← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

أعظم من بعض. فإذا رأيتم الهلال أول النهار فلا تفطروا حتى يشهد رجلان ذوا عدل أنهما أهلاه بالأمس عشية " (١) . رواه الدارقطني واحتج به أحمد. (وإذا ثبت رؤيته) أي: رؤية هلال رمضان (ببلد: لزم الصوم جمع الناس)؛ لقوله " صوموا لرويته " (٢) . وهذا خطاب للأمة كافة، ولو فرضنا الخطاب للذين رأوه (٣) فالغرض حاصل؛ لأن من صور المسألة وفوائدها ما إذا رآه جماعة ببلد ثم سافروا إلى بلد بعيد فلم ير الهلال به في آخر الشهر مع عدم (٤) غيم أو صحو فإنه (٥) لا يحل لهم الفطر ولا لأهل ذلك البلد عند المخالف. ومن صورها: ما إذا رآه جماعة ببلد ثم سارت بهم ريح في سفينة فوصلوا إلى بلدة بعيدة في آخر الليل لم يلزمهم الصوم في أول الشهر، ولم يحل لهم الفطر في اخره عندهم. وهذا كله مصادم لقوله ﷺ : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (٦) . ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين، ووقوع الطلاق والعتاق وغير ذلك من الأحكام. فكذلك حكم الصوم بمقتضى النصوص والإجماع. وأجاب القاضي عن قول المخالف: الهلال يجري مجرى طلوع الشمس وغروبها، وقد ثبت أن لكل بلد حكم نفسه. كذا الهلال. فقال القاضي: تتكرر مراعاتها في كل يوم. فتلحق المشقة في اعتبار طلوعها وغروبها. فيؤدي إلى قضاء العبادات، والهلال في السنة مرة. فليس كبير مشقة في قضاء يوم. ودليل المسألة من العموم يقتضي التسوية. (وإن ثبتت) رويته (نهاراً أمسَكوا) عما ينافي الصوم (وقضَوا) ذلك اليوم

стр. 1402

وفاقا للأئمه الثلاثة؛ (كمن) أي: كما لو (أسلم) كافر، (أو عقل) مجنون، (أو طهرت) حائض (من حيض، أو) طهرت نفساء من (نفاس) في أثناء النهار على الأصح، (أو تعمّد مقيم) الفطر، (أو) تعمدت (طاهر الفطر فسافر) المقيم الذي تعمد الفطر في أثناء النهار (أو حاضت) الطاهر التي تعمدت الفطر. فإنهما يلزمهما الإمساك في ذلك اليوم مع السفر والحيض. نقله ابن القاسم وحنبل. (أو قدِم مسافر أو بَرئ مريض مفطرَين) في أثناء يوم من رمضان.] يعني: أنهما يلزمهما الإمساك على الأصح. (أو بلغ صغير) من ذكر. أو أنثى (في أثنائه) أي: أثناء يوم من رمضان] (١) وهو مفطر فإنه يلزمه إمساك بقية ذلك. (ما لم يبلغ) الصغير (صائماً بسن أو احتلام وقد نوى) الصيام (من الليل. فيتم) صومه (ويجزئ) ذلك عن قضاء ذلك اليوم في الأصح. وهو قول القاضي؛ (كنذر إتمام نفل). وعند أبي الخطاب: يلزمه القضاء؛ كقيام البينة يوم الثلاثين وهو في نفل معتاد. وسبق الوجوب في أحدهما وتجدده في الآخر ملغى بما لو كانا مفطرين، وكبلوغه في صلاة وحج. (وإن علم مسافر) برمضان (أنه يقدم غدا) إلى البلد الذي يقصده (لزمه الصوم). نقله أبو طالب وأبو داود. كمن (٢) نذر صوم يوم يقدم فلان وعلم قدومه في غد. فينويه من الليل. (لا صغير) برمضان (علم أنه يبلغ غداً) يعني: فلا يلزمه أن ينوي الصوم من الليل؛ (لعدم تكليفه) قبل دخول الغد. بخلاف المسافر] فإنه مكلف] (٣) .

стр. 1403

] فصل: في إثبات هلال رمضان] (فصل. ويُقبلُ فيه) أي: في هلال رمضان (وحده خبر مكلف عدل). نص عليه وفاقا للشافعي، وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء " لما روى ابن عباس قال: " جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رأيت الهلال. قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ قال: نعم. قال: يا بلال! أذن في الناس فليصوموا غداً " (١) . رواه بمعناه (٢) أبو دا ود والنسائي والرمذي. ولما روى ابن عمر قال: " تراءَى الناس الهلال. فأخبرت رسول الله ﷺ أنى رأيته. فصام وأمر الناس بصيامه " (٣) . رواه أبو داود. ولأنه خبر ديني لا تُهمة فيه. بخلاف آخر الشهر. ولاختلاف أحوال الرائي والمرئي. ولهذا لو حكم حاكم (٤) بشهادة واحد وجب العمل بها وفاقا لأبي حنيفة. وعن أحمد: يعتبر عدلان. وعلى الأول الذي هو المذهب: لا يشترط حرية العدلى، ولا ذكوريته، ولا أن يأتي بلفظ الشهادة بل يعمل بمقتضى خبره، (ولو) كان (عبداً أو أنثى، أو بدون لفظ الشهادة. ولا يختص بحاكم) فيلزم الصوم من سمع عدلا يخبر برؤية

стр. 1404

الهلال ولو رده الحاكم، لأن رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته. (وتثبت) بشهادة الواحد (بقية الأحكام). جزم به صاحب " المحرر " في مسألة الغيم. وعلم مما تقدم: أنه لا يقبل في هلال شوال وغيره من الشهور إلا عدلان ذكران بلفظ الشهادة؛ لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال ولا يقصد به المال. أشبه القصاص. وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، لكن تركوه احتياطاً للعبادة. (ولو صاموا) أي: صام الناس (ثمانية وعشرين) يوماً (ثم رأوْه) أي: رأوا هلال شوال (قضوا يوماً) واحدا (فقط). نقله حنبل واحتج بقول علي، ولبعد الغلط بيومين. (و) إن صاموا (بشهادة اثنين ثلاثين) يوماً (ولم يروه) أي: يروا هلال شوال (أفطروا) وجوباً على خلاف مع الصحو، ومع الغيم إجماعاً. واستدل من يقول بوجوب الإفطار مع الصحو ومع الغيم: بأن شهادة العدلين يثبت بهما الفطر ابتداء. فتبعاً لثبوت الصوم أولى. ولأن شهادتهما بالرؤية السابقة إثبات، أخبرا به عن يقين ومشاهدة. فكيف يقابلها الإخبار بنفي وعدم ولا يقين معه. وذلك: أن الرؤية يحتمل حصولها بمكان آخر، ويحتمل فيما إذا فرضنا غيبة الشاهدين أو موتهما أنه خفي على الحاضرين كما خفي في أوله، لقوة نظر الشاهدين عليهم. (لا) إن صاموا (بواحد) أي: بشاهدة واحد ثلاثين يوما ولم يروا الهلال فإنهم لا يفطرون في الأصح، لقوله ﷺ : " وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا" (١) .

стр. 1405

ولأنه فطر. فلم يجز أن يستند إلى شهادة واحد، كما لو شهد بهلال شوال. (ولا لغيم) يعني: أنهم لو صاموا لأجل الغيم الحاصل ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال لم يفطروا، لأن الصوم إنما كان احتياطا فمع موافقته للأصل- وهو بقاء رمضان- أولى. (فلو غُمَّ) الهلال (لشعبان و) غم أيضاً الهلال لـ (١) (رمضان: وجب تقدير) شهر (رجب و) شهر (شعبان ناقصين. فلا يفطروا قبل) أن يصوموا (اثنين وثلاثين) يوماً، (بلا رؤية)، لأن الصوم إنما كان احتياطاً. (وكذا الزيادة) أي: زيادة صوم اليومين على الصوم الواجب (لو غمّ) الهلال (لرمضان وشوال وأكملنا شعبان ورمضان) أي: وفرضنا أن شعبان ورمضان كاملين، (و) تبين أنهما (كانا ناقصين). وفي " المستوعب ": وعلى هذا فقس إذا غم هلال رجب وشعبان ورمضان. هذا آخر كلامه في " المستوعب ". ونقله عنه في " الفروع " إلى قوله: فقس. ثم قال: وليس مراده مطلقاً. قال في " شرح مسلم ": قالوا- يعني العلماء-: لا يقع النقص متوالياً في أكثر من أربعة أشهر. وفي "الصحيحين " من حديث أبي بكرة: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة " (٢) . نقل عبد الله والأثرم وغيرهما: لا يجتمع نقصانهما في سنة واحدة، ولعل المر اد: غالباً. وأنكر أحمد تأويل من تأوله على السنة التي قال النبي ﷺ ذلك فيها.

стр. 1406

ونقل أبو داود: لا أدري ما هذا؟ قد رأيناهما ينقصان. انتهى. (ومن رآه) أي: رأى الهلال (وحده لشوال لم يُفطر). نقله الجماعة؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون " (١) . رواه أبو داود وابن ماجه. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس " (٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن (٣) صحيح غريب. وعنها أيضاً قالت: " إنما الفطر يوم يفطر الإمام وجماعة المسلمين ". رواه أبو حفص العكبري. وبهذا قال عمر. ولأنه يوم محكوم به من رمضان وبالذي يليه من شوال. فلزمه صومه وفطر الذي يليه؛ كما لو أخبره برويته واحد. فإن قيل: قد تيقنه يوم العيد وهو منهى عن صومه. فيجوز له الفطر. قلنا: هو وإن اعتقده يقيناً فلا يثبت به اليقين في نفس الأمر، إذ يجوز أنه خيل إليه. فينبغي أن يتهم في رؤيته؛ احتياطاً للصوم، وموافقته للجماعه. (و) من رأى الهلال وحده الرمضان وردت شهادته لزمه الصوم. وجمع أحكام الشهر: من طلاق وعتق وغيرهما)؛ كظهار (معلق به) على الأصح، وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لعموم قول النبي ﷺ : " صوموا لرؤيته " (٤) . وقوله: " إذا رأيتموه فصوموا " (٥) : خطاب لكل واحد من الأمة. ولأنه يوم علمه رمضان. فلزمه صومه؛ كالذي بعده. وإنما جعل من شعبان في حق غيره في ظاهر الأمر؛ لعدم علمهم، وكعلم

стр. 1407

فاسق نجاسة ماء أودين على مورثه. ولأنه يلزمه إمساكه لو أفطر فيه. وتجب الكفارة بالوطء فيه؛ لأنها ليست عقوبة محضة، بل هي عبادة. أو فيها شائبة العبادة. بخلاف الحد. وحديث أبي هريرة: " الصوم يوم تصومون " (١) : ففي إسناده من رواية الترمذي: عبدالله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة عن عثمان بن محمد الأخنسي. قال أبو حاتم بن حبان في (٢) عبدالله بن جعفر هذا: كان كثير الوهم حتى يروي عن الأثبات ما لا يشبه (٣) حديث الثقات. فاستحق الترك. وأما من رواية الدارقطني. ففيه الواقدي. وهو ضعيف (٤) . وقد روى أبو داود وابن ماجه هذا الحديث بإسناد جيد، لم يذكرا فيه الصوم، وإنما ذكرا (٥) الفطر والأضحى (٦) . وكذا رواه الترمذي وصححه من حديث عائشة (٧) . (وإن اشتبهت الأشهر على من أسِرَ أو طُمِرَ أو بمفازةٍ ونحوه)؛ كالكافر يسلم في دار الكفر الشائع فيها وجوب (٨) صوم رمضان ولا يدري أي الشهور يسمى رمضان: (تحرَّى) أي: اجتهد (وصام) ما غلب على ظنه أنه رمضان بأمارة تقوم في نفسه. (ويجزئه) الصوم (إن شكَّ: هل وقع) صومه (قبله) أي: قبل رمضان

стр. 1408

(او بعده)؟؛ كمن تحرى في الغيم وصلى ثم شك هل صلى قبل دخول الوقت أو بعده؟، ولم يتبين أنه صام أو صلى قبل دخول الوقت؛ (كما لو وافقه) أي: وافق صومه الشهر (أو ما بعده)؛ لأنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله. فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه؛ كالقبله إذا اشتبهت على المسافر. (لا إن وافق) رمضان (القابل)؛ بأن نوى صوم رمضان سنة ثلاث في رمضان سنة أربع: (فلا يجزئ) صومه (عن واحد) أي: عن رمضان (منهما) أي: من الرمضانين؛ لاعتبارنا نية التعيين. قال صاحب " المحرر ": ولو وافق القضاء رمضان السنة القابلة فقياس المذهب: أنه لا يجزئه عن واحد منهما إن اعتبرنا نية التعيين، وإن لم نعتبرها وقع عن رمضان الثانى ولزمه قضاء الأول. انتهى. (و) متى بان أن الشهر الذي صامه شوال أو ذو الحجة: فإنه (يقضي ما وافق عيدا أو أيام تشريق)؛ لعدم صحة صومها عن رمضان. (ولو صام) من اشتبه عليه رمضان شهر (شعبان ثلاث سنين متوالية، تم علم قضى ما فات) عليه وهو ثلاثة أشهر. قضاء (مرتباً شهراً على إثر شهر) يرتبها بالنية شهراً على إثر شهر؛ كالصلاة إذا فاتته. نقله مهنا، وذكره أبو بكر في "التنبيه ". قال في " الفروع ": ومرادهم والله أعلم: أن هذه المسألة كالشك في دخول وقت الصلاة. (ويجب) صيام شهر رمضان (على كل مسلم). فلا، يجب على كافر بخال. ولو أسلم في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء الأيام السابقة لإسلامه؛ لما روى سفيان بن عبدالله بن ربيعة قال: حدثنا وفدنا الذين قدموا على رسول الله ﷺ بإسلام ثقيف قال: " وقدموا عليه في رمضان، وضرب عليهم قبة في المسجد. فلما أسلموا صاموا ما بقي من الشهر " (١) . رواه ابن ماجه. ولأن كل يوم عبادة منفردة.

стр. 1409

(قادر). فلا يجب على مريض يعجز عنه؛ للآية (١) . (مكلف). فلا يجب على مجنون ولا صغير. وعنه: يجب على صغير أطاقه. والأول المذهب. (لكن: على ولي صغير مُطيق: أمرُه به وضربُه عليه) أي: على الصوم؛ (ليعتاده) أي: يجب على الولي ذلك. قال في " الفروع ": ذكره جماعة، وذكر الشيخ- يعنى الموفق- قول الخرقي وقال: اعتباره بالعشر أولى؛ لأمره ﷺ بالضرب على الصلاة عندها (٢) وقال صاحب " المحرر ": لا يؤخذ به. ورب عليه فيما دون العشر؛ كالصلاة. (ومن عجز عنه) أي: عن الصوم (لكبر)؛ كالشيخ الهرم والعجوز اللذين يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة، (أو) عجز عن الصوم لـ (مرض لا يرجى برؤه: أفطر، وعليه) أي: على من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه إن لم يكن فطره مع عذر معتاد. وإلى ذلك أشار بقوله: (لا مع عذر معتاد؛ كسفر): إطعام (عن كل يوم لمسكين، ما) أي: طعاماً (يجزئ في كفارة) وهو: مد من بُرّ أو نصف صاع من غيره، لقول ابن عباس: " في قوله : (وعلى الذين يطيقونه فدية)] البقرة: ١٨٤ [: ليست بمنسوخة. هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم" (٣) . رواه البخاري.

стр. 1410

ومعناه عن ابن أبي ليلى عن معاذ ولم يدركه. رواه أحمد وكذا أبو داود (١) . ورواه (٢) أيضا بإسناد جيد عن ابن أبي ليلى حدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال:. . . فذكره (٣) . والمريض الذي لا يرجى برؤه حكمه حكم الشيخ الهرم فيما ذكرنا. وأما إذا كان الكبير أو المريض الذي لا يرجى برؤه مسافراً: فلا فدية لفطره مع هذا العذر المعتاد. ذكره في " الخلاف ". ولا قضاء، للعجز عنه، ويعايى بها. (ومن أيس) من برئه، (ثم قدر على قضاء) أي: على أن يقضي عدد ما أفطر فيه من الأيام من أجل مرضه: (فكمعضوب) لا يقدر على الحج (أحِجَّ عنه ثم عُوفي). قال في " الفروع ": جزم به صاحب " المحرر "، وذكر بعضهم احتمالين، أحدهما هذا. والثاني: يقضى، كمن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه تعتد بالشهور ثم تحيض. وفيها أيضا وجهان. (وسُن فطر، وكره صوم) من مسافر (بسفر قصر ولو بلا مشقة) تلحقه (٤) ؛ لما روى حمزة بن عمرو الأسلمي: " أنه قال: يا رسول الله! أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل عليَّ جناح؟ فقال: هي رخصة من الله . فمن أخذ بها فهو حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " (٥) . رواه مسلم والنسائي.

стр. 1411

فعلم من رفع الجناح في الصوم وجعل الفطر حسناً: أن الفطر أفضل. وروى جابر قال: " كان النبي ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلل عليه. فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: ليس من البر الصوم في السفر " (١) . متفق عليه. ورواه النسائي وزاد: " عليكم برخصة الله التي رخص لكم. فاقبلوها " (٢) . وصح عنه ﷺ : " أنه لما أفطر في السفر وبلغه أن قوماً صاموا. قال: أولئك العصاه " (٣) . وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : " خياركم من قصر الصلاة في السفر وأفطر ". ولأن في الفطر خروجاً من الخلاف. فكان أولى؛ كالقصر مع الإتمام. وإن صام المسافر رمضان بسفره أجزأه. نقله الجماعة، وفاقاً للأئمة الثلاثة. ونقل حنبل: لا يعجبني. واحتج بقوله ﷺ : " ليس من البر الصوم في السفر" (٤) . وعمر وأبو هريرة يأمرانه بالإعادة. وقاله الظاهريه. ويروى عن عبدالرحمن ابن عوف وابن عمر وابن عباس.

стр. 1412

قال في " الفروع ": والسنة الصحيحة ترد هذا القول. إذا تقرر هذا (فلو سافر) في رمضان من يجب عليه صومه لا علة لسفره إلا (ليفطر: حَرُما) أي: السفر والإفطار. أما حرمة الفطر، فلعدم العذر المبيح وهو السفر الذي يباح القصر فيه. وأما حرمة السفر، فلأنه وسيلة إلى الفطر المحرم. (و) سن فطر وكره صوم (لخوف مرض بعطش أو غيره)، لقوله سبحانه وتعا لى. (يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر)] البقره: ١٨٥]. ولأنه في معنى المريض المتضرر بالصوم. (و) سن فطر وكره صوم لـ (خوف مريض، وحادث به) مرض (في يومه ضررا بزيادته أو طوله) أي: طول مرضه، (بقول ثقة). أما الرخصة للمريض في الفطر، فإجماع. وقد دل عليه قوله سبحانه وتعا لى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)] البقرة: ١٨٥]. وإنما كان فطره مسنوناً؛ لقوله : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ] البقرة:١٨٥]. وإنما صححنا صومه مع الكراهة، لأن فطره رخصة. فإذا ترك الرخصة وتكلف (١) الصوم أجزأه، كالمريض الذي يباح له ترك القيام. فإذا تكلف القيام وصلى قائماً أجزأته صلاته. وأما فطر الصحيح الخائف بصومه حدوث مرض " فلأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفاً مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض أو تطاوله، والخوف من تجدد المرض في معناه. وأما فطر المريض بقول ثقة أن الصوم مما يمكّن العلة " فقد تقدم الكلام عليه في باب صلاة أهل الأعذار (٢) .

стр. 1413

وكذا يباح الفطر للمريض القادر على الصوم إذا كان بحيث لو ترك التداوي أضرَّ به، وكان لا يمكنه التداوي فيه؛ كمن به رمد (١) ويخاف إن ترك الاكتحال أضرَّ به، وكذا الاحتقان، ومداواة المأمومة والجائفة. نص على ذلك في مسألة الرمد في رواية حنبل. أشبه المتضرر بمجرد الصوم. (وجاز وطءٌ لمن به مرضٌ ينتفِع به) أي: بالوطء (فيه) أي: في المرض، (أو) به (شَبَقٌ ولم تندفع شهوته بدونه) أي: بدون الجماع، (ويخاف تشقُّق أنثيَيْه) إن لم يطأ، (ولا كفارة) عليه. روى إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن أحمد: في الرجل الذي يأخذه الشبق في رمضان للجماع فقال أحمد: يجامع] ولا يكفر، ويقضي يوماً مكانه. وذلك أنه إذا أخذ الرجل هذا. فلم يجامع خيف عليه أن يتشقق فرجه. قال في " الفروع ": ومن به شبق يخاف أن تتشقق مثانته جامع وقضى [ (٢) ولا يكفر. نقله الشالنجي. قال الأصحاب: هذا إن لم تندفع شهوته بدونه، وإلا لم يجز. انتهى. (ويقضي) عدد ما أفسده من الأيام. بالوطء (ما لم يتعذر) عليه القضاء (لشَبَق) أي: لدوام شبقه، (فيطعم) عن كل يوم مسكينا (ككبير) أي (٣) : كالشيخ الهرم العاجز عن القضاء لكبره. (ومتى لم يُمكنه) دفع ذلك (إلا بإفساد صوم موطوءة)؛ كما لو لم تندفع شهوته باستمناء بيده أو يد زوجته أو جاريته أو بمباشرتها (٤) دون الفرج: (جاز) له الوطء (ضرورة)؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه. فأبيح؛ كأكل الميتة للمضطر. فإن كان له امرأتان إحداهما حائض والأخرى طاهر صائمة (فصائمة) أي: فوطء طاهرة صائمة (أولى من) وطء (حائض)؛ لأن الله نص

стр. 1414

على النهي عن وطء الحائض. وقيل: يتخير بين وطء أيهما شاء. (وتتعين) عليه إن كان له زوجتان إحداهما بالغة والأخرى لم تبلغ (من لم تبلغ)؛ كما لو كانت إحداهما كتابية أو مجنونة، لحرمة إفساد صوم الصائمة، حيث لا ضرورة إليه. (وإن نوى حاضر صوم يوم، وسافر في أثنائه) أي: أثناء ذلك اليوم طوعاً أو كرها: (فله الفطر) على الأصح؛ لظاهر الآية والأخبار الصريحة، وكالمرض الطارئ ولو بفعله. بخلاف الصلاة بأن سارت به السفينة في أثنائها؛ لأنها حيث وجب إتمامها لم تقصر بحال؛ لآكديتها. ولأنه لا يشق إتمامها. وعلى هذا إنما يجوز له الفطر (١) (إذا خرج) بأن فارق بيوت قريته، لأنه قبل ذلك (٢) ليس بمسافر. وعنه: لا يجوز له الفطر مطلقاً. وعنه: لا يجوز بالإجماع. فعلى المنع: إن جامع كفر. والمذهب: لا كفارة. (والأفضل) لحاضر نوى صوم يوم ثم سافر في أثنائه (عدمه) أي: عدم الفطر. ذكره القاضي وابن عقيل وابن الزاغونى وغيرهم. ويعايى بها. واقتصر على ذلك في " الفروع ". (وكُره صوم حامل ومرضع خافتا على أنفسهما أو) على (الولد). قال في " الإنصاف ": قولاً واحداً. ] (ويقضيان لفطر) [ (٣) عدد أيام فطرهما، وفاقاً للأئمة الثلاثة لقدرتهما

стр. 1415

على القضاء. ولا إطعام على واحدة منهما في هذه الحالة؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. (ويلزم من يمون الولد إن خيف عليه فقط) من الصرم (إطعامُ مسكين: لكل يوم) أفطرته الحامل أو المرضع خوفاً عليه فقط (ما) أي: طعاماً (يجزئ في كفارة)؛ لقوله : (وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين) ] البقرة: ١٨٤ [، وهما داخلان دي عموم الآية. قال ابن عباس: " كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا " (١) . رواه أبو داود. وروي ذلك عن ابن عمر (٢) . ولا مخالف لهما في الصحابة. ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة. فوجبت به الكفارة؛ كالشيخ الهرم. (وتجزئ) الكفارة (إلى) مسكين (واحد) أي: دفعها له (جملة) واحدة. قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم إخراج الإطعام على الفور؛ لوجوبه به، وهذا أقيس. وذكر صاحب " المحرر " إن أتى به مع القضاء جاز؛ لأنه كالتكملة له. انتهى. (ومتى قبِل رضيع ثدي غيرها) أي: غير أمه، (وقدر أن يستأجر له: لم تُفطر) أمه. قال في " الفروع ": وإن قبل ولد المرضعة غيرها وقدرت أن تستأجر له (٣) ، أو له ما تستأجر منه: فلتفعل ولتصم. وإلا كان لها الفطر. ذكره صاحب "المحرر". (وظئر) أي: وحكم الظئر وهي: المرضعة لولد غيرها في إباحة الفطر مع

стр. 1416

الخوف على الرضيع (كأمٍّ). والإطعام في الكفارة على من يمونه. (فلو تغيَّر لبنُها) أي: لبن الظئر المستأجرة للإرضاع (بصومها) أي: بسبب صومها (أو نقص) لبنها بصومها: (فلمستأجر) أي: فلمستأجرها للإرضاع (الفسخ) أي: فسخ الإجارة. (وتُجبَر على فطر إن تأذَّى الرضيع) بصومها. قال في " الفروع ": فإن قصدت الإضرار أثمت (١) ، وكان للحاكم إلزامها الفطر بطلب المستأجر. ذكره ابن الزاغوني. وقال أبو الخطاب: إن تأذَّى الصبي بنقصه أو تغييره (٢) لزمها الفطر. فإن أبت فلأهله الفسخ. ويؤخذ من هذا أن يلزم الحاكم إلزامها بما يلزمها وإن لم تقصد الضرر بلا طلب قبل الفسخ، وهذا متجه. انتهى. (ويجب الفطر على من احتاجه) أي: احتاج الفطر (لإنقاذ) آدمي (معصوم من مهلكة؛ كغرق ونحوه) في الأصح. ومن خاف التلف بصومه: أجزأه صومه، وكره. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وقدمه في " الفروع ". وقال في "عيون المسائل " و" الانتصار " و" الرعايتين " و" الحاويين " و" الفائق " وغيرهم: يحرم صومه. قال في " الفروع ": ولم أجدهم ذكروا في الإجزاء خلافاً. وذكر جماعة في صوم الظهار: أنه يجب فطره بمرض مخوف. انتهى (٣) . (وليس لمن أبيح له فطر برمضان)؛ كالمسافر: (صوم غيره) أي: صوم غير رمضان (فيه) أي: في رمضان؛ لأنه لا يسع غير ما فرض فيه.

стр. 1417

(فصل): في نية الصوم وما يتعلق بها (وشرط لـ) صوم (كلل يوم واجب نية معينة) له؛ لأن كل يوم عبادة منفردة؛ لأنه لا يفسد صوم بفساد صوم يوم آخر. وكالقضاء. وعنه: يجزئ في أول رمضان نية واحدة لكله. فعليها: لو أفطر يوما لعذر أو غيره لم يصح صيام الباقي بتلك النية. جزم به في " المستوعب " وغيره. وقيل: يصح مع بقاء التتابع. وعلى المذهب: لا بد أن تكون النية (من الليل)؛ لما روى ابن جريج وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبى ﷺ أنه قال: " من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له " (١) . وفي لفظ ابن حزم: " من لم يجمع قبل الفجر فلا صيام له " (٢) . رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وروى الدارقطني بإسناده عن عمرة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " من لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " (٣) . وقال: إسناده كلهم ثقات. وقال: حديث حفصة رفعه عبدالله بن أبي بكر عن الزهري وهو من الثقات.

стр. 1418

ولأنه صوم فرض. فافتقر إلى النية من الليل؛ كالقضاء. إذا تقرر هذا فالليل كله أوله وآخره ووسطه محل للنية. فمتى نوى في جزء منه أجزأه. (ولو أتى بعدها) أي: بعد النية (ليلاً بمناف) للصوم لا لنيته؛ كما لو أكل أو شرب أو جامع أو استعط أو احتقن. قال في " الفروع ": وإن أتى بعد النية بما يبطل الصوم لم يبطل. نص عليه وفاقاً للأئمة الثلاثة. خلافا لابن حامد وبعض الشافعية؛ لظاهر الخبر. ولأن الله أباح الأكل إلى آخر الليل. فلو بطلت به فات محلها. انتهى. وإن نوت حائض صوم الغد الواجب وقد عرفت الطهر ليلا فأطلق (١) في " الفروع " في صحتها قولين: أحدهما: أنه لا تصح نيتها؛ لأنها حينها ليست أهلا للصوم. والقول الثانى: تصح؛ لمشقة المقارنة. قال في " تصحيح الفروع " عن القول الثانى: قلت: وهذا هو الصحيح والصواب. انتهى. وتعيين النية للصوم الواجب هو: أن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو من قضائه أو نذره أو كفارته. نص عليه؛ لقوله ﷺ : " وإنما لكل امرئ ما نوى " (٢) . والتعيين مقصود في نفسه؛ لاعتباره لصلاة يضيق وقتها كغيرها. (لا نية الفرضيّة) يعني: لا يشترط أن ينوي كون الصوم فرضاً؛ لأن التعيين يجزئ عن نية الفرضية. (و) على الأصح (لو نوى: إن كان غداً من رمضان ففرضي، وإلا) أي:

стр. 1419

وإن لم يكن غداً من رمضان (فنفل، أو) نوى إن كان غداً من رمضان ففرضي، وإن لم يكن من رمضان فصومي (عن واجب) أي: فصومي عن كفارة أو نذر (١) و (عينه بنيته) ثم بان أنه من رمضان أو أنه ليس من رمضان: (لم يجزئه) عن رمضان ولا عن ذلك الواجب الذي عينه، لأنه لم يجزم بالنية لواحد منهما. (إلا إن قال: ليلة الثلاثين من رمضان) إن كان غداً من رمضان فهو فرضي، (وإلا فأنا مفطر) فبان من رمضان. فإنه يجزئه في الأصح. قال في " تصحيح الفروع ": وهو الصحيح. قدمه في " الرعايه ". قال في القاعدة الثامنة والستين: يصح صومه في أصح الوجهين " لأنه بنى على أصل لم يثبت زواله. ولا يقدح تردده، لأنه حكم صومه مع الجزم. انتهى. وعلم مما تقدم: أنه إن قال ذلك ليلة الثلاثين من شعبان فبان أنه من رمضان لم يجزئه، لأنه لا أصل له (٢) معه يبني عليه. (وإذا نوى خارج رمضان قضاء ونفلاً) أي: نوى صيام يوم عن القضاء والتطوع فهو نفل. (أو) نوى مع القضاء (نذرًا، أو) نوى مع القضاء (كفارة ظهار: ف) هو (نفل) إلغاء للقضاء والنذر والكفاره؛ لعدم الجزم بالنية في واحد منهما. فتبقى نية أصل الصوم. (ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله. فإن قصد بالمشيئة الشك) بأن شك مثلا: هل يقيم فيصوم أو يسافر فلا يصوم؟. (أو) قال ذلك مع قصده (التردد في العزم) على الصوم بأن (٣) لم يجزم بالنية، (أو) مع التردد في (القصد) بأن تردد هل ينوي الصوم بعد ذلك جزماً

стр. 1420

أو لا؟: (فسدت نيته)؛ لعدم الجزم بها. (وإلا) أي: وإن لم يشك ولم يتردد (فلا) تفسد. ذكره في " التعليق " و" الفنون "؛ لأنه إنما قصد أن فعله للصوم بمشيئة الله وتوفيقه وتيسيره؛ كما لا يفسد الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله (١) غير متردد في الحال. قال في " الفروع ": وللشافعية وجهان. قال القاضي: وكذا نقول: سائر العبادات لا تفسد بذكر المشيئة في نيتها. انتهى. (ومن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم غداً فقد نوى. وكذا الأكل والشرب بنية الصوم). قال في " الفروع ": قال في " الروضة "، ومعناه لغيره: الأكل والشرب بنية الصوم نية (٢) عندنا. وكذا قال شيخنا: هو حين يتعشى عشاء من يريد الصوم، ولهذا يفرق بين عشاء ليله العيد وعشاء ليالي رمضان. (ولا يصح) الصوم (ممن جُنّ) جميع النهار (أو أغمي عليه جمع النهار)؛ لأن الصوم الشرعي هو الإمساك مع النية. قال النبي ﷺ : " يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي " (٣) : فأضاف ترك الطعام والشراب إليه. والمجنون والمغمى عليه لا يضاف الإمساك إلى واحد منهما. فلم يجزئه. ولأن النية أحد ركني الصوم. فلم تجزئ وحدها؛ كالإمساك وحده. (ويصح) الصوم (ممن (٤) أفاق جزءاً منه) أي: من النهار. سواء كان

стр. 1421

الجزء من أول النهار أو من آخره، وسواء كان من أفاق مجنونا أو مغمى عليه "لصحة إضافة الإمساك إلى من أفاق في ذلك الذي (١) أفاق فيه. (أو نام جميعه) يعني: أنه يصح الصوم ممن نام جمع النهار، لأن النوم عادة ولا يزول به الإحساس بالكلية. بدليل: أنه متى نبه انتبه. (ويقضي مغمى عليه) يعني: أنه يلزم المغمى عليه قضاء ذلك اليوم الذي أغمي عليه جميعه (فقط) أي: دون المجنون. ومحل ذلك: إذا كان واجباً عليه صوم ذلك اليوم الذي أغمي عليه فيه " لأن مدة الإغماء لا تطول غالباً، ولا تثبت الولاية على المغمى عليه. فلم يزل به التكليف؛ كالنوم. بخلاف الجنون، لزوال التكليف به. فلا يلزمه القضاء. (ومن نوى الإفطار فكمن لم ينو) الصوم، لا كمَن أكل أو شرب بحيث لو كان متنفلا ثم بدا له أن ينوي الصوم صح صومه. نص عليه. ولنا على أنه صار كمن لم (٢) ينو: أن مقتضى الدليل اعتبار حقيقة النية مستدامة في جمع العبادة، لكن اكتفي بالدوام الحكمي؛ لدفع المشقة، ولا مشقة في ترك نية الفطر والقطع. فإذا قطع نية الصوم بنية الإفطار كان كمن لم يأت بها ابتداء. (فيصح أن ينويه) أي: أن ينوي اليوم الذي نوى الإفطار فيه (نفلا بغير رمضان). قال في " الفروع ": ولو كان في نفل فقطع نيته ثم عاد ونواه جاز. نص عليه، وفاقا للشافعي. انتهى. (ومن قطع نية نذر أو كفارة أو قضاء، ثم نوى) أي: نوى النذر أو الكفارة أو القضاء (نفلا: صح). قال في " الفروع ": ولو كان في نذر أو كفارة أو قضاء فقطع نيته ثم نوى

стр. 1422

نفلاً جاز. انتهى. (وإن قلب) صائم نذراً أو قضاء (نية نذر أو قضاء إلى نفل: صح)؛ كما لو انتقل من فرض صلاة إلى نفلها. (وكُره) له ذلك (لغير غرض) صحيح، كما تقدم في الصلاة. (ويصح صوم نفل بنية) طارئة (من النهار) أي: في أثنائه، (ولو) كان طروؤها (بعد الزوال) على الأصح. نقله الميمونى وغيره، واختاره الأكثر منهم القاضي في أكثر كتبه. وهو مذهب معاذ بن جبل وابن مسعود وحذيفة بن اليمان. حكاه عنهم إسحاق بن راهويه في رواية حرب. وبذلك قال سعيد بن المسيب والنخعي والثوري وحماد بن أبي سليمان والشافعي فهى أحد قوليه. ويدل لصحة صوم النفل بنية من النهار ما روت عائشة ﵂ قالت: " دخل عليَّ النبي ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلنا: لا. قال: فإنى إذاً صائم. ثم أتانا يوماً آخر. فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس. فقال: أرنيه فلقد أصبحت صائماً. فأكل " (١) . رواه الجماعة إلا البخاري. وزاد النسائي ثم قال: " إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يُخرج من ماله الصدقة. فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها " (٢) . وفي لفظ له أيضا قال: " يا عائشة! إنما منزلة من صام فى غير رمضان أو فى غير قضاء رمضان أو في التطوع، بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء

стр. 1423

فأمضاه، وبخل منها بما شاء فأمسكه " (١) . فوجه الحجة منه قوله: " إني إذاً صائم " فإن "إذا" تقتضي إنشاء الصوم من ذلك الوقت. ويدل عليه أمره بصوم يوم عاشوراء في أثنائه. ولأن اعتبار نية التبييب لنفل الصوم تقلله وتفوت كثيراً منه؛ لأن الإنسان قد يبدو له الصوم بالنهار لنشاط يبين له فيه ولا يبين له في الليل أو لغيرت لك. فوجب أن يسامح فيه بذلك، كما سومح في نفل الصلاة بترك القيام والتوجه في السفر. وفارق اعتبار النية في أول نفل الصلاة كفرضها؛ لأن ذلك لا يفضي إلى تقليلها. ولأن جعله من حين النية سائغ ممكن ولا كذلك في الفرض؛ لوجوبه في جميع اليوم. واحتج من منع صحة النفل بنية بعد الزوال بأن أكثر النهار خلا عن النية. فوجب جعل الأقل تبعاً للأكثر؛ لأن الكثرة لها تأثير في الأصول. بدليل السوم في الحول، وسقي الزرع بالكلفة، وغير ذلك. ويدل للمذهب بصحه النفل بنية بعد الزوال: أن ذلك قول معاذ وابن مسعود وحذيفة، وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك صريحاً. ولأن النية وجدت في جزء من النهار. فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة. وبه يبطل التعليل بالأكثر؛ لأن الأكثر قد خلا عن النية في الأصل. فإن ما بين طلوع الفجر والزوال يزيد على ما] بين الزوال والغروب بما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. ولأن قوله في الحديث [ (٢) . " يدع طعامه وشرابه من أجلي " (٣) : معناه: فيمن نوى من آخر النهار أظهر وأبلغ؛ لأن داعية الفطر أشد قوة (٤) في حقه. فكان بالرخصة أولى.

стр. 1424

(ويحكم بالصوم الشرعي المُثاب عليه، من وقتها) أي: وقت النية، لأن ما قبله لم يوجد فيه قصد القربة فلا يقع عبادة، لكن يشترط أن يكون ممسكا فيه عن المفسدات؛ لتحقيق معنى القربة وحكمة الصوم في القدر المنوي. (فيصح تطوع من ظهرت) في يوم، (أو) من (أسلم في يوم لم يأتيا) أي (١) : التي طهرت والذي أسلم (فيه) أي: في ذلك اليوم (بمفسد) من أكل أو شرب أو نحوهما. والله أعلم.

стр. 1425

] باب: ما يفسد الصوم] هذا (باب ما يُفسد الصوم ويوجب الكفارة) وما يتعلق بذلك. (من) أي صائم (أكل أو شرب او استعط) في أنفه بدهن أو غيره. فوصل إلى حلقه أو دماغه. وقال في " الكافي ": إلى خياشيمه. (أو احتقن) نصاً، (أو داوى الجائفة. فوصل) الدواء (إلى جوفه، أو اكتحل بما) أي: بشيء (علم وصوله إلى حلقه). نص عليه؛ لرطوبته أو حدته: (من كحل أو صبر، أو قطور، أو ذرور، أو إثمد كثير أو يسير مطيب)؛ لأن العين منفذ. بخلاف المسام؛ كدهن رأسه. ولا أثر لكون العين ليست منفذاً معتاداً. (أو أدخل إلى جوفه شيئاً) من كل محل ينفذ إلى معدته (مطلقاً) أي: سواء كان يغذي ويماع، أو لا يغذي ولا يماع؛ كالحصاة والقطعة من الحديد والرصاص ونحوهما. (أو وجد طعم علك مضغه بحلقه، أو وصل إلى فمه نخامة مطلقاً) أي: سواء كانت من دماغه أو حلقه أو صدره وابتلعها. (ويحرم بلعها) بعد وصولها إلى فمه. (أو) وصل إلى فمه (قيء أو نحوه)؛ كالقلس بسكون اللام. قال في " القاموس ". القَلسُ: ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه، وليس بقيء. فإن عاد فهو قيء. انتهى. (أو تنجّس ريقه فابتلع شيئا من ذلك) عمداً ذاكراً لصومه. (أو داوى المأمُومة) وهي: الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ بدواء وصل إلى دماغه.

стр. 1426

(أو قطّر في أذنه ما) أي: شيئاً (وصل إلى دماغه) عمداً ذاكراً لصومه. فسد صومه؛ لأنه شيء واصل إلى جوفه باختياره. فأشبه الأكل. (أو استقاء) اي: استدعى القيء (فقاء) فسد أيضاً؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " من استقاء عمداً فليقض " (١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن. رواه أبو داود. (أو كرَّرَ النظر فأمْنى)؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، يمكن التحرز منه. أشبه الإنزال باللمس. (او استَمْنَى)] فأمنى] أو مذى [ (٢) ، (أو قبَّل) [ (٣) فأمنى أو مذى،] (أو لمس) فأمنى أو مذى [ (٤) (أو باشر دون فرج فأمنى أو مذى): فسد أيضاً. أما الإمناء؛ فلأنه إنزال بمباشرة. فأشبه الإنزال بجماع. وهذا لا خلاف فيه فى (٥) المذهب. وأما الإمذاء؛ فلأنه خارج تخلله الشهوة يخرج بالمباشرة. فأشبه المني. وبهذا فارق البول. ومحل فساد الصوم: إذا كان عامداً ذاكراً لصومه. (أو حُجِم أو احتجم وظهر دم عمداً، ذاكراً لصومه، ولو جهل التحريم: فسد) صوم كل من الحاجم والمحتجم. فيلزم القضاء إن كان ذلك في صوم واجب. نص عليه، خلافا للأئمة الثلاثة. ويفطر الحاجم والمحتجم. قاله علي وابن عباس وأبو هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهم.

стр. 1427

واحتج القائلون بعدم الفطر؛ بما روى البخاري عن ابن عباس " أن النبى ﷺ احتجم وهو صائم " (١) . ولأنه دم خارج من البدن. أشبه الفصد. ولنا: قول النبي ﷺ : " أفطر الحاجم والمحجوم " (٢) . رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفساً. قال أحمد: حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب، وإسناد حديث رافع- يعني: ابن خديج- إسناد جيد. وقال: حديث ثوبان وشداد صحيحان. وقال علي بن المديني: أصح شيء في هذا الباب حديث شداد وثوبان. وحديث القائلين بعدم الفطر منسوخ. بدليل أن ابن عباس وهو راوي حديثهم " كان يعد الحجام (٣) والمحاجم قبل مغيب الشمس. فإذا غابت الشمس احتجم كذلك ". رواه الجوزجانى. وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه. والله أعلم. وقولنا: وظهر دم لا بد منه؛ لأنه إن لم يظهر دم] لا تسمى حجامة. قال في " الفروع ": وظاهر كلام أحمد والأصحاب: لا فطر إن لم يظهر

стр. 1428

دم [ (١) ، وهو متجه، واختاره شيخنا وضعف خلافه. وذكر ابن عقيل: أنه يفطر وإن لم يظهر دم. وجزم به في " المستوعب " و" الرعاية ". (كردة مطلقاً) يعني: أن الصوم يفسد بما تقدم ذكره، كما أنه يفسده بالردة، ولا يختص ذلك بالصوم، بل تفسد الردة كل عبادة حصلت في أثنائها. قال الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك)] الزمر: ٦٥ [. (وموت) يعنى: وكما يفسد الصوم بموت. (و) حيث قلنا ببطلان الصوم بالموت فإنه (يُطعَم من تركته) أي: تركة من مات صائماً (في نذر وكفارة) مسكين؛ لفساد صوم ذلك اليوم الذي مات فيه؛ لتعذر قضائه. ومحل الفساد بالأفعال: إذا فعلها عامداً ذاكراً كما أشير إليه في المتن. (لا) إن فعلها (ناسياً ومكرهاً. ولو) كان ذلك (بوَجُور مغمى عليه معالجة) بسبب إغمائه في الأصح. وسواء أكره على الفطر حتى فعله أو فعل به؛ كمن صُب في حلقه الماء مكرهاً، أو وهو نائم ونحو ذلك. نص عليه؛ لأن النبي ﷺ علل في الناسي بقوله: " فإنما الله أطعمه وسقاه " (٢) . وفي لفظ: " فإنما هو رزق ساقه الله إليه " (٣) . وهذا موجود فيمن دخل الماء في حلقه وهو نائم. ولأنه واصل إلى جوفه بغير اختياره. فأشبه غبار الطريق. (ولا) يفسد الصوم (بفصد). جزم به القاضي وصاحب " المستوعب " و" المحرر " فيه وغيرهم في الأصح؛ لأن القياس لا يقتضيه. (و) لا (شرط) في الأصح. ومن جرح نفسه لا للتداوي بدل الحجامة لم يفطر؛ لأن النهي لا يختص

стр. 1429

الصيام (١) ، وكخروج الدم يفطر على وجه القيء، لا على غير (٢) وجه (٣) القيء. ذكره في " الخلاف ". قال في " الفروع ": واختار شيخنا أنه يفطر من أخرج دمه برُعاف وغيره. وقاله الأوزاعي في الرعاف. ومعنى الرُّعاف: السبق. تقول العرب: فرس راعف إذا تقدم الخيل، ورعف فلان الخيل: إذا تقدمها. فسمي الدم رعافا؛ لسبقه الأنف. انتهى. (ولا) يفسد صومه (إن طار إلى حلقه ذباب أو غبار) من غير قصد؛ كغبار الطريق، ونخل الدقيق، أو الذباب يدخل في حلقه بغير اختياره؛ لأنه لا يمكن التحرز من ذلك. أشبه ما لو دخل في حلقه شيء وهو نائم. . (أو دخل في قُبُل)؟ كالإحليل (ولو) كان القبل (لأنثى) وهو: فرجها شيء (غير ذكر أصلي) لم يفسد صومها، وذلك كما لو أولج الخنثى المشكل ذكره في قبل امرأة، أو في قبل خنثى مثله، أو أولج الرجل ذكره في قبل خنثى مشكل: لم يفسد صوم واحد منهم، إلا أن ينزل. كما أن ذلك لا يوجب الغسل؛ لاحتمال كونه خلقة زائدة. فهو كما لو أولج إصبعه في قبلها، أو ذكره في فمها. والأصل بقاء الصوم. فلا نبطله بالشك. والاحتياط: القضاء في جمع ذلك. قال في " المستوعب ": فإن قيل: هذا واصل إلى باطن فرج المرأة فيجب أن يبطل صومها، كما لو كان في دبرها، وكما لو كان ذكرا أصلياً؟ فجوابه: أن مسلك الذكر من فرج المراة في حكم الظاهر، بدليل: أنه يجب غسله من النجاسات؛ كالفم. وإذا ظهر دم حيضها إليه ولم يخرج منه فسد صومها، ولو كان في حكم الباطن لم يفسد صومها] حتى يخرج منه، ولم يجب غسله كالدبر. وإذا ثبت أنه

стр. 1430

في حكم الظاهر فهو كفمها، وعمق سرتها، وطي عكنها. وإنما فسد صومها [ (١) بإيلاج ذكر الرجل فيه؛ لكونه جماعاً، لا لكونه وصولا إلى باطن. بدليل: انه لو أولج إصبعه في قبلها فإنه لايبطل (٢) صومها، والجماع يفسد؛ لكونه مظنة الإنزال. فأقيم مقام الإنزال، كما (٣) أقيم مقامه في وجوب الغسل، ولهذا يفسد به صوم الرجل وإن لم ينزل ولم يصل إلى جوفه شيء. وأما الدبر ففي حكم الباطن. بدليل: أنه لا يجب غسله ولو احتقن فيه بشيء أفطر. بخلاف القبل فإنه بمنزلة الفم. وأبلغ من هذا: أنه لو قطر في إحليله أو غيب فيه شيئا فوصل إلى المثانة لم يبطل صومه. . نص عليه في رواية أحمد بن الحسين. فإذا لم يفطر بذلك. والمثانة في حكم الباطن. فمسلك الذكر من قبل المرأة وهو في حكم الظاهر بما بينا أولى. وقول القاضي في الخصال: أن الصوم يفسد بواصل وبخارج قال: فالوطء في حكم الواصل] فإنما جعله في حكم الواصل [ (٤) ؛ ليدخله تحت حصره لأقسام الفطر في القسمين، الواصل والخارج، لا لعلة الوصول. ولهذا يبطل صوم الرجل ولا واصل، ولا يبطل الصوم بكل واصل. بدليل: ما وصل (٥) من إحليله إلى المثانة، ولا بكل خارج. بدليل: أنه لا يفسد بدم الفصد والغائط والدمع والعرق. انتهى كلامه في " المستوعب ". (أو فكَّر فأنزل) يعني: أنه لا يفسد صومه بذلك في الأصح؛ لأنه إنزال بغير مباشرة ولا نظر. فأشبه الاحتلام والفكرة الغالبة. وأما كون ذلك بسبب من جهته] فمسلّم، لكن جعله سببا في الفطر ليس فيه نص ولا إجماع، وهو دون المباشرة والنظر.

стр. 1431

(أو احتلم) فإنه لا يفسد صومه بلا نزاع، لكونه ليس بسبب من جهته] (١) . (أو ذرعه القيء) بالذال المعجمة أي: غلبه وسبقه لم يفسد صومه بلا: نزاع " لأنه ليس ذلك بسبب من جهته. (أو أصبح وفي فيه.) أي: فمه (طعام فلفظه) يعني: أنه لا يفسد صومه بلا نزاع. وكذا لو شق عليه أن يلفظه فبلعه مع ريقه بغير قصد. وإن أمكنه أن يلفظه بأن تميز عن ريقه فبلعه باختياره أفطر. نص عليه. (أو لطخ باطن قدمه بشيء) له طعم (فوجد طعمه بحلقه) يعني: أنه لا يفطر " لأن القدم ليس بنافذ إلى الجوف. أشبه ما لو دهن رأسه فوجد طعم الدهن في حلقه. (أو تمضمض أو استنشق) فدخل الماء حلقه بلا قصد. يعني: أنه لايفسد صومه. (ولو) تمضمض فوق ثلاث (٢) أو استنشق (فوق ثلاث، أو بالغ) في المضمضة أو في الاستنشاق، (أو) كان تمضمضه أو استنشاقه (لنجاسة، ونحوها)، كالتجشي في الأصح؛ لما روي عن النبي ﷺ : " أن عمر سأله عن القبلة للصائم فقال النبي ﷺ : أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؛ قلت: لا بأس. قال: فمه " (٣) . ولأنه واصل إلى حلقه من غير قصد. أشبه غبار الطريق، وغبار الدقيق إذا دخل في حلقه وقت نخله. (وكُره) تمضمضه أو استنشاقه (عبثاً أو سرفاً، أو لحر أو عطش). نص عليه. سئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض (٤) ثم يمج الماء. قال: يرش

стр. 1432

على صدره أحب إليَّ. وكذا في الحكم ما أشير إليه بقوله: (كغَوْصه) أي: غو ص الصائم (في ماء. لا لغُسل مشروع أو تبرد فدخل) الماء (حلقه) يعنى: أنه لا يفسد صومه بذلك، ويكون مكروها على الأصح. ونقل صالح: يتمضمض إذا أجهد. ولا يكره للصائم: أن يغتسل من الحر والعطش (١) خلافا لأبي حنيفة، وذلك لما روي عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: " لقد رأيت رسول الله يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو الحر " (٢) . رواه ابو داوفى. وقال صاحب " المحرر ": ولأن فيه إزالة الضجر من العبادة، كالجلوس في الظلال الباردة. بخلاف قول المخالف: أن فيه إظهاراً للتضجر بالعبادة. وقوله: أن الصوم مستحب فعله على ضرب من المشقة. فإذا أزال (٣) ذلك بما لا ضرورة إليه كره، كما لو استند المصلي في قيامه إلى شيء. (أو أكل ونحوه)، كما لو شرب أو جامع (شاكاً في طلوع فجر) ولم يتبين له طلوعه حالة أكله ونحوه. (أو) أكل ونحوه (ظاناً غروب شمس) ولم يتبين له أنها لم تغرب. يعني: أنه لم يفسد صومه بذلك، ولا قضاء عليه. قال الزركشي: ولو أكل ظاناً أن الفجر لم يطلع، أو أن الشمس قد غربت ولم يتبين له شيء فلا قضاء عليه، ولو تردد بعد. قاله أبو محمد. وأوجب صاحب " التلخيص " القضاء في ظنّ الغروب. ومن هنا قال: يجوز الأكل بالاجتهاد في أول اليوم دون آخره، وأبو محمد: يجوزه بالاجتهاد] فيهما. انتهى.

стр. 1433

والمذهب عدم القضاء؛ لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الشك ولا الظن. أشبه ما لو صلى بالاجتهاد [ (١) ولم يتبين له الخطأ، ثم شك في الإصابة بعد صلاته. فإنه لا تجب عليه الإعادة. (وإن بان أنه) أي: الفجر (طلع) فيما إذا أكل ونحوه شاكاً في طلوعه، (أو) بان أن الشمس (لم تغرب) فيما إذا أكل ونحوه ظاناً غروبها: قضى ذلك اليوم حيث كان ذلك في صوم واجب، لتبين خطئه. (أو أكل ونحوه شاكاً في غروب) أي: غروب شمس ذلك اليوم الذي هو صائم فيه (ودام شكه) بأن لم يتبين بعد ذلك أنها غربت وكان صومه واجباً: قضى، لأن الأصل بقاء النهار. (أو) أكل ونحوه في زمن (يعتقده نهاراً فبان ليلاً ولم يجدد نية لواجب) أي: لم يجدد نية للصوم الواجب قضى. قال في " الفروع ":] هان أكل يظن طلوع الفجر فبان ليلاً ولم يجدد نية لصومه الواجب قضى [ (٢) . كذا جزم به بعضهم. وما سبق من أن له الأكل حتى يتيقن طلوعه يعني: الفجر يدل على أنه لا يمنع نية الصوم، وقصده غير اليقين. والمراد والله أعلم: اعتقاد طلوعه، ولهذا فرض صاحب " المحرر " هذه المسألة فيمن اعتقد نهاراً فبان ليلاً، لأن الظان شاك، ولهذا خصوا المنع باليقين، واعتبروه بالشك في نجاسة طاهر (٣) ، ولا أثر للظن فيه، وقد يحتمل أن الظن والاعتقاد واحد، وأنه يأكل مع الشك والتردد ما لم يظن ويعتقد النهار. انتهى. (أو) أكل ونحوه في زمن يعتقده اليلا فبان نهارا)] سواء كان

стр. 1434

ذلك [ (١) في أول الصوم أو في آخره فعليه القضاء؛ لأن الله أمر بإتمام الصوم ولم يتمه. وقالت أسماء: " أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس. قيل لهشام بن عروة- وهو راوي الحديث-: أمروا بالقضاء؟ قال: لا بُدَّ من قضاء " (٢) . رواه أحمد والبخاري. ولأن جهل وقت الصوم كالجهل بأول رمضان، وصوم المطمور ليلاً بالتحري. بل أولى؛ لأن إمكان التحرز من الخطأ هنا أظهر، والنسيان لا يمكنه التحرز منه، وكذا سهو المصلي بالسلام عن نقص، ولا علامة ظاهرة، ولا أمارة سوى علم المصلي، وهنا علامات، ويمكن الاحتياط والتحفظ. (أو أكل) أو شرب (ناسياً فظن أنه قد أفطر فأكل عمداً: قضى). قال في " الفروع ": فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم. فيها الخلاف السابق. وقال صاحب " الرعاية ": يصح صومه، ويحتمل ضده. كذا قال. انتهى كلامه في " الفروع ". قال في " الإنصاف ": قلت: ويشبه ذلك لو اعتقد البينونة في الخلع لأجل عدم عود الصفه ثم فعل (٣) ما حلف عليه. انتهى.

стр. 1435

(فصل): في حكم جماع الصائم وما يتعلق بذلك (١) . (ومن جامع في نهار رمضان ولو في يوم: لزمه إمساكه) على الأصح؛ لأنه يحرم عليه تعاطي ما ينافي الصوم. (أو) في يوم (رأى الهلال ليلتًه ورُدت شهادتُه) على الأصح؛ لأنه أفطر يوماً من رمضان بجماع. فوجب عليه القضاء والكفارة؛ كما لو قبلت شهادته. (أو) كان (مكرهاً أو ناسياً) على الأصح؛ لأن الصوم عبادة يفسدها الوطء. ففسدت به على كل حال؛ كالصلاة والحج. قال في " الفروع ": والمكره كالمختار وفاقاً لأبي حنيفة ومالك في ظاهر المذهب. ونقل ابن القاسم: كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة. قال الأصحاب: وهذا يدل على إسقاط القضاء مع الإكراه والنسيان. قال ابن عقيل في " مفرداته ": الصحيح في الأكل والوطء إذا غلب عليهما لا يفسدان. فأنا أخرج في الوطء رواية من الأكل، وفي الأكل رواية من الوطء. وقيل: يقضي من فَعَل لا من فُعِل به من نائم وغيره، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. وقيل: لا قضاء مع النوم فقط، وذكره بعضهم نص أحمد فيه؛ لعدم حصول مقصوده. وإن فسد الصوم بذلك فهو في الكفارة كالناسي، وفاقاً للشافعي. وقيل: يرجع بالكفارة على من أكرهه. وقيل: يكفر من فعل بالوعيد. انتهى.

стр. 1436

وقوله: فعل (١) يعني: أكره بالوعيد. (بذكر) يعني: أن من جامع بذكر (أصلي. في فرج أصلي) ولو كان الفرج دبراً أو (لميتة أو بهيمة) نصاً؛ لوجوب الغسل بذلك. وفي " المستوعب ": إن أولج في بهيمة أو آدمي ميت ففي الكفارة وجهان. (أو أنزل مجبوب) أي: مقطوع الذكر (بمساحقة، أو) أنزلت (امرأة) بمساحقة: (فعليه) أي: على كل ممن ذكر (القضاء والكفارة). أما وجوب الكفاره على من جامع في نهار رمضان من غير عذر؛ فهو قول أكثر أهل العلم. وحكي عن الشعبي وسعيد بن جبير: أنه لا كفارة بالجماع. قال الخطابي: يشبه أن يكون حديث أبي هريرة لم يبلغهم. انتهى. واحتج الأكثر بما روى أبو هريرة قال: " بينا جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. فمكث النبي ﷺ . فبينما (٢) نحن على ذلك، أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. والعرق المكتل. فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال. خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها] أهل بيت [ (٣) أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك " (٤) . متفق عليه.

стр. 1437

واحتج من قال بوجوب القضاء أيضاً بما في روايه ابن ماجه: " وتصوم يوماً مكانه " (١) . (لا سليم) ذكره وطئ (دون فرج ولو) كان وطؤه (عمداً، أو) كان وطؤه (بـ) ذكر (غير أصلي في) فرج (أصلي، وعكسه) وهو: وطؤه بذكر أصلي في فرج غير أصلي: فإنه ليس عليه (إلا القضاء) على الأصح (إن أمنى أو مذى) " لأن هذا إنزال (٢) بفعل يتلذذ به، يمكن الاحتراز عنه في الغالب. ففسد به الصوم. أشبه غيره من محظورات الصوم. (والنزعُ جماع)، لأنه يلتذ به، كما يلتذ بالإيلاج. فمن طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع مع أول طلوعه قضى وكفر في الأصح. بخلاف مجامع حلف لا يجامع فنزع فإنه لا يحنث؛ لتعلق اليمين بالمستقبل أول أوقات الإمكان. وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي. (وامرأة طاوعت غير جاهلة) بالحكم، (أو) غير (ناسية) للصوم، (كرجل) في الحكم. فيجب عليها القضاء والكفارة على الأصح. قال الخطابي: وهو مذهب اكثر العلماء؛ لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع مطاوعة. فأشبهت الرجل. ولأن تمكينها كفعل الرجل في وجوب حد الزنى الذي يسقط بالشبهة. فالكفارة أولى. (ومن جامع في يوم، ثم) جامع (في) يوم (آخر ولم يكفر) عن الجماع الأول: (لزمته) كفارة (ثانية) في الأصح؛ لأن كل يوم عبادة منفردة تجب الكفارة بإفسادها لو انفردت. فإذا أفسدت إحداهما بعد الأخرى وجبت (٣) كفارتان؛ كالحجتين والعمرتين، وكما لو كان اليومان من رمضانين.

стр. 1438

و (كمن أعاده) أي: الجماع (في يومه بعد أن كفر) عن الجماع الأول. فإنه تلزمه كفارة ثانية. (ولا تسقط) كفارة الوطء عن المرأة (إن حاضت المرأه أو نفست) في يومه بعد تمكينها. (أو مرِضا) أي: الرجل والمرأة، (أو جنا، أو سافر بعد) أي: بعد الوطء (في يومه)؛ لأن النبي ﷺ أمر الأعرابي بالكفارة ولم يسأله هل طرأ له بعد وطئه مرض أو غيره، ولو اختلف الحكم بذلك لسأله وبينه. ولأنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة. فلم يسقطها؛ كالسفر. ولأنه أفسد صوما واجبا من رمضان بجماع تام. فاستقرت الكفارة عليه؛ كما لو لم يطرأ العذر. (ولا كفارة) أي: لا تجب (بغير الجماع والإنزال والمساحقة نهار رمضان) أي: فيه؛ لأن النص إنما ورد في رمضان وليس غيره في معناه؛ لأن رمضان محترم متعين لهذه العبادة. فيمتنع قياس غيره عليه. قال في " الإنصاف ": وذكر في " الرعاية " رواية: يكفر إن أفسد قضاء رمضان. انتهى. (ولا فيه) أي: في رمضان (سفراً ولو) كان الجماع (من صائم) في السفر. (وهي) أي: الكفارة الواجبة بإفساد الصوم على الصورة التي تجب فيها: (عتق رقبة) أي: مؤمنة سليمة من العيوب. (فإن لم يجد) أي: لم يقدر على الرقبة، (فصيام شهرين متتابعين. فلو قدر عليها) أي: على الرقبة قبل شروعه في الصوم، (لا بعد شروع فيه: لزمته) الرقبة؛ لأن النبي ﷺ سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالعتق، ولم يسأله عما كان يقدر عليه حين المواقعة (١) وهي حالة الوجوب.

стр. 1439

ولأنه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل. فلزمه؛ كما لو وجده حال الوجوب. وأما إن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه، إلا أن يشاء أن يعتق فيجزئه ويكون قد فعل الأولى. (فإن لم يستطع) أن يصوم (فإطعام ستين مسكيناً) لكل مسكين (١) مد بر، أو نصف صاع تمر، أو نصف صاع شعير؛ لما روى أحمد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني قال: "جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير. فقال النبي ﷺ للمظاهر: أطعم هذا ". فإن مُدَّي شعير مكان مد برّ. ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر أو الشعير (٢) بلا خلاف. فكذا هذا. (فإن لم يجد) شيئاً يطعمه للمساكين (سقطت) عنه على الأصح؛ لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر يطعمه للمساكين فأخبره بحاجته فقال: "أطعمه أهلك" (٣) ، ولم يأمره بكفاره أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته. وكصدقة الفطر. (بخلاف كفارة حج وظهار ويمين، ونحوها)؛ ككفارة القتل. نص عليه. قال صاحب " المحرر" وغيره: وعليه أصحابنا، لعموم أدلتها حالة الإعسار. ولأنه القياس. خولف في رمضان للنص. قال في " الفروع ": كذا قالوا: للنص، وفيه نظر. ولأنها لم تجب بسبب الصوم. قال القاضي وغيره: وليس الصوم سبباً للكفارة وإن لم تجب إلا بالصوم والجماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما. انتهى.

стр. 1440

(ويسقط الجميع) أي: كفارة الوطء في نهار رمضان وغيرها من الكفارات (بتكفير غيره عنه، بإذنه). أشبه ما لو أخرج زكاة غيره عنه بإذنه. (وله إن ملكها) من وجبت عليه (إخراجها عن نفسه، وأكلُها إن كان أهلاً)؛ كأكلها في حديث أبي هريرة (١) . قال في " الإنصاف ": لو ملكه ما يكفر به وقلنا له أخذه هناك فله هنا أكله، وإلا أخرجه عن نفسه. وهذا الصحيح من المذهب. والله أعلم.
следующие страницы →