← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وإذا تقرر هذا فإنما يجبان (في العمر مرة) واحدة؛ لما روى أبوهريرة قال: " خطبنا رسول الله ﷺ -فقال: يا أيها الناس! قد فرض عليكم الحج فحُجوا. فقال رجل: أَكُل عام يا رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " (١) . رواه أحمد ومسلم والنسائي. وروى ابن عباس قال: " خطبنا رسول الله ﷺ -فقال: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج. فقام الأقرع بن حابس [فقال: أفي كل عام يا رسول الله! فقال: لو قلتُ نعم لوجبت ولو وجبت لم تعملوا ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة. فمن زاد فهو تطوع " (٢) . رواه أحمد والنسائي بمعناه. ولأبي داود وابن ماجه مختصرا: " أن الأقرع بن حابس] (٣) سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال: بل مرة واحدة. فمن زاد فهو تطوع " (٤) . وإنما يجب الحج والعمرة (بشروط) خمسة، (وهي) تنقسم إلى ثلاثة أقسام: * قسم يشترط للوجوب والصحة وهو: (إسلام، وعقل). * وقسم يشترط للوجوب والإجزاء دون الصحة (و) هو: (بلوغ، وكمالُ حرية). * وقسم يشترط للوجوب دون الإجزاء وهو: الإستطاعة. وسيأتي بيانها إن

стр. 1507

شاء الله تعالى (١) . (ويجزيان) أي: الحج والعمرة (من) أي: يجزئ الحج كافراً (أسلم) وهو مكلف حر ثم أحرم بحج وحصل بعرفة قبل دفع من عرفة، أو كان إسلامه بعد الدفع إن عاد إلى عرفة فوقف في وقت الوقوف. (او أفاق ثم أحرم) يعني: أن المجنون إذا أفاق وهو حر بالغ ثم أحرم بالحج كما تقدم في صورة الكافر إذا أسلم فإنه يجزئه الحج. (او بلَغ) الصغير وهو مسلم عاقل حر محرم بالحج قبل دفع من عرفة، او بعد الدفع إن عاد فوقف في وقت الوقوف. (او عتق) قن في حالة كونه (محرماً) بالحج وهو مسلم بالغ عاقل (قبل دفع من عرفة أو بعده) أي: بعد الدفع (إن عاد) إلى عرفة (فوقف في وقته) أي: وقت الوقوف. وهذه صور الإجزاء في الحج. وأما إجزاء العمرة بأن يحصل الإسلام أو الإفاقة أو البلوغ أو الحرية قبل طواف العمرة، وإلى ذلك أشير بقوله: (او قبل طواف عمرة) فإن ذلك يجزئه عن حجة الإسلام وعمرة الإسلام. ويكون الصغير إذا بلغ محرماً والقن إذا عتق محرماً؛ (كمن أحرم إذاً) أي: إذا بلغ أو عتق؛ لأنها حالة تصلح لتعيين الإحرام؛ كحالة ابتداء الإحرام. قال الموفق وغيره: (وإنما يعتد بإحرام ووقوف موجودين إذاً) أي: في حالة البلوغ والعتق، (وإن ما قبله تطوع لم ينقلب فرضاً). وقدم في " التنقيح " ما قاله الموفق ومن تابعه. ثم قال: وقال في " الخلاف " و" الانتصار " و" المجد " وغيرهم: وأشرت إلى هؤلاء المذكورين بقولي: (وقال جماعة: ينعقد إحرامه) أي: إحرام الصغير أو العبد (موقوفا. فإذا تغير حاله) أي: حال الصغير إلى البلوغ أو القن إلى الحرية (تبين فرضيتُه) أي: كون الإحرام فرضاً؛ كزكاة معجلة.

стр. 1508

(ولا يجزئ مع سعي قن وصغير) [عن حجة الإسلام] (١) (بعد طواف القدوم، قبل وقوف، ولو أعاده) أي: أعاد الصغير أو القن السعي ثانياً (بعد) أي: بعد الوقوف في الأصح؛ لأن السعي لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره. بخلاف الوقوف. فإن استدامته مشروعة ولا قدر له محدود. ولا تجزئ العمرة من بلغ أو عتق (٢) في أثناء طوافها ولو أعاده فإنه لا أثر لإعادته وفاقاً. ***

стр. 1509

[فصل: في حج الصغير] (فصل. ويصحان) أي: الحج والعمرة (من صغير. ويُحرم ولي في مال عمن لم يميز ولو) كان وليه (محرماً أو لم يحج)؛ كعقد النكاح له. ويقع لازماً، وحكمه كالمكلف. نص عليه. (و) يُحرم (مميز بإذنه) أي: إذن الولي (عن نفسه)؛ لأنه يصح (١) وضوؤه. فصح إحرامه؛ كالبالغ. ولأن العبادات أحد نوعي العقود. فكان منه ما يعقده الولي للصبي؛ كعقود المعاملات. وإذا صح منه وجب أن يصح على حكم البالغ في الضمان؛ كالنكاح. ولأنه يجتنب الطيب ويؤمر به لأجل الإحرام. فصح إحرامه ولزم كالبالغ. ولا خلاف في تجنبه الطيب، لكن عندنا بصفة الوجوب، وعند المخالف بصفة الاستحباب. والأصل (٢) في صحة حج الصغير ما روي عن ابن عباس: " أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر " (٣) . رواه مسلم. وقال السائب بن يزيد: " حُج بي مع النبي ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين " (٤) . رواه البخاري. وقال ابن عباس: " أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيما

стр. 1510

أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد أعتق فعليه حجة أخر ى " (١) . وانفرد محمد بن منهال برفعه وهو محتج به في " الصحيحين " وغيرهما وكان آية في الحفظ، ولهذا صححه جماعة منهم ابن حزم وأجاب بنسخه؛ لكون فيه الأعرابي. وسئل أبو الوليد حسان بن محمد إمام أهل الحديث في عصره بخراسان عن قول النبي ﷺ : " أيما أعرابي حج قبل أن يهاجر فعليه الحج إذا هاجر " قال: معناه قبل أن يسلم. فعبر باسم الهجرة عن الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا هاجروا، وفسر النبي ﷺ الإسلام باسم الهجرة. وإنما سموا مهاجرين؛ لأنهم هجروا الكفار إجلالاً للإسلام. (ويفعل ولي) عن المميز وغير المميز من أفعال الحج والعمرة (ما يُعجزُهما)، روي عن ابن عمر في الرمي. وعن أبي بكر " أنه طاف بابن الزبير في خرقة " (٢) . رواهما الأثرم. وعن جابر قال: " حججنا مع النبي ﷺ -ومعنا النساء والصبيان. فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم " (٣) . رواه أحمد وابن ماجه. و" كانت عائشة تجرد الصبيان للإحرام ". (لكن: لا يبدأ) الولي (في رمي) الجمرات (إلا بنفسه)؛ كالنيابة في الحج. فلو رمى ناوياً عن الصغير وقع عن نفسه إن كان محرما بفرضه. (ولا يُعتد برمي حلال) لا عن نفسه ولا عن غيره.

стр. 1511

وإن أمكن الصغير أن يناول النائب الحصى ناوله، وإلا استحب أن توضع الحصاة في كفه ثم تؤخذ منه وترمى عنه. وإن وضعها النائب في يد الصغير ورمى بها فجعل يده كالآلة فحسن. (ويطاف به) أي: بالصغير (لعجز) عن أن يطوف بنفسه (راكباً) على شيء أو محمولاً. (وتعتبر) لصحة طواف (نية طائف به) أي: حامله، (وكونه) أي: كون طائف به (يصح أن يعقد له الإحرام)؛ لأن الطواف تعتبر له النية. فلما تعذرت من الصغير اعتبرت ممن له النيابة عنه بالشرع. و (لا) يعتبر (كونه) أي: كون الحامل (طاف عن نفسه، ولا) كون الحامل (محرماً)؛ لوجود الطواف من الصغير؛ كمحمول مريض. ولم يوجد من الحامل إلا النية؛ كحالة الإحرام. (وكفارة حج) أي: حج الصغير في مال وليه؛ لأنه هو الذي أدخله في ذلك ولو تركه لم يتضرر بتركه. (و) كذا (ما زاد على نفقة الحضر) من نفقة السفر فإنها تكون (في مال وليه، إن أنشأ) الولي (السفر به) أي: بالصغير (تمرينا على الطاعة)، إذ لا مضرة عليه بتركه. (وإلا) أي: وإن لم يكن الأمر كذلك بأن سافر معه الصغير لتجارة أو خدمة، أو إلى مكة لاستيطانها، أو للإقامة بها لعلم أو غيره مما يباح له السفر به في وقت الحج وغيره ومع الإحرام وعدمه: (فلا) نفقة على الولي رواية واحدة، بل على الجهة الواجبة فيها بتقدير (١) عدم الإحرام. (وعمد صغير ومجنون) في محظور (خطأ: لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ مكلف، او) في (نسيانه). قال المجد في " شرحه ": أو فعله به الولي لمصلحته؛ كتغطية رأسه لبرد،

стр. 1512

أو تطبيبه لمرض. فأما إن فعله الولي لا لعذر فكفارته عليه؛ كمن حلق رأس محرم بغير إذنه. (وإن وجب في كفارة على ولي صوم: صام عنه) يعني: إنه متى وجبت على الولي كفارة بسبب الصبي ودخلها (١) الصوم صام عنه؛ لوجوبها عليه ابتداءً، كصومه عن نفسه. (ووطؤه) أي: ووطء الصغير عامدا أو ناسيا في الحج (كبالغ) أي: كوطء البالغ (ناسياً: يمضي في فاسده، ويقضيه) أي: الحج الفاسد (إذا بلغ). ولا يصح قضاؤه قبل بلوغه. نص عليه؛ لأنه إفساد لإحرام لازم وذلك يقتضى وجوب القضاء. وبُنية الصبي تمنع التكليف بفعل العبادات البدنية؛ لضعفه عنها. ونظير ذلك وجود (٢) الاحتلام أو الوطء من المجنون فإنه يوجب الغسل عليه؛ لوجود سببه، ولا يصح منه إلا بعد الإفاقة؛ لفقد أهليته للغسل في الحال.

стр. 1513

[فصل: في حج القن] (فصل. ويصحان) أي: الحج والعمرة (من قن)، لعدم المانع. (ويلزمانه) أي: يلزم القن الحج والعمرة (بنذره) أي: بنذر القن الحج والعمرة، كالحر. (ولا يحرم) أي: ولا يجوز له أن يحرم بنفل، (ولا) أن تحرم (زوجة بنفل، إلا بإذن سيد وزوج)، لتفويت حقهما بالإحرام. (فإن عقداه) أي: عقد القن والمرأة الإحرام بنفل بلا إذن سيد وزوج: (فلهما) أي: فللسيد والزوج (تحليلهما) أي: تحليل القن والزوجة على الأصح، لتفويت حقهما. (ويكونان) أي: القن والزوجة (كمُحْصر). ويأتي حكم المحصر (١) . (ويأثم من لم يمتثل) ما أمر به السيد أو الزوج من التحليل. وله أن يطأ زوجته وأمته اللتين أحرمتا بنفل بغير إذن السيد والزوج وأمرهما بالتحلل ولم يمتثلا. و (لا) يجوز لسيد ولا زوج تحليل قن ولا زوجة (مع إذن) لهما في الإحرام على الأصح. (ويصح) من السيد والزوج (رجوع فيه) أي: في إذنه (٢) لهما بأن يحرما (قبل إحرام) أي: قبل أن يحرما، كالواهب يرجع فيما وهبه قبل قبض الموهوب له لا بعده. وإن علم القن برجوع سيده عن إذنه. فكما لو لم يأذن. (ولا) يجوز لسيد ولا زوج تحليل قن ولا زوجة أحرما (بنذر أذن) السيد او الزوج (فيه لهما) أي: للقن والزوجة، (او لم يأذن فيه لها) يعني: أنه لا يجوز للزوج تحليل زوجته من إحرامها بنذر ولو لم يكن النذر بإذنه؛ لوجوبه

стр. 1514

عليها (١) ، كما لو أحرمت بواجب بأصل الشرع. (ولا يمنعها) يعني: أنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته (عن حج فرض كملت شروطه)، كبقية الواجبات. (فلو لم تكمل) شروطه (وأحرمت به بلا إذنه لم يملك تحليلها) في الأصح؛ لوجوب إتمامه بشروعها فيه. (ومن أحرمت بواجب فحلف زوجها ولو بالطلاق الثلاث لا تحج العام لم يجز أن تحل). ونقل ابن منصور: هي بمنزلة المحصر، ورواه عن عطاء، واختاره ابن أبي موسى، كما لو منعها عدو من الحج إلا أن تدفع إليه مالها. ونقل مهنا: وسئل (٢) عن المسألة. فقال: قال عطاء: الطلاق هلاك. هي منزلة المحصر. (وإن أفسد قن حجه بوطء، مضى) في فاسده (وقضى) ما أفسده. (ويصح) منه (القضاء) وهو (في رقه) في الأصح، (وليس لسيده منعه) من القضاء، (إن شرع فيما) أي: في الحج الذي (أفسده بإذنه) أي: بإذن السيد في الأصح؛ لأن إذنه فيه إذن في موجبه، [ومن موجبه] (٣) قضاء ما أفسده على الفور. (وإن عتق) القن (اوبلغ الحر في الحجة الفاسدة)، وكان العتق أو البلوغ (في حال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت) الحجة الفاسدة (صحيحة: مضى) فيها، (وأجزأته [حجة القضاء] عن حجة الإسلام و) عن حجة (القضاء) (٤) . قال في " الإنصاف ": على الصحيح من " المذهب ". انتهى. وقال ابن عقيل: عندي أنه لا يصح؛ لأنه ليس من حيث لو صحت أجزأت. يجب أن يكون قضاوهما كهى. (وقن) أي: والقن إذا جنى في إحرامه فحكمه (في جنايته كحر معسر.

стр. 1515

وإن تحلل) القِنّ (بحَصْر، أو حلله سيده) في حال يملك تحليله فيه (لم يتحلل قبل الصوم. ولا يمنع منه) أي: من الصوم. نص عليه. (وإن مات) القن (ولم يصم) أي: قبل أن يصوم، (فلسيده أن يطعم عنه). ذكره في " الفصول ". (وإن أفسد). القنّ (حجه صام) عن البدنة الواجبة بالوطء، (وكذا إن تمتع او قرن) يعني: إن أحرم متمتعاً أو قارناً فإنه يصوم عن دم النسك الواجب على المتمتع والقارن، لأن الحج له دون سيده، كحج المرأة في الأصح. (ومشتري المحرم كبائعه) يعني: أن العبد المحرم متى باعه سيده كان المشتري (في تحليله وعدمه) كبائعه. فإن كان في إحرام يملك البائع تحليله منه كان للمشتري تحليله، وإن كان في إحرام لا يملك البائع تحليله منه لم يكن للمشتري تحليله. (وله) أي: وللمشتري (الفسخ) أي: فسخ البيع (إن لم يعلم) أن العبد محرم، (و) والحال أنه (١) (لم يملك تحليله)؛ لأنه إذا كان في إحرام يملك المشتري تحليله، كان إبقاؤه على الإحرام كإذنه له فيه ابتداءً. (ولكل من أبَوَي) حر (بالغ) مع حريتهما (منعُه) أي: منع ولدهما (من إحرام بنفل) من حج أو عمرة، (ك) نفل (جهاد). قال الموفق في حج التطوع: إن للوالد منيع الولد من الخروج إليه؛ لأن له منعه من الغزو، وهو من فروض الكفايات. فالتطوع أولى. وقال في مساًلة: لا يجاهد من أبواه مسلمان إلا بإذنهما يعني: تطوعاً، أن ذلك يروى عن عمر وعثمان، وأنه قول مالك والشافعي وسائر أهل العلم، واحتج بالأحاديث المشهورة في ذلك (٢) .

стр. 1516

قال: ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدم. فإن تعين عليه الجهاد سقط إذنهما وكذلك كل فرائض الأعيان، وكذا كل ما وجب؛ كالحج، وصلاة الجماعة، والجمع، والسفر للعلم الواجب؛ لأنها فرض عين. فلم يعتبر إذن الأبوين فيهما؛ كالصلاة. قال ابن مفلح في " الاداب ": وظاهر هذا التعليل أن في التطوع يعتبر (١) إذن الوالدين كما نقوله في الجهاد وهو غريب، والمعروف اختصاص الجهاد بهذا الحكم. والمراد والله أعلم: أنه لا يسافر لمستحب إلا بإذنهما (٢) ؛ كسفر الجهاد. وأما ما يفعله في الحضر كالصلاة النافلة ونحو ذلك فلا يعتبر فيه إذنهما (٣) ، ولا أظن أحداً يعتبره، ولا وجه له والعمل على خلافه. والله أعلم. (ولا يحللانه) أي: لا يحللان أبوا البالغ ابنهما إذا أحرم بحج أو عمرة. (ولا) يحلل (غريم مَديناً) أحرم بحج أو عمرة؛ لوجوب إتمامهما بالشروع (٤) . (وليس لولي سفيه مبذر منعُه من حج الفرض وعمرته، ولا تحليله) من أحدهما. (وتُدفع نفقته إلى ثقة ينفق عليه في الطريق. ويحلل بصوم إذا أحرم بنفل)؛ كمعسر؛ لأنه ممنوع من التصرف في ماله. ومحل ملك (٥) الولي تحليله: (إن زادت نفقته) أي: نفقة سفره (على نفقة الإقامة، ولم يكتسبها) في سفره؛ لأنه إذا اكتسب نفقة سفره فيه لم يكن في ذلك ضرر عليه في ماله.

стр. 1517

[فصل: في الاستطاعة] (فصل) الشرط (الخامس) الذي هو شرط لوجوب الحج والعمرة دون الإجزاء: (الاستطاعة)، لقوله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [ال عمران: ٩٧]. (ولا تبطل) الاستطاعة (بجنون) فيحج عنه. (وهي) أي: الاستطاعة: (ملك زاد يحتاجه) فى سفره، (و) ملك (وعائه)، لأنه لابد منه. (ولا يلزمه حمله) أي: حمل الزاد (إن وُجد بالمنازل) أي: منازل طريق الحاج (١) . (وملك راحلة) لركوبه (بآلة) لها (٢) (يصلحان) أي: الراحلة وآلتها (لمثله). نص أحمد على أنه يشترط لوجوب الحج والعمرة ملك الزاد والراحلة، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي وأكثر العلماء. قال أحمد: حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن قال: " لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [ال عمران: ٩٧]، قال رجل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة " (٣) . فإن قيل: هو مرسل، أجيب: بأنه قد وافق مالك على أن المراسيل حجة. وروى الدارقطني بإسناده عن أنس " عن النبي ﷺ -في قوله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [ال عمران: ٩٧] قال: قيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال:

стр. 1518

الزاد والراحلة " (١) . ومحل من يشترط له الزاد والراحلة: إذا كان (في مسافة قصر) عن مكة. (لا) إن كان (في دونها) أي: في دون مسافة قصر عن مكة، للقدرة على المشي فيها غالباً. ولأن مشقتها يسيرة، ولا يخشى فيها عطب على تقدير الانقطاع بها. بخلاف البعيدة، ولذلك خص الله المكان البعيد بقوله :: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. (إلا لعاجز) عن المشى، كشيخ كبير لا يقدر على المشي في مسافة القصر فما دون (٢) فإنه يشترط له ملك الراحلة. (ولا يلزمه) أن يسير إلى الحج (حبواً ولو أمكنه). قاله في " الكافي "، وهو مراد غيره. وأما الزاد فيعتبر، قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه. (او) ملك (ما يقدر به على تحصيل ذلك) من نقد أو عرض. والمشار إليه بذلك هو: الزاد والراحلة الصالحان لمثله وآلتهما (٣) . ويعتبر: أن يكون ذلك (فاضلاً عما يحتاجه: من كتب). فإن استغنى بإحدى نسختين من كتاب باع الأخرى. (ومسكن) يصلح لمثله، (وخادم) لنفسه، (و) عن (ما لا بد منه) من لباس مثله وغطاء ووطاء. (لكن إن فضل عنه) المسكن، أو كان الخادم نفيساً (وأمكن بيعه) أي: بيع المسكن أو الخادم، (و) أمكنه أيضاً (شراء ما يكفيه ويفضل ما يحج) به: (لزمه) ذلك. (و) يعتبر أيضاً: أن يكون الزاد والراحلة وما يتبعهما فاضلاً عن (قضاء دين) عليه، حالاً كان أو مؤجلاً، لآدمي أو لله ، كالزكوات،

стр. 1519

والكفارات، والنذور؛ لتضرره (١) ببقاء ذمته مشغولة وضياع ماله. (و) أن يكون فاضلاً أيضاً عن (مؤنته ومؤنة عياله؛ لقول النبي- ﷺ : " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت " (٢) . (على الدوام من عقار أو بضاعة أو صناعة، ونحوها)، كعطاء من الديوان (٣) . قال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب: أنه يعتبر أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام من عقار أو بضاعة أو صناعة، وعليه أكثر الأصحاب. انتهى. (ولا يصير) من لم يملك زاداً وراحلة (مستطيعا ببذل) [أي: ببذل] (٤) غيره (له) زادً وراحلة، ولو كان الباذل له ذلك أبوه أو ابنه؛ لأنه لا يلزمه قبول ذلك، لما فيه من المنة، كبذل الرقبة في الكفارة. وكذا لو بذل إنسان نفسه لمريض لا يرجى برؤه وليس له ما يستنيب به ليحج عنه من غيرمقابل: لم يلزمه قبوله، لما فيه من المنة. (ومنها) أي: ومن الاستطاعة على الأصح: (سعة وقت) أي: كون الوقت متسعاً يمكنه الخروج إليه فيه، والسير حيث ما جرت به العادة؛ لتعذر فعل الحج مع ضيق الوقت عنه، وكعدم الزاد والراحلة. فلو حج وقت وجوبه فمات في الطريق تبينا عدم وجوبه (٥) ، لعدم وجود الاستطاعة. (و) من الاستطاعة أيضاً: (أمن طريق يمكن سلوكه) على الأصح، لأن في إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرراً وهو منتف شرعا ً.

стр. 1520

ولا يشترط اختصاص ذلك بالبر، ولا كون ذلك معتاداً. فمن (١) أمكنه سلوك طريق آمن (ولو بحراً أو غير معتاد) لزمه (٢) . أما كونه يجب عليه سلوك الطريق الآمن الذي تغلب فيه السلامة ولو بحراً؛ فلما روي عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول- ﷺ : " لا يركب البحر إلا حاجاً أو معتمراً أو غازياً في سبيل الله " (٣) . رواه أبو داود وسعيد بن منصور في " سننهما ". ولأن البحر مع غلبة السلامة فيه يجوز سلوكه للتجارة حتى بأموال اليتامى. وما روي من النهى عن ركوب البحر فمحمول على ما إذا لم تغلب فيه السلامة، ومن ذلك ما رواه أحمد مرفوعاً: " من ركب البحر عند ارتجاجه فمات برئت منه الذمة " (٤) . وأما كونه يجب عليه سلوك الطريق غير المعتاد مع أمنه؛ فلأن قصاراه أنه مشق. وذلك لا يمنع الوجوب، كما لو كان بلده بعيداً جداً من سائر الطرق. لكن يشترط في الطريق: أن يكون (بلا خفارة)؛ لأنها رشوة ولا يتحقق الأمن ببذلها (٥) . وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها. وأن يكون الطريق (يوجد فيه الماء والعلف على) الأمر (المعتاد) في المنازل في الأسفار؛ لأنه لو كلف حمل مائه وعلف بهائمه من بلده إلى مكة لأدى ذلك إلى مشقة عظيمة.

стр. 1521

وعلم من هذا: أنه يجب عليه حمل الماء من منهل إلى منهل، وحمل العلف من موضع إلى موضع؛ لأنه المعتاد (١) . (و) من الاستطاعة أيضاً: (دليل لجاهل) طريق مكة، (وقائد لأعمى)؛ لأن في إيجاب الحج على جاهل الطريق وعلى الأعمى مع عدم دليل وقائد ضرراً عظيماً. وهو منتف شرعاً. (ويلزمهما أجرة مِثلهِما)؛ لأنهما مما يتم به الواجب. إذا تقرر هذا: (فمن كمل له ذلك) أي: ما تقدم من الشروط الخمسة المذكورة وما يعتبر فيها: (وجب السعي عليه) إلى الحج والعمرة (فوراً). نص عليه. فيأثم إن أخره بلا عذر، وفاقاً لإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف وداود. بناء على أن الأمر للفور. ويختص الكلام في الحج هاهنا بما روى ابن عباس عن النبي ﷺ -قال: " تعجلوا إلى الحج - يعني: الفريضة -. فإنّ أحدكم لا يدري ما يعرض له " (٢) . رواه أحمد. وعن عبدالرحمن بن سابط قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة. فليمت على أي حال (٣) يهودياً أو نصرانياً " (٤) . رواه سعيد بن منصور في "سننه ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من أراد الحج فليتعجل " (٥) . رواه أبو داود. وليس التعليق على الإرادة هنا تعليق تخيير. فإن الإجماع منعقد على أنه

стр. 1522

[لا يُخَيّر] (١) بين الفعل والترك، بل لا يجوز تأخيره إلا بشرط العزم على الأداء، وهذا كقوله: " من أراد الجمعة فليغتسل " (٢) ، و " من أراد الصلاة فليتوضأ "، وقوله : (لمن شاء منكم أن يستقيم) [التكوير: ٢٨]. والغرض بذلك: أن الإرادة تميز بين القاصد والساهي. فإنّ الإرادة تحدث عند حدوث الوجوب. فحينئذ يخاطب بالتعجيل، أو لأن الإرادة تكون واجبة ومستحبة فكذلك التعجيل المعلق عليها حكمه حكمها. ولأن الحج والعمرة فرض العمر فأشبها الإيمان. ولأن الحج عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة غالباً. فأشبه الجهاد. ولأنه أحد مبانى الإسلام. فلم يجز تأخيره إلى غير وقت معين؛ كبقية المبانى. بل أولى؛ لأن سائر المبانى يصح فعلها في كل وقت. ثم منها ما هو مضيق بالكلية؛ كالصوم، ومنها ما فيه توسعة يسيرة لا تفوت مصلحتها غالباً؛ كالصلاة؛ لأنه إذا خيف من حدوث عائق، أمكن غالباً تقدمه أو الاستدراك بالقضاء عقبه. وأما الحج فمدته طويلة ومشقته كثيرة ولا يصح في السنة إلا مرة. فكان التحفظ منه أولى. وأما تأخير النبي ﷺ -وأصحابه فيحتمل أنه قبل نزول فرضه. فإنه قد قيل: أن قوله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ … ﴾ الاية [ال عمران: ٩٧] نزلت في سنة عشر. وقيل: في سنة تسع في أواخرها. ويحتمل أنه بعد (٣) نزول فرضه. ويكون تأخيره إما لأن الله أطلع نبيه على أنه لا يموت حتى يحج فكان على يقين من الإدراك. قاله أبو زيد الحنفى.

стр. 1523

أو لاحتمال عدم الاستطاعة إما في حقه وحق الله ؛ لخوفه على المدينة من المنافقين واليهود وغيرهم ومراسلتهم للروم الذين كانوا جمعوا له (١) في قرية تبوك وهو قريب العهد لغزوهم، وإما لحاجة خوف في حقه منعه من الخروج ومنع أكثر أصحابه خوفاً عليه. فإن مقامه في جماعة ليس لهم منعة مدة غيبة الحاج عنه يخشى عليه من أعدائه كما سبق. ويحتمل أن الله كره له الحج مع المشركين عراة حول البيت وكونهم يشاركونه (٢) ومعه أمته في حجتهم على عادتهم على شركهم، ولم يكن صرفهم بعد عن مكة، وكانت لهم عهود وعقود فيها ألا يُصدوا عن البيت، ولا يتعرض لهم في الشهر الحرام، وكان لقبائل عهود إلى مدة، وكانت السنة التاسعة آخر سني (٣) النسيء بحيث كان الحج فيها في ذي القعد ة، وكان الناس يقف الحُمُس منهم وهم قريش نهاراً في اليوم التاسع بمزدلفة لا بعرفات. بخلاف سائر القبائل. وكذا (٤) فعل أبو بكر في حجته فاختار الله التأخير لنبيه ﷺ -وأمته حتى بعث أبا بكر في التاسعة فنادى: " أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك " (٥) . وتليت الآيات التي فيها إبطال نسيء الجاهلية، وصارت حجة الرسول ﷺ -في ذي الحجة في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله تعالى السموات والأرض (٦) ، ووقف بأمته بعرفات من قريش وغيرهم، وتعلمت منه أمته المناسك التي استقر شرعه عليها. وبعض هذه المصالح عذر في التأخير. فمجموعها أولى. (والعاجز) عن السعي إلى الحج (لكبر أو مرض لا يرجى برؤه)؛ كزمانة

стр. 1524

ونحوها، (أو ثِقَل) بحيث يصير (لا يَقدر معه) أي: مع الثقل (ركوب) على الراحلة أو في محمل (إلا بمشقة شديدة) غير محتملة، (أو لكونه) أي: كون القادر على الزاد والراحلة (نِضْوَ الخلقة، لا يقدر ثبوتا على راحلة إلا بمشقة غير محتملة: يلزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه فوراً من بلده)؛ وذلك لقول ابن عباس: " أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه " (١) . متفق عليه. قال أحمد: أو كانت المرأة ثقيلة لا يقدر مثلها يركب إلا بمشقة شديدة. وأطلق أبو الخطاب وغيره عدم القدرة. ويسمى المعضوب. ولأن الحج والعمرة عبادتان تجب الكفارة بإفسادهما. فجاز أن يقوم غيره فيهما؛ كالصوم. وظاهر حديث ابن عباس أنه لا يشترط اتحاد النوع. فيصح أن تنوب المرأة عن الرجل والرجل عن المراة. وأما كونه يجب أن تكون الاستنابة فوراً ومن بلد المستنيب؛ لأنه وجب على المستنيب كذلك. (وأجزأ) حج النائب (عمن عُوفي) من مرض أو غيره أُبيح له من أجله الاستنابة؛ لأنه أتى بما أمر به. فخرج من عهدته؛ كما لو لم يبرأ. والمعتبر لجواز الاستنابة الإياس ظاهراً. ولو اعتدت من ارتفع حيضها لم تبطل عدتها بعوده. قال صاحب " المحرر " وغيره: وهو نظير مسألتنا. ولا فرق في ذلك على الأصح بين أن يعافى بعد فراغ نائبه من النسك أو قبله بعد إحرامه؛ كالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي.

стр. 1525

(لا) إن عوفي (قبل إحرام نائبه) فإنه لا يجزئه اتفاقاً، للقدرة على المبدل قبل الشروع في البدل. وليس لمن يرجى زوال علته أن يستنيب. فإن فعل لم يجزئه وفاقاً. (ويسقطان) أي: الحج والعمرة (عمن لم يجد نائباً) من العاجز عن الحج والعمرة؛ لكبر أو مرض أو غيرهما ممن تجوز له الاستنابة فيهما؛ لعدم استطاعته بنفسه ونائبه. (ومن لزمه) حج أو عمرة (فتُوفي) قبل أن يفعل شيئاً منهماً. سواء كان ذلك واجباً بأصل الشرع أو بإيجاب نفسه فرط أو لا، وإلى ذلك أُشير بقوله: (ولو قبل التمكن)، وخلّف مالاً: (أخرج عنه) أي: عن الميت (من جميع ماله حَجة وعمرة) أي: ما يفعل به حجة وعمرة (من حيث وجبا) على الميت. نص عليه؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء ولو لم يوص بذلك؛ وذلك (١) لما روى ابن عباس " أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قا ل: ثعم حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته (٢) ٠ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء " (٣) . رواه البخاري. ولأنه حق استقر على الميت. فلم يسقط بموته؛ كالدين. (ويجزئ) الحج عن الميت الذي له وطنان (من أقرب وطنيه) لتخيير (٤) المنوب عنه لو كان حياً. (و) من ببلده (من خارج بلده إلى دون مسافة قصر)، لأن ما دون مسافة القصر في حكم الحاضر. (ويسقط) الحج عمن وجب عليه ومات قبله (بحج أجنبي عنه) بدون

стр. 1526

مال، وبدون إذن الورثة، لحديث ابن عباس، وتشبيهه بالدين. (لا عن حي بلا إذنه) يعني: أنه لو حج إنسان عن حي معذور بدون إذنه لم يسقط عنه فرض الحج، كما لو دفع أجنبي زكاة مال غيره بغير إذنه فإنها لا تسقط. بخلاف دين الآدمي، لأنه ليس بعبادة. (ويقع) حج من حج عن حي بلا إذنه (عن نفسه) أي: نفس الحاج (ولو) كان الحج (نفلاً) عن المحجوج عنه بغير إذنه، لعدم استئذانه مع إمكانه. (ومن) مات وقد وجب عليه الحج و (ضاق ماله) عن أن يحج به من بلد هـ، (أو) ضاق عن ذلك لكونه (لزمه دين) وتزاحموا: (أُخذ) من المال (لحج بحصته)؛ كما لو خلف مائة وعليه دين مثلها والحج يكفيه مائة. فيؤخذ له خمسون من ماله، (وحج به) أي: بما يوجد من المال بحصة الحج (من حيث بلغ). نص عليه، لقدرته على بعض المأمور به على الأصح. وعنه: يقدم الدين؛ لتأكده. (وإن مات) من وجب (١) عليه الحج بطريق الحج، (أو) مات (نائبه بطريقه: حج عنه من حيث مات)، لأن الاستنابة من حيث وجب القضاء. ولم يلزم أن يحج عنه من وطنه، لأن المنوب عنه لم يكن عليه أن يرجع إلى محل وطنه ثم يعود إلى الحج. فيجب أن يستناب عنه (فيما بقي). نص عليه، (مسافة وفعلاً وقولاً) لفعله قبل موته بعض ما وجب وهو السعي إلى ذلك المحل الذي مات فيه. (وإن صُدّ) في أثناء طريقه (فعل ما بقي) أيضاً؛ لأنه أسقط بعض الواجب. (وإن وصى) إنسان (بنفل) أي: بحج نفل (وأطلق) بأن لم يقل من محل كذا: (جاز) أن يحج عنه (من ميقاته) أي: من ميقات بلد الموصي. نص عليه. (ما لم تمنع قرينة) من ذلك؛ كما لو جعل لمن يحج عنه مالاً بقدر نفقة من يحج من بلده ونحو ذلك. فلا يجزئه إلا من محل وصيته، كحج واجب.

стр. 1527

فإن لم يف ثلثه بالحج من محل وصيته حُج به من حيث يبلغ أو يعان به في الحج. نص عليه. (ولا يصح ممن لم يحجّ عن نفسه، حج عن غيره) فرض غيره، (ولا نذره، ولا نافلته)، حياً كان المحجوج عنه أو ميتاً على الأصح، وفاقاً للشافعي. (فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام)، لحديث عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة - بعين مهملة ثم بزاي فراء - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ -سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة قال (١) : حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة " (٢) . إسناده جيد. احتج به أحمد في رواية صالح. قال البيهقي: إسناده صحيح. ورواه أحمد وأبو داود، وأبو يعلى الموصلي، وابن حبان، والطبرانى. ولأنه حج عن غيره قبل حجه عن (٣) نفسه. فلم يجز، كما لو كان صبياً. وقوله: "حج عن نفسك " أي: استدمه (٤) ، كقولك للمؤمن: آمن. ولهذا روى الدارقطني من طريقين وفيهما ضعف: "هذه عنك وحج عن شبرمة" (٥) . ولأن الإحرام ركن. فبقاؤه يمنع أداءه عن غيره؛ كطواف الزيارة. وبه فرق (٦) بينه وبين الزكاة. فإنه لا يطوف من لم يطف عن نفسه، وينوب في الزكاة من بقي عليه بعضها.

стр. 1528

وقال أبو حفص العكبري: ينعقد عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه. وعنه: يقع باطلاً؛ لتعيين (١) النية لطواف الزيارة. وهذا لا يلزم منه بطلان إحرامه. وعنه: يجوز عن غيره ويقع عنه، جعلها القاضي ظاهر نقل محمد بن ماهان: فيمن عليه دين ولا مال أيحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم، وفاقاً لأبي حنيفة ومالك وداود. (ولو أحرم بنذر أو نفل من عليه حجة الإسلام: وقع) حجه (عنها) أي: عن حجة الإسلام دون النذر والنفل على الأصح. نص عليه، وفاقاً للشافعي؛ لأنه قول ابن عمر وأنس. فعلى هذا تبقى الحجة المنذورة في ذمته. ونقل أبو طالب: تجزئ عن حجة الإسلام وعن المنذورة. (والنائب كالمنوب عنه) في الصور المتقدمة. فلو أحرم بنذر أو نفل عمن عليه حجة الإسلام وقع عنها على الأصح. ولو أحرم بنذر أو نفل من عليه قضاء حجة فاسدة وقعت عن القضاء دون ما نواه على الأصح. (ويصح أن يحج عن معضوب، و) عن (ميت) اثنان، (واحد في فرضه، وآخر في نذره في عام) واحد. (وأيهما) أي: أي النائبين (أحرم أولاً) أي: قبل الآخر (فعن حجة الإسلام، ثم) الحجة (الأخرى) التي أحرم بها الثانى بعد إحرام الاول تكون (عن نذره ولو لم ينوه) أي: لم ينو الثانى أنها عن النذر؛ لأنه قد يعفى عن التعيين في باب الحج؛ لانعقاده مبهماً ثم يعين. (و) يصح (أن يجعل قارن) وهو من أحرم بالحج والعمرة معا ً، أو أحرم بعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل شروعه في طواف العمرة: (الحج) الذي هو

стр. 1529

أحد نسكي القارن (عن شخص) استنابه في الحج، (و) أن يجعل (العمرة عن) شخص (آخر) استنابه للعمرة، لأن القران نسك مشروع. لكن لا يصح ذلك عنهما إلا (بإذنهما) أي: إذن الشخصين، وإن لم يأذنا في ذلك صحت الحجة والعمرة للمحرم، وضمن ما (١) جعل له في الحجة والعمرة؛ كمن أمر بحج فاعتمر، أو أمر بعمرة فحج. ذكره القاضي وغيره. وفي " المغني " و" الشرح ": يقع عنهما. فإن أذن أحدهما رد على غير الإذن نصف نفقته وحده؛ لأن المخالفة في صفته. (و) يصح (أن يستنيب قادر) على الحج (وغيره) أي: غير القادر على الحج (في نفل حج، و) في (بعضه) أي: بعض نفل الحج على الأصح، خلافاً للشافعي؛ كالصدقة. والخلاف في عجز مرجو الزوال. وأما حج النفل عن المعضوب والميت. فوافق عليها الأئمة الثلاثة. ويصح حج النفل عن الميت ويقع عنه، لأن الميت إذا عزي إليه العبادة وقعت عنه، ويصير كأنه مهدى إليه ثوابها، وهو عاجز عن الكسب متعذر منه الإذن. بخلاف الحى. ويستحب أن يحج عن أبويه، قال بعضهم: إن لم يحجا. وقال بعضهم: وغيرهما. ويقدم أمه؛ لأنها أحق بالبر. ويقدم واجب عليه على نفل أمه. نص عليهما. نقل ابن إبراهيم: من حج ويريد الحج ولم يحج والداه يجعل (٢) حجة التطوع عنهما، عن كل واحد حجة. نقل أبو طالب: يقدم دين أبيه على نفله لنفسه. فأمه أولى. وقيل له في رواية أبي داود: أريد ان أحج عن أمي أترجو أن يكون لي أجر حجة أيضاً؟ قال نعم. تقضي عنها ديناً عليها.

стр. 1530

وقيل له: أحج (١) عنها فأنفق من مالي وأنوي عنها أليس جائزاً؟ قال: نعم. وعن زيد بن أرقم مرفوعاً: [" إذا حج الرجل عنه وعن والديه تقبل منه ومنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله براً " (٢) . في إسناده أبو أمية (٣) الطرسوسي وابو سعمد البقال ضعيفان. وعن ابن عباس مرفوعا] (٤) : " من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرماً، بعُث يوم القيامة مع (٥) الأبرار " (٦) . فيه صلة بن سليمان، متروك. [وعن عثمان بن عبدالرحمن عن محمد بن عمرو البصري عن عطاء عن جابر مرفوعاً: " من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته (٧) ، وكان له فضل عشر حجج " (٨) . ضعيف] (٩) . رواهن (١٠) الدارقطني. (والنائب) في الحج (أمين فيما أعطيه) من مال (ليحج منه). فيركب وينفق منه بالمعروف. (ويضمن) النائب (ما زاد) أي: ما أنفقه زائداً (على نفقة المعروف، أو) ما أنفقه زائداً بسبب سلوك طريق أبعد، مع إمكانه سلوك (طريق أقرب بلا ضرر) عليه في سلوك الطريق الأقرب. قال الموفق: أو تعجل عجلة يمكنه تركها. قال في "الفروع ": كذا قال. ونقل الأثرم: يضمن ما زاد على ما أمر بسلوكه.

стр. 1531

(ويرد) أي: ويجب عليه أن يرد (ما فضل) عن نفقته بالمعروف. إلا أن يؤذن له أن يتصرف فيه بما شاء. ووجه وجوب رد ما فضل، لأنه لم يُملّكه له المستنيب، وإنما أباح له أن ينفق على نفسه منه بالمعروف. قال في " الفروع ": فيؤخذ منه لو أحرم ثم مات مستنيبه أخذه الورثة، وضمن ما أنفق بعد موته. وقاله الحنفية. ويتوجه: لا؛ للزوم ما أذن فيه. قال فى " الإرشاد " وغيره في: حُّجّ عني بهذا فما فضل فلك: ليس له أن يشتري به تجارة قبل حجه. وكذا قال الحنفية. (ويحسب له) أي: للنائب (نفقة رجوعه) [بعد حجه] (١) ، خلافاً لما فى " الرعاية الكبرى " (٢) . ولأبي يوسف: إلا أن يتخذها داراً ولو ساعة. فلا؛ لسقوطها. فلم تعد إنفاقاً. (و) يحسب له أيضاً نفقة (خادمه إن لم يخدم نفسه مثله) أي: مثل النائب. قاله بعض الحنفية. قال في " الفروع ": وهو متجه. وإن مات أو ضل أو صُدّ أو مرض أو تلف بلا تفريط أو أعوز بعده: لم يضمن. ويتوجه من كلامهم: يُصدَّق إلا أن يدعي أمراً ظاهراً فيبينه. (ويرجع) النائب (بما استدانه لعذر) على مستنيبه، (وبما أنفق عن (٣) نفسه بنية رجوع)، وعند أكثر الحنفية: يرجع إن أنفق بحاكم. (وما لزم نائباً بمخالفته فمنه) أي: من النائب. فمن أُُمر بحج فاعتمر لنفسه ثم حج فقال القاضي وغيره: يرد كل النفقة؛ لأنه لم يؤمر به، وفاقاً لأبي حنيفة.

стр. 1532

ونص أحمد واختاره الموفق وغيره: إن أحرم به من ميقات فلا، وفاقاً للشافعي. ومن مكة يرد من النفقة ما بينهما. ومن أمر بحج فجاوز الميقات محلاً ثم رجع ليحرم ضمن نفقة تجاوزه ورجوعه. وإن أقام بمكة فوق مدة قصر بلا عذر فمن ماله. وهل الوحدة عذر إن قدر أن يخرج وحده؟ قال في "الفروع ": يتوجه خلاف كالحنفية. وظاهر كلام أصحابنا مختلف. والأولى أنه عذر. ومعناه في "الرعاية" وغيرها للنهي (١) ، وحمله على الخوف فيه نظر؛ لأنه من (٢) المبيت وحده، وظهر من هذا: يضمن إن خرج. انتهى. ونفقة الحج إن فسد على النائب، وكذا نفقة حجة القضاء، ويرد ما أخذ؛ لأن الحجة لم تقع عن مستنيبه؛ لجنايته وتفريطه. والدماء الواجبة بفعل محظور على نائب. والمنصوص: ودم تمتع وقران كنهيه عنه، وعلى مستنيبه إن أذن. ونقل ابن منصور: إن أمر مريض من يرمي عنه فنسي المأمور أساء والدم على الامر. قال في " الفروع ": ويتوجه أن ما سبق من نفقة تجاوزه ورجوعه والدم مع عذر على مستنيبه؛ كما ذكروه في النفقة في فواته بلا تفريط. ولعله مرادهم. وإن شرط أحدهما أن الدم الواجب عليه على (٣) غيره: لم يصح شرطه؛ كأجنبي. ***

стр. 1533

[فصل: في المحرَم] (فصل. وشُرط لوجوب) أي: وجوب الحج والعمرة (على أنثى محرم). نقله الجماعة عن أحمد، وأنه قال: المحرم من السبيل. فمن لم يكن لها محرم لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها. هذا نص أحمد في رواية الأثرم وابن منصور (١) وحرب وأبي داود. وصرح في رواية الميمونى وحرب بالتسوية بين الشابة والعجوز، وفاقاً للأئمة الثلاثة. ولا فرق في ذلك بين طويل السفر وقصيره؛ وذلك لحديث ابن عباس: " لاتسافر امرأة إلا مع محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم. فقال رجل: يا رسول الله! إنى أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج. فقال: اخرج معها " (٢) . رواه أحمد بإسناد صحيح. وفي " الصحيحين ": " إن امرأتي خرجت حاجة وإنى اكتُتِبْتُ في غزوة كذا. قال (٣) : انطلق فحج معها " (٤) . وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ -قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فضاعداً، إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها " (٥) . رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي.

стр. 1534

وعن ابن عباس أن النبي ﷺ -قال: " لا تحجّنّ امرأة الا ومعها ذو محرم " (١) . رواه الدارقطني في " سننه "، وأبو بكر عبدالعزيز في " الشافي ". ولا فرق في ذلك بين كون الحج فرضاً أو تطوعاً؛ لأن الرجل لما قال: "إن إمرأتي خرجت حاجّه ": أمره بإدراكها ولم يستفصله عن حجها. فرض أو تطوع. والوقت وقت حاجة إلى البيان. فعلم أن نهيه شامل للجميع، وأنها أنشأت سفراً لم يصيرها إليه الخوف على نفسها بالبلد. فأشبه ما إذا سافرت لحج تطوع أو زيارة أو تجارة ونحوها. وعن أحمد: أن المحرم شرط لزوم السعي إليه دون وجوب الحج في الذمة. فعلى هذا يلزمها أن تستنيب فيه إذا كانت ممن لا تثبت على الرحل وأن توصي به. وعنه رواية ثانية: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب إذا وجدت من تأمن بالخروج معه. وبهذا قال مالك والشافعي. قال الأثرم: سمعت أحمد سُئل هل يكون الرجل محرماً لأم امرأته يخرجها إلى الحج؟ فقال في حجة الفريضه: فأرجو؛ لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته، وأما في غيرها فلا. ووجه المذهب: أن اعتبار المحرم أولى؛ للنص عليه. ولأن منعها من السفر وحدها قد منع مثه إجماعاً؛ لحفظها وصيانتها والذب عنها. وتعليق إدارة الحكم على حقائق الحكم لا تمكن، بل على الضوابط والمظانّ. وإذا لم يكن بد من ضابط فكان جعل المحرم الذي جعله النبي ﷺ -ضابطاً

стр. 1535

وأجمعوا عليه في سفر التجارة والزيارة أولى، لأن من اشترط غير ذلك لا حجة معه عليه. وقول النبي ﷺ -لعدي بن حاتم في حديث متفق عليه: " يا عدي! إن طالت بك حياة، لتَرَينَّ الظَّعينة ترتحل (١) من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله " (٢) : لا حجة فيه للمخالف. فإن الحديث إنما دل على وقوع الخروج خاليا عن إخافة السبيل، لقوة الإسلام وظهور عدله. (وفي أي موضع اعتبر) المحرم، (فلمن لعورتها حكم، وهي) أي: التي لعورتها حكم: (بنت سبع سنين فأكثر) على ما سبق في غسل الميت. قال القاضي: اعتبر أحمد المحرم فيمن يخاف أن ينالها الرجال. فقيل له في رواية أحمد بن إبراهيم: متى لا يحل سفرها إلا بمحرم؟ قال: إذا صار لها سبع سنين، أو قال: تسعه. والله اعلم. وعنه: لا يعتبر المحرم إلا في مسافة القصر، وفاقاً لأبي حنيفة، كما لا يعتبر في أطراف البلد مع عدم الخوف وفاقاً. والاول المذهب؛ لحديث ابن عباس: " لا تسافر امرأة إلا مع محرم " (٣) . وما روي من حديث ابن عمر مرفوعاً: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم " (٤) . متفق عليه.

стр. 1536

وفي رواية: " ثلاثة أيام " (١) . وفي رواية " فوق ثلاث " (٢) . وفي البخاري في بعض طرقه: " ثلاثة أيام " (٣) . ولمسلم من حديث أبي سعيد: " يومين " (٤) . فالظاهر أن اختلاف الروايات لاختلاف السائلين فخرجت جواباً لسؤالهم. (وهو) أي: المحرم الذي لا يحل للمراة أن تسافر إلا وهو معها، (زوج). وسمي محرماً مع كونها تحل له؛ لأن المقصود من سفر المحرم معها صيانتها وحفظها، مع إباحة الخلوة بها وهو موجود في الزوج. (أو ذكر) فلا يكون الخنثى المشكل محرماً. (مسلم) فلا يكون الأب ونحوه من الكفار محرما لمسلمة. نص عليه؛ لأن الكافر لا يؤمن عليها؛ كالحضانة. وكالمجوسي؛ لاعتقاده حلها. (مكلف) فلا يكون الصبي ولا المجنون محرماً، لكن لا يشترط الحريه، وإلى ذلك أُشير بقوله: (ولو عبداً) وهو أبوها أو أخوها أو غيرهما ممن (تحرم عليه أبدا). فلا يكون العبد محرماً لسيدته؛ لأنها لا تحرم عليه أبد أ. نقله الأثرم وغيره. ولأنه لا يؤمن عليها. ولا يلزم من إباحة النظر المحرمية. ويشترط كون تحريمها (لحرمتها)، ليخرج بذلك الملاعن؛ لأن تحريمها عليه أبداً عقوبة عليه وتغليظاً. ويشترط أيضاً: كون التحريم (بسبب مباح)، لتخرج المحرمة بسبب وطء

стр. 1537

الشبهة ووطء الزنا. فلا يكون الواطئ بالشبهة محرماً لأم الموطوءه بشبهة أو زنا، ولا لابنتها؛ لأن المحرمية نعمة. فاعتبر إباحة سببها؛ كسائر الرخص. قال في " الفروع ": والمراد والله أعلم (١) بالشبهة ما جزم به جماعة: الوطء الحرام مع الشبهة؛ كالجارية المشتركة ونحوها، لكن ذكر في " الانتصار " وذكره شيخنا: أن الوطء في نكاح فاسد كالوطء بشبهة. انتهى. ولما كان ما تقدم من الكلام شاملاً لأزواج النبي ﷺ -لتحريمهن أبداً على جميع الأمة بسبب مباح، احتيج إلى استثنائهن بقوله: (سوى نساء النبي ﷺ ، لأنهن أمهات المؤمنين في التحريم دون المحرمية. وذكر بعضهم: أنه لا يحتاج إلى استثنائهن؛ لانقطاع حكمهن بموتهن. ثم اعلم أن التحريم تارة يكون بسبب (او بنسب). ثم النسب قد يكون رضاعاً فإنه يحرم به ما يحرم بالنسب. وقد يكون وطءاً مباحا بنكاح؛ كأب الزوج وابنه وكزوج البنت وزوج الأم. وقد يكون وطءاً مباحا من غير نكاح كالوطء بملك اليمين. فإن سيد الأمة التي وطئها يكون محرماً لأم سُرِّيته وبنتها من غيره، ويكون أبو واطئ سُرِّيته وابنه من غيرها محرماً لها (٢) . والمحرم من النسب: أبو المرأة وإن علا، وابنها وإن سفل، وأخوها من كل جهة، وعمها من كل جهة، وكذا عم أبيها (٣) وعم جدها وإن علا، وأبو أمها وجدتها وإن علت، وبنو بناتها وإن سفلن، وبنو إخوتها وأخواتها وبنو بناتهم (٤) وإن سفلوا. (ونفقته) أي: نفقة المحرم الذي يسافر معها لحجها (عليها) أي: على المسافرة للحج. نص على ذلك؛ لأنه من سبيلها. وذكره القدوري الحنفي.

стр. 1538

(فيشترط لها) لوجوب السعي إلى الحج عليها (ملك زاد وراحلة لهما) أي: أن تملك المرأة زاداً وراحلة لها ولمحرمها صالحتين لهما. (ولا يلزمه) أي: يلزم المحرم (مع بذلها ذلك) [أي: لا يلزم المحرم مع بذلها] (١) له النفقة والزاد والراحلة: (سفر معها) على الأصح؛ للمشقة، كحجه عن مريضة. وعنه: بلى؛ لأمره ﷺ -للزوج في خبر ابن عباس أن يسافر مع زوجته (٢) . وجوابه: أنه أمرٌ بعد حظر، أو أمر تخيير. وعلم ﷺ -من حاله أنه يعجبه أن يسافر معها. (وتكون) المرأة مع امتناع محرمها من السفر معها (كمن لا محرم لها). وإن أراد المحرم أجرة، قال في " الفروع: " فظاهر كلامهم لا يلزمها. ويتوجه: كنفقته، كما ذكروه في التغريب في الزنى، وفي قائد الأعمى. فدل ذلك كله على أنه لو تبرع لم يلزمها؛ للمنَّة. ويتوجه: أن يجب للمحرم أجرة مثله. لا النفق؛ كقائد الأعمى. ولا دليل يخص وجوب النفقة. انتهى. (ومن أيستْ منه) أي: من المحرم (٣) (استنابت) من يحج عنها على الأصح. نقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد: في المرأة ليس لها محرم هل تدفع إلى رجل يحج عنها؟ فقال: إذا كانت قد يئست من المحرم فأرى أن تجهز رجلاً يحج عنها. ونقل عنه ما يدل على المنع. قال في رواية المروذي: في امرأة لها خمسون سنة وليس لها محرم:

стр. 1539

لا تخرج إلا مع ذي محرم، وأرجو أن ترزق بعلا تتزوج به. قال في " شرح الهداية ": ويمكن حمل قوله على اختلاف حالين: فقوله بالمنع على ما إذا كان احتمال تزوجها لا يبعد عادة، ولهذا فرضه السائل في بنت خمسين سنة وليس تزوجها بعيداً ولو بلغت الستين. ويحمل قوله بالجواز على من أيست منه ظاهراً وعادة كبنت مائة سنة، أو ذات أسقام، أو أمراض، أو غير ذلك من الأمور العرفية التي يغلب على ظنها معها أنها لا تنكح. وهذا لأن الإياس المعتبر يكفي فيه الظهور دون القطع. ولهذا قلنا: أنه لو حج معه ثم عوفي منه أجزأه. ولو اعتبرناه قطعاً ويقينا لما تصورت العافية منه. فعلى هذا: إن تزوجت بعد، كان حكمها حكم المعضوب. انتهى. (وإن حجت) المرأة (بدونه) أي: بلا محرم (حرم) سفرها بدونه، (وأجزأ) حجها، وفاقاً للأئمة الثلاثة؛ كمن حج وقد ترك حقا يلزمه من دين أو غيره. فإنه يحرم عليه ذلك، ويجزئه الحج. (وإن) سافرت مع محرم ثم (مات بالطريق مضت في حجها)؛ لأنها لاتستفيد شيئاً بالرجوع؛ لكونه بغير محرم، (ولم تصر مُحصرة)؛ لأنها لا تستفيد بالتحلل زوال ما بها؛ كالمريض. ويصح الحج من معضوب، وأجير خدمة بأجرة أو بدونها، وتاجر. ولا إثم. نص على ذلك، وفاقاً للأئمة الثلاثة. قال في " الفصول " و" المنتخب ": والثواب بحسب الإخلاص قال أحمد: لو لم يكن معك تجارة كان أخلص. ورخص في التجارة والعمل في الغزو، ثم قال: ليس كمن لا يشوب غزوه بشيء من هذ ا. انتهى. والله أعلم. ***

стр. 1540

[باب: المواقيت] هذا (باب) يذكر فيه مواضع الحج وأزمنته. ثم (المواقيت) جمع ميقات، وهو لغة: الحد. واصطلاحاً: موضع العبادة وزمنها. فالمواقيت اصطلاحاً: (مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. فميقات أهل المدينة: ذو الحُليَفة) بضم الحاء وفتح اللام، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة. وهي أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين مكه عشرة أيام. (و) ميقات أهل (الشام ومصر والمغرب: الجُحْفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة. وهي قرية جامعة على طريق المدينة. وكان اسمها مَهْيَعة. فجحف السيل بأهلها فسميت الجحفة، وتلي ذا الحليفة في البعد. وبين الجحفة والمدينة ثمان (١) مراحل. (و) ميقات أهل (اليمن: يلملم)، بينها وبين مكة ليلتان. وفي " شرح البخاري " لابن حجر: مرحلتان ثلاثون ميلا. (و) ميقات أهل (نجد الحجاز، و) أهل نجد (اليمن). قال صاحب " المطلع ": هو ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وكلها من عمل اليمامة. (و) أهل (الطائف: قرن) بسكون الراء، ويقال له: قرن المنازل وقرن الثعالب. وهو على يوم وليلة من مكة. (و) ميقات أهل (المشرق) وهم: أهل العراق، وأهل خراسان، وجميع الشرق: (ذات عرق). منزل معروف. سُمّي (٢) بذلك، لأن فيه عرقاً وهو

стр. 1541

الجبل الصغير. وقيل: العرق الأرض السبخة تنبت الطرفاء. (وهذه) المواقيت (لأهلها) المذكورين، (ولمن مر عليها) من غير أهلها [ممن أراد حجاً أو عمرة؛ كما لو مرَّ الشامي بذي الحليفه فإنه يحرم منها نصاً] (١) . (ومن منزله دونها) أي: دون هذه المواقيت من مكة (فمنه) أي: فميقاته من منزله (لحج وعمرة). والأصل في ذلك ما روى ابن عباس قال: " وقَّتَ رسول الله ﷺ -لأهل المدينة ذا الحليفة (٢) ، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل (٣) ، ولأهل اليمن يلملم. هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمحله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها " (٤) . متفق عليه. (ويحرم من بمكة لحج منها) أي: من مكه، لحديث ابن عباس. (ويصح) لمن بمكة أن يحرم (من الحل، ولا دم عليه). نقله الأثرم وابن منصور، ونصره القاضي وأصحابه وفاقاً لمالك، كما لو خرج إلى الميقات الشرعي، وكالعمرة. ومنعوا وجوب إحرامه من الحرم ومكة. وعنه: عليه دم. (و) يُحرم مَن بمكة (لعمرة مِن الحل)، " لأن النبي- ﷺ -أمر عبدالرحمن ابن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم " (٥) . متفق عليه. ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم. فلم يكن بد من الحل؛ ليجمع في

стр. 1542

إحرامه بين الحل والحرم. بخلاف الحج. فإنه يخرج إلى عرفة فيحصل الجمع. (ويصح) الإحرام لعمرة (من مكة. وعليه) أي: على المحرم بعمرة من مكة (دم) لمخالفته بإحرامه من (١) دون الميقات. أشبه ما لو تجاوز الميقات بغير إحرام. (وتجزئه) العمرة التي أحرم بها من مكة عن عمرة الإسلام؛ لأن الإحرام من المحل المشروع له ليس شرطاً لصحة النسك. واشترط في " الفروع " تبعاً ل" المغني " أن يخرج إلى الحل قبل أن يحل منها. والمشهور خلافه. قال الزركشي: فإن لم يخرج حتى أتم أفعالها فوجهان. والمشهور (٢) الإجز اء. انتهى. (ومن لم يمر بميقات) من المواقيت المذكورة (أحرم) بحج أو عمرة وجوباً، (إذا علم أنه حاذى أقربها) أي: أقرب المواقيت (منه)؛ لقول عمر: " انظروا حذوها من قديد " (٣) . رواه البخاري. (وسُن) له (أن يحتاط)؛ لأن ذلك يعرف بالاجتهاد والتقدير؛ كالقبلة. فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعد، إذ الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه حرام. (فإن تساويا قرباً) منه (ف) إنه يحرم (من أبعدهما من مكة). قال في " الرعاية " وكذا الشافعية: (فإن لم يحاذ ميقاتاً أحرم عن مكة بمرحلتين) أ: بقدر مرحلتين. وذكر الحنفية مثله إن تعذر معرفة المحاذاة. قال في " الفروع ": وهذا متجه. ***

стр. 1543

[فصل: الإحرام من الميقات] (فصل. ولا يَحل لمكلف حر مسلم أراد مكة). نص عليه، (او) أراد (الحرم، او) أراد (نُسكاً: تجاوز ميقات بلا إحرام)؛ لأنه ﷺ -وقَّت المواقيت (١) ، ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه تجاوز الميقات بغير إحرام. وعنه: لا يلزم الإحرام من الميقات إلا من أراد نسكاً. والمذهب الاول. (إلا) من تجاوزه (لقتال مباح)؛ " لدخوله ﷺ -يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر" (٢) . ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرماً ذلك اليوم. (أو خوف) (٣) أي: وإلا من تجاوزه خائفاً، (أو) مع (حاجة (٤) تتكرر؛ كحطَّاب، ونحوه)؛ كالذي يحش الحشيش من الحل ويدخل به إلى مكة؛ لما روى حرب عن ابن عباس: " لا يدخل إنسان مكة إلا محرماً، إلا الحمالين والحطابين وأصحاب منافعها ". احتج به أحمد. (و) ك (مكي يتردد لقريته بالحل) إذ لو وجب عليه الإحرام كلما دخل إلى (٥) مكة، لأدى ذلك إلى مشقة وضرر عليه. وهو منتف شرعاً. قال ابن عقيل: وكتحية المسجد في حق قيمه للمشقة.

стр. 1544

(ثم إن بدا له) أي: لمن لم يلزمه الإحرام ممن في ذكرنا أن يحرم، (أو) بدا (لمن لم يرد الحرم أن يُحرم، أو لزم) الإحرام (من تجاوز الميقات) حال كونه (كافراً أو غير مكلف)، كما لو تجاوزه وهو صغير أو مجنون. (أو) حال كونه (رقيقاً) فأسلم الكافر، وكلف من كان غير مكلف، وعتق الرقيق. (أو تجاوزها) أي: تجاوز المواقيت حال كونه (غير قاصد مكة ثم بدا له قصدها: فمن موضعه) يعني: فإنه يحرم من موضعه، لأنه قد حصل دون الميقات على وجه مباح. فكان له أن يحرم منه؛ كأهل ذلك المكان. (ولا دم عليه)؛ لأن مَن منزله دون الميقات لو خرج إلى الميقات ثم عاد فأحرم من منزله لم يلزمه شيء. وعنه: يلزم من تجاوز الميقات كافراً أو غير مكلف أو رقيقاً دم إذا أحرم من دون الميقات وقد صار مسلماً مكلفاً حراً. وعنه: يلزم من أسلم فقط. نصره القاضي وأصحابه؛ لأنه حر بالغ عاقل؛ كالمسلم، وهو متمكن من زوال المانع. (وأُبيحَ للنبي ﷺ -وأصحابه، دخول مكة مُحلِّين، ساعة. وهي: من طلوع الشمس إلى صلاة العصر. لا قطعُ شجر)؛ " لأن النبي ﷺ قام الغد من يوم فتح مكة. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ -فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها كحرمتها. فليبلغ الشاهد منكم الغائب " (١) . (ومن جاوزه) أي: جاوز الميقات حال كونه (يريد نُسكاً أو كان) النسك (فرضه). حتى (ولو). كان (جاهلاً) أنه الميقات، (او) كان (ناسياً) ولم يحرم من الميقات: (لزمه أن يرجع) إلى الميقات (فيحرم منه) حيث أمكنه

стр. 1545

الرجوع؛ لأنه واجب أمكنه فعله. فلزمه؛ كسائر الواجبات. ومحل ذلك: (إن لم يخف فوت حج أو غيره) أي: غير فوت الحج؛ كما لو خاف على نفسه أو ماله لصاً أو نحوه. (ويلزمه إن أحرم من موضعه دم)؛ لتركه واجباً وهو الإحرام من الميقات. وقد روى ابن عباس أن النبي ﷺ -قال: " من ترك نسكاً فعليه دم " (١) . (ولا يسقط) الدم (إن أفسده) أي: أفسد ما أحرم به. نص عليه. (أو رجع) إلى الميقات محرماً. نص عليه؛ كدم محظور. (وكُره إحرام قبل ميقات) وينعقد. قال أحمد: هو أعجب إليَّ. وقاله القاضي وأصحابه و" المغني " و " المستوعب " وغيرهم. وروى الحسن " أن عمران (٢) بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ -أحرم من مصره ". وقال: " إن عبدالله بن عامر أحرم من خراسان. فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له " (٣) . رواهما سعيد والأثرم. وقال البخاري: " كرهَ عثمان أن يُحرَم من خُراسان أو كَرْمان " (٤) . وقال الشافعي: أنبأنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء " أن رسولالله- ﷺ -لما وقَّتَ المواقيت قال: يستمتعُ المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا للمواقيت " (٥) .
следующие страницы →