← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

قال في " الفروع ": ولم ترفع، وفاقاً للأئمة الثلاثة (١) للأخبار بطلبها وقيامها. وعن بعض العلماء: رفعت، وحكي رواية عن أبي حنيفة. (وتُطلب فى العشر الأخير من رمضان). قال في " الفروع ": وهي مختصة بالعشر الأخيرة منه، عند أحمد وأكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، وفاقا لمالك والشافعي. (وأوتاره) أي: أوتار العشر الأخير من رمضان، وهي ليلة (٢) الحادية والعشر ون، والثالثة والعشرون، والخامسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والتاسعة والعشرون: (آكد) من غير أوتاره. (وأرجاها) اي: أرجى ليالي الأوتار (سابعتُه) أي: سابعة العشر. نص على ذلك. (وسن كون من دعائه فيها) ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: " يا رسول الله! إن وافقتها فبم ادعو؟ قال قولي: (اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (٣) . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي. قال أبي بن كعب عن النبي ﷺ : " إن الشمس تطلعُ من صبيحَتها (٤) بيضاء لاشعاع لها" (٥) . وفي بعض الأحاديث: " بيضاء مثل الطَّست " (٦) .

стр. 1472

وروي أيضاً عن النبي ﷺ : " إن أمارة ليله القدر أنها ليلة صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً. ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح. وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس فيها شعاع مثل القمر ليلة البدر. لا يحلُّ للشيطان (١) أن يخرج معها يومئذ " (٢) . والله أعلم.

стр. 1473

[كتاب الاعتكاف] هذا (كتاب الاعتكاف) لغة: لزوم الشيء، ومنه: (يعكفون على أصنام لهم) [الأعراف: ١٣٨]. يقال: عكَف بفتح الكاف يعكف بضمها وكسرها، قراءتان، شرعا: (لزوم مسلم لا غُسل عليه، عاقل ولو) كان صغيراً (مميزاً. مسجداً) مفعول للزوم (ولو) كان وقت اللزوم (ساعة) من ليل أو نهار، (لطاعة) متعلق بلزوم (على صفة مخصوصة). قال ابن هبيرة: وهذا الاعتكاف لا يحل أن يسمى خلوة، ولم يزد على هذا. قال في " الفروع ": ولعل الكراهة أولى، ويسمى جِواراً؛ لقول عائشة عنه ﷺ : " وهو مُجاورٌ في المسجد " (١). متفق عليه. و" فيهما " من حديث أبي سعيد قال: " كنت أجاور هذا العشر- يعني: الأوسط - ثم قد بدا لي أن أجاور هذا العشر الأواخر. فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه" (٢). (ولا يبطل) الاعتكاف (بإغماء)، كما لا يبطل بنوم. بجامع التكليف (٣). (وسن) الاعتكاف (كل وقت) إجماعا؛ " لأن النبي ﷺ فعله وداوم عليه " (٤): تقرباً إلى الله تعالى.

стр. 1474

و" اعتكف أزواجه بعده ومعه " (١) . (و) هو (فى رمضان آكد)، لفعل النبي ﷺ . (وآكدُه) أي: آكد رمضان (عشره الأخير) إجماعاً. قال في " الفروع ": ولم يفرق الأصحاب بين الثغر وغيره، وهو واضح. ونقل أبو طالب: لا يعتكف بالثغر " لئلا يشغله نفير. (ويجب) الاعتكاف (بنذر)، لقول النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (٢) . وعن عمر أنه قال: " يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي ﷺ : أوف بنذرك " (٣) . رواهما البخاري. (وإن علق) الاعتكاف (أو غيره) من العبادات المنذورة (بشرط)، كمن نذر أن يعتكف قارئاً أو نحوه (تقيد به) أي: بالشرط. (ويصح) الاعتكاف (بلا صوم) على الأصح، لما روي عن عمر أنه قال: " يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة بالمسجد الحرام. فقال النبي ﷺ : أوف نذرك (٤) " (٥) . رواه البخاري.

стр. 1475

ولو كان الصوم شرطاً لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه. ولأنه عبادة تصح في الليل. فلم يشترط له الصيام؛ كالصلاة وسائر العبادات. ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع ولم يصح فيه نص ولا إجماع. وما روي عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا اعتكاف (١) إلا بصوم " (٢) : فموقوف عليها، ومن رفعه فقد وهم. ثم لو صح فالمراد به الاستحباب فإن الصوم فيه أفضل. ولأن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص. فلم يشترط له الصوم؛ كالوقوف. (لا بلا نية) يعني: أنه لا يصح الاعتكاف الشرعي بلا نية، وفافا للأئمة الثلاثة؛ لأنه عبادة محضة. أشبه الصوم. فلا يصح من كافر ولامجنون ولاطفل، كما لا تصح صلاتهم ولا صومهم. (ويجب أن يعين نذر بها) أي: بالنية؛ ليتميز المنذور عن التطوع. (ومن نوى خروجه منه) اي: من الاعتكاف (بطل) في الأصح؛ لأنه يخرج منه بالفساد؛ كالصلاة. وكما لو قطع نية الصوم. (ومن نذر أن يعتكف صائماً، أو) نذر أن يعتكف (بصوم، أو) نذر أن (يصوم معتكفاً، أو) نذر أن يصوم (باعتكاف، أو) نذر أن (يعتكف مصلياً، أو) نذر أن (يصلي معتكفا، لزمه الجمع) بين الاعتكاف والصيام، أو بين الاعتكاف والصلاة في الأصح؛ لقول النبي: " ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه " (٣) . والاستثناء من النفي إثبات، والمنفي الصوم حالة الاعتكاف. فيجب أن يكون هو المثبت بالاستثناء. ويقاس على الصوم الصلاة.

стр. 1476

ولأن كلاَّ من الصوم والصلاة صفة مقصودة في الاعتكاف. فلزمت بالنذر " كالتتابع، وكنذر القيام في صلاة النافلة، و (كنذر صلاة بسورة معينة) من القرآن. (ولا يجوز لزوجة وقنٍّ اعتكاف) أي: أن تعتكف الزوجة (بلا إذن زوج، و) لا أن يعتكف القن بلا إذن (سيد)، وذلك لأن منافعهما مملوكة لغيرهما. والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفاءها، وليس بواجب بالشرع. فكان لكل من الزوج والسيد المنع منه (١) . (ولهما) أي: للزوج والسيد (تحليلهما) اي: تحليل الزوجة والقن (مما شرعا فيه) من اعتكاف منذور (بلا إذن) من زوج أو سيد، وفاقا للأئمة الثلاثة، لحديث أبي هريرة: " لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير رمضان إلا بإذنه " (٢) . رواه الخمسة وحسنة الترمذي. وضرر. الاعتكاف أعظم (٣) ؛ لأن إقامتهما على ذلك يتضمن تفويت حق غيرهما بغير إذن. فكان لصاحب الحق المنع منه؛ كرب الحق مع غاصبه. (أو) كاد شروعهما فيه (به) أي: بإذن الزوج أو السيد (وهو) أي: ما شرعا فيه (تطوع)؛ " لأنه ﷺ أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف، ثم منعهن منه بعد أن دخلن " (٤) .

стр. 1477

ولأن حق الزوج والسيد واجب، والتطوع لا يلزم بالشروع. ولأن لهما المنع منه ابتداء. فكان لهما المنع دواما؛ كالعارية. ويخالف الحج فإنه يلزم بالشروع فيه، ويجب المضي في فاسده. (ولمكاتب اعتكاف بلا إذن). نص عليه؛ لملكه منافع نفسه؛ كحر مدين. بخلاف أم الولد والمدبر. (و) له أيضا (حج) بلا إذن. نص عليه؛ كالاعتكاف، وأولى؛ لإمكان التكسب معه. ولا يمنع من إنفاقه للمال فيه؛ كالاعتكاف، وكتركه التكسب مدة، وينفق فيها عليه مما قد (١) جمعه. (ما لم يحل) عليه (نجم) من نجوم الكتابة. ونقل الميمونى: له الحج من المال الذي قدجمعه مالم يأت نجمه (٢) . قال في " الفروع ": وحمله القاضي وابن عقيل والشيخ على إذنه له. ويجوز بإذنه، أطلقه جماعة وقالوا: نص عليه. ولعل المراد: ما لم يحل نجم، وصرح به بعضهم. وعنه: المنع مطلقاً. انتهى. (ومبعض) أي: ومن بعضه حر (كلقن) أي: كمن كله رقيق فيما تقدم من حكم الرقيق في الاعتكاف. (إلا مع مهايأة) بينه وبين مالك بعضه، واعتكف أو حج (في نوبته) بلا إذن مالك بعضه، (فـ) إنه في زمن نوبته (كحر)؛ لأن أكسابه ومنافعه له في نوبته.

стр. 1478

] فصل: في مكان الاعتكاف] (فصل. ولا يصح) الاعتكاف (ممن تلزمه الجماعة، إلا بمسجد تقام فيه) الجماعة (ولو من) رجلين (معتكفين) فيه. أما كون الاعتكاف لا يصح إلا بمسجد؛ فباتفاق الأئمة، وذلك لقول الله : (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد)] البقرة: ١٨٧]. فخص المساجد بذلك، ولو صح الاعتكاف في غير المساجد لم يختص بتحريم المباشرة فيها. فإن المباشرة محرمه في الاعتكاف مطلقاً. وإنما اختص الاعتكاف بالمسجد؛ لأن الإقامة فيه عون على ما يراد من العبادات، إذ هو مبني لها. وأما كون من تلزمه الجماعة لا يصح منه الاعتكاف إلا بمسجد تقام فيه؛ لأنه إذا اعتكف بمسجد لا تقام فيه الجماعة أفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبه، وإما أن يخرج إليها فيتكرر ذلك منه كثيرا مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف، إذ هو لزوم الإقامة على طاعة الله . ومحل ذلك: (إن أتى عليه) أي: على المعتكف زمن اعتكافه (فعل صلاة)؛ لأن من اعتكف بمسجد لا تقام فيه الجماعة زمناً لا يلزمه فيه فعل صلاة جماعة لا يكون تاركا للجماعة؛ لأن الممنوع منه ترك الجماعة وهذا غير تارك لها. (وإلا) أي: وإن لم يكن المعتكف ممن تلزمه الجماعة، كالعبد والمريض وكل معذور: س (صح) اعتكافه (بكل مسجد، كـ) الاعتكاف (من أنثى) فإن اعتكافها يصح بكل مسجد " للآية. إلا مسجد بيتها. وروى عن أحمد ما يدل على أنه لا يجوز اعتكافها إلا في مسجد تقام فيه الجماعة. ومسجد بيتها هو الموضع الذي تتخذه لصلاتها في بيتها.

стр. 1479

وقال أبو حنيفة: يجوز اعتكافها في مسجد بيتها] وهو الأفضل؛ لأن المرأة عورة. فيجب صونها عن مجامع الرجال. ولنا: أن مسجد بيتها [ (١) ليس بمسجد حقيقة ولا حكما. بدليل جواز لبثها فيه حائضا وجنبا، وأنه لا يجب صونه عن النجاسات. ولأن المسجد ما بني لذكر الله (٢) وللصلاة، وهذا بني لمصالح الدنيا. فعلم أن تسميته مسجدا مجاز. ولأنه موضع لا يصح اعتكاف الرجل فيه بحال فكذا المرأة. أشبه المكان الذي لم (٣) تتخذه لصلاتها. (ومنه) أي: ومن المسجد (ظهره) أي: سطحه؛ لعموم قوله . (وأنتم عاكفون فى المساجد)] البقرة: ١٨٧ [. وسطحه بقعة منه. فأشبه سائره. (و) منه أيضاً: (رحبته المحوطة). وفيها روايتان مطلقتان. وقال القاضي أبو يعلى: إن كان عليها حائط وباب؛ كرحبة جاءح المهدي بالرصافة فهي كالمسجد؛ لأنها معه وتابعة له، وإن لم تكن محوطة؛ كرحبة جامع المنصور لم يثبت لها حكم المسجد. فكأنه جمع بين الروايتين عن أحمد، وحملهما على اختلاف الحالتين. وقد نقل عن أحمد ما يدل على صحة هذا التأويل. فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه: إذا سمع أذان العصر في رحبة مسجد الجامع انصرف ولم يصل، ليس هو بمنزلة المسجد، حد المسجد هو الذي جعل عليه حائط وباب. (و) من المسجد أيضاً (منارتُه التي هي). فيه (أو بابُها به) أي: بالمسجد (٤) .

стр. 1480

قال في " الفروع ": والمنارة التي للمسجد إن كانت فيه أو بابها فيه فهي منه. بدليل منع جنب. والأشهر عن مالك: يكره، وقاله الليث. وإن كان بابها خارجاً منه (١) بحيث لا يستطرق إليها إلا خارج المسجد، أو كانت خارج المسجد. والمراد والله أعلم وهي قريبة منه، كما جزم به بعضهم فخرج للأذان بطل اعتكافه؛ لأنه مشى حيث يمشي جنب لأمر منه بد؛ كخروجه إليها لغير الأذان. وقيل: لا يبطل. انتهى. (و) من المسجد أيضاً (ما زيد فيه) أي: في المسجد (حتى في الثواب في المسجد الحرام، وعند جمع) من الأصحاب منهم الشيخ تقي الدين وابن رجب وحكي عن السلف. قال ابن رجب في " شرح البخاري ": وقد قيل إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة، وإنما خالف بعض المتأخرين من أصحابنا، منهم ابن الجوزي وابن عقيل. (ومسجد المدينة أيضاً) يعني: أنه يكون منه ما زيد فيه حتى في الثواب. وخالف في ذلك جمع، منهم ابن عقيل وابن الجوزي. قال في " الفروع ": وهو ظاهر كلام أصحابنا وتوقف أحمد. وقال ابن مفلح في " الآداب الكبرى ": هذه المضاعفة تختص المسجد غير الزيادة على ظاهر الخبر، وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم. (والأفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعة جامع) يعني: أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة. وكل مسجد تقام فيه الجمعة فهو جامع. ولا يلزمه أن يعتكف في جامع في الأصح، لأن الخروج إلى الجمعة خروج لما لا بد منه. فأشبه الخروج لحاجة الإنسان، وخروج المرأة لعدة الوفاة.

стр. 1481

ولأنه لما نذر أياماً فيها جمعة. فكأنه استثنى الجمعة حيث لم تلزمه في الجامع، لا سيما والخروج للجمعة معتاد. (ويتعين) الاعتكاف في الجامع (إن عين بنذر) بأن يقول: لله علي أن أعتكف الزمن الفلانى في الجامع. فلا يجزئه الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجمعة ولو لم يتخلل اعتكافه جمعة؛ لأنه ترك لبثا مستحقا التزمه بنذره. (ولمن لا جمعة عليه)؛ كالعبد والمرأة (أن يعتكف بغيره) أي: بغير الجامع. (ويبطل) اعتكافه (بخروجه إليها) اي: إلى الجمعة؛ لأن له بدا من ذلك (إن لم يشترطه) أي: إن (١) لم يشترط خروجه إلى الجمعة؛ كعيادة المريض. (ومن عين) بنذره لاعتكافه أو لصلاته (٢) (مسجدا غير) المساجد (الثلاثة) وهي: المسجد الحرام، ومسجد المدينه، والمسجد الأقصى: (لم يتعين)؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثه مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " (٣) . متفق عليه. ولمسلم في رواية: " إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد " (٤) . فلو تعين غيرها بتعيينه لزمه المضي إليه، واحتاج إلى شد الرحل؛ لقضاء نذره. وذلك خلاف النص. قال في " الفروع ": كذا ذكره الأصحاب، وهو صحيح فيما إذا احتاج إلى ذلك، وخالف فيه الليث. ويتوجه إلى مسجد قباء، وفاقا لمحمد بن مسلمة المالكي؛ لقول ابن عمر:

стр. 1482

" كان رسول الله ﷺ يزور قباء راكبا وماشيا " (١) . وفي رواية: " كان يأتى قباء كل سبت، كان يأتيه راكبا وماشيا، ويصلي فيه ركعتين. وكان ابن عمر يفعله " (٢) . متفق عليه. وللنسائي وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف: " أن من خرج حتى يأتيه فيصلي فيه، كان له عدل عمرة " (٣) . وعن أسيد بن ظهير مرفوعاً: " الصلاة في مسجد قباء كعمرة " (٤) . رواه الترمذي وقال: غريب. ولا نعرف لأسيد شيئا يصح غير هذا. وفيه تخصيص بعض الأيام بالزيارة. وكرهه محمد بن مسلمة المالكي. أما ما لم يحتج إلى شد رحل فمفهوم كلامه في " المغني " يلزم فيه، وهو ظاهر " الانتصار" إنه قال: القياس لزومه، تركناه؛ لقو له: " لا تشد الرحال " (٥) . وذكر أبو الحسين احتمالا في تعيين المسجد العتيق للصلاة. وذكر صاحب " المحرر ": أن القاضي ذكر تعيينه لها. قال صاحب " المحرر ": لأنه أفضل، قال: ونذر الاعتكاف مثله. وأطلق شيخنا وجهين في تعيين ما امتاز بمزية شرعية؛ كقِدمٍ وكثرةِ جمع، واختار في موضع آخر: يتعين. وصرح المالكية بهذا في المسجد القريب، وقطع به ابن الجلاب منهم،

стр. 1483

ورواه محمد بن الموّاز في " الموّازيّة " عن مالك. وذكر بعض الشافعية وجها وبعضهم قولا في تعيين المساجد للاعتكاف. واحتجوا لعدم التعيين، بأنه لا مزية لبعض المساجد على بعض بمزية أصلية، وهذا يبطل بقباء. ثم هي طاعة فتدخل في الخبر، ثم ما الفرق؟. واحتج الأصحاب بأن الله لم يعين لعبادته مكانا، ويبطل ببقاع الحج. انتهى. لكن قد يقال: إن الكلام في غير بقاع (١) الحج. والله أعلم. وحيث تقرر: أنه لا يتعين غير المساجد الثلاثة، وأراد الناذر الاعتكاف في المسجد الذي عينه. فإن كان قريبا كان اعتكافه فيه أفضل من غيره، وإن كان بعيدا يحتاج إلى شد رحل فقال في " الفروع ": خير عند القاضي وغيره، وجزم بعضهم بإباحته، واختاره الشيخ في القصير، واحتج بخبر قباء، وحمل النهي على أنه لا فضيلة فيه، وقاله أكثر الشافعية، وحكاه في " شرح مسلم " عن جمهور العلماء، ولم يجوزه ابن عقيل وشيخنا، وفاقا لمالك وبعض اصحابه. انتهى. (وأفضلها) أي: أفضل المساجد الثلاثة المسجد (٢) (الحرام) وهو: مسجد مكة. (ف) يليه في الفضل (مسجد المدينة. ف) يليه المسجد (الأقصى) وهو: مسجد بيت المقدس. ودليل الوصف ما روى أبو هريره قال: قال رسول الله ﷺ :"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام " (٣) . رواه الجماعة إلا أبا داود.

стр. 1484

ولأحمد وأبي داود من حديث جابر بن عبدالله مثله وزاد: " وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف (١) صلاة فيما سواه " (٢) . قال ابن عبد البر: هو أحسن حديث روي في ذلك. ولأحمد من] حديث عبدالله بن الزبير مثل [ (٣) حديث أبي هريرة، وزاد: " وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا " (٤) . وأما كون مسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى لم يفرض إتيانهما شرعا بخلاف المسجد الحرام لم يمنع وجوب (٥) الاعتكاف والصلاة فيهما بالنذر " لأن النذر موجب لما لم يكن واجبا بأصل الشرع، وإلحاق غير الثلاثة بها ممتنع لثبوت فضلها على غيرها بالنص. إذا تقرر هذا: (فمن نذر اعتكافاً أو صلاة في أحدهما) أي: أحد المساجد الثلاثة (لم يجزئه غيره) أي: أن يفعل ما نذره (٦) في غير ما عينه. (إلا) أن يكون ما فعله فيه (أفضل منه) أي: من الذي عينه فيجزئه. ويدل لذلك ما روى جابر " أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. فقال: صلي هاهنا. فسأله فقال: شأنك إذاً " (٧) . رواه احمد وأبو داود. وروي أيضاً هذا الخبر بإسنادهما عن بعض أصحاب النبي وزاد: فقال النبي ﷺ : " والذي بعث محمداً بالحق لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس " (٨) .

стр. 1485

(ومن نذر) اعتكافا أو نحوه (زمناً معيناً)؛ كعشر ذي الحجة مثلا (شرع) فيما نذره (قبل دخوله) اي: دخول ذلك الزمن المعين. فمن نذر أن يعتكف شهراً لزمه أن يشرع في الاعتكاف قبل دخول ليلة (١) أول يوم منه؛ لأن أوله غروب الشمس. بدليل حل الديون المعلقة به، ووقوع الطلاق، والعتاق، والمعلقات (٢) به. فوجب أن يدخل قبل الغروب؛ ليستوفي جمع الشهر. (وتأخر) بخروجه من نذره (حتى ينقضى) بأن تغرب شمس آخر يوم منه. نص على ذلك، كما لو نذر اعتكاف يومه. فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره، ولا يخرج إلا بعد غروب شمسه. ومن أراد أن يعتكف عشراً معينا؛ كالعشر الأخير من رمضان تطوعاً أو بنذر: دخل قبل ليلته الأولى على الأصح. نص عليه، " لرؤياه ﷺ ] ليلة القدر [ (٣) ، ليلة إحدى وعشرين " (٤) في حديث أبي سعيد. وحض أصحابه رضي الله تعالى عنهم على اعتكاف العشر. وليلته الأولى كغيرها. والعشر عدد مؤنث. (وتابع) وجوبا من نذر اعتكاف زمن معين (ولو أطلق) بأن لم ينو التتابع؛ لفهم التتابع من التعيين. (ومن نذر) أن يعتكف (عدداً) من أيام غير معينة: (فله) أي: للناذر (تفريقُه) أي: تفريق العدد] في الأصح، لأن اللفظ يقتضي ما تناوله، والأيام

стр. 1486

المطلقة توجد بدون التتابع. فلا يلزمه " كما لو نذر صوم تلاثين يوما. (ما لم ينو) في العدد [ (١) (تتابُعاً). فيجب " كما لو نذر شهراً مطلقاً. (ولا تدخل ليلة يوم نذر) اعتكافه، كما لو نذر اعتكاف يوم الخميس. فإنه لا تدخل ليلته " لأن الليلة ليست من اليوم. قال الخليل: اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. (كيوم ليلة) يعني: كما انه إذا نذر اعتكاف ليلة لا يدخل يومها، لأن اليوم ليس من الليلة " لأن الليلة اسم لما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثانى. (ومن نذر) أن يعتكف (يوماً لم يجز تفريقه بساعات من أيام)، وفاقا لأبي حنيفة ومالك " لأنه يفهم منه التتابع " كقوله: متتابعا. ومن قال في أثناء نهار: لله علي أن أعتكف يوماً من وقتي هذا، لزمه من ذلك الوقت إلى مثله " لتعيينه ذلك بنذره. (ومن نذر) أن يعتكف (شهراً مطلقا) أي: ولم يعين كونه رمضان أو غيره (تابع) وجوبا في الأصح " لأن الاعتكاف معنى يحصل في الليل والنهار. فإذا أطلقه اقتضى التتابع " كما لو حلف لا يكلم زيداً شهراً، وكمدة الإيلاء والعنة. (ومن نذر) أن يعتكف (يومين) فأكثر، كثلاثة أيام وأربعة أيام، أو أكثر من ذلك متتابعاً، (أو) نذر أن يعتكف (ليلتين فأكثر)، كعشر ليال أو أكثر (متتابعة: لزمه ما بين ذلك) أي: ما بين الأيام (من ليل) إن كان النذر أياما، (أو) ما بين الليالي من (نهار) إن كان المنذور ليالي " لأن اليوم: اسم لبياض النهار، والليلة: اسم لسواد الليل، والتثنية والجمع تكرار الواحد. وإنما يدخل ما بين ذلك تبعا، لوجوب التتابع.

стр. 1487

] فصل: في حكم خروج المعتكف] (فصل. يحرم خروج مَن) أي (١) معتكف (لزمه تتابع) من معتكفه، حال كونه (مختاراً ذاكراً) لاعتكافه، (إلا لما لا بد منه؛ كإتيانه بمأكل ومشرب لعدم) أي: لعدم من يأتيه به. نص عليه، وفاقا لأبي حنيفة والشافعي. (وقيء بغتة، وغسل متنجس يحتاجه. وكبول وغائط، وطهارة واجبة) ولو وضوءاً (٢) قبل دخول وقت الصلاة؛ لأنه لا بد من الوضوء للحدث، وكذا كل ما لا بد منه؛ لقول عائشة: " السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه " (٣) . رواه أبو داود. وقالت أيضا: " كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدنى إلي رأسه فأرجله. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان " (٤) . متفق عليه. ولأنه لو بطل الاعتكاف بالخروج لما لا بد منه لم يصح لأحد اعتكاف. والمراد بحاجة الإنسان: البول والغائط، كنت بذلك عنهما؛ لأن كل إنسان يحتاج إلى فعلهما. وقد علم من قوله في المتن: مختاراً ذاكراً: أنه لو خرج مكرها أو ناسيا لم يبطل اعتكافه. قال في " الإنصاف ": فائدة: لو خرج من المسجد ناسيا لم يبطل اعتكافه؛ كالصوم. ذكره القاضي في " المجرد "، وقدمه في " الفروع " و" الرعاية " و"القواعد الأصولية ".

стр. 1488

وذكر القاضي في "الخلاف " وابن عقيل في " الفصول ": يبطل " لمنافاته (١) الاعتكاف " كالجماع. وذكر المجد أحد الوجهين: لا ينقطع التتابع، ويبني؛ كمرض وحيض، واختاره. وذكره قياس المذهب. وجزم أيضا: أنه لا ينقطع تتابع (٢) المكره. (وله) للمعتكف إذا خرج لما لا بد منه (المشيُ على عادته، وقصد بيته إن لم يجد مكانا يليق به بلا ضرر ولا منة)؛ كسقاية لا يحتشم مثله منها ولا نقص عليه. قال في " الفر وع ": قالوا: ولا مخالفة (٣) لعادته. وفي هذا نظر، ويلزمه قصد أقوب منزليه؛ لدفع حاجته به. بخلاف من اعتكف في المسجد الأبعد منه؛ لعدم تعيين أحدهما قبل دخوله للاعتكاف. وإن بذل له صديقه أو غيره منزله القريب لقضاء حاحته لم يلزمه، للمشقة بئرك المروءة والاحتشام منه. انتهى. (و) للمعتكف وغيره (غسل يده بمسجد في إناء من وسخ وزفر ونحوهما)؛ كالقيام من نوم الليل ليفرغ خارج المسجد، لأنه لا ضرر على المصلين بذلك. ولا يجوز للمعتكف ان يخرج لذلك؛ لأن له منه بدا. (لا بول وفصد وحجامة) يعني: أنه لا يجوز للمعتكف ولا غيره أن يبول أو يفتصد أو يحتجم (بإناء فيه) أي: في المسجد، (أو في هوائه) أي: هواء المسجد؛ لأن المساجد لم تبن لهذا. فوجب صيانة المسجد عنه، كما لو أراد أن يفعل ذلك في أرض المسجد ثم يغسله. وإن دعت إلى الفصد أو الحجامة حاجة كبيرة خرج ففعله خارج المسجد. وإن استغنى عنه لم يكن له الخروج إليه، كالمرض الذي يمكن احتماله. (وكـ) خروجه إلى ما لا بد منه في الحكم خروجه إلى (٤) (جمعة وشهادة

стр. 1489

لزمتاه) أي: لزمه الخروج إليهما. أما الجمعة؛ فلأن الخروج إليها معتاد لا بد منه، وأوقات الاعتكاف التي تتخللها الجمعة لا تسلم منه. فصار الخروج إليها كالمستثنى. وأما خروجه إلى شهادة لزمته؛ فلوجوب خروجه بأصل الشرع؛ لعموم قوله : (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)] البقرة: ٢٨٢ [. فقدم على الاعتكاف الواجب بالنذر؛ كالجمعة، بل أولى؛ لأنه لحق آدمي. فيكون أقوى. (وكـ) ذا خروجه إلى (مريض وجنازة تعين خروجه إليهما). قال في " الفروع ": وإن تعينت صلاة جنازة خارج المسجد، أو دفن ميت، أو تغسيله؛ فكشهادة متعينة على ما سبق. وعلى قياس ذلك مريض تعين عليه تمريضه. (وله) أي: وللمعتكف في ابتداء اعتكافه (شرط الخروج إلى ما لا يلزمه) الخروج إليه (منهن) أي: من المسائل المتقدمة. (ومن كل قربة لم تتعين) عليه؛ كعيادة المريض، وشهود الجنائز، وتحمل الشهادات وأدائها، وتغسيل الموتى وغير ذلك. نص عليه، واختاره الأصحاب. (أو ما له منه بد) يعني: أن للمعتكف أن يشترط الخروج إلى ما له منه بد. (وليس بقربة؛ كعشاء، ومبيت بمنزله) على الأصح؛ لأنه يجب بعقده؛ كالوقف. ولأنه يصير كأنه نذر ما أقامه، ولتأكد الحاجة إليهما، وامتناع النيابة فيهما. وعنه: المنع لمنافاته الاعتكاف صورة ومعنى؛ كشرط ترك الإقامة بالمسجد، والنزهة والفرجة؛ لأنه زمن الخروج في حكم (١) المعتكف؛ لأنه لا يجوز أن يفعل فيه غير المشروط. وشرط ما فيه قربة يلائم الاعتكاف. بخلاف هذا. والوقف لا يصح فيه شرط ما ينافيه. فكذا الاعتكاف.

стр. 1490

(لا) شرط (الخروج إلى التجارة، أو التكسّب بالصنعة في المسجد، ونحوهما)؛ كالخروج لما شاء. بلا خلاف عن أحمد وأصحابه. قاله صاحب " المحرر ". وإن قال: متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت فله شرطه؛ كالشرط في الإحرام، وإفادته جواز التحلل إذا حدب عائق عن المضي. (وسن) للمعتكف (أن لا يبكر) لخروجه الجمعة، ولا يطيل المقام بعدها)؛ لأن الخروج إلى الجمعة مفسد للاعتكاف عند جماعة من العلماء. فكانت صيانة العبادة عنه أولى من فعل مستحب مجمع على أنه لا يجب. (وكما لا بد منه) في الحكم، (تعين نفير)؛ كما لو فجأهم عدو واحتيج إلى خروج المعتكف. (و) تعين (إطفاء الحريق)، (و) تعين (إنقاذ غريق، ونحوه) أي: نحو ذلك؛ كرد أعمى من سقوط في بئر؛ لأن هذا مما أباح الله تعالى ترك الواجب بأصل الشرع من أجله وهو الجمعة. فأولى أن يباح لأجله ترك ما أوجبه على نفسه وهو الاعتكاف. (و) كذا (مرض شديد) لا يمكنه القيام معه في المسجد؛ كالقيام المتدارك، وسلس البول. أو يمكنه لكن بمشقة شديدة مثل: أن يحتاج إلى فراش، أو من يمرضه. (و) كذا (خوف من فتنة) بأن وقعت فتنة وخاف (على نفسه) منها إن أقام بالمسجد، أو خاف أن يأخذه السلطان ظلما فخرج واختفى. (أو) خاف على (حرمته أو ماله ونحوه) بأن وقيع في محلته نهب أو حريق أو هدم أو غرق. فإنه إذا خرج لذلك، أو أخرج مكرها لم ينقطع اعتكافه؛ لأن مثل ذلك يبيح ترك الجمعة والجماعة، وترك عدة الوفاة في المنزل. وهن واجبات بأصل الشرع. فما أوجبه بنذره أولى. وعلم مما تقدم: أنه إذا مرض مرضا خفيفا كالصداع ووجع الضرس أنه لا يجوز له الخروج من أجل ذلك؛ لأنه خروج لما له منه بُدّ. أشبه المبيت في بيته.

стр. 1491

(و) كما تقدم في الحكم (حاجة) أي: حاجة المعتكف (لفصد أو حجامة). قال في " الفروع ": وكذا فصد وحجامة. فيخرج لحاجة كبيرة، وإلا لم يجز " كمرض يمكنه احتماله. وذكر ابن عقيل احتمالاً يجوز في إناء وفاقا للشافعي؛ كالمستحاضة وفاقا، ومع أمن تلويثه. والفرق: أنه لا يمكنها التحرز إلا بترك الاعتكاف. انتهى. (و) كما تقدم في الحكم (عدة وفاة) يعني: أنه إذا مات زوج المعتكفة جاز لها أن تخرج لتعتد في منزلها، لأن اعتدادها فيه واجب بأصل الشرع. فوجب الخروج له (١) " كبقية الواجبات. يؤكده: ان هذا حق واجب لله ولآدمي، وهو: الزوج، ويفوت إذا ترك لا (٢) إلى بدل. فكان أولى من محض حق الله . (وتتحيض) معتكفة حاضت (بخباء في رحبته) أي: رحبة المسجد استحباباً في الأصح (إن كانت) له رحبة، (وأمكن) تحيضها فيها (بلا ضرر) في ذلك على أحد. (وإلا) أي: وإن لم يكن للمسجد رحبة، أو كانت له رحبة وحصل ضرر بتحيضها فيها فإنها تتحيض (ببيتها). أما كونها تخرج من المسجد؛ فلأن الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد؛ لقول النبي ﷺ : " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " (٣). رواه أبو داود. وأما كونها تتحيض بخباء برحبته؛ فلما روى المقدام بن شريح عن عائشة قالت: "كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن ". رواه أبو حفص بإسناده. وأما كونها تتحيض في بيتها مع عدم إمكان التحيض في الرحبة وحصول

стр. 1492

الضرر به؛ فلأنه الأولى (١) في حقها إلى أن تطهر. فإذا ظهرت عادت إلى المسجد فأتمت اعتكافها، ولا شيء عليها إلا القضاء لأيام حيضها. وقال إبراهيم النخعي: إن دخلت بيتا أو سقفا استأنفت. قال الموفق: وهو تحكم لا دليل عليه. (وكحيض) في الحكم (نفاس)، لأنه في معناه. فيثبت فيه حكمه. (ويجب) على المعتكف (في) اعتكاف (واجب) إذا خرج لعذر يبيح الخروج (رجوع) إلى معتكفه (بزوال عذر)، لأن كل ما أبيح من أجل عذر. فإن الإباحة تزول بزوال ذلك العذر. (فإن أخر) رجوعه إلى معتكفه (عن وقت إمكانه) أي: إمكان الرجوع ولو زمنا يسيرا: (فـ) إنه يبطل ما مضى من اعتكافه، (كما لو خرج لما له منه بد). وسيأتي الكلام. على ذلك (٢) . (ولا يضر تطاول) خروج (معتاد. وهو) أي: الخروج المعتاد: (حاجة الإنسان). وتقدم الكلام على معناها (٣) . (وطهارة الحدث والطعام والشراب والجمعة) فلا ينقص تطاوله مدة الاعتكاف، ولا يلزمه أن يقضي مدة تطاول ذلك " لأن الخروج للمعتاد كالمستثنى لكونه معتادا، ولا تلزمه كفارة. (ويضر) التطاول (في) عذر (غير معتاد، كنفير، ونحوه)، كقيء بغتة، وغسل متنجس يحتاجه، وإطفاء حريق، وإنقاذ غريق ونحو ذلك مما ليس بمعتاد " لأنه خروج يسير مباح، أو واجب. أشبه حاجة الإنسان. وغسل الجنابة. قاله الموفق ويوافقه كلام القاضي في الناسي. فإذا تطاول خروجه في عذر غير معتاد والاعتكاف منذور فله أحوال ثلاثة:

стр. 1493

أشير إلى الأول منها بقوله: (ففي نذر متتابع غير معين) يعني: أنه إذا كان المنذور اعتكافه أياماً متتابعة غير معينة، كمن نذر اعتكاف شهر غير معين فإنه (يخير بين بناء وقضاء) يعني: أنه يبني على ما مضى من اعتكافه ويقضي ما فاته، (مع) إخراج (كفارة يمين)، لكون النذر حلفة ولم يفعله على وجهه] وهو التتابع [ (١) ، (أو استئناف) أي: وبين أن يستأنف المنذور من أولى ولا يكفر، لأنه أتى بالمنذور على وجهه. فلم تلزمه كفارة، كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذي خرج منه. واشير إلى الحال الثانى بقوله: (وفي معين) أي: وفيما إذا كان ما نذره من الاعتكاف زمنا معينا؛ كمن نذر اعتكاف شهر رمضان سنة كذا مثلا: فإنه (يقضي) ما فاته منه زمن خروجه، (ويكفر) كفارة يمين؛ لتركه المنذور في وقته. وفيه وجه آخر: لا كفارة عليه. واشير إلى الحال الثالث بقوله: (وفي أيام مطلقة) يعني: وفيما إذا كان النذر أياما مطلقة غير متتابعة ولا معينة؛ كمن نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو نحو ذلك: فإنها (تتمم) أي: يعتكف ما بقي عليه منها (بلا كفارة. لكنه لا يبني على بعض ذلك اليوم) الذي خرج فيه، بل يبتدئ يوماً من أوله من غير أن يحتسب ببعض ذلك اليوم الذي خرج فيه. وإنما لم (٢) تلزمه كفارة؛ لأنه أتى بالمنذور على وجهه. أشبه ما لو لم يخرج. والله أعلم.

стр. 1494

] فصل: في حكم الخروج لما لا بد منه] (فصل. وإن خرج) المعتكف (لما) أي: لأمر (لا بد) له (منه فباع أو اشترى) ولم يُعرّج أو يقف لذلك، (أو سأل عن مريض أو غيره) أي: غير المريض (ولم يعرج أو يقف لذلك) جاز؛ لى " أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك " (١) . وروي عن عائشة قالت: " إن (٢) كنت لأدخل البيت والمريض فيه. فما اسألُ عنه إلا وأنا مارة " (٣) . متفق عليه. ولأنه لم يترك بذلك شيئاً من اللبث المستحق. فأشبه ما لو سلم أو رد السلام في مروره. (أو) خرج لما لا بد منه ثم (دخل مسجدًا يُتِمُّ اعتكافه فيه، أقرب إلى محل حاجته من) المسجد (الأول) الذي خرج منه: (جاز)؛ لأن المسجد الأول لم يتعين بصريح النذر. فأولى أن لا يتعين بشروع الاعتكاف فيه. ولأنه لم يترك بذلك لبثا مستحقا. أشبه ما لو انهدم المسجد الأول، أو أخرجه منه سلطان فخرج من ساعته إلى مسجد آخر فأتم اعتكافه فيه. (وإن كان) المسجد الذي دخل إليه (أبعد) من محل حاجته من الأول، (أو خرج إليه) أي: إلى المسجد الثانى (ابتداء) بلا عذر، (أو تلاصقا)

стр. 1495

أي: المسجدين (ومشى في انتقاله) من المسجد الأول إلى المسجد الثانى (خارجا عنهما بلا عذر): بطل اعتكافه؛ لتركه لبثا مستحقا. (أو أخرج) المعتكف من المسجد (لاستيفاء حق عليه وأمكنه الخروج منه) أي: من الحق من غير أن يخرج من المسجد ولم يفعل: بطل اعتكافه؛ لأنه في هذه الحالة له بد من (١) عدم إخراجه. أشبه ما لو خرج ابتداء لما له منه بد. (أو سكر) المعتكف بطل اعتكافه، ولو كان ذلك ليلا؛ لخروجه عن كونه من أهل المسجد؛ كالمرأة تحيض. لكن المرأة تبني؛ لكونها معذورة وهذا غير معذور. (أو ارتد) المعتكف بطل اعتكافه؛ لعموم قوله : (لئن أشركت ليحبطن عملك)] الز مر: ٦٥]. ولأنه خرج عن كونه من أهل العبادة. فأشبه ردته في الصوم وغيره. (أو خرج) المعتكف (كله لما) أي: لأمر (له منه بد، ولو قل) زمن خروجه يعني: مختارا ذاكرا، وتقدم التنبيه على ذلك: (بطل) اعتكافه؛ لأنه خرج من معتكفه لغير حاجة، كما لو كان خروجه خروجاً طويلاً. وعلم من قوله: كله: أنه لو خرج بعض جسده لم يبطل اعتكافه. نص عليه؛ لقول عائشة: " كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني رأسه إليّ فأرجله " (٢) . متفق عليه. (ويستأنف) من بطل اعتكافه الاعتكاف على صفه الذي بطل. فإن كان اعتكافه الذي بطل (متتابعا بشرط)؛ كـ " لله علي أن أعتكف عشرة أيام متتابعة "، (أو نية) بأن ينوي كونها متتابعة من غير أن يلفظ بذلك أتى بالمستأنف كذلك؛ لإمكانه أن يأتي بالمنذور على صفته، كحالة الابتداء. وكمن عليه صوم شهرين في كفارة أو نذر في الذمة.

стр. 1496

ومحل ذلك: (إن كان) ما فعله من المبطل في حالة كونه (عامداً مختاراً أو مكرها بحق. ولا كفارة) عليه، وفاقا للأئمة الئلاثة؛ لأنه أتى بمنذوره على صفته. وقال في " الرعاية ": يستأنف المطلق المتتابع بلا كفارة. وقيل: أو يبني ويكفر. قال في " الفروع ": كذا قال. (ويستأنف) أيضا اعتكافاً (معينا قُيّد بتتابع)؛ كقوله: لله علي أن أعتكف شعبان متتابعا، (أو لا) يعني (١) : أو لم يقيد بالتتابع؛ كلله علي أن أعتكف شعبان ولم يزد على ذلك؛ لأن التعيين أصل والتتابع وصف، وحفظ الأصل أولى. (ويكفر) في الصورتين؛ لتركه المنذور في وقته المعين. (ويكون قضاء كل واستئنافه) أي: كل واحد من الاعتكاف المقضي والمستأنف (على صفة أدائه فيما يمكن). فإن كان الأول مشروطاً فيه الصوم، أو في أحد المساجد الثلاثة ونحو ذلك فإن المقضي أو المستأنف يكون كذلك. (ويفسد) الاعتكاف (إن وطى) المعتكف فيه (ولو ناسيا). نص عليه (في فرج)؛ لما روى حرب في " مسائله "، حدثنا عمرو بن محمد عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: " إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف الاعتكاف " (٢) . ولأنه وطء من المعتكف في الفرج. فأشبه وطء العامد. ولأن الاعتكاف عبادة تفسد بالوطء عمداً. فكذلك سهواً؛ كالحج.

стр. 1497

ولأن ما يحرم بالاعتكاف يستوي عمده وسهوه في الإفساد؛ كالخروج من المسجد. (أو أنزل) المعتكف (بمباشرة دونه) أي: دون الفرج. والأصل في ذلك قوله : (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها)] البقره: ١٨٧ [. إلا أنه إن لم ينزل لم يبطل الاعتكاف؛ كاللمس لشهوة. (ويكفر) كفارة يمين وجوباً إن كان اعتكافه منذورا؛ (لإفساد نذره) بذلك. (لا لوطئه) إن كان الاعتكاف نفلا؛ لأنه عبادة غير واجبة بأصل الشرع. فلم يجب بإفسادها كفارة؛ كبقية النوافل. ولأنه عبادة لم يدخل المال في جبرانها. فلم تجب الكفارة بإفسادها؛ كالصوم في غير رمضان. ولأن وجوب الكفارة إنما يثبت (١) بالشرع، ولم يرد الشرع بإيجابها. فتبقى على الأصل.

стр. 1498

] فصل: فيمايسن للمعتكف] (فصل. يسن تشاغله بالقرب) يعني: أنه يسن للمعتكف أن يتشاغل بكل ما يتقرب به إلى الله تعالى، كالصلاة، وتلاوة القرآن، وذكر الله ، ونحو ذلك من الطاعات المحضة. (و) يسن له أيضاً (اجتناب ما لا يعنيه)، وفاقا للأئمة الثلاثة؛ لقوله ﷺ : " من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه " (١) . وقال الموفق: لأنه مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى. ولا بأس أن تزوره زوجته في المسجد وتتحدث معه، وتصلح رأسه أو غيره، ما لم يتلذذ بشيء منها، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر؛ " لأن صفية زارته ﷺ فتحدث معها " (٢) ، و " رجلت عائشة رأسه " (٣) . ولا بأس أن يأمر بما يريد خفيفا لا يشغله. نص عليه، لقول علي: " أيما رجل اعتكف فلا يساب. ولا يرفث في الحديث، ويأمر أهله بالحاجة وهو يمشي، ولا يجلس عندهم ". رواه الإمام أحمد. . و (لا) يسن له (إقراءُ قرآن، و) لا إقراء (علم ومناظرة فيه) أي: في العلم ونحو ذلك مما يتعدى نفعه في ظاهر كلام أحمد. وقال أبو الحسن الآمدي: في استحباب ذلك روايتان. واختار أبو الخطاب استحبابه إذا قصد به الطاعة، لا المباهاة، وفاقا للشافعي.

стр. 1499

واحتج أصحابنا بأن النبي ﷺ كان يعتكف. فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصه به. ولأن الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد. فلم يستحب فيها ذلك " كالطواف. (ويكره الصمت إلى الليل. وإن نذره لم يف به) اي: بنذره أن يصمت، لما روي عن على قال: " حفظت من رسول الله ﷺ أنه قال: لا صمات يوم إلى الليل " (١) . رواه أبو داود. وعن ابن عباس قال: " بينا النبي ﷺ يخطب إذا (٢) هو برجل قائم. فسأل عنه فقالوا (٣) : أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، وأن يصوم. فقال النبي ﷺ : مروه فليستظل ويتكلم وليقعد، وليتم صومه " (٤) . رواه البخاري وابن ماجه وأبو داود. ولأنه نذر منهي عنه. فأشبه نذر المباشرة في اعتكافه. و" دخل أبو بكر على امرأة من أحمَسَ يقال لها: زينب، فرآها لا تتكلم. فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي. فإن هذا لا يحل. هذا من عمل الجاهلية فتكلمت " (٥) . رواه البخاري. ويجمع قول أبي بكر هذا مع قوله: " من صمت نجا " (٦) : بأن قوله الثانى محمول على الصمت عما لا يعنيه، قياسا على قول الله :

стр. 1500

(لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)] النساء: ١١٤]. ) ويحرم جعل القر n ن بدلا من الكلام). ذكره ابن عقيل وغيره، لأنه استعمال له في غير ما هو له. فأشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه؛ كالوزن به. ولا بأس أن يتنظف المعتكف بأنواع التنظيف (١) ، " لأن النبي ﷺ كان يرجل رأسه وهو معتكف " (٢) . ويكره له التطيب. قال أحمد: لا يعجبني أن يتطيب؟ وذلك لأن الاعتكاف عبادة تختص مكانا. فكان ترك التطيب فيها مشروعا، كالحج. قال صاحب " المحرر": قال أصحابنا: يستحب له ترك لبس رفيع الثياب، والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف، وأن لا ينام إلا عن غلبة ولو مع قرب الماء، وأن لا ينام مضطجعا بل متربعا مستندا. ولا يكره شيء من ذلك. وقال أيضا: ولا بأس بأخذ شعره وأظفاره. في قياس مذهبنا. (وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه) فيه، لا سيما إن كان صائما. ذكره ابن الجوزي في " المنهاج "، ومعناه في " الغنية "، وفاقا للشافعية. قاله في " الفروع ". وقال: ولم يره شيخنا. انتهى. ولا يجوز البيع والشراء في المسجد للمعتكف وغيره. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه في رواية حنبل، وجزم به القاضي وابنه أبو (٣) الحسين، وصاحب " الوسيلة "، و" الإفصاح " (٤) ، و" الشرح " هنا، وابن تميم وغيرهم، وقدمه في " الفروع " و" الرعاية الكبرى " وغيرهما. قال ابن هبيرة: منع صحته وجوازه أحمد، وجزم في " الفصول "

стр. 1501

و" المستوعب " بالكراهة، وجزم به في " الشرح " في آخر كتاب البيع. ونقل حنبل عن أحمد ما يحتمل أنه يجوز أن يبيع ويشتري في المسجد ما لا بد منه، كما يجوزخروجه له، إذا لم يمكن له من يأتيه به. فعلى المذهب: لا يجوز في المسجد، ويخرج له. وعلى الثانى: يجوز، ولا يخرج له. وعلى المذهب أيضا: قيل في صحة البيع وجهان، وأطلقهما في "الآداب ". قال في " الرعاية الكبرى ": في صحتهما وجهان مع التحريم. قلت: قاعدة المذهب تقتضي عدم الصحة، وتقدم كلام ابن هبيرة. وظاهر ما قدمه في " الفروع ": الصحة هنا. وقال في " الفروع " في آخر كتاب الوقف: وفي صحة البيع في المسجد- وفاقاً للأئمة الثلاثة وتحريمه خلافا لهم- روايتان. وقال في " المغني "- قبل كتاب السلم بيسير-: ويكره البيع والشراء في المسجد. فإن باع فالبيع صحيح. وقال في " الرعاية الكبرى " في باب مواضع الصلاة واجتناب النجاسات: يسن أن يصان المسجد عن البيع والشراء] فيه. نص عليه. وقال ابن أبي المجد في مصنفه في كتاب البيع قبل الخيار: يحرم البيع والشراء [(١) في المسجد للخبر. ولا يصحان في الأصح فيهما. انتهى. قال ابن تميم: ذكر (٢) القاضي في موضع بطلانه. وقال الشيخ: يصح مع الكراهة. وقال في " الفروع ": والإجارة فيه كالبيع والشراء. والله أعلم.

стр. 1502

[كتاب الحج] هذا (كتاب) يذكر فيه جملة من أحكام مناسك الحج. جمع منسك، بفتح السين وكسرها. وهو التعبد. يقال: تنسك تعبّد. وقال صاحب " المُطّلع ": المناسك مواضع متعبدات الحج. فالمناسك إذاً: التعبدات كلها. وقد غلب إطلاقها على متعبدات الحج؛ لما يتضمنه من الذبائح المتقرب بها؛ لأن المنسك مأخوذ في الأصل من النسيكة وهي الذبيحة المتقرب بها؛ لما في ذلك من موافقة الفرع الأصل (١). ثم (الحج) بفتح الحاء لا بكسرها في الأشهر وعكسه شهر الحجة (فرضُ كفاية كل عام). فُرض سنة تسع من الهجرة في قول الأكثر، وقيل: سنة عشر، وقيل: ست، وقيل: خمس. والأصل في كونه فريضة؛ قوله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وهو لغة: القصد إلى من يعظمه. وقيل: كثرة القصد إليه. (وهو) شرعاً: (قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص). وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. (والعمرة) لغة: الزيارة، يقال: اعتمره (٢) إذا زاره. وقيل: القصد.

стр. 1503

وشرعاً: (زيارة البيت على وجه مخصوص). وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وينبغي لمن أراد الحج: أن يبادر به، وليجتهد في رفيق حسن. قال أحمد: كل شيء من الخير يبادر به. قال ابو بكر الآجري وغيره: يصلي ركعتين، ثم يستخير في خروجه، ويبكر، ويكون يوم خميس، ويصلي في منزله ركعتين، ويقول إذا نزل منزلاً أو دخل بلداً ما ورد. وقال (١) ابن الزاغوني وغيره: يصلي ركعتين ويدعو بعدهما بدعاء الاستخارة (٢) . ثم يقول: اللهم لِلَّهِ هذا (٣) ديني وأهلي ومالي وديعة عندك، اللهم لِلَّهِ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد. وأنه يخرج يوم خميس أو اثنين، ويستخير هل يحج العام أو غيره. (ويجبان) أي: الحج والعمرة. يعني: أن العمرة واجبة كالحج على الأصح. نص على ذلك أحمد، واحتج بقوله : ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال القاضي وغيره: أطلق أحمد وجوبها (٤) في مواضع. فيدخل فيه المكي وغيره. قال: وهو قول شيخنا.

стр. 1504

فدل على (١) أن أحمد لم يصرح بوجوبها على (٢) المكي. وصرح في رواية: بأنها لا تجب على المكي وتجب على غيره. وفرض العمرة قول أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، وفاقاً للشافعي في الجديد؛ لقول عائشة [رضي الله تعالى عنها] (٣) : " يا رسول الله! هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم. عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة " (٤) . رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح. وهذا صريح في وجوب العمرة على النساء، وإذا ثبت ذلك في النساء فالرجال أولى. وعن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال: " إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمره ولا الظعن. فقال: حج عن أبيك واعتمر " (٥) . إسناده جيد رواه الخمسة وصححه الترمذي. وعنه: أن العمرة سنة؛ " لأن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: زعم رسولك أن علينا. . . فذكر الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت. فقال النبي- ﷺ : صدق. فقال: والذي بعثك بالحق. لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال: لئن صدق ليدخلن الجنة " (٦) . رواه مسلم.

стр. 1505

وأجيب بأن اسم الحج يتناول العمرة، روى مسلم من حديث ابن عباس: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " (١) . وفي كتاب النبي ﷺ -إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم: " وإن (٢) العمرة الحج الأصغر " (٣) . وعن طلحة بن عبيدالله (٤) مرفوعا: " الحج جهادٌ والعمرة تطوع " (٥) . وأجيب بأنه ضعيف. رواه ابن ماجه. ورواه الشافعي عن أبي صالح الحنفي مرسلا (٦) . وقال: ليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع. وقال ابن عبدالبر: روي ذلك بأسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة. وعنه رواية ثالثة: تجب إلا على المكي. نقلها عبدالله والأثرم والميموني وبكر بن محمد، وتاولها القاضي على أنه نفى (٧) عنهم دم التمتع. قال في " الفروع ": كذا قال. وقد سأله عبدالله من أين يعتمر أهل مكة؟ قال: ليس عليهم (٨) عمرة؛ لأن ذلك قول ابن عباس. لكنه من رواية إسماعيل ابن مسلم المكي وهو ضعيف. وقاله عطاء وطاووس؛ لأن معظمها الطواف وهم يفعلونه. وأجاب صاحب " المحرر " وغيره: بأنه لا يصح في حق من لم يطف، ومن طاف يجب ان لا يجزئه عنها كالآفاقي. انتهى.

стр. 1506

وإذا تقرر هذا فإنما يجبان (في العمر مرة) واحدة؛ لما روى أبوهريرة قال: " خطبنا رسول الله ﷺ -فقال: يا أيها الناس! قد فرض عليكم الحج فحُجوا. فقال رجل: أَكُل عام يا رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " (١) . رواه أحمد ومسلم والنسائي. وروى ابن عباس قال: " خطبنا رسول الله ﷺ -فقال: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج. فقام الأقرع بن حابس [فقال: أفي كل عام يا رسول الله! فقال: لو قلتُ نعم لوجبت ولو وجبت لم تعملوا ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة. فمن زاد فهو تطوع " (٢) . رواه أحمد والنسائي بمعناه. ولأبي داود وابن ماجه مختصرا: " أن الأقرع بن حابس] (٣) سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال: بل مرة واحدة. فمن زاد فهو تطوع " (٤) . وإنما يجب الحج والعمرة (بشروط) خمسة، (وهي) تنقسم إلى ثلاثة أقسام: * قسم يشترط للوجوب والصحة وهو: (إسلام، وعقل). * وقسم يشترط للوجوب والإجزاء دون الصحة (و) هو: (بلوغ، وكمالُ حرية). * وقسم يشترط للوجوب دون الإجزاء وهو: الإستطاعة. وسيأتي بيانها إن

стр. 1507

شاء الله تعالى (١) . (ويجزيان) أي: الحج والعمرة (من) أي: يجزئ الحج كافراً (أسلم) وهو مكلف حر ثم أحرم بحج وحصل بعرفة قبل دفع من عرفة، أو كان إسلامه بعد الدفع إن عاد إلى عرفة فوقف في وقت الوقوف. (او أفاق ثم أحرم) يعني: أن المجنون إذا أفاق وهو حر بالغ ثم أحرم بالحج كما تقدم في صورة الكافر إذا أسلم فإنه يجزئه الحج. (او بلَغ) الصغير وهو مسلم عاقل حر محرم بالحج قبل دفع من عرفة، او بعد الدفع إن عاد فوقف في وقت الوقوف. (او عتق) قن في حالة كونه (محرماً) بالحج وهو مسلم بالغ عاقل (قبل دفع من عرفة أو بعده) أي: بعد الدفع (إن عاد) إلى عرفة (فوقف في وقته) أي: وقت الوقوف. وهذه صور الإجزاء في الحج. وأما إجزاء العمرة بأن يحصل الإسلام أو الإفاقة أو البلوغ أو الحرية قبل طواف العمرة، وإلى ذلك أشير بقوله: (او قبل طواف عمرة) فإن ذلك يجزئه عن حجة الإسلام وعمرة الإسلام. ويكون الصغير إذا بلغ محرماً والقن إذا عتق محرماً؛ (كمن أحرم إذاً) أي: إذا بلغ أو عتق؛ لأنها حالة تصلح لتعيين الإحرام؛ كحالة ابتداء الإحرام. قال الموفق وغيره: (وإنما يعتد بإحرام ووقوف موجودين إذاً) أي: في حالة البلوغ والعتق، (وإن ما قبله تطوع لم ينقلب فرضاً). وقدم في " التنقيح " ما قاله الموفق ومن تابعه. ثم قال: وقال في " الخلاف " و" الانتصار " و" المجد " وغيرهم: وأشرت إلى هؤلاء المذكورين بقولي: (وقال جماعة: ينعقد إحرامه) أي: إحرام الصغير أو العبد (موقوفا. فإذا تغير حاله) أي: حال الصغير إلى البلوغ أو القن إلى الحرية (تبين فرضيتُه) أي: كون الإحرام فرضاً؛ كزكاة معجلة.

стр. 1508

(ولا يجزئ مع سعي قن وصغير) [عن حجة الإسلام] (١) (بعد طواف القدوم، قبل وقوف، ولو أعاده) أي: أعاد الصغير أو القن السعي ثانياً (بعد) أي: بعد الوقوف في الأصح؛ لأن السعي لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره. بخلاف الوقوف. فإن استدامته مشروعة ولا قدر له محدود. ولا تجزئ العمرة من بلغ أو عتق (٢) في أثناء طوافها ولو أعاده فإنه لا أثر لإعادته وفاقاً. ***

стр. 1509

[فصل: في حج الصغير] (فصل. ويصحان) أي: الحج والعمرة (من صغير. ويُحرم ولي في مال عمن لم يميز ولو) كان وليه (محرماً أو لم يحج)؛ كعقد النكاح له. ويقع لازماً، وحكمه كالمكلف. نص عليه. (و) يُحرم (مميز بإذنه) أي: إذن الولي (عن نفسه)؛ لأنه يصح (١) وضوؤه. فصح إحرامه؛ كالبالغ. ولأن العبادات أحد نوعي العقود. فكان منه ما يعقده الولي للصبي؛ كعقود المعاملات. وإذا صح منه وجب أن يصح على حكم البالغ في الضمان؛ كالنكاح. ولأنه يجتنب الطيب ويؤمر به لأجل الإحرام. فصح إحرامه ولزم كالبالغ. ولا خلاف في تجنبه الطيب، لكن عندنا بصفة الوجوب، وعند المخالف بصفة الاستحباب. والأصل (٢) في صحة حج الصغير ما روي عن ابن عباس: " أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر " (٣) . رواه مسلم. وقال السائب بن يزيد: " حُج بي مع النبي ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين " (٤) . رواه البخاري. وقال ابن عباس: " أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيما

стр. 1510

أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد أعتق فعليه حجة أخر ى " (١) . وانفرد محمد بن منهال برفعه وهو محتج به في " الصحيحين " وغيرهما وكان آية في الحفظ، ولهذا صححه جماعة منهم ابن حزم وأجاب بنسخه؛ لكون فيه الأعرابي. وسئل أبو الوليد حسان بن محمد إمام أهل الحديث في عصره بخراسان عن قول النبي ﷺ : " أيما أعرابي حج قبل أن يهاجر فعليه الحج إذا هاجر " قال: معناه قبل أن يسلم. فعبر باسم الهجرة عن الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا هاجروا، وفسر النبي ﷺ الإسلام باسم الهجرة. وإنما سموا مهاجرين؛ لأنهم هجروا الكفار إجلالاً للإسلام. (ويفعل ولي) عن المميز وغير المميز من أفعال الحج والعمرة (ما يُعجزُهما)، روي عن ابن عمر في الرمي. وعن أبي بكر " أنه طاف بابن الزبير في خرقة " (٢) . رواهما الأثرم. وعن جابر قال: " حججنا مع النبي ﷺ -ومعنا النساء والصبيان. فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم " (٣) . رواه أحمد وابن ماجه. و" كانت عائشة تجرد الصبيان للإحرام ". (لكن: لا يبدأ) الولي (في رمي) الجمرات (إلا بنفسه)؛ كالنيابة في الحج. فلو رمى ناوياً عن الصغير وقع عن نفسه إن كان محرما بفرضه. (ولا يُعتد برمي حلال) لا عن نفسه ولا عن غيره.
следующие страницы →