← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وإن اشترى شيئا وقال: قد أخذته بكذا. فهب لي فيه كذا. فنقل محمد بن الحكم: لا يعجبنى. هذه المسألة. قال رسول الله ﷺ : " لا تحل المسألة إلا لثلاث " (١) . وسأله محمد بن موسى: ربما اشتريت الشيء فأقول: أرجح لي. فقال: هذه مسألة. لا تعجبني. ونقل ابن منصور: يكره. فال القاضي: كرهه أحمد. وإن كان يلحق بالبيع؛ لأنه في معنى المسألة من جهة أنه لا يلزمه بذل ما سأله. واختار صاحب " المحرر ": لا يكره، لأنه لا يلزم السائل إمضاء العقد بدونها فيصير ثمنا لا هبة. وسؤال الشيء اليسير كشسع النعل أو الحذاء هل هو كغيره أو يرخص فيه؟ فيه روايتان. (ولا بأس بمسألة شرب الماء) نص عليه. واحتج بفعله ﷺ (٢) . وقال: في العطشان لا يستسقى: يكون أحمق. ولا بأس با لاستعارة والاقتراض. نص عليهما. قال الآجري: يجب أن يعلم حل المسألة ومتى تحل. وما قاله معنى قول أحمد في أن تعلم ما يحتاج إليه لدينه فرض. قال في " الفروع ": ومن سأل غيره الدعاء لنفعه أو نفعهما أثيب. وإن قصد نفع نفسه فقط نهى عنه كالمال. وإن كان قد لا يأثم. كذا ذكره شيخنا.

стр. 1367

وظاهر كلام غيره خلافه كما هو ظاهر الأخبار. ويأتي قوله في " المستوعب ": كانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب. وفي " الصحيحين ": " أن أم أنس قالت: يا رسول الله! اح الله له. قال: فدعا لي بكل خير. وكان من آخره: اللهم! أكثر ماله وولده وبارك له فيه " (١) . قال في " شرح مسلم ": فيه طلب الدعاء من أهل الخير. وجواز الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة فيهما. وفي " مسلم ": "أن النبي ﷺ قال عن أويس القرنى: فمن لقيه منكم فليستغفر لكم " (٢) . وله في رواية: " قال لعمر: إن استطعت أن يستغفر لك فافعل " (٣) . قال في " شرح مسلم ": فيه (٤) استحباب طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل منهم. وقال شيخنا أيضاً في " الفتاوي المصرية ": لا بأس بطلب الدعاء بعضهم من بعض. لكن أهل الفضل ينوون بذلك أن الذين يطلبون منه الدعاء إذا دعا لهم كان له من الأجر على دعائه لهم أعظم من أجره لو دعا لنفسه وحدها. ثم ذكر قوله ﷺ : " ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله له ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل " (٥) . و" قوله ﷺ لعلي ﵇: يا علي لِلَّهِ عُمَّ. فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض ".

стр. 1368

و" قوله لعمر: يا أخي! " لا تنسانا من دعائك " (١) . قال: وما زال المسلمون يسألونه الدعاء لهم. انتهى. (وإعطاء السؤال) جمع سائل (مع صدقهم: فرض كفاية)، لما جاء في الحديث: "لو صدق لما أفلح من رده ". وقد استدل الإمام أحمد بهذا. وأجاب بأن السائل إذا قا ل: أنا جائع. وظهم صدقة وجب إطعامه. وهذا من تأويل قوله : (وفى أموالهم حق للسائل والمحروم)] الذاريات: ١٩]. وإن ظهر كذبهم لم يجب إعطاؤهم. ولو سألوا مطلقاً لغير معين لم يجب إعطاؤهم ولو أقسموا لأن إبرار القسم إنما هو إذا أقسم على معين. وإطعام الجائع ونحوه واجب إجماعاً. مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة وفاقا. وعن ابن عباس مرفوعاً: " إن الله لم يفرض الزكاة إلا لطيب ما بقى من أموالكم " (٢) . وعن أبي هريرة مرفوعاً: " إذا أديت زكاة مالك. فقد قضيت ما عليك " (٣) رواه ابن ماجه والترمذي. وقا ل: حسن غريب. قال القرطبي: اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضاً. قاله القرطبي. واختار الآجري: أن في المال حقا سوى الزكاة. وهو قول جماعة من العلماء. قال: نحو مواساة قرابة وصلة

стр. 1369

إخوان وإعطاء سائل، وإعارة محتاج دلوها وركوب ظهرها وإطراق فحلها وسقي منقطع حضر حلابها حتى يَروى. وذكر القاضي عياض المالكي: أن الجمهور قالوا: إن الحق في الآية المراد به الزكاة. وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة. وما جاء غير ذلك حمل على الندب ومكارم الأخلاق. انتهى. ولو جهل حال السائل فالأصل عدم الوجوب. (ويجب قبول (١) مال طيب أتى بلا مسألة ولا استشراف نفس). نقل الأثرم: عليه أن يأخذه؛ لقول النبي ﷺ " خذه " (٢) . وينبغي أن يأخذه ويضيق عليه أن يرده وذكر أحمد أيضاً هذا الخبر. وقال: هذا إذا كان من مال طيب. ونقل جماعة: أخاف أن يضيق عليه رده. قاله في " التنبيه " واقتصر عليه في " المستوعب ". ونقل إسحاق بن إبراهيم: لا بأس إذا كان من (٣) غير استشراف. وعن أحمد أيضاً: أنه رد ذلك. وقال: دعنا نكون أعزاء. ورد في رواية المروذي. فقال له أبو اسحاق: أي: شيء تكون الحجة أو كيف يجوز؟ فقال: لا أعلم فيه شيئاً. إلا أن الرجل إذا تعود لم يصبر عنه. وكذا ذكر صاحب " المحرر " رواية بجواز الرد. وقال: قد بين العلة في جواز الرد. وأن على هذا تحمل النصوص المذكورة للوجوب على الاستحباب. وذكر ابن الجوزي في " المنهاج ": أنه لا يأخذه إلا مع حاجته إليه إذا سلم من الشبهة] والآفات فإن الأفضل أخذه.

стр. 1370

قال في " الفروع ": وما ذكر من سلامته من الشبهة [ (١) يؤخذ من كلام غيره لأنه مكروه. ولا يجب قبول المكروه. وهذا معنى المنقول عن أحمد في جائزة السلطان مع قوله: هي خير من صلة الإخوان. وظاهر كلام غير واحد: يجب ما لم يحرم. وقاله ابن حزم الظاهري. قال: لأنه داخل في وجوب النصيحة. فإن طابت نفسه عليه فحسن. وإن أبقاه فليتصدق به فيؤجر على كل حال. ثم من الجهل استسهال المرء أخذ مال زيد في بيع أو أجرة ثم يتجنبه إذا أعطاه إياه بطيب نفس. ثم احتج بقوله ﷺ : " من رغب عن سنتي فليس مني " (٢) . قال: وكان مالك والشافعي لا يردان ما أعطيا. انتهى. وعلم مما تقدم: أنه متى استشرفت نفسه إليه بأن قال: سيبعث إليّ فلان أو لعله يبعث لي، وإن لم يتعرض أو تعرض بقلبه عسى أن يفعل: فلا بأس بالرد. نص على ذلك في رواية الجماعة. وزاد أبو داود: وكأنه اختار الرد. ونقل المروذي ردها. وسأله جعفر يحرم أخذه؛ قال: لا. ومن أعطى شيئا ليفرقه: فحسّن أحمد عدم الأخذ في رواية. (ومن سأل) أن يعطى (واجباً) " كمن طلب شيئا من الزكاة (مدعياً كتابة) أي: أنه مكاتب، (أو) مدعياً (غرما) أي: من الغارمين، (أو) مدعياً (أنه ابن سبيل، أو) مدعيا (فقراً وعرف بغنى) قبل ذلك: (لم يقبل) منه ذلك (إلا ببينة) " لأن الأصل عدم ما يدعيه وبراءة ذمة الكاتب والغارم. (وهي) أي: البينة (في) المسألة (الأخيرة) وهي ما إذا ادعى الفقر من عرف بالغنى: (ثلاثة رجال)، لقول النبي ﷺ " إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة. فحلت له المسألة حى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش " (٣) . رواه مسلم.

стр. 1371

ولأن الأصل بقاء الغنى. فلم يقبل قوله بمجرده فيما يخالف الأصل. وقيل: يكفي اثنان؛ كحق الآدمي. (وإن صدق مكاتباً سيده، أو) صدق (غارماً غريمه: قبل وأعطي) في الأصح. (ويقلد) أي: ولا تطلب إقامة الحجة (من ادعى) أن له (عيالاً، أو) ادعى (فقرًا ولم يعرف بغنى) في الأصح، كما يقلد في دعوى الحاجة. ولأن الأصل عدم الغنى. (وكذا) يقلد (جَلد ادعى عدم مكسب) ويعطى من الزكاة (بعد إعلامه) أي: بعد أن يعلمه المعطي (أنه لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب)؛ " لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين اللذين سألاه ولم يحلفهما " (١) . وفي بعض رواياته أنه قال: " أتينا النبي ﷺ فسألناه عن الصدقة. فصعد فينا النظر. فرآنا جَلدين. فقال: إن شئتما أعطيتكما. ولا حظ فيها لغني ولا لقوي متكسب " (٢) . رواه ابو داود. (ويحرم أخذ) من صدقة (بدعوى غنى) أي: من هو غني (فقرا ولو من صدقة تطوع)، لما روى أبو سعيد مرفوعا " فمن يأخذ مالا بحقه فيبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع " (٣) . وفي لفظ: " إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو. ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " (٤) . وفي لفظ: " إن هذا المال خضرة حلوة. ونعم صاحب المسلم ما (٥) أعطى

стр. 1372

منه المسكين واليتيم وابن السبيل. أو كما قال رسول الله ﷺ : وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيداً يوم القيامة " (١) . متفق على ذلك. (وسُن تعميم الأصناف) أي: أصناف أهل الزكاة الثمانية (بلا تفضيل) بينهم (إن وجدت) الأصناف كلها (حيث) أي: في محل (وجب الإخراج) فيه. وإلا عمم من أمكن منهم؛ لأنه يخرج بذلك من الخلاف ويحصل الإجزاء يقيناً. (و) سن أيضا (تفرقتها) أي: الزكاة (في أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم)؛ كخاله وخالته (على قدر حاجتهم). فيزيد ذا الحاجة منهم بقدر حاجته. فإن استووا في الحاجة وتفاوتوا في القرب: بدأ بالأقرب فالأقرب منهم. ويدل لمسنونية تفرقتها في أقاربه قوله ﷺ : " صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة " (٢) . رواه الترمذي والنسائي. (ومن فيه) من أهل الزكاة (سببان) كما لو كان فقيرا غارما: (أخذ بهما) أي: بالسببين. فيعطى ما يقضي به دينه وكفايته مع كفاية عائلته سنة. (ولا يجوز أن يعطى بأحدهما) أي: بأحد السببين (لا بعينه)؛ لاختلاف أحكامهما (٣) في الاستقرار وعدمه. وقد يتعذر الاستيعاب فلا يعلم المجمع عليه من المختلف فيه. (وإن أعطى بهما) أي: بالسببين (وعين لكل سبب قدر) معلوم: فذاك. (وإلا) أي: وإن لم يعين لكل سبب قدر معلوم (كان) ما يعطاه (بينهما) اي: بين السببين (نصفين). وتظهر فائدة ذلك لو وجد ما يوجب الرد.

стр. 1373

(ويجزئ اقتصار) في إعطاء من الزكاة (على إنسان) واحد (ولو) كان (غريمه) أي: غريم المزكي (او مكاتبه ما لم يكن) ذلك (حيلة): أما كونه يجزئ الاقتصار على واحد، فلقول الله : (إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)] البقرة: ٢٧١]. ولقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " (١) . متفق عليه. فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنف واحد. و" أمر رسول الله ﷺ بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمه بن صخر " (٢) . و" قال لقبيصة: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " (٣) . ولو وجب صرفها إلى جمع الأصناف لم يجز صرفها إلى واحد. ولأنه لا يجب صرفها لجمع الأصناف إذا فرقها الساعي. فكذا إذا فرقها المالك. ولأنه لا يجب عليه تعميم أهل كل صنف بها. فجاز الاقتصار على واحد؛ كما لو وصى لجماعة لا يمكن حصرهم. وهذا هو اللائق بحكمة الشرع وحسنه. إذ غير جائز أن يكلف الله من وجبت عليه شاة أو صاع أو فص مثقال دفعه إلى ثمانية عشر نفساً أو أحد وعشرين أو أربعة وعشرين على اختلاف مقالاتهم. والغالب تعذر وجود ذلك في الإقليم العظيم فكيف بمن في القرى. وهو القائل: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج)] الحج: ٧٨ [. ولم ينقل أن النبي ﷺ ولا أن (٤) أحداً من خلفائه فعل ذلك في صدقة من الصدقات. ولو كان هذا هو (٥) الواجب لما أغفلوه، ولو فعلوه لنقل ولما أهمل.

стр. 1374

والآية الكريمة إنما سيقت لبيان من (١) يجوز الصرف إليه لا إيجاب الصرف إلى الجمع. بدليل أنه لايجب تعميم كل صنف بها. وأما كونه يجزئ إخراجها لغريمه؛ فلأنه من جملة الغارمين. فإن رده إليه الغارم فله أخذه. نص عليه في رواية مهنا؛ لأن الغريم قد ملك ما أخذه بالأخذ. أشبه ما لو وفاه من مال آخر. قال في " الفروع ": ويجوز دفع زكاته إلى غريمه ليقضي بها دينه. سواء دفعها إليه ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع إليه ليقضي بها دين المقرض. نص على ذلك. قال أحمد: إن أراد إحياء ماله لم يجز. وقال أيضاً: إن كان حيلة فلا يعجبني. وقال أيضا: أخاف أن يكون حيلة فلا أراه. ونقل ابن القاسم: إذا (٢) أراد الحيلة لم يصلح ولا يجور. قال القاضي وغيره: يعني بالحيلة: أن يعطيه بشرط أن يردها عليه من دينه. فلا يجزئه؛ لأن من شرطها تمليكا صحيحا. فاذا شرط الرجوع لم يوجد فلم يجزئه. وذكر الشيخ يعني: الموفق أنه حصل من كلام أحمد. أنه إذا قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز، لأنها لله فلا يصرفها إلى نفعه. وفي " الرعاية الصغرى ": إن قضاها بلا شرط صح، كما لو قضى دينه بشيء ثم دفعه إليه زكاة، وتكره حيلة. كذا قال. انتهى. وإن ابرأ رب الدين غريمه من دينه بنية الزكاة لم يجزئه نص عليه. سواء كان المخرج عيناً أو ديناً وفاقاً لمالك والشافعي. وأما كون الزكاة يجزئ دفعها إلى مكاتبه، فلأنه صار معه في باب المعاملة كالأجنبي. بدليل جريان الربا بينهما، ويجوز للمكاتب ردها إلى سيده بحكم الوفاء. أشبه إيفاء الغريم دينه بها.

стр. 1375

ومحل ذلك أيضاً: ما لم يقصد بالدفع إحياء ماله بأن كان السيد يعلم أنه يعود إلى الرق بعد ذلك لعجزه عن وفاء مال الكقابة. أما إذا أعطاه ما يعتق برده إليه فلا كلام في الإجزاء. وأما الحوالة بالزكاة بأن يحيل رب المال الفقير على غريمه بالزكاة فلا يكفي في الإجزاء. جزم به ابن تميم وغيره؛ لعدم الإيتاء المأمور به. (ومن أعتق عبدا لتجارة قيمته نصاب بعد) حولان (الحول) عليه، و (قبل إخراج ما) وجب (فيه) من الزكاة: (فله) أي: فلسيده (دفعه) أي: دفع ما وجب فيه من زكاة (إليه) أي: إلى العبد المعتق. (مالم يقم به) أي: بالمعتق (مانع) من أخذها من كفر أو غيره؛ لأنه صار من أهل الزكاة أشبه ما لو أعطاه من غير ما وجب فيه.

стр. 1376

] فصل: فيمن لا تدفع له الزكاة] (فصل. ولا تجزئ الزكاة) إذا دفعها (إلى كافر غير مؤلف). قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من أموال الزكاة شيئاً. (ولا) يجزئ دفعها إلى (كامل رق غير عامل)؛ لأن ما يأخذه أجرة يستحقها سيده. (و) غير (مكاتب)؛ لأنه من الرقاب. (ولا) يجزئ دفعها إلى (زوجة) لمن وجبت عليه الزكاة. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة. وذلك لأن نفقتها واجبة عليه. فتستغني بها عن أخذ الزكاة. فلم يجز دفعها إليها؛ كما لو دفعها إليها على سبيل الإنفاق عليها. (و) لا يجزئ دفعها إلى (فقير ومسكين) ولا إلى فقيرة ومسكينة (مستغنيين بنفقة واجبة) على قريب غني أو زوج غني؛ لأن الكفاية حاصلة لهما مما يصل إليهما من النفقة الواجبه. أشبه من له عقار يستغني بأجرته. وإن تعذرت النفقة من القريب أو الزوج: جاز الدفع أشبه ما لو تعطلت منفعة العقار. (ولا) يجزئ دفعها إلى (عمودي نسبه) أي: نسب من وجبت عليه الزكاة. وإن علوا أو سفلا من أولاد البنين وأولاد البنات. الوارث وغيره في ذلك سواء. قال أحمد: لايعطي الوالدين من الزكاة ولا الولد ولا ولد الولد ولا الجد ولا الجدة ولا ولد البنت. قال رسول الله ﷺ : " إن ابني هذا سيد " (١) . يعني: الحسن. فجعله ابنه لأنه من عمودي نسبه. ووجه ذلك: إن دفع زكاته إليهم

стр. 1377

يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه. فيعود نفعها إليه. فكأنه دفعها إلى نفسه. فلم يجز؛ كما لو قضى بهادينه. (إلا أن يكونا) أي: عمودي نسبه (عمال) على الزكاة. فيستحقون بذلك أجرة عملهم. أشبه ما لو استعملهم في عمل غير الزكاة. (أو) يكونا (مؤلفين) فيعطون للتأليف. أشبه ما لو كانوا أجانب. (أو) يكونا (غزاة). فإن الغزاة لهم الأخذ مع عدم الحاجة. اشبهوا العاملين. (أو) يكونا (غارمين لذات بَيْن)؛ لجواز أخذ الغارم لإصلاح ذات بين مع غناه. (ولا) تجزئ من وجبت عليها زكاة دفعها إلى (زوج) لها. على الأصح؛ لأنها تعود إليها بإنفاقه عليها. قال في " الفروع ": وهل يجوز للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها. اختاره القاضي وأصحابه والشيخ وغيرهم وفاقا للشافعي أم لا. اختاره جماعة منهم الخرفي وأبو بكر وصاحب " المحرر " وحكاه عن أبي الخطاب وفاقا لأبي حنيفة ومالك. فيه روايتان. (ولا) يجزئ دفع الزكاة إلى (سائر من تلزمه) أي: تلزم المخرج (نفقته)؛ كقِنّه وعتيقته على الأصح. (ما لم يكن عاملا أو غازيا أو مؤلفا أو مكاتبا أو ابن السبيل أو غارماً لإصلاح ذات بين). قالط صاحب "المحرر ": لا تختلف الرواية (١) أنه يعطى لغير النفقة الواجبة؛ نحو كونه غارماً أو مكاتباً أو ابن سبيل. بخلاف عمودي النسب لقوة القرابة. انتهى. وأما إذا كانوا عمالاً أو غزاة أو مؤلفة فقد تقدم أنهم يعطون لذلك ولو كانوا من عمودي النسب. (ولا) يجزئ دفع الزكاة إلى (بني هاشم. وهم سلالته) أي سلالة هاشم. (فدخل آل عباس، و) آل (علي، و) ال (جعفر، و) آل (عقيل، و) آل

стр. 1378

(الحارث بن عبد المطلب، و) آل (أبي لهب). قال في " شرح المقنع الكبير ": لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة؛ لقول النبي ﷺ : " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد. إنما هي أوساخ الناس " (١) . أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة قال: " أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة. فقال النبي ﷺ : كخ كخ. ليطرحها. وقال: ما شعرتَ أنا لا نأكل الصدقة " (٢) . متفق عليه. وسواء أعطوا من خمس الخمس أو لم يعطوا، لعموم النصوص. ولأن منعهم من الزكاة لشَرَفِهم. وشرفُهم باق. فيبقى المنع. (ما لم يكونوا) أي: بني هاشم (غزاة أو مؤلفة أو غارمين لإصلاح ذات بَيْن) فلهم الأخذ لذلك، لجواز أخذ ذلك مع الغنى، وعدم المنة فيه. (وكذا مواليهم) يعني: أن حكم موالي بني هاشم.] وهم: الذين أعتقهم بنوا هاشم [ (٣) حكم بني هاشم فيما يجوز لهم أخذه من الزكاة وفيما لا يجوز لهم أخذه منها " لما روى أبو رافع " أن رسول الله ﷺ بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة. فقال لأبي رافع: أصحبني كَيْمَا تصيب منها. فقال: لا. حتى أتي رسول الله ﷺ فأسأله. فانطلق إلى رسول الله ﷺ فسأله. فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة وإن موالي القوم منهم " (٤) . أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ولأن الولاء بمنزلة النسب في أحكام. فغلب الحظر.

стр. 1379

(لا موالي مواليهم) يعني: أنه يجزئ دفع الزكاة إلى موالي موالي بني هاشم؛ لأنهم ليسوا من بني هاشم ولا من مواليهم. قال في " الفروع ": ويجوز الدفع إلى ولد] هاشمية من غير [ (١) هاشمي في ظاهر كلامهم. وتأوله القاضي اعتباراً بالأب وفاقاً. وذكر أبو بكر أنه لا يجوز. واحتج بحديث أنس: " ابن أخت القوم منهم " (٢) . متفق عليه. ولا تحرم الزكاة على أزواجه ﷺ في ظاهر كلام أحمد والأصحاب وفاقا؛ كمواليهن إجماعاً؛ للأخبار فيهم. وفى " المغني ": " أن خالد بن سعيد بن العاص بعب إلى عائشة بسفرة من الصدقة فردتها وقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ". قال: وهذا يدل على تحريمها على أزواجه ﷺ . ولم يذكر ما يخالفه مع أنهم لم يذكروا هذا في الوصية والوقف. وهذا يدل على أنهم من أهل بيته في تحريم الزكاة. ولهذا قال صاحب " المحرر ": أزواجه ﷺ من أهل بيته المحرم عليهم الزكاة في أحد الروايتين. ثم احتج بقول عائشة المذكور. رواه الخلال وصاحبه (٣) . وكالدفع إليه. فإنهن في حبسه ونفقته حيا وميتا. ولهذا كن يُعطيْن من سهمه من الفيء من بعده. وعن أبي هريرة مرفوعاً: " لا تقتسم ورثتي ديناراً. ما تركت بعد نفقة نسانى ومؤنة عاملي فهو صدقة " (٤) . متفق عليه.

стр. 1380

والثانية: لا تحرم عليهن. وهو قول زيد بن أرقم (١) . رواه مسلم. انتهى. (ولكل) من بني هاشم ومواليهم وكل من قلنا لا يجوز دفع الزكاة إليه: (أخذ صدقة تطوع). قال في " شرح المقنع ": وكل من حرم (٢) صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدق والكافر وغيرهم: يجوز دفع صدقة التطوع إليهم ولهم أخذها. قال الله (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)] الإنسان: ٨ [ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرًا. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: " قدمتْ عليّ أمي وهي مشركة. قلت: يا رسول الله لِلَّهِ إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة. أفأصلها؟ قا ل: صلي أمك " (٣) . و" كسا عمر أخاً له مشركا حلة كان النبي ﷺ أعطاه إياها " (٤) . و" قال النبي ﷺ لسعد: إن نفقتك على أهلك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك صدقة " (٥) . متفق عليه.

стр. 1381

(وسُن تعفف غني عنها) أي: عن صدقة التطوع (وعدم تعرضه لها) أي: لصدقة التطوع؛ لأنه مدح المتعففين عن السؤال مع وجود حاجتهم. قال (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)] البقرة: ٢٧٣]. (و) لكل من فقير ومسكين هاشمي وغيره أخذ من (وصية لفقراء. إلا النبي ﷺ من بني هاشم. فإن الصدقة كانت محرمة عليه مطلقاً فرضها ونفلها على الأصح؛ لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها فلم يجز الإخلال به. فروى أبو هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أتى بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا. ولم يأكل. وإن قيل: هدية ضرب بيده وأكل معهم " (١) . متفق عليه. وفي حديث سلمان الفارسي أن الذي أخبره عن رسول الله ﷺ ووصفه له قال: " إنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة " (٢) . والحديث بطوله في " مسند أحمد ". ولأن آل محمد لما منعوا فرض الصدقة لشرفهم على غيرهم: وجب أن ينزه النبي ﷺ عن نفلها وفرضها لشرفه على الخلق كلهم تمييزاً له بذلك. كما خص مع خمس الخمس بالصفي من المغنم، وبالإسهام له مع غيبته من المغانم. قال في " شرح الهداية ": ولا خلاف نعلمه أن النبي ﷺ لا يحرم عليه أن يقترض، ولا أن يهدى له، أو ينظر بدينه، أو يوضع عنه، أو يشرب من سقاية موقوفة على الماء، أو يأوي إلى مكان جعل للمارة، ونحو ذلك من أنواع المعروف التي لا غضاضة فيها. والعادة جارية بها في حق الشريف والوضيع. وإن كان يطلق عليها اسم الصدقة. قال : (فمن تصدق به فهو كفارة له)] المائدة: ٤٥]. وقال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم)] البقرة: ٢٨٠].

стр. 1382

وقال النبي ﷺ : " كل معروف صدقة " (١) . (و) لبني هاشم غير النبي ﷺ الأخذ (من نذر) نذر أن يتصدق به على الفقراء. (لا) من (كفارة)؛ لأنها صدقة واجبة بالشرع فأشبهت الزكاة. بل أولى لأن النص علل منع الزكاة بكونها أوساخ الناس والكفارة من أشد أوساخهم إذ كان سبب مشروعيتها لمحو الذنب والجناية. (وتجزئ دفع زكاة) دفع زكاة من عليه زكاة (إلى ذوي أرحامه) الذين ليسوا من عمودي نسبه؛ كبنات إخوته وبنات أعمامه وأخواله وخالاته (ولو ورثوا) على الأصح. قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور وقد سأله: يعطى الأخ والأخت والخالة من الزكاة؟ قال: يعطي كل القرابة إلا الأبوين والولد. لقول النبي ﷺ : " الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي رحم اثنتان: صدقة وصلة " (٢) . فلم يشترط كون الصدقة نافلة ولا فريضة. ولم يفرق بين الوارث وغيره. ولأن قرابتهم ضعيفة لا يرثون بها مع عصبة ولا ذي فرض غير أحد الزوجين. فلم يمنع دفع الزكاة إليهم؛ كغير ذي الرحم. (و) يجزئ دفع الزكاة أيضاً إلى (بني المطلب) على الأصح؛ لأن آية الأصناف وغيرها من العمومات تشملهم. لكن خرج منها بنو هاشم بالنص والإجماع. وقياسهم عليهم لا يصح؛ لأنهم أشرف وأقرب إلى رسول الله ﷺ . ومشاركتهم لبني هاشم في الخمس لم يكن بمجرد قرابتهم. بدليل أن بني نوفل وبني عبد شمس مثلهم في القرابة ولم يعطوا شيئاً من الخمس. وإنما شاركوهم بالنصرة مع القرابة؛ كما أشار إليه النبي ﷺ بقوله فيهم: "إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام " (٣) . والنصرة لا تقتضي حرمان الزكاة.

стр. 1383

(و) يجزئ من عليه زكاة دفعها إلى (من تبرع بنفقته بضمه إلى عياله)؛ كيتيم أجنبي في الأصح؛ لأنه داخل في آية أصناف الزكاة. ولم يرد في منعه نص ولا إجماع. ولما روى البخاري " أن امرأة عبدالله سألت النبي ﷺ عن بني أخ لها أيتام في حجرها فتعطيهم زكاتها؟ قال: نعم " (١) . (أو) من (تعذرت نفقته من زوج أو قريب بغيبة أو امتناع أو غيرهما) أي: غير الغيبة والامتناع؛ لأن ذلك مشبه لمن له عقار وتعطلت منافعه. (وإن دفعها) أي: دفع الزكاة رب المال (لغير مستحقها لجهل) منه بعدم استحقاقه؛ كما لو دفعها لعبد أوكافر أو هاشمي أو لأبيه ونحوه وهو لا يعلم (ثم علم) حقيقة الحال: (لم يجزئه) رواية واحدة؛ لأنه لا يخقى حاله غالباً. فلم يجزئه الدفع إليه؛ كدين الآدمي. (إلا الغني إذا) دفعها إليه وقد (ظنه فقيرا) فإنها تجزئه على الأصح. لـ " أن النبي ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: إن شئتما أعطيتكما منها ولاحظ فيها لغني ولا قوي مكتسب " (٢) . وقال للرجل الذي سأله من الصدقة: "إن كنت مق تلك الأجزاء أعطيتك حقك " (٣) . ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " قال رجل: لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت. فلعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى " (٤) . رواه النسانى.

стр. 1384

] فصل: في صدقة التطوع] (فصل. وتسن صدقة تطوع)؛ لقول الله : (إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم.] الحديد: ١٨]. وقد حث الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " لا يتصدق أحدكم بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه يربيها كما يربي أحدكم فَلْوَه أو قَلوصه. حتى تكون مثل الجبل العظيم أو أعظم " (١) . متفق عليه. وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء " (٢) . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. ويسن كون صدقة التطوع (بفاضل عن كفاية دائمة بمتجر أو غلة أو صنعة عنه) أي: عن المتصدق (وعمن يمونه)، لما روى حكيم بن حزام عن النبي ﷺ "اليد العليا خير من السفلى، وابدأ بمن تعول. وخير الصدقة عن ظهر غنى" (٣) . متفق عليه. وعن جابر: " أن النبي ﷺ قال لرجل: ابدأ بنفسك فتصدق عليها. فإن فضل شيء فهكذا وهكذا " (٤) . رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.

стр. 1385

ولأن كفاية نفسه ومن يعوله فرض عليه. والفرض لا يجوز تركه لأجل النفل. وتسن (كل وقت)، لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة. (و) كونها (سرًا بطيب نفس في صحة) أفضل، لقوله : (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)] البقرة: ٢٧١]. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " (١) . متفق عليه. (و) كونها في شهر (رمضان، ووقت حاجة، وكل زمان ومكان فاضل كالعَشر والحرمين) أفضل؛ لما روي عن ابن عباس قال: " كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. فلَرَسول ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة " (٢) . متفق عليه. ولأن في الصدقة في رمضان إعانة على أداء فريضة الصوم. وقد جاء في الحديث " من فطر صائماً كان له مثل أجره " (٣) . (و) كون صدقة التطوع (على جار). للمتصدق (وذوي رحم) له (لا سيما

стр. 1386

مع عداوة) بينهما. (وهي) أي: الصدقة (عليهم) أي: على ذوي الأرحام: صدقة و (صلة أفضل) من الصدقة على غير الجار وغير ذوي الأرحام؛] لقوله : ) وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب) [ (١) ] النساء: ٣٦]. ولقوله تعالى (يتيما ذا مقربة] أومسكينا ذا متربة [) (٢) ] البلد: ١٥ - ١٦]. ولقول النبي ﷺ : " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنان صدقة وصلة " (٣) . وهو حديث حسن. ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته؛ لقول الله : (أومسكينا ذا متربة)] البلد: ١٦]. (ومن تصدق بما ينقص مُؤنة تلزمه) أي: مؤنة من تلزمه مؤنته، (أو أضر بنفسه، أو غريمه، أو كفيله) بسبمب صدقته: (أثِم) بتصدقه بما يضر واحداً. ممن ذكر؛ لقول النبي ﷺ : " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت " (٤) . وروى أبو هريرة قال: " أمر النبي ﷺ بالصدقة. فقام رجل فقال: يا رسول الله! عندي دينار. فقال: تصدق به على نفسك. فقال: عندي آخر. قال: تصدق به على ولدك. قال: عندي آخر قال: تصدق به على زوجتك. قال: عندي آخر قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت أبصر " (٥) . رواهما أبو داود. فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل، لقوله : (ويؤثرون

стр. 1387

على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)] الحشر: ٩]. وقال النبي ﷺ : " أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر " (١) . (ومن أرادها) أي: أراد الصدقة (بماله كله وله عائلة لهم كفاية او يكفيهم بمكسبه) فله ذلك؛ لقصة الصديق رضي الله تعالى عنه (٢) . وإلا حرم. (أو) كان (وحده، ويعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك. وإلا) أي: وإن لم يعلم من نفسه ذلك (حرم) أن يتصدق بجميع ماله " لما روى جابر بن عبدالله قال: " كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب. فقال: يا رسول الله! أصبت هذه من معدِن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله ﷺ . فأتاه من قبل ركنه الأيمن. فقال مثل ذلك. فأعرض عنه. ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر. فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها. فلو أصابته لأوجعته أو لعقرقه. فقال رسول الله ﷺ : يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة. ثم يقعد يستكفّ الناس. خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " (٣) . رواه أبو داود. وفي رواية: " خذ مالك عنا لا حاجة لنا به " (٤) . فقد نبه النبي ﷺ على المعنى الذي كره من أجله الصدقة بجمع ماله وهو أن يستكف الناس أي: يتعرض للصدقة فيأخذها ببطن كفه. يقال: تكفف واستكف إذا فعل ذلك.

стр. 1388

(وكره لمن لا صبر له) على الضيق (أو) لا (عادة) له (على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة) نص عليه. وظهر من ذلك أن الفقير لا يقترض ليتصدق بما يقترضه. ونص أحمد في فقير لقريبه وليمة: يستقرض ويهدي له. ذكره أبو الحسين في " الطبقات ". قال في " الفروع " قال شيخنا: فيه صلة الرحم بالقرض. وقد ذكر ابن عقيل في مواضع: أقسم بالله لو عبس الزمان في وجهك مرة لعبس في وجهك أهلك (١) وجيرانك. ثم حث على إمساك المال. وذكر ابن الجوزي في كتابه " السر المصون ": أن الأولى أن يدخر لحاجة تعرض وأنه قد يتفق له مرفق فيخرج ما في يده فينقطع مرفقه فيلاقي من الضراء والذل ما يكون الموت دونه. فلا ينبغي لعاقل أن يعمل بمقتضى الحال الحاضرة. بل يصور كلما يجوز وقوعه. وأكثر الناس لا ينظرون في العواقب. وقد تزهد خلق كمير فأخرجوا ما بأيديهم ثم احتاجوا. فدخلوا في مكروهات. والحازم من يحفظ ما في يده. والإمساك في حق الكريم جهاد؛ كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد. والحاجه تحوج إلى كل محنة. قال بشر الحافى: لو أن لي دجاجة أعولها خفت أن أكون عشارًا على الجسر. وقال الثوري. من كان بيده مال فليجعله في قرن ثور فإن زمان من احتاج فيه كان أول ما يبذل (٢) دينه. قال ابن الجوزي. وبعد. فإذا (٣) صدقت نية العبد وقصده رزقه الله تعالى وحفظه من الذل ودخل في قو له (ومن يتق الله ٠٠٠) (٤) الاية] الطلاق: ٢].

стр. 1389

(ومن ميز شيئاً للصدقة أو وكل فيه) أي: في التصدق بشيء (ثم بدا له) أن لا يتصدق: (سن) له (إمضاؤه) أي: إمضاء ما ميزه للصدقة أو ما وكل أن يتصدق به. ولا يجب عليه إمضاؤه وفاقاً. نقل محمد بن داود أن أبا عبدالله سئل عن رجل بعث دراهم إلى رجل يتصدق بها عليه. فلم يجده الرسول. فبدا للمرسل أن يمسكها. قال: ما أحسنه أن يمضيه. و (لا) يسن له (إبدال ما أعطى سائلا فسخطه). قال في " الفروع ": ومن سأل فأعطي فقبضه فسخطه لم يعط لغيره (١) في ظاهر كلام العلماء ﵃. وعن علي بن الحسين: أنه كان يفعله. رواه الخلال. وفيه جابر الجعفي ضعيف. فإن صح فيحتمل أنه فعله عقوبة. ويحتمل أن سخطه دليل على أنه لايختارتملكه. فيتوجه مثله على أصلنا؛ كبيع التلجئة. ويتوجه في الأظهر أن أخذ صدقة التطوع أولى من الزكاة، وأن أخذها سراً أولى. (والمن بالصدقة كبيرة). قال في " الفروع ": ويحرم المن بالصدقة وغيرها. وهو كبيرة على نص أحمد الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة. (ويبطل الثواب به) أي. بالمن؛ لقوله : (يا أيها الذين ءامنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)] البقرة: ٢٦٤]. قال في " الفروع ". ولأصحابنا خلاف فيه. وفي بطلان طاعة بمعصية. واختار شيخنا الإحباط. بمعنى الموازنة. وذكر أنه قول أكثر السلف.

стр. 1390

وفي " الصحيحين " من حديث عبدالله بن زيد بن عاصم " أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة ولم يعط الأنصار. فكأنهم وَجَدوا. فقال: يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي. وكنتم متفرقين فألفكم الله بي. وعالة فأغناكم الله بي؟ فقالوا: الله ورسوله أمنّ. فقال: ألا تجيبون؟ لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا. . ." (١) الحديث. متفق عليه. فيحتمل أن يقال في هذا كما قاله ابن حزم: لا يحل أن يمن إلا من كفر إحسانه وأسيء إليه فله أن يعدد إحسانه. ويحتمل أن يقال - كما قاله (٢) شارح " الأحكام الصغرى "-: أن هذا دليل على إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم. ولما كانت نعمة الإيمان أعظم النعم قدمها. ثم نعمة الألفة أعظم من نعمة المال " لأن المال يبذل في تحصيلها. والله أعلم (٣) .

стр. 1391

[كتاب الصيام] هذا (كتاب) يذكر فيه مسائل من أحكام الصيام. ثم (الصيام) لغه مجرد الإمساك. يقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، ويقال للساكت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام، ويقال للفرس: صائم إذا أمسك عن العلف مع القيام، ويقال له: صائم إذا أمسك عن الصهيل في موضعه. وأما الصيام في اصطلاح أهل الشرع فهو: (إمساكٌ بنية) للإمساك (عن أشياء مخصوصة)، وهي مفسداته. وسيأتي بيانها. (في زمن معين) وهو: من طلوع الفجر الثانى إلى غروب الشمس، (من شخص مخصوص) وهو: المسلم العاقل غير الحائض والنفساء. وسمي شهر الصوم رمضان قيل: لحر جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحر. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها. فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر ورمضه. وقيل: لأنه يحرق الذنوب. وقيل: غير ذلك. وجمعه: رمَضَانات وأرْمِضة ورماضين وأرْمُض (١) ورِماض ورَمَاضى وأراميض. والمستحب قول: شهر رمضان، كما قال الله . ولا يكره قول: رمضان بإسقاط الشهر، وفاقا لأبي حنيفة وأكثر العلماء.

стр. 1392

وروى أبو هريرة مرفوعاً " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (١) متفق عليه. ] وعنه أيضا مرفوعاً: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين " (٢) متفق عليه] (٣) . وللبخاري أيضا: " فتحت أبواب السماء " (٤) . قال في " الفروع ". يحتمل أنه على ظاهره، ويحتمل أن المراد: كثرة الخير أو كثرة أسبابه. ومعنى صفدت: غلت، والصَّفَد: الغِلّ. وهو معنى سُلسِلت، والمراد: المردة. فليس فيه إعدام الشر بل قلته؛ لضعفهم. ولهذا روى الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة: " صفدت الشياطين ومردة الجن " (٥) . وللنسائي من حديثه: " وتغلُّ في مردة الشياطين " (٦) . فلا يَرد قول القائل: إن المجنون يصرع فيه. وقد قال عبدالله لأبيه هذا. فقال: هكذا الحديث. ولا تكلم في ذا. وروى أحمد، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن أبي هشام عن محمد بن محمد

стр. 1393

ابن الأسود عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة فال: قال رسول الله ﷺ : " أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطه أمة قبلهم: خَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر له الملائكة حتى يفطر، ويزين الله كل يوم جنته ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليكِ، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره (١) ، ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل: يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال: لا. ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله " (٢) . قال ابن ناصر الحافظ: حديث حسن إسناده عدول. (وصومُ رمضان فرضٌ). افترض صومه في السنة الثانية من الهجرة إجماعاً. فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعاً. والأصل فى فرضيته (٣) قوله : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ] البقرة: ١٨٥]. و" عدّه النبي ﷺ في مبانى الإسلام الخمس " في حديث ابن عمر المتفق عليه (٤) . وفي حديث طلحة بن عبيدالله: " ان أعرابياً قال: يا رسول الله! أخبرنى ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان. فقال هل علي غيره؟ قال: لا. إلا أن تطوع شيئا " (٥) . متفق عليه.

стр. 1394

(يجب) صومه (برؤية هلاله)؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " (١) . ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما روى ابن عمر قال: " كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: الله اكبر. اللهم! أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى. ربي وربك الله " (٢) . رواه الأثرم والدارمي. (فإن لم يُرَ) هلال رمضان (مع صحوٍ، ليلة الثلاثين من شعبان، لم يصوموا) أي: كره أن يصوموا يوم تلك الليلة؛ لأنه يوم الشك المنهي عن صومه. (وإن حال دون مَطلعِه) أي: مطلع هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان (غيم أو قَتر). قال في " القاموس ": والقتر والقترة محركتين، والقترة بالفتح: الغَبَرة. (أو غيرُهما) أي: غير الغيم، والقتر؛ كالدخان: (وجب صيامه) أي: صيام يوم تلك الليلة (حكماً) شرعياً (ظنياً) بوجوبه، (احتياطاً بنية) أنه من (رمضان) على أصح الروايات. قال في " المقنع ". في ظاهر المذهب. قال في " الإنصاف ": وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه، وصنفوا فيه التصانيف. وردوا حجج المخالف. وقالوا: نصو ص أحمد تدل عليه، وهو من مفردات المذهب.

стр. 1395

وعنه: لا يجب صومه قبل ر c ية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين. قال الشيخ تقى الدين: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه. وقال: لا أصل للوجوب في كلام الإمام أحمد ولا فى كلام أحد من الصحابة ﵃، ورد صاحب " الفروع " جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب. وقال: لم أجد عن أحمد صريحاً بالوجوب (١) ولا أمر به. فلا تتوجه إضافته إليه. واختار هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. ذكره في " الفائق "، واختارها صاحب " التبصرة ". قاله في " الفروع "، واختارها الشيخ تقي الدين وأصحابه منهم صاحب " الفروع " و" الفائق " وغيرهم، وصححه ابن رزين في " شرحه ". فعلى هذه الرواية: يباح صومه. قال في " الفائق ": اختاره الشيخ تقي الدين. وقيل: بل يستحب. قال الزركشي: اختاره أبو العباس. انتهى. قال في " الاختيارات ": وحكي عن أبي العباس (٢) أنه كان يميل أخيراً إلى أنه لا يستحب صومه. انتهى. وعنه: الناس تبع للإمام. فإن صام صاموا، وإلا فلا. فيتحرى في كثرة كمال الشهور ونقصها، وإخباره بمن لا يكتفى به وغير ذلك من القرائن، ويعمل بظنه. انتهى. وبالرواية الأولى، قال عمر وابنه وعمرو بن العا ص وأبو هريرة وأنس ومعاوية وعائشة (٣) وأسماء ابنتا أبي يكر رضي الله تعالى عنهم. وبها قال بكر بن عبدالله المزنى وأبو عثمان النهدي وابن أبى مريم ومطرف وميمون بن مهران وطاووس ومجاهد. وبالثانية وهي: عدم الوجوب وعدم الإجزاء إن بان أنه من رمضان، قال

стр. 1396

أبو حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أهل العلم، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " (١) . رواه البخاري. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ثلاثين " (٢) رواه مسلم. وقد صح: " أن النبي ﷺ نهى عن يوم الشك " (٣) . وهذا يوم شك، لأن الأصل بقاء شعبان. فلاينتقل عنه بالشك. وبالثالثة: وهي أن الناس تبع للإمام إن (٤) صام صاموا وإن أفطر أفطروا. قاله الحسن وابن سيرين وسوار العنبري، لقول النبي ﷺ : " الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون " (٥) . ووجه الرواية الأولى التي هي المذهب، ما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما الشهر تسع وعشرون. فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه. فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له " (٦) .

стр. 1397

قال نافع: " كان عبدالله بن عمر إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يوماً يبعث من ينظر له (١) الهلال. فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولاقتر أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما" (٢) . ومعنى: اقدروا له أي: ضيقوا له، من قوله : (ومن قدر عليه رزقه)] الطلاق: ٧ [أي: ضيق عليه، وقوله:) يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)] الشورى: ١٢ [، وقوله : (وقدر فى السرد)] سبأ: ١١]. والتضييق له: أن يُجعل شعبان تسعة وعشرين يوما، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه وأعلم بمعناه. فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين. ولأنه شكٌّ في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان. فوجب الصوم؛ كالطرف الآخر. قال علي وأبو هريرة] وعائشة: " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " (٣) . ولأن الصوم يحتاط له ولذلك وجب الصوم بخبر الواحد، ولم يفطروا إلا بشهادة اثنين. وأما خبر أبي (٤) هريرة [ (٥) الذي احتجوا به فإنه يرويه محمد بن زياد، وقد

стр. 1398

خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة: " فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين " (١) . وروايته أولى؛ لإمامته، واشتهار ثقته وعدالته، وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه، ولخبر ابن عمر الذي رويناه. ويمكن حمله على ما إذا غم في طرفي الشهر. ورواية ابن عمر: " فاقدروا له ثلاثين " (٢) : مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها، ولمذهب ابن عمر. ورواية النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، جمعاً بينه وبين ما ذكرنا. ولأنه لما خص حال (٣) امتناع الرؤية بالغمة بهذا الحكم علم أنه مخالف لعهدمها (٤) مع الصحو، وإلا كان التخصيص عبثاً. ولأنه إغمام في يوم لعلة لا يتحقق إذا فرض رمضان إلا بصومه. فوجب صومه؛ كاليوم الأخير. (و) على المذهب (يجزئ) صيام ذلك اليوم (إن ظهر) أنه (منه) أي: من رمضان بأن ثبت رؤيته بمكان آخر؛ لأن صيامه وقيع بنية رمضان. وقيل للقاضي: لا يصح إلا بالنية ومع الشك فيها لا يجزم بها؛ فقال: لايمتنع التردد فيها للحاجة؛ كالأسير] إذا صام شهراً ثم ظهر له أنه رمضان أجزأه [ (٥) . وصلاة من خمس. قال في " الفروع ": كذا قال. (ويثبت) بإيجاب صومه على المذهب (أحكام صوم) لرمضان: (من

стр. 1399

صلاة تراويح) في الأصح؛ لعموم قول أحمد في رواية الفضل بن زياد: القيام قبل الصيام. ولـ " أن النبي ﷺ وعدنا بالغفران لمن صامه وقامه. " (١) . ولا يتحقق قيامه كله إلا بذلك. (ووجوب كفارة بوطء فيه) أي: في ذلك اليوم (ونحوه)؛ كوجوب الإمساك على من لم ينو صومه من الليل، أو من أكل فيه جاهلاً بالحكم ثم علمه. (ما لم يتحقق أنه من شعبان) بأن لم ير مع الصحو هلال شوال بعد ثلاثين ليلة من الليلة (٢) التي غم فيها هلال رمضان. فيتبين أنه لا كفارة بالوطء في ذلك اليوم. (لا بقية الأحكام) يعني: أنه لا يثبت بقولنا بوجوب الصيام بنية رمضان احتياطا بقية أحكام الشهر من حلول الديون المؤجلة إلى مستهل رمضان، ولا وقوع الطلاق والعتق المعلقين بدخول رمضان، ولا من انقضاء العدة ومدة الإيلاء وغير (٣) ذلك. وذكر القاضي احتمالاً بثبوت جمع أحكام الشهر. قال في " الفروع ": والأول أشهر، عملا بالأ صل. خولف (٤) للنص، واحتياطاً لعبادة عامة. (وكذا) أي: وكحكم رمضان في وجوب الصوم إذا غم (٥) هلالى (حكم شهر نذر صومه أو) نذر (اعتكافه في وجوب الشروع) في المنذور فيه (إذا غُمَّ هلاله).

стр. 1400

ومن نوى صوم يوم (١) التالي للتاسع والعشرين من شعبان احتياطاً بلا مستند شرعي من غيم أو غيره فبان من رمضان لم يجزئه وفاقا لمالك والشافعي. وعنه: بلى، إن لم تعتبر نية التعيين. وعنه: يجزئه ولو اعتبرت. (والهلال المرئيُّ نهاراً، ولو قبل الزوال) في أول رمضان أو في آخره (للمقبلة) أي: لليلة المقبله على الأصح. وعنه: إن رئي (٢) قبل الزوال فيكون في أول الشهر للماضية، وفي آخره للمقبله احتياطاً لفرض الصوم. وعنه: أنه يكون للماضية في أول الشهر وفي آخره (٣) . والأول المذهب. نص عليه في رواية الجماعة. ولأنها ليلة رئي الهلال في يومها. فلم يجعل لها؛ كما لو رئي آخر النهار. وفقه ذلك: أن الهلال إذا كان ابن ليلة فإنه يختلف في صغره وكبره وعلوه وانخفاضه وقربه من الشمس اختلافاً شديداً لا ينضبط. فوجب طرح ذلك والعمل بالمقبلة الشرعية المعتادة. وقد جاء في الحديث تنبيه على ذلك. فروى البخاري في " تاريخه " (٤) عن طلحة بن أبي حدرد (٥) قال: قال النبي ﷺ : " من أشراط الساعة أن تروا الهلال تقولون ابن ليلتين " (٦) . وروى أبو وائل قال: " جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين: إن الأهلة بعضُها

стр. 1401

أعظم من بعض. فإذا رأيتم الهلال أول النهار فلا تفطروا حتى يشهد رجلان ذوا عدل أنهما أهلاه بالأمس عشية " (١) . رواه الدارقطني واحتج به أحمد. (وإذا ثبت رؤيته) أي: رؤية هلال رمضان (ببلد: لزم الصوم جمع الناس)؛ لقوله " صوموا لرويته " (٢) . وهذا خطاب للأمة كافة، ولو فرضنا الخطاب للذين رأوه (٣) فالغرض حاصل؛ لأن من صور المسألة وفوائدها ما إذا رآه جماعة ببلد ثم سافروا إلى بلد بعيد فلم ير الهلال به في آخر الشهر مع عدم (٤) غيم أو صحو فإنه (٥) لا يحل لهم الفطر ولا لأهل ذلك البلد عند المخالف. ومن صورها: ما إذا رآه جماعة ببلد ثم سارت بهم ريح في سفينة فوصلوا إلى بلدة بعيدة في آخر الليل لم يلزمهم الصوم في أول الشهر، ولم يحل لهم الفطر في اخره عندهم. وهذا كله مصادم لقوله ﷺ : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (٦) . ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين، ووقوع الطلاق والعتاق وغير ذلك من الأحكام. فكذلك حكم الصوم بمقتضى النصوص والإجماع. وأجاب القاضي عن قول المخالف: الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها، وقد ثبت أن لكل بلد حكم نفسه. كذا الهلال. فقال القاضي: تتكرر مراعاتها في كل يوم. فتلحق المشقة في اعتبار طلوعها وغروبها. فيؤدي إلى قضاء العبادات، والهلال في السنة مرة. فليس كبير مشقة في قضاء يوم. ودليل المسألة من العموم يقتضي التسوية. (وإن ثبتت) رويته (نهاراً أمسَكوا) عما ينافي الصوم (وقضَوا) ذلك اليوم

стр. 1402

وفاقا للأئمه الثلاثة؛ (كمن) أي: كما لو (أسلم) كافر، (أو عقل) مجنون، (أو طهرت) حائض (من حيض، أو) طهرت نفساء من (نفاس) في أثناء النهار على الأصح، (أو تعمّد مقيم) الفطر، (أو) تعمدت (طاهر الفطر فسافر) المقيم الذي تعمد الفطر في أثناء النهار (أو حاضت) الطاهر التي تعمدت الفطر. فإنهما يلزمهما الإمساك في ذلك اليوم مع السفر والحيض. نقله ابن القاسم وحنبل. (أو قدِم مسافر أو بَرئ مريض مفطرَين) في أثناء يوم من رمضان.] يعني: أنهما يلزمهما الإمساك على الأصح. (أو بلغ صغير) من ذكر. أو أنثى (في أثنائه) أي: أثناء يوم من رمضان] (١) وهو مفطر فإنه يلزمه إمساك بقية ذلك. (ما لم يبلغ) الصغير (صائماً بسن أو احتلام وقد نوى) الصيام (من الليل. فيتم) صومه (ويجزئ) ذلك عن قضاء ذلك اليوم في الأصح. وهو قول القاضي؛ (كنذر إتمام نفل). وعند أبي الخطاب: يلزمه القضاء؛ كقيام البينة يوم الثلاثين وهو في نفل معتاد. وسبق الوجوب في أحدهما وتجدده في الآخر ملغى بما لو كانا مفطرين، وكبلوغه في صلاة وحج. (وإن علم مسافر) برمضان (أنه يقدم غدا) إلى البلد الذي يقصده (لزمه الصوم). نقله أبو طالب وأبو داود. كمن (٢) نذر صوم يوم يقدم فلان وعلم قدومه في غد. فينويه من الليل. (لا صغير) برمضان (علم أنه يبلغ غداً) يعني: فلا يلزمه أن ينوي الصوم من الليل؛ (لعدم تكليفه) قبل دخول الغد. بخلاف المسافر] فإنه مكلف] (٣) .

стр. 1403

] فصل: في إثبات هلال رمضان] (فصل. ويُقبلُ فيه) أي: في هلال رمضان (وحده خبر مكلف عدل). نص عليه وفاقا للشافعي، وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء " لما روى ابن عباس قال: " جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رأيت الهلال. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ قال: نعم. قال: يا بلال! أذن في الناس فليصوموا غداً " (١) . رواه بمعناه (٢) أبو دا ود والنسائي والرمذي. ولما روى ابن عمر قال: " تراءَى الناس الهلال. فأخبرت رسول الله ﷺ أنى رأيته. فصام وأمر الناس بصيامه " (٣) . رواه أبو داود. ولأنه خبر ديني لا تُهمة فيه. بخلاف آخر الشهر. ولاختلاف أحوال الرائي والمرئي. ولهذا لو حكم حاكم (٤) بشهادة واحد وجب العمل بها وفاقا لأبي حنيفة. وعن أحمد: يعتبر عدلان. وعلى الأول الذي هو المذهب: لا يشترط حرية العدلى، ولا ذكوريته، ولا أن يأتي بلفظ الشهادة بل يعمل بمقتضى خبره، (ولو) كان (عبداً أو أنثى، أو بدون لفظ الشهادة. ولا يختص بحاكم) فيلزم الصوم من سمع عدلا يخبر برؤية

стр. 1404

الهلال ولو رده الحاكم، لأن رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته. (وتثبت) بشهادة الواحد (بقية الأحكام). جزم به صاحب " المحرر " في مسألة الغيم. وعلم مما تقدم: أنه لا يقبل في هلال شوال وغيره من الشهور إلا عدلان ذكران بلفظ الشهادة؛ لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال ولا يقصد به المال. أشبه القصاص. وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، لكن تركوه احتياطاً للعبادة. (ولو صاموا) أي: صام الناس (ثمانية وعشرين) يوماً (ثم رأوْه) أي: رأوا هلال شوال (قضوا يوماً) واحدا (فقط). نقله حنبل واحتج بقول علي، ولبعد الغلط بيومين. (و) إن صاموا (بشهادة اثنين ثلاثين) يوماً (ولم يروه) أي: يروا هلال شوال (أفطروا) وجوباً على خلاف مع الصحو، ومع الغيم إجماعاً. واستدل من يقول بوجوب الإفطار مع الصحو ومع الغيم: بأن شهادة العدلين يثبت بهما الفطر ابتداء. فتبعاً لثبوت الصوم أولى. ولأن شهادتهما بالرؤية السابقة إثبات، أخبرا به عن يقين ومشاهدة. فكيف يقابلها الإخبار بنفي وعدم ولا يقين معه. وذلك: أن الرؤية يحتمل حصولها بمكان آخر، ويحتمل فيما إذا فرضنا غيبة الشاهدين أو موتهما أنه خفي على الحاضرين كما خفي في أوله، لقوة نظر الشاهدين عليهم. (لا) إن صاموا (بواحد) أي: بشاهدة واحد ثلاثين يوما ولم يروا الهلال فإنهم لا يفطرون في الأصح، لقوله ﷺ : " وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا" (١) .

стр. 1405

ولأنه فطر. فلم يجز أن يستند إلى شهادة واحد، كما لو شهد بهلال شوال. (ولا لغيم) يعني: أنهم لو صاموا لأجل الغيم الحاصل ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال لم يفطروا، لأن الصوم إنما كان احتياطا فمع موافقته للأصل- وهو بقاء رمضان- أولى. (فلو غُمَّ) الهلال (لشعبان و) غم أيضاً الهلال لـ (١) (رمضان: وجب تقدير) شهر (رجب و) شهر (شعبان ناقصين. فلا يفطروا قبل) أن يصوموا (اثنين وثلاثين) يوماً، (بلا رؤية)، لأن الصوم إنما كان احتياطاً. (وكذا الزيادة) أي: زيادة صوم اليومين على الصوم الواجب (لو غمّ) الهلال (لرمضان وشوال وأكملنا شعبان ورمضان) أي: وفرضنا أن شعبان ورمضان كاملين، (و) تبين أنهما (كانا ناقصين). وفي " المستوعب ": وعلى هذا فقس إذا غم هلال رجب وشعبان ورمضان. هذا آخر كلامه في " المستوعب ". ونقله عنه في " الفروع " إلى قوله: فقس. ثم قال: وليس مراده مطلقاً. قال في " شرح مسلم ": قالوا- يعني العلماء-: لا يقع النقص متوالياً في أكثر من أربعة أشهر. وفي "الصحيحين " من حديث أبي بكرة: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة " (٢) . نقل عبد الله والأثرم وغيرهما: لا يجتمع نقصانهما في سنة واحدة، ولعل المر اد: غالباً. وأنكر أحمد تأويل من تأوله على السنة التي قال النبي ﷺ ذلك فيها.
следующие страницы →