأن الأصل وجوب الزكاة فيه. فإذا نواه للتجارة فقد رده إلى الأصل. والرد إلى الأصل يكفي فيه مجرد النية.
وعنه: أن العروض تصير للتجارة بمجرد النية. واختاره جماعة.
(وتقوم) العروض عند ح ولأن الحول (بالأحظ للمساكين من ذهب او فضة. لا بما اشتريت به) يعني: إذا كانت قيمته تبلغ نصاباً بأحد النقدين دون الآخر: فإنه يقوم ما يبلغ به نصاباً لأنه تقويم لمال التجارة للزكاة. فكان بالأحظ