نص على ذلك أحمد في رواية الجماعة.
ونقل مهنا: أكره خاتم الحديد لأنه حلية أهل النار.
ونقل أبو طالب " كان للنبي ﷺ خاتم حديد عليه فضة فرمى به " (١) .
فلا يصلى في الحديد والصفر.
قال في " الفروع ": وهذا الخبر لم يروه في " مسنده ".
وعن إياس بن الحارث بن المعيقيب عن جده قال: " كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة. قال: فربما كان في يدي. قال: وكان المعيقيبب على خاتم النبي ﷺ " (٢) . إسناده جيد إلى إياس. وإياس تفرد عنه نوح. ونوح (٣) بن ربيعة لم اجد فيه كلاما. رواه أبو داود والنسائي.
وساًله الأثرم عن خاتم الحديد فذكر خبر عمرو بن شعيب " أن النبي ﷺ قال لرجل: هذه حلية أهل النار " (٤) .
وابن مسعود قال: " لبسة أهل النار ".
وابن عمر قال: " ما ظهرت كف فيها خاتم من حديد " (٥) .
و" قال النبي ص في حديب بريدة لرجل لبس خاتما من صفر: أجد منك ريح الأصنام " (٦) . فقد احتج بخبر بريدة.
وقال في " مسنده ": حدثنا يحيى بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده " أن النبي ﷺ رأى على بعض اصحابه خاتما من ذهب. فأعرض عنه فألقاه
стр. 1297
واتخذ خاتما من حديد. فقال: هذا شر. هذا حلية أهل النار. فألقاه واتخذ خاتما من ورق. فسكت عنه " (١) . حديب حسن. انتهى.
وأما الدملوج الحديد فجوزه أبو الخطاب وخالفه ابن الزاغونى.
(ويستحب) تختم (بعقيق). ذكره في " التلخيص " وابن تميم و" المستوعب "،وقال: قال رسول الله ﷺ " تختموا بالعقيق فإنه مبارك " (٢) . قال في " الفروع ": كذا ذكر. قال العقيلي: لا يثبت عن النبي ﷺ في هذا شيء. وذكره ابن الجوزي في " الموضوعات ". فلا يستحب هذا عند ابن الجوزي ولم يذكره جماعة فظاهره لا يستحب. وهذا الخبر في إسناده يعقوب بن إبراهيم الزهري المدنى الذي قال ابن عدي: ليس بالمعروف. وباقيه جيد.
ومثل هذا لا يظهر كونه من الموضوع. انتهى.
ويحرم أن ينقش على الخاتم صورة حيوان بلا نزاع ويحرم لبسه في الأصح.
стр. 1298
] باب: زكاة العروض]
هذا (باب) ذكر حكم (زكاة العروض). اي: عروض التجارة واحدها عرض بسكون الراء.
(والعرض) هنا: (ما يعد لبيع وشراء لأجل ربح) وسمي عرضا لأنه يعرض ليباع ويشترى. تسمية للمفعول باسم المصدر كتسميه العلوم علما.
وقيل: لأنه يعرض ثم يزول (١) ويفنى.
والأصل في وجوب الزكاة في عروض التجارة] قوله (والذين في اموالهم حق معلوم) [المعارج: ٢٤]، وقوله (خذ من اموالهم صدقه) [التو به: ١٠٣].
ومال التجارة أعم الأموال فكان أولى بالدخول.
والقول بوجوب الزكاة في عروض التجارة] (٢) قول عامة أهل العلم. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي وإسحاق. واحتج احمد بقول عمر لحماس- بكسر الحاء المهملة-: " اد زكاة مالك. فقال: مالي إلا جعاب وأدم. فقال: قومها ثم أد زكاتها " (٣) .
رواه أحمد.
حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبدالله بن أبي سلمة عن أبي عمرو بن حماس أن أباه أخبره. ورواه ابو عبيد وأبو بكر بن أبي شيبه وغيرهما. وهو مشهور.
стр. 1299
ولأن عروض التجارة مال مرصد للنماء. فأشمبه المواشي والنقدين.
وقال داود: لا زكاة في عروض التجارة. واحتج بظواهر العفو عن صدقة الخيل والرقيق والحمر.
والظواهر المذكورة معارضة بظواهر من الكتاب والسنة تقتضي وجوب الزكاة في كل مال؛ لقوله : (والذين في اموالهم حق معلوم)] المعارج: ٢٤] وقوله ﷺ : " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (١) " (٢) .
ثم الظواهر التي تمسك بها محمولة على زكاة العين دون زكاة القيمة. بدليل أدلتنا الخاصة.
(وإنما تجب في قيمة) لعروض (٣) تجارة (بلغت نصابا) من أحد النقدين.
لا في نفس (٤) العرض؛ لأن القيمة محل الوجوب لأن ما اعتبر النصاب به كان محل الوجوب كزكاة الأعيان. والقيمة إن لم توجد حسا فهي مقدرة شرعا.
وذلك يكفي في كونها [محل الوجوب] (٥) كالديون.
) لما) اي: لعرض (ملك) أي: ملكه (٦) مالكه (بفعل) كالبيع والنكاح والخلع. (ولو بلا عوض) كقبول الهبة والوصية واكتساب المباحاب.
(أو) كان العوض (منفعة او استردادا) لمبيع (بنية التجارة) عند التملك؛.
لأن التجارة عمل. فوجب اقتران النية به؛ كسائر الأعمال.
ويعتبر وجود النية في جميع الحول (٧) ؛ لأنها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول. فاعتبر فيه؛ كالنصاب. فلو دخلنت العروض في ملكه بغيرفعله كإرث
стр. 1300
ومضى الحول على اللقطة بعد التعريف. أو ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نواها للتجارة: لم تصر للتجارة على الأصح؛ لأن ما لا تتعلق به الزكاة من أصله لا يصير محلا للزكاة بمجرد النية؛ كالمعلوفة إذا نوى ان (١) يسيمها.
ولأن الأصل في العروض القنية. فلا تنتقل عن الأصل بمجرد النية. فلا بد من النية عند تملك ما ليس بعوض عن عرض تجارة.
(او استصحاب حكمها) أي: حكم النية (فيما تعوض عن عرضها) أي: عرض التجارة. واستصحاب حكمها باًن لا ياًتي بما ينافي التجارة، كما لو تعوض عن عرضها شيئا ونواه للقنية.
(ولا تجزئ) زكاة التجارة إن أخرجها (من) عين (العروض) ولو كانت من بهيمة الأنعام، لأن محل الوجوب القيمة.
(ومن) كان (عنده) معد التجارة فنواه لقنية ثم) نواه (لتجارة: لم يصر لها) أي: للتجارة؛ لأن القنية الأصل في العرض. والرد إلى الأصل يكفي فيه مجرد النية " كما لو نوى المسافر الإقامة.
ولأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض. فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب.
وفارق السائمة إذا نوى علفها لأن الشرط فيها الإسامة دون نيتها. فلا ينتفي الوجوب إلا بانتفاء السوم.
والمراد (غير حلي لبس)، لأن الأصل وجوب الزكاة فيه. فإذا نواه للتجارة فقد رده إلى الأصل. والرد إلى الأصل يكفي فيه مجرد النية.
وعنه: أن العروض تصير للتجارة بمجرد النية. واختاره جماعة.
(وتقوم) العروض عند ح ولأن الحول (بالأحظ للمساكين من ذهب او فضة. لا بما اشتريت به) يعني: إذا كانت قيمته تبلغ نصاباً بأحد النقدين دون الآخر: فإنه يقوم ما يبلغ به نصاباً لأنه تقويم لمال التجارة للزكاة. فكان بالأحظ
стр. 1301
للمساكين؛ كما لو اشتراه بعرض قنية وفي البلد نقدان متساويان في الغلبة وهو يبلغ نصاباً بأحدهما دون الآخر.
(وتقوم) الأمة (المغنية ساذجة) لأن صفة معرفة (١) الغناء لا قيمة لها.
وعلى قياس ذلك الزامرة والضاربة على الة اللهو.
(و) يقوم العبد (الخصي بصفته) اي: بصفة كونه خصيا. كبقية العروض؛ لأن هذه الصفة المستدامة في الخصي ليست بلهو ولا داعية إلى اللهو.
(ولا عبرة بقيمة) صفة (انية ذهب وفضة)؛ لتحريمها.
(وإن اشترى عرضا بنصاب من اثمان أو عروض) بنى على حوله.
قال في " شرح الهداية ": لا نعلم في هذا خلافاً.
ولأن وضع التجارة على التقلب والاستبدال بالعروض والأثمان. فلو انقطع الحول به لبطلت زكاة التجارة. وذلك لأن النصاب من الأثمان كان ظاهراً وقد صار في ثمن العرض كامنا. فهو كما لو كان عينا واقرضه فصار فى ينا.
(أو) اشترى (نصاب سائمة لقنية بمثله) اي: بنصاب سائمة (لتجارة: بنى على حوله) اي: حول ما اشترى به على الأصح؛ لأنهما مالان متفقان في النصاب والجنس. فلم ينقطع الحول فيهما بالمبادلة. وقد تقدم أن إبدال النصاب بجنسه لا ينقطع به الحول.
(لا إن اشترى عرضا) غير سائمة (بنصاب سائمة او باعه) أي: باع عرضا غير سائمة (به) اي: بنصاب سائمة فإنه لا يبني على حول الأول لاختلافهما في النصاب والواجب.
(ومن ملك نصاب سائمة لتجارة) فعليه زكاة تجارة فقط.
(أو) ملك (أرضا فزرعت) فعليه زكاة تجارة فقط.
(أو) ملك (نخلا فأثمر فعليه زكاة تجارة فقط) نص عليه.
стр. 1302
وقيل: يزكي الأصل للتجارة ويزكي الثمرة والزرع للعشر.
ووجه المذهب في الصورة الأولى أن وصف التجارة يزيل سبب زكاة السوم وهو الاقتناء لطلب النماء معه. وفي الصورتين الأخيرتين أن الأرض والنخل مال تجارة فوجب فيهما زكاة التجارة. ولا شك أن الثمرة والزرع جزء الخارج منهما. فوجب أن يقوم مع الأصل؛ كالسخال والربح المتجدد إذا كان الأصل للتجارة.
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (إلا إن كان لا تبلغ قيمته) أي: قيمة ما ذكر من السائمة ومن الأرض مع الزرع ومن النخل مع التمر (نصابا) بأن يكون نصاب السائمة لا يبلغ قيمة عشرين متقالا ولا مائتي درهم وكذا الأرض مع الزرع والنخل مع الثمر: (فيزكلي) ذلك (لغيرها) أي: لغير التجارة. فيخرج من السائمة ما وجب فيها، ومن الزرع ما وجب فيه، ومن الثمرة ما وجب فيها؛ لئلا تسقط الزكاة بالكلية.
(ومن ملك سائمة) أي: نصاباً من السائمة (لتجارة نصف حول ثم قطع نية التجارة) عند نصف الحول: (استأنفه) أي: استاً نف الحولى (للسوم) " لأن حولى التجارة انقطع بنية الاقتناء. وحولى السوم لا يبنى على حولى التجارة.
(وإن اشترى صباغ ما يصبغ به) للناس (ويبقى أثره كزعفران ونيل وعصفر ونحوه) كلك وبقم وفوة: (قهو عرض تجارة يقوم عند) تمام (حوله) وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لاعتياضه عن صبغ قائم بالثوب. ففيه معنى التجارة.
وكذا ما يشتريه دباغ ليدبغ به كعفص وقرظ وما يدهنه به كسمن وملح. ذكره ابن البنا وجزم في " منتهى الغاية " بأنه لا زكاة فيه. وعلل بأنه لا يبقى له اثر. ذكره عنهما في " الفروع ".
(لا ما يشتريه قصار من قلي ونورة وصابون ونحوه) كنطرون. فإنه لا يكون عرض تجارة لأنه (١) لا يبقى له أثر في الثوب. أشبه الحطب الذي يوقد به عليه.
стр. 1303
(وأما آنية عرض التجارة) التي توضع فيها كالغرائر (١) والأكياس والأجربة.
(وآلة دابتها) أي: دآبة التجارة كاللجام والسرج والمقود والإكاف. (فإن أريد بيعهما) أي: بيع الآنية والآلة (معهما) أي: مع العرض والدابه: (ف) ذلك (مال تجارة) يقوم معهما. (وإلا) أي: وإن لم يرد بيعهما (فلا) يقوم؛ لأنه عرض قنية.
(ومن اشترى شقصاً) من عقار تثبت فيه الشفعة (لتجارة بألف فصار عند) حولان (الحول بألفين: زكاهما) أي: أخرج زكاة ألفين، لأنهما قيمته.
(وأخذه الشفيع) بالشفعة (بألف) (٢) لأنه يأخذه بما وقع عليه العقد.
(وينعكس الحكم بعكسها) يعني: انه لو اشتراه بألفين فصار عند الحول يساوي ألفا أخرج زكاة ألف. وإن اخذه [الشفيع اخذه] (٣) بألفين لأنه يأخذه بما وقع عليه العقد. وكذا يرده المشتري بالعيب بما وقع عليه العقد ويزكيه لوجوبها في ملكه. وإذا دفع الرجل الفا مضاربة على ان الربح بينهما فحال الحول وهو ثلاثة الاف فعلى رب المال زكاة ألفين لأن ربح التجارة حوله حول أصله.
(وإذا أذن كل) أي: كل واحد (من شريكين او غيرهما) أي: غير شريكين (لصاحبه في إخراج زكاته) أي: زكاة الاذن: (ضمن كل واحد) منهما (نصيب صاحبه إن اخرجا) أي: أخرج كل زكاة نفسه (معا) أي: في وقت واحد.
(أو) أخرجها أحدهما (٤) قبل الآخر و (جهل سابق) منهما با لإخراج؛ لأن كل واحد منهما انعزل من طريق الحكم عن الوكالة بإخراج الموكل زكاته عن نفسه لأنه لم يبق على الموكل زكاة. والعزل حكما العلم وعدمه فيه سواء. بدليل ما لو وكله في بيع عبد فباعه الموكل وأعتقه وحينئذ يقع المدفوع إلى الفقير تطوعا ولا يجوز الرجوع
стр. 1304
عليه به فيتحقق التفويت بفعل المخرج. وهذا التعليل لما إذا أخرج كل منهما زكاة نفسه في ان واحد. وأما إذا سبق أحدهما بالإخراج وجهل أو نسى فلأن الأصل أن المخرج عن نفسه أن إخراجه وقع الموقع بخلاف المخرج عن غيره.
(وإلا) أي: وإن لم يخرجا معا ولم يجهل السابق فيما أخرج احدهما ثم الآخر: (ضمن الثانى) وهو المخرج بعد إخراج الأول نصيب الأول. (ولو لم يعلم) أن الأول اخرج زكاة نفسه لأن العزل من طريق الحكم لا يختلف بذلك كما لو مات المالك.
وقيل: لا يضمن من لم يعلم بإخراج صاحبه بناء على أن الوكيل لا ينعزل قبل العلم.
(لا إن أدى) الوكيل (دينا) على موكله (بعد اداء موكله ولم يعلم) فإنه لا يضمن لموكله شيئا؛ لأن موكله غره.
ولأنه هنا لم يتحقق التفويت على الموكل. بدليل أن له الرجوع على القابض. ونظير هذا في مسألة الزكاة ما لو كان القابض منهما الساعي والزكاة بيده. فإنه لا يضمن المخرج للمخرج عنه شيئا لما كان له الرجوع على الساعي به (١) ما دامت بيده.
(ولمن عليه زكاة الصدقة) اي: ان يتصدق (تطوعا قبل إخراجها) أي: إخراج ما عليه من الزكاة " كالتطوع بالصلاة قبل أداء فرضها. والله أعلم.
стр. 1305
[باب: زكاة الفطر]
هذا (باب) يذكر فيه جملة من أحكام صدقة الفطر.
و (زكاة الفطر صدقة واجبة بالفطر من رمضان) أي: من اخر يوم منه. قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز في قوله : (قد افلح من تزكي) [الأعلى: ١٤]: هو زكاة الفطر. قال ابن قتيبة: وقيل لها فطرة لأن الفطرة الخلقة. قال الله تعالى: (فطرت آلله التى فطر الناس عليها) [الروم: ٣٠]. وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس (١) .
(وتسمى فرضا) على الأصح، لقول ابن عمر " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر" (٢) .
ولأن الفرض إن كان هو (٣) الواجب فهي واجبة، وإن كان للتاً كيد فهي متاً كدة.
قال ابن المنذر: اجمع عوام أهل العلم على ان صدقة الفطر فرض.
قال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم.
(ومصرفها) اي: مصرف زكاة الفطر (كزكاة) اي: كمصرف زكاة المال، لعموم قوله : (انما الصدقات للفقراء .... ) الآيه [التوبة: ٦٠]. وبهذا قال مالك والشافعي فلا يجوز دفعها لغير أهل الزكاة.
стр. 1306
وقال أبو حنيفة: يجوز.
وروي عن عمرو بن ميمون وعمر بن شرحبيل ومرة الهمدانى أنهم كانوا يعطون منها الرهبان.
ولنا: أنها زكاة. فلم يجز دفعها لغير المسلمين، كزكاة المال. وزكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين إجماعا.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة.
وقال الشيخ تقي الدين: لا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة. وهو من يأخذ [لحاجة. لا في المؤلفة والرقاب وغير ذلك.
(ولا يمنع وجوبها) أي: وجوب إخراجها (دين)] (١) أي: مجرد الدين
(إلا مع طلب) أي: إلا إذا كان المدين مطالبا به: أما كون مجرد الدين لا يمنع وجوب الفطرة لأنها آكد. بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها، ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره، ولا تتعلق بقدر من المال. فجرت مجرى النفقة.
ولأن زكاة المال تجب بالملك، والدين يؤثر في الملك. والفطرة تجب على البدن، والدين لا يؤثر فيه.
وأما كونها تسقط مع طلب الدين فلوجوب أدائه بالطلب وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالاعتبار. وبكونه أسبق سببا وياً ثم بتاًخيره مع الطلب. (وتجب) الفطرة (على كل مسلم) فلا تجب على كافر أصلي ولا مرتد " لما روى ابن عمر قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعاً من شعير. على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين " (٢) رواه الجماعة.
стр. 1307
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين. من اداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " (١) .
وهذا لا يكون إلا في حق المسلم.
(تلزمه مؤنة نفسه)؛ لقوله ﷺ " ادوا الفطرة على من تمونون " (٢) . وهو دال على عدم وجوبها على من لم يمون نفسه لأنه خاطب بالوجوب غيره ولو وجبت عليه لخاطبه بالوجوب كسائر من تجب عليه.
ولا فرق في ذلك بين كونه صغيرا او كبيرا ذكرا أو أنثى. ويخرج عن الأيتام وليهم من مالهم. ويخرج عن الرقيق غير المكاتب مالكه.
(ولو) كان مالكه (مكاتبا).
وعلم من هذا أن المكاتب عليه فطرة نفسه.
ومحل وجوب الإخراج على جميع من تقدم إذا (فضل عن قوته، و) عن قوت (من تلزمه مؤنته يوم العيد وليلته بعد حاجتهما) اي: حاجة المخرج وحاجة من تلزمه مؤنته (لمسكن وخادم ودابة وثياب بذلة ونحوه) كالفراش واللحاف والمخدة. وجزم الموفق (وكتب يحتاجها لنظر وحفظ) وزاد على
стр. 1308
ذلك أو للمرأة حلي للبس أو لكراء محتاج إليه.
قال في " الفروع ": ولم أجدها في كلام أحد قبله ولم يستدل عليه.
ووجهه: أنه محتاج إلى ذلك كغيره مما سبق. وذكره في " الهداية " للحنفية في كتب العلم ل أهل ها. وظاهره ما ذكره الأكثر واقتصارهم على ما سبق من المنافع ان هذا لا يمنع. ولهذا لم أجد أحدا استثنى ذلك في حق المفلس مع ان الأصحاب أحالوا الاستطاعة في الحج على المفلس. وذكر في" الفصول "في المفلس أن الاستطاعة في الحج نظيره. فهذان ق ولأن على هذا. ووجهما: التسوية بين حق الله تعالى وحق الآدمي. أو أن حق الآدمي اكد. ويتوجه احتمال ثالث أن الكتب تمنع. بخلاف الحلي للبس للحاجة إلى العلم وتحصيله. ولهذا ذكر الشيخ- يعني: الموفق- أن الكتب تمنع في الحج والكفارة ولم يذكر الحلي. انتهى. فلهذا اقتصرت (١) على ذكر الكتب (٢) دون الحلي. إذا تقرر هذا فمتى فضل عمن تلزمه مؤنة نفسه وهو من أهل الفطرة خارجا عما ذكر في المتن (صاع) من واحد من الأصناف الاتي ذكرها. أو صاع مجتمع منها؛ كما لو فضل عنده ربع صاع من] تمر، وربع صاع من زبيب، وربع صاع من [ (٣) بر، وربع صاع من شعير: لزمه إخراجه.
(وإن فضل) عنده شيء من ذلك (دونه) اي: دون صاع: (اخرج) أي: لزم مالكه إخراجه عن نفسه على الأصح؛ لعموم قوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (٤) .
ولأن الفطرة في معنى النفقة والمؤنة. فاً شبه نفقة القريب إذا قدر على بعضها.
стр. 1309
(ويكمله) أي: ويجب إخراج بقية الصاع على (من تلزمه) فطرة ذلك الشخص الذي فضل عنده بعض الصاع (لو عدم) اي: لو لم يفضل عنده شيء البتة. وعبارة " شرح الهداية " ويجب الإتمام على من تلزمه فطرته على تقدير العجز عن جميعها.
(وتلزمه) أي: وتلزم من لزمته الفطرة عن نفسه: الفطرة (عمن يمونه من مسلم) كولده وزوجته وعبده ولو للتجارة. [فيجتميع في عبيد التجارة] (١) زكاة القيمة وزكاة الفطر. نص عليه.
(حتى زوجة عبده الحرة)؛ لوجوب نفقتها عليه؛ كما انه يجب على الزوج نفقة خادم امرأته. وكذا لو زوج الإبن أباه وكان ممن تجب عليه نفقته ونفقة امرأته فإن عليه فطرتهما.
(ومالك نفع قن فقط) أي: دون رقبته (ومريض لا يحتاج نفقة)؛ لما روى نافع عن ابن عمر قال: " أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطرعن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون" (٢) رواه الدارقطني. وروى ابو بكر في " الشافي " نحوه من حديب ابي هريرة.
(و) حتى (متبرع بمؤنته) اي: من تبرع بمؤمنة شخص مسلم زمن (رمضان). نص على ذلك في رواية أبي داود وغيره.
وبذلك قال إسحاق بن راهويه؛ لعموم فوله ﷺ : " ادوا صدقة الفطر عمن تمونون " (٣) .
وروى ابو بكر بإسناده عن علي قال: " زكاة الفطر على من جرت عليه نفقتك " (٤) .
стр. 1310
وهذا يعم من يمونه وينفق عليه تبرعا ووجوبها.
ولأن من تكفل به تبرعا كمن تلزمه كفالته في المنع من دفيع زكاته إليه. نص أحمد على ذلك.
وقال أبوالخطاب: لا تلزمه فطرته. وصححه في " المغني " و" الشرح ".
وحمل كلام أحمد على الاستحباب.
والمعتبر كون التبرع في جميع الشهر في ظاهر النص.
وقال ابن عقيل: قياس المذهب تلزمه إذا مات اخر ليلة في الشهر.
(و) حتى (ابق ونحوه) كالمرهون والمغصوب والغائب غير الابق والماسور والمحبوس.
قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون أن تؤدى زكاة الفطر عن الرقيق غائبهم وحاضرهم لأنه مالك لهم.
ولأن زكاة الفطر تابعة للنفقة، والنفقة تجب مع الغيبة. بدليل أن من رد الآبق يرجع بنفقته.
(لا إن شك في حياته) فإنه لا تجب فطرته مع الشك في حياته. نص عليه في روايه صالح، لأنه لايعلم بقاء ملكه عليه.
ولأنه لو أعتقه عن كفارته مع شكه في حياته لم يجزئه. فلم تجب فطرته، كالميت.
ومتى علمت حياته بعد ذلك أخرج لما مضى " [لأنه بان له وجود سبب الوجوب في الزمن الماضي. فوجب عليه الإخراج لما مضى] (١) " كما لو سمع بهلاك ماله الغائب ثم بان له أنه كان سليما.
(فإن لم يجد) من. عنده عائلة فطرة تكفي (لجميعهم: بدا بنفسه)، لقوله ﷺ " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " (٢) .
стр. 1311
ولأن الفطرة تنبني على النفقة. فكما انه يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة.
(فزوجته) يعني: أنه متى فضل عنده صاع عن فطرة نفسه أخرجه عن زوجته، لأن نفقتها مقدمة على سائر النفقات.
ولأنها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار فقدمت كذلك.
(فرقيقه) يعني: انه متى فضل عنده شيء عن فطرته وفطرة زوجته اخرجه عن رقيقه؛ لوجوب نفقته مع الإعسار. بخلاف نفقة الأقارب فإنها صلة لا تجب إلا مع اليسار.
(فأمه) يعني: أنه متى فضل عنده شيء بعد من تقدم أخرجه عن أمه " لأن الأم مقدمة في البر. بدليل: " قول النبي ﷺ للأعرابي حين قال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: امك. قال: ثم من؟ قال: امك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؛ قال: أباك " (١) .
ولأنها ضعيفة عن الكسب. وهذا على الأصح.
وعنه: يقدم الأب؛ لقوله ﷺ : " أنت ومالك لأبيك " (٢) .
(فأبيه) بعد أمه للحديب المتقدم.
(فولده) يعني: أنه متى فضل منه شيء بعد من تقدم أخرجه عن ولده.
فإن كان له اولاد ولم يكف لجميعهم أقرع.
وقيل: يقدم الصغير؛ لأن نفقته منصوص عليها.
(فأقرب في ميراث) يعني: انه متى فضل منه شيء بعد من تقدم وله أقارب
стр. 1312
قدم الأقرب فالأقرب في ميراث، لأن الأقرب أولى من الأبعد. فقدم، كالميراث.
(ويقرع مع استواء) كما لو كان له إخوة أو أعمام مستوين في كونهم أشقاء أو لأب ولم يفضل عنده ما يكفي لجميعهم فإنه يقرع بينهم على المذهب.
وقيل: يوزع الفاضل بينهم على عددهم.
وقيل: يخير باًن يخرجه عمن شاء منهم.
(وتسن) الفطرة (عن جنين)؛ لما روي " أن عثمان كان يخرجها عن الجنين " (١) .
وعن أبي قلابة قال: " كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه ". رواه أبو بكر في " الشافي ".
ولا تجب عنه على الأصح، لظاهر قوله ﷺ : " فرض على ذكر وأنثى صاع " (٢) .
أن الصاع يجزئ كل أنثى حاملا كانت أو حائلا كاًجنة السائمة.
وقال ابن والمنذر: كل من نحفظ عنه لا يوجب زكاة الفطر على الجنين قال: ولا يصح عن عثمان خلافه.
(ولا تجب) فطرة (لمن نفقته فى بيت المال)؛ كاللقيط، لأن ذلك ليس بإنفاق وإنما هو إيصال المال في حقه. قاله (٣) القاضي وغيره.
(او لا مالك له) والمراد (معين كعبد الغنيمة) قبل القسمة والفيء ونحو ذلك.
(ولا) تجب فطرة أجير وظئر (على مستأجر اجير او) مستاً جر (ظئر
стр. 1313
بطعامهما) في الأصح وفاقاً للأئمة الثلاثة؛ لأن الواجب هاهنا أجرة تعتمد الشرط في العقد. فلا يزاد عليها؛ كما لو كانت دراهم. ولهذا تختص بزمن مقدر كسائر الأجر.
(ولا) تجب الفطرة (عن زوجة ناشز) في الأصح وفاقاً لمالك والشافعي لأنه لا تلزمه نفقتها. فهي كالأجنبية والممتنعه من تسليم نفسها ابتداء.
(أو) زوجة (لا تجب نفقتها لصغر ونحوه) كحبس وغيبة في قضاء حاجتها ولو بإذنه لأنها حينئذ كالأجنبية.
(أو) زوجة (امة تسلمها) زوجها (ليلا فقط) أي: دون النهار لكونها حين الوجوب في نوبة السيد. (وهي) أي: فطرة الأمة التي تسلمها زوجها ليلا فقط (على سيدها كما لو عجز زوج) لأمة (تجب عليه) فطرتها لكونها تسلمها ليلا ونهارا (عنها) اي: عن الفطرة لأن الزوج حينئذ كالمعدوم.
(وفطرة مبعض) اي: بعضه حر وبعضه رقيق. (و) فطرة (قن مشترك) بين اثنين فأكثر. (و) فطرة (من له أكثر من وارث) كمن له جد وأخ للأبوين أو لأب أو ام وبنت (او ملحق بأكثر من واحد: تقسط) الفطرة بحسب الملك في المبعض والمشترك. وبحسب القسمة في الميراث؛ لأن نفقته تقسم بحسب الملك والإرث. فكذا فطرته التابعة لها.
وعنه: على كل مالك ووارث صاع كامل.
والمذهب الأول لأنه شخص واحد فلم تجب عنه أكئر من صاع كسائر الناس.
ولأنها طهرة فوجب على ساداته أو وارثه بالحصص؛ كماء الغسل من الجنابة إذا احتاج إليه.
ولا تدخل الفطرة في المهايأة. ذكره القاضي وجماعة؛ لأنها حق لله كالصلاة. (ومن عجز منهم) يعني: الملاك أو الوراث: (لم يلزم الآخر) الذي لم يعجز منهم (سوى قسطه؛ كشريك ذمي) في مال زكوي.
(ولمن لزمت غيره فطرته) كالزوجة والنسيب المعسر: (طلبه بإخراجها)
стр. 1314
أي: بأن يخرجها عنه، كما أن له المطالبة باًن ينفق عليه لأن الفطرة تابعة للنفقة. (و) له أيضاً (ان يخرجها) أي: أن يخرج فطرته (عن نفسه وتجزئ) عنه ولو أخرجها (بلا إذن من تلزمه) في الأصح، (لأنه) أي: الذي تلزمه (متحمل) عن المخرج بالفطرة لأن المخاطب بها ابتداء المخرج.
(ومن أخرج) فطرة (عمن لا تلزمه فطرته بإذنه: اجزأ)، وإلا فلا.
(ولا تجب) الفطرة (إلا بدخول ليلة) عيد (الفطر)، لقول ابن عباس: " فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر ظهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة المساكين " (١) . رواه أبو داود والحاكم وقال: على شرط البخاري.
فأضاف الصدقة إلى الفطر فكانت واجبة به، لأن الإضافة تقتضي الاختصاص والسببية. وأول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان مغيب الشمس من ليلة الفطر.
(فمتى وجد قبل الغروب موت) لمن تلزمه من زوجة او رقيق أو نسيب (ونحوه) أي: نحو الموت، كما لو طلق الزوجة أو عتق العبد أو أيسر النسيب أو انتقل الملك في الرقيق وكان ذلك كله قبل غروب الشمس: فلا فطره، لأنه لم تدخل ليلة الفطر إلا وقد زال السبب الموجب للفطرة. وكذا إن لم (٢) يوجد السبب إلا بعد دخول ليلة الفطر.
ومن أمثلة ذلك ما أشير إليه بقوله: (أو أسلم) يعني: عبده الكافر أو نسيبه الفقير أو زوجته الذمية بعد دخول ليلة الفطر (او ملك رقيقا او) ملك (زوجة) بأن تزوجها بعد دخول ليلة الفطر (أو ولد له) نسيب فقير من ولد أو أخ أو غيرهما ممن تلزمه نفقته (بعده) أي: بعد دخول ليلة الفطر: (فلا فطر) عليه في جميع هذه الصور. نقل ذلك الجماعة عن الإمام أحمد " لعدم وجود سبب الوجوب.
стр. 1315
ومفهومه: أنه إذا وجد ذلك قبل دخول ليلة الفطر وجبت الفطرة. فمن مات في ليلة الفطر وقد وجبت عليه الفطرة قبل أدائها أخرجت من ماله. فإن كان عليه دين وله مال يفي بهما قضيا جميعا، وإن لم يف بهما قسم بينهما بالحصص.
نص أحمد على ذلك في زكاة المال. فكذا هاهنا. فإن كان عليه زكاة مال وزكاة فطرة ودين فزكاة الفطر وزكاة المال كالشيء الواحد لاتحاد مصرفهما فيحاصان الدين. وأصل هذا ان حق الله وحق الادمي إذا تعلقا بمحل واحد فكانا في الذمة او كانا فى العين تساويا في الاستيفاء.
(والأفضل إخراجها) أي: الفطرة (يوم العيد قبل صلاته او) قبل مضي (قدرها) أي: الصلاة، " لأن النبى ﷺ أمر بها ان تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " (١) . في حديث ابن عمر.
وقال في حديث ابن عباس: " من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدفات " (٢) .
وعن أبي العالية " في هذه الاية: (قد افلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلي) [الأعلى: ١٤ - ١٥] قال: نزلت في صدقة الفطر. يزكون ثم يصلون " (٣) . رواه الأثرم.
(ويأثم مؤخرها عنه) أي: عن يوم العيد، لجوازها فيه كله.
لما روى الدارقطني عن ابن عمر: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، وقال: أغنوهم في هذا اليوم " (٤) . وهذا عام في جميعه (٥) . ولذلك (٦) كان النبي ﷺ
стр. 1316
يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة. فعلم أن أمره بتقدمها على الصلاة للاستحباب. وأنه لا يأثم إلا إذا اخرها عن يوم العيد.
(ويقضي) مؤخرها عنه. فتكون بعده قضاء.
(وتكره في باقيه) أي: باقي يوم العيد بعد الصلاة.
قال في" الفروع ": وفي الكراهة بعدها وجهان. والقول بها أظهر. انتهى.
وقيل: يحرم تأخير إخراجها إلى بعد الصلاة.
وذكر صاحب " المحرر ": أن أحمد رحمه الله تعالى أوماً إليه وتكون قضاء. وجزم به ابن الجوزي في " كتاب أسباب الهداية ". ذكره عنه في " الفروع ".
(لا في اليومين قبله) أي: ولا يكره إخراجها في اليومين قبل يوم العيد؛
لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر قال: " فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان- وقال في اخره-: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين " (١) . وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا.
ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها. فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغني بها عن الطواف والطلب فيه.
ولأنها زكاة. فجاز تعجيلها قبل وجوبها، كزكاة المال.
(ولا تجزئ) الفطرة إذا اخرجها (قبلهما) أي: قبل اليومين اللذين يليهما العيد " لقول النبي ﷺ " اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم " (٢) . ومتى قدمها بزمن كثير فات الإغناء المأمور به.
ولأنه مال مقصود في يوم عيد فاختص به وبما قاربه كالأضحية.
ولأن الفطر من رمضان] هو السبب أو اقوى جزأي السبب بدليل قوله في
стр. 1317
الحديث: " فرض صدقة الفطر من رمضان " (١) [ (٢) . فلم يجز تقديمها عليه بالزمن الكثير.
(ومن) وجبت (عليه فطرة غيره) كزوجته وعبده وولده (اخرجها مع فطرته مكان نفسه)،لأن الفطر سبب وجوب الزكاة ففرقت في البلد الذي وجد سببها وهو فيه.
قال في " الفروع ": ومن لزمه فطرة حر أو عبد فقيل: يخرجها مكانهما.
قدمه بعضهم وفاقاً لأبي يوسف. وحكي عن أبي حنيفة " لأنها كمال مزكى في غيربلد (٣) مالكه.
وقيل: مكانه. وهو ظاهر كلامه. وفي " منتهى الغاية " نص عليه وفاقاً لأبي حنيفة ومالك (٤) كفطرة نفسه وفاقاً، لأنه السبب لتعدد الواجب بتعدده.
واعتبر لها المال لشرط القدرة ولهذا لا تزداد بزيادته. انتهى.
стр. 1318
] فصل: في أحكام الفطرة]
(فصل) فيما يلزم في (١) الفطرة. (والواجب) في الفطرة (صاع بر) أي: أربعة أمداد. وذلك خمسة أرطال وثلث رطل عراقي؛ لأن المد رطل وثلث رطل وهو صاع النبي ﷺ وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل الخلقة.
وحكمته: كفايته للفقير في أيام العيد.
(او مثل مكيله) أو مكيل البر (من تمر أو زبيب او شعير أو اقط) وهي شيء يعمل من اللبن المخيض. وقيل: من لبن الإبل فقط. نص على الأقط في رواية الجماعة.
لما روى أبو سعيد الخدري فالط: " كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله ﷺ صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، او صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط " (٢) .] متفق عليه] (٣) .
(أو) صاع (مجموع من ذلك) أي: من الخمسة المذكورة بأن يكون نصفه بر ونصفه تمر. أو ربعه تمر وربعه شعير وربعه زبيب وربعه أقط ونحو ذلك لنص احمد على إجزاء صاع من أجناس لأن كلا منها يجوز منفردا فكذا مع غيره لتقارب مقصودها أو اتحاده. وقاسه في " المغني " و" الشرح " على فطرة عبد مشترك إذا أخرج كل واحد من جنس. وفي " الفروع ": يتوجه تخريج من الكفارة لا تجزئ لظاهر الأخبار إلا ان نقول بالقيمة.
стр. 1319
(ويحتاط في ثقيل) كتمر (ليسقط الفرض بيقين).
ومن أخرج فوق صاع فاً جره أكثر. وحكي لأحمد عن خالد بن خداش سمعت مالكا يقول: لا يزيد فيه لأنه ليس له أن يصلى الظهر خمسا. فغضب أحمد واستبعد ذلك.
(ويجزئ دقيق بر و) دقيق (شعير وسويقهما. وهو: ما يحمص ثم يطحن بوزن حبه) نص عليه لتفرق الأجزاء بالطحن. واحتج احمد على. إجزاء الدقيق بزيادة انفرد بها ابن عيينة من حديب أبي سعيد: " أو صاعا من دقيق. قيل لابن عيينة: إن أحدا لا يذكره فيه. قال: بل هو فيه " (١) . رواه الدارقطنى.
قال المجد: بل هو أولى بالإجزاء؛ لأنه كفي مؤنته؛ كتمر نزع نواه.
ويجزئ الدقيق (ولو بلا نخل) لأنه بوزن حبه (كـ) ما يجزئ الحب (بلا تنقية)؛ لأنه لم يثبت فيها شيء. إلا أن أحمد قال: كان ابن سيرين يحب أن ينقى الطعام. وهو (٤) إلي ليكون على الكمال ويسلم مما يخالطه من غيره، (لا خبز) فإنه لا يجوز؛ لخروجه عن الكيل والادخار. وكذا ما في معناه كالهريسة وكذا البكسماط لخروجه عن الكيل. ولا يجزئ أيضاً إخراج القيمة.
نص عليها وعلى الخبز.
(و) لا يجزئ (معيب) من الأصناف الخمسة المتقدم ذكرها؛ لقوله
: (ولاتيمموا الخبيث منه تنفقون)] البقرة: ٢٦٧].
والمعيب (كمسوس)؛ لأن السوس يأكل جوفة. (ومبلول)؛ لأن البلل ينفخه. (وقديم تغير طعمه)؛ لأن تغير طعمه عيب فيه. أما إذا لم يتغير طعمه ولا رائحته إلا أن الجديد أكثر قيمة من القديم جاز أخراجه لعدم العيب فيه.
والأفضل الجديد. (ونحوه) أي: ونحو ما تقدم من امثلة المعيب كالقديم الصغير الرائحة.
(و) لا يجزئ إخراج شيء من الأصناف الخمسة (مختلط ب) شيء (كثير
стр. 1320
مما لا يجزئ) كالقمح المختلط بكثير الزيوان أو بكثير العدس أو نحو ذلك؛ لأنه لا يعلم قدرما فيه من المجزئ.
(ويزاد) على الصاع (إن قل) المختلط الذي لا يجزئ (بقدره).
قال في " الفروع ": وإن قل زاد بقدرمايكون المصفى صاعا لأنه ليس عيبا لقلة مشقة تنقيته.
(ويجزئ مع عدم ذلك) أي: عدم الأصناف الخمسة (ما يقوم مقامه) اي: مقام احدها (من حب) يقتات (وتمر مكيل يقتات)؛ كالذرة والدخن والأرز والعدس والتين اليابس واشباهه؛ لأن ذلك أشبه بالمنصوص عليه. فكان أولى من غيره.
وقال ابن حامد: يجزئه إخراج كل ما يقتات من لبن ولحم وغيرها.
(والأفضل) اي: أفضل مخرج (تمر) مطلقا. نص عليه وفاقاً لمالك لفعل ابن عمر. قال نافع: " كان ابن عمر يعطي التمر إلا عاما واحدا أعوز التمر فأعطى الشعير " (١) . رواه احمد والبخاري.
و" قال له أبو مجلز: إن الله قد أوسع، والبر افضل. فقال: إن أصحابي سلكوا طريقا فأنا أحب ان أسلكه ". رواه احمد واحتج به.
وظاهر هذا أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم فكذلك نحن.
ولأن التمر قوت وحلاوة واقرب تناولا واقل كلفة.
(فزبيب) يعني: ان الزبيب يلي التمر في الأفضلية في الأصح؛ لأن فيه قوتا (٢) وحلاوة وقلة كلفة. فكان أشبه بالتمر من البر.
стр. 1321
(فبر)؛ لأن القياس تقديمه على الكل، لكن ترك القياس اقتداء بالصحابة في التمر، وما شاركه في المعنى وهو الزبيب.
(فأنفع) يعني: انه يلي البر في الفضيلة ما كان انفع في الاقتيات وأبلغ في
دفع حاجة الفقير.
ومع الاستواء في النفع فشعير (فدقيقهما) أي: البر والشعير (فسويقهما فأقط.
و) الأفضل (ان لا ينقص معطى) من الفطرة (عن مد بر) وهو ربع الصاع (او نصف صاع من غيره) أي: غير البر.
(ويجوز إعطاء) فقير (واحد ما على جماعة) نص على ذلك. (وعكسه) اي: إعطاء جماعة ما على واحد.
(ولإمام ونائبه رد زكاة وفطرة إلى من اخذتا منه. وكذا فقير لزمتاه) اي: الزكاة والفطرة.
قال في " شرح المقنع ": فإن دفعها إلى مستحقها فأخرجها اخذها إلى دافعها أو جمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على أهل السهمان فعادت إلى إنسان صدقته فاختار القاضي جواز ذلك. قال: لأن أحمد نص فيمن له نصاب من الماشيه والزرع أن الصدقة تؤخذ منه وترد إليه إذا لم يكن له قدر كفايته. وهو مذهب الشافعي لأن قبض الإمام أو المستحق ازال ملكه المخرج وعادت إليه بسبب اخر. اشبه ما لو عادت إليه بميراث. انتهى.
وقال أبو بكر مذهب أحمد لا. كشرائها. وجزم بقول القاضي في " التنقيح " ثم قال (المنقح: ما لم تكن حيلة) يعني: على (١) عدم إخراج الزكاه. والله أعلم.
стр. 1322
] باب: أحكام إخر اج الزكاة]
هذا (باب) (١) فيما يتعلق بإخراج الزكاة.
(إخراج الزكاة) بعد استقرارها (واجب فورا) أي: من غير تأخير إلا في صور تأتي في المتن؛ (كـ) وجوب الفورية في (نذر مطلق وكفارة)؛ لأن الأمر المطلق في قوله: (وءاتوا الزكاة) [البقره: ١١٠] يقتضي الفورية. بدليل قوله : (ما منعك ان تسجد اذ امرتك) [الأعراف: ١٢]. فوبخه إذ لم يسجد حين أمر.
وروى أبو سعيد بن المعلى قال: " كنت أصلي في المسجد. فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه. ثم أتيته فقلب: يا رسول الله! إنى كنت أصلي. فقال ألم يقل الله: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) [الأنفاد: ٢٤] " (٢) . رواه احمد والبخاري.
ولأن السيد إذا- أمر عبده بشيء فاًهمله حسن لومه وتوبيخه عند أهل العرف ولم يقبلوا عذره بانتفاء قرينة الفورية.
ومحل ذلك (إن امكن) الإخراج؛ لأنها زكاه أمكن إخراجها فوجب على الفور. أشبه ما لو طولب بها بل أولى لأن أمر الساعي لمن وجبب عليه باًدائها يفيد الفور اتفاقا فكيف لا يفيده أمر الله .
ولأنه يأثم بتاً خيرها مع مطالبة الآدمي. فكذلك مع مطالبة الله ، كالعين المغصوبة.
ولأن تجويز تأخيرها يمنع معه تأثيم من مات فجاً ة أو بغتة قبل الأداء لأنه إنما
стр. 1323
فعل ما أذن له فيه. ويمتنع أن لا يأثم لمخالفة العمومات في وعيد (١) من لم يؤد زكاة ماله. وإذا امتنع القسمان تعينت الفورية.
ولأن الشح يوجب الإمساك فيما طبعت عليه النفوس، وحاجة الفقير ناجزة. فإذا أخر الإخراج اختل المقصود. وربما فات بما يطرا من إفلاس أو موت او تلف أو غير ذلك.
(و) محل ذلك أيضاً إن لم يخش ضررا بأن (لم يخف رجوع سماع) عليه بها إن أخرجها من غير علمه.
(أو) يخشى بدفعها على الفور ضررا (على نفسه او ماله ونحوه) كمعيشته، لقول النبي ﷺ " لا ضرر ولا ضرار " (٢) .
ولأنه إذا جاز تأخير دين الادمي لذلك فتاً خير الزكاة أولى.
(وله تأخيرها لأشد حاجة) ممن هو حاضر. نقله يعقوب وقيده جماعه بزمن يسير.
قال في " الإنصاف ": ويجوز أيضاً التاًخير ليعطيها لمن حاجته اشد على الصحيح من المذهب. نقل يعقوب: لا أحب تأخيرها إلا أن لا يجد قوما مثلهم في الحاجة فيؤخرها لهم. قدمه في " الرعاية " و" الفروع ".وقال: جزم به بعضهم. انتهى.
(و) يجوز تأخيرها أيضاً (لقريب وجار).
قال في " الإنصاف ": ويجوز أيضاً التأخير لقريب. قدمه في " الفروع "، وقال: جزم به جماعة. قلت: منهم ابن رزين وصاحب " الحاويين " وقدم جماعة المنع منهم صاحب " الرعايتين " و" الفائق ".
قال في " القواعد الأصولية ": وأطلق القاضي وابن عقيل روايتين في القريب
стр. 1324
ولم يقيداه بالزمن اليسير. ويجوز أيضاً التأخير للجار كالقريب. جزم به في " الحاويين " وقدمه في " الفروع " وقال: ولم يذكره الأكثر. انتهى.
(و) للمالك تأخيرها الحاجته إليها إلى ميسرته). نص عليه. واحتج بحديث عمر " انهم احتاجوا عاما. فلم يأخذ منهم الصدقة فيه. واخذها منهم في السنة الأخرى " (١) .
(و) يجوز له أيضاً تأخيرها (لتعذر إخراجها من المال لمغيبة وغيرها إلى قدرته) عليه (ولو قدر ان يخرجها من غيره)، لأن الأصل الإخراج من عين المال المخرج عنه، والإخراج من غيره رخصة، ولا تنقلب الرخصة تضييقا. (ولإمام وساع تأخيرها عند ربها لمصلحة كقحط ونحوه). نص عليه، واحتج بحديث عمر المتقدم.
قال في " الفروع ": واحتج بعضهم بقوله ﷺ عن العباس: " فهي عليه ومثلها معها " (٢) . رواه البخاري. وكذا اوله أبو عبيد. انتهى.
(ومن جحد وجوبها) أي: الزكاة (عالما) بالوجوب (او ج أهل ا) به لكونه قريب عهد بالإسلام أو نشاً ببادية بعيدة عن القرى (وعرف فعلم وأصر) على الجحود عنادا: (فقد ارتد) عن الإسلام، لأنه مكذب لله ولرسوله.
تجري عليه أحكام المرتدين بأن يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل.
حتى (ولو أخرجها) مع جحوده، لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهره في الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
(وتؤخذ منه) إن كانت وجبت عليه لاستحقاق أهل الزكاة لها.
(ومن منعها) أي: منع الزكاة (بخلا) بها (او تهاونا) من غير أن
стр. 1325
يجحدها: (اخذت) منه قهرا كدين الآدمي. وكما يؤخذ منه العشر.
ولأن للإمام طلبها وكالخراج.
(وعزر) يأتي فاعله (من علم تحريم ذلك) أي: تحريم منعها (إمالم) فاعل عزر (عادل)؛ لأنه متى كان الإمام فاسقا يصرفها في غير مصارفها كان ذلك عذرا له في عدم دفعها إليه (أو) عزره (عامل) عادل لمنعه الزكاة.
(فإن غيب) ماله، (او كتم ماله، أو قاتل دونها) أي: دون الزكاه بأن قاتل الجابي لها (وامكن اخذها) منه (بقتاله) اي: بقتال الإمام له: (وجب قتاله على إمام وضعها) اي: وضع الزكاة (مواضعها)؛لاتفاق الصديق مع الصحابة على قتال مانعي الزكاة. وقال: " والله لو منعونى عناقا- وفي لفظ عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها " (١) . متفق عليه.
(وأخذت) الزكاة (فقط) اي: من غير زيادة عليها على الأصح.
وعنه: تؤخذ الزكاة ومثلها معها.
وعنه: تؤخذ ويؤخذ شطر ماله الزكوي؛ لما روى بهز بن حكيم عن ابيه عن جده مرفوعا: " في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون. لا تفرق الإبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا فله اجرها. ومن منعها فإنا اخذوها وشطر إبله.
عزمة من عزمات ربنا. لا يحل لآل محمد منها شيء " (٢) . رواه احمد والنسائي وأبو داود. وقال: شطر ماله. وهو ثابت إلى بهز وقد وثقه الأكثر.
والأول المذهب. ويجاب عن الحديث بأن ذلك كان في بدء الإسلام حيث
стр. 1326
كانت العقوبات بالمال ثم نسخ بقوله في حديث الصديق: " ومن سئل فوق ذلك فلايعطه " (١) .
ولأن منع الزكاة كان في خلافة الصديق مع توفر الصحابة ولم ينقل عنهم أخذ زيادة ولا قول (٢) بذلك.
ولأن غايته أنه ظلم بمنيع الحق. فلا يزاد عليه بذلك؛ كسائر الحقوق.
(ولا يكفر) من قاتل الإمام على الزكاة (بقتاله للإمام) على (٣) أصح الروايتين. وإن حكمنا بكفر تارك الصلاة. وهذا قول أكثر أهل العلم.
وعنه: بلى؛ لقول ابن مسعود (ما مانع الزكاة بمسلم ". حكاه (٤) أحمد ورواه الأثرم.
ولما روي " أن الصديق لما قاتل مانعي الزكاة وعضتهم الحرب [قالوا: نؤديها] (٥) . قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" (٦) .
ولم ينقل عن الصحابة إنكار ذلك.
والأول المذهب؛ لما روى عبدالله بن شقيق قال: " كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفرا إلا الصلاة " (٧) . رواه الترمذي.
ولأن عمر وغيره من الصحابة امتنعوا من قتال مانعي الزكاة ابتداء. ولو اعتقدوا كفرهم ما امتنعوا منه. ثم اتفقوا على القتال فبقي عدم التكفير على اعتقادهم الأول. وما ورد في التكفير بذلك معناه التغليظ ومقاربة الكفر دون
стр. 1327
تحقيقه. ويحتمل أن كلام الصديق (١) كان لمن منعها جحودا أولحق ب أهل الردة منهم. فقد كان فيهم طائفة كذلك. والله أعلم.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن أخذها من مانعها بوجه وهو في قبضة الإمام (استتيب ثلاثة أيام) لأنها من مبانى الإسلام فيستتاب تاركها كالصلاة (فإن) تاب بأن (أخرج) الزكاة. (وإلا قتل) لاتفاق الصحابة على قتال مانعها (حدا) لما تقدم من (٢) أنه لا يكفر بذلك، (واخذت) الزكاة (من تركته) لأن القتل لا يسقط دين الادمي. فكذا الزكاة.
(ومن) طولب بالزكاة فـ (ادعى اداءها) لمستحقها: صدق بلا يمين.
(أو) ادعي (بقاء إلحول) أي: أنه لم يحل الحول على ماله. (أو) ادعى (نقص النصاب. أو) ادعى (زوال ملكه) عن النصاب في أثناء الحول. (او) ادعى (تجدده) أي: تجدد ملكه على النصاب (قريبا. أو) ادعى (ان ما بيده) من المال الزكوي (لغيره. أو) ادعى (أنه) أي: مال السائمة (مفرد. أو) أنه (مختلط ونحوه) مما يمنع وجوب الزكاة او نقصانها كما لو طولب بزكاة عرض تجارة فادعى انه نواه للقنية أو بزكاة سائمة فادعى أنه علفها زمنا يمنع معه وجوب الزكاة. (او أقر بقدر زكاته ؤلم يذكر قدر ماله): لم يسأل عن شيء و (صدق بلايمين). نقل حنبل: لا يسئل المتصدق عن شيء، ولا يبحث. إنما يأخذ ما أصابه مجتمعا.
ولأنها عبادة مؤتمن عليها فلا يستحلف كالصلاة والكفارة. بخلاف الوصية للفقراء بمال. وهذا المذهب.
وقال ابن حامد: يستحلف في ذلك كله.
وفي " الفروع ": يتوجه احتمال إن اتهم.
وفي " الأحكام السلطانية ": إذا رأى السامل ان يستحلفه فعل. وان نكل لم
стр. 1328
يقض عليه بنكوله.
وقيل: بلى.
وكذا الحكم إن مر بعاشر وادعى أنه عشره عاشر أخر.
قال أحمد: إذا أخذ منه المصدق كتب له براءة. فإذا جاء اخر أخرج إليه براءته.
قال القاضي: وإنما قال ذلك لتنتفي التهمة عنه.
(ويلزم) بالإخراج (عن) مال (صغير ومجنون وليهما) في ما لهما. نص عليه كما يجب عليه صرف النفقة الواجبة؛ لأن ذلك حق تدخله النيابة. فقام الولي فيه مقام المولى عليه، كالنفقات والغرامات.
ومحل ذلك: إذا كان كل من الصغير والمجنون حرا مسلما تام الملك.
وذلك لأن نية الصغير ضعيفة والمجنون لا تتحقق منه نية الزكاة مع وجوب الزكاة في مالهما؛ لما تقدم من أنه ليس من شرط وجوب الزكاة بلوغ ولا عقل.
(وسن) لمخرج الزكاة (إظهارها).
قال في " الفروع ": ويستحب إظهار إخراجها في الأصح.
(و) سن أيضاً (تفرقة ربها) أي: رب الزكاة (بنفسه) ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها. وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة.
قال احمد: أعجب (١) إلي ان يخرجها.
ومما يدل لذلك قوله : (ان تبدوا الصدقات .... .) الاية [البقرة: ٢٧١] وكالدين.
لكن (يشترط امماثقه) أي: امانة رب المال لأنه إن لم يثق بنفسه في إخراج جميعها كان دفعها إلى الساعي أفضل، لأنه ربما يمنعه الشح المطبوعة عليه النفوس من تأخير شيء منها.
стр. 1329
(و) سن أيضاً (قوله) اي: قول رب المال (عند دفعها) اي: دفع زكاة ماله (اللهم! اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما)، لخبر ابي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها ان تقول: اللهم! اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما " (١) . رواه ابن ماجه من رواية البختري بن عبيد وهو ضعيف.
قال بعضهم: ويحمد الله تعالى على توفيقه لأدائها. ومعناه الدعاء كاً نه قال: اللهم! اجعلها مثمرة لا منقصة " لأن التثمير كالغنيمة والتنقيص كالغرامة.
(و) سن أيضاً (قول اخذ) الزكاة: (آجرك الله فيما اعطيت وبارك لك فيما ابقيت وجعله لك طهورا)، لأنه ماًمور بالدعاء في قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بهاوصل عليهم) [التوبة: ١٠٣] اي: ادع لهم.
قال عبدالله بن أبي أوفى: " كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم! صل على ال فلان. فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم! صل على ال أبي أوفى " (٢) . متفق عليه.
وهو محمول على الندب. ولهذا لم يأمر النبي ﷺ سعاته بالدعاء لمن اخذوا منه الزكاة.
واجاب؛ بعض العلماء بان دعاءه ﷺ سكن لهم. بخلاف غيره.
وفي " أحكام القاضي ": على العامل إذا أخذ الزكاة أن يدعو ل أهل ها.
قال في " الفروع ": و" على " ظاهر في الوجوب. وأوجبه الظاهرية وبعض الشافعية. وقد ذكره صاحب " المحرر" في قوله: وعلى الغاسل ستر ما راه.
] ونظير ذلك: (وعلى الوارث مثل ذلك)] البقرة: ٢٣٣] (٣) .
стр. 1330
وفي باب الحروف من " العده " و" التمهيد ": أن على للإيجاب.
وفي " الصحيحين " من حديب أبي موسى " على كل مسلم صدقة " (١) .
و" فيهما " من حديث أبي هريرة " كل سلامى من الناس عليه صدقة " (٢) .
قال في " شرح مسلم ": قال العلماء: صدقة ندب لا إيجاب. انتهى.
(وله دفعها) أي: لرب المال دفع زكاته (إلى الساعي).
وعند أبي الخطاب أنه أفضل من تفرقتها بنفسه.
قال في " شرح المقنع ": ولا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز. سواء كان عدلا أو غير عدل وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. ويبرأ بدفعها سواء تلفت في يد الإمام أو لا. أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها. انتهى.
و" قيل: لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور.
فقال: ادفعها إليهم ". حكاه عنه أحمد.
وفي لفظ عنه: " ادفعوها إلى من غلب " (٣) .
وفي لفظ اخر: " ادفعوها إلى الأمراء وإن كرعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم " (٤) . رواهما عنه أبو عبيد.
وقال أحمد في رواية حنبل: كانوا يدفعون الزكاة إلى الأمراء وهؤلاء
стр. 1331
أصحاب رسول الله ﷺ يأمرون بدفعها. وقد علموا فيما ينفقونها فما أقول أنا وقال في " الفروع ": ويجوز الدفع إلى الخوارج والبغاة. نص عليه في الخوارج إذا غلبوا على بلد واخذوا منه العشر وقع موقعه.
وقال القاضي في موضع: هذا محمول على أنهم خرجوا بتأويل.
وقال في موضع اخر: إنما يجزئ أخذهم إذا نصبوا لهم إماما. وظاهر كلامه في موضع من " الأحكام السلطانية " لا يجزئ الدفع إليهم اختيارا.
وعنه: التو قف. انتهى.
стр. 1332
] فصل: في شروط إخراج الزكاة]
(فصل. ويشترط لإخراجها) اي (١) : الزكاة (نية من مكلف)، لقول النبي ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " (٢) .
ولأنها عبادة يتكرر وجوبها. فافتقرت إلى تعيين النية، كالصلاة.
ولأنه مامور بالزكاة. فإذا لم يقصدها لم يكن ممتثلا فيبقى في عهدة الأمر لأن صرف المال إلى الفقير له جهات من زكاة وكفارة ونذر وصدقة تطوع ولا قرينة تعين فاعتبرت نية التمييز.
والنية هنا: أن ينوي انها زكاة ماله أو زكاة من يخرج عنه من صبي او مجنون.
ومحلها القلب، لأنه محل الاعتقادات كلها.
(إلا ان تؤخذ) الزكاة منه (قهرا) فإنها تجزئ من غير نية رب المال في الظاهر بلا تردد. بمعنى انه لا يؤمر باًدائها ثانيا.
(او يغيب ماله) تم يطلع عليه. فتؤخذ منه. فإنها تجزئه أيضاً من غير نية، كالمأخوذة قهرا.
وقال ابو الخطاب وابن عقيل: لا يجزئه فيهما إلا بنية.
(او يتعذر وصول إلى مالك) للمال المزكى (بحبس، ونحوه)، كاًسير (فيأخذها الساعي) من المال. فإنها تجزئ ظاهراً في المسألتين الأوليين.
(وتجزئ) ظاهراً و (باطنا في) المسالة (الأخيرة فقط) وهي ما إذا تعذر
стр. 1333
الوصول إلى المالك وأخذها الساعي من المال.
(والأولى قرنها) أي: قرن النية (بدفع وله تقديمها بـ) زمن (١) (يسير كصلاة فينوي الزكاة او الصدقة الواجبة أو صدقة المال او الفطر، ولا يجزئ إن نوى صدقة مطلقة ولو تصدق بجميع ماله) كما لو نوى صلاة مطلقة فإنها لا تجزئ عن الفرض.
(ولا تجب نية فرض) للاكتفاء بنية الزكاة فإنها لا تكون إلا فرضا.
(ولا) تجب أيضاً (تعيين) مال (مزكى عنه) على المذهب.
] وفي تعليق القاضي: وجه تعتبر نية التعيين إذا اختلف المال " مثل شاة عن خمس من الإبل وأخرى عن أربعين من الغنم، ودينار عن نصاب تالف، واخر عن نصاب قائم وصاع عن فطره واخر عن عشر الزكاة.
(فلو نوى) على المذهب [ (٢) الزكاة (عن ماله الغائب و) انه (إن كان تالفا) أي: تبين تلفه (فعن الحاضر: أجزا عنه) أي: عن الحاضر (إن كان الغائب تالفا). بخلاف الصلاة لاعتبار التعيين فيها.
(وإن أدى قدر زكاة أحدهما) اي: أحد النصابين اللذين هما الحاضر والغائب: (جعلها لأيهما) اي: أي النصابين (شاء، كتعيينه ابتداء) أنها عن الحاضر مثلا.
(وإن لم يعين) واحدا منهما (اجزا عن احدهما.
ولو نوى) بالزكاة (عن) المال (الغائب فبان) الغائب (تالفا لم: يصرف) أي: لم يكن له صرفه في هذه الحالة (إلى غيره) وفاقاً للأئمة الثلاثة، كعتق في كفارة معينة فلم تكن لأن النية لم تتناوله.
(وإن نوى) بالزكاة (عن الغائب إن كان سالما) فبان سا لما: أجزأته عنه.
(او نوى) عن الغائب إن كان سالما، (وإلا) اي: وإن لم يكن سالما
стр. 1334
(ف) هي (نفل) فبان الغائب سالما: (اجزأ) الدفع؛ لأن ذلك في حكم الإطلاق فلا يضر تقييده به.
قال في " الفروع ": وقال ابو بكر: لا يجزئه لأنه لم يخلص النية للفرض؛ كمن قال: هذه زكاة مالي او نفل. او قال: إن كان مات مورثي فهذه زكاة إرثي منه لأنه لم يبن على أصل.
قال الموفق وغيره: كقوله ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل. وقال صماحب " المحرر " كقوله: إن كان وقت الظهر دخل فصلاتي هذه عنها.
وقال غير واحد: لو قال في الصلاة إن كان الوقت دخل ففرض وإلا فنفل فعلى الوجهين.
وقال أبو البقاء: فيمن بلغ في الوقت التردد في العبادة يفسدها. ولهذا لو صلى ونوى إن كان الوقت قد دخل فهي فريضة وإن لم يكن قد دخل فهي نافلة لم تصح له فرضا ولا نفلا. انتهى.
(وإن نوى) با لزكاة (عن) النصاب (الغائب إن كان سالما وإلا) أي: وإن لم يكن سالما (فأرجع) بالزكاة: (فله الرجوع إن بان تالفا). ذكره أبو المعالي على قول الرجوع في التلف.
قال: ولو أعتق عبده من كفارته فلم يجزئه لعيبه عتق ولزمه بدله. فإن قال: عتقته عن كفارتي وإلا رددته إلى الرق إن لم يكن مجزءا فله رده إلى الرق.
قال في " الفروع ": ثم فرق بينه وبين مساًلة الصوم المذكورة على الأصح فيها: بأن الأصل عدم دخول وقت الصوم وهنا الأصل بقاء المال ووجوب الزكا ة.
ومن شك في بقاء ماله الغائب لم يلزمه الإخراج عنه. وكذا إن علم بقاءه وقلنا الزكاة في العين، وإن قلنا في الذمة فوجهان. وظاهر اختياره في " المستوعب " في فائدة تعلقه بالعين او الذمة أنه يلزمه. انتهى.
стр. 1335
(وإن وكل) رب المال (فيه) أي: إخراج الزكاة (مسلما ثقة) نصا مكلفا ذكرا أو أنثى: (اجزأت نية موكل) فقط (مع قرب) زمن (إخراج) من زمن توكيل " لأن الموكل هو الذي عليه الفرض. وتأخر الأداء عن النية بالزمن اليسير جائز.
(وإلا) أي: وإن لم يقرب زمن الإخراج من زمن التوكيل (نوى) موكل و (وكيل ايضا) " لئلا يخلو الدفيع إلى المستحق عن نية مقارنة أو مقاربة. ولو نوى الوكيل دون الموكل لم تجزئ، لتعلق الفرض بالموكل ووقوع الإجزاء عنه. وإن دفع الزكاة إلى الإمام من هي عليه ناويا بدفعه الزكاة ولم ينو الإمام حال دفعه إلى الفقراء جاز، وإن طال الزمن لأنه وكيل الفقراء.
(ومن علم أهلية آخذ) للزكاة (كره أن يعلمه) أنها زكاة. نص عليه وقال لم يبكته؟ يعطيه ويسكت. ما حاجته إلى ان يقرعه؟.
وعنه: ليس بمكروه ولا مستحب.
وقيل: يستحب إعلامه.
وقيل: لا بد منه.
(ومع عدم عادته) أي: عادة الأخذ (بأخذها: لم يجزئه) دفعها له (إلا أن يعلمه).
قال في " الإنصاف ": فأما إذا كان من عادته أنه لا ياً خذ الزكاة فلا بد من إعلامه فإن لم يعلمه لم يجزئه.
قال المجد في " شرحه ": هذا قياس المذهب عندي واقتصر عليه وتابعه في " الفروع "؛ لأنه لا يقبل زكاة ظاهراً. انتهى.