أصحاب رسول الله ﷺ يأمرون بدفعها. وقد علموا فيما ينفقونها فما أقول أنا وقال في " الفروع ": ويجوز الدفع إلى الخوارج والبغاة. نص عليه في الخوارج إذا غلبوا على بلد واخذوا منه العشر وقع موقعه.
وقال القاضي في موضع: هذا محمول على أنهم خرجوا بتأويل.
وقال في موضع اخر: إنما يجزئ أخذهم إذا نصبوا لهم إماما. وظاهر كلامه في موضع من " الأحكام السلطانية " لا يجزئ الدفع إليهم اختيارا.
وعنه: التو قف. انتهى.
стр. 1332
] فصل: في شروط إخراج الزكاة]
(فصل. ويشترط لإخراجها) اي (١) : الزكاة (نية من مكلف)، لقول النبي ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " (٢) .
ولأنها عبادة يتكرر وجوبها. فافتقرت إلى تعيين النية، كالصلاة.
ولأنه مامور بالزكاة. فإذا لم يقصدها لم يكن ممتثلا فيبقى في عهدة الأمر لأن صرف المال إلى الفقير له جهات من زكاة وكفارة ونذر وصدقة تطوع ولا قرينة تعين فاعتبرت نية التمييز.
والنية هنا: أن ينوي انها زكاة ماله أو زكاة من يخرج عنه من صبي او مجنون.
ومحلها القلب، لأنه محل الاعتقادات كلها.
(إلا ان تؤخذ) الزكاة منه (قهرا) فإنها تجزئ من غير نية رب المال في الظاهر بلا تردد. بمعنى انه لا يؤمر باًدائها ثانيا.
(او يغيب ماله) تم يطلع عليه. فتؤخذ منه. فإنها تجزئه أيضاً من غير نية، كالمأخوذة قهرا.
وقال ابو الخطاب وابن عقيل: لا يجزئه فيهما إلا بنية.
(او يتعذر وصول إلى مالك) للمال المزكى (بحبس، ونحوه)، كاًسير (فيأخذها الساعي) من المال. فإنها تجزئ ظاهراً في المسألتين الأوليين.
(وتجزئ) ظاهراً و (باطنا في) المسالة (الأخيرة فقط) وهي ما إذا تعذر
стр. 1333
الوصول إلى المالك وأخذها الساعي من المال.
(والأولى قرنها) أي: قرن النية (بدفع وله تقديمها بـ) زمن (١) (يسير كصلاة فينوي الزكاة او الصدقة الواجبة أو صدقة المال او الفطر، ولا يجزئ إن نوى صدقة مطلقة ولو تصدق بجميع ماله) كما لو نوى صلاة مطلقة فإنها لا تجزئ عن الفرض.
(ولا تجب نية فرض) للاكتفاء بنية الزكاة فإنها لا تكون إلا فرضا.
(ولا) تجب أيضاً (تعيين) مال (مزكى عنه) على المذهب.
] وفي تعليق القاضي: وجه تعتبر نية التعيين إذا اختلف المال " مثل شاة عن خمس من الإبل وأخرى عن أربعين من الغنم، ودينار عن نصاب تالف، واخر عن نصاب قائم وصاع عن فطره واخر عن عشر الزكاة.
(فلو نوى) على المذهب [ (٢) الزكاة (عن ماله الغائب و) انه (إن كان تالفا) أي: تبين تلفه (فعن الحاضر: أجزا عنه) أي: عن الحاضر (إن كان الغائب تالفا). بخلاف الصلاة لاعتبار التعيين فيها.
(وإن أدى قدر زكاة أحدهما) اي: أحد النصابين اللذين هما الحاضر والغائب: (جعلها لأيهما) اي: أي النصابين (شاء، كتعيينه ابتداء) أنها عن الحاضر مثلا.
(وإن لم يعين) واحدا منهما (اجزا عن احدهما.
ولو نوى) بالزكاة (عن) المال (الغائب فبان) الغائب (تالفا لم: يصرف) أي: لم يكن له صرفه في هذه الحالة (إلى غيره) وفاقاً للأئمة الثلاثة، كعتق في كفارة معينة فلم تكن لأن النية لم تتناوله.
(وإن نوى) بالزكاة (عن الغائب إن كان سالما) فبان سا لما: أجزأته عنه.
(او نوى) عن الغائب إن كان سالما، (وإلا) اي: وإن لم يكن سالما
стр. 1334
(ف) هي (نفل) فبان الغائب سالما: (اجزأ) الدفع؛ لأن ذلك في حكم الإطلاق فلا يضر تقييده به.
قال في " الفروع ": وقال ابو بكر: لا يجزئه لأنه لم يخلص النية للفرض؛ كمن قال: هذه زكاة مالي او نفل. او قال: إن كان مات مورثي فهذه زكاة إرثي منه لأنه لم يبن على أصل.
قال الموفق وغيره: كقوله ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل. وقال صماحب " المحرر " كقوله: إن كان وقت الظهر دخل فصلاتي هذه عنها.
وقال غير واحد: لو قال في الصلاة إن كان الوقت دخل ففرض وإلا فنفل فعلى الوجهين.
وقال أبو البقاء: فيمن بلغ في الوقت التردد في العبادة يفسدها. ولهذا لو صلى ونوى إن كان الوقت قد دخل فهي فريضة وإن لم يكن قد دخل فهي نافلة لم تصح له فرضا ولا نفلا. انتهى.
(وإن نوى) با لزكاة (عن) النصاب (الغائب إن كان سالما وإلا) أي: وإن لم يكن سالما (فأرجع) بالزكاة: (فله الرجوع إن بان تالفا). ذكره أبو المعالي على قول الرجوع في التلف.
قال: ولو أعتق عبده من كفارته فلم يجزئه لعيبه عتق ولزمه بدله. فإن قال: عتقته عن كفارتي وإلا رددته إلى الرق إن لم يكن مجزءا فله رده إلى الرق.
قال في " الفروع ": ثم فرق بينه وبين مساًلة الصوم المذكورة على الأصح فيها: بأن الأصل عدم دخول وقت الصوم وهنا الأصل بقاء المال ووجوب الزكا ة.
ومن شك في بقاء ماله الغائب لم يلزمه الإخراج عنه. وكذا إن علم بقاءه وقلنا الزكاة في العين، وإن قلنا في الذمة فوجهان. وظاهر اختياره في " المستوعب " في فائدة تعلقه بالعين او الذمة أنه يلزمه. انتهى.
стр. 1335
(وإن وكل) رب المال (فيه) أي: إخراج الزكاة (مسلما ثقة) نصا مكلفا ذكرا أو أنثى: (اجزأت نية موكل) فقط (مع قرب) زمن (إخراج) من زمن توكيل " لأن الموكل هو الذي عليه الفرض. وتأخر الأداء عن النية بالزمن اليسير جائز.
(وإلا) أي: وإن لم يقرب زمن الإخراج من زمن التوكيل (نوى) موكل و (وكيل ايضا) " لئلا يخلو الدفيع إلى المستحق عن نية مقارنة أو مقاربة. ولو نوى الوكيل دون الموكل لم تجزئ، لتعلق الفرض بالموكل ووقوع الإجزاء عنه. وإن دفع الزكاة إلى الإمام من هي عليه ناويا بدفعه الزكاة ولم ينو الإمام حال دفعه إلى الفقراء جاز، وإن طال الزمن لأنه وكيل الفقراء.
(ومن علم أهلية آخذ) للزكاة (كره أن يعلمه) أنها زكاة. نص عليه وقال لم يبكته؟ يعطيه ويسكت. ما حاجته إلى ان يقرعه؟.
وعنه: ليس بمكروه ولا مستحب.
وقيل: يستحب إعلامه.
وقيل: لا بد منه.
(ومع عدم عادته) أي: عادة الأخذ (بأخذها: لم يجزئه) دفعها له (إلا أن يعلمه).
قال في " الإنصاف ": فأما إذا كان من عادته أنه لا ياً خذ الزكاة فلا بد من إعلامه فإن لم يعلمه لم يجزئه.
قال المجد في " شرحه ": هذا قياس المذهب عندي واقتصر عليه وتابعه في " الفروع "؛ لأنه لا يقبل زكاة ظاهراً. انتهى.
стр. 1336
[فصل: في قسم الصدقة في بلدها]
(فصل. والأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده).
ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر من بلد المال. نص عليه، لأنه في حكم بلد واحد. بدليل الأحكام ورخص السفر.
(مالم تتشقص زكاة سائمة فـ) تخرج (١) (في بلد واحد) كما لو كان له عشرون شاة مختلطة مع عشرين لآخر في بلد وعشرون أخرى مختلطة مع عشرين لآخر في بلد آخر: فإن عليه في كل خلطة نصف شاة فيخرج شاة في أي: البلدين.
(ويحرم) في غير هذه الصورة وهي صورة التشقيص (مطلقاً نقلها) أي: سواء كان النقل لرحم أو شدة حاجة أو لثغر أو غير ذلك (إلى بلد تقصر إليه الصلاة) من بلد المال حيث كان ببلد الوجوب مستحق، لـ " قول النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم " (٢) . وظاهره عود الضمير إلى أهل اليمن.
وعن طاووس قال في كتاب معاذ: " من خرج من مخلاف إلى مخلاف [فإن صدقته] (٣) وعشره في مخلاف عشيرته " (٤) . رواه الأثرم.
وروى عمرو بن شعيب " أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند، إذ بعثه رسول الله ﷺ حتى مات النبي ﷺ وأبو بكر ثم قدم إلى عمره (٥) . فرده على ما كان عليه. فبعث إليه معاذٌ بثلث صدقة الناس. فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابياً
стр. 1337
لا آخذ جزية ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك شيئاً وانا أجد أحداً يأخذها مني. فلما كان العام الثانى بعث إليه شطر الصدقة. فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها. فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل. فقال معاذ: ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئاً " (١) . رواه أبو عبيد في " الأموال ".
وإنكار عمر دليل على المنع من ذلك. وأخذه مع ما أجاب به معاذ يدل على
أنه إذا فضل عن مستحق بلد المال شيء أو لم يكن به مستحق يجوز النقل. وعلى هذا يحمل كل حديث جاء بالنقل.
(وتجزئ) يعني: أنه متى نقل الزكاة مع حرمة النقل وأخرجها في غير بلد
المال فإنها تجزئه على الأصح. وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه دفع الحق إلى مستحقيه. فبرئ؛ كالدين. وكما لو فرقها ببلد المالى المزكى (٢) .
(لا) نقل الزكاة إلى بلد (دونه) أي: دون ما تقصر إليه الصلاة. فلا يحرم؛ لما تقدم من أن (٣) ذلك في حكم البلد الواحد. والحكمة في حرمة النقل إلى البلد البعيد لأن فقراء أهل كل مكان إنما يعلم بهم غالباً أهله ومن قرب منهم وأطماعهم (٤) تتعلق بزكاة مال البلد، ولهم حرمة الجوار وقرب الدار. فمنع من النقل ليستغنوا بها غالباً. ويؤيد ذلك ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " أيما أهل عرصه أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله " (٥) . رواه أحمد في " مسنده ".
(ولا) يحرم نقل (نذر وكفارة ووصية مطلقة) أي: لم يخصها الموصي بمكان في الأصح. والفرق بين ذلك وبين الزكاة أن الزكاة مواساة راتبة في المال. فكانت لجيران المال. بخلاف النذر والكفارة والوصية.
стр. 1338
(ومن) وجبت (١) عليه زكاة وهو (ببادية أو، خلا بلدُه عن مستحق) للزكاة،
أو كان بها مستحق وفضل عنه زكاة: (فرقها بأقرب بلد منه)؛ لأنهم أولى.
قال أحمد في رواية صالح: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله ما لم تقصر الصلاة في أثنائها. ويبدأ بالأقراب فالأقرب.
(ومُؤنة نقل) لزكاة مع حله أوحرمته. (و) مُؤنة (دفع: عليه) أي: على
من وجبت عليه الزكاة؛ (كـ) ما أن عليه مُؤنة (كيل) لما يكال (ووزن) لما يوزن؛ لأن عليه تسليمها لمستحقها كاملة من غير أن يحتسب على المستحق بمُؤنة نقل أو كيل أو وزن.
ولأن ذلك كله من تمام التوفية.
(ومسافر بالمال) الزكوي (يفرقها) أي: يفرق زكاة ذلك المال (ببلد أكثر إقامته) أي: إقامة رب المال (به) أي: بالمال (فيه) أي: في ذلك البلد نصاً. قال أحمد في رواية يوسف بن موسى: في الرجل يغيب عن أهله فتجب عليه الزكاة: يزكيه في الموضع الذي أكثر مقامه فيه. ونقل نحوه صالح وإسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن بختان.
فال في " شرح الهداية ": فظاهر هذا أن البلد الذي يختص بالتفرقة ما كان المال به كل الحول أو أكثره دون ما نقص عن ذلك؛ لأن الأطماع إنما تتعلق به غالباً بمضي زمن الوجوب أو ما قاربه. انتهى.
(ويجب على الإمام بعث السعاة قرب) زمن (الوجوب لقبض زكاة) المال (الظاهر) كالسائمة والزرع والثمار؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلونه. ومن الناس من لا يزكي ولا يعلم ما عليه. ففي إهمال ذلك ترك للزكاة.
قال في " الفروع ": ولم يذكر جماعة هذه المسألة فيؤخذ منه لا تجب. ولعله أظهر.
стр. 1339
ويجعل حول الماشية المحرّم، لأنه أول السنة. وتوقف أحمد في ذلك. وميله إلى شهر رمضان.
ويستحب أن يعد الماشيه على أهلها على الماء أو في أفنيتهم للخبر. وإن أخبره صاحب الماء بعدده قَبِل منه ولا يحلفه كما سبق.
وإن وجد مالاً لم يحل حوله فإن عجل ربه زكاته وإلا وكل ثقة بقبضها ثم يصرفها في مصرفها. وله جعل ذلك إلى رب المال إن كان ثقة. وإن لم يجد ثقة فقال القاضي: يؤخرها إلى العام الثانى.
وقال الآمدي: لرب المال أن يخرجها.
وقال في " الكافي ": إن لم يعجلها فإما أن يوكل من يقبضها منه عند حولها
وإما أن يدخرها إلى الحول الثانى.
وإذا قبض الساعي الزكاة فرقها في مكانه وما قاربه. فإن فضل منه شيء حمله وإلا فلا كما سبق.
وللساعي بيع مال الزكاة من ماشية وغيرها لحاجة أو مصلحة وصرفها في الأحظ للفقراء أو حاجتهم حتى في إجارة مسكن.
وإن باع لغير حاجة ومصلحة فذكر القاضي لا يصح لأنه لم يؤذن له فيضمن قيمة ما تعذر رده.
وقيل: يصح. قدمه بعضهم، لما روى أبو عبيد في " الأموال " عن قيس بن
أبي حازم " أن النبي ﷺ رأى في إبل الصدقه ناقة كوماء. فسأل عنها المصدق. فقال: إنى ارتجعتها بإبل فسكت ".
ومعنى الرجعة: أن يبيعها ويشتري بثمنها غيرها. انتهى.
(وسُنّ لى) أي: للإمام إذا حصل عنده ماشية من زكاة أو جزية (وسم ما حصل من إبل وبقر في افخاذها)؛ لما روى أنس قال: " غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1340
بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه. فوافيته في يده الميسم، يسم إبل الصدقة " (١) . متفق عليه.
(و) وسم ما حصل من (غنم في آذانها)؛ لما في رواية أحمد وابن ماجه
" وهو يسم غنماً في آذانها " (٢) . وإسناده صحيح.
ولأن الحاجة تدعو إلى الوسم لتتميز عن الضوال إذا شردت.
وخص الفخذ والأذن بالوسم لخفته وقلة ألمه فيهما.
(فعلى زكاة) الوسم (لله أو زكاة. وعلى جزية) الوسم (صغار أو جزية). وذكر أبو المعالي أن الوسم بحناء أو قير أفضل.
стр. 1341
] فصل: في تعجيل الزكاة]
(فصل. ويجزئ تعجيلها) أي: تعجيل الزكاة (لحولين) على الأصح؛
لما روى أبو عبيد في " الأموال " بإسناده عن علي " أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين " (١) .
ويعضده رواية مسلم " فهي عليَّ ومثلها " (٢) .
ولأن ذلك تعجيل لزكاة نصاب بعد وجوده فأشبه ما لو عجل لعام واحد.
(فقط) أي: لا لأكثر من حولين.
قال ابن عقيل: لا تختلف فيه الروايه (٣) اقتصاراً على ما ورد. وحكى في
" الفروع " رواية أنه يجوز لأكثر؛ كتقديم الكفارة قبل (٤) مدة الحنث بأعوام. ومحل جواز التعجيل (إذا كمل النصاب)؛ لأنه سببها. فلم يجز تقديمها عليه؛ كالتكفير قبل الحلف.
قال في " المغني ": بغير خلاف نعلمه.
و (لا) يجوز تعجيلها (عما يستفيده) النصاب. نص عليه؛ لأنه عجّل زكاة ما ليس في ملكه. فلم يوجد السبب.
وعنه: تجزئ عما يستفيده لوجود (٥) سبب الزكاة في الجملة.
(أو عن معدن) يعني: أنه لا يجوز إخراج الزكاة معجلة عن معدن (أو ركاز
أو زرع قبل حصول) أي: تحصيل ما أخرج عنه من معدن أو ركاز أو زرع (أو)
стр. 1342
زكاة تمر قبل (طلوع طلع أو) زكاة زبيب قبل طلوع (حصرم)، لأن ذلك تقديم للزكاة قبل وجود سببها. فأما تعجيل زكاة الزرع بعد نباته وتعجيل زكاة التمر بعد طلوع طلعه وتعجيل زكاة الزبيب بعد طلوع حصرمه فجائز ومجزئ في الأصح؛ لأن وجود الزرع وإطلاع النخل وخروج الحصرم بمنزلة ملك النصاب، والإدراك بمنزلة حولان الحول. فجاز تقديمها عليه. وتعليق الزكاة بالإدراك لا يمنع جواز التعجيل. بدليل أن زكاة الفطر يتعلق وجوبها بدخول شوال ويجوز تعجيلها قبله. (وإن تم الحول والنصاب ناقص قدر ما عجله: صح) التعجيل وأجزأه ما
عجله؛ لأن حكم الموجود في ملكه يتم النصاب به. فلو زاد ماله حتى بلغ النصاب أو زاد عليه وحال الحول: أجزأ المعجل (١) زكاته. فإن نقص أكثر مما عجله نقص بذلك عن كونه سببا للزكاة؛] مثل: من له أربعون شاة فعجل شاة ثم تلفت أخرى فقد خرج عن كونه سببا للزكاة [ (٢) . وإن زاد بعد ذلك إما بنتاج أو شراء ما يتم به النصاب: استأنف الحول من حين كمل النصاب ولم يجزئه (٣) ما عجله. (فلو عجل من مائتي شاة) شاتين (فنتجت عند الحول سخلة: لزمته) شاة (ثالثة) " لأن ما عجله بمنزلة الموجود في إجزائه عن ماله فكان بمنزلة الموجود في تعلق الزكاة به.
ولأنها لو لم تعجل كان عليه شاتان. فكذلك إذا عجلت لأن التعجيل إنما
كان رفقاً بالمساكين فلا يصير سبباً لنقص حقوقهم. والتبرع يخرج ما تبرع به عن حكم الوجود في ماله. وهذا في (٤) حكم الموجود في الإجزاء عن الزكاة.
(ولو عجل عن ثلاثمائة درهم) من الفضة (خمسة منها ثم حال الحول:
لزمه أيضاً درهمان ونصف) نصاً. نقله مهنا.
(ولو عجل عن ألف) من دراهم الفضة (خمسة وعشرين منها ثم ربحت
стр. 1343
خمسة وعشرين) درهماً: (لزمه زكاتها) أي: زكاة الدراهم التي ربحتها الألف وهي خمسة وعشرون.
ومن عجل من خمسة عشرة من الإبل وعن نتاجها أيضاً بنت مخاض فنتجت مثلها: فا لأشهر لا يجزئه ويلزمه بنت مخاض. وله استرجاع المعجلة.
ولو عجل مسنة عن ثلاثين بقرة ونتاجها فالأشهر لا تجزئه (١) عن الجمع بل
عن ثلاثين وليس له ارتجاعها ويخرج للعشر ربع مسنة.
ولو عجل عن أربعين شاة شاة ثم أبدل الأربعين بمثلها أو نتجت أربعين سخلة ثم ماتت الأمات أجزأ المعجل عن البدل والسخال؛ لأنها تجزئ مع بقاء الأمات عن الكل فعن أحدهما أولى.
(ويصح) التعجيل (عن أربعين شاة لا منها) اي: لا من الأربعين
(لحولين. ولا لـ) لحول (الثانى فقط) أي: دون الأول، ولو كان الشاتان منها. (وينقطع الحول) أي: حول الأربعين بإخراج الشاتين (٢) منها للحولين أو الشاة الواحدة للحول الثانى.
وقد علم مما تقدم أنه إذا أخرج منها شاة للحول الأول أنه يصح التعجيل ولا ينقطع الحول.
(وإن مات قابض) زكاة (معجلة المستحق) قبضها لفقره أو غيره (أو ارتد) قابض المعجلة (أو استغنى قبل) مضي (الحول) الذي تعجل زكاته: (أجزأت) الزكاة عمن عجلها؛ لأنها حق أداه إلى مستحقه. فبرئ منه؛ كالدين إذا عجله قبل أجله.
(لا إن دفعها) أي: دفع رب المال الزكاة المعجلة (إلى من يعلم غناه فافتقر) قبل الحول أو عنده. فإنها لا تجزئه؛ لأنه لم يدفعها إلى مستحقها. أشبه ما لو لم يفتقر.
стр. 1344
(وإن مات معجل) لزكاته (أو ارتد أو تلف النصاب) المعجل زكاته (أو نقص) قبل الحول: (فقد بان المخرج غير زكاة)؛ لانقطاع الوجوب بذلك. وقيل: إن مات المعجل بعد أن عجل وقعت الموقع وأجزأت عن الوارث. (ولارجوع) لمعجل بشيء مما عجله (إلا فيما بيد ساع عند تلف) أي:
في صورة ما إذا أتلف النصاب.
وقيل: يملك الرجوع مطلقاً. اختاره ابن حامد وابن شهاب وأبو الخطاب؛
كما لو كانت بيد الساعي عند التلف. وقطع الموفق وغيره عن ابن حامد أنه إن كان الدافع لها الساعي رجع مطلقاً، وإن كان رب المال وأعلمه أنها زكاة معجلة رجع بها، وإن أطلق لم يرجع.
وقال جماعة: على هذا القول: إن كان الدافع ولي رب المال رجع مطلقاً،
وإن كان رب المال ودفع إلى الساعي مطلقاً رجع فيها ما لم يدفعها الساعي (١) إلى الفقير، وإن دفعها الساعي (٢) إليه فهو كما لو دفع إليه رب المال.
ومتى أراد وارث المعجل بعد موته الاحتساب بها عن زكاة حوله لم يجز.
وقيل: يجوز بناء على ما لوعجل عن عامين.
والفرق أن التعجيل وجد عن نفسه مع حول ملكه وهنا أخرجها غيره عن نفسه
بلا ولاية ولا نيابة. فلم يجز.
ولو تعمد المالك إتلاف النصاب أو بعضه بعد التعجيل غير قاصد الفرار من الزكاة فحكمه حكم ما لو تلف بغير فعله في الرجوع وعدمه في الأصح، كما لو سأل الفقير الساعي قبضها، أو قبضها الساعي لحاجة صغارهم، وكما بعد الوجوب.
ولو استسلف الساعي الزكاة فتلفت في يده من غير تفريط ما لم يضمنها، وكانت من ضمان الفقراء. سواء سأله الفقراء ذلك، أو رب المال، أو لم يسأله
стр. 1345
أحد في الأصح.
ويشترط لملك الفقير لها وإجزائها عن ربها قبضه. فلو عزلها فتلفت قبل أن يقبضها الفقير لزمه بدلها.
ولا يجزئه إن غدى الفقراء أو عشاهم.
ولا يصح تصرف الفقير فيها قبل قبضها. نص عليه. فلو قال الفقير لرب المال: اشتر لي بها ثوباً ولم يقبضها منه ففعل لم تجزئه. وكان الثوب للمالك. ولو تلف كان من ضمانه.
(ومن عجل) الزكاة (عن ألف) من الدراهم (يظنها) أي: يظن الدراهم كلها (له. فبانت) الدراهم التي يملكها (خمسمائة: أجزأ) ما عجله (عن عامين)؛ لتبين عدم وجوب زكاة الألف، وأنه دفع زيادة على ما وجب عليه. (ومن عجل) الزكاة (عن أحد نصابيه ولو) كان الواجب (من جنس) واحد. (فتلف) النصاب المخرج عنه: (لم يصرفه إلى) النصاب (الآخر) وفاقا للأئمة الثلاثة، كما لو عجل شاة عن خمس من الإبل فتلفت وله أربعون شاه لم تجزئه عنها.
وفي " تخريج القاضي ": من له ذهب وفضة وعروض فعجل عن جنس منها
ثم تلف صرفه إلى الآخر.
(ولمن أخذ الساعي منه) أي: ممن عليه زكاة (زيادة) عما عليه من الزكاة (أن يعتد) المأخوذ منه الزيادة (بها) أي: با لزيادة (من) سنة (قابلة) نص عليه أحمد. وقال: يحتسب ما أهداه للعامل من الزكاة أيضاً.
وعنه: لا يعتد بذلك.
قال في " الفروع ": قدم هذا الإطلاق غير واحد. وجمع الشيخ - يعني: الموفق- بين الروايتين: فقال: إن كان نوى المالك التعجيل اعتد به وإلا فلا. وحملها على ذلك. وحمل صاحب " المحرر " رواية الجواز على أن الساعي أخذ الزيادة بنية الزكاة إذا نوى التعجيل. وإن علم أنها ليست عليه وأخذها لم
стр. 1346
يعتد بها على الأصح لأنه أخذها غصباً. قال: ولنا رواية أن من ظلم في خراجه يحتسبه من العشر أو من خراج آخر. فهذا أولى. ونقل عنه حرب في أرض صلح يأخذ السلطان منها نصف الغلة: ليس له ذلك. قيل له: فيزكي المالك عما بقي في يده؟ قال: يجزئ ما أخذه السلطان عن الزكاة- يعني: إذا نوى به المالك -. وقال ابن عقيل وغيره: إن زاد في الخرص هل يحتسب بالزيادة من الزكاة؟
فيه روايتان. قال: وحمل القاضي المسألة أنه يحتسب بنية المالك وقت الأخذ] وإلا لم يجزئه.
وقال شيخنا: ما أخذه باسم الزكاة ولو فوق الواجب بلا تأويل اعتد به] (١) وإلا فلا.
وفي " الرعاية ": يعتد بما أخذه.
وعنه: بوجه سائغ.
وعنه: لا. وكذا (٢) ذكره ابن تميم في آخر فصل شراء الذمي لأرض عشرية. وقدم لا يعتد به. انتهى.
стр. 1347
] باب: أهل الزكاة]
هذا (باب) يذكر فيه أصناف الزكاة، ومن يجزئ الدفع إليه منهم، ومن
لا يجزئ الدفع إليه (١) ، ومن يباح له السؤال، وحكم صدقة التطوع.
(أهل الزكاة ثمانية) أي: أن أصناف جهة دفع الزكاة كلها ثمانية. فلا يجوز صرفها في غيرهم من بناء المساجد والقناطر وسد الثبوق وتكفين الموتى ووقف المصاحف وغير ذلك من جهات الخير. وذلك لقوله (٢) : (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل)] التوبة: ٦٠ [. وكلمة إنما: تفيد الحصر. فتثبت المذكورين وتنفي من عداهم على الأصل. وكذلك تعريف الصدقات بالألف واللام فإنها تستغرقها كلها. فلو جاز صرف شئ إلى غير الثمانية لكان لهم بعضها لا كلها. وروي عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: " أتيت النبي ﷺ فبايعته. فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى يحكم فيها هو. فجزأها ثمانية أجزاء. فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك " (٣) . رواه أبو داود.
وقال أحمد: إنما هي لمن سماه الله تعالى.
الصنف الأول: (فقير). وهو: (من لم يجد) شيئاً البتة. أو لم يجد (نصف كفايته). وهو أشد حاجة من المسكين؛ لأن الله بدأ به وإنما يبدأ بالأهم فالأهم. وقال : (أما السفينه فكانت لمساكين يعملون فى البحر)] الكهف: ٧٩ [. فأخبر أن المساكين لهم سفينة يعملون فيها.
стр. 1348
ولأن الفقير مشتق من فقر الظهر. فعيل بمعنى مفعول. أي: مفقور. وهو الذي نزعت فقرة ظهره فانقطع صلبه.
(و) الصنف الثانى: (مسكين من يجد نصفها) أي: نصف كفايته (أو أكثرها). وهو مفعيل من السكون. وهو الذي أسكنته الحاجة.
فعلم أن من كسر صلبه أشد حالاً من الساكن.
إذا تقرر هذا فالفقراء هم الذين لا يجدون ما يقع موقعا من كفايتهم؛ كالزمنى والعميان لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعا من كفايتهم. وربما لا يقدرون على شيء أصلا. قال الله : (للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضرباً فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافاً)] البقرة: ٢٧٣].
(ويعطيان) أي: الفقير والمسكين من الزكاة (تمام كفايتهما مع) كفاية (عائلتهما سنة)؛ لأن وجوب الزكاة يتكرر بتكرر الحول فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله.
ويعتبر تمام (١) الكفاية لهما ولعائلتهما ومن يمونانهما؛ لأن كل واحد من عائلته مقصود (٢) دفع حاجته فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. وهذا مبني على الأصح من كون الغنى ما تحصل به الكفاية.
وعنه: أن الغنى يحصل بخمسين درهم. فيجوز أن يأخذ له ولعائلته حتى يصير لكل واحد خمسين درهماً.
قال أحمد في رواية أبي داود فيمن يعطى الزكاة وله عيال: يعطى كل واحد
من غياله خمسين درهما.
ويعطيان بالفقر والمسكنة (حتى ولو كان احتياجهما بـ) سبب (إتلاف مالهما في المعاصي)؛ لصدق اسم الفقير والمسكين عليهما حين الأخذ.
стр. 1349
(ومن ملك ولو) كان ما ملكه (١) (من أثمان ما) أي: قدرًا (لا يقوم بكفايته فليس بغني) على الأصح؛ لأن الغنى ما تحصل به الكفاية. فإذا لم يكن محتاجاً حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئاً، وإن كان محتاجاً حلت له الصدقة ومسألتها. ولو كان ملك نصاباً.
والأثمان وغيرها في هذا سواء.
قال الميمونى: ذاكرت أحمد. فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم تجب
فيها الزكاة وهو فقير ويكون له أربعون شاة وتكون له الضيعة لا تكفيه. يعطى من الصدقة؟ قال: نعم (٢) . وذكر قول عمر " أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا ". قلت: فلهذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال: لم أسمعه.
ونقل مهنا: إن ملك من النقد ما لا يقوم بكفايته فكغيره. وهذا اختيار
أبي الخطاب وابن شهاب والعكبري وقول مالك والشافعي.
وعنه: من ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب فهو غني. نقلها واختارها الأكثر؛ لما روى عبدالله بن مسعود مرفوعاً: " من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً وكدوشاً في وجهه. قالوا: يارسول الله لِلَّهِ وما غناه؟ قال: خمسون درهما، أو حسابها من الذهب " (٣) . رواه الخمسة. وأجيب عن ذلك بضعف الخبر. فإنه يرويه حكيم بن جبير عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود.
وقال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير. فقال سفيان:
стр. 1350
حدثناه زبيد عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد.
واجيب أن رواية زبيد مرسلة وحكيم بن جبير متكلم فيه. وفي طريقه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف أيضاً. ولو سلم فمحمول على المسألة. وحمله المجد على أنه ﷺ قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه بخمسين درهما. ولذلك جاء التقدير عنه بأربعين أو بخمس (١) أواق وهي مائتا درهم.
(وإن تفرغ قادر على التكسب) تفرغا كلياً (للعلم) الشرعي. (لا) إن تفرغ (للعبادة وتعذر الجمع) بين الاشتغال بالعلم والتكسب: (أعطي) من الزكاة لحاجته (٢) .
وقيل: يشترط أن يكون اشتغاله بالعلم لازماً له. وهو الذي يجب عليه معرفته.
(و) الصنف الثالث من أهل الزكاة: (عامل عليها)؛ لقوله : (والعملين عليها)] التوبة: ٦٠ [. وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها؛ (كجابٍ وحافظ وكاتب وقاسم) وخارص، وكل من يحتاج إليه فيها. فإنه يعطى أجرته منها لأن ذلك من مؤنتها كعلفها. وقد " كان النبي ﷺ يبعث على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم " (٣) .
(وشرط كونه) أي: كون العامل (مكلفا)؛ لأن الصغير والمجنون لاقبض لهما.
(مسلماً)؛ لأن في ذلك ولاية على المسلمين. فاشترط له (٤) الإسلام؛ كسائر الولايات.
(أميناً)؛ لأن غير الأمين يذهب بمال الزكاة ويضيعه.
стр. 1351
(كافياً) في ذلك؛ لأن ذلك ضرب من الولاية فاشترط له الكفاية.
وشرط أيضاً كون العامل (من غير ذوي القربى). وهم بنو هاشم؛ لى " أن الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارب سألا رسول الله ﷺ أن يبعثهما على الصدقة. فأبى أن يبعثهما. وقال: إنما هذه أوساخ الناس. وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد " (١) . وروى ذلك أحمد ومسلم وهو مختصر من
حديثهما. وهذا ظاهر في تحريم أخذهم لها على وجه العمالة.
ولا يشترط كون العامل حراً فيجوز أن يكون عاملاً.
(ولو) كان (قِنا)؛ لما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعْمِل عليكم عبد حبشي، كأنَّ رأسه زَبِيبَة " (٢) . رواه أحمد والبخاري.
ولأن العبد يحصل منه المقصود. أشبه الحر.
(أو) كان العامل (غنياً) إجماعا؛ لما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال:
" لا تحِلُّ الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل، أو رجل اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصُدِّقَ عليه منها فأهدى منها لغني " (٣) . رواه أبو داود وابن ماجه.
ولا يشترط أيضا كونه فقيهاً إذا علم بما يأخذه وكتب له كما كتب النبي ﷺ لعماله فرائض الصدقة (٤) . وكذلك كتب أبو بكر لعماله (٥) .
стр. 1352
(ويعطى) العامل (قدر أجرته) على الأصح (منها) أي: من الزكاة. سواء جاوزت أجرته الثمن مما جبي أو لم يجاوزه. نص عليه. وذكره عن عبدالله ابن عمر. فقال صالح: جعل الله لهم الثمن في كتابه. ذكرها في " الشافي ". (إلا إن تلفت) الزكاة (بيده) أي: بيد العامل (بلا تفريط) منه (فـ) إن العامل يعطى أجرته (من بيت المال)؛ لأن للإمام أن يرزقه من بيت المال على عمله، ويوفر الزكاة على أهلها. فإذا تلفت تعين حقه في بيت المال.
ولا يضمن الزكاة مع عدم التفريط لأنه أمين.
(وإن عمل) عليها أي: على الزكاة (إمام، أو) عمل عليها (نائبه) بأن جباها الإمام أو نائبه] من غير أن يبعث لها عمالاً: (لم يأخذ شيئاً).
قال في " الإنصاف ": قال الأصحاب: إذا عمل الإمام أو نائبه [ (١) على الزكاة لم يكن له أخذ شيء؛ لأنه يأخذ رزقه من بيت المال.
] قال ابن تميم: ونقل صالح عن أبيه: العامل هو السلطان الذي جعل له الثمن في كتابه. ونقل عبدالله نحوه.
قال في " الفروع ": كذا ذكره. ومراد أحمد إذا لم يأخذ من بيت المال] (٢)
شيئاً بلا اختلاف أو أنه على ظاهره. انتهى.
(وتقبل شهادة مالك) للمال المزكى (على عامل بوضعها) أي: وضع الزكاة (في غير موضعها) المشروع وضعها فيه.
(ويصدق) رب المال (في دفعها) أي: دفع الزكاة (إليه) أي: إلى العامل (بلا يمين) على رب المال. (ويحلف عامل) أنه لم يأخذ من رب المال شيئاً. (ويبرأ) من عهدة ما ادعى رب المال (٣) دفعه إليه وأنكره.
(وإن ثبت) على العامل أخذ الزكاة من أربابها (ولو بشهادة بعض) منهم
стр. 1353
(لبعض بلا تخاصم) بين العامل والشاهد: قبلت و (غرم) العامل لأهل الزكاة ما ثبت عليه أخذه.
وإن شهد أهل السهمان الذين هم أهل الزكاة على عامل أو له بشيء لم يقبلوا. (ويُصدّق عامل في) دعوى (دفع) من زكاة (لفقير. و) يصدق (فقير في عدمه) أي: عدم الدفع. وظاهره بلا يمين.
ويقبل إقرار عامل بقبض الزكاة ممن وجبت عليه ولو عُزل؛ كحاكم أقر بحكم بعد عزله.
(ويجوز كون حاملها) أي: حامل الزكاة (وراعيها ممن مُنعها) أي: ممن
قام به مانع من دفع الزكاة له؛ ككونه من ذوي القربى أو كافرًا أو قِنّاً.
قال في " الإنصاف ": بلا خلاف نعلمه؛ لأن ما يأخذه أجرة لعمله لا لعمالته. انتهى.
(و) الصنف الرابع من أصناف الزكاة: (مؤلف)؛ لقوله (والمؤلفة قلوبهم)] التوبة: ٦٠].
والمؤلف هو: (السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره)؛ لما روى أبو سعيد قال: " بعث علي رضي الله تعالى عنه وهو باليمن بذهَبيةٍ. فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيَينة بن بدر الفزاري، وعَلقمة بن عُلاثة العامري، ثم أحد بني كِلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان. فغضبت قريش. وقالوا: تعطي صَناديد نجد وتدعَنا. فقال: إنى إنما فعلت ذلك لأتألَّفهم " (١) . متفق عليه.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وإنما الذي يؤخذ من أموال أهل اليمن الصدقة.
стр. 1354
(أو يرجى بعطيته قوة إيمانه)، لما روى أبو بكر في " كتاب التفسير " عن
ابن عباس " في قوله تعالى: (والمؤلفة قلوبهم)] التوبة: ٦٠ [. قال: هم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات. فإذا أعطاهم من الصدقة قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه ".
(أو إسلام نظيره)؛ " لأن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حُسن نياتهما وإسلامهما " (١) : رجاء إسلام نظائرهما.
(أو) من أجل (جبايتها) أي: جباية الزكاة (ممن لا يعطيها). وهم قوم
إذا أعطوا من الزكاه جبوها ممن لا يعطيها إلا بالتخويف.
(أو) من أجل (دفع عن المسلمين). وهم قوم في طرف بلاد الإسلام إذا أعطوا من الزكاة دفعوا الكفار عمن يليهم من المسلمين، وإلا فلا.
(ويعطى) من الزكاة للمؤلفة (ما) أي: قدراً (يحصل به التأليف) لهم، لحصول المقصود به.
(ويقبل قوله) أي: قول من علم أنه مطاع في عشيرته (في ضعف إسلامه)، لأن ذلك لا يعلم إلا من جهته.
(لا أنه مطاع) في عشيرته (إلا ببينة)؛ لأن ذلك لا يتعذر إقامة البينة عليه.
وقد علم مما تقدم أن حكم المؤلفة لم ينقطع. وهو الأصح من الروايات.
وعنه: أن حكمهم انقطع. نقلها حنبل وفاقا لأبي حنيفة ومالك.
وعنه: أن حكم الكفار منهم انقطع. وفاقا للشافعي. واستدل القائل بانقطاع حكمهم " بأن مشركاً جاء يلتمس من عمر مالاً. فلم يعطه وقال: (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)] الكهف: ٢٩].
стр. 1355
ولم ينقل عن عثمان وعلي أنهم أعطوهم شيئاً من الصدقة.
وبأن الله أظهر الإسلام وقمع المشركين. فلا حاجة بنا إلى
التأليف عليه.
وأجيب ببقاء حكم الآية؛ لأنها من آخر ما نزل من القرآن. وثبوت الأحاديث في إعطاء المؤلفة. ودعوى الاستغناء عن تألفهم كلام خارج عن محل الخلاف. فإن الكلام مفروض فيما إذا (١) احتيج إلى ذلك وراه الإمام مصلحة. وقد وجد ذلك بعد موت النبي ﷺ بإعطاء أبي بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر. ومنع وجود ذلك أو تصوره على ممر الزمان، واختلاف أحوال النفوس في القوة والضعف لا يخفى فساده.
وحيث تقرر أن المؤلفة لا يعطون إلا عند الحاجة فيحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم لعدم الحاجة إلى إعطائهم في زمن خلافتهم. لا لسقوط سهمهم. وعلى كل حال متى تعذر الصرف إليهم فإن سهمهم يرد على بقية الأصناف على الأصح. ونقل حنبل أن للإمام صرفه فيما شاء.
(و) الصنف الخامس من أصناف أهل الزكاة: (مكاتب).
قال في " شرح المقنع ": لا نعلم خلافا بين أهل العلم في ثبوت سهم الرقاب. ولا يختلف المذهب في أن المكاتبين من الرقاب. انتهى.
والأصح من الروايات أن لفظ الرقاب يشمل المكاتبين والعتق من الزكاة. وفداء الأسرى منها. وهو المراد بقوله : (وفى الرقاب)] التوبة: ٦٠]. فيعطى المكاتب ما يؤديه لعجزه عن وفاء ما عليه ولو مع قوته وقدرته على التكسب. نص عليه.
(ولو قبل حلول نجم) على المكاتب في الأصح؛ لئلا يحل النجم ولا شيء معه. فتنفسخ الكتابة.
(ويجزئ) من عليه زكاة (أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه) برحم
стр. 1356
ولاتعليق. (فيعتقها) على الأ صح. وهو قول ابن عباس ومالك والحسن
والزهري وإسحاق وأبي عبيدة وأبي ثور؛ لعموم قوله : (وفى الرقاب)] التوبة: ٦٠ [. وهو متناول (١) للقن. بل هو ظاهر فيه. فإن الرقبة تنصرف
إليه إذا أطلقت، لقوله : (فتحرير رقبة)] المجاددة: ٣ [. وتقدير الآية: وفي إعتاق الرقاب.
ولأنه إعتاق للرقبة. فجاز صرف الزكاة فيه، كدفعه في الكفارة (٢) .
(و) يجزئ من عليه زكاة أيضاً (أن يفدي بها أسيرًا مسلماً). نص عليه؛
لأنه فك رقبة من الأسر فهو كفك رقبة العبد من الرق.
ولأن فيه إعزاز الدين فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم.
ولأنه يدفعه إلى الأسير لفك رقبته من الأسر. أشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك
رقبته من الدين.
(لا ان يعتق) من عليه زكاة (قنه أو مكاتبه عنها) أي: عن زكاة الواجبة في
الأ صح، لأن أداء الزكاة عن (٣) كل مال من جنسه. والعبد ليس من جنس ما تجب الزكاة فيه. وكذا لو أعتق عبدًا من عبيد التجارة لأن الزكاة تجد في قيمتهم
لا في عينهم. والله أعلم.
(وما أعتق ساع منها) أي: من الزكاة (فولاؤه للمسلمين) كلهم.
(و) الصنف السادس من أصناف أهل الزكاة: (غارم) من المسلمين.
وهو ضربان:
الضرب الأول: غارم (تدين لإصلاح ذات بَيْن)، لقوله (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)] الأنفال: ١ [أي: وصلكم. والبين: الو صل. والمعنى كونوا مجتمعين على أمر الله . وذلك بأن يقع بين جماعة
стр. 1357
عظيمة كقبيلتين أو أهل قريتين تشاجروا في دماء أو أموال، ويحدث بسببها الشحناء والعداوة ويخاف من ذلك الفتن (١) العظيم وذهاب النفوس والأموال. فيتوسط الرجل بالصلح بينهما. ويلتزم في ذمته مالاً عوضاً عما بينهم من دم أو مال لأربابه؛ ليطفي الثائرة التي بينهم ويسكن الفتنة. وإنما يلتزم في مثل ذلك مالاً عظيماً خطيرًا ولا يقبل تحمله عادة إلا إذا كان مليئاً. فهذا الرجل قد أتى معروفاً عظيماً وابتغى صلاحاً عاماً منه. فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة وتوفر ماله عليه لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين بينهم أو يوهن عزائمهم في تسكين الفتن وكف المفاسد.
وكانت العرب تفعل ذلك. فكان الرجل منهم يتحمل الحَمالة- بفتح الحاء-
ثم يخرج في القبائل. فيسأل حتى يؤديها. فورد الشرع بإباحة المسألة فيها وجعل لهم نصيبا من الصدقة. فروى مسلم بإسناده عن قبيصه بن المخارق، قال:
" تحملت حمالة. فأتيت النبي ﷺ وسألته فيها. فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة لِلَّهِ إن الصدقة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش. وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتاً يوم القيامة " (٢) .
وفي معنى ذلك ما اشير إليه بقوله: (أو تحمل إتلافاً أو نهباً عن غيره) فيجوز له الأخذ من الزكاة (ولو) كان (غنيا). خلافاً لابن عقيل " لأن ذلك من المصالح العامة. فجاز مع الغنى؛ كالعامل والمؤلف.
(و) إنما يباح له الأخذ إذا (لم يدفع من ماله) ما تحمله؛ لأنه إذا دفع ذلك
من ماله خرج عن كونه مديناً.
стр. 1358
وظاهر حديث قبيصة أن له الأخذ ولو كان الدين مؤجلاً لم يحل. وإلى ذلك أشير إليه بقوله: (أو لم يحل) يعني: الدين (أو ضماناً) يعني: أو كان الدين لزمه بطريق الضمان (وأعسرا) أي: الضامن والمضمون. ويجوز الدفع إلى كل منهما.
والضرب الثانى: من صنف الغارم ما أشير إليه بقوله: (أو تدين لشراء نفسه
من كفار، أو) تدين (لنفسه) أي: لإصلاح نفسه (في) أمر (مباح). وهذا لا خلاف في استحقاقه وثبوت سهمه في الزكاة، (أو) عزم لنفسه في (محرم وتاب) من ذلك المحرم (وأعسر).
قال في " الفروع ": ومن عزم في معصية لم يدفع إليه شيء. فإن تاب دفع
إليه في الأصح.
(ويعطى) الغارم من الزكاة (وفاء دينه؛ كمكاتب)؛ لاندفاع حاجتهما بذلك. ودين الله كدين الادمي في ذلك؛ لعموم قوله
(والغارمين)] التوبة: ٦٠].
و" لأن النبي ﷺ أعطى سلمة بن صخر صدقة بنى زُريق ليكفر منه كفارة الظهار " (١) .
وإن دفع إلى غارم ما يقضي به دَينه لم يجز له صرفه في غيره ولو كان فقيراً.
وإن دفع إلى الغارم لفقره جاز أن يقضي به دَينه.
(ولا يقضى منها) أي: من الزكاة (دين على ميت) سواء كان استدانه لمصلحة نفسه أو لإصلاح ذات البين؛ لعدم أهلية الميت لقبولها كما لو كفنه منها. وحكى الشيخ تقي الدين فيه روايه بالجواز.
(و) الصنف (السابع) من أصناف أهل الزكاة: (غاز)؛ لقوله (وفى سبيل الله)] التوبة: ٦٠ [. ثم الغزاة: ضرب لا حَقَّ لهم في الديوان. وهو المشار إليه بقوله: (بلا ديوان).
стр. 1359
الضرب الثانى: من له حق فى الديوان ولكن لا يكفيه وهو المشار إليه بقوله:
(أو لا يكفيه) فيعطى كل ممن ذكر ما يكفيه لغزوه وإن كان غنياً وفاقا لمالك والشافعي؛ لعموم قوله (وفى سبيل الله)] التوبة: ٦٠]. ولحديث أبي سعيد: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل
الله " (١) . - وقد سبق-.
ولأن الغازي يأخذ لحاجة المسلمين إليه،] وفي مقابله (٢) عمل [ (٣) . أشبه العامل والمؤلف.
إذا ثبت هذا (فيعطى) الغازي (ما يحتاج) إليه (لغزوه) ذهاباً وإياباً وثمن سلاح ودرع وكذا فرس إن كان فارساً.
ولا يجوز أن يشتري رب المال ذلك للغازي من الزكاة ثم يدفعه للغازي على
الأصح؛ لأن ذلك (٤) يفضي إلى جواز دفع القيمة (٥) .
(ويجزئ) أن يعطى من الزكاة (لحج فرض فقير وعمرته) في الأصح.
نص عليه في رواية عبدالله وغيره وأن ذلك من السبيل. فيدفع إلى الفقير ما يحج به عن نفسه أو يعتمر أو يعينه في حجه أو عمرته أو فيهما. خلافا للأئمة الثلاثة. لما روى ابن لاس الخزاعي- ويقال أبو لاس- قال: " حملنا رسول الله ﷺ على إبل من الصدقة إلى الحج " (٦) . رواه أحمد، وأخرجه البخاري تعليقاً. وعن أم معقل الأسدية " أن زوجها جعل بكراً في سبيل الله وأنها أرادت العمرة. فسألت زوجها البكر. فأبى. فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له.
стр. 1360
فأمره أن يعطيها. وقال رسول الله ﷺ : الحج والعمرة في سبيل الله " (١) . رواه أحمد.
قال في " الفروع ": والحج من سبيل الله. نص عليه وهو المذهب عند
الأصحاب.
وعنه: لا. اختاره الشيخ - يعني: الموفق- وفاقاً للأئمة الثلاثة.
فعلى الأولى يأخذ الفقير.
وقيل: والغني؛ كوصيته بثلثه في السبيل. ذكره أبو المعالي. ويأتي في
آخر الوقف ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه. جزم به غير واحد.
وعنه: والنفل. وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي وصححه بعضهم.
والعمرة كالحج في ذلك. نقل جعفر: العمرة من سبيل الله.
وعنه: هي سنة. انتهى.
(لا أن يشتري منها) يعني: أنه ليس لرب المال أن يشتري من زكاته (فرساً يحبسها) في سبيل الله، (أو) أن يشتري منها (عقاراً يقفه على الغزاة)؛ لأن رب المال مأمور بإيتاء الزكاة ولم يؤتها لأحد.
(ولا غزوه) يعني: أنه ليس لرب المال أن يغزو (على فرس منها) أي:
من زكاته؛ لأنه لا يجوز أن يجعل نفسه مصرفاً لزكاته التي عليه، كما لا يجوز أن يقضي بها دينه. فلا تسقط عنه بذلك.
(وللإمام شراء فرس بزكاة رجل ودفعها) أي: دفع الفرس (إليه) أي:
إلى من أخذت منه الزكاة التي اشترى بها الفرس (ليغزو عليها) كما أن للإمام أن يرد على من أخذ منه الزكاة زكاته لفقره او غرمه.
(وإن لم يغز) على الفرس (ردها) على الإمام وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لأنه أعطي على عمل ولم يعمله. نقل عبدالله: إذا خرج في سبيل الله أكل من الصدقة.
стр. 1361
والصنف (الثامن) من أصناف أهل الزكاة: (ابن السبيل)؛ لقوله : (وابن السبيل)] التوبة: ٦٠ [. وهو المسافر (المنقطع بـ) محل (غير بلده) (في سفر مباح أو محرم وتاب) منه في الأصح فيه. (لا) إن كان في سفر (مكروه) للنهي عنه.
(و) كذا في سفر (١) (نزهة) في الأصح، لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر.
ولا يكون ابن السبيل حتى يكون منقطعاً بغير بلده. بخلاف من يريد إنشاء سفر إلى غير بلده لأنه ليس في سبيل؛ لأن السبيل هي الطريق. فسمي ابن السبيل لمن كان ملازماً لها، كما يقال ولد الليل لمن يكثر خروجه فيه. وكما يقال لطير الماء ابن الماء لملازمته له.
قال ذو الرمة (٢) :
وردتُ اعتسافاً والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماءٍ مُحلق (ويعطى) ابن السبيل (ولو وجد مقرضا) يقرضه (ما يبلغه بلده). وإن
كان له اليسار في بلده، لأنه عاجز عن الوصول إلى ماله والانتفاع به. فأشبه من سقط متاعه في (٣) البحر، أو ضاع منه، أو غصبه غاصب. فعجز عن أخذه منه. (أو) ما يبلغه إلى (منتهى قصده وعوده إليها) اي: إلى بلده. وهو ما إذا
قصد بلدًا واحتاج قبل وصوله إليها، فإنه يعطى ما يصل به إلى البلد الذي يقصده وما يرجع به إلى بلده على الأصح، لعموم الآية. وهو ظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم. فإنه قال: ابن السبيل هو المنقطع به يريد بلداً آخر.
ولا يكون ابن السبيل مقيماً من أهل البلد. حكاها القاضي بهذا اللفظ في
" تعليقه ". والفرق بينه وبين المنشئ أن الظاهر أنه إنما فارق وطنه لغرض مقصود شرعاً، وقد شرع في ذلك. فإذا قطعناه عنه بعدم الإعطاء فقد حصل له ضرر
стр. 1362
بضياع تعبه وسفره. والمريد إنشاء السفر لم (١) يضع عليه شيء. بل مقامه ببلده مظنة الرفق به.
(وإن سقط ما على غارم) من دين، (أو) ما على (مكاتب) من مال كتابة، (أو فضل معهما) أي: مع الغارم والمكاتب شيء عن وفاء ما عليهما، (أو) فضل (مع غاز، أو) مع (ابن سبيل شيء بعد حاجته: رد) من استغنى عن كل ما أخذه (الكل، أو) من فضل معه شيء عن حاجته (ما فضل)؛ لأن هؤلاء الأربعة: وهم الغارم والمكاتب والغازي وابن السبيل إنما يأخذون من الزكاو أخذاً مراعاً. فإن صرفوه في الجهه التي استحقوا الأخذ لأجلها. وإلا استرجع منهم.
(وغير هؤلاء) الأربعة وهم الفقراء والمساكين والعاملون على الزكاة
والمؤلفة قلوبهم: (يتصرف في فاضل بما شاء)؛ لأن الله أضاف الزكاة إليهم بلام التمليك. ثم قال: (وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل)] التوبة: ٦٠].
ولأن الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم يأخذون الزكاة لمعنى يحصل بأخذهم. وهو غنى الفقراء والمساكين وتأليف المؤلفة وأداء أجرة العاملين. وغيرهم بأخذ لمعنى لم يحصل بأخذه للزكاة فافترقا.
(ولو استدان مكاتب ما) أي: مالاً أداه لسيده و (عتق به) أي: بما
استدانه (وبيده) أي: بيد المكاتب (منها) أي: من الزكاة (بقدره) أي: قدر ما استدانه: (فله صرفه) أي: صرف ما بيده (فيه) أي: فيما استدانه وعتق به؛ لبقاء حاجته إليه بسبب الكتابة.
(وتجزئه) أي: وتجزئ زكاة (وكفارة ونحوهما)؛ كصد قة منذ ورة دافعاً
شيئاً من ذلك الصغير لم يأكل الطعام) لصغره.
قال في " الفروع ": والذكر والأنثى في أخذ الزكاة وعدمه سواء وفاقاً
стр. 1363
والصغير كالكبير وفاقا.
وعنه: إن أكل الطعام وإلا لم يجز ذَكَرها صاحب "المحرر" ونقلها صالح وغيره. والأول المذهب؛ للعموم. فيصرف ذلك في أجرة رضاعة وكسوته
وما لا بد منه.
(ويقبل ويقبض له) أي: للصغير الزكاة والهبة والكفارة والنذر وصدقة التطوع (وليُّه) أي: من يلي ماله بحق.
قال ابن منصور: قلت لأحمد: قال سفيان: ولا يقبض للصبي إلا الأب أو وصي أو قاضٍ. قال أحمد: جيد.
وقيل له في رواية صالح: قبضت الأم وأبوه حاضر. فقال: لا (١) أعرف للأم قبضا، ولا يكون إلا للأب.
قال في " الفروع ": ولم أجد عن أحمد تصريحاً بأنه لا يصح قبض غير الولي
مع عدمه مع أنه المشهور في المذهب. وذكر الشيخ - يعني: الموفق - أنه لايعلم فيه (٢) خلافاً. ثم ذكر أنه يحتمل أنه يصح قبض من يليه من أم أو قريب وغيرهما عند عدم الولي (٣) ؛ لأن حفظه عن الضياع والهلاك أولى من مراعاة الولاية. وذكر صاحب " المحرر " أن هذا منصوص أحمد. نقل هارون الحمال: في الصغار يعطى أولياؤهم فقلت: ليس لهم ولي. قال: يعطى من يُعنى بأمرهم. ونقل مهنا في الصبي والمجنون: يقبض له وليه. قلت: ليس له ولي. قال:
الذي يقوم عليه. وذكر صاحب " المحرر " نصاً ثالثاً بصحه القبض مطلقاً.
قال بكر بن محمد: سئل أحمد يعطى من الزكاة الصبي الصغير؛ قال: نعم. يعطى أباه أو من يقوم بشأنه. وذكر في " الرعاية " هذه الرواية. ثم قال: قلت إن تعذر وإلا فلا. انتهى.
(و) يجزئ دفع الزكاة (لمن بعضه حر بنسبته) أي: بنسبية البعض الحر
стр. 1364
منه. فمن نصفه حر يأخذ نصف كفايته سنة، ومن ربعه حر يأخذ ربع كفايته سنة. وقس على هذا، وأما من كله رقيق فلا يأخذ منها شيئا ولو كان سيده فقيراً. إلا أجرة لعمله إن كان عاملاً عليها، وإلا إن كان مكاتباً. وسيأتي التنبيه على ذلك في المتن.
والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة كالقن في عدم الأخذ إلا فيما استثني. (ويشترط) لإجزاء الزكاة (تمليك) رب المال (المعطى) له وفاقاً. فلا يصح أن يقضي منها دين ميت غرمه لمصلحة نفسه أو غيره. حكاه أبو عبيد وابن عبد البر إجماعاً.
(وللإمام قضاء دين عن) غارم (حي) من الزكاة حيب كان ممن يباح له أخذها بلا وكالة منه؛ لولايته عليه في إيفائه. ولهذا يُجبره عليه إذا امتنع منه. (والأولى له) أي: للإمام. (و) الأولى (لمالك) للمال المزكى: (دفعها) أي: الزكاة (إلى سيد مكاتب؛ لرده) أي: لأجل رد سيد المكاتب وجوباً (ما قبض) من الزكاة من مال الكتابة (إن رقّ) المكاتب (لعجز) عن وفاء مال الكتابة. بخلاف ما إذا دفعت إلى المكاتب فإنه (لا) يرد (ما قبض مكاتب) من الزكاة إذا عجز أو مات ونحوه ولو كان بيده، لأنه إذا عجز أو مات كان ما في يده لسيده على الأصح.
وعنه: يكون للمكاتبين.
وقيل: يكون للمعطى.
(ولمالك) للمال المزكى (دفعها) أي: دفع زكاته (إلى غريم مدين بتوكيله) أي: توكيل المدين (ويصح) من المدين التوكيل (ولو لم يقبضها) المدين. (وبدونه) أي: وبدون توكيل المدين على الأصح. نص عليه.
قال أبو الحارث: قلت لأحمد: رجل عليه ألف وكان على رجل زكاة ماله فأداها
عن هذا الذي عليه الدين يجوز هذا من زكاته. قال: نعم. ما أرى بذلك بأساً؛ لأنه دفع الزكاة في قضاء دين المدين. أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه.
стр. 1365
] فصل: في أحكام السؤال]
(فصل. من أبيح له أخذ شيء) من زكاة أو غيرها (أبيح له سؤاله). نص عليه وفاقاً لمالك والشافعى؛ لظاهر قول رسول الله ﷺ : " للسائل حق وإن جاء على فرس " (١) .
ولأنه يطلب حقه الذي جعله الله له بقوله (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)] التوبة: ٦٠].
فالغنى في باب الزكاة نوعان: نوع يوجبها، ونوع يمنعها؛ لأنه ﷺ لم ينكر على السؤال إذا كانوا من أهلها. ولكثرة التأذي بتكرار السؤال.
وعنه: يحرم السؤال لا الأخذ على من له قوت يومه غداء وعشاء. ذكر ابن عقيل أنه اختاره جماعة وفاقا لأبي حنيفة. فيكون غناً ثالثاً يمنع السؤال.
ونقل الجماعه عن أحمد: في الرجل له الأخ من أبيه وأمه ويرى عنده الشيء فيعجبه. فيقول: هب هذا لي وقد كان ذلك يجري بينهما. ولعل المسؤول يحب أن يسأله أخوه ذلك.
قال: أكره المسألة كلها. ولم يرخص فيه. إلا أنه بين الأب والولد أيسر. وذلك "أن فاطمة ﵂ أتت النبي ﷺ وسألته " (٢) .
стр. 1366
وإن اشترى شيئا وقال: قد أخذته بكذا. فهب لي فيه كذا. فنقل محمد بن الحكم: لا يعجبنى. هذه المسألة. قال رسول الله ﷺ : " لا تحل المسألة إلا لثلاث " (١) .
وسأله محمد بن موسى: ربما اشتريت الشيء فأقول: أرجح لي. فقال:
هذه مسألة. لا تعجبني.
ونقل ابن منصور: يكره.
فال القاضي: كرهه أحمد.
وإن كان يلحق بالبيع؛ لأنه في معنى المسألة من جهة أنه لا يلزمه بذل ما سأله.
واختار صاحب " المحرر ": لا يكره، لأنه لا يلزم السائل إمضاء العقد بدونها فيصير ثمنا لا هبة.
وسؤال الشيء اليسير كشسع النعل أو الحذاء هل هو كغيره أو يرخص فيه؟ فيه
روايتان.
(ولا بأس بمسألة شرب الماء) نص عليه. واحتج بفعله ﷺ (٢) .
وقال: في العطشان لا يستسقى: يكون أحمق.
ولا بأس با لاستعارة والاقتراض. نص عليهما.
قال الآجري: يجب أن يعلم حل المسألة ومتى تحل. وما قاله معنى قول أحمد في أن تعلم ما يحتاج إليه لدينه فرض.
قال في " الفروع ": ومن سأل غيره الدعاء لنفعه أو نفعهما أثيب.
وإن قصد نفع نفسه فقط نهى عنه كالمال. وإن كان قد لا يأثم. كذا ذكره شيخنا.
стр. 1367
وظاهر كلام غيره خلافه كما هو ظاهر الأخبار. ويأتي قوله في " المستوعب ":
كانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب.
وفي " الصحيحين ": " أن أم أنس قالت: يا رسول الله! اح الله له. قال:
فدعا لي بكل خير. وكان من آخره: اللهم! أكثر ماله وولده وبارك له فيه " (١) .
قال في " شرح مسلم ": فيه طلب الدعاء من أهل الخير. وجواز الدعاء
بكثرة المال والولد مع البركة فيهما.
وفي " مسلم ": "أن النبي ﷺ قال عن أويس القرنى: فمن لقيه منكم فليستغفر
لكم " (٢) . وله في رواية: " قال لعمر: إن استطعت أن يستغفر لك فافعل " (٣) .
قال في " شرح مسلم ": فيه (٤) استحباب طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل منهم.
وقال شيخنا أيضاً في " الفتاوي المصرية ": لا بأس بطلب الدعاء بعضهم من بعض. لكن أهل الفضل ينوون بذلك أن الذين يطلبون منه الدعاء إذا دعا لهم كان له من الأجر على دعائه لهم أعظم من أجره لو دعا لنفسه وحدها. ثم ذكر قوله ﷺ : " ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله له ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل " (٥) .
و" قوله ﷺ لعلي ﵇: يا علي لِلَّهِ عُمَّ. فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض ".
стр. 1368
و" قوله لعمر: يا أخي! " لا تنسانا من دعائك " (١) .
قال: وما زال المسلمون يسألونه الدعاء لهم. انتهى.
(وإعطاء السؤال) جمع سائل (مع صدقهم: فرض كفاية)، لما جاء في الحديث: "لو صدق لما أفلح من رده ".
وقد استدل الإمام أحمد بهذا. وأجاب بأن السائل إذا قا ل: أنا جائع. وظهم صدقة وجب إطعامه. وهذا من تأويل قوله : (وفى أموالهم حق للسائل والمحروم)] الذاريات: ١٩].
وإن ظهر كذبهم لم يجب إعطاؤهم. ولو سألوا مطلقاً لغير معين لم يجب إعطاؤهم ولو أقسموا لأن إبرار القسم إنما هو إذا أقسم على معين.
وإطعام الجائع ونحوه واجب إجماعاً. مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة وفاقا.
وعن ابن عباس مرفوعاً: " إن الله لم يفرض الزكاة إلا لطيب ما بقى من
أموالكم " (٢) .
وعن أبي هريرة مرفوعاً: " إذا أديت زكاة مالك. فقد قضيت ما عليك " (٣) رواه ابن ماجه والترمذي. وقا ل: حسن غريب.
قال القرطبي: اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة
فإنه يجب صرف المال إليها.
قال مالك: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم.
وهذا إجماع أيضاً. قاله القرطبي. واختار الآجري: أن في المال حقا سوى الزكاة. وهو قول جماعة من العلماء. قال: نحو مواساة قرابة وصلة
стр. 1369
إخوان وإعطاء سائل، وإعارة محتاج دلوها وركوب ظهرها وإطراق فحلها وسقي منقطع حضر حلابها حتى يَروى.
وذكر القاضي عياض المالكي: أن الجمهور قالوا: إن الحق في الآية المراد
به الزكاة. وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة. وما جاء غير ذلك حمل على الندب ومكارم الأخلاق. انتهى.
ولو جهل حال السائل فالأصل عدم الوجوب.
(ويجب قبول (١) مال طيب أتى بلا مسألة ولا استشراف نفس). نقل الأثرم: عليه أن يأخذه؛ لقول النبي ﷺ " خذه " (٢) . وينبغي أن يأخذه ويضيق عليه أن يرده وذكر أحمد أيضاً هذا الخبر. وقال: هذا إذا كان من مال طيب. ونقل جماعة: أخاف أن يضيق عليه رده. قاله في " التنبيه " واقتصر عليه في
" المستوعب ". ونقل إسحاق بن إبراهيم: لا بأس إذا كان من (٣) غير
استشراف.
وعن أحمد أيضاً: أنه رد ذلك. وقال: دعنا نكون أعزاء. ورد في رواية المروذي. فقال له أبو اسحاق: أي: شيء تكون الحجة أو كيف يجوز؟ فقال:
لا أعلم فيه شيئاً. إلا أن الرجل إذا تعود لم يصبر عنه. وكذا ذكر صاحب
" المحرر " رواية بجواز الرد. وقال: قد بين العلة في جواز الرد. وأن على هذا تحمل النصوص المذكورة للوجوب على الاستحباب. وذكر ابن الجوزي في
" المنهاج ": أنه لا يأخذه إلا مع حاجته إليه إذا سلم من الشبهة] والآفات فإن الأفضل أخذه.
стр. 1370
قال في " الفروع ": وما ذكر من سلامته من الشبهة [ (١) يؤخذ من كلام غيره
لأنه مكروه. ولا يجب قبول المكروه. وهذا معنى المنقول عن أحمد في جائزة السلطان مع قوله: هي خير من صلة الإخوان. وظاهر كلام غير واحد: يجب ما لم يحرم. وقاله ابن حزم الظاهري. قال: لأنه داخل في وجوب النصيحة. فإن طابت نفسه عليه فحسن. وإن أبقاه فليتصدق به فيؤجر على كل حال. ثم من الجهل استسهال المرء أخذ مال زيد في بيع أو أجرة ثم يتجنبه إذا أعطاه إياه بطيب نفس. ثم احتج بقوله ﷺ : " من رغب عن سنتي فليس مني " (٢) .
قال: وكان مالك والشافعي لا يردان ما أعطيا. انتهى.
وعلم مما تقدم: أنه متى استشرفت نفسه إليه بأن قال: سيبعث إليّ فلان أو لعله يبعث لي، وإن لم يتعرض أو تعرض بقلبه عسى أن يفعل: فلا بأس بالرد. نص على ذلك في رواية الجماعة. وزاد أبو داود: وكأنه اختار الرد. ونقل المروذي ردها. وسأله جعفر يحرم أخذه؛ قال: لا.
ومن أعطى شيئا ليفرقه: فحسّن أحمد عدم الأخذ في رواية.
(ومن سأل) أن يعطى (واجباً) " كمن طلب شيئا من الزكاة (مدعياً كتابة) أي: أنه مكاتب، (أو) مدعياً (غرما) أي: من الغارمين، (أو) مدعياً (أنه ابن سبيل، أو) مدعيا (فقراً وعرف بغنى) قبل ذلك: (لم يقبل) منه ذلك (إلا ببينة) " لأن الأصل عدم ما يدعيه وبراءة ذمة الكاتب والغارم.
(وهي) أي: البينة (في) المسألة (الأخيرة) وهي ما إذا ادعى الفقر من عرف بالغنى: (ثلاثة رجال)، لقول النبي ﷺ " إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة. فحلت له المسألة حى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش " (٣) . رواه مسلم.