فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه. ولأن في ذلك سرفاً وخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
والجرجرة: هي صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف.
والاستعمال في غير الأكل والشرب في معناهما؛ لأن ذكرهما قد خرج مخرج الغالب وما كان كذلك لا يتقيد الحكم به.
(و) يحرم اتخاذ الآنية أيضاً (من عظم آدمى وجلده)؛ لحرمته.
وما حرم اتخاذ الآنية واستعمالها منه يحرم اتخاذ الآلة منه؛ كالقلم (حتى الميل ونحوه)؛ كالكرسي والسرير.
وحكى ابن عقيل في " الفصول " أن أبا الحسن التميمي قال: إذا اتخذ مِسْعَطا، أو قنديلاً، أو نعلين، أو مجمرة أو مدخنة ذهباً أو فضة كره، ولم يحرم. ويحرم سرير وكرسي. ويكره عمل خفين من فضة، ولا يحرم كالنعلين. قال: ومنع من الشربة والملعقة.
قال في " الفروع " بعد نقل ذلك: كذا حكاه، وهو غريب.
قال في " الإنصاف " بعد ذكره كلام " الفروع ": قلت: هذا بعيد جداً والنفس تأبى صحة هذا.
ولا يختص تحريم ذلك بالذكور وإلى ذلك أشرت بقولي: (و) حتى (على أنثى) لعموم الأخبار وعدم المخصص. وانما أبيح التحلي للنساء لحاجتهن إلى التزين للزوج. وهذا يختص بالحلي فاختصت الإباحة به.
(وتصح الطهارة من اناء من ذلك) أي مما يحرم اتخاذ الاناء منه، (و) من اناء (مغصوب أو ثمنه محرم) بأن يكون عين الثمن مغصوباً أو خمراً أو خنزيراً أو نحو ذلك. وقيل: لا تصح الطهارة من اناء محرم الاستعمال اختاره أبو بكر؛ لأنه
стр. 177
استعمل المحرم في العبادة. فلم تصح، كما لو صلى في دار مغصوبة.
ورد بأن القيام والقعود والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم، لأنه استعمال لها، وأفعال الوضوء من المسح والغسل ليس بمحرم " لأنه ليس باستعمال للاناء، وانما يقع ذلك بعد رفع الماء من الاناء وفصله عنه. أشبه ما لو اغترف باناء محرم الاستعمال في اناء غيره ثم توضأ منه.
(و) تصح الطهارة أيضاً (فيه) أي: في الاناء المحرم.
ومن صور ذلك: لو غصب حوضاً يسع قلتين وملأه ماءاً مباحاً وانغمس فيه محدث ناوياً رفع حدثه فانه يرتفع، لأن الاناء ليس بشرط للطهارة. أشبه ما لو صلى وفي يده خاتم ذهب فان ذلك لا يؤثر في صحة الصلاة.
(وإليه) أي: إلى الاناء المحرم بأن جعله مصبالماء الوضوء أو الغسل فان ذلك لا يؤثر " لأن المنفصل الذي يقع في الاناء قد رفع الحدث. فلم يبطل بوقوعه فيه.
(و) اناء (مُمَوَّه) بالرفع اسم مفعول من موه. وصوره ذلك: أن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيها الاناء من النحاس ونحوه فيكتسب منه لونه.
(و) اناء (مطلي) بذهب أو فضة بأن يجعل الذهب أو الفضة ورقاً ويطلى به الاناء من الحديد ونحوه.
(و) اناء (مُطَعَّم) بذهب أو فضة بأن يحفر في الاناء من الخشب أو غيره حفراً ويوضع فيها قطع من الذهب أو الفضة مقدرة على قدر تلك الحفر.
(و) اناء (مُكفت). وصورة ذلك: أن يبرد الاناء من الحديد ونحوه حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة ثم يوضع فيها شريط رقيق من الذهب أو الفضة ويدق حتى يلصق بالاناء. .
(كَمُصْمَت) يعني أن الاناء المموه والمطلي والمطعم والمكفت بذهب أو فضة في حكم التحريم كمصمت أي: كمنفرد من ذلك النوع الذي موه أو طلي أو طعم أو كفت به " لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " من شرب من اناء ذهب
стр. 178
أو فضة أو من اناء فيه شيء من ذلك فانما يجرحر في بطنه نار جهنم " (١) . رواه الدارقطني. ولأن العلة التي لأجلها حرم المصمت وهي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء موجودة في المموه والمطلي والمطعم والمكفت.
(وكذا) في الحكم اناء (مضبب) بذهب أو فضة. وصورة ذلك: أن ينكسر الاناء من الخشب أو نحوه فيضبب بضبة كبيرة أو يسيرة من ذهب، أو- كبيرة من فضة فيحرم استعمال هذا الاناء كما يحرم استعمال المكفت ونحوه بسبب ذلك؛ لوجود العلة فيه.
(لا) إذا ضبب بضبة (يسيرة عُرفاً من فضة لحاجة) فانه لا يحرم استعماله مع ذلك، لما روى أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- " أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة " (٢) . رواه البخاري.
وهذا مخصص لعموم الأحاديث المتقدمة.
قال في " الشرح ": وممن رخص في ضبة الفضة سعيد بن جبير وميسرة وطاووس والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وإسحاق ﵃. (وهي) أي: الحاجة (ان يتعلق بها) أي بالضبة اليسيرة من الفضة (غرض غير زينة) قال في " الشرح ": ومعنى ذلك: أن تدعو الحاجة إلى فعله، وليس معناه: أن لا يندفع بغيره. انتهى.
وإلى ذلك أشير بقولي: (ولو وُجد غيرُها.
стр. 179
وتكره مباشرتُها) أي: ضبة الفضة المباحة؛ لأن في مباشرتها استعمال للفضة المتصلة بالآنية.
ومحل الكراهة إذا كان استعمالها (بلا حاجة) فان احتاج إلى استعمالها لكونه إذا لم يباشرها عند الشرب تدفق الماء عليه أو نحو ذلك فانه لا يكره.
وفيما تقدم من المباح والمحرم خلاف فصله صاحب " الفروع ". وعبارته: ويحرم المضبب بذهب وفاقاً للشافعي. وقيل: كثير. وقيل: لحاجة. ويحرم بفضة وفاقاً للشافعي، واحتج بعضهم بأنه يحرم أبواب ذهب وفضه ورفوف، وان كان تابعاً بما يقتضي انه محل وفاق، فان كثرت الضبة لحاجة، أو قلّت لغيرها فوجهان. فان قلّت لحاجة أبيح وفاقاً. وقيل: يكره. وتباح مباشرتها لحاجة وبدونها، قيل: تحرم، وهو ظاهر كلامه. وقيل: تكره. وقيل: تباح.
والكثير ما كثر عرفا. وقيل: ما استوعب أحد جوانبه. . وقيل: ما لاح على بعد.
والحاجة: أن يتعلق بها غرض غير الزينة في ظاهر كلام بعضهم. قال شيخنا: مرادهم أن يحتاج إلى تلك الصورة، لا إلى كونها من ذهب وفضة فان هذه ضرورة، وهي تبيح المنفرد. وقيل: عجزه عن اناء آخر واضطراره إليه. وقيل: عجزه عن ضبه غيرها. انتهى.
(وكل) اناء (طاهر من غير ذلك) أي غير ما نص على حرمته (مباح) اتخاذه واستعماله. (ولو) كان ذلك الاناء (ثمينا) أي كثير الثمن؛ كالمتخذ من الجوهر والياقوت والزمرد لفقد العلة التي لأجلها حرمت آنية الذهب والفضة؛ لأن هذه الجواهر لا يعرفها إلا خواص الناس فلا تنكسر قلوب الفقراء لكونهم لا يعرفونه، ولا يحصل باتخاذها اناء تضييق؛ لأنها لا يكون منها درهم ولا دينار. ولأنها لقلتها لا يحصل اتخاذ آنية منها إلا نادراً، ولو اتخذت كانت مصونة لا تستعمل ولا تظهر غالباً. فلا تفضى إباحتها إلى استعمالها. بخلاف آنية
стр. 180
الذهب والفضة فانها في مظنة الكثرة فكان التحريم متعلقا بالمظنة فلم يتجاوزه.
فلو جعل فص خاتم جوهرة ثمينة جاز ولو جعله ذهباً لم يجز. والله أعلم.
(وما لم تعلم نجاسته من آنية كفار ولو لم تحل ذبيحتهم وثيابهم ولو وَلِيَت عوراتهم)؛ كالسراويل. (وكذا من لابس النجاسة كثيراً) كمدمن الخمر:
(طاهر مباح) خبران لـ " ما ".
والأصل في ذلك قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائده: ٥]. وهو يتناول ما لا يقوم إلا بآنية.
وما " روي أن النبي ﷺ وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة " (١) متفق عليه.
ولأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك.
قال في " الفروع ": وثياب الكفار وآنيتهم مباحة أن جهل حالها وفاقاً لأبي حنيفة. وعنه: الكراهة وفاقاً لمالك والشافعي. وعنه: المنع. وعنه:
فيما ولي عوراتهم. وعنه: المنع في الكل ممن تحرم ذبيحته وكذا حكم ما صبغوه، وآنية من لابس النجاسة كثيراً وثيابه. وقيل لأحمد عن صبغ اليهود بالبول فقال: المسلم والكفار في هذا سواء، ولا تساًل عن هذا ولا تبحث عنه،
فان علمت فلا تصل فيه حتى تغسله. واحتج غير واحد بقول عمر- رضي الله تعالى عنه- في ذلك: " نهانا الله عن التعمق والتكلف " (٢) .
وبقول ابن عمر في ذلك: " نهينا عن التكلف والتعمق ".
وسأله أبو الحارث عن اللحم يشترى من القصاب؛ قال: يغسل. وقال شيخنا: بدعة. وبدنُ الكافر طاهر، وعند جماعة كثيابه. وقيل: وكذا طعامه
стр. 181
وماؤه. انتهى.
(ويباح دبغ جلد) لحيوان طاهر، (نجس بموت) سواء كان مأكولا؛ كالبعير ونحوه، أو غير مأكول؛ كالهر ونحوه.
(و) يباح (استعماله بعده) أي بعد الدبغ؛ " لأن النبي ﷺ وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : ألا أخذوا إهابها
فدبغوه فانتفعوا به " (١) . رواه مسلم. ولأن الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة. ونجاسته لا تمنع الانتفاع به؛ كالاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار مطلقاً.
(و) استعمال (منخل من شعر نجس)؛ كشعر البغل. قال ابن قندس في " حاشية الفروع ": ونص على جواز المنخل من شعر نجس. انتهى.
ومحل إباحة استعمال الجلد والمنخل النجسين إذا كان الاستعمال (في يابس) احتراز به عن استعمالهما في مائع فانه يحرم.
قال كثير من الأصحاب: رواية واحدة.
وعنه: لا يجوز استعماله في اليابس أيضاً.
(ولا يطهر) الجلد (به) أي بالدبغ. نقله الجماعة عن أحمد. ويروى ذلك عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم؛ لما روى عبد الله بن عكيم " أن النبى ﷺ كتب إلى جهينة انى كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميته بإهاب ولا عصب " (٢) . رواه
стр. 182
أبو داود والإمام أحمد وقال: إسناد جيد يرويه يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه. وليس في أبي داود: " كنت رخصت
لكم " ولا عند أحمد، بل ذلك من رواية الطبراني والدارقطني.
وفي لفظ: " أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أو شهرين " (١) . وهو ناسخ لما قبله؛ لأنه في آخر عهد رسول الله ﷺ . ولفظه دال على سبق الرخصة وانه متآخر عنه؛ لقوله: " كنت رخصت لكم "، وانما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله ﷺ .
فان قيل: هذا مرسل؛ لأنه من كتاب لا يعرف حامله. قلنا: كتاب النبي ﷺ كلفظه، ولذلك لزمت الحجة من كتب إليه النبي ﷺ وحصل له البلاغ؛ لأنه لو لم يكن حجة لم تلزمهم الإجابة ولكان لهم عذر في ترك الإجابة لجهلهم لحامل الكتاب، والأمر بخلاف ذلك.
وروى أبو بكر الشافعي بإسناده عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال:
" لا تنتفعوا من الميتة بشيء " (٢) . وإسناده حسن. ولأنه جزء من الميتة. فلا يطهر بمعالجة؛ كلحمها.
قال في " الفروع ": ونقل جماعة أخيراً طهارته وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه. وعنه: مأكول اللحم اختارهما جماعة، والمذهب الأول عند الأصحاب؛ لعدم رفع المتواتر بالآحاد (٣) ، وخالف شيخنا وغيره. يؤيده نقل الجماعة: لا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان، ونقل خطاب بن بشر: كنت أذهب إليه ثم رأيت السنة كلها. وهو المذهب عند الأصحاب.
وقال القاضي: وعندي أن أحمد رجع عن القول الأول؛ لأنه صرح به في
стр. 183
رواية خطاب، وفي اعتبار غسله وجعل تشميسه دباغاً وجهان. ويتوجهان في تنزيه أو ريح، ولا يحصل بنجس، وفي " الرعاية ": بلى ويغسل بعده وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي وينتفع بما ظهر وفاقاً. وقيل: ويأكل المأكول وفاقاً لأحد قولي الشافعي. انتهى.
(ولا) يطهر (جلد غير مأكول بذكاة) أي بذبح؛ كلحمه.
قال في " الفروع ": ولا يجوز ذبح الحيوان لذلك خلافاً لأبي حنيفة. قال شيخنا: ولو في النزع. انتهى.
(ولبن) من ميتة، (وأنفحَّة) - بكسر الهمزة وتشديد الحاء وقد تكسر الفاء- شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر، فيعصر في صوفه فيغلظ كالجبن.
قاله في " القاموس ".
(وجلدتها) أي جلد الأنفحّة من ميتة (وعظم وقرن وظفر وعصب وحافر من ميتة نجس).
أما اللبن والأنفحة فلأنهما مائعان لاقيا وعاء نجسا فتنجسا. وفيهما رواية بالطهارة، وأما جلدة الأنفحّة وما بعدها فمن جملة الميتة المحرمة. قال في " الفروع ": ولبن الميتة وأنفحّتها وجلدتها نجس، جزم به جماعة في الجلدة، وذكره في " الخلاف " فيها اتفاقا. وعنه: طاهر مباح وفاقاً لأبي حنيفة. ثم قال: وعظمها وقرنها وظفرها وعصبها نجس. وعنه: طاهر وفاقاً لأبي حنيفة.
قال بعضهم: فعلى هذا يجوز بيعه، اختاره ابن وهب المالكى، فقيل: لأنه لا حياة فيه وفاقاً لأبي حنيفة. وقيل- وهو أصح-: لانتفاء سبب التنجيس وهي الرطوبة. وعلى نجاسة ذلك لا يباع كما سبق وفاقاً لأبي حنيفة، وجوز مطرف وابن الماجشون المالكيان بيع انياب الفيل، وأجازه ابن وهب وأصبغ:
إذا دبغت بأن تغلى وتلصق (١) . انتهى.
стр. 184
(لا صوف وشعر وريش ووبر من) حيوان (طاهر في حياة) فانه لا ينجس بالموت. نقل الميموني: صوف الميتة لا أعلم أحدا كرهه.
والأصل في ذلك قوله : ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ النحل: [٨٠].
والآية في سياق الامتنان فالظاهر شمولها لحالتي الحياة والموت، والريش مقيس على الثلاثة المذكورين.
قال في " الفروع ": وعنه: نجس وفاقاً للشافعي اختاره الآجري. قال: لأنه ميتة، وكذا من حيوان حي لا يؤكل. وعنه: من طاهر طاهر وافق الشافعية عليه؛ كجزه إجماعاً وكشعر آدمي وفاقاً للشافعي وان لم ينتفع به على الأصح فيهما لحرمته. وقيل: ينجس شعر هر؛ لزوال علة الطواف به وان لم ينجس شعر غيرآدمي جاز استعماله، وإلا ففي استعماله في يابس ولبسه في غير صلاة روايتان. واستثنى جماعه شعر كلب وخنزير وجلدهما، وفي طهارة رطوبة أصله بغسله (١) وجهان. ونقل عبد الله: لا بأس به إذا غسل، وكذا. رواه الدارقطني عن أم سلمة مرفوعاً (٢) وهو ضعيف. ونقل أبو طالب: ينتفع بصوفها إذا غسل، قيل: فريش الطير؛ قال: هذا أبعد. وحرم في " المستوعب " نتف ذلك من حي؛ لإيلامه، وكرهه في " النهاية ". انتهى.
(ولا) ينجس (باطن بيضة مأكول صلب قشرها) بموت الطائر.
قال في " الإنصاف ": بلا نزاع نص عليه، وان لم يصلب فهو نجس على الصحيح من المذهب. انتهى.
قال في " الشرح ": وان ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها فهي طاهرة، وهو قول أبو حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر، وكرهها علي بن أبي طالب وابن عمر ومالك والليث وبعض الشافعية؛ لأنها جزء من الميتة. ولنا أنها
стр. 185
بيضة صلبة القشر منفصلة عن الميتة. أشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة، وكراهية الصحابة محمولة على التنزيه استقذارا لها. وان لم تكمل البيضه فقال بعض أصحابنا: ما كان قشرها أبيض فهو طاهر وما لم يبيض فهو نجس؛ لأنه ليس عليه حائل حصين. واختار ابن عقيل انها لا تتنجس؛ لأن البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد وهو القشر قبل أن يقوى فلا يتنجس منها إلا ما لاقى النجاسة؛ كالسمن الجامد إذا ماتت فيه فأرة؛ إلا أن هذه تطهر إذا غسلت؛ لأن لها من القوة ما يمنع دخول أجزأء النجاسة فيها، بخلاف السمن، والله أعلم. انتهى.
(وما أُبين من) حيوان (حي فـ) حكمه (كميتته) فان كانت ميتته طاهرة مباحة " كالسمك فما قطع منه مع بقاء الحياة فيه فهو طاهر مباح، وما كانت ميتته نجسة " كبهيمة الانعام فما قطع منها من قرن وظفر وحافر وعظم ولحم دون. أن تذكى فهو نجس، لقول النبي ﷺ : "مايقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " (١) . رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
قال في " الشرح ": وكذلك ما يتساقط من قرون الوعول في حياتها.
ويحتمل أن هذا طاهر؛ لأنه طاهر متصلا مع عدم الحياة فيه. فلم ينجس بفصله من الحيوان كالشعر. والحديث أريد به ما يقطع من البهيمة مما فيه حياة فيموت بفصله لدليل الشعر. انتهى.
(وسن تخمير) أي: تغطية (انية وإيكاء) أي ربط فم (اسقية) جمع سقاء.
قال في " القاموس ": والسقاء ككساء جلد السخلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن. انتهى.
والأصل في ذلك ما روى أبو هريرة قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي الاناء ونوكي السقاء " (٢) . رواه أبو داود.
стр. 186
والحكمة في ذلك: حفظه مما يحصل فيه مما يضر.
فوائد:
قال في " الفروع ": وفي الخرز بشعر خنزير روايات: الجواز وفاقاً لأبي حنيفة ومالك، والكراهة والتحريم وفاقاً للشافعي. ويجب غسل ما خرز به رطبا لتنجيسه. وعنه: لا؛ لإفساد المغسول. وفي لبس جلد الثعلب وافتراش جلد سبع روايتان. ويجوز الانتفاع بالنجاسات في رواية وفاقاً لأبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين عنه لكن كرهه أحمد وجماعة. وعنه: وشحم الميتة وفاقاً للشافعي أومأ إليه في رواية ابن منصور، ومال إليه شيخنا. وعنه: وفاقاً لمالك في إحدى روايتيه المنع، ويعتبر أن لا ينجس. وقيل: مائعا.
стр. 187
[باب الاستنجاء]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام الاستنجاء.
ثم (الاستنجاء) شرعاً: (إزالة خارج من سبيل بماء، أو) رفع حكمه بما يقوم مقام الماء من (حجر ونحوه)؛ كخشب وخرق. وبعض الأصحاب عبر عن ذلك بالاستطابة.
قال في " القاموس ": واستطاب استنجى كأطاب. انتهى.
ويسمى الاستنجاء بالحجر ونحوه: استجماراً، وهو استفعال من الجمار.
وهي الحجارة الصغار.
(يسن لداخل خلاء) بالمد، وهو موضع للمتوضأ به، والمكان الذي لا شيء به. والمراد به هنا المكان المعد لقضاء الحاجة (ونحوه) أي: ونحو داخل الخلاء كالمريد لقضاء حاجة بالصحراء (قول: بسم الله)؛ لما روى علي قال: قال رسول الله ﷺ : " ستر ما بين الجن وعورات بني ادم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله " (١) . رواه ابن ماجه والترمذي وقال: ليس إسناده بالقوي.
ثم قول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)؛ لأن التسمية يبتدأ بها للتبرك.
ثم يستعيذ. وانما قدم التعوذ في القراءة على البسملة؛ لأنها من القرآن، والاستعاذة من أجل القراءة.
стр. 188
قال في " المقنع ": (الرجس النجس الشيطان الرجيم) وكذا قال في " البلغة "، ولم يزد في " الغنية " و" المحرر " و" الفروع " على قوله: من الخبث والخبائث، واقتصر في " الوجيز " على الاستعاذة من الرجس النجس الشيطان الرجيم، ولم يذكر الخبث والخبائث.
وكل لفظ من ذلك ورد في حديث. فروى انس: " أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم لِلَّهِ انى اعوذ بك من الخبث والخبائث " (١) . متفق عليه.
قال في " الفروع ": روى البخاري إذا أراد دخوله، وفي رواية لمسلم:
" أعوذ بالله " (٢) ٠ انتهى.
وروى أبو امامة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم انى أعوذ بك من الرجس النجس، الشيطان الرجيم " (٣) . رواه ابن ماجه.
فما في " المقنع " و" البلغة " جامع لما في الحديثين.
والخبث بإسكان الباء، قاله أبو عبيدة. ونقل القاضي عياض انه أكثر روايات الشيوخ وفسره بالشر. والخبائث بالشياطين فكانه استعاذ من الشر وأهله.
وقال الخطابي: هو بضم الباء وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين واناثهم. وقيل: الخبث الكفر، والخبائث الشياطين.
والرجس القذر، ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم. قاله في " القاموس ".
стр. 189
والنجس: اسم فاعل من نجس ينجس فهو نجس.
قال الفراء: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه أي: قالوا بكسر النون وسكون الجيم.
والشيطان: مشتق من شطن أي بعد، يقال: دار شطون أي: بعيدة. سمي بذلك؛ لبعده من رحمة الله تعالى. وقيل: من شاط، أي: هلك. سمي به؛ لهلاكه بمعصية الله تعالى.
والرجيم: نعت له، ويجوز أن يكون بمعنى راجم أي: يرجم غيره بالإغواء بمعنى مرجوم؛ لأنه يرجم بالكواكب عند استراقه السمع.
(وانتعاله وتغطية رأسه) أي: يسن لداخل الخلاء أن ينتعل ويغطي رأسه.
ذكرهما في " الفروع ": أما الانتعال ففي هذا الباب، وأما تغطية الرأس ففي باب عشرة النساء. قال: ذكره جماعة، قال في " الإنصاف ": قلت: منهم ابن حمدان في " رعايتيه " وابن تميم وابن عبيدان والموفق والشارح وغيرهم. انتهى.
(و) يسن له (تقديم يسراًه) أي: رجله اليسرى (دخولا) أي: في حالة الدخول؛ لأن اليسرى تقدم للأذى، واليمين لما سواه.
(و) يسن (اعتماده عليها) أي: على الرجل اليسرى (جالسا) أي: في حالة جلوسه لقضاء الحاجة؛ لما روى سراًقة بن مالك قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نتكئ على اليسرى وان ننصب اليمين " (١) . رواه الطبرانى في " المعجم " والبيهقي. ولأنه أسهل لخروج الخارج.
(و) يسن له تقديم (يمناه خروجا)؛ لأنها أحق بالتقديم إلى الأماكن الطيبة؛ (كخلع) أي: كما تقدم اليسرى إذا أراد خلع نعل أو خف، ويؤخر اليمين.
стр. 190
(وعكسه) أي: وعكس ذلك وهو تقديم اليمنى وتأخير اليسرى في الدخول (مسجد وانتعال) ونحوهما، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ باليسرى " (١) . رواه الطبرانى في
" المعجم الصغير ". ولأن اليمنى أحق بالتقديم إلى الأماكن الطيبة.
(و) يسن لمن أراد قضاء الحاجة وهو (بفضاء بُعدٌ) " لما روى جابر: " أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد " (٢) . رواه أبو داود.
(واستتار) " لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أتى الغائط فليستتر. فان لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به " فان الشيطان يلعب
بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " (٣) . رواه أبو داود.
وروى عبد الله بن جعفر قال: " كان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل " (٤) . رواه مسلم.
وفسر بأنه جماعة النخل لا واحد له من لفظه.
(وطلب مكان رخو) بتثليث الراء أي: لين هش، لما روى أبو موسى قال: " كنت مع النبي ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثاً في أصل جداًر فبال ثم قال: إذا بال أحدكم فليرتد لبوله " (٥) . رواه أحمد وأبو داود. قال في " القاموس ": دَمِثَ المكانُ وغيرهُ كَفِرَحَ، سهل ولانَ. انتهى.
وفي " التبصرة ": ويقصد مكاناً علواً. انتهى.
ولعله: لينحدر عنه البول.
стр. 191
(ولَصْقُ ذكرهِ بصُلب) بضم الصاد. أي: شديد أن لم يجد مكانا رخواً؛ لأنه يأمن بذلك من رشاش البول.
(وكره) له (رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)؛ لما روى أبو داود من طريق رجل لم يسمه وقد سماه بعض الرواة: القاسم بن محمد عن ابن عمر " أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض " (١) . ولأن ذلك أستر له.
والمراد بلا حاجة.
(و) كره له (أن يصحب ما) أى شيئاً (فيه اسم الله تعالى)؛ لما روى أنس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه " (٢) . رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي.
وقد صح أن نقش خاتمه " محمد رسول الله " (٣) . ولأن الخلاء موضع القاذورات فشرع تعظيم اسم الله تعالى وتنزيهه عنه.
(بلا حاجة) إلى ذلك، كما لو لم يجد من يحفظه وخاف ضياعه.
وعنه: لا يكره.
قال في " الفروع ": وفي " المستوعب " وغيره تركه أولى وجزم
стр. 192
بتحريمه؛ كمصحف.
(لا دراهم ونحوها)، كدنانير فيها اسم الله تعالى " لمشقة التحرز من ذلك.
قال أحمد: فالرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم أرجو أن لا يكون به بأس.
قال في " الفروع ": ويتوجه في حرز مثلها، وقال صاحب النظم: وأولى ٠ انتهى.
(لكن يجعل فص خاتم) فيه ذكر الله تعالى واحتاج أن يصحبه (بباطن كف يمنى).
قال أحمد: الخاتم إذا كان فيه اسم الله تعالى يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء. (و) كره له أيضاً (استقبال شمس وقمر)، لما فيهما من نور الله تعالى، وقد روي أن معهما ملائكة، وأن أسماء الله تعالى مكتوبة عليهما.
(و) استقبال (مهب ريح) خشية أن يرد عليه البول فيتنجس.
(و) كره له أيضاً. وقيل: يحرم عليه (مس فرجه) بيمينه (واستجماره بيمينه)؛ لما روى أبو قتادة أن رسول الله قال: " لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه " (١) . متفق عليه.
وروى سلمان قال: " نهانا رسول الله ﷺ عن كذا، وان نستنجي باليمين " (٢) . رواه مسلم.
فإذا كان يستجمر من غائط أخذ الحجر بيساره فمسح به، وان كان من بول أمسك ذكره بشماله ومسحه على الحجر.
ومحل الكراهة: أن فعل ذلك (بلا حاجة). فان كان لحاجة، (كصغر حجر تعذر وضعه بين عقبيه) وأحدهما عقب، ككتف وهو مؤخر القدم، (أو) تعذر وضعه بين (اصبعيه) أي: إبهامي رجليه (فيأخذه) أي الحجر (بها) أي بيمينه
стр. 193
(ويمسح بشماله).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. صححه المجد في
" شرحه " وابن عبيدان وصاحب " الحاوي الكبير " والزركشي و" مجمع البحرين "، وقدمه في " الرعاية الكبرى ". وقيل: يمسك ذكره بيمينه ويمسح بشماله. انتهى.
وبكل حال تكون اليسرى هي المتحركة؛ لأن الاستجمار انما يحصل بالمتحركة.
فان كان أقطع اليسرى أو بها مرض استجمر بيمينه؛ للحاجة.
قال في " التلخيص ": يمينه أولى من يسار غيره. انتهى.
وعلم مما تقدم انه إذا أمكنه وضع الحجر بين عقبيه أو أصبعيه لا يمسكه بيمينه. قال في " الفروع ": ويكره بيمينه وفاقاً للشافعي. وقيل: بتحريمه وأجزأئه
في الأصح. نقل صالح: أكره أن يمس فرجه بيمينه، فظاهره مطلقاً، وذكره صاحب " المحرر "، وهو ظاهر كلام الشيخ، وحمله أبو البركات ابن منجى على وقت الحاجة لسياقه فيها، وترجم الخلال رواية صالح كذلك. انتهى.
(و) كره أيضاً (بوله في شق) بفتح الشين، واحد الشقوق، (و) بوله في (سرب) بفتح السين والراء، وهو ما يتخذه الوحش والذئب بيتاً في الأرض؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر. قالوا لقتادة: ما تكره من البول في الجحر؛ قال: يقال: انها مساكن الجن " (١) . رواه أحمد وأبو داود.
وقد روي: " أن سعد بن عبادة بال بجحر بالشام ثم استلقى ميتا. فسمع من
بئر بالمدينة قائلا يقول:
نحن قتلناسيدالخز … رج سعدبن عبادة
ورميناه بسهمين … فلم نخطئفؤاده " (٢)
стр. 194
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد. ولأنه يخشى أن يخرج ببوله دابة تؤذيه، أو ترده عليه فتنجسه.
(و) كره بوله في (اناء بلا حاجة).
قال في " الفروع ": والمنصوص: وفي اناء بلا حاجة. انتهى.
وعلم مما تقدم انه لا بأس به للحاجة؛ لقول أميمة: " كان للنبي ﷺ قدح
من عَيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير " (١) . رواه أبو داود والنسائي.
والعيدان بفتح العين: الطوال من النخل.
قال في " القاموس ": ومنها كان قدح يبول فيه النبي ﷺ . انتهى.
(و) كره بوله في (مستحَم غير مُقيَّر أو مبلّط).
قال في " الفروع ": ومستحم غير مبلط. وعنه: ومبلط، وفي مقير روايتان. انتهى.
قال في " الشرح ": ولا يبول في المغتسل؛ لما روى الإمام أحمد
وأبو داود عن رجل صحب النبي ﷺ قال: " نهى النبي ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله " (٢) . وقد روي " أن عامة الوسواس منه " (٣) . رواه أبو داود وابن ماجه. وقال: سمعت علي بن محمد يقول: انما هذا في الحفيرة، فأما اليوم
فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير. فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس به.
стр. 195
وقال الإمام أحمد: ان صب عليه الماء وجرى في البالوعة فلا بأس، وقد قيل: أن البصاق على البول يورث الوسواس، وان البول على النار يورث السقم. انتهى.
(و) كره أن يبول في (ماء رآكد) ولو كان كثيرا، (و) في ماء (قليل جار): أما الراكد، فـ " لأن النبي ﷺ نهى عن البول فيه " (١) في حديث متفق عليه. وعمومه يشمل الكثير الذي يشق نزحه في العادة.
وأما الجاري الكثير فلا بأس بالبول فيه، لأن تخصيص النهي بالراكد دليل على أن الجاري بخلافه.
وأما الجاري القليل فيتنجس بالبول.
قال في " الفروع ": وأطلق أحمد النهي عن بوله في راكد، وأطلق الآدمي البغدادي تحريمه فيه. وفي " النهايه ": يكره تغوطه فيه. انتهى.
قال في " الإنصاف ": ويكره بوله في ماء قليل جار، ولا يكره في الكثير على الصحيح من المذهب، واختار في " الحاوي الكبير " الكراهة، ويحرم التغوط في الماء الجاري على الصحيح جزم به في " المغني " و" الشرح ". وعنه: يكره، جزم به المجد في " شرحه " وابن تميم وصاحب " الحاوي الكبير " و" مجمع البحرين ". انتهى.
(و) كره (استقبال قبلة بفضاء باستنجاء او استجمار).
قال في " الإنصاف ": يكره استقبالها في فضاء باستنجاء واستجمار على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. وقيل: لا يكره ذكره في " الرعاية ". قلت: ويتوجه التحريم. انتهى. قال في " الفروع " بعد أن قدم الكراهة: وقيل: لا؛ كبيت المقدس في
стр. 196
ظاهر نقل إبراهيم بن الحارث، وهو ظاهر ما في الخلاف، وحمل النهي حيث كان قبلة، ولا يسمى بعد النسخ قبلة، وذكر ابن عقيل في النسخ بقاء حرمته، وظاهر نقل حنبل فيه: يكره وفاقاً للشافعي. انتهى.
(و) كره (كلام فيه) أي في الخلاء (مطلقاً) سواء كان في غير مباح؛ كسؤال
عن شيء، أو مستحب؛ كإجابة مؤذن، أو و (٣) ؛ كرد سلام. نص على هذه، لما روى ابن عمر قال: " مر بالنبي ﷺ رجل وسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه " (١) . رواه مسلم وأبو داود.
وقال: " يروى أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام " (٢) .
قال في " الفروع ": ويكره أن يتكلم ولو رد سلام نص عليه. وقال:
لا ينبغي أن يتكلم، وكرهه الأصحاب، وان عطس حمد بقلبه. وعنه: وبلفظه، وكذا إجابة المؤذن، ذكره أبو الحسين وغيره، وجزم صاحب " النظم " بتحريم القراءة في الحش وسطحه وهو متجه على حاجته، وظاهر كلام صاحب " المحرر " وغيره يكره؛ لأنه ذكر انه أولى من الحمام لمظنة نجاسته، وكراهه ذكر الله تعالى فيه خارج الصلاة، وفي " الغنية ": لا يتكلم، ولا يذكر الله (٣) ، ولا يزد على التسمية والتعوذ. انتهى.
(وحرم) على قاضي الحاجة لُبثُه فوق حاجته)، لما فيه من كشف العورة
بلا حاجة. وقيل: انه يدمي الكبد ويورث الباسور.
قال في " الفروع ": ولبثه فوق حاجته مضر عند الأطباء، وهو كشف لعورته خلوة بلا حاجة، وفي تحريمه وكراهته روايتان اختار القاضي وغيره الكراهه، واختار صاحب " المحرر " وغيره التحريم، وهي مساً لة سترها عن الملائكة والجن، ذكره أبو المعالي، ومعناه في " الرعاية "، ويوافقه كلام صاحب
стр. 197
" المحرر " (١) في ذكر الملائكة فانه احتج للتحريم بما رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعا: " إياكم والتعري فان معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهل هـ، فاستحيوهم وأكرموهم " (٢) .
وكذا رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض بلا حاجة. وحيث لم يحرم خلافاً
للشافعي كره، وفي كلام ابن تميم جاز. وعنه: يكره، كذا قال. انتهى.
(و) حرم (تغوطه) أي: أن يتغوط (بماء) قليل وكثير جار وراكد، (وبوله وتغوطه) أي: أن يبول أو يتغوط (بمورده) أي: مورد الماء، (وطريق مسلوك، وظل نافع)؛ لما روى معاذ أن النبي ﷺ قال: " اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل " (٣) . رواه أبو داود وابن ماجه.
ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " اتقوا اللاعنين؛ قالوا:
وما اللاعنان؛ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم " (٤) . رواه مسلم.
ففي إضافة الظل إليهم دليل على أن المراد المنتفع به، ولم يقيده في
" المستوعب ". وقيل: يكره البول في الطريق، والظل النافع، ومورد الماء، وصححه في " الإنصاف "، وصحح الحرمة في التغوط في الماء الجاري ثم قال: وعنه: يكره.
стр. 198
وقال في " الشرح ": وأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي من يمر به.
(وتحت شجرة عليها ثمر)؛ لأنه يفسد على الناس ثمرهم وتعافه النفس.
فأما إذا لم يكن عليها ثمر جاز أن لم يكن ظلا نافعاً؛ لأن أثر ذلك يزول بالأمطار إلى مجيء الثمرة.
(وعلى ما نهي عن استجماره به لحرمته)؛ كطعام الآدميين والبهائم.
(و) حرم (في فضاء) دون بنيان (استقبال قبلة واستدبارها)؛ لما روى
أبو أيوب أن النبي ﷺ قال: " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا " (١) . رواه البخاري ومسلم. ولأن جهة القبلة أشرف الجهات فصينت عن ذلك. وانما جاز ذلك في البنيان؛ لما روى الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: " رأيت ابن عمر اناخ رأحلته ثم جلس يبول إليها فقلت: أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؛ فقالك انما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس " (٢) . رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم وقالا: على شرط البخاري. والحسن وان كان قد ضعفه جماعه فقد قواه جماعة، وروى له البخاري.
فهذا تفسير لنهيه ﷺ العام. فتحمل أحاديث النهي على الفضاء. وأحاديث الرخصة على البنيان.
قال في " الإنصاف ": أعلم أن في هذه المسألة روايات:
стр. 199
إحداها: جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الفضاء، وهي المذهب وعليه أكثر الأصحاب.
قال الشيخ تقي الدين: هذا المنصوص عند الأصحاب.
قال في " الفروع ": اختاره الأكثر وجزم به في " الإيضاح " و" تذكرة ابن عقيل " و" الطريق الأقرب " و" العمدة " و" المنور " و" التسهيل " وغيرهم، وقدمه في " المحرر " و" الخلاصة " و" الحاويين " و" الفائق " و" النظم " و" مجمع البحرين ".
وقال: هذا تفصيل المذهب واختاره ابن عبدوس في " تذكرته " وصححه
ابن عبيدان وغيره.
والثانية: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان. جزم به في
" الوجيز " و" المنتخب "، وقدمه في " الرعايتين " واختاره أبو بكر عبد العزيز (١) والشيخ تقي الدين وصاحب " الهدي " و" الفائق " فيه وغيرهم. والثالثة-: يجوز فيهما.
والرابعة: يجوز الاستدبار في الفضاء والبنيان، ولا يجوز الاستقبال فيهما.
والخامسة: يجوز الاستدبار في البنيان فقط. انتهى.
(ويكفي انحرافه) عن الجهة.
قال في " الفروع ": نقله أبو داود، ومعناه في " الخلاف " وفي " جامعه الكبير ". احتج لوجوب توجه المصلي إلى العين بأن التوجه ثبت للكعبة للتعظيم فيستوي فيه المواجهة. والغيبة كالمنع من الاستقبال والاستدبار بالبول. قال: ومن ذهب إلى توجه المصلي إلى الجهة يقول: الاستقبال والاستدبار يحصل إلى الجهة في حال الغيبة، وظاهر كلام صاحب " المحرر " وحفيده: لايكفي. انتهى.
стр. 200
(و) يكفي أصلاً " (حائل ولو) كان الحائل (كمؤخرة الرحل).
قال في " الفروع ": ويكفي الاستتار في الأشهر بدابة، وجداًر، وجبل ونحوه. وفي إرخاء ذيله يتوجه وجهان.
وظاهر كلامهم: لا يعتبر قربه منها كما لو كان في بيته، ويتوجه وجه كسترة صلاة. يؤيده انه يعتبر نحو آخرة الرحل لتستر أسافله. انتهى.
(ويسن) لقاضي الحاجة (إذا فرغ) من حاجته (مسح ذكره من حلقة دبره) فيضع أصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوقه (إلى رأسه ثلاثاً) " لئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل.
(و) سن أيضاً بعد ذلك (نتره) أي الذكر (ثلاثاً) نص على ذلك وهو بالمثناة.
قال في " القاموس ": واستنتر من بوله اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء حريصا عليه مهتما به. انتهى.
قال في " الفروع ": وذكر جماعة ويتنحنح، زاد بعضهم ويمشي خطوات،
وعن أحمد نحو ذلك.
وقال شيخنا: ذلك كله بدعة، ولا يجب باتفاق الأئمة، وذكر في " شرح
العمدة " قولا: تكره نحنحة ومشي ولو احتاج إليه، لأنه وسواس.
وقال الشيخ: يستحب أن يمكث بعد بوله قليلا. انتهى.
والأصل في مشروعيه النتر، ما روى عيسى بن يزداد عن أبيه مرفوعا قال:
" إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً " (١) . رواه أحمد وأبو داود. ولأنه بالنتر يستخرج ما عساه أن يبقى ويخشى عوده بعد الاستنجاء.
(و) سن (بداء ذكر وبكر بقُبُل): أما الذكر، فلئلا تتلوث يده إذا بدأ بالدبر، لأن قبله بارز. وأما البكر فألحقت بالذكر، لوجود عذرتها.
стр. 201
(وتُخيّر ثيب) في البداءة بما شاءت من قبل أو دبر. وقيل: تبدا بالدبر.
ومتى لم ينتشر بول الثيب أجزأها الحجر ونحوه كالبكر.
قال في " الإنصاف ": وان تعدى إلى مخرج الحيض فقال الأصحاب: يجب غسله كالمنتشر على (١) المخرج. ويحتمل أن يجزئ فيه الحجر.
قال المجد في " شرح الهداية ": وهو الصحيح فانه معتاد كثيراً والعمومات تعضد ذلك، واختاره في " مجمع البحرين " و" الحاوي الكبير "، وقال هو وغيره: هذا إذا قلنا: يجب تطهير باطن فرجها على ما اختاره القاضي، والمنصو عن أحمد: انه لا يجب فتكون كالبكر قولا واحدا، وأطلقها ابن تميم. انتهى.
(و) سن (تحول من يخشى تلوثا) باستنجائه في مكانه؛ لئلا يتنجس.
(و) سن (قول خارج) للخلاء ونحوه: (غفرانك) بالنصب على المفعولية أي: أسألك غفرانك، مأخوذ من الغفر وهو الستر. والسر في ذلك انه لما خلص من النجو المثقل للبدن ساًل الخلا ص مما يثقل القلب وهو الذنب " لتكمل الراحة. والأصل في مشروعية ذلك ما روت عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك " (٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
(و) سن له أيضاً أن يقول: (الحمد لله الذي اذهب عني الأذى وعافاني)،
لما روى أنس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " (٣) . رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم، وقد ضعفه الأكثر.
وفي " مصنف عبد الرزاق ": " أن نوحا ﵇ كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمد لله الذي اذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه ".
стр. 202
(و) يسن الجمع بين الحجر والماء فيسن (استنجاء بحجر ثم ماء) بعد الحجر؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها للنساء: " مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء فانى استحييتهم، وان رسول الله ﷺ كان يفعله " (١) . رواه أحمد واحتج به في رواية حنبل والنسائي والترمذي وصححه. ولأن هذا أبلغ في الانقاء؛ لأن الحجر يزيل عين (٢) النجاسة فلا تباشرها يده والماء يزيل ما بقى.
(فان عكس) بأن بدأ بالماء ثم ثنى بالحجر (كره) له ذلك. نص عليه.
(ويجزئه أحدهما) وهو الاستنجاء بالماء فقط أو بالحجر فقط؛ لقول أكثر
أهل العلم.
وحكي عن سعد بن أبي وقا ص وابن الزبير أنهما انكرا الاستنجاء بالماء. قال سعيد بن المسيب: هل يفعل ذلك إلا النساء.
وقال عطاء: غسل الدبر محدث.
ودليل الأول ما روى أنس قال: " كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل انا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء " (٣) . متفق عليه.
وأما الاقتصار على الحجر فهو جائز بغير خلاف بين أهل العلم، ومما يدل على ذلك ما روى أحمد وأبو داود من حديث جابر مرفوعا: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة احجار فانها تجزئ عنه " (٤) .
стр. 203
(والماء) وحده (أفضل) من الحجر وحده (كجمعهما) أي: كما أن جمعهما أفضل من الاقتصار على أحدهما؛ لماروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال:
" نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ [التوبة: ١٠٨]
قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية " (١) . رواه أبو داود.
وروي عن ابن عمر: انه كان لا يفعله ثم فعله. وقال لنافع: انا جربناه فوجدناه صالحا. ولأنه يزيل العين والأثر، ويطهر المحل وأبلغ في التنظيف.
وأجيب عن انكار سعد بن أبي وقاص وابن الزبير، بأنه كان على من يعتقد وجوبه ولا يرى الأحجار مجزئة؛ لأنهم شاهدوا من الناس محافظة عليه فخافوا التعمق في الدين. فإذا استعمل الماء في فرج والحجر في آخر فلا بأس به.
(ولا يجزئ فيما) أي: في خارج من سبيل (تعدى موضع عادة) مثل: أن
ينتشر الخارج على شيء من الصفحة أو يمتد إلى الحشفة امتدادا غير معتاد (إلا الماء)؛ لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه، فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء؛ كما لو تعدت يده أو رجله ونحوهما.
قال في " الفروع ": ونص أحمد رضي الله تعالى عنه: لا يستجمر في غير المخرج. وقيل: يستجمر في الصفحتين والحشفة وفاقاً للشافعي، واختار شيخنا وغيره (٢) ذلك للعموم. وظاهر كلامهم: لا يمنع القيام الاستجمار ما لم يتعدى الخارج خلافاً للشافعي ولا يجب الماء لغير المتعدي. نص عليه. وقيل: بلى. ويتوجه مع اتصاله، ولا للنادر خلافاً لمالك. انتهى.
ومما لا يجزئ فيه إلا الماء ما أشير إليه بقوله: (كقبلي خنثى مشكل).
стр. 204
قال في " الإنصاف ": إذا خرج من أحد فرجي الخنثى نجاسة لم يجزئه الاستجمار، قاله في " النهاية " وجزم به ابن عبيدان، وقدمه في " الفروع "، ذكره في نواقض الوضوء. وقيل: يجزئ الاستجمار سواء كان مشكلا أو غيره إذا خرج من ذكره وفرجه.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه. يعني بالأجزأء. انتهى.
ووجه الأول: أن الأصل من القبلين غير معلوم، والاستجمار بالحجر
لا يجزئ في غير فرج أصلي. والله أعلم.
(و) كتنجس (مخرج غير فرج) بخارج منه أو من غيره.
قال في " الشرح ": وان انسد المخرج المعتاد وأنفتح آخر لم يجز فيه الاستجمار. وحكي عن بعض أصحابنا انه صار معتادا. ولنا أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس. فلم يثبت فيه أحكام الفرج. ولأن لمسه لا ينقض الوضوء ولا يتعلق بالإيلاج فيه شيء من أحكام الوطء.
أشبه سائر البدن. انتهى.
(و) كتنجس (مخرج بغير خارج واستجمار بمنهي عنه).
قال في " الإنصاف ": لو تنجس المخرجان أو أحدهما بغير الخارج ولو باستجمار بنجس وجب الماء عند الأصحاب. وفي " المغني " احتمال بأجزأء الحجر.
قال الزركشي: وهو وهم. انتهى.
(ولا يجب غسل نجاسة وجنابة بداخل فرج ثيب ولا) بداخل (حشفة أقلف
غير مفتوق).
قال في " الإنصاف ": لا يجب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في نجاسة وجنابة على الصحيح من المذهب نص عليه. انتهى.
قال في " الفروع ": وفي وجوب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في
стр. 205
نجاسة وجنابة وجهان، والنص عدمه فلا تدخل يدها واصبعها بل ما ظهر وفاقاً للشافعي. نقل جعفر: إذا اغتسلت فلا تدخل يدها في فرجها.
قال في " الخلاف ": أراد ما غمض من الفرج " لأن المشقة تلحق فيه.
قال ابن عقيل وغيره: هو باطن. وقال أبو المعالي وصاحب " الرعاية " (١) وغيرهما: هو في حكم الظاهر، وذكره في " المطلع " عن أصحابنا، واختلف كلام القاضي. وعلى ذلك يخرج إذا خرج ما احتشته ببلل هل ينقض؛
قال في " الرعاية ": لا، لأنه في حكم الظاهر.
وقال أبو المعالي: أن ابتل ولم يخرج من مكانه فان كان بين الشفرين نقض، وان كان داخلا لم ينقض، وقاله الحنفية قالوا: وان أدخلت أصبعها فيه انتقض " لأنها لا تخلو عن بلة. ويتوجه عندنا الخلاف. ويتخرج وفاقاً على ذلك أيضاً: فساد الصوم بدخول أصبعها، أو حيض إليه. والوجهان في حشفة الأقلف. وذكر (٢) بعضهم أن حكم طرف القلفة كرأس الذكر، وأوجب الحنفية ما لا مشقة فيه من الفرج دون الأقلف، والدبر في حكم الباطن لإفساد الصوم بنحو الحقنة، ولا يجب غسل نجاسته. انتهى.
ويستحب لمن استنجى بالماء أن ينضح فرجه وسراًويله.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وعنه: لا يستحب كمن استجمر. انتهى.
قال في " الفروع ": ومن ظن خروج شيء فقال أحمد: لا يلتفت حتى يتيقن زواله عنه فانه من الشيطان، فانه يذهب ان شاء الله تعالى. ولم ير أحمد حشو الذكر في ظاهر ما نقله عبد الله، وانه لو فعل فصلى ثم أخرجه فوجد به بللا فلا بأس، ما لم يظهر خارجا. وكره الصلاة فيما أصابه الاستنجاء (٣) حتى
стр. 206
يغسله، ونقل صالح: أو يمسحه، ونقل عبد الله: لا يلتفت إليه. انتهى. (ولا يصح استجمار إلا بطاهر) فلا يصح بنجس؛ " لأن ابن مسعود جاء إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة يستجمر بهما فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس " (١) يعني: نجسا. رواه الترمذي. وهذا تعليل من النبي ﷺ يجب المصير إليه. ولأنه إزالة نجاسة فلا يحصل بالنجس كالغسل. وقد تقدم انه إذا استجمر بنجس لا يجزئ في المحل بعد ذلك إلا الماء.
(مباح) فلا يصح بمحرم؛ كمغصوب وذهب اوفضة؛ لأن الاستجمار رخصة، والرخص لا تستباح على وجه محرم. واختار الشيخ تقي الدين الأجزأء في ذلك.
(مُنقًّ) اسم فاعل من أنقى أي: قالع؛ (كحجر وخشب وخِرَق).
فلا يجزئ بأملس من زجاج ونحوه، ولا بشيء رخو أو ندي؛ لأنه إذا لم يُنَقّ لم يحصل المقصود منه.
(وهو) أي الانقاء بالحجر ونحوه (ان يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، و) الانقاء (بماء خشونة المحل) بأن يدلكه حتى يرجع خشنا (كما كان) قبل خروج الخارج، ويواصل صب الماء ويسترخي قليلا.
(وظنه) الانقاء (كاف) فلا يشترط التحقق.
قال في " الإنصاف ": لو أتى بالعدد المعتبر اكتفى في زوالها بغلبة الظن. ذكره ابن الجوزي في " المذهب "، وجزم به جماعة من الأصحاب، وقدمه في " القواعد الأصولية ".
وقال في " النهاية ": لا بد من العلم بذلك. انتهى.
(وحرم) الاستجمار (بروث) ولو كان لمأكول (وعظم)؛ لما روى مسلم عن
стр. 207
ابن مسعود (١) قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم فانه زاد إخوانكم من الجن " (٢) .
وروى الدارقطني: " أن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بروث أو عظم وقال:
أنهما لا يطهران " (٣) . وقال: إسناد صحيح.
وروى أبو داود عنه ﷺ " انه قال لرويفع بن ثابت: أخبر الناس انه من استنجى برجيع اوعظم فهو بريء من محمد " (٤) .
وهذا عام في الظاهر منها وغيره. والنهي يقتضي الفساد وعدم الأجزأء.
(و) حرم أيضاً بـ (طعام ولو) كان الطعام (لبهيمة)؛ لأن النبي ﷺ علل النهي عن الروث والعظم بكونه زاد الجن فزادنا وزاد بهائمنا أولى؛ لكونه أعظم حرمة.
(و) حرم أيضاً بـ (ذي حرمة)؛ ككتب الفقه والحديث ونحو ذلك؛ لما فيه
من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها.
(و) حرم أيضاً بـ (متصل بحيوان)؛ كذنب البهيمة وصوفها المتصل بها؛ لأن له حرمة فهو كالطعام وقد ينجس شيئاً يلاقيه.
قال في " الفروع ": ويحرم في الأصح بجلد سمك أو حيوان مذكى. وقيل: مدبوغ أو حشيش رطب. انتهى.
(ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات؛ إما بحجر ذي شعب أو بثلاثة (تعم كل مسحة المحل).
قال في " الإنصاف ": وكيفما حصل الانقاء في الاستجمار أجزأ.
стр. 208
وقال القاضي وغيره: المستحب أن يُمِرَّ الحجر الأول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديره على اليسرى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثانى من مقدم صفحته اليسرى كذلك، ثم يمر الثالت على المسربة والصفحتين فيستوعب المحل في كل مرة. انتهى.
وعنه: لا يجزئ أدل من ثلاثة أحجار فلا يجزئ الحجر ذو الشُّعَب؛
لقوله ﷺ : " لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار " (١) . رواه مسلم.
والأول أصح؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلات مرات " (٢) . رواه أحمد.
وهذا يبين أن المقصود تكرار المسح لا تكرار الممسوح به. ولأنه استجمر بالحجر الكبير ثلاثاً منقية. فأجزأه؛ كما لو فصله ثلاثة أحجار واستجمر بكل منها فانه لا- فرق بين الصورتين إلا تفصيله، ولا أثر لذلك في التطهير. والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر؛ كما يقال: ضربته ثلاثة أسواط، أي: ثلاث ضربات بسوط. وذلك لأن معناه معقول ومراده معلوم، والحاصل من ثلاث أحجار الحاصل من ثلاث شعب، وكما لو مسح ذكره في صخرة عظيمة بثلاثة مواضع منها فلامعنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه.
(فان لم ينق) بالمسحات الثلاث (زاد) حتى ينقى؛ لأن المحل إذا لم ينق لم يحصل المقصود بالاستجمار.
(وسن قطعه) أي: قطع ما زاد على الثلاث (على وتر)؛ لقول رسول الله ﷺ : " من استجمر فليوتر. من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " (٣) . رواه الإمام أحمد وأبو داود.
стр. 209
فإذا أنقى برابعة قطع على خامسة وهكذا، وان أنقى على وتر كخامسة أو سابعة لم يزد شيئاً.
(ويجب) الاستجمار (لكل خارج) من سبيل ولو نادرا كالدودة ونحوها، لعموم الأحاديث (إلا الريح) وفاقاً؛ لقول رسول الله ﷺ : " من استنجى من ريح فليس منا " (١) . رواه الطبرانى في " معجمه الصغير ".
قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله
ولا في سنة رسوله ﷺ .
وعن زيد بن أسلم " في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إذا قمتم من النوم " (٢) . ولم يأمر بغيره. ولأن الوجوب من الشرع، ولم يرد به نص ولا هو في معنى المنصوص.
قال في " الشرح ": ولأنها ليست نجسة ولا يصحبها نجاسة. فلم يجب
غسل المحل منها؛ كسائر المحال الطاهرة. انتهى.
قال في " الفروع ": وهو واجب خلافاً لمالك في إحدى الروايتين عنه ولو لم يزد على درهم خلافاً لأبي حنيفة لكل خارج، وقيل: نجس. وقيل: نجس ملوث وهو أظهر وفاقاً للشافعي لا من ريح وفاقاً.
وقال في " المبهج ": لأنها عرض بإجماع الأصوليين. كذا قال.
وفي " الانتصار ": منع الشرع منه، وهي طاهرة، وفي " النهاية ": نجسة، فتنجس ماء يسيرا، والمراد على المذهب، أو أن تغير بها، وفي " الانتصار ": طاهرة لا تنقض بنفسها، بل بما يتبعها من النجاسة فتنجس ماء يسيرا. ويعفى عن خلع السراويل للمشقة، كذا قال. وقيل: الاستنجاء من نوم وريح وان أصحابنا بالشام قالب: الفرج ترمص كما ترمص العين، وأوجبت غسله، ذكره أبو الوقت الدينوري، ذكره ابن الصيرفي. انتهى كلامه في " الفروع ".
стр. 210
قال بعض الأصحاب معارضا لقوله في " المنهج ": أن الريح عرض بإجماع الأصوليين: من المعلوم أن للريح الخارج من الدبر رائحة منتنة قائمة بها ولا شك في كون الرائحة عرضا فلو كانت الريح أيضاً عرضا لزم قيام العرض بالعرض، وهو غير جائز عند المتكلمين.
(و) إلا الخارج (الطاهر، و) النجس (غير الملوث).
قال في " التنقيح ": ويجب لكل خارج إلا الريح. قلت: والطاهر وغير الملوث. انتهى.
وصحح في " الإنصاف " وجوب الاستنجاء منهما ثم قال: وقيل: لا يجب الاستنجاء للخارج الطاهر، وهو ظاهر " المحرر " و" المنور " و" المنتخب " فانهم قالوا: وهو واجب لكل نجاسة من السبيل وكذا قيده المجد في " شرح الهداية ".
قال ابن عبدوس في " تذكرته ": ويجب (١) أحدهما لسبيل نجس بخارجه.
قال في " التسهيل ": وموجبه خارج من سبيل سوى طاهر. وقيل:
لا يجب للخارج الطاهر ولا للنجس غير الملوث قال: وتبعه الشارح، والقياس لا يجب الاستنجاء من ناشف لا ينجس المحل، وكذا إذا كان الخارج طاهراً؛ كالمني إذا حكمنا بطهارته؛ لأن الاستنجاء انما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا.
قال في " الفروع ": وهو أظهر، قال في " الرعاية الكبرى ": وهو أصح قياساً. قلت: وهو الصواب. وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر؛ أم كيف
يحصل الانقاء بالأحجار في الخارج غير الملوث؛ وهذا من أشكل ما يكون. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
стр. 211
وانما لم أذكر ما صححه في " الإنصاف " وعزاه إلى جماهير الأصحاب من وجوب الاستنجاء من الطاهر وغير الملوث؛ لأنه لم يذكره في " التنقيح ".
(ولا يصح وضوء ولا تيمم قبله) أي: قبل الاستنجاء.
قال في " الفروع ": ولا يصح تقديم الوضوء عليه اختاره الأكثر. وعنه: يصح وفاقاً للأئمة الثلاثة وكذا التيمم. وقيل: لا يصح وفاقاً للشافعي. انتهى. ووجه المذهب: قوله ﷺ في حديث المقداد المتفق عليه: " يغسل ذكره ثم يتوضأ " (١) . ولأنها طهارة يبطلها الحدث. فاشترط تقديم الاستنجاء عليها؛ كالتيمم.
والحكم في التيمم مخرج على الروايتين في الوضوء. وقيل: لا يصح وجها واحدا؛ لأنه لا يرتفع الحدث، وانما تستباح به الصلاة، ولا تباح مع قيام المانع؛ كالتيمم قبل الوقت.
فائدة:
قال في " الإنصاف ": لو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو على السبيلين غير خارجة منهما: صح الوضوء قبل زوالها على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به أكثرهم. وقيل: لا يصح. قاله القاضي في بعض كلامه.
قال ابن البنا (٢) : وليس بشيء. ثم قال بعد ذلك بأسطر: فعلى القول بعدم الصحة في التيمم: لو كانت النجاسة في غير السبيلين: صح تقديم التيمم على غسلها على الصحيح من المذهب، اختاره ابن عقيل في " الفصول ". قال المصنف في " المغني " وتبعه ابن منجى في " شرحه ": والأشبه الجواز. وصححه في " الرعاية الكبرى ". انتهى.
стр. 212
تذنيب:
قال في " الفروع ": قال شيخنا: ويحرم منع المحتاج إلى الطهارة ولو وقفت على طائفة معينة، كمدرسة ورباط، ولو في ماله " لأنها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج، ولو قدر أن الواقف صرح بالمنع فانما يسوغ مع الاستغناء، وإلا فيجب بذل المنافع المختصة للمحتاج " كسكنى داره، والانتفاع بماعونه، ولا أجرة في الأصح.
قال: وان كان في دخول أهل الذمة طهارة المسلمين تضييق أو تنجيس أو إفساد ماء ونحوه وجب منعهم، قال: وان لم يكن ضرر ولهم ما يستغنون به عن مطهرة المسلمين، فليس لهم مزاحمتهم. والله أعلم.
стр. 213
[باب السواك]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام السواك والادهان والاكتحال والختان والحلق ونحو ذلك.
وسنن الوضوء: (التسوك). مصدر تسوك إذا دَلَّك فمه بالعود.
(وكونه) أي: التسوك) عَرْضاً) بالنسبة إلى الأسنان طولاً بالنسبة إلى الفم، وكونه (بيسراًه) أي: بيده اليسرى (على الأسنان) جمع سن بكسر السين، (و) على (لِثًة) بتخفيف المثلثة وفتحها وكسر اللام، (و) على (لسان بعود رطب ينقي) الفم (ولا يجرح) ما يستاك به عليه، (ولا يضره ولا يتفتت) في الفم.
(ويكره بغيره) أي: بغير الرطب وبغير الذي ينقي الفم وبغير الذي لا يجرح ولا يضر ولا يتفتت.
(مسنون) خبر للتسوك (مطلقاً) أي: في جميع الأوقات؛ لما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " السواك مطهرةٌ للفم مرضاة للرب " (١) . رواه الشافعي وأحمد وابن خزيمة والبخاري تعليقاً. ورواه أحمد أيضاً عن أبي بكر وابن عمر ﵄ (٢) .
стр. 214
وعن عائشة أيضاً قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته يبدأ بالسواك " (١) . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
(إلا لصائم بعد الزوال فيكره)؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:
" لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " (٢) . متفق عليه.
وهو انما يظهر غالباً بعد الزوال. فوجب اختصاص الحكم به. ولأنه أثر عبادة تستطاب شرعاً. فتستحب إدامته، كدم الشهيد عليه.
وعنه: يباح بعد الزوال.
وعنه: يستحب. قال في " الفروع ": اختاره شيخنا، وهو أظهر.
(ويباح قبله) أي: قبل الزوال (بعود رطب). وعنه: يكره به قبل الزوال أيضاً.
والأول أصح " لما روى عامر بن ربيعة قال: " رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم " (٣) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ورواه البخاري تعليقاً.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " من خير خصال الصائم:
стр. 215
السواك " (١) . رواه ابن ماجه.
وهذان الحديثان محمولان على ما قبل الزوال؛ لما روى البيهقي بإسناده
عن علي أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشية " (٢) .
(و) التسوك للصائم قبل الزوال (بيابس يستحب).
قال في " الإنصاف ": وأما الصائم قبل الزوال: فان كان بسواك غير رطب استحب له. ولم يذكر في ذلك خلافاً ويستدل لذلك بالحديثين المذكورين المتقدمين.
(ولم يصب السنة من استاك بغير عود) كمن استاك بأصبعه أو بخرقة؛ لأن
الشرع لم يرد به، ولا يحصل بذلك الانقاء الحاصل بالعود. وقيل: يصيبها.
وظاهر قوله في استحباب التسوك بعود رطب: التساوي بين جميع ما يستاك
به من العيدان.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب، وقال في
" الفر وع ": ويتوجه احتمال: أن الأراك أولى. انتهى. قلت: ويتوجه أن أزال أكثر.
وذكر الأزجي: انه لا يعدل عن الأراك والزيتون والعرجون إلا لتعذره.
قال في " الرعاية الكبرى ": من أراك أو زيتون أو عرجون. وقيل: أو قتاد. واقتصر كثير من الأصحاب على هذه الثلاثة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
قال في " الفروع ": ويكره بقصب؛ كريحان ورمان وآس ونحوها.