← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقوله: فعل (١) يعني: أكره بالوعيد. (بذكر) يعني: أن من جامع بذكر (أصلي. في فرج أصلي) ولو كان الفرج دبراً أو (لميتة أو بهيمة) نصاً؛ لوجوب الغسل بذلك. وفي " المستوعب ": إن أولج في بهيمة أو آدمي ميت ففي الكفارة وجهان. (أو أنزل مجبوب) أي: مقطوع الذكر (بمساحقة، أو) أنزلت (امرأة) بمساحقة: (فعليه) أي: على كل ممن ذكر (القضاء والكفارة). أما وجوب الكفاره على من جامع في نهار رمضان من غير عذر؛ فهو قول أكثر أهل العلم. وحكي عن الشعبي وسعيد بن جبير: أنه لا كفارة بالجماع. قال الخطابي: يشبه أن يكون حديث أبي هريرة لم يبلغهم. انتهى. واحتج الأكثر بما روى أبو هريرة قال: " بينا جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. فمكث النبي ﷺ . فبينما (٢) نحن على ذلك، أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. والعرق المكتل. فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال. خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها] أهل بيت [ (٣) أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك " (٤) . متفق عليه.

стр. 1437

واحتج من قال بوجوب القضاء أيضاً بما في روايه ابن ماجه: " وتصوم يوماً مكانه " (١) . (لا سليم) ذكره وطئ (دون فرج ولو) كان وطؤه (عمداً، أو) كان وطؤه (بـ) ذكر (غير أصلي في) فرج (أصلي، وعكسه) وهو: وطؤه بذكر أصلي في فرج غير أصلي: فإنه ليس عليه (إلا القضاء) على الأصح (إن أمنى أو مذى) " لأن هذا إنزال (٢) بفعل يتلذذ به، يمكن الاحتراز عنه في الغالب. ففسد به الصوم. أشبه غيره من محظورات الصوم. (والنزعُ جماع)، لأنه يلتذ به، كما يلتذ بالإيلاج. فمن طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع مع أول طلوعه قضى وكفر في الأصح. بخلاف مجامع حلف لا يجامع فنزع فإنه لا يحنث؛ لتعلق اليمين بالمستقبل أول أوقات الإمكان. وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي. (وامرأة طاوعت غير جاهلة) بالحكم، (أو) غير (ناسية) للصوم، (كرجل) في الحكم. فيجب عليها القضاء والكفارة على الأصح. قال الخطابي: وهو مذهب اكثر العلماء؛ لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع مطاوعة. فأشبهت الرجل. ولأن تمكينها كفعل الرجل في وجوب حد الزنى الذي يسقط بالشبهة. فالكفارة أولى. (ومن جامع في يوم، ثم) جامع (في) يوم (آخر ولم يكفر) عن الجماع الأول: (لزمته) كفارة (ثانية) في الأصح؛ لأن كل يوم عبادة منفردة تجب الكفارة بإفسادها لو انفردت. فإذا أفسدت إحداهما بعد الأخرى وجبت (٣) كفارتان؛ كالحجتين والعمرتين، وكما لو كان اليومان من رمضانين.

стр. 1438

و (كمن أعاده) أي: الجماع (في يومه بعد أن كفر) عن الجماع الأول. فإنه تلزمه كفارة ثانية. (ولا تسقط) كفارة الوطء عن المرأة (إن حاضت المرأه أو نفست) في يومه بعد تمكينها. (أو مرِضا) أي: الرجل والمرأة، (أو جنا، أو سافر بعد) أي: بعد الوطء (في يومه)؛ لأن النبي ﷺ أمر الأعرابي بالكفارة ولم يسأله هل طرأ له بعد وطئه مرض أو غيره، ولو اختلف الحكم بذلك لسأله وبينه. ولأنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة. فلم يسقطها؛ كالسفر. ولأنه أفسد صوما واجبا من رمضان بجماع تام. فاستقرت الكفارة عليه؛ كما لو لم يطرأ العذر. (ولا كفارة) أي: لا تجب (بغير الجماع والإنزال والمساحقة نهار رمضان) أي: فيه؛ لأن النص إنما ورد في رمضان وليس غيره في معناه؛ لأن رمضان محترم متعين لهذه العبادة. فيمتنع قياس غيره عليه. قال في " الإنصاف ": وذكر في " الرعاية " رواية: يكفر إن أفسد قضاء رمضان. انتهى. (ولا فيه) أي: في رمضان (سفراً ولو) كان الجماع (من صائم) في السفر. (وهي) أي: الكفارة الواجبة بإفساد الصوم على الصورة التي تجب فيها: (عتق رقبة) أي: مؤمنة سليمة من العيوب. (فإن لم يجد) أي: لم يقدر على الرقبة، (فصيام شهرين متتابعين. فلو قدر عليها) أي: على الرقبة قبل شروعه في الصوم، (لا بعد شروع فيه: لزمته) الرقبة؛ لأن النبي ﷺ سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالعتق، ولم يسأله عما كان يقدر عليه حين المواقعة (١) وهي حالة الوجوب.

стр. 1439

ولأنه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل. فلزمه؛ كما لو وجده حال الوجوب. وأما إن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه، إلا أن يشاء أن يعتق فيجزئه ويكون قد فعل الأولى. (فإن لم يستطع) أن يصوم (فإطعام ستين مسكيناً) لكل مسكين (١) مد بر، أو نصف صاع تمر، أو نصف صاع شعير؛ لما روى أحمد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني قال: "جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير. فقال النبي ﷺ للمظاهر: أطعم هذا ". فإن مُدَّي شعير مكان مد برّ. ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر أو الشعير (٢) بلا خلاف. فكذا هذا. (فإن لم يجد) شيئاً يطعمه للمساكين (سقطت) عنه على الأصح؛ لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر يطعمه للمساكين فأخبره بحاجته فقال: "أطعمه أهلك" (٣) ، ولم يأمره بكفاره أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته. وكصدقة الفطر. (بخلاف كفارة حج وظهار ويمين، ونحوها)؛ ككفارة القتل. نص عليه. قال صاحب " المحرر" وغيره: وعليه أصحابنا، لعموم أدلتها حالة الإعسار. ولأنه القياس. خولف في رمضان للنص. قال في " الفروع ": كذا قالوا: للنص، وفيه نظر. ولأنها لم تجب بسبب الصوم. قال القاضي وغيره: وليس الصوم سبباً للكفارة وإن لم تجب إلا بالصوم والجماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما. انتهى.

стр. 1440

(ويسقط الجميع) أي: كفارة الوطء في نهار رمضان وغيرها من الكفارات (بتكفير غيره عنه، بإذنه). أشبه ما لو أخرج زكاة غيره عنه بإذنه. (وله إن ملكها) من وجبت عليه (إخراجها عن نفسه، وأكلُها إن كان أهلاً)؛ كأكلها في حديث أبي هريرة (١) . قال في " الإنصاف ": لو ملكه ما يكفر به وقلنا له أخذه هناك فله هنا أكله، وإلا أخرجه عن نفسه. وهذا الصحيح من المذهب. والله أعلم.

стр. 1441

] باب: ما يكره وما يستحب في الصوم] هذا (باب ما يُكره) في الصوم، (و) ما (يستحب في الصوم، وحكم القضاء) أي: قضاء الصوم، وما يتعلق بذلك. (كُره) بالبناء للمفعول (لصائم) فرضاً أو نفلاً (أن يجمعَ ريقَه فيبلعه)، ولا يفطر ببلعه مجموعاً في الأصح؛ لأنه إذا لم يجمعه وابتلعه قصداً لا يفطر إجماعاً فكذلك إذا جمعه. لكنه يكره ذلك تنزيها؛ للخروج من الخلاف. (ويفطر) الصائم (بغبار) ابتلعه (قصداً)؛ لأنه يمكنه التحرز منه (١) في العادة. (و) يفطر أيضاً بـ (ريق أخرجه إلى بين شفتيه) ثم بلعه؛ لإمكان التحرز من ذلك في العادة. (لا) ببلع (ما قلّ) أي: بريق قليل (على درهم أو حصاة أو خيط ونحوه، إذا) أخرجه ثم (عاد إلى فمه) فإنه لا يفطر بذلك في الأصح؛ لمشقة الاحتراز من ذلك. (كما على لسانه) من ريق (إذا أخرجه) اي: أخرج لسانه ثم ضمه إليه. ولو كان ما عليه كثيراً في الأصح. بخلاف ما على الدرهم ونحوه إذا كان كثيراً؛ لأن الريق الذي على لسانه لم يفارق محله. بخلاف ما على غير اللسان. (وحرُم) على الصائم- قال في " الفروع ": إجماعاً- (مضغُ علكٍ يتحلّل مطلقاً) أي: سواء بلع ريقه أو (٢) لم يبلعه. وفي " المقنع ": إلا أن لا يبلع ريقه. (وكُره) مضغ (ما لا يتحلل) من علك. نص عليه، وفاقاً للأئمة الثلاثة؛

стр. 1442

لأنه يجلب الغم، ويجمع الريق، ويورث العطش. (و) يكره للصائم أيضاً (ذوق طعام). قال في " الفروع ": ذكره جماعة وأطلقوا وفاقاً لمالك، وقد قال أحمد: أحب أن يجتنب ذوق الطعام. فإن فعل فلا بأس. وذكر صاحب " المحرر ": أن المنصوص عنه لا بأس به لحاجة ومصلحة، واختاره في " التنبيه " وابن عقيل، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، وحكاه أحمد والبخاري عن ابن عباس. انتهى. فعلى الكراهة: متى وجد طعمه في حلقه أفطر؛ لإطلاق الكراهة. (و) يكره للصائم أيضاً (ترك بقية) من الطعام (بين أسنانه). قال في " المستوعب " وغيره: ويكره أن يدع بقايا الطعام بين أسنانه. ولعل ذلك: خشية أن يخرج من ذلك شيء فيجري به ريقه إلى جوفه. والله أعلم. (و) يكره للصائم أيضاً (شمّ ما لا يؤمن) من شمه (أن يجذبه نفس) أي: نفس الشامِّ (لحلق؛ كسحيق مسك، و) سحيق (كافور ودهن ونحوه). قال في " الفروع ": (وقبلة ودواعي وطء) يعني: أنه يكره للصائم التقبيل ودواعي الوطء؛ كتكرار النظر، واللمس، والمعانقة (لمن تحرّك شهوته)؛ لـ " أن النبي ﷺ نهى عنها شاباً ورخّص لشيخ " (١) . حديث حسن، رواه أبو داود من حديث أبي هريره. ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء، وكذا عن ابن عباس بإسناد صحيح. وعلم مما تقدم: أن ذلك لا يكره لمن لا تحرك شهوته على الأصح؛ " لأن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم لما كان مالكاً لإرْبه " (٢) .

стр. 1443

وغير ذي الشهوة في معناه. (وتحرُم) القبلة كما يحرم دواعي الوطء (إن ظن إنزالاً)؛ لأنه يعرّض صومه للفطر، ولا يأمن عليه الفساد. ثم إن أنزل أفطر ولزمه (١) القضاء إن كان الصوم واجباً. (ويجب) مطلقاً (اجتناب كذبٍ وغيبةٍ ونميمةٍ وشتمٍ وفحشٍ) من القول (ونحوه)، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم يدع قول الزور والعمل به. فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (٢) . رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة والترمذي. ولما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: يا جبريل لِلَّهِ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " (٣) رواه أبو داود. وعن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال: " من أربى الوبا: الاستطالة في عرض المسلم بغير حق " (٤) . رواه أحمد وأبو داود. وعن همام قال: كان رجل يرفع إلى عثمان حديث حذيفة سمعت

стр. 1444

رسول الله ﷺ يقول: " لا يدخل الجنة قتات- يعني نماماً- " (١) رواه أحمد والترمذي. (وفي رمضان ومكانٍ فاضل آكد). قال أحمد رحمه الله تعالى: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه. كانوا إذا صاموا قعدوا في المسجد وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحداً، ولا نعمل عملاً نجرح به صومنا (٢) .] قاله في " الفروع "] (٣) .

стр. 1445

] فصل: فيما يسن للصائم] (فصل. وسن له) أي: للصائم (كثرة قراءة، و) كثرة (ذكر وصدقة، وكف لسانه عما يُكره). قال في " الفروع ": قال الأصحاب: يسن له كثرة القراءة والذكر والصدقة، وكف لسانه عما يكره، ويجب كفه عما يحرم من الكذب والغيبة والنميمة والشتم والفحش وغير ذلك إجماعاً. وذكر بعض أصحابنا وغيرهم قول النخعي: تسبيحة في رمضان خير من ألف (١) تسبيحة في غيره. وذكره الآجري وجماعة عن الزهري. ولا يفطر بالغيبة ونحوها. نقله الجماعة، وفاقاً للأئمة الثلاثة. وقال أحمد أيضا: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، وذكره الشيخ- يعني الموفق- إجماعاً، لأن فرض الصوم بظاهر القرآن: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وظاهره صحته، إلا ما خصه دليل. ذكره صا حب " المحرر ". وقال عما رواه أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة: " من لم يدع قول الزور والعمل به. فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه " (٢) : معناه: الزجر والتحذير، لم يؤمر من اغتاب بترك صيامه. قال: والنهي عنه ليسلم من نقص الأجر. ومراده: أنه قد يكثر فيزيد على أجر الصوم، وقد يقل، وقد يتساويان. قال شيخنا: هذا لا نزاع فيه بين الأئمة. وأسقط أبو الفرج ثوابه بالغيبة

стр. 1446

ونحوها، ومراده ما سبق، وإلا فضعيف. انتهى. (و) سن أيضاً (قوله) أي: قول الصائم (جهراً إن شُتم) أي: إن شتمه أحد: (إني صائم)، لما في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة: " إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب. فإن شتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم " (١) . قال في " الفروع ": قال الأصحاب: ويسن (٢) لمن شتم أن يقول: إني صائم. قال في " الرعاية ": يقوله مع نفسه. يعني: يزجر نفسه ولا يطلع الناس عليه للرياء. واختاره صاحب " المحرر " إن كان في غير رمضان، وإلا جهر به؛ للأمن من الرياء. وفيه زجر من يشاتمه (٣) بتنبيهه على حرمة الوقت المانعة من ذلك. وذكر شيخنا لنا ثلاثة أوجه: هذين، والثالث وهو اختياره: يجهر به مطلقاً؛ لأن القول المطلق باللسان. والله تعالى أعلم. (و) سن له أيضاً (تعجيل فطر إذا تحقق غروب) أي: غروب الشمس إجماعاً؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " يقول الله : إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرا " (٤) . رواه أحمد والترمذي. وقال: حديث حسن غريب. (ويباح) للصائم الفطر (إن غلب على ظنه) غروب الشمس، لأن تحقق غروب الشمس شرط فضيلة تعجيل الفطر لا جوازه. فإن الجواز يثبت إذا غلب على ظنه غروبها. ولكننا لا نستحب تعجيله قبل اليقين، للخروج من الخلاف،

стр. 1447

والتحفظ من الخطأ. والفطر قبل صلاة المغرب أفضل؛ لما روى ابن عبدالبر بإسناده عن أنس قال: " ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء " (١) . (وكره جماعه مع شك في طلوع فجر ثان. لا سحور) نص على المسألتين؛ لما في الجماع مع الشك في طلوع الفجر من التعرض لوجوب الكفارة. ولأنه ليس مما يتقوى به. بخلاف السحور. (ويسن) السحور (كـ) مسنونية (تأخيره إن لم يخشه) أي: يخشى طلوع الفجر. أما كون السحور يسن، فلما روى أنس أن النبي ﷺ فال: " تسحروا فإن في السحور بركة " (٢) . متفق عليه. وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السحور " (٣) . رواه مسلم. وأما كونه يسن تأخيره؛ فلما روى زيد بن ثابت قال: " تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية " (٤) . متفق عليه. وروى العرباض بن سارية قال: " دعانى رسول الله ﷺ إلى السحور فقال: هلم إلى الغداء المبارك " (٥) . رواه أبو داود. وسماه غداء؛ لقرب وقته منه.

стр. 1448

ولأن المقصود بالسحور: التقوي على الصوم. وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم. (وتحصل فضيلته) أي: فضيلة السحور (بشرب)؛ لقوله ﷺ : " ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء " (١) . (و) يحصل (كمالها) أي: كمال فضيلة السحور (بأكل)، وأن يكون من تمر؛ لما روى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: "نعم سحور المؤمن التمر" (٢) . (و) يسن (فطر على رطب. فإن عدم فتمر. فإن عدم فـ) على (ماء)؛ لما روى أنس قال: " كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي. فإن لم يكن فعلى تمرات. فإن لم تكن تمرات حَسَا حَسَوات من ماء " (٣) . رواه أبو داود والترمذي. وقال: حسن غريب. ولما روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه. من حديث سلمان الضبي: " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر. فإن لم يجد فعلى ماء؛ لأنه طهور " (٤) . (و) يسن (قوله عنده) أي: قول الصائم عند فطره: (اللهم! لك صمت وعلى رزقك أفطرت. سبحانك وبحمدك. اللهم! تقبل مني إنك أنت السميع العليم)؟ لما روى الدارقطني من حديث أنس ومن حديث ابن عباس قال: " كان النبي ﷺ إذا أفطر قال (٥) : اللهم! لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا. فتقبل منا. إنك أنت السميع العليم " (٦) .

стр. 1449

وعن ابن عمر قال: " كان رسول الله ﷺ إذا. أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، ووجب الأجر إن شاء الله تعالى " (١) . رواه الدارقطني أيضاً. ولأن دعاء الصائم عند الفطر مظنة الإجابة؛ لما روى ابن ماجه من حديث عبدالله بن عمر: " وللصائم عند فطره دعوة لا ترد " (٢) . ويستحب تفطير الصائم؛ لما روى زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ أنه قال: " من فطر صائماً كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء " (٣) . قال الترمذي: حديب حسن صحيح. قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم: أي شيء كان، كما هو ظاهر الخبر، وكذا رواه ابن خزيمة من حديث سلمان الفارسي (٤) ، وذكر فيه ثواباً عظيماً إن أشبعه. وقال شيخنا: مراده بتفطيره أن يشبعه. انتهى.

стр. 1450

(فصل): في حكم قضاء الصوم وما يتعلق بذلك (سُن فوراً) أي: على الفور لمن فاته عدد من أيام رمضان (تتابُع قضاء رمضان). نص عليه، وفاقاً للأئمة الثلاثة. قال البخاري: قال ابن عباس: " لا بأس أن يفرق؛ لقول الله (فعدة من أيام أخر)] البقرة: ١٨٤] (١) . وعن ابن عمر مرفوعا: " قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع " (٢) . رواه الدارقطنى. وقال: لم يسنده غير سفيان بن بشر. قال صاحب " المحرر ": لا نعلم أحداً طعن فيه، والزيادة من الثقة مقبولة. ولأنه وقت موسع له كصوم المسافر أداء. يعني: أن للمسافر في رمضان أن يصوم يوماً ويفطر يوماً. وإنما لزم التتابع فيه في صوم مقيم لا عذر له للفور، وتعيت الوقت لا لوجوب التتابع في نفسه. وقيل: يجب. والمذهب: لا يجب التتابع. (إلا إذا بقي من شعبان قدر ما عليه) من عدد الأيام التي لم يصمها من رمضان (فيجب) التتابع؛ لضيق الوقت، كأداء رمضان في حق من لا عذر له. (ومن فاته رمضان) كله (قصى عدد أيامه) يعني: إن كان ثلاثين يوماً قضى ثلاثين، وإن كان تسعاً وعشرين يوماً قضى تسعاً وعشرين يوما؛ كأعداد الصلوات الفائتة. فمن فاته رمضان فصام من أول شهر كامل أو من أثناء شهر

стр. 1451

تسعة وعشرين يوماً، وكان رمضان الفائت ناقصاً أجزأه عنه؛ اعتباراً بعدد الأيام. (ويقدم) قضاء رمضان وجوباً (على نذر) أي: على صوم منذور (لا يُخاف فوتُه) بأن يكون وقته متسعا. (وحرُم تطوُّع قبله) أي: قبل قضاء رمضان (ولا يصح) على الأصح. نص عليه. نقل حنبل: أنه لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه. وإن كان عليه نذر صامه يعني: بعد الفرض. قاله في " شرح المقنع الكبير " (١) . (و) حرم أيضاً (تأخيره) أي: تأخير قضاء رمضان (إلى) رمضان (آخر بلا عذر)، وفاقاً للأئمة الثلاثة. نص عليه. واحتج بقول عائشة ﵂: " ما كتب أقضي ما علي من رمضان إلا في شعبان؛ لمكان رسول الله ﷺ " (٢) . وكما لا تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية. (فإن أخَّر) القضاء إلى رمضان آخر (قضى) ما عليه من الأيام؛ لعدم سقوطها بتأخير قضائها (واطعم. ويجزئ) إطعامه (قبله) أي: قبل القضاء وبعده ومعه (٣) ؛ لقول ابن عباس: " فإذا قضى أطعم ". رواه سعيد بإسناد جيد. قال صاحب " المحرر ": الأفضل عندنا تقديمه؛ مسارعة إلى الخير، وتخلصاً من آفات التأخير. (مسكيناً لكل يوم) أخره إلى رمضان آخر (ما) أي: طعاماً (يجزئ في كفارة وجوباً)، وفاقاً لمالك والشافعي. روى ذلك سعيد بإسناد جيد عن

стр. 1452

ابن عباس، ورواه الدارقطني عن أبي هريرة (١) . وقال: إسناده صحيح، وذكر غيره عن جماعة من الصحابة. (و) إن أخر القضاء إلى رمضان آخر (لعذر) من مرض أو سفر (قضى فقط) يعني: من غير إطعام؛ لعدم الدليل على وجوب الإطعام في هذه الحالة. (ولا شيء عليه إن مات). نص عليه، وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لأن الصوم حق لله تعالى وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله. فسقط إلى غير بدل؛ كالحج. وفي " التلخيص " رواية: يطعم عنه؛ كالشيخ الهرم. والفرق: أنه يجوز ابتداء الوجوب على الشيخ الهرم. بخلاف الميت. (ولغيره) يعني: أنه متى أخر قضاء رمضان لغير عذر (فمات قبل) أن يدركه رمضان آخر: أطعم عنه فقط لكل يوم مسكينا من غير قضاء (٢) . رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً بإسناد ضعيف. وقال: الصحيح عن ابن عمر مو قوف. وسئلت عائشة ﵂ عن القضاء فقالت: " لا، بل يطعم ". رواه سعيد بإسناد جيد، وكذا قال ابن عباس. (أو) مات (بعد أن أدركه رمضان فأكثر، أطعم عنه: لكل يوم مسكين فقط) أي: من غير قضاء؛ لأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الوفاة؛ كالصلاة. ولا يلزمه أن يطعم أكثر من مسكين لكل يوم، ولو مضى عليه رمضانات كثيرة في الأصح. (ومن مات وعليه نذر صوم في الذمة، أو) نذر (حج) في الذمة، (أو) نذر (صلاة) في الذمة على الأصح، (أو) نذر (طواف) في الذمة، (أو) نذر (اعتكاف) في الذمة. نص عليه في رواية صالح وحنبل: (لم يفعل منه) أي:

стр. 1453

مما ذكر (شيئاً، مع إمكان) فعل (غير حج)؟ لأنه لا يعتبر تمكنه من فعل الحج في حياته؛ لكونه تجوز النيابة فيه عند العجز عنه في حياة المستنيب. فجواز فعله عنه بعد الموت أولى. أو يقال أن الحج تدخله النيابة (١) في حال الحياة في صورة، وفي حال الموت مطلقاً فقضى عنه إذا مات وإن لم يتمكن منه؛ كنذر الصدقة والعتق. (سن لوليه) أي: ولي الميت (فعله) أي: فعل ذلك المنذور على الأصح؛ لما روى ابن عباس: " أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك " (٢) . أخرجاه في "الصحيحين ". وفي رواية أخرى عنه: " أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهراً، فأنجاها الله. فلم تصم حتى ماتت. فجاءت قرابه لها إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. فقال: صومي عنها " (٣) . رواه احمد والنسائي. وفي رواية (٤) أخرى عن ابن عباس أيضاً قال: " جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين. قال: أرايت لو كان على أمك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال: فحق الله أحق " (٥) . رواه ابن ماجه والترمذي. وقا ل: حديث حسن.

стр. 1454

عن عبدالله بن بريدة عن أبيه: " أن النبي ﷺ أتته امرأة. فقالت: إن أمي ماتت وكان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها " (١) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. ولمسلم في رواية: " صوم شهرين " (٢) . وعن ابن عباس قال: " إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه " (٣) . رواه أبو داود. وجاء عن عائشة ﵂ ما يدل على ذلك فإنها قالت في الاعتكاف المنذور: "يفعل عنه ". وهذه نصوص صريحة للصوم عن الميت بعضها صريح بالنذر، وبعضها مطلق. فيتعين المصير إليها. وأما ما رواه مالك] في " الموطأ " [ (٤) أنه بلغه عن عبدالله بن عمر أنه قال: " لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد " (٥) : فيحمل على غير النذر "للنصوص الصريحة الصحيحه في النذر. والفرق بين النذر وغيره: أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكما؛ لكونه لم يجب بأصل الشرع. وإنما أوجبه الناذر على نفسه. (ويجوز لغيره) أي: غير الولي فعل ما على الميت من نذر (بإذنه) أي:

стр. 1455

بإذن الولي، (ودونه) أي: وبدون (١) إذن الولي في الأصح؛ لـ " أن النبي شبهه بالدين " (٢) . والدين يصح قضاؤه من الأجنبي. (ويجزئ صوم جماعة في يوم واحد) يعني: أنه لو كان على الميت نذر صوم شهر وصام عنه ثلاثون رجلاً في يوم واحد أجزأه عنه؛ لأن المقصود يحصل به مع نجاز إبراء ذمته. ونقل عنه أبو طالب: يصوم واحد. قال القاضي: فمنع الاشتراك في ذلك. وهذا كالحجة المنذورة تصح النيابة فيها من واحد، لا من جماعة. قال صحب " المحرر ": وهذا محمول عندي على صوم شرطه التتابع، وتعليل القاضي يدل على ذلك. فأما ما يجوز تفريقه فلا معنى لاعتبار فعله من واحد. فإن كل يوم منه كحجة مفردة. انتهى. وعلم مما تقدم: أن غير الحج من الصوم والصلاة والطواف والاعتكاف المنذور في الذمة إنما يفعل عنه إذا تمكن من فعله قبل موته ولم يفعله؛ وذلك لأن النذر وإن تعلق بالذمة، لكنه يتعلق بالأيام الآتية بعد النذر. فإذا مات قبل أن يعيش المدة المقدرة (٣) تبينا (٤) أن مقدار ما بقي منها صادف نذره حالة موته، وهو يمنع الثبوت في ذمته (٥) ، كما لو نذر صوم شهر"معين فمات قبله أو جن قبله ودام به الجنون حتى انقضى الشهر المعين. فإن الشهر المنذور صومه لم يثبت في ذمته (٦) . ولا كذلك المقدار الذي أدركه حياً وهو مريض؛ لأن المرض لا ينافي

стр. 1456

ثبوت الصوم في الذمة. بدليل وجوب قضاء رمضان على المريض. (وإن خلّف) الميت الناذر (مالاً: وجب) فعل ما نذره؛ لثبوته في ذمته؛ كوجوب قضاء الدين مع ترك الميت لما يوفيه. (فيفعلُه وليه) إن شاء، (أو يدفع) مالاً (لمن يفعل عنه). ولا فرق في الحج بين النذر وحجة الإسلام؛ لـ " حديث الخثعمية " (١) . (ويدفع في صوم عن كل يوم طعام مسكين في كفارة). قال في " الفروع ": وله- يعني: الولي- أن يصوم، وله أن يدفع إلى من يصوم عنه من تركته عن كل يوم مسكينا. فإن لم تكن له (٢) تركة لم يلزمه شيء. قال القاضي وغيره: كالحج. الوارث بالخيار بين الحج بنفسه وبين دفع نفقته إلى من يحج عنه. انتهى. (ولا يقضى معين) أي: نذر عبادة في زمن معين (مات قبله) أي: قبل ذلك الزمن المعين؛ كما لو نذر صوم شهر معين فمات قبل دخوله لم يصم عنه إذا دخل ولا يطعم عنه (٣) . قال صاحب " المحرر ": وهو مذهب سائر الأئمة. ولا أعلم فيه خلافاً. (و) إن مات (في أثنائه) اي: أثناء شهر معين نذر صومه (يسقط الباقي) منه.

стр. 1457

(وإن لم يصمه) يعني: أنه إذا لم يصم ما أدركه من المعين (لعذر) من مرض أو نحوه؛ (فكالأول). وهو: ما إذا نذر صوم زمن غير معين؛ لأن المرض ونحوه لا ينافي ثبوت الصوم في الذمة، وإذا ثبت في ذمة المريض لم يسقط بموته وتدخله النيابة بعد الموت. وإنما يسقط قضاء رمضان؛ لأن النيابة لاتدخله. (ومن مات وعليه صوم من كفارة أو متعة: أُطعم عنه) من غير صوم. نص عليهما. قال القاضي: لأن هذا الصوم وجب بأصل الشرع؛ كقضاء رمضان. والله أعلم.

стр. 1458

] باب: صوم التطوع] هذا (باب صوم التطوع)، وذكر ليلة القدر وما يتعلق بذلك. (وأفضله) أي: أفضل صوم التطوع (١) : (يوم) صوم (ويوم) فطر. نص عليه، وذلك لى " قوله ﷺ لعبدالله بن عمرو: وصم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود. وهو أفضل الصيام. قلت (٢) : فإنى أطيق أفضل من ذلك. فقال: لا أفضل من ذلك " (٣) . متفق عليه. (وسُن ثلاثة) أي: صوم ثلاثة أيام (من كل شهر)؛ لما روى أبو هريرة قال: "أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام " (٤) . وعن عبدالله بن عمرو: " أن النبي ﷺ قال له: صم من الشهر ثلاثة أيام. فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر " (٥) . متفق عليهما. (وأيام) الليالي (البيض) الثلاث (أفضل. وهي: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة). نص على ذلك، لما روى أبو ذر قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر،

стр. 1459

وخمسة عشر " (١) . رواه أحمد والنسائي والترمذي. وقال: حديث حسن. وعن قتادة بن ملحان القيسي قال: " كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وقال: هي كصوم الدهر " (٢) . رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود. قال في " الفروع ": قال شيخنا وغيره: مراده أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر من غير حصول المفسدة. انتهى. وسميت لياليها بالبيض، لبياض ليلها كله بالقمر. وقيل: سميت بذلك " لأن الله تاب فيها على آدم، وبيض صحيفته. ذكره أبو الحسن التميمي. (و) سن أيضاً صوم يوم (الإثنين و) يوم (الخميس)، لما روى أسامة بن زيد " أن النبي (٣) ﷺ كان يصوم يوم الإثنين والخميس. فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض يوم الإثنين والخميس " (٤) . رواه أبو داود. وفي لفظ: " وأحبُّ أن يُعرض عملى وأنا صائم " (٥) . (و) سن أيضاً صوم (ستة من شوال، والأولى تتابعها، و) كونها (عقب

стр. 1460

العيد. وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر)؛ لما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر" (١) . رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن. قال أحمد: هو من ثلاثة أوجه عن النبي ﷺ ، ولا يجري مجرى التقديم لرمضان؛ لأن يوم العيد فاصل. وروى سعيد بإسناده عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " من صام رمضان. شهر بعشرة أشهر، وصام ستة أيام بعد الفطر وذلك سنة ". يعني: أن الحسنة بعشرة أمثالها، الشهر بعشرة، والستة بستين يوما. فذلك سنة كاملة. فإن قيل: فالحديث لا يدل على فضيلتها؛ لأنه شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه. قلنا: إنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من الضعف، والشبه بالتبتل (٢) ، ولولا ذلك لكان فضلا عظيما؛ لاستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة. والمراد بالخبر: التشبيه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه؛ كما قال ﷺ : " من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر " (٣) ، مع أن ذلك لا يكره بل يستحب بغير خلاف. وكذلك: " نهى عبدالله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث " (٤) . وقال: " من قرأ (قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن " (٥) . أراد

стр. 1461

التشبيه بثلث القرآن في الفضل، لا في كراهة الزيادة عليه. قال في " الفروع ": وتحصل فضيلتها متتابعة ومتفرقة. ذكره جماعة، وهو ظاهر كلام أحمد. وقال: في أول الشهر وآخره. واستحب بعضهم تتابعها، وهو ظاهر كلام الخرقي وغيره، وبعضهم: عقب العيد. واستحبها (١) ابن المبارك والشافعي وإسحاق، وهذا أظهر، ولعله مراد احمد والأصحاب؛ لما فيه من المسارعة إلى (٢) الخير، وإن حصلت الفضيلة بغيره. وسمى بعض الناس الثامن: عيد الأبرار. (و) سن أيضاً (صوم) شهر الله (المحرم)، لقوله ﷺ : " أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم " (٣) . رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة. ولعله ﷺ لم يكثر الصوم فيه لعذر، أو لم يعلم فضله إلا أخيراً. قال ابن الأثير: إضافته إلى الله تعظيماً وتفخيماً؛ كقولهم: بيت الله، وآل الله لقريش. قال: والشهر: الهلال (٤) ، سمي به؛ لشهرته وظهوره. (وآكدُه)، وعبارة بعضهم: وأفضله يوم عاشوراء وهو: (العاشر)، وفاقاً لأكثر العلماء. (وهو) أي: صوم عاشوراء (كفارة سنة. ثم) يلي صوم عاشوراء في الآكدية (التاسع)، ويسمى تاسوعاء. وهما ممدودان، وحكي قصرهما. (و) سن أيضا صوم (عشر ذي الحجة، وآكدُه يوم عرفة.

стр. 1462

وهو) أي: وصومه (كفارة سنتين). روى مسلم عن أبي قتادة مرفوعاً في صيام يوم عرفة: " إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" (١) . وقال في صيام يوم عاشوراء: " إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " (٢) . قال في " الفروع ": والمراد به الصغائر. حكاه في " شرح مسلم " عن العلماء. فإن لم تكن صغائر رجي التخفيف من الكبائر. فإن لم تكن رفعت درجات. (ولا يسن) صوم يوم عرفة (لمن بها) أي: بعرفة؛ لما روى أبو هريرة " أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة " (٣) . رواه أبو داود. ولأن الصوم يضعفه ويمنعه من الدعاء في هذا اليوم العظيم، الذي يستجاب فيه الدعاء. في ذلك الموقف الشريف، الذي يقصد من كل فج عميق، رجاء فضل الله فيه (٤) وإجابة دعائه. ويستثنى من ذلك صورتان أشير إليهما بقوله: (إلا لمتمتع وقارن عَدِما الهدي) فإنه يستحب لمن صام منهما ثلاثة أيام في الحج أن يكون آخر الثلاثة يوم عرفة. وسيأتي ذلك إن شاء الله في الفدية (٥) . (ثم) يلي صوم يوم عرفة في الآكدية (التَّرْوية) وهو: الثامن من ذي الحجة، ثم بقية العشر؛ لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر. قالوا: يا رسول الله!

стр. 1463

ولا الجهاد في سبيل الله. قال رسول الله ﷺ : ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء " (١) . حديث حسن صحيح. (وكُره إفراد رجب) با لصوم. قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصومه متوالياً، بل يفطر فيه ولا يشبهه برمضان. انتهى. وذلك لما روى أحمد بإسناده عن خرشة بن الحر قال: " رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام. ويقول: كلوا. فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية " (٢) . وبإسناده عن ابن عمر: " أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال: صوموا منه وأفطروا ". (و) كره أيضاً إفراد يوم (الجمعة) بالصوم. إلا أن يوافق عادة مثل من يصوم يوما ويفطر يوما فوافق صومه يوم الجمعة " لما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة. إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده " (٣) . متفق عليه. (و) إفراد يوم (السبت بصوم)، لما روى عبدالله بن بسر عن النبي ﷺ قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " (٤) . قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال الأثرم: قال أبو عبدالله: أما صيام يوم السبت يتفرد به فقد جاء فيه " حديث الصماء " (٥) . والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره " لحديث

стр. 1464

أبي هريرة وجويرية (١) . (و) كره (صوم يوم الشك. وهو: الثلاثون من شعبان، إذا لم يكن حين الترائي علة). قال أحمد في رواية الأثرم: ليس ينبغي أن يصبح صائماً إذا لم يحل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره. (إلا أن يوافق عادة، أو يصله بصيام قبله)، أو يتقدم الصوم عن رمضان بأكثر من يومين. فلا يكره نصاً، لظاهر حديث أبي هريرة: " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصومُ صوماً فليصمه " (٢) . وقيل: يكره الصوم بعد نصف شعبان. وحرمه الشافعية، لحديث أبي هريرة: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " (٣) . رواه الخمسة وضعفه أحمد وغيره من الأئمة، وصححه الموفق،

стр. 1465

وحمله (١) على نفي الفضيلة. (أو) يكون صومه (قضاء) عن (٢) فطر في رمضان ماض. (أو) يكون (نذراً) بأن ينذر إنسان صوم يوم الشك فيصومه فلا يكره؛ لأن صومه في هاتين الحالتين واجب (٣) . (و) كره أيضاً صوم يوم (النَّيروز والِمهْرَجان). قال في " الإنصاف ": وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وهو من مفردات المذهب. انتهى. واختار المجد عدم كراهة صومهما، لأن الكفار لا يعظمونهما بالصوم، (و) كذا يكره صوم (كل عيد لكفار، أو يوم يُفردونه بتعظيم). قال ذلك الموفق والمجد، قياساً على يوم النيروز والمهرجان. (و) كره أيضاً (تقدم) صوم (رمضان بيوم أو يومين) لا بأكثر، لحديث أبي هريرة المتقدم (٤) . (و) كره أيضاً (وصال) وهو: أن لا يفطر بين اليومين، (إلا من النبي ﷺ ، لما روى ابن عمر قال: " واصل رسول الله ﷺ في رمضان فواصل الناس. فنهى رسول الله ﷺ عن الوصال. فقالوا: إنك تواصل. قال: إنى لستُ مثلكم، إني أطعم وأسقى " (٥) . متفق عليه. ولا يحرم " لأن النهي وقع رفقا ورحمة. ولهذا واصل رسول الله ﷺ بهم وواصلوا بعده. وقيل: يحرم. وحكاه ابن عبدالبر عن الأئمة الثلاثة.

стр. 1466

قال أحمد: لا يعجبني. وأومأ أيضا إلى إباحته لمن يطيقه. فنقل حنبل: أنه واصل بالعسكر ثمانية أيام، ما راه طعم فيها ولا شرب، حتى كلمه في ذلك فشرب سويقا. قال أبو بكر: يحتمل أنه فعله حيث لا يراه، لأنه لا يخالف النبي ﷺ . قال في " الفروع ": كذا قال. (لا إلى السَّحر) يعني: أنه لا يكره الوصال إلى وقت السحر. نص عليه، وقاله إسحاق، لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: " فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر " (١) . رواه البخاري. (وتركه) أي: ترك الوصال إلى السحر (أولى) من فعله، لتأخير الفطر. (ولا يصح صوم أيام التشريق) نفلا، وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لما روى مسلم عن كعب بن مالك: " أن النبي ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق. فناديا: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن. وأيام منى أيام أكل وشرب " (٢) . (إلا عن دم مُتعة أو قران) على الأصح، لقول ابن عمر وعائشة: "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ، إلا لمن لم (٣) يجد الهدي " (٤) . رواه البخاري. (ولا) يصح صوم (يوم عيد مطلقا) أي: لا تطوعا ولا عن فرض. (ويحرم) صومه؛ لما روى أبو هريرة: " أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى (٥) " (٦) . متفق عليه. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه. والله أعلم.

стр. 1467

] فصل: فيمن أفسد تطوعا] (فصل. ومن دخل في تطوع) صوم أو غيره (غير حج أو عمرة: لم يجب) عليه (إتمامه)؛ لما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت: " دخل عليَّ رسول الله ﷺ يوماً فقال: هل عندكم من شيء؟ فقلت: لا. قال: إنى صائم، ثم مر بعد ذلك اليوم وقد أهدي إليَّ حَيس. فخبأت له منه. وكان يحب الحيس قلت: يا رسول الله! إنه أهدي إلي (١) حيس فخبأت لك منه. قال: أدنيه. أما إني قد أصبحت وأنا صائم. فأكل منه. ثم قال: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها " (٢) . هذا لفظ رواية النسائي. (ويُسن) له إتمامه؛ للخروج من الخلاف. (وإن فسد) ما دخل فيه تطوعا غير حج أو عمرة (فلا قضاء) عليه. ويسن قضاؤه؛ للخروج من الخلاف. ولم يلزم. نص عليه. وأما كون تطوع الحج والعمرة يجب إتمامه بخلاف سائر التطوعات؛ فلتأكد إحرامهما لظاهر آية الإحصار. ولأنه لا يخرج منهما بإفسادهما. ولو اعتقد أنهما واجبان ولم يكونا واجبين: لم يكن له الخروج منهما.

стр. 1468

(ويجب إتمام فرض مطلقاً) أي: سواء كان مفروضاً بأصل الشرع، أو فرضه على نفسه بنذره (ولو) كان وقته (موسعا؛ كصلاة، وقضاء رمضان، ونذر مطلق، وكفارة)؛ لأن المتعين، كشهر رمضان، ونذر صوم شهر رجب مثلا يجب صومه كاملاً. وغير المتدين؛ كنذر صوم شهر يتعين (١) بدخوله فيه فصار بمنزلة المتعين؛ لأن الخروج من عهدة الواجب متعين ودخلت التوسعة في ذمته؛ رفقا ومظنه للحاجة. فإذا شرع فيه تعينت المصلحة في إتمامه. وإنما جاز للصائم في السفر الفطر؛ لقيام المبيح. وهو السفر؛ كالمرض. (وإن بطل) لوجود مبطل (فلا مزيد) يعني: فلا يلزمه أكثر مما كان عليه قبل شروعه فيه، (ولا كفارة) مطلقاً. وقيل: يكفر إن افسد قضاء رمضان. (ويجب قطع) أي: أن يقطع الصوم الواجب وغيره من العبادات الواجبات (لرد معصوم عن مَهلكة، وإنقاذ غريق، ونحوه)؛ كالذي تحت هدم، ومن سقط في نار، أو وطئت عليه بهيمة وإن بقيت قتلته ونحو ذلك. (وإذا دعاه النبي ﷺ ولو كان في صلاة فإنه يجيبه؛ لقوله : (ياأيهاالذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم)] الأنفال: ٢٤]. (وله) أي. ولمن دخل في واجب (قطعُه لهرب غريم، وقلبه نفلاً). وتقدم الكلام على ذلك.

стр. 1469

] فصل: في أفضل الأيام] (فصل. أفضل الأيام) يوم (الجمعة). قال في " الفروع ": قال شيخنا: هو أفضل أيام الأسبوع إجماعاً. وقال: يوم النحر أفضل أيام العام. وكذا ذكر جده صاحب " المحرر " في صلاة العيد من "شرحه منتهى الغاية ": أن يوم النحر أفضل. وظاهر ما ذكره أبو حكيم: أن يوم عرفة أفضل، وهذا أظهر، وقاله أكثر الشافعية، وبعضهم: يوم الجمعة. وظهر مما سبق: أن هذه الأيام أفضل من غيرها، ويتوجه على اختيار شيخنا بعد يوم النحر يوم القرّ الذي يليه؛ لأنه احتج بقوله ﷺ : " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ " (١) . انتهى. (و) أفضل (الليالي: ليلة القدر). قال في " الفروع ": وليلة القدر أفضل الليالي (٢) ، وهي أفضل من ليلة الجمعة؛ للآية. وذكر الخطابي إجماعاً. وذكر ابن عقيل روايتين: إحداهما: هذا. والثانية: ليلة الجمعة أفضل. وعلله بأنها تتكرر، وبأنها تابعة لما هو أفضل الأيام وهو يوم الجمعة. قال صاحب " المحرر ": وهي اختيار ابن بطة وأبي (٣) الحسن الجزري وأبي حفص البرمكي. واحتجوا بأن الليلة تابعة ليومها، وفيه ما لم يذكر في فضل يوم ليلة القدر، ولبقاء فضلها في الجنة؛ لـ " أن في قدر يومها تقع الزيارة

стр. 1470

إلى الحق سبحانه "؛ كما رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة (١) . وإسناده حسن. انتهى. وليلة القدر ليلة معظمة. قال في " المستوعب " وغيره: والدعاء فيها مستجاب. قال مجاهد والمفسرون في قوله: (خير من ألف شهر)] القدر: ٣ [أي: قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها. وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (٢) . وسميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة؛ لقوله سبحانه وتعا لى: (إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إناكنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم)] الدخان:٣ - ٤ [ فإن المراد بذلك: ليلة القدر عند ابن عباس. قال ابن الجوزي: وعليه المفسرون؛] لقوله: (إنا أنزلناه فى ليلة القدر) ] القدر: ١ [[ (٣) . وما روي أنها ليلة النصف من شعبان فضعيف. وقيل: سميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها عند الله. وقيل: القدر بمعنى الضيق؛ لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها. فروى أحمد عن] أبي هريرة [ (٤) مرفوعاً:" إن الملائكة تلك الليلة أكثر من عدد الحصى" (٥) .

стр. 1471

قال في " الفروع ": ولم ترفع، وفاقاً للأئمة الثلاثة (١) للأخبار بطلبها وقيامها. وعن بعض العلماء: رفعت، وحكي رواية عن أبي حنيفة. (وتُطلب فى العشر الأخير من رمضان). قال في " الفروع ": وهي مختصة بالعشر الأخيرة منه، عند أحمد وأكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، وفاقا لمالك والشافعي. (وأوتاره) أي: أوتار العشر الأخير من رمضان، وهي ليلة (٢) الحادية والعشر ون، والثالثة والعشرون، والخامسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والتاسعة والعشرون: (آكد) من غير أوتاره. (وأرجاها) اي: أرجى ليالي الأوتار (سابعتُه) أي: سابعة العشر. نص على ذلك. (وسن كون من دعائه فيها) ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: " يا رسول الله! إن وافقتها فبم ادعو؟ قال قولي: (اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (٣) . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. قال أبي بن كعب عن النبي ﷺ : " إن الشمس تطلعُ من صبيحَتها (٤) بيضاء لاشعاع لها" (٥) . وفي بعض الأحاديث: " بيضاء مثل الطَّست " (٦) .

стр. 1472

وروي أيضاً عن النبي ﷺ : " إن أمارة ليله القدر أنها ليلة صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً. ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح. وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس فيها شعاع مثل القمر ليلة البدر. لا يحلُّ للشيطان (١) أن يخرج معها يومئذ " (٢) . والله أعلم.

стр. 1473

[كتاب الاعتكاف] هذا (كتاب الاعتكاف) لغة: لزوم الشيء، ومنه: (يعكفون على أصنام لهم) [الأعراف: ١٣٨]. يقال: عكَف بفتح الكاف يعكف بضمها وكسرها، قراءتان، شرعا: (لزوم مسلم لا غُسل عليه، عاقل ولو) كان صغيراً (مميزاً. مسجداً) مفعول للزوم (ولو) كان وقت اللزوم (ساعة) من ليل أو نهار، (لطاعة) متعلق بلزوم (على صفة مخصوصة). قال ابن هبيرة: وهذا الاعتكاف لا يحل أن يسمى خلوة، ولم يزد على هذا. قال في " الفروع ": ولعل الكراهة أولى، ويسمى جِواراً؛ لقول عائشة عنه ﷺ : " وهو مُجاورٌ في المسجد " (١). متفق عليه. و" فيهما " من حديث أبي سعيد قال: " كنت أجاور هذا العشر- يعني: الأوسط - ثم قد بدا لي أن أجاور هذا العشر الأواخر. فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه" (٢). (ولا يبطل) الاعتكاف (بإغماء)، كما لا يبطل بنوم. بجامع التكليف (٣). (وسن) الاعتكاف (كل وقت) إجماعا؛ " لأن النبي ﷺ فعله وداوم عليه " (٤): تقرباً إلى الله تعالى.

стр. 1474

و" اعتكف أزواجه بعده ومعه " (١) . (و) هو (فى رمضان آكد)، لفعل النبي ﷺ . (وآكدُه) أي: آكد رمضان (عشره الأخير) إجماعاً. قال في " الفروع ": ولم يفرق الأصحاب بين الثغر وغيره، وهو واضح. ونقل أبو طالب: لا يعتكف بالثغر " لئلا يشغله نفير. (ويجب) الاعتكاف (بنذر)، لقول النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (٢) . وعن عمر أنه قال: " يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي ﷺ : أوف بنذرك " (٣) . رواهما البخاري. (وإن علق) الاعتكاف (أو غيره) من العبادات المنذورة (بشرط)، كمن نذر أن يعتكف قارئاً أو نحوه (تقيد به) أي: بالشرط. (ويصح) الاعتكاف (بلا صوم) على الأصح، لما روي عن عمر أنه قال: " يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة بالمسجد الحرام. فقال النبي ﷺ : أوف نذرك (٤) " (٥) . رواه البخاري.

стр. 1475

ولو كان الصوم شرطاً لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه. ولأنه عبادة تصح في الليل. فلم يشترط له الصيام؛ كالصلاة وسائر العبادات. ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع ولم يصح فيه نص ولا إجماع. وما روي عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا اعتكاف (١) إلا بصوم " (٢) : فموقوف عليها، ومن رفعه فقد وهم. ثم لو صح فالمراد به الاستحباب فإن الصوم فيه أفضل. ولأن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص. فلم يشترط له الصوم؛ كالوقوف. (لا بلا نية) يعني: أنه لا يصح الاعتكاف الشرعي بلا نية، وفافا للأئمة الثلاثة؛ لأنه عبادة محضة. أشبه الصوم. فلا يصح من كافر ولامجنون ولاطفل، كما لا تصح صلاتهم ولا صومهم. (ويجب أن يعين نذر بها) أي: بالنية؛ ليتميز المنذور عن التطوع. (ومن نوى خروجه منه) اي: من الاعتكاف (بطل) في الأصح؛ لأنه يخرج منه بالفساد؛ كالصلاة. وكما لو قطع نية الصوم. (ومن نذر أن يعتكف صائماً، أو) نذر أن يعتكف (بصوم، أو) نذر أن (يصوم معتكفاً، أو) نذر أن يصوم (باعتكاف، أو) نذر أن (يعتكف مصلياً، أو) نذر أن (يصلي معتكفا، لزمه الجمع) بين الاعتكاف والصيام، أو بين الاعتكاف والصلاة في الأصح؛ لقول النبي: " ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه " (٣) . والاستثناء من النفي إثبات، والمنفي الصوم حالة الاعتكاف. فيجب أن يكون هو المثبت بالاستثناء. ويقاس على الصوم الصلاة.
следующие страницы →