← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(وان كانا) أي القولان منسوبين الواحد) من الأصحاب، (فلإطلاق احتماليه)، كما لو قال واحد من الأ صحاب: وان فعل كذا فيحتمل الجواز ويحتمل المنع، ولم تنقل المسألة عن غير قائل هذا القول. (وسميته: منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات)، لأنه لا يراد كتاب أكثر مسائل منه في أقل من لفظه. (واسأل الله تعالى العصمة)، أى الامتناع بلطفه من الزلل. (و) أساًل الله أيضاً (النفع)، أي أن ينفع (به)، أى بهذا الكتاب من يقف عليه طالبا للاستفادة (١) ، (وان يرحمني) أى يغفر لي (وسائر الأمة) أي أمة محمد ﷺ ، فانه على ذلك قدير وبالإجابه جدير. قال القاضى أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بابن الفراء شيخ حنابلة زمانه: وانما اخترنا مذهب أحمد على مذهب غيره من الأئمة، ومنهم من هو أسن منه وأقدم هجرة مثل مالك وسفيان وأبي حنيفة؛ لموافقته الكتاب والسنة والقياس الجلي. فانه كان إماما في القرآن، وله فيه التفسير العظيم، وكتب من علم العربية فاطلع به على كثير من معاني كلام الله . انتهى. وقال أبو الحسين ابن المنادي في كتابه الذي صنفه في " فضائل أحمد ": انه صنف " المسند " وهو ثلاثون ألفا، و" التفسير " وهو مائة وخمسون ألفا، و" الناسخ والمنسوخ "، و" التاريخ "، و" المقدم والمؤخر في كتاب الله سبحانه "، و" جوابات القرآن "، و" المناسك الكبير، والصغير ". وقال: أن ابنه عبد الله سمع منه جميع ذلك إلا التفسير فانه سمع منه ثمانين ألفا والباقي إجازة. وروى بسنده إلى الحسين بن إسماعيل انه قال: سمعت أبى يقول: كنا نجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة

стр. 142

يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت. فمن أعيانهم ابناه صالح وعبد الله وأبو بكر الأثرم وأبو بكر المروذي وإبراهيم الحربي وأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي وأبو داود السجستاني وغير ذلك. واما سنه فقال عبد الله: سمعت أبي يقول: ولدت في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة. قال عبد الله: ومات ﵀ في ربيع الآخر لاثنتي عشرة ليلة خلت منه سنة إحدى وأربعين ومائتين. والله أعلم.

стр. 143

[كتاب الطهارة] هذا (كتاب) أي: مكتوب، جامع لأحكام المسائل التي تتعلق بالطهارة في هذا التأليف، وما يوجبها، وما يتطهر به، وما هو في نحو ذلك. وانما بدأ الفقهاء كتبهم بأحكام الطهارة؛ لأن آكد أركان الدين بعد الشهادتين الصلاة، المشترط لها الطهارة. والشرط مقدم على المشروط. وبدؤوا بربع العبادات تقديما للأمور الدينية على الدنيوية. وقدموا ربع المعاملات على النكاح وما يتعلق به؛ لأن من أسباب المعاملات الأكل والشرب ونحوهما وذلك ضروري يستوي فيه الكبير والصغير، وشهوته مقدمة على شهوة النكاح. وقدموا النكاح على الجنايات والحدود والمخاصمات؛ لأن وقوع ذلك في الغالب انما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج. ثم (الطهارة) مصدر ظهر- بضم الهاء-، ولا يتعدى إلا بالتضعيف. وأما مصدر ظهر- بفتح الهاء- فهو الطُّهر- بضم الطاء-. ومعناها لغة النظافة والنزاهة عن الأقذار. وشرعاً: - وكلام الفقهاء مبني عليه - (ارتفاع) مصدر ارتفع ليطابق المفسر المفسر في اللزوم (حدثٍ). وسيأتي في- المتن معنى الحدث. والمراد بارتفاع الحدث: زوال الوصف الحاصل بالحدث المقتضي للمنع مما تجب له الطهارة؛ كالصلاة والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن: بفعل الوضوء أو الغسل. (وما في معناه) أي معنى ارتفاع الحدث كالغسل للميت؛ لأنه تعبدي لا عن حدث، وما يحصل بالوضوء والغسل المستحبين، وما زاد على المرة في

стр. 144

الوضوء والغسل، وما يحصل بغسل أنثييه بخروج مذي إذا لم يصبهما المذي، وزوال الحاصل باليدين بنوم الليل الناقض للوضوء، وطهارة المستحاضة، ونحوها. (بماء) متعلق بارتفاع (طهور مباح). فاستعمال الماء غير الطهور المباح في جميع البدن، أو في اعضاء الوضوء لا أثر له في الطهارة. (وزوال خبث) أي نجاسة (به) أي: بالماء الطهور (ولو لم يبح)؛ لأن إزالة النجاسات من قسم المتروك. وتحصل الطهارة به وحده أن لم تكن النجاسة نجاسة كلب أو خنزير أو متولد من أحدهما. وأشير إلى طهارة هذه النجاسة بقوله: (أو مع تراب طهور أو نحوه) أي: نحو التراب؛ كالأشنان والصابون فلا تطهر باستعمال الماء وحده. (او) زوال خبث (بنفسه) أى بنفس ذلك النجس. وصورة ذلك: أن الماء الكثير الطهور إذا سقطت فيه نجاسة، وقلنا انها لا تنجسه إلا أن غيرته فتغير بها، فانا نحكم بنجاسته، ثم إذا زال تغيره بنفسه من غير إضافة ولا نزح ولا نقل، فقد ظهر وحصلت (١) طهارته بنفسه. وكذلك الخمرة إذا انقلبت بنفسها - أي: من غير صنع آدمي- خلاًّ، فانها تطهره فقد حصلت طهارتها بنفسها. (أو ارتفاع حكمهما) أي: الحدث والخبث (بما يقوم مقامه) أي مقام الماء في الجملة. ومن صور ذلك: التيمم للحدث، وللنجاسة على البدن، والاستجمار بالحجر ونحوه في السبيلين. والله أعلم.

стр. 145

[باب: أنواع الماء وأحكامها] هذا (باب) يذكر فيه أنواع الماء وأحكامها وما يلحق بذلك. باب الشيء: ما يتوصل منه إليه، فباب الدار ونحوها ما يتوصل إليها منه بالدخول، وباب المياه ونحوها بالوقوف على مسائله. ثم (المياه) باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع في الأصح (ثلاثة)؛ لأنه إما أن يجوز به الوضوء أو لا. والأول الطهور، والثانى إما أن يجوز شربه أو لا. والأول الطاهر. والثانى النجس. أو يقال: إما أن يكون مأذونا في استعماله أو لا، الثانى النجس والأول إما أن يكون مطهراً لغيره أو لا، والأول الطهور، والثانى الطاهر. وأشرف الأنواع منها ما هو (طهور) أى مطهر لغيره. قال ثعلب: طَهور- بفتح الطاء- الطاهر في ذاته، المطهر لغيره. قال في " الفروع ": قال أصحابنا: فهو من الأسماء المتعدية، بمعنى المطهر، وفاقاً للمالكية والشافعية. وقال في " الفنون ": الطهارة: النزاهة، فطاهر: نزه، وطهور: غاية في النزاهة لا للتعدي. الدليل عليه قوله: " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء " (١) . ففسر كونه طهوراً بالنزاهة ولا ينجس بغيره. لا بأنه يطهر غيره. فمن تعاطى في طهور غير ما ذكره الشارع (٢) فقد أبعد. فحصل على كلامه الفرق

стр. 146

بينهما بغير التعدي. وقول الحنفية: انه من الأسماء اللازمة بمعنى الطاهر " لأن المنقول عن الخليل وسيبويه وغيرهما من الأئمة انه مصدر كالطهارة، وانما الشرع جعل الماء مطهراً. ورد المطرّزي قول ثعلب وقال: ليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على الأفعال المتعدية كالتطوع غير سديد. وقال اليزيدي: الطُّهور- با لضم - المصدر. وحكى فيهما الضم والفتح. وقال الجوهري: الطهور: اسم لما تطهرت به. وكذا قال شيخنا: التحقيق انه ليس معدولا عن طاهر حتى يشاركه في اللزوم والتعدي بحسب اصطلاح النحاة، كضارب وضروب. ولكنه من أسماء الآلات التي يفعل بها، كوَجور وفطور وسحور، ويقولون ذلك بالضم للمصدر نفس الفعل. فأما طاهر فصفة محضة لازمة لاتدل على ما يتطهر به. وفائدة المسألة: أن المائعات لا تزيل النجاسات. قاله القاضي وأصحابه. وقال شيخنا: وفائدة ثانية: ولا تدفعها عن نفسها، والماء يدفع بكونه مطهراً، كما دل عليه قوله ﷺ : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء " (١) . وغيره ليس بطهور فلا يدفع. وأجاب القاضي وغيره من المالكية عن قولهم في طهارة المستعمل: الطهور ما تكرر منه التطهير: أن المراد جنس الماء أو كل جزء منه إذا ضم إلى غيره وبلغ قلتين، أو أن معناه يفعل التطهير. ولو اريد ما ذكروه لم يصح وصفه بذلك إلا بعد الفعل. انتهى كلامه في " الفروع ". ومن أحكام الطهور: انه (يرفع) وحده (الحدث). نص عليه. (وهو) أي الحدث: (ما أوجب وضوءاً) ويوصف بالأصغر، (أو) أوجب (غسلا) ويوصف بالأكبر. (إلا حدث رجل). وقيل: وصبي. (و) إلاّ حدث (خُنْثى) مشكل احتياطا. وقيل: يرتفع.

стр. 147

(بقليل) أي بما دون قلتين. وقيل: وكثير. (خلَتْ به امرأة) مكلفه (ولو كافرة). صرح به في " التنقيح" وغيره؛ لأنها أدنى من المسلمة وأبعد من الطهارة. وقيل: أو مميزة. (لطهارة كاملة). وقيل: أو بعضها. (عن حدث). وقيل: أو خبث. وقيل: أو طهْر مستحب. (كخلوة نكاح). فيزول حكم الخلوة بمشاهدة مميز وكافر وامرأة. وقيل: لا يزول حكم الخلوة إلا بمشاهدة ذكر مسلم مكلف. وقيل: وتعتبر حرية. والأصل في ذلك ما روى الحكم بن عمرو الغفاري قال: " نهى النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة " (١) . رواه الخمسة إلا النسائي وابن ماجه قالا: " وضوء المرأة "، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، واحتج به الإمام أحمد في رواية الأثرم. وقال في رواية أبى طالب: أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك، وهذا لا يقتضيه القياس. فدل على أنهم قالوه توقيفاً، فيكون (تعبداً). وممن كرهه عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنهما. وهذا عام وانما خصصناه بالخلوه؛ لقول عبد الله بن سرجس: " توضأ انت هاهنا وهي هاهنا فإذا خلت به فلا تقربنه ". رواه الأثرم. وانما خصصناه بالقليل؛ لأن النجاسة لا تؤثر في الكثير فهذا أولى. ولأن الغالب على النساء أن يتطهرن من القليل فينصرف الإطلاق إليه.

стр. 148

وعن الإمام رواية ثانية: انه يجوز للرجل أن يتطهر بما خلت به المرأة ويرتفع به حدثه. والأول هو المفتى به. قال في " الإنصاف ": وهو المذهب المعروف، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم. انتهى. وظاهر ما تقدم انها إذا خلت بالتراب للتيمم لا تؤثر فيه خلوتها، وهو المذهب. وفيه احتمال: أن حكمه حكم الماء. وظاهره أيضاً: انه لا تأثير لذلك في إزالة الخبث به في حق الرجل. وظاهره أيضاً: انه لا تأثير لخلوة الخنثى المشكل بالماء القليل للطهارة، وهو المذهب، وفيه وجه: انه كالمرأة. (و) من أحكام الطهور أيضاً انه (يزيل الخبث الطارئ) على ما هو طاهر قبل طروئه؛ لأن نَجِس العين لا يمكن تطهيره. (وهو) أى الماء الطهور في الحكم هو: (الباقي على خلقته) التي خلق عليها مطلقاً، فلا يقيد بوصف دون وصف، وهي صفة الطهورية. وهو: ماء البحر، وما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، وذوب الثلج والبرد، سواء كان عذبا أو ملحا، بارداً أو حاراً. (ولو تصاعد ثم قَطَرَ كبخار الحمامات)؛ لأن ذلك لا يغيره عن خلقته. (أو استهلك فيه) ماء (يسير مستعمل، أو) استهلك فيه (مائع طاهر) كاللبن، (ولو) كان استهلاكه فيه (لعدم كفاية) الماء للطهارة، (ولم يغيره) أي: يغير الماء؛ لأنه لما لم يؤثر في أوصاف الماء أشبه ما لو لم يكن. وفي استهلاك المائع وجه: انه يسلبه. وفيما إذا لم يكف الماء للطهارة رواية: انه تسلب طهوريته باستهلاك المائع فيه. (أو استعمل في طهارة لم تجب)؛ كتجديد الوضوء، (أو غسل كافر)؛ لأنه

стр. 149

لم يرفع حدثاً ولم يزل نجساً. والكافر ولو شمل الذمية التي تغتسل من الحيض والنفاس لحل وطئها لزوجها المسلم لا يسلبه الطهورية؛ لأن الكافر ليس من أهل النية. وفيما إذا استعمل في تجديد وضوء ونحوه رواية: انه يسلبه الطهورية؛ لأنه استعمل في طهارة شرعية. أشبه ما لو دفع به حدثا. (أوغُسِل به) أي: بالماء الطهور (رأس بدلاً عن مسحٍ) في وضوء، فان ذلك لا يسلبه الطهورية؛ لعدم وجوب غسل الرأس في الوضوء. (و) من الماء الباقي على طهرريته (المتغير بمحل تطهير). قطع به في "المغني ". قال: وإذا كان على العضو طاهر؛ كالزعفران والعجين فتغير به الماء وقت غسله لم يمنع حصول الطهارة به؛ لأنه تغير في محل التطهير. أشبه ما لو تغير الماء الذي تزول به النجاسة في محلها. انتهى. (و) من الطهور المتغير (بما يأتي) ذكره (فيما) أي: في النوع الذي (كره) منه، (و) في (ما) أي: النوع الذي (لا يكره) منه؛ لأن الماء الطهور ينقسم باعتبار كراهية استعماله وعدمها إلى نوعين. وأشير إلى النوع المكروه منه بقوله: (وكُره) بالبناء للمفعول (منه) أي: من الطهور (ماء) بئر (زمزم في إزالة خبث). وقيل: يحرم لتعظيمه، وقد زالت نجاسته. وقيل: يكره الغسل به أيضاً لا الوضوء. وفي جَبْلِ التراب الطاهر به ورَشِّ الطرق وجهان. وقيل: أن سبب النهي اختيار الواقف وشرطه. فعلى هذا اختلف الأصحاب لو سبّل ماء للشرب هل يجوز الوضوء به مع الكراهة، أم يحرم؛ على وجهين.

стр. 150

(و) كره من الطهور أيضاً: ماء (بئر بمقبرة)، مثلثة الباء مع فتح الميم، وبفتح الباء مع كسر الميم. قال في " الفروع " في باب الأطعمة: وكره أحمد ماء بئر بين القبور وشوكها وبقلها. قال ابن عقيل: كما سُمِّد (١) بنجس والجلالة. انتهى. وظاهره: كراهة استعمال مائها في أكل وشرب وطهارة وغير ذلك. والله أعلم. (و) كره منه أيضاً: (ما اشتد حره أو برده). قاله ابن عبدوس في " تذكرته ". ووجهه ظاهر. (و) كره منه أيضاً: (مسخن بنجاسة) ولو بعد أن يبرد؛ لأنه لا يسلم غالبا من صعود أجزأء لطيفة من النجاسة إليه. وعنه: لا يكره. وللأصحاب في ذكر الخلاف في هذه المساً لة أربع عشرة طريقا نقلها في " الإنصاف " وقال: أن أصحها أن فيها روايتين مطلقاً. ومحل كراهته (ان لم يحتج إليه)؛ لأن كراهته من طريق الورع ومع الحاجة إليه يتعين وجوب استعماله. ومما يكره أيضاً من الطهور: المسخن بالمغصوب، وإلى ذلك أشير بقوله: (أو بمغصوب. و) مما يكره من الطهور أيضاً: (متغير بما لا يخالطه: من عود قَماريٍّ) - بفتح القاف- نسبة إلى بلدة قمار، (أو قطع كافور أو دهن). قال في " الشرح الكبير ": وفي معناه ما يتغير بالقطران والزفت والشمع؛ لأن فيه دهنية يتغير بها الماء. انتهى. ووجه الكراهة: أن القياس أن تغير الماء بالطاهر يسلبه الطهورية، لكن

стр. 151

لما كان هذا التغير عن مجاورة، لا عن ممازجة اغتفر. مع أن فيه وجهاً للأصحاب موافقا لقول مالك - رضي الله تعالى عنه: انه يصير طاهراً غير طهور فكان أقل أحواله الكراهة. ويلحق بذلك ما تغير بمخالطة ما أصله الماء؛ كالملح البحري، وإليه أشير بقوله: (أو بمخالط أصله الماء)، وممن قطع بكراهيته ابن حمدان في " الرعاية الكبرى " وتبعه في " التنقيح ". وقيل: أن وُضع قصداً سلبه الطهورية. وعلم مما تقدم أن الماء أن تغير بالملح المعدنى سلبه الطهوريه؛ لأن البحري انما لم يسلبه الطهورية؛ لأنه منعقد من الماء. أشبه ذوب الثلج. بخلاف المعدنى. والله أعلم. وأشير إلى النوع الثانى وهو الذي لا يكره من الماء الطهور بقوله: (لا) أي: لا يكره متغير (بما يشق صونه) أي صون الماء (عنه) أي عما غيره؛ (كطُحْلُب) بضمء اللام وفتحها. وهو: خضرة تعلو الماء المزمن. ويحصل ذلك غالبا بسبب الشمس. (وورق شجر) يحصل بغير صنع آدمى في الماء؛ لمشقة الاحتراز عنه. أشبه ما لو كان في منبع الماء، أو ممرّه معدن من كبريت، أو نحوه فتغير به. وكذا المتغير بما تلقيه الريح أو السيول من تبن ونحوه. (و) كذا المتغير من الطهور بسبب طول (مُكث)؛ لما روي " أن النبي ﷺ توضأ من بئر كان ماءه نقاعة الحنا " (١) . ولا فرق بين كون المكث في الأرض، أو في آنية من آدم، أو نحاس أو غيرهما؛ لأن هذا التغير يشق الاحتراز منه (٢) . أشبه المتغير بمنبعه.

стр. 152

(و) لا يكره أيضاً ما تغير من (ريح) بسبب حملها الرائحة الخبيثة إلى الماء، فيتروج بها، (ولا ماء البحر) الملح، (و) لا ماء (الحمام، ومسخن بشمس، أو بطاهر) نص عليه في رواية صالح وابن منصور، لأنه باق على خلقته. أشبه ما لو أخذه من منبعه حاراً فبرده. وفيما يتغير بما يشق صونه عنه وجه بالكراهة. قال في " الفروع ": وان غيره ما يشق صونه عنه لم يكره في الأصح. انتهى. ومن كره - دخول الحمام فعلة الكراهة خوف مشاهدة العورة، أو قصد التنعيم بدخوله لا كون الماء مسخناً. (ولا يباح غير بئر الناقة من) آبار (ثمود) نص على ذلك، لما روى ابن عمر: " أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحِجر أرض ثمود. فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين. فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهرقوا ما استقوا من آبارها، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة " (١) . رواه أحمد والبخاري ومسلم. قال في " الفروع ": ولا وجه لظاهر كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى على إباحته مع الخبر، ونص أحمد. انتهى. النوع (الثاني): ما هو (طاهر) غير طهور. وهو أقسام: منها: المستخرج بالعلاج (كماء ورد) ونحوه، لأنه لا يصدق عليه اسم الماء بلا قيد، ولا يلزم من وَكّل في شراء ماء قبوله. (و) منها ماء (طهور تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه) بمخالطة شيء طاهر

стр. 153

من غير جنس الماء، لا يشق صون الماء عنه. سواء طبخ فيه " كمرق الباقلاء أو الحمص ونحوها، أو لم يطبخ فيه كما لو سقط فيه زعفران أو نحوه فتغير به " لأنه زال إطلاق اسم الماء عليه وزال عنه أيضاً معنى الماء " لأنه صار لا يطلب بشربه الإرواء. وعنه: أن ما تغير أحد أوصافه بغير طبخ باق على طهوريته. ورد بأنه تغير بممازجته طاهر يمكن صونه عنه. أشبه المتغير بالطبخ. وعنه: انه يرفع الحدث مع عدم غيره. ومحل هذا: إذا كان التغير (في غير محل التطهير)، وتقدمت الإشارة إلى ذلك. ولا فرق فيما تقدم بين سقوط ذلك الطاهر في الماء بغير فعل آدمى أو بفعله، (ولو بوضع) انسان في الماء (ما يشق صونه عنه)؛ كالطحلب يؤخذ من ماء خلق فيه فيوضع في غيره، (أو بخلط) الآدمى الماء بـ (ما لا يشق) صون الماء عنه مما تقدم ذكره ونحوه، (غير تراب) فانه (ولو) وضع (قصداً) لا يسلبه الطهورية " لأنه أحد الطهورين. (و) غير (ما مرّ) مما لا يخالط الماء " كالعود القماري وقطع الكافور والدهن، وما أصله الماء؛ كالملح البحري، فان التغير بهذا لا يسلب الماء الطهورية. سواء سقط فيه بنفسه، أو وضعه فيه واضع. وعلم من قول المتن: كثير من لونه أو طعمه أو ريحه، انه لو تغير يسير من ذلك أن الماء باق على طهوريته؛ لما روت أم هانئ: " انه ﷺ اغتسل هو وزوجته ميمونة من قصعة فيها أثر العجين " (١) . رواه أحمد والنسائي. (و) من أقسام الماء الذي هو طاهر غير طهور: (قليلٌ استعمل في رفع

стр. 154

الحدث). قال في " الفروع ": نقله واختاره الأكثر. انتهى. ودليله قوله ﷺ : " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " (١) . رواه مسلم من حديث أبي هريرة. ولولا أن الغسل فيه يؤثر منعاً لما نهي عنه. ولأنه أزال مانعاً من الصلاة. أشبه ما لو أزال به نجاسة، أو انه استُعمل في عبادة على وجه الإتلاف، فلم يمكن استعماله فيها ثانيا؛ كالرقبة في الكفارة. وعنه: انه نجس. ورُدَّ " بأن النبي ﷺ صب على جابر من وضوئه " (٢) . رواه البخاري. فدل على طهارته. . وعنه: انه باق على طهوريته. اختاره ابن عقيل وأبو البقاء والشيخ تقي الدين. ولا يشترط في زوال طهوريته أن يغسل به المحدث عضوا من أعضائه، بل يتأثر (ولو بغمس بعض عضو من عليه حدث أكبر بعد نية رفعه. و) لكن (لايصير مستعملا إلا بأنفصاله)؛ لأنه حينئذ يصدق عليه انه استعمل، ولا يرتفع الحدث عن ذلك المغموس. وعلم من تقييد الحدث بالأكبر انه لا يضر اغتراف المتوضئ. وفيه وجه. قال في " الفروع ": وقيل اغتراف متوضئ بيده بعد غسل وجهه لم ينو غسلها فيه؛ كجنب. والمذهب طهور، لمشقة تكرره. انتهى، ولنرجع إلى قوله: في غمس الجنب. قال في " الفروع ": وان نوى جنب بانغماسه أو بعضه في قليل راكد رفعَ

стр. 155

حدثه لم يرتفع وصار مستعملاً. نص عليه. قيل: بأول جزء لاقى كمحلٍّ نجس لاقاه وفاقاً. قال القاضي وغيره: وذلك الجزء لا يُعلم؛ لاختلاف أجزأء العضو، كما هو معلوم في الرأس. وقيل: بأول جزء انفصل؛ كالمتردد على المحل. وقيل: ليس مستعملاً. وقيل: يرتفع. وقيل: أن كان المنفصل عن العضو لو غسل بمائع، ثم صبّ فيه أثر هنا، وكذا نيته بعد غمسه. وقيل: يرتفع. انتهى. وعلم مما تقدم: انه لا فرق في ذلك بين الكبير والصغير الذي تصح منه الطهارة. وعلم منه أيضاً: انه لا أثر لغمس الجنب عضوه في الماء القليل الطهور بلا نية غسل؛ لطهارة بدنه، ولا يكره. وعنه: يكره. وان كان الماء كثيراً وهو راكد كره أن يغتسل فيه. قال أحمد: لا يعجبني. وعنه: لا ينبغي. وهل يرتفع حدثه باتصاله بالماء أو بأنفصاله عنه؛ فيه وجهان. ومن أقسام الماء الطاهر الذي ليس بطهور أيضاً: ما أزيلت به النجاسة فى صورتين، أشير إليهما بقوله: (أو) استعمل في (إزالة خبث). فان لم ينفصل عن المحل الذي استعمل في تطهيره، ولو تغير بالنجاسة فهو باق على طهوريته. قال في " الفروع ": ولا يؤثر تغيره في محل التطهير، وفيه قول. انتهى. ومراده بتأثره والله أعلم: انا لا نحكم عليه بالنجاسة ولا بسلب الطهورية؛ لأنه وارد على المحل. فلو حكمنا عليه بشئ من ذلك بمجرد الملاقاة لزم أن لا يمكن تطهير شيء أبداً. والله أعلم. (و) أن (انفصل) الماء (غير متغير مع زواله) أي زوال الخبث (عن محل طهر)

стр. 156

أى حكم بطهارته فهو طاهر، لأن المنفصل بعض المتصل، والمتصل طاهر فكذلك المنفصل. وفيه وجه: انه نجس. ومن أقسامه أيضاً ما أشير إليه بقوله: (أو غسل به ذكره وأُنْثَييْه لخروج مذي دونه) أي دون المذي، لتنجسه به. قال في " الشرح الكبير " بعد أن ذكر الماء الذي غمست فيه يد القائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثاً: وعلى قياسه المستعمل في غسل الذكر والانثيين من المذي لكونه (١) في معناه. انتهى. ومن أقسامه أيضاً ما أشير إليه بقوله: (أو غُمس) بالبناء للمفعول (فيه) أي في الماء القليل (كلُّ يد) انسان (مسلم مكلف قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) لو كان، (أو حصل) الماء (في كلها) أي كل اليد بأن صب على جميع يده من الكوع إلى منتهاها. (ولو باتت) اليد التي غمست أو حصل الماء في كلها (مكتوفة أو بجراب ونحوه)، ككيس صفيق (قبل غسلها) أي اليد (ثلاثاً). سواء (نواه) أي نوى الغسل (بذلك) الغمس أو الحصول (أو لا) أي: أو لم ينوه. والأصل في ذلك قوله ﷺ : " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه (٢) قبل أن يدخلهما في الاناء ثلاثاً فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " (٣) . رواه مسلم وكذا البخاري إلا انه لم يذكر: " ثلاثاً ". فلولا انه يفيد منعاً لم ينه عنه (٤) .

стр. 157

وخص الحكم بالمسلم المكلف " لأن الصحابة المكلفين هم المخاطبون بذلك. وحكى في " الفروع " في تاًثير غمس يد كافر ومجنون وطفل وجهين. وخص بنوم الليل من قوله: باتت، والمبيت انما يكون بالليل. وخص النوم بما ينقض الوضوء " لأن ما دونه لا أثر له. وحكم نوم جميع الليل حكم مجرد ما ينتقض به الوضوء في وجوب الطهارة بكل منهما. وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف الليل. والمراد باليد ها هنا: إلى الكوع، لأنه المفهوم عند الإطلاق في لغة العرب. وشارك الحصول في كل اليد غمسه " لأنه في معناه. واعتبر الكل " لأن الحديث ورد فيه وهو تعبد، ولا يلزم من كون شيء مانعاً كون بعضه مانعاً، كما لا يلزم من كون الشيء سبباً كون بعضه سبباً. وانما لم يفرق بين كونها مُطْلَقة وبين كونها مكتوفة أو مشدودة داخل جراب أو نحوه، لعموم الأخبار. ولأن الحكم إذا علق على المظنة لم تعتبر حقيقة الحكمة " كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم في حق الصغيرة والآيسة. وانما لم يفرق بين كون اليد نوى غسلها بالغمس أو الحصول أو لم ينو، لعموم الخبر. (ويستعمل ذا) أي هذا الماء الذي غمس فيه كل اليد أو حصل في كلها في الوضوء والغسل وإزالة النجاسة (ان لم يوجد غيره)، لقوة الخلاف إذ القائلون بعدم التأثير من العلماء أكثر من القائلين به. (مع تيمم) أي: وتيمم معه وجوباً؛ لقوة الدليل على التأثير. ولا أثر لغمسها في مائع طاهر على الأصح. قال في " الفروع ". (وطهورٌ مُنع منه لخلوة المرأة أولى) بأن يتطهر به مع عدم غيره من الماء الذي

стр. 158

غمس فيه يد القائم من نوم الليل قبل غسلها، لبقاء طهوريته. ومن أقسامه أيضاً ما أشير إليه بقوله: (أو خُلط) أي الماء الطهور القليل (بمستعمل) في رفع حدث أو في إزالة خبث وانفصل غير متغير عن محل طهر، أو بماء غمس فيه يد كل قائم من نوم ليل ناقض لوضوء، أو غسل به كل اليد بحيث (لو خالفه) أي خالف المستعمل الطهور (صفة) أى في الصفة بحيث لو فرضنا المستعمل أصفر أو أحمر أو أسود أو نحو ذلك كان قد (غيره) أي ظهرت صفته في الماء الطهور، (ولو بلغا) أي الماء الطهور والمستعمل الذي لو خالفه في الصفة غيره (قلتين) أي فلا يصير الكل طهوراً ببلوغه قلتين في الأصح " كما لو أضيف مستعمل إلى مستعمل وبلغا قلتين. قال في " الفروع ": وان خلط طهور بمستعمل فان كان لو خالفه في الصفة غيّره أثر، وعند صاحب " المحرر " الحكم للأكثر قدراً، وعند ابن عقيل أن غيره لو كان خلاًّ أثر. ونصه فيمن انتضح من وضوئه في انائه لا بأس. وان بلغ بعد خلطه قلتين، أو كانا مستعملين فطاهر. وقيل: طهور. انتهى. النوع (الثالث) من أنواع المياه: (نجس. وهو) قسمان: الأول: (ما تغير بنجاسة) خالطته (لا بمحل تطهير) سواء كان قليلا أو كثيراً بغير خلاف. حكى ابن المنذر الإجماع على نجاسة المتغير بالنجاسة. والثانى: ما أشير إليه بقوله: (وكذا قليل لاقاها) أي: النجاسة ولم يتغير بها، (ولو) كان الماء (جارياً، أو) كانت النجاسة التي لاقته (لم يدركها طرف) أي: لم تتبين للناظر إليها، (أو) لم (يمض زمن تسري) النجاسة (فيه). والقول بتنجس اليسير بمجرد الملاقاه هو أحد الروايتين. قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.

стр. 159

ودليله: ما روى ابن عمر قال: " سئل النبي ﷺ عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع. فقال: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء " (١) . وفي رواية " لم يحمل الخبث " (٢) . رواه الخمسة والحاكم، وقال: على شرط الشيخين. ولفظه لأحمد. وسئل ابن معين عنه فقال: إسناده جيد، وصححه الطحاوي. قال الخطابي: ويكفي شاهد على صحته أن نجوم أهل الحديث صححوه. و" لأنه ﵇ أمر بإراقة الاناء الذي ولغ فيه الكلب " (٣) ، ولم يعتبر التغيير، والظاهر عدمه. وتحديد الشارع الماء بالقلتين يدل على تنجيس ما دونهما، وإلا لم يكن التحديد مفيداً. والرواية الثانية: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير؛ لما روى أبو سعيد قال: " قيل: يا رسول الله لِلَّهِ أنتوضأ من بئر بضاعة؛ - وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن- قال: أن الماء طهور لا ينجسه شيء " (٤) . رواه الإمام أحمد وصححه، والترمذي وحسنه، وأبو داود. لكن الظاهر أن ماءها كان يزيد على القلتين. وقد روي: أن قطر رأسها ستة.

стр. 160

أذرع. وبضاعة: يروى با لضم والكسر. ولما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه " (١) . رواه ابن ماجه والدارقطني. ويمكن الجواب عنه بأنه مطلق، وحديث القلتين مقيد، والمطلق محمول على المقيد. وعنه: أن كان جارياً لا ينجس إلا بالتغيير. قال في " الإنصاف ": جزم به في " العمدة " و" الإفادات " وقدمه في " الرعا يتين ". قال في " الكبرى ": هو أقيس وأولى. قال في " الحاوي الصغير ": ولا ينجس قليل جار قبل تغيره في أصح الروايتين. وقال في " الحاوي الكبير ": وهو أصح عندي، واختارها المصنف والشارح والمجد والناظم. قال في " الفروع ": اختارها جماعة واختارها الشيخ تقي الدين. وقال: هي أنص الروايتين. انتهى. قال في " الفروع ": وحكى عنه أبي الوقت الدينوري طهارة ما لا يدركه طرف. ذكره ابن الصيرفي. انتهى. وقيل: أن مضى زمن تسري فيه النجاسة نجس، وإلا فلا. والمذهب الأول. وعليه يكون الماء الطهور القليل من حيث كونه لا يرفع النجاسة عن نفسه؛ (كمائع) من لبن وخل ونحوهما، (و) كماء (طاهر) غير طهور (ولو كَثُرا). نص على ذلك.

стр. 161

قال في " الشرح الكبير ": فأما غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة ففيه ثلاث روايات: إحداهن: أنه ينجس وان كثر. وهو الصحيح أن شاء الله تعالى " " لأن النبي ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن. فقال: أن كان جامداً فألقوها وما حولها، وان كان مائعاً فلا تقربوه " (١) . رواه الإمام أحمد. نهى عنه، ولم يفرق بين قليله وكثيره. ولأنها لا تطهر غيرها فلا تدفع النجاسة عن نفسها " كاليسير. انتهى. وان تغير الماء الكثير بنجاسه جاورته فقال ابن نصر الله: لو تغير بنجس لا يمازجه وكان كثيراً كالدهن النجس، فإطلاق الأصحاب يقتضي نجاسته، ومقتضى قولهم: أن الطهور إذا خالطه طاهر لا يمازجه فغيره لم يسلبه الطهورية أن لا ينجس " لأنهم عللوا هناك بأن تغيره عن مجاورة، وتغير الماء بنجاسة مجاورة لا ينجسه. انتهى. (و) الطهور (الوارد) إذا تغير (بمحل تطهير) من نجاسة فهو (طهور) أي باق على طهوريته " لبقاء عمله (كما لم يتغير منه) أي من الماء الطهور الوارد على محل طرأت عليه نجاسة (ان كثر) أي: أن كان قلتين فأكثر كما لو لم يكن وارداً، للحاجة إلى تطهير المحل. وعلم مما تقدم أن الراكد كالجاري. (وعنه: كل جرية من) ماء (جار) تعتبر بنفسها (كمنفرد). وانما ذكرت هذه الرواية " لقوتها وتشهيرها وما ينبني عليها مما يوهم انه على المذهب. قال في " الإنصاف ": وعنه: تعتبر كل جرية بنفسها. اختارها القاضى وأصحابه، وقال: هي المذهب. قال الزركشي: هي اختيار الأكثرين.

стр. 162

قال في " الكافي ": وجعل أصحابنا المتأخرون كل جرية كالماء المنفرد. واختارها في " المستوعب ". قال في " الفروع ": وهي أشهر. قال في " الحاوي الكبير ": هذا ظاهر المذهب. قال الأصحاب: فيفضي إلى تنجيس نهر كبير بنجاسة قليلة لا كثيرة؛ لقلة ما يحاذي القليلة، إذ لو فرضنا كلباً في جانب نهر وشعرة منه في جانبه الآخر لكان ما يحاذيها لا يبلغ قلتين؛ لقلته، والمحاذي للكلب يبلغ قلالاً كثيرة. انتهى. (ف) على هذه الرواية (متى امتدت نجاسة بـ) ماء (جار فكل جرية نجاسة مفردة). قال في " الفروع ": وان امتدت النجاسة فقيل واحدة. وقيل: كل جرية نجاسة منفردة. انتهى. وقد علمت أن المذهب اعتبار جميع الماء الجاري؛ لأن الذي عليه جماهير الأصحاب أن حكمه. كالراكد. وكلامه في " الإنصاف " يوهم خلاف ذلك فانه قال: فوائد: الأولى كذا. ثم قال: الثانية: لو امتدت النجاسة فما في كل جرية نجاسة منفردة، على الصحيح من المذهب. اختاره المصنف والشارح وجزما به، وابن رزين في " شرحه ". وقيل: الكل نجاسة واحدة، وأطلقهما في " الفروع " و" الرعاية الكبرى ". انتهى. فلم يبين هل ذلك على القول بأنه تعتبر كل جرية بنفسها أو لا؛. ثم أشار إلى بيان الجرية بقوله: (والجرية ما أحاط بالنجاسة) من الماء يمنة ويسرة وعلواً وسفلاً إلى قرار النهر (سِوَى ما وراءها)، لأنه لم يصل إليها، (و) سوى ما (أمامها) " لأنها لم تصل إليه. وفيهما وجه. قال في " الفروع ": وقال الشيخ: وما انتشرت إليه عادة أمامها وورائها. انتهى.

стр. 163

(وان لم يتغير) الماء (الكثير) الذي هو قلتان فصاعداً بملاقاة النجاسة (لم ينجس)؛ لحديث القلتين؛ (إلا ببول آدمي أو عذرة رطبة أو يابسة ذابت) في الماء دون الخارج من سبيل سائر الحيوانات غير الآدمي. نص عليه. وعنه: أو لم تذب. والأول المذهب (عند أكثر المتقدمين والمتوسطين) من الأصحاب. ويروى نحو ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - فروى الخلال بإسناده " أن عليّا رضي الله تعالى عنه سُئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها ". وهو قول الحسن؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يبولَنَّ أحدكمْ في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه " (١) . متفق عليه. وهذا يتناول القليل والكثير وهو خاص في البول فيجمع بينه وبين حديث القلتين، بحمل هذا على البول، وبحمل حديث القلتين على سائر النجاسات. والعذرة الرطبة واليابسة اذا ذابت في الماء في معنى البول؛ لأن أجزأءها تتفرق في الماء وتنتشر. بل هي أفحش منه. (إلا أن تعظم مشقة نزحه) أي نزح الماء الذي حصل فيه البول أو العذرة الموصوفة في العرف؛ (كمصانع مكة) فلا يتنجس ببول آدمى ولا غيره ما لم يتغير. قال في " الشرح ": لا نعلم خلافاً أن الماء الذي لا يمكن نزحه إلا بمشقة عظيمة مثل: المصانع التي جعلت مورداً للحجاج بطريق مكة يصدرون عنها ولا ينفد ما فيها أنها لا تنجس إلا بالتغير. انتهى. ولا فرق فيما تقدم بين قليل البول والعذرة أو كثيرهما.

стр. 164

قال مهنا: سألت أحمد عن بئر غزيرة وقعت فيها خرقة أصابها بول. قال: تنزح، لأن النجاسات لا فرق بين قليلها وكثيرها. قال في " الفروع ": ويتوجه من تقييد العذرة بالمائعة لا تنزح. انتهى. وعنه: أن حكم البول والعذرة حكم سائر النجاسات فلا ينجس بها ما بلغ قلتين إلا بالتغير. قال في " التنقيح ": اختاره أكثر المتأخرين وهو أظهر. انتهى. لأن نجاسة بول الآدمى لا تزيد على نجاسة بول كلب وهو لاينجس القلتين. وحديث النهي عن البول في الماء الدائم لا بد من تخصيصه بدليل ما لا يمكن نزحه إجماعاً فيقاس عليه ما بلغ القلتين، أو متخصص بخبر القلتين ويكون تخصيصه بخبر القلتين أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم، ولو تعارضا يرجح حديث القلتين لموافقته القياس، والتفريع على الأول. (فما تنجس بما ذكر) أي ببول الآدمى أو العذرة المذكورة (ولم يتغير) مما نجس به (فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه) إضافة (بحسب الإمكان) عرفاً. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب. انتهى. واعتبر الأزجي وصاحب " المستوعب " الاتصال في صبه. وتلك الإضافة إما بالصب وإما بإجراء ساقية إليه أو نحو ذلك " لأن هذا القدر المضاف يدفع نجاسة البول والعذرة عن نفسه وعما اتصل به، ولا ينجس إلا بالتغير إذا وردت عليه هذه النجاسة فكذلك إذا كان وارداً عليها، ومن ضرورة الحكم بطهارته طهارة ما اختلط به. (وان تغير) ما تنجس ببول آدمي أو عذرته (فان شق نزحه فـ) طهارته (بزوال تغيره بنفسه، أو) زوال تغيره (بإضافة ما يشق نزحه) إليه، (أو بنزح يبقى بعده ما يشق نزحه)، لأن ما بلغ هذا الحد في الكثرة لا يكون لتنجيسه علة إلا التغير. فإذا زالت علة التنجيس طهر " كالخمرة إذا انقلبت بنفسها خلاً

стр. 165

(وان لم) يكن الماء المتغير بهذه النجاسة مما (يشق) نزحه (فـ) تطهيره (بإضافة ما يشق نزحه) إليه (مع زوال تغيره) وهذا طاهر. (وما تنجس بغيره) أي: بغير ما ذكر من البول والعذرة بأن كان دون قلتين (ولم يتغيرفـ) تطهيره (بإضافة كثير) أي قلتين فصاعداًً. (وان تغير) بالنجاسة (فان كثر) بأن كان قلتين فصاعداًً (فـ) يطهر (بزوال تغيره بنفسه، أو بإضافة) طهور (كثير) أي قلتين فأكثر إليه، (أو بنزح يبقى بعده كثير) وهو قلتان فصاعداًً. (والمنزوح طهور بشرطه) وهو: زوال التغير منه وبلوغه حداً يدفع به تلك النجاسة التي نزح من أجلها عن نفسه لو سقطت فيه ولم تغيره. قال في " الإنصاف ": الماء المنزوح طهور ما لم تكن عين النجاسة فيه على الصحيح من المذهب. وقيل: طاهر؛ لزوال النجاسة به. انتهى. وكلام " الإنصاف " محمول على أن عين النجاسة التي في المنزوح بأن تكون بحيث لو سقطت في المنزوح ابتداء نجسه فيكون نجسا بوجودها دواما. (وإلا) أي وان لم يكن الماء الذي تغير بالنجاسة كثيرا، (أو كان كثيراً مجتمعا من متنجس يسير: فـ) تطهيره (بإضافة) طهور (كثير) إليه (مع زوال تغيره). قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم أن نجاسة الماء النجس عينية. وذكر شيخنا في " شرح العمده ": لا؛ لأنه يُطَهرغيره فنفسه أولى، وانه كالثوب النجس. وذكر بعض أصحابنا في كتب الخلاف: أن نجاسته مجاورة سريعة الإزالة لا عينية فلهذا يجوز بيعه. وحرم الحلوانى وغيره استعماله إلا لضرورة. وذكر جماعة أن سقيه للبهائم كالطعام النجس. وفي " نهاية الأزجي ": لا يجوز قربانه بحال بل يراق. وقاله في " التعليق " في المتغير وانه في حكم عين نجسة. بخلاف قليل نجس لم يتغير

стр. 166

فيجوز بَلُّ الطين به وسقي الدواب. انتهى. (ولا يجب غسل جوانب بئر نُزحت). قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح. قال المجد في " شرحه ": هذا الصحيح دفعا للحرج والمشقة وصححه في " مجمع البحرين ". انتهى. وعنه: بلى. وممن أطلق الروايتين صاحب " الفروع ". وعمومه يشمل البئر الضيقة. وقال القاضي في " الجامع الكبير ": الروايتان في البئر الواسعة. والضيقة يجب غسلها رواية واحدة. قال في " الرعايتين " و" الحاويين ": ويجب غسل البئر الضيقة وجوانبها وحيطانها. وعنه: والواسعة أيضاً. (والكثير) من الماء عند إطلاق أصحابنا (قلتان فصاعدا) أى فأكثر. بقلال هَجَر (١) . بفتح الهاء والجيم. قال في " القاموس ": قرية كانت قرب المدينة إليها تنسب القلال. انتهى. وانما خصصنا القلتين بقلال هجر لوجهين: أحدهما: ما روى الخطابي بإسناده إلى ابن جريج عن النبي ﷺ مرسلا: " إذا كان الماء قلتين بقلال هجر " (٢) . الثاني: أن قلال هجر أكبر مايكون من القلال وأشهرها في عصر

стр. 167

النبي ﷺ . ذكره الخطابي فقال: هي مشهورة الصفة، معلومة المقدار لا تختلف كما لا تختلف الصيعان والمكاييل، فلذلك حملنا الحديث عليها وعملنا بالاحتياط. (واليسير ما دونهما). والقلة: الجرة. وانما سميت قلة؛ لأتها تقل بالأيدي. وانما جعلتا حداً للكثير؛ لأن حديث القلتين دل على نجاسة ما لم يبلغهما بطريق المفهوم وعلى دفعهما للنجاسة عن أنفسهما، فلذلك جعلناهما حدا للكثير. (وهما خمسمائة رطل عراقي). قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. ثم قال بعد أسطر: وعنه: أربعمائة. ثم قال: وقال في " الكافي " و" الرعاية الكبرى ": وحكي عنه ما يدل على أن القلتين ستمائة رطل. ثم قال: قلت: ويؤخذ من رواية نقلها ابن تميم وابن حمدان وغيرهما: أن القلتين أربعمائه رطل وستة وستون رطلاً وثلثا رطل، فانهم قالوا: القلة تَسَع قربتين. وعنه: ونصفاً. وعنه: وثلثاً. والقربة تسعمائة رطل عند القائلين بها. فعلى الرواية الثالثة: تكون القلتان ما قلناه، ولم أجد من صرح به، وانما يذكرون الروايات فيما تَسَعُ القلة، وما قلناه لازم ذلك. انتهى. ووجه المذهب: ما روي عن ابن جريج انه قال: " رأيت قلال هجر، فرأيت القلة تسع قربتين وشيئاً " (١) . والقربة مائة رطل بالعراقي باتفاق القائلين بتحديد الماء بالقرب. والاحتياط أن يجعل الشيء نصفاً فكانت القلتان بما ذكرنا خمسمائة رطل بالعراقي. (وأربعمائة) أى أربعمائة رطل (وستة وأربعون) رطلاً (وثلاثة أسباع رطل مصري وما وافقه) في قدره.

стр. 168

(ومائة) أي مائة رطل (وسبعة) أرطال (وسبع رطل دمشقي وما وافقه) في قدره. (وتسعة وثمانون) رطلاً (وسبعا رطل حلبي وما وافقه) في قدره. (وثمانون) رطلاً (وسبعان ونصف سبع رطل قدسي وما وافقه) في قدره. والأصح من الوجهين كون هذا التقدير (تقريباً فلا يضر نقص يسير) كرطل ورطلين من خمسمائة، لأن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوها بحد. انما قال ابن جريج: القربة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، وانما جعلوا الشيء نصفا احتياطا، لأنه أقصى ما ينطلق عليه اسم شيء منكرا. ويحيى بن عقيل قال: أظنها تسع قربتين. وهذا لا تحديد فيه. والوجه الثاني: أن هذا التقدير على سبيل التحديد فيضر نقص الرطل ونحوه. ووجهه: أن ما اعتبر احتياطا كان واجبا، كغسل جزء من الرأس مع الوجه. ولأنه تقدير يدفع النجاسة فاعتبر تحقيقه، كالعدد في الغسلات. (ومساحتهما) أي: مساحة ما يسع القلتين من الماء حال كونه (مربعاً ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً). قال في " التنقيح ": قاله ابن حمدان وغيره. (بذراع اليد). قال في " التنقيح ": والمراد ذراع اليد قاله القمولي الشافعي. (و) حال كونه (مدوراً ذراع طولاً) أي: من كل جهة من حافاته إلى ما يقابلها، (وذراعان). قال (المنقح: والصواب ونصف) أي: نصف (ذراع عمقاً) قال: (حررت ذلك فيسع كل قيراط) يعني من المربع (عشرة أرطال وثلثي رطل عراقي). انتهى. وطريقة عمل ذلك: أن يضرب المخرج في المخرج والبسط في البسط، ويقسم حاصل البسط على حاصل المخرج. فتقول بسط الذراع والربع خمسة، فيؤخذ ربعه واحداً، ويبسط الصحيح من جنس الكسر أي: أربعة، فإذا ضممت

стр. 169

ذلك كان مجموعه خمسة، وقد تكرر ذلك ثلاث مرات باعتبار طوله وعرضه وعمقه فيضرب خمسة في خمسة يبلغ خمسة وعشرين، ثم يضرب الحاصل في خمسة يبلغ مائة وخمسة وعشرين وهو الحاصل من ضرب البسط بعضه في بعض، ومخرج الكسر من أربعة، وقد تكرر ذلك ثلاثة مرات فيضرب بعضه في بعض على نحو ما تقدم فيكون الحاصل من ذلك أربعة وستين، فتقسم بسط الأذرع الذي هو مائة وخمسة وعشرون على بسط المخرج وهو أربعة وستون التي هي سهام الذراع، فيحصل بالقسم ذراع ونصف ذراع وربع ذراع وثمن ذراع وخمسة أثمان ثمن ذراع. فإذا أردنا معرفتها بالقيراط قلنا: الذراع أربعة وعشرون قيراطا، والنصف والربع والثمن أحد وعشرين قيراطا وذلك خمسة وأربعون قيراطا وخمسة أثمان ثمن الذراع قيراطان إلا ثمناً تضم إلى الخمسة والأربعين فيصير المجموع سبعة وأربعين قيراطاً إلا ثمن قيراط. ثم لك طريقان: أن شئت قسمت الخمسمائه رطل عليها فتقول: لكل سهم قيراط من سبعة وأربعين عشرة أرطال ينقص منها ثمن عشرة أحد وربع لنقص الثمن عن سبعة وأربعين ثم تضم الأحد والربع إلى الثلاثين الباقية من الخمسمائة فيكون مجموعه واحداً وثلاثين وربعا نسبتها إلى ستة وأربعين وسبعة أثمان ثلثان، فهي نصيب كل قيراط منها. فعلم أن نصيب القيراط من خمسمائة رطل عشرة أرطال وثلثا رطل. وان شئت بسطت السبعة والأربعين إلا ثمنا من جنس الكسر فتكون ثلاثمائة وخمسة وسبعين وعليها القسم ثم تبسط الخمسمائة أيضاً من جنس الكسر فتكون أربعة آلاف وهي المقسومة فلك (١) ذلك من ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعين عشرة يبقى من الأربعة آلاف مائتان وخمسون نسبتها من ثلثمائة وخمسة وسبعين ثلثان فتضم إلى العشرة فتبقى عشرة أرطال وثلثا رطل وهي ما يخص كل قيراط. والله أعلم.

стр. 170

(و) الرطل (العراقي) زنته بالدراهم (مائة وثمانية وعشرون) درهما (وأربعة أسباع درهم، و) بالمثاقيل (تسعون مثقالا). . فهو (سبع) الرطل (القدسي وثمن سبعه، وسبع) الرطل (الحلبي وربع سبعه، وسبع) الرطل (الدمشقي ونصف سبعه، ونصف) الرطل (المصري وربعه وسبعه). والرطل القدسي ثمانمائة درهم، والحلبى سبعمائة درهم وعشرون درهما، والدمشقي ستمائة درهم، والمصري مائة درهم وأربعة وأربعون درهما. وكل رطل اثنا عشر أوقية لا تختلف في سائر البلاد، وأوقية العراقي عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وأوقية المصري اثنا عشر درهما، وأوقية الدمشقي خمسون درهماً، وأوقية الحلبي ستون درهما، وأوقية القدسى ستة وستون درهما وثلثا درهم. (وله) أى لمن أراد الطهارة، (استعمال ما لا ينجس إلا بالتغير) مع عدم تغيره،) ولو مع قيام) عين النجاسة (فيه) أي في الماء الطهور، (و) لو كان) بينه وبينها قليل) منه، لأنا إذا لم نحكم بنجاسته فلا فرق بين ما قرب من عين النجاسة وبين ما بعد. (وما انتضح من) ماء (قليل لسقوطها) أي النجاسة (فيه) فهو (نجس)، لملاقاته النجاسة. (ويعمل بيقين في كثرة ماء وطهارته ونجاسته، ولو مع سقوط عظم وروث شك في نجاستهما، أو طاهر ونجس وتغير بأحدهما ولم يعلم) التغير هل هو من الطاهر أو من النجس؛ لأن الشيء إذا كان على حال فانتقاله عنها يفتقر إلى عدمها، ووجود الأخرى وبقاؤها وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد البقاء فيكون أيسر من الحدوث. (وان أخبره) أي أخبر من يريد استعمال الماء (عدل) بنجاسته (وعيّن السبب) أي سبب النجاسه:) قُبل) بالبناء للمفعول أي لزم قبول خبره. رجلاً كان أو امرأة حراً أو عبداً. ومفهومه: انه أن لم يعين السبب لم يقبل وهو المذهب؛ لاحتمال اعتقاده نجاسة بسبب لا يعتقده من يريد استعمال الماء " كموت ذبابة فيه عند الشافعي. وقيل: يقبل خبره، وان لم يبين السبب.

стр. 171

(وان اشتبه) ماء (مباح طهور بمحرم أو نجس لا يمكن تطهيره) أي: النجس (به) أي: بالطهور فسيأتي حكم ذلك. وان أمكن بأن يكون الطهور- قلتين وعنده اناء يضمهما وجب خلطهما فيه ويطهر، وإلا (ولا مباح) من الماء (طهور بيقين لم يتحر) أي: لم ينظر أيهما يغلب على ظنه انه الطهور أو المباح. فيستعمله (ولو زاد عدد المباح أو الطهور)؛ لأنه اشتباه مباح بمحظور فيما لا تبيحه الضرورة. فلم يجز التحري؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات. وعنه: يتحرى أن زاد عدد الطهور ولو بواحد وكان النجس غير بول. وقيل: يتحرى مطلقاً إذا اشتبه طهور مباح بطهور محرم. (و) على المذهب (يتيمم بلا إعدام)؛ لأنه غير قادر على استعمال الماء الطهور. أشبه ما لو كان عنده بئر ولا يمكنه الوصول إلى مائه. وعنه: يشترط لصحة التيمم إعدامها بالإراقة أو الخلط؛ ليصير عادما للطهور بيقين. (و) على المذهب (لا يعيد الصلاة) التي صلاها بالتيمم (لو علمه) أي علم الماء الذي يصح منه الوضوء (بعد) أي بعد صلاته. قال في " الفروع ": في الأصح. انتهى. قال في " الإنصاف ": ولو توضأ من أحدهما من غير تحرٍّ فبان انه طهور لم يصح وضوءه على الصحيح من المذهب. وقيل: يصح. وأطلقها في " الحاوي الكبير " و" الفائق ". انتهى. والظاهر أن قوله: من غير تحرٍّ ليس بشرط على المذهب؛ لأن التحري ليس مطلوباً منه، وانما الواجب عليه التيمم. والله أعلم. وان توضأ بماء ثم علم نجاسته أعاد. قال في " الفروع ": نقله الجماعة وفاقاً خلافاً للـ " رعاية " أن لم نقل: إزالة النجاسة شرطاً كذا قال. ونصه: حتى يتيقن براءته.

стр. 172

وقال القاضي وأصحابه: بعد ظنه نجاسته. وذكر في " الفصول " والأزجي: أن شك هل كان وضوءه قبل نجاسة الماء أو بعده لم يعد؛ لأن الأصل الطهارة. وهذا معنى كلام غيرهما؛ لعدم العلم انه صلى بنجاسة. لكن يقال: شكه في القدر الزائد كشكه مطلقاً، فيؤخذ من هذا: لا يلزمه أن يعيد إلا ما تيقنه بماء نجس. وهو متجه وفاقاً لأبي يوسف ومحمد وبعض الشافعية، كشكه في شرط العبادة بعد فراغها. فهو كشكه في النية بعد الفراغ. وعلى هذا لا يغسل ثيابه وانيته. ونص أحمد: يلزمه وفاقاً. انتهى. (ويلزم من) أي انسان (علم) الماء (النجس إعلام من أراد أن يستعمله). قال في " الإنصاف ": قدمه في " الرعاية الكبرى " في باب النجاسة، وفرضه في إرادة التطهير به. وقيل: لا يلزمه. وقيل: يلزمه أن قيل أن إزالتها شرط في صحة الصلاة، وأطلقهن في " الفروع ". انتهى. ومن أصابه ماء ولا إمارة تدل على نجاسته كره سؤاله عنه، نقله صالح؛ لقول عمر رضي الله تعالى عنه: " يا صاحب الحوض لِلَّهِ لا تخبرنا " (١) . فلا يلزم الجواب. وقيل: بلى؛ كما لو سئل عن القبلة. وقيل: الأولى السؤال والجواب. وقيل: بلزومهما. وأوجب الأزجي إجابته أن علم نجاسته، وإلا فلا. (ويلزمه) أي يلزم من اشتبه طهور له بنجس (التحري لحاجة شرب واكل)؛ كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة واحتاج إلى الأكل وليس عنده طعام حلال بيقين. (لا غسل فمه)؛ لأن الأصل الطهارة. وعنه: لا يلزمه التحري. وعلى الأولى لو لم يغلب على ظنه شيء استعمل ما شاء منهما في الشرب والأكل؛ لأنه حال ضرورة.

стр. 173

وقيل: يلزمه غسل فمه؛ كما لو علم أن النجس الذي استعمله. (و) أن اشتبه ماء طهور (بطاهر أمكن جعله) أي جعل الطاهر (طهوراً به) بأن كان الطهور قلتين فأكثر وعنده اناء يمكن ضمهما فيه (أو لا) أي: أو لم يمكن ذلك: (يتوضأ مرة) أي وضوءاً واحداً يأخذ لكل عضو (من ذا غرفة ومن ذا غرفة). وقيل: يتوضأ من كل واحد وضوءاً كاملا. والأول المذهب؛ وذلك: أن الوضوء الواحد مجزوم بنية كونه رافعا. بخلاف الوضوءين فانه لا يدري أيهما الرافع للحدث. (ويصلي صلاة) واحدة. قال في " الشرح ": لا نعلم فيه خلافاً. انتهى. وتظهر للخلاف في كونه يتوضأ وضوءاً أو وضوئين فائدة. وهو: ما إذا كان عنده طهور بيقين. فمن يقول: يتوضأ وضوءين لا يصححهما معه، ومن قال: وضوءاً واحداً من هذا غرفة ومن ذا غرفة يصححه معه فإلى ذلك أشرت بقولي: (ويصح ذلك ولو مع طهور بيقين) ولا يتحر للطهارة في مطلق ومستعمل خلافاً للشافعي. قاله في " الفروع ". (و) أن اشتبهت (ثياب طاهرة مباحة بنجسة أو محرمة ولا طاهر) عنده (أو مباح بيقين) فتارة يعلم عدم الثياب التي لا تصح فيها الصلاة وتارة لا يعلمه، (فان علم عدد) ثياب (نجسة أو محرمة صلى في كل توب) صلاة (وزاد) على العدد (صلاة) ينوي بكل صلاة الفرض احتياطا؛ كمن نسي صلاه من (١) يوم. ووجه ذلك: انه أمكنه أداء فرضه بيقين فلزمه؛ كما لو لم تشتبه. (وإلا) أي: وان لم يعلم عدد الثياب النجسة فانه يلزمه أن يصلي في كل ثوب صلاة (حتى يتيقن صحتها) أي حتى يتيقن انه صلى في ثوب طاهر. وظاهره ولو كثرت الثياب؛ لأن هذا يندر جداً فألحق بالغالب. وقيل: يتحرى مع كثرتها دفعا للمشقة.

стр. 174

وقيل: يصلي في واحد بلا تحر، وفي الإعادة وجهان. قال في " الفروع ": ويتوجه أن هذا فيما إذا بان طاهراً كنظيره في ماء مشتبه في وجه. انتهى. وعلم من قول المتن: ولا طاهر أو مباح بيقين، انه إذا كان عنده ثوب تصح صلاته فمه غيرمشتبه بما لا تصح الصلاة فيه انه يلزمه أن يصلي فيه ويترك ما اشتبه. قال في " الفروع ": ولا تصح في الثياب المشتبهة مع طاهر يقينا. انتهى. ولا تصح إمامة من اشتبهت عليه ثياب تصح فيها الصلاة بما لا تصح فيها في شيء منها. قال في " الفروع ": وفرق أحمد بين الثياب والأواني بأن الماء يلصق ببدنه. قال الأصحاب: ولأنه ليس عليها أمارة، ولا لها بدل يرجع إليه، ويتوجه احتمال سواء. انتهى. (وكذا) أي وكالثياب المتنجسة المشتبهة بالطاهرة في كونه لا يتحرى فيها ويصلي في كل واحد حتى يتيقن انه صلى في طاهر (أمكنة ضيقة) تنجس بعضها ونسي. فإذا تنجست زاوية من مكان ضيق واشتبهت ولا سبيل إلى مكان طاهر بيقين فانه يصلى في زاويتين من البيت. فإذا تنجست زاويتان فانه يصلي في ثلاث، وإذا تنجست ثلاث صلى في الأربع. قال في " الفروع " بعد مسألة الثياب: وكذا الأمكنة. ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحرٍّ. وان اشتبهت أخته بأجنبية لم يتحر. وقيل: بلى في عشيرة. وفي قبيلة كبيرة له النكاح. وفي لزوم التحري وجهان، ويتوجه مثله الميتة بالمذكاة. قال أحمد: أما شاتان لا يجوز التحري، فأما إذا كثرت فهذا غير هذا. ونقل الأثرم أنه قيل له: فثلاثة؛ قال: لا أدري. انتهى. ***

стр. 175

[باب الآنية] هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الآنية وثياب الكفار وأجزأء الميتة. ووجه مناسبة ذكر أحكام الآنية عقب باب المياه: كون الماء لا يقوم إلا بآنية. و (الآنية: الأوعية) جمع اناء ووعاء وسقاء وأسقية، وجمع الآنية أوانى. والأصل أآني أبدلت الهمزة الثانية واواً كراهة اجتماع همزتين كآدم وأوادم. (ويحرم اتخاذها واستعمالها) أي الآنية (من ذهب وفضة). قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به أكثرهم. ثم قال: وعنه: يجوز اتخاذها، وذكرها بعض الأصحاب وجها في المذهب. واتخاذها هو جعل الذهب والفضة على هيئة الآنية؛ لأن ما حرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال؛ كالملاهي. والدليل على تحريم استعماله ما روى حذيفة أن النبي ﷺ قال: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها. فانها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " (١) . وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة انما يجرحر في بطنه نار جهنم " (٢) . متفق عليهما.

стр. 176

فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه. ولأن في ذلك سرفاً وخيلاء وكسر قلوب الفقراء. والجرجرة: هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف. والاستعمال في غير الأكل والشرب في معناهما؛ لأن ذكرهما قد خرج مخرج الغالب وما كان كذلك لا يتقيد الحكم به. (و) يحرم اتخاذ الآنية أيضاً (من عظم آدمى وجلده)؛ لحرمته. وما حرم اتخاذ الآنية واستعمالها منه يحرم اتخاذ الآلة منه؛ كالقلم (حتى الميل ونحوه)؛ كالكرسي والسرير. وحكى ابن عقيل في " الفصول " أن أبا الحسن التميمي قال: إذا اتخذ مِسْعَطا، أو قنديلاً، أو نعلين، أو مجمرة أو مدخنة ذهباً أو فضة كره، ولم يحرم. ويحرم سرير وكرسي. ويكره عمل خفين من فضة، ولا يحرم كالنعلين. قال: ومنع من الشربة والملعقة. قال في " الفروع " بعد نقل ذلك: كذا حكاه، وهو غريب. قال في " الإنصاف " بعد ذكره كلام " الفروع ": قلت: هذا بعيد جداً والنفس تأبى صحة هذا. ولا يختص تحريم ذلك بالذكور وإلى ذلك أشرت بقولي: (و) حتى (على أنثى) لعموم الأخبار وعدم المخصص. وانما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إلى التزين للزوج. وهذا يختص بالحلي فاختصت الإباحة به. (وتصح الطهارة من اناء من ذلك) أي مما يحرم اتخاذ الاناء منه، (و) من اناء (مغصوب أو ثمنه محرم) بأن يكون عين الثمن مغصوباً أو خمراً أو خنزيراً أو نحو ذلك. وقيل: لا تصح الطهارة من اناء محرم الاستعمال اختاره أبو بكر؛ لأنه

стр. 177

استعمل المحرم في العبادة. فلم تصح، كما لو صلى في دار مغصوبة. ورد بأن القيام والقعود والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم، لأنه استعمال لها، وأفعال الوضوء من المسح والغسل ليس بمحرم " لأنه ليس باستعمال للاناء، وانما يقع ذلك بعد رفع الماء من الاناء وفصله عنه. أشبه ما لو اغترف باناء محرم الاستعمال في اناء غيره ثم توضأ منه. (و) تصح الطهارة أيضاً (فيه) أي: في الاناء المحرم. ومن صور ذلك: لو غصب حوضاً يسع قلتين وملأه ماءاً مباحاً وانغمس فيه محدث ناوياً رفع حدثه فانه يرتفع، لأن الاناء ليس بشرط للطهارة. أشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب فان ذلك لا يؤثر في صحة الصلاة. (وإليه) أي: إلى الاناء المحرم بأن جعله مصبالماء الوضوء أو الغسل فان ذلك لا يؤثر " لأن المنفصل الذي يقع في الاناء قد رفع الحدث. فلم يبطل بوقوعه فيه. (و) اناء (مُمَوَّه) بالرفع اسم مفعول من موه. وصوره ذلك: أن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيها الاناء من النحاس ونحوه فيكتسب منه لونه. (و) اناء (مطلي) بذهب أو فضة بأن يجعل الذهب أو الفضة ورقاً ويطلى به الاناء من الحديد ونحوه. (و) اناء (مُطَعَّم) بذهب أو فضة بأن يحفر في الاناء من الخشب أو غيره حفراً ويوضع فيها قطع من الذهب أو الفضة مقدرة على قدر تلك الحفر. (و) اناء (مُكفت). وصورة ذلك: أن يبرد الاناء من الحديد ونحوه حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة ثم يوضع فيها شريط رقيق من الذهب أو الفضة ويدق حتى يلصق بالاناء. . (كَمُصْمَت) يعني أن الاناء المموه والمطلي والمطعم والمكفت بذهب أو فضة في حكم التحريم كمصمت أي: كمنفرد من ذلك النوع الذي موه أو طلي أو طعم أو كفت به " لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " من شرب من اناء ذهب

стр. 178

أو فضة أو من اناء فيه شيء من ذلك فانما يجرحر في بطنه نار جهنم " (١) . رواه الدارقطني. ولأن العلة التي لأجلها حرم المصمت وهي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء موجودة في المموه والمطلي والمطعم والمكفت. (وكذا) في الحكم اناء (مضبب) بذهب أو فضة. وصورة ذلك: أن ينكسر الاناء من الخشب أو نحوه فيضبب بضبة كبيرة أو يسيرة من ذهب، أو- كبيرة من فضة فيحرم استعمال هذا الاناء كما يحرم استعمال المكفت ونحوه بسبب ذلك؛ لوجود العلة فيه. (لا) إذا ضبب بضبة (يسيرة عُرفاً من فضة لحاجة) فانه لا يحرم استعماله مع ذلك، لما روى أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- " أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة " (٢) . رواه البخاري. وهذا مخصص لعموم الأحاديث المتقدمة. قال في " الشرح ": وممن رخص في ضبة الفضة سعيد بن جبير وميسرة وطاووس والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وإسحاق ﵃. (وهي) أي: الحاجة (ان يتعلق بها) أي بالضبة اليسيرة من الفضة (غرض غير زينة) قال في " الشرح ": ومعنى ذلك: أن تدعو الحاجة إلى فعله، وليس معناه: أن لا يندفع بغيره. انتهى. وإلى ذلك أشير بقولي: (ولو وُجد غيرُها.

стр. 179

وتكره مباشرتُها) أي: ضبة الفضة المباحة؛ لأن في مباشرتها استعمال للفضة المتصلة بالآنية. ومحل الكراهة إذا كان استعمالها (بلا حاجة) فان احتاج إلى استعمالها لكونه إذا لم يباشرها عند الشرب تدفق الماء عليه أو نحو ذلك فانه لا يكره. وفيما تقدم من المباح والمحرم خلاف فصله صاحب " الفروع ". وعبارته: ويحرم المضبب بذهب وفاقاً للشافعي. وقيل: كثير. وقيل: لحاجة. ويحرم بفضة وفاقاً للشافعي، واحتج بعضهم بأنه يحرم أبواب ذهب وفضه ورفوف، وان كان تابعاً بما يقتضي انه محل وفاق، فان كثرت الضبة لحاجة، أو قلّت لغيرها فوجهان. فان قلّت لحاجة أبيح وفاقاً. وقيل: يكره. وتباح مباشرتها لحاجة وبدونها، قيل: تحرم، وهو ظاهر كلامه. وقيل: تكره. وقيل: تباح. والكثير ما كثر عرفا. وقيل: ما استوعب أحد جوانبه. . وقيل: ما لاح على بعد. والحاجة: أن يتعلق بها غرض غير الزينة في ظاهر كلام بعضهم. قال شيخنا: مرادهم أن يحتاج إلى تلك الصورة، لا إلى كونها من ذهب وفضة فان هذه ضرورة، وهي تبيح المنفرد. وقيل: عجزه عن اناء آخر واضطراره إليه. وقيل: عجزه عن ضبه غيرها. انتهى. (وكل) اناء (طاهر من غير ذلك) أي غير ما نص على حرمته (مباح) اتخاذه واستعماله. (ولو) كان ذلك الاناء (ثمينا) أي كثير الثمن؛ كالمتخذ من الجوهر والياقوت والزمرد لفقد العلة التي لأجلها حرمت آنية الذهب والفضة؛ لأن هذه الجواهر لا يعرفها إلا خواص الناس فلا تنكسر قلوب الفقراء لكونهم لا يعرفونه، ولا يحصل باتخاذها اناء تضييق؛ لأنها لا يكون منها درهم ولا دينار. ولأنها لقلتها لا يحصل اتخاذ آنية منها إلا نادراً، ولو اتخذت كانت مصونة لا تستعمل ولا تظهر غالباً. فلا تفضى إباحتها إلى استعمالها. بخلاف آنية

стр. 180

الذهب والفضة فانها في مظنة الكثرة فكان التحريم متعلقا بالمظنة فلم يتجاوزه. فلو جعل فص خاتم جوهرة ثمينة جاز ولو جعله ذهباً لم يجز. والله أعلم. (وما لم تعلم نجاسته من آنية كفار ولو لم تحل ذبيحتهم وثيابهم ولو وَلِيَت عوراتهم)؛ كالسراويل. (وكذا من لابس النجاسة كثيراً) كمدمن الخمر: (طاهر مباح) خبران لـ " ما ". والأصل في ذلك قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائده: ٥]. وهو يتناول ما لا يقوم إلا بآنية. وما " روي أن النبي ﷺ وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة " (١) متفق عليه. ولأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك. قال في " الفروع ": وثياب الكفار وآنيتهم مباحة أن جهل حالها وفاقاً لأبي حنيفة. وعنه: الكراهة وفاقاً لمالك والشافعي. وعنه: المنع. وعنه: فيما ولي عوراتهم. وعنه: المنع في الكل ممن تحرم ذبيحته وكذا حكم ما صبغوه، وآنية من لابس النجاسة كثيراً وثيابه. وقيل لأحمد عن صبغ اليهود بالبول فقال: المسلم والكفار في هذا سواء، ولا تساًل عن هذا ولا تبحث عنه، فان علمت فلا تصل فيه حتى تغسله. واحتج غير واحد بقول عمر- رضي الله تعالى عنه- في ذلك: " نهانا الله عن التعمق والتكلف " (٢) . وبقول ابن عمر في ذلك: " نهينا عن التكلف والتعمق ". وسأله أبو الحارث عن اللحم يشترى من القصاب؛ قال: يغسل. وقال شيخنا: بدعة. وبدنُ الكافر طاهر، وعند جماعة كثيابه. وقيل: وكذا طعامه
следующие страницы →