والحميدي وإسحاق يحتجون به. قيل له: فمن تكلم فيه ماذا يقول؟ قال: يقولون أكثر عمرو بن شعيب ونحو هذا.
(و) حيث تقرر وجوب القضاء فإنه يستوي فيه الصغير والكبير. نص
عليه؛ لأن الصغير تلزمه البدنة والمضي (١) في فاسده؟ كبالغ.
إذا علمت ذلك: فإنه (يقضي فوراً) كل من الواطئ والموطوءة؛ لما تقدم
في حديث عمرو بن شعيب من قوله: " فإذا أدركت قابلاً حج ".
(إن كان مكلفاً)؛ لأنه لا عذر له في التأخير مع القدرة على القضاء.
(وإلا) أي: وإن لم يكن مكلفاً حالة فساد حجه. فإن بلغ قبل الوقوف في
هذه الحجة الفاسدة [فقد تقدم حكمه في أوائل كتاب الحج (٢) . وإن لم يبلغ حتى انقضت الحجة الفاسدة: (ف) يقضي الحجة الفاسدة] (٣) بعد تكليفه، و (بعد حجة الإسلام فوراً). سواء كان الحج الذي أفسده بالوطء من المكلف فرضاً أو نفلاً. نص عليه. وجزم به الأصحاب؛ لإطلاق ما سبق من السنة.
ولوجوب إتمامه بدخوله في الإحرام.
ولإيجاب (٤) القضاء على غير المكلف وهو لا يكون منه إلا نفلاً.
ويكون الإحرام بحجة القضاء (من حيث أحرم أولاً) أي: من المكان الذي
أحرم منه بالحجة الذي فسدت، (إن كان) قد أحرم بها (قبل ميقات.
وإلا) أي: وإن لم يكن أحرم بها قبل ميقات (فمنه) أي: فإنه يحرم بحجة
القضاء من الميقات. فحأصله أنه يلزمه الإحرام بحجة القضاء من أبعد الموضعين: الميقات أو إحرامه الأول. نص عليه، وفاقاً للشافعي؛ لما سبق من السنة.
стр. 1612
ولأن القضاء يحكي الأداء. بدليل المسافة من الميقات إلى مكة، وكالصلاة. ولأن دخوله في النسك سبب لوجوبه. فتعلق بموضع الإيجاب؛ كالنذر.
قال القاضي: فإنه لو. نذر حجة من دويره أهله لم يجز أن يحرم من الميقات، ولزمه من دويرة أهله.
نقل أبو طالب: لا يجزئهما إلا من حيث أهلاّ. الحرمات قصاص.
(ومن أفسد القضاء) أي: حجة القضاء (قضى الواجب) الذي عليه بإفساد الحج الأول، (لا القضاء) أي: لا حجة القضاء؛ كما لو أفسد قضاء الصوم والصلاة.
ولأن الواجب لا يزداد (١) بفواته، وإنما يبقى ما كان واجباً في الذمة على ما كان عليه.
(ونفقة) حجة (قضاء مطاوعة) على الوطء (عليها)؛ لقول ابن عمر:
" واهدياً هدياً " (٢) . أضاف الفعل إليهما.
وقول ابن عباس: " اهد ناقة ولتهد ناقة " (٣) .
ولأنها بمطاوعتها أفسدت نسكها. فكانت النفقة عليها؛ كالرجل.
(و) نفقة حجة قضاء (مكرهة على مكره)؛ لأنه المفسد لنسكها. فكانت عليه نفقتها؛ كنفقة نسكه.
(وسن تفرقهما) أي: الواطئ والموطوءة في الأصح (في) حجة (قضاء)؛ لما روى ابن وهب بإسناده عن سعيد بن المسيب " أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان. فسأل النبي ﷺ . فقال لهما: أتما حجكما ثم ارجعا وعليكما حجة آخرى من قابل. حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما (٤) فأحرما
стр. 1613
وتفرقاً، ولا يؤاكِل أحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما واهدياً " (١) .
وروى سعيد والأثرم عن عمر وابن عباس معناه.
(من موضع وطء) إلى إنتهاء حجة القضاء، لأنه إذا بلغ موضع الوطء ربما تذكره فتتوق نفسه فيواقع المحظور.
(فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط) وهو البيت من الشعر، (و) لا في (نحوه)؛ كخيمة.
ويستمر تفرقهما (إلى أن يحلا) من إحرامهما.
(و) الوطء (بعده) أي: بعد التحلل الأول (لا يُفسد) النسك؛ لقوله ﷺ : " الحج عرفة " (٢) .
ولقول ابن عباس " في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزوراً بينهما، وليس عليه الحج من قابل " (٣) . رواه مالك.
ولا يعرف له في الصحابة مخالف.
وقول أبو بكر في " التنبيه ": أن من وطئ في الحج قبل الطواف فسد حجه: محمول على ما قبل التحلل الأول.
قال في " المستوعب " عن كلام أبي بكر: يريد إذا لم يكن رمى جمرة العقبة. فلا يكون قبل التحلل الأول.
(وعليه) أي: على الواطئ بعد التحلل الأول (شاة)؛ لفساد إحرامه.
(و) عليه أيضاً (المضي للحل. فيحرم) منه، ليجمع (٤) في إحرامه بين الحل والحرم، و (ليطوف) طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج، حال كونه (محرماً).
стр. 1614
وإن لم يكن. سعى قبل ذلك سعى بعد طوافه ثم تحلل؛ لأن الإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج وهو محرم.
(وعمرة) في فسادها بالوطء (كحج. فيفسدها) الوطء (قبل تمام سعي. لا) الوطء فيها (بعده) أي: بعد السعي (وقبل حلق.
وعليه) لإفساد العمرة (شاة). نقله أبو طالب وعليه الأصحاب؛ لنقص حرمة إحرامها عن الحج، لنقص أركانها، ودخول أفعالها فيه إذا اجتمعت معه. والنقص يمنع كمال الكفارة، كبعد التحلل الأول.
وقال الحلوانى في " الموجز ": الأشبه بدنة، وفاقاً للشافعي؛ كالحج.
(ولا فدية على مكرهة) على الوطء.
(التاسع) من أقسام المحظورات على المحرم: (المباشرة) أي: مباشرة الرجل المرأة فيما (دون الفرج لشهوة)، لما في ذلك من اللذة، واستدعاء الشهوة المنافي ذلك للإحرام.
(ولا تفسد) المباشرة (النسك) ولو أنزل. على الأصح؟ لأن ذلك استمتاع
لا يجب بنوعه الحد. فلم يفسد به الحج؛ كما لولم ينزل.
ولأنه لا نص في ذلك ولا إجماع.
ولا يصح قياسه على المنصوص عليه؛ لأن الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد.
ولا يفترق الحال فيه بين الإنزال وعدمه. بخلاف المباشرة.
ويأتي تفصيل الواجب في ذلك في باب الفدية (١) .
стр. 1615
[فصل: في إحرام المرأة [
(فصل) فيما يختص بإحرام المرأة وبعض ما تشارك فيه الرجل.
(والمرأة إحرامها في وجهها).
والأصل في ذلك ما روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: " ولا تتنقب المرأة، ولا تلبس القفازين " (١) .
وروي. عن النبي ﷺ أنه قال: " إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها" (٢) .
(فتسدل) المرأة بأن تضع الثوب فوق رأسها وتسدله على وجهها (لحاجة)
إلى ذلك؛ كمرور الرجال قريباً منها.
والأصل في ذلك ما روي عن عائشة قالت: " كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ . فإذا حاذونا سدلت أحداًنا جلبابها على وجهها. فإذا جاوزونا كشفناه " (٣) . رواه أبو داود والأثرم.
ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها. [فلم يحرم عليها ستره؛ كالإطلاق كالعورة.
قال الإمام أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها] (٤) من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
قال الموفق: كان الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها.
стр. 1616
ولا يضر أن يمس الثوب المسدول بشرة وجهها في الأصح.
وقال القاضي: إن أصاب بشرة الوجه ولم ترفعه بسرعة مع القدرة افتدت
لأنها استدامت الستر.
وردّ ذلك الموفق بأن قال: لم أر هذا الشرط عن أحمد ولا هو في الخبر،
مع أن الظاهر خلافه. فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة. فلو كان هذا شرطاً لبُيّن. وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما هو معد لستر الوجه.
(ويحرم تغطيته) يعني: أنه يجتمع في حق (١) المحرمة تحريم تغطية الوجه ووجوب تغطية الرأس.
(ولا يمكنها تغطية جميع رأسها إلا ب) تغطية (جزء منه) أي: من الوجه،
(ولا كشف جميعه.) أي: جميع الوجه، (إلا بجزء من الرأس. ف) يكون (ستر الرأس كله أولى؛ لكونه) أي: الرأس (عورة. ولا يختص ستره بإحرام) وكشف الوجه بخلافه.
(ويحرم عليها) أي: على المرأة المحرمة (ما يحرم على رجل) محرم،
من قطع الشعر، وتقليم الأظفار، والطيب، وقتل الصيد، وباقي المحظورات. - (غير لباس) أي: لبس المخيط، (و) غير (تظليل محمل).
وإنما كان ذلك؛ لأن أمر النبي ﷺ المحرم بأمر وحكمه عليه يدخل فيه الرجال والنساء. وإنما استثني منه اللباس للحاجة إلى ستر المرأة؛ لكونها عورة إلا وجهها، وكذا تظليل (٢) المحمل.
(ويباح لها) أي: للمرأة المحرمة (خلخال ونحوه من حلي) أي: أن تتحلى بالخلخال والسوار والدملج والقرط وغير ذلك على الأصح.
стр. 1617
قال أحمد في رواية حنبل: تلبس المحرمة الحلي والمعصفر.
والأصل في ذلك ما روى ابن عمر " أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفرأن من الثياب " (١) . وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوإن الثياب، من معصفر أو خز أو حلي. (ويسن لها) أي: للمرأة (خضاب) بحناء (عند إحرام)؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: " من السنة أن تدلك المرأة يديها (٢) في حناء ".
ولأنه من الزينة. فاستحب عند الإحرام؛ كالطيب.
(وكُره) الخضاب (بعده) أي: بعد الإحرام ما دامت محرمة؛ لكونه من الزينة. أشبه الكحل بالإثمد.
(فإن شدّت يديها بخرقة: فدت)؛ لأن ذلك ستر ليديها بما يختص بهما. أشبه القفازين.
وكما لو شد الرجل على جسده شيئاً.
وإن لفّتهما من غير شد فلا فدية؛ لأن المحرّم هو الشد. لا تغطيتهما؛ كبدن الرجل.
(ويحرُم عليهما) أي: على الرجل والمرأة (لبس قفازين، وهما) أي: القفازين (٣) : (شيء لعمل لليدين) يدخلها فيهما من خرق يسترهما من الحر، (كما يعمل للبزاة. ويفديان) أي: المرأة والرجل (بلبسهما)؛ لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " لا تتنقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين " (٤) . رواه البخاري.
стр. 1618
(وكُره لهما) أي: للرجل والمرأة (اكتحال بإثمد ونحوه) من كل كحل
أسود (لزينة)؛ لما روي عن عائشة " أنها قالت لامرأة محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت، غير الإثمد أو الأسود " (١) .
و (لا) يكره (لغيرها) أي: لغير الزينة، كما لو اشتكت عينه أوعينها. (ولهما) أي: للمرأة والرجل المحرمين (لُبس مُعصفَر) وهو: الئوب المصبوغ بالعصفر، لأنه ليس بطيب. ولا بأس باستعماله وشمه.
(و) لبس ثوب (كحلي)، وكذا سائر المصبغات، سوى المورس والمزعفر (٢) ، لأن الأصل الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه أو كان في معناه. (و) للمحرم والمحرمة أيضاً (قطع رائحة كريهة بغير طيب)، لأن ذلك ليس من المحظورات، بل مطلوب فعله.
(و) لهما أيضاً (اتجار وعمل صنعة ما لم يَشغلا) أي: الاتجار وعمل الصنعة (عن) فعل (واجب أو) فعل (مستحب).
قال ابن عباس: " كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجأهلية. فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج " (٣) . رواه البخاري.
ولأبي داود عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن علاء بن المسيب حدثنا
أبو أمامة التميمي قال: " كنت رجلاً أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: - ليس لك حج. فلقيت ابن عمر فقلت: أنى أكري في هذا الوجه وإن ناساً يقولون: ليس لك حج. فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قلت: بلى. قال: فإن لك حجاً. جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله مثل ما سألتني عنه. فسكت عنه رسول الله ﷺ فلم يجبه
стр. 1619
حتى نزلت هذه الاية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. فأرسل إليه رسول الله ﷺ وقرأ عليه هذه الاية، وقال: لك حج " (١) . إسناده جيد، ورواه الدارقطني وأحمد.
وعنده: " أنا نكري فهل لنا من حج؟ "، وفيه: " تحلقون رووسكم "، وفيه: " فقال: أنتم حجاج ".
(و) للمحرم والمحرمة أيضاً (نظر في مرآة لحاجة). والحاجة: (كإزالة شعربعين.
وكُره) نظرهما في المرآة (لزينة) في الأصح. ذكره الخرقي وغيره.
قال أحمد: لا باًس. ولا يصلح شعثاً ولا ينفض عنه غباراً. وقال: إذا
كان يريد زينة فلا يرى شعرة فيسويها.
روى أحمد من حديث أبى هريرة ومن حديث عبدالله بن عمر مرفوعاً: " إن الله سبحانه وتعا لى يباهي الملائكة بأهل عرفة: أنظروا إلى عبادي أتونى شعثاً غبراً " (٢) . قال في " الفروع ": ويتوجه أن لا يكره.
(وله) أي: للرجل المحرم (٣) (لُبس خاتم) من فضة وعقيق وغيرهما مما يباح؛ لما روى (٤) الدارقطني عن ابن عباس: " لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم " (٥) .
وفي رواية: " رخص للمحرم الهميان والخاتم " (٦) .
стр. 1620
(ويجتنبان) أي: للمحرم والمحرمة وجوباً (الرفث)، وقد تقدم تفسيره
بالجماع، (والُفسوق) وهو: السباب. وقيل: المعاصي. (والجدال) وهو: المراء. روي ذلك عن جماعة منهم ابن عمر وعطاء وإبراهيم.
قال ابن عباس: هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
قال الموفق: المحرم ممنوع من ذلك كله.
وقال في " الفصول ": يجب اجتناب الجدال وهو المماراة فيما لا يعني.
[وفي " المستوعب ": يحرم عليه الفسوق وهو: السباب، والجدال وهو: المماراة فيما لا يعني] (١) .
وفي " الرعاية ": يكره له كل جدال ومراء فيما لا يعنيه، وكل سباب.
وقيل: يحرم كما يحرم على المحل، بل أولى. انتهى.
قال في " الفروع ": كذا قال. وفي " تفسير ابن الجوزي " وغيره عن أكثر المفسرين في قوله : (فلارفث ولا فسوق ولاجدال فى الحج) [البقرة: ١٩٧]: لا تمارينَّ أحداً فيخرجه المراء إلى المماراة وفعل ما لا يليق في الحج.
وعن جماعة: لا شك في الحج ولا مراء. فإنه قد عرف وقته.
وفيه في قوله: (وجادلهم بالتى هى أحسن) [النحل: ١٢٥] قيل: بالقرآن والتوحيد.
وقيل: غير فظ ولا غليظ.
وقيل: أنه منسوخ بآية السيف. وهذا ضعيف.
وفيه في (٢) قوله: (فلاينازعنك فى آلأمر) [الحج: ٦٧] أي: في الذبائح. . والمعنى: فلا تنازعهم، وهذا جائز في فعل لا يكون إلا من اثنين. فإذا
стр. 1621
قلت: لا يجادلنك فلأن. فهو بمنزلة لا تجادلنه. ولهذا قال في الاية:، (ووإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) [الحج: ٦٨ قال: وهذا أدب حسن، علمه الله عباده؛ ليردوا به من جادل على سبيل التعنت ولا يجيبوه ولا يناظروه.
وفي " الروضة " وغيرها: يستحب أن يتوقى الكلام فيما لا ينفع، والجدال والمراء واللغو وغير ذلك مما لا حاجة به إليه.
ولأحمد عن عبدالله بن نمير عن حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعاً: " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: (ماضربوه لك إلا جدلاً) الزخرف: ٥٨ [" (١) .
قال في " الفروع ": أبو غالب مختلف فيه. قال ابن معين: صالح الحديث، ووثقه الدارقطني.
وقال ابن عدي: لا بأس به.
وقال ابن سعد: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وضعفه النسائي، وبالغ ابن الجوزي فقال:
لا يلتفت إلى روايته.
ورواه ابن ماجه من حديث حجاج، وكذا الترمذي. وقال: حسن صحيح.
وعن أبي هريرة مرفوعاً: " جدال في القرآن كفر " (٢) . إسناده جيد، رواه أحمد.
وعن مكحول عن أبي هريرة ولم يسمع منه مرفوعاً: " لا يؤمن العبد الأيمان
كله حتى يترك الكذب في المزاحة، ويترك المراء وإن كان صادقا " (٣) .
стр. 1622
وعن أبي أمامة مرفوعاً: " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن
كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه " (١) . حديث حسن، رواه أبو داود.
(وتسن قلة كلامهما) أي: المحرم والمحرمة (إلا فيما) أي: في شيء (ينفع)؛ لما روى أبو هريوة مرفوعاً: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخرفليقل خيراً أو ليصمت " (٢) . متفق عليه.
وعنه مرفوعاً: " من حُسن إسلام الموء تركه ما لا يعنيه " (٣) . حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.
ولأحمد من حديث الحسين بن علي مثله (٤) .
وله أيضاً في لفظ: " قلة الكلام فيما لا يعنيه " [ (٥) .
وفي " الرعاية ": يكره له كثرة الكلام بلا نفع.
وقدم في " الفروع " الاستحباب. والله أعلم. ***.
стр. 1623
[باب: الفدية]
(باب) أي: هذا باب يذكر فيه أقسام الفدية وقدر ما يجب ومستحقه.
ثم (الفدية: ما يجب بسبب نسك) أي: إحرام، (أو) بسبب (حرم)
وهو الواجب بسبب صيد الحرم البري والبحري ونباته.
(وهي) أي: الفدية (ثلاثة أضرب) أي: ثلاثة أصناف:
(ضرب) من الثلاثة يجب (على التخيير. وهو) أي: الضرب الواجب
على التخيير (نوعان:
نوع) من النوعين (يخير فيه) المخرج (بين ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام،
أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين) منهم (مدّ بُر) فقط على الأصح، (أو
نصف صاع تمر، أو) نصف صاع (شعير.
وهي: فدية لبس، وطيب، وتغطية راس، وإزالة أكثر من شعرتين، أو)
أكثر من (ظفرين).
والأصل في ذلك قوله : (فمن كان منكم مريضاَ أوبه أذى من رأسه
ففدية من صيام أو صدقة أونسك) [البقرة: ١٩٦] ذكره بلفظ: " أو " وهي للتخيير.
وقال النبى ﷺ لكعب بن عجرة: " لعلك آذاك هوامّ رأسك؟ قال: نعم يا
رسول الله لِلَّهِ فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك وصم ثلاثة أيام (١) ، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة " (٢) . متفق عليه.
وفي لفظ: " أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع تمر " (٣) .
стр. 1624
فدلت الآية والخبر على وجوب الفدية على صفة التخيير بين الذبح والإطعام والصيام في حلق الرأس. وقسنا عليه تقليم الأظفار واللبس والطيب " لأنه حرم في الإحرام لأجل الترفه فأشبه حلق الرأس.
ولا فرق في ذلك بين المعذور وغيره على الأصح، لأن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعاً له، والتبع لا يخالف أصله.
ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه؛ كجزاء الصيد.
لا فرق بين قتله للضروره لأجل أكله أو لغير ذلك. وإنما الشرط لجواز الحلق لا للتخيير. والحديث إنما ذكر فيه التمر ويقاس عليه البر والشعير والزبيب " لأن كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ذلك؛ كالفطرة وكفارة اليمين.
وقد روى أبو داود في حديث كعب بن عجرة قال: " فدعانى رسول الله ﷺ فقال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقاً من زبيب، أو أنسك شاة " (١) .
ومن أبيح له حلق رأسه جاز له تقديم الكفارة على الحلق. فعله علي رضي الله تعالى عنه.
ولأنها كفارة. فجاز تقديمها على وجوبها؛ ككفارة اليمين.
النوع (الثانى) من الضرب الذي على التخيير: (جزاء الصيد. يخير فيه)
من وجب عليه (بين) ذبح (مثل) للصيد من النعم، (أو تقويمه) أي: تقويم المثل (بمحل التلف) أي: تلف الصيد، (وبقربه) أي: بقرب محل تلف الصيد. نقله ابن القاسم وسندي.
(بدراهم) فضة (يشتري بها) أي: بالدراهم الذي قوم بها المثل (طعاماً). نص عليه، لأن كل متلف وجب مثله إذا قُوّم وجب قيمة مثله؛ كالمثلي من مال الآدمي.
ولا يجوز له أن يتصدق بالدراهم، لأن الله إنما ذكر في الآية
стр. 1625
التخيير بين ثلاثة أشياء وهذا ليس منها.
ويشترط: أن يكون الطعام (يجزئ) إخراجه (في فطرة؛ كواجب في فدية أذى، و) كواجب في (كفارة. فيطعم كل مسكين مُدّ بُر، أو) يطعم كل مسكين (نصف صاع من غيره) أي: غير البر، (أو يصوم عن طعام كل مسكين يوماً). والأصل في ذلك قوله : (يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاؤ مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هيا بالغ الكعبة أوكفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره) [المائدة: ٩٥].
ف (جزاءٌ): يقرأ في السبع بتنوينه وإضافته إلى مثل وهو مع التنوين مبتدأ خبره محذوف، و (مثل): صفة أو بدل، ومع إضافته يكون (مثل) في حكم الزائد كقولهم: مثلى لا يقول ذلكأي: أنا لا أقول ذلك (١) . وقدّرنا؛ لأن الذي يجب به الجزاء الصيد المقتول لا مثله، و (من النعم): صفة الجزاء إذا نونتهأي: جزاء كائن من النعم. ويجوز جعله حالاً من الضمير في (قتل)؛ لأن المقتول يكون من النعم. و (يحكم به): صفة لجزاء إذا نونته، وإذا أضفته ففي موضع الحال (٢) عاملها معنى الاستقدار المقدر في الخبر المحذوف.
ويدل للتخيير عطف هذه الخصال بعضها على بعض ب (أو). فكان مخيراً في جميعها؛ كفدية الأذى.
(وإن بقي دونه) أي: دون طعام مسكين (صام يوماً) يعني أنه لو بقي
مالا يعدل تمام طعام مسكين صام عنه يوماً كاملاً؛ لأن الصوم لا يتبعض. فيجب تكميله.
ولا يجب التتابع في الصيام. ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويطعم
عن بعض. نص عليه.
وبه قال الشافعى والثوري وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر؛ لأنها كفارة
стр. 1626
واحدة. فلم يجز فيها ذلك؛ كسائر الكفارات.
(ويخير فيما) أي: في جزاء صيد (لا مثل له) من النعم (بين إطعام وصيام) فقط؛ لتعذر المثل.
وعنه: أن جزاء الصيد على الترتيب فيجب المثل. فإن لم يجد لزمه الإطعام. فإن لم يجده صام. والأول المذهب.
(الضرب الثاني) من أضرب الفدية: ما يجب (مرتباً، وهو ثلاثة أنواع: أحدها) أي: أحد الأنواع الثلاثة الواجبة على الترتيب: (دم المتعة والقران. فيجب هدي)؛ لقوله : (فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى) [البقرة: ١٩٦]. والقارن بالقياس على المتمتع.
(فإن عدم) أي: عدم المتمتع والقارن الهدي، (أو) عدم (ثمنه ولو وجد من يقرضه). نص عليه، لأن الظاهر استمرار إعساره،: (صام) عشرة أيام (ثلاثة أيام) في الحج.
قيل: معناه في أشهر الحج.
وقيل: معناه في وقت الحج؛ لأنه لا بد في ذلك من إضمار، لأن الحج أفعال لا يصام فيها وإنما يصام في أشهرها أو في وقتها؛ وذلك كقوله : (الحج أشهر معلومات) [البقرة: ١٩٧] أي: في أشهر معلومات.
(والأفضل: كون آخرها) أي: آخرالثلاثة أيام (يوم عرفة). نص عليه. وإنما أحببنا له صوم عرفة هاهنا لموضع الحاجة. وعلى هذا: يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل ذلك؛ ليصرمها في الإحرام بالحج.
(وله تقديمها) أي: تقديم الثلاثة أيام بالصوم قبل إحرامه بالحج (في إحرام العمرة)؛ لأن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع. فجاز الصوم فيه؛ كفى الإحرام بالحج.
ولأنه يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه إذا وجد سبب الوجوب وهو
стр. 1627
إحرامه بالعمرة في أشهر الحج؛ كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين، وتقديم كفارة القتل بعد الجرح وقبل زهوق النفس.
(ووقت وجوبها) أي: وجوب صوم الأيام التلاثة (ك) وقت وجوب (هدي).
ولا يجوز صومها قبل الإحرام بالعمرة على الأصح.
وعنه: بلى.
قال في " الفروع ": والمراد في أشهر الحج. ونقله الأثرم.
(و) صام (سبعة) أي: سبعة أيام (إذا رجع إلى أهله)؛ لقوله : (فمن لم يجد) يعني: هدياً (فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) [البقرة: ١٩٦].
(وإن صامها) أي: صام السبعة أيام (قبل) أي: قبل أن يرجع إلى أهله (بعد إحرام بحج، أجزأ) أي: أجزأه ذلك (لكن لا يصح) أن يصوم شيئاً من الأيام السبع (أيام منى). نص عليه؛ لبقاء أيام الحج. قالوا: لأن المراد بقوله: (إذا رجعتم) يعني: من عمل الحج؛ لأنه المذكور، ويجوز صومها بعد أيام التشريق.
قال القاضي: إذا كان قد طاف طواف الزيارة. يعني: أنه قبل ذلك لم يرجع من عمل الحج.
ويصح أن يصوم الثلاثة في أيام منى؛ لأن الله أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحج ولم يبق من الحج إلا هذه (١) الأيام فتعين فيها الصوم. فإذا صام هذه الأيام فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر على الأصح.
(ومن لم يصم الثلاثة أيام منى) أي: في أيام منى، (صام) بعدأي: بعد ذلك (عشرة) كاملة. (وعليه دم)؛ لأنه أخر الواجب من مناسك الحج عن وقته. فلزمه دم؛ كتأخير رمي الجمار عن أيام منى، (مطلقاً) أي: سواء كان
стр. 1628
تأخيره لعذر أو لغير عذر على الأصح.
(وكذا إن أخرالهدي) أي: نحوه (عن أيام النحر بلا عذر) يعني: فإنه
يلزمه دم بتأخير نحر الهدي عن أيام النحر بلا عذر للتأخير؛ لأن الهدي من مناسك الحج وقد أخره عن وقته.
(ولا يجب تتابع ولا تفريق في) صوم (الثلاثة، ولا) في صوم (السبعة)، ولا بين الثلاثة والسبعة (إذا قضا) ها أو قضى شيئاً منها نصاً؛ لأن الأمر ورد بها مطلقاً؛ لأن ذلك لا يقتضي جمعاً ولا تفريقاً.
(ولا يلزم من قدر على هدي بعد وجوب صوم إنتقال عنه) أي: عن الصوم. (شرع فيه أو لا) أي: أو لم يشرع فيه على الأصح؛ لأن الصوم استقر في ذمته؛ لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه وهو عدم النهي.
وعلم من كونه: لا يلزمه أنه لم يمتنع عليه إخراج الهدي بعد وجوب الصوم.
النوع (الثانى) من الضرب الثانى من أضرب الفدية: (المحصر يلزمه هدي) ينحره بنية التحلل وجوباً مكانه. ويجوز في الحل على الأصح.
والأصل في ذلك قوله : (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى)
[البقرة: ١٩٦].
(فإن لم يجد) هدياً (صام عشرة أيام) بنية التحلل، (ثم حل) قياساً على هدي التمتع. وليس له التحلل قبل ذلك.
النوع (الثالث) من الضرب الثاني من أضرب الفدية: (فدية الوطء. ويجب به) أي: بالوطء (في حج قبل التحلل الأول بدنة. فإن لم يجدها) أي: البدنة (صام عشرة أيام: ثلاثة فيه) أي: في الحج، (وسبعة إذا رجع) من أفعال الحج؛ كدم المتعة؛ لقضاء الصحابة.
وقال القاضي: إن لم يجد البدنة أخرج بقرة. فإن لم يجد البقرة أخرج سبعاً
من الغنم. فإن لم يجد أخرج بقيمتها طعاماً. فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً.
стр. 1629
وظاهر كلام الخرقي: أنه مخير في هذه الخمسة. فبأيها كفر أجزأه.
(و) يجب في الوطء (في عمرة شاة) في الأصح، وتقدم ذلك في الباب الذي قبل هذا (١) .
(والمرأة) المطاوعة (كالرجل) في الحكم.
(الضرب الثالث) من أضرب الفدية: (دم وجب لفوات). وسيأتى حكم ذلك إن شاء الله تعالى في باب الفوات (٢) .
(أو) دم وجب من أجل (ترك واجب). وسيأتي تفصيل واجبات الحج في أواخر باب صفة الحج (٣) .
(أو) دم وجب من أجل (مباشرة دون فرج. فما أوجب) من ذلك (بدنة؛
كما لو باشر دون فرج) فأنزل، (أو كرر النظر) فأنزل، (أو قبل) فأنزل، (أو لمس لشهوة فأنزل، أو استمنى فأمنى: فحكمها) أي: فحكم البدنة الواجبة بما ذكر (كبدنة وطء) أي: كحكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج؛ لقضاء الصحابة بها. وما سوى ذلك مقيس عليه.
فالبدنة الواجبة بالمباشرة فيما دون الفرج مقيسة على الواجبة بالوطء في الفرج؛ لأنه دم وجب بسبب المباشرة. أشبه الواجب بالوطء في الفرج.
(و) كل (ما أوجب شاة كما لو مذى بذلك) أي: بما تقدم من المباشرة دون الفرج، وتكرار النظر والتقبيل واللمس لشهوة. (أو باشر ولم ينزل، أو أمنى بنظرة: فكفدية أذى)؛ لما في ذلك من الترفه. وقد قال ابن عباس " فيمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير: عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك ". رواه الأثرم.
(وخطأ في الكل) أي: في كل ما تقدم من المباشرة فيما دون الفرج، وتكرار النظر، والتقبيل، واللمس لشهوة (كعمد) في وجوب الفدية.
(وأنثى مع شهوة) فيما تقدم (كرجل) يعني: أنه يجب عليها في ذلك ما
стр. 1630
يجب على الرجل على الأصح.
(وما وجب) من فدية (لفوات) أي: من أجل فوات (أو ترك واجب: فكمتعة) يعني: أنه يجب عليه دم كدم المتعة.
ويجب عليه عند عدم الدم بدله؛ كبدل دم التمتع، وهو صيام عشرة أيام. إلا أنه
لا يمكن أن يكون منها ثلاثة أيام قبل يوم النحر؛ لأن الفوات إنما يكون بفوات ليلة النحر؛ لأنه ترك بعض ما اقتضى إحرامه. فصار كالمترفه بترك أحد السفرين.
فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإحصار فإنه أشبه به (١) ، إذ هو إحلال من إحرامه قبل إتمامه؛
قلنا: أما الهدي فقد استويا فيه، وأما البدل فإن الإحصار ليس بمنصوص
على البدل فيه، وإنما ثبت قياساً، وقياسه على الأصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه. على أن الصيام هاهنا مثل الصيام عن دم الإحصار في العدد، إلا أن صيام الإحصار يجب قبل الحل (٢) وهذا يجوز قبل الحل وبعده.
(ولا شيء) أي: لا فدية (على من فكر فإنزل)؛ لقول النبي ﷺ : " عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم " (٣) . متفق عليه.
ولأنه لا نص فيه ولا إجماع. ولا يصح قياسه على تكرار النظر؛ لأنه دونه
في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الأنزال. ويخالفه في التحريم إذا تعلق بأجنبية (٤) ، أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة. فيبقى على الأصل. .
***
стр. 1631
[فصل: فيمن كرر محظوراً]
(فصل. ومن كرّر) في حالة إحرامه (محظوراً من جنس) واحد (غير قتل صيد: بأن حلق) شعره وأعاد الحلق، (أو قلّم) أظفاره وأعاد التقليم، (أو لبس) المخيط وأعاد اللبس بأن نزع ما لبسه وأعاد لبسه، أو لبس غيره مع بقاء الأول أو بعد نزعه.
أو تعدد السبب؛ كما لو لبس من أجل برد ئم نزع ما لبسه أو لم ينزعه، ولبس لأجل مرض ثم لبس من أجل تجمل (١) أو نحوه.
(أو تطيب) ثم أعاده، (أو وطئ وأعاده) بأن وطئ من وطئها أولاً أو غيرها، (قبل التكفير) عن المرة الأولى في جميع ما ذكر: (ف) عليه لما تكرر فعله من ذلك كفارة (واحدة.
وإلا) بأن كان قد كفر عن المرة الأولى (لزمه) للمرة الثانية كفارة (أخرى).
ولا فرق فيما إذا كرر المحظور من جنس واحد بين أن يفعله متتابعاً أو متفرقاً؛ لأن الله أوجب في حلق الرأس فدية [واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات.
وأما كونه إذا كفر عن المرة الأولى لزمته للمرة الثانية كفارة آخرى] (٢) " لأن السبب الموجب للكفارة الثانية غير عين الموجب للكفارة الأولى. أشبه ما لو حلف ثم حنث وكفر ثم حلف وحنث أيضاً. وكما لو فعل ما يوجب حداً واستوفي ثم أعاد ما يوجب مثل ذلك فإنه
يستوفى منه مرة أخرى.
(و) إن كان المحظور المتعدد من المحرم (من أجناس)، كما لو حلق،
стр. 1632
وقلّم أظفاره، ولبس المخيط، وتطيب: (ف) عليه (لكل جنس فداء). سواء فعل ذلك مجتمعاً أو متفرقاً " لأنها محظوراًت مختلفة الأجناس. فلا يتداخل جزأوها؛ كالحدود المختلفة والأيمان المختلفة.
وعكسه إذا كانت من جنس واحد.
(و) يجب (في الصيود ولو قُتلت معاً جزاء بعددها)؛ لقول الله : (فجزاء مثل ما قتل من النعم) [المائدة: ٩٥]. ومثل الصيدين لا يكون مثل أحدهما. (ويكفِّر) أي: ويلزم التكفير (من حلق) ناسياً أو جأهلاً أو مكرهاً، (أو
قلَّم) أظفاره في حالة من ذلك، (أو وفى) في حالة من ذلك في الأصح؛ لأن ذلك إتلاف. فاستوى عمده وسهوه، كإتلاف مال الآدمي.
ولأن الله أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور. فكان ذلك تنبيهاً على وجوبها على غير المعذور، ودليلاً على وجوبها على المعذور بنوع آخر؛ كالمحتجم يحلق موضع محاجمه.
(أو قتل صيداً ناسياً، أو جأهلاً أو مكرهاً) على الأصح.
قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمداً بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة.
ولأنه ضمان إتلاف. فاستوى عمده وخطؤه " كمال الآدمي.
(لا من لبس) ناسياً أو جأهلاً أو مكرهاً، (أو تطيّب) في حال من ذلك،
(أو غطى رأسه في حال من ذلك). فإنه لا فدية في ذلك على الأصح، لقوله ﷺ : " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (١) .
قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده، والصيد
إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده، والشعر إذا حلقه فقد ذهب. فهذه الثلاثة
стр. 1633
العمد والخطأ والنسيان فيه سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على رده مثل: ما (١) إذا غطى المحرم رأسه ثم ذكر القاه عن رأسه وليس عليه شيء، أو لبس خفاً نزعه وليس عليه شيء. ويلحق بالحلق التقليم بجامع الإتلاف. (ومتى زال عذره) المسقط للفدية بأن ذكر الناسي، أو علم الجأهل، أو زال الإكراه: (أزاله) أي: أزال استدامة ذلك المحظور بأن ينزع ما لبسه، أو يغسل الطيب، أو يزيل ما على رأسه (في الحال).
والأصل في ذلك ما روى يعلى بن أمية: " أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق، أو قال: أثر صفره. فقال: يا رسول الله! كيف تأمرنى أن أصنع في عمرتي؟ فقال: اخلع عنك هذه الجبة، [واغسل عنك أثر الخلوق، أو قال: أثر الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " (٢) . متفق عليه.
وفي لفظ: " قال: يا رسول الله! أحرمت بالعمرة وعلي هذه الجبة " (٣) [ (٤) .
فلم يأمره بالفدية مع سؤاله مسألته عما يصنع. وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. فدل ذلك على أنه عذره لجهله، والناسي في معناه.
ولأن الحج عبادة يجب بإفسادها الكفارة. فكان في محظوراته ما يفرق فيه
بين عمده وسهوه؛ كالصوم.
(ومن لم يجد ماء لغسل طيب، مسحه) أي: مسح الطيب بخرقة أو نحوها، (أو حكه بتراب أو نحوه) إن لم يجد ماء يمسحه به؛ لأن الذي عليه أن يزيله (حسب الإمكان)، والمستحب: أن يستعين في غسل الطيب بحلال؛
стр. 1634
لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه.
(وله غسله بيده)؛ لأن النبي ﷺ قال للذي رأى عليه طيباً: " اغسل عنك الطيب " (١) .
ولأنه تارك له.
(و) له غسله (بمائع) أيضاً، (فإن أخره) أي: أخرغسل الطيب عنه (بلا عذر فدى)؛ لأن ذلك استدامة محظور من غير عذر. فأشبه المبتدئ لذلك من غير عذر.
(ويفدي من رفض إحرامه ثم فعل محظوراً)؛ لأن التحلل مع الحج
لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بكمال أفعال، أو التحلل عند الحصر، أو بالعذر اذا شرط، وما عدا هذه فليس له أن يتحلل به ولو نوى التحلل لم يحل. ولا يفسد الإحرام برفضه؛ لأنها عبادة لا يخرج منها بالفساد. فلم يخرج منها برفضها. بخلاف سائر العبادات. ويكون الإحرام باقياً في حقه يلزمه أحكامه، ويلزمه جزاء كل جناية جناها فيه.
وإن وطئ فسد حجه وعليه بدنة لذلك مع ما وجب عليه من الدماء. سواء
كان الوطء قبل الجنايات أو بعدها. فإن الجناية في الحج الفاسد؛ كالجناية في الحج الصحيح، وليس عليه لرفض الإحرام شيء؛ لأنه مجرد نية لم يؤثر شيئاً. قال في " الأنصاف ": وهو. ظاهر كلام كثير من الأصحاب. انتهى.
وقيل: يلزمه لرفضه دم. ذكره في " الترغيب " وغيره وقدمه في " الفروع ". (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه. فله استدامته فيه) يعني: أن للمحرم أن يستديم ما تطيب في بدنه قبل إحرامه؟ لقول عائشة: " كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم. وقالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم " (٢) . متفق عليه.
стр. 1635
وفي لفظ للنسائي: " كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ " (١) .
وفي لفظ لأبي داود قالت: " كنا نخرج مع النبي ﷺ فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام. فإذا عرقت أحدانا سال على وجهها فيراها النبي ﷺ فلاينهاها " (٢) .
(لا لبس) ثوب (مطيب بعده) أي: بعد الإحرام، لقول النبي ﷺ :
" لا تلبسوا من الثباب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس " (٣) . متفق عليه.
(فإن فعل) بأن لبس ثوباً مطيباً بعد إحرامه، (أو استدام لبس مخيط أحرم
فيه ولو لحظة فوق) الوقت (المعتاد من خلعه: فدى)، لأنه لبس من غير عذر. أشبه المبتدئ به.
ولأن خلعه واجب، لأمر النبي ﷺ به.
(ولا يشقه)؛ لما تقدم من حديث يعلى بن أمية من قوله ﷺ : " اخلع عنك
هذه الجبه " (٤) . ولو وجب عليه شقها أو وجبت عليه فدية بخلعها لأمره بذلك " لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
(وإن لبس) المحرم، (أو افترش ما) أي: ثوباً أو فراشاً (كان مطيباً وإنقطع ريحه) أي: ريح الطيب منه، (و) كان ريح الطيب (يفوح برشِّ ماء) على الذي كان مطيباً وإنقطع ريح الطيب منه. (ولو) كان افتراشه (تحت حائل غير ثيابه)، و (لا يمنع) ذلك الحائل (ريحه و) لا (مباشرته: فدى) أي: لزمته فدية التطيب، لأنه مطيب. بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء، والماء
стр. 1636
لا رائحة له، وإنما هو من الطيب الذي فيه. فلزمته الفدية؛ كما لو ظهرت الرائحة بنفسها.
ولو مس المحرم طيباً يظنه يابساً فبان رطباً ففي وجوب الفدية بذلك وجهان:
أحدهما: لا فدية عليه؛ لأنه جهل تحريمه. أشبه من جهل تحريم الطيب.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب، وقدمه في " الرعاية الكبرى "
في موضع. انتهى.
стр. 1637
[فصل: في مكان الهدي والإطعام]
(فصل. وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام، كجزاء صيد، وما وجب لترك واجب أو فوات، أو بفعل محظور في حرم وهدي تمتع وقران ومنذور ونحوها): فهو لمساكين الحرم.
أما كون الهدي والإطعام لمساكين الحرم؛ فلقوله : (ثم محلها إلى البيت
العتيق) [الحج: ٣٣].
وأما كون جزاء الصيد لهم أيضاً؛ فلقوله : (هدياً بالغ الكعبة) [المائدة:
٩٥].
وذكر القاضي في قتل الصيد رواية: أنه يفدي حيث قتله؛ كحلق الرأس.
قال في " شرح المقنع ": وهذا يخالف نص الكتاب ومنصوص أحمد.
وأما كون ما وجب لترك واجب أو فوات. . . إلى آخره لهم أيضاً، لأنه
هدي وجب لترك نسك. أشبه دم القران.
وكل ما قلنا أنه يجب لمساكين الحرم فإنه (يلزم ذبحه في الحرم) وفاقاً.
ويجزئه الذبح في جميع الحرم.
قال أحمد: مكة ومنى وأحد.
وقال مالك: لا ينحر في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة.
قال في " الفروع ": [وهو متجه] (١) .
واحتج الأصحاب بما رُوي عن جابر مرفوعاً: " كل فجاج مكة طريق ومنحر " (٢) . رواه أحمد وأبو داود من رواية أسامة بن زيد الليثي، وهو مختلف
стр. 1638
فيه، وحديثه حسن أن شاء الله تعالى. روى له مسلم. لكنه في مسلم عنه مرفوعاً: " ومنى كلها منحر " (١) .
وإنما أراد الحرم؛ لأنه كله طريق إليها. والفج: الطريق.
ولأن (٢) نحره بالحرم؛ كمكة ومنى.
وقوله: (هديا بالغ الكعبة) [المائدة: ٩٥]، وقوله: (ثم محلها الى البيت العتيق) [الحج: ٣٣]: لا يمنع الذبح في غيرها، كما لم يمنعه بمنى.
(و) ما لزم ذبحه بالحرم يلزم (تفرقة لحمه) لمساكينه، (أو إطلاقه لمساكينه) أي: مساكين الحرم؛ لأن المعقول (٣) من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه ولا يحصل بإعطاء غيرهم.
والطعام كالهدي؛ لقول ابن عباس: " الهدي والإطعام بمكة ".
ولأنه نسك ينفعهم؛ كالهدي.
فإن قيل: أن الله نكر المساكين ولم يخص الحرم في قوله : (هديا بالغ الكعبة لو كفارة طعام مساكين) [المائدة: ٩٥].
فالجواب: أنه عطف على الهدي. فصار تنكيراً بعد تعريف، كقولنا: صدقة تبلع بها بلد (٤) كذا لكذا كذا مسكيناً: رجع إلى مساكين ذلك البلد. (وهم) أي: ومساكين الحرم: (المقيم به) أي: با لحرم، (والمجتاز) بالحرم (من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة لحاجة) فإن بان بعد دفعه إليه غنياً فكالزكاة.
وما جاز تفريقه بغير الحرم لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة.
(والأفضل: نحر ما) وجب (بحج بمنى، و) ما وجب (بعمرة
стр. 1639
بالمروة)، للخروج من خلاف مالك ومن تبعه.
(وإن سلَّمه لهم) أي: سلم الهدي حياً لمساكين الحرم (فنحروه أجزأ).
(وإلا) أي: وإ ن لم ينحروه (استرده) منهم (ونحره)، لوجوب نحره.
(فإن أبى) أن يسترده (أو عجز) عن استرداده (ضمنه) لمساكين الحرم. (والعاجز عن إيصاله) أي: إيصال ما وجب ذبحه في الحرم (إلى الحرم) بنفسه أو بمن يرسله معه (ينحره حيث قدر، ويفرقه بمنحره)، لقوله سبحانه تعا لى: (لا يكلفالله نفسا الا وسعها) [البقرة: ٢٨٦].
(وتجزئ فدية أذى، و) فدية (لُبس، و) فدية (طيب، ونحوها)، كتغطية رأس، (و) كل (ما وجب بفعل محظور): فعله (خارج الحرم). يعني: أنه يجزئه أن يخرج فدية ذلك (به) أي: بالحرم كسائر الهدي. (ولو) فعل المحظور (لغير عذر) في الأصح.
(و) يجزئه أيضاً إخراج فدية ذلك (حيث وُجد) " لأنه ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية " (١) . وهي من الحل.
و" اشتكى الحسين بن علي رأسه فحلقه عليّ، ونحر عنه جزوراً بالسُّقيا " (٢) . رواه مالك والأثرم وغيرهما.
وعنه: لا يجزئه إلا بالحرم.
ووقت ذبح ما وجب بفعل محظور حين فعله. وله الذبح قبله لعذر؛ ككفارة
قتل الآدمي والظهار واليمين.
(و) يجزئ (دم إحصار حيث أُحصر) من حل أو حرم. نص على ذلك،
لأن النبي ﷺ نحر هديه في موضعه بالحديبية " (٣) ، وهي من الحل.
стр. 1640
وقد دل على ذلك قوله (١) : ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
ولأنه موضع حله. فكان موضع نحره؛ كالحرم.
(و) يجزئ (صوم وحلق بكل مكان)؛ لأن كلاًّ من الصوم والحلق لايتعدى نفعه إلى أحد. فلا معنى لتخصيصه بمكان. بخلاف الهدي والإطعام. ولعدم الدليل على التخصيص.
(والدم المطلق كأضحية) يعني: أنه حيث قيل يلزم دم ويطلق فإنه يجزئه
ما يجزى في الأضحية. فيجزئه (جَذع ضأن، أو ثني معز، أو سُبع بدنة، أو) سُبع (بقرة)؛ لقوله في المتمتع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
قال ابن عباس: " شاة (٢) أو شِرك في دم " (٣) .
وقوله في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفسره رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عجرة بذبح شاة (٤) .
وما سوى هذين مقيس عليهما.
(فإن ذبح) من وجب عليه دم مطلق (إحداهما) أي: بدنة أو بقرة (فأفضل) أي: فذلك أفضل من جذع الضأن أو ثني المعز؛ لأنها أوفر لحماً وأنفع للفقراء.
(وتجب كلها)؛ لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه. فكان كله واجباً؛ كما لو اختار الأعلى (٥) من خصال الكفارة. .
стр. 1641
وقيل: يكون سُبعها واجباً وباقيها تطوعاً. فيكون له التصرف فيه بالأكل
والهدية (١) وغيرهما.
(وتجزئ عن بدنة وجبت) على إنسان (ولو) كانت جزاء (في صيد بقرة) فاعل تجزئ. يعنى: أنه (٢) حيث قيل: من فعل كذا فعليه بدنة أجزأه ذبح بقرة؛ لما روى [أبو الزبير عن] (٣) جابر قال: " كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له: والبقرة؛ فقال: وهل هي إلا من البُدْن " (٤) . رواه مسلم.
(كعكسه) أي: كما تجزئ البدنة عمن وجبت عليه بقرة.
(و) تجزئ (عن سبع شياه بدنة أو بقرة مطلقاً) أي: سواء وجد الشياه أو عدمها؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتمتعون فيذبحون البقرة عن سبعة. قال جابر: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر. كل سبعة منا في بدنة " (٥) . رواه مسلم.
والله أعلم.
стр. 1642
[باب: جزاء الصيد]
هذا (باب) يذكر فيه جزاء الصيد على التفصيل. و (جزاء الصيد: ما يستحق بدلُه) أي: بدل الصيد على متلِفه بالفعل أو السبب [(من مثله) أي مثل الصيد] (١) ، (ومقاربه وشبهه) أي: شبه الصيد.
(ويجتمع) على المتلف للصيد (ضمان) أي: ضمان قيمة، (وجزاء) أي: جزاء الصيد (في) صيد (مملوك) لآدمي: لمالكه قيمته، ولمساكين الحرم جزأوه؛ لأنه حيوإن مضمون بالكفارة. فجاز أن يجتمع التقويم والتكفير في ضمانه؛ كالعبد.
وليس على المحرم ولو كان قارناً في غير الصيد المملوك سوى جزاء واحد. نص عليه.
(وهو) أي: جزاء الصيد (ضربان) أي: صنفإن:
(ما) أي: صنف لصيد (له مثل من النعم. فيجب فيه) ذلك المثل. نص عليه] (٢) ؛ لقوله : (فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم) [المائدة: ٩٥].
و" جعل النبي ﷺ في الضبع كبشاً " (٣) .
(وهو) أي: الصيد الذي له مثل من النعم (نوعان: أحدهما) أي: أحد النوعين: ما (قضت فيه الصحابة). وفيه ما قضت. نص عليه.
نقل إسماعيل الشالنجي: هو على ماحكم الصحابة. زاد أبو النصر العجلى: لا يحتاج أن يحكم عليه مرة آخرى.
стр. 1643
ووافق الشافعي على ذلك؛ لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب. واحتج الموفق وغيره بقوله ﷺ " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " (١) . وبقوله ﷺ : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " (٢) .
وعند مالك: يستأنف الحكم ولا يكتفى به؛ لقوله : ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
واحتج به القاضي لنا. وقال لخصمه: لا يقتضى تكرار الحكم؛ كقوله:
لا تضرب زيداً ومن ضربه فعليه دينار. لا يتكرر الدينار بضرب واحد، كذا مثل القاضي. وقاس المسألة على ما حكم فيه بمثله صحابيان في وقتهما.
(ومنه) أي: ومن قضاء الصحابة: (في النعامة بدنة). روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية (٣) ؛ لأنها تشبهها.
(وفي حمار الوحش) بقرة على الأصح. [روي ذلك عن عمر (٤) . وبه قال الشافعي.
(و) في (بقرة) أي: بقر الوحش بقرة [ (٥) . روي ذلك عن ابن مسعود (٦) . وبه قال الشافعي.
стр. 1644
(و) في (أيّل) على وزن قنب وخلب وسيد بقرة (١) . روي ذلك عن ابن عباس (٢) .
(و) في (تَيْتَل) على وزن جعفر (٣) ، قال الجوهري: التيتل الوعل المسن، بقرة.
(و) في (وَعل بقرة) بفتح الواو مع فتح العين وكسرها وسكونها تيس الجبل. فاله في القاموس.
وفي " صحاح الجوهري ": الوعل هي الأرْوى. يروى عن ابن عمر قال:
" في الأروى بقرة ".
(وفي الضبع كبش). فال الإمام: حكم فيها رسول الله ﷺ بكبش (٤) .
(وفي غزال شاة). يروى ذلك عن علي وابن عمر (٥) .
وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: " في الظبي شاة " (٦) .
(وفي وَبْر) وهي (٧) دويبة كحلاء دون السنور، لا ذنب لها.
وفال في " القاموس ": دويبة كالسِّنّور: جدي.
(و) في (ضب جدي). قضى به عمر وأربد (٨) .
فال في " الفروع ": والوبر كالضب.
وقال القاضي: فيه جفرة، وفاقاً للشافعي.
стр. 1645
والجدي: الذكر من أولاًد المعز.
(وفي يربوع جفرة لها أربعة أشهر) روي ذلك عن عمر وابن مسعود (١) .
(وفي أرنب عناق) وهي: الأنثى من أولاد المعز، أصغر من الجفرة. يروى عن عمر: أنه قضى بذلك (٢) .
(وفي حمام) أي: في كل واحدة من حمام، (وهو) أي: الحمام (كل ما عَبَّ) الماء أي: وضع منقاره فيه وكرع كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة قطرة (٣) ، كالدجاج والعصافير، (وهدر) أي: صوت. فيدخل في ذلك الفواخت والوراشين والقطا والقمري والدبسي وهو طائر بين السواد والحمرة يقرقر، والأنثى دبسه، والسّفانين جمع سيفنة بكسر السين وفتح الفاء والنون المشددة. قال في " القاموس ": طائر بمصر، لا يقع على شجرة إلا أكل جميع ورقها.
(شاة). نص على ذلك، وحكم به عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ونافع بن عبدالحارث في حمام الحرم (٤) .
وقيس على ذلك حمام الإحرام. وروي عن ابن عباس أنه قضى بذلك في حمام الإحرام.
ولأنها حمامة مضمونة لحق الله تعالى. فضمنت بشاة؛ كحمامة الحرم.
ولأنها متى كانت الشاة مثلاً لها في الحرم فكذلك في الحل. فيجب ضمانها
стр. 1646
بها؛ لقول الله : (فجزاء مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥].
وقياس الحمام على جنسه أولى من قياسه على غيره.
وقال الكسائي: كل مطوق حمام يعني: وإن لم يعبّ كالحجل.
والمذهب خلاف ذلك.
(النوع الثاني: ما لم تقض فيه) الصحابة من الصيد الذي له مثل من النعم. (ويُرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين)؛ " لقول الله : (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥]. فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به، من حيث الخلقة. لا من حيث القيمة. بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة. وتعتبر العدالة فيهما (١) . لأنها منصوص عليها، والخبرة؛ لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبره.
ولأن الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الأحكام.
لا أن يكون أحد العدلين فقيهاً؛ لأن ذلك زيادة على ما أمر الله به.
وقد أمر عمر أربد أن يحكم في الصيد ولم يسأل أهو فقيه أم لا.
(ويجوز كون القاتل) للصيد المحكوم فيه بالمثل (أحدهما) أي: أحد العدلين، (أو هما) يعني: أو يكون القاتلان هما الحاكمان بالمثل؛ لعموم قوله : (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥]، والقاتل مع غيره والقاتلان ذوا عدل منّا.
وقد روى الشافعي في " مسنده " عن طارق بن شهاب قال: (خرجنا حجّاجّاً فأوطأ رجل منا يقال له: أربد ضباً. فقرز ظهره فقدمنا على عمر. فسأله أربد فقال: احكم يا أربد فيه. قال: أنت خير منى يا أمير المؤمنين!. قال: إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني. فقال أربد (٢) : أرى فيه جدياً. قد جمع
стр. 1647
الماء والشجر. فقال عمر: فذلك فيه " (١) .
فأمره عمر أن يحكم وهو القاتل.
وأمر أيضاً كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم (٢) .
ولأنه مال يخرج فيه حق الله . فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه؛ كالزكاة.
قال (ابن عقيل): إنما يحكم القاتل إذا قتل الصيد (خطأ، أو) قتله (لحاجة، أو) قتله (جأهلاً تحريمه)؛ لأنه لا إثم عليه في هذه الأحوال.
قال (المنقح: وهو) أي: ما ذكره ابن عقيل (قوي، ولعله) أي: لعل ما قاله ابن عقيل (مرادهم) أي: مراد الأصحاب؛ (لأن قتل العمد ينافي العدالة). وعلم مما تقدم: أن الجزاء واجب بكل حال.
(ويضمن صغير وكبير، وصحيح ومَعيب، وحامل وماخِض) وهي الحامل
من الصيد (بمثله) من النعم. فيضمن الصغير من الصيد بصغير من النعم، والكبير من الصيد بكبير من النعم، وصحيح من الصيد بصحيح من النعم، ومعيب من الصيد بمعيب من النعم، وماخِض من الصيد بماخض من النعم [وذكر من الصيد بذكر من النعم] (٣) ، وأنثى بأنثى.
وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: لا يجزئ إلا كبير صحيح؛ لأن الله قال: (هديا بالغ الكعبة) [المائدة: ٩٥]. ولا يجزئ في الهدي صغير ولا معيب.
ولأنها كفارة متعلقة بقتل حيوإن. فلم يختلف بصغيرة وكبيرة؛ كقتل الآدمي.
ولنا على ذلك: قوله : (فجزاؤ مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥]، ومثل الصغير صغير، ومثل المعيب معيب.
стр. 1648
ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر؛ كالبهيمة.
والهدي في الآية مقيد بالمثل.
وقد أجمع الصحابة [﵃] (١) على إيجاب ما لا يصلح هدياً؛
كالجفرة، والعناق، والجدي.
وكفارة الآدمي ليست بدلاً عنه ولا تجري مجرى الضمان. بدليل أنها
لا تتبعض في أبعاضه، لكن إن فدى المعيب بصحيح كان أفضل.
(ويجوز فداء) صيد (أعور من عين) يمنى أو يسرى، (و) صيد (أعرج
من قائمة) يمنى أو يسرى: (ب) مثل من النعم (أعور) عن الأعور من الصيد. بخلاف العين التي الصيد أعور بها؛ كما لو كان الصيد أعور باليمنى. فيفديه بأعور باليسرى.
(و) أن يفدي أعرج من قائمة يمنى بمثل (أعرج من) قائمة (أخرى)؛
كما لو كان الصيد أعرج بيده اليمنى فيفديه بأعرج بيده اليسرى؛ لأن هذا الاختلاف يسير، ونوع العيب واحد، وإنما اختلف محله.
(و) يجوز فداء (ذكر بأنثى، وعكسه) يعني: وفداء أنثى بذكر.
أما جواز فداء الذكر بالأنثى؛ فلأن لحمها أطيب وأرطب.
وأما جواز فداء الأنثى بالذكر؛ فلأن لحمه أوفر فتساويا.
وقيل: لا يجوز فداء الأنثى بالذكر.
(لا) فداء (أعور بأعرج، ونحو ذلك) مما يختلف فيه نوع العيب؛ لعدم المماثلة.
(الضرب الثانى) من الصيد: (ما لا مثل له) من النعم (وهو باقي الطير.
و) يجب (فيه ولو) كان (أكبر من الحمام) في الأصح (قيمته مكانه)
أي: في موضعه الذي أتلفه (٢) فيه؛ كإتلاف مال الآدمي.
стр. 1649
[فصل: بعض أحكام الصيد]
(فصل. وإن أتلف) محرم أو من بحرم مكة (جزءاً من صيد. فاندمل) محل الجزء المتلف (وهو) أي: الصيد (ممتنع، و) كان الصيد المتلف مما (له مثل) من النعم: (ضمن) الجزء المتلف (بمثله، من مثله) من النعم (لحماً) في الأصح؛ لضمان أصله بمثله من النعم. ولا مشقة فيه؛ لجواز عدوله إلى عدله من طعام أو صوم.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له مثل من النعم (ف) إنه يضمنه (بنقصه من قيمته)؛ لأن جملته مضمونة بالقيمة فكذلك أجزأوه.
(وإن جنى) محرم أو من بحرم مكة (على حامل فألقت) جنيناً (ميتاً ضمن فقصها) أي: نقص الأم (فقط؛ كلما لو جرحها)؛ لأن الحمل في البهائم زيادة. وإن ولدته حياً ثم مات. فقال جماعة منهم الموفق في " الكافي " وصاحب " التخليص " و" الرعاية ": عليه جزأوه.
وقال جماعة: إن كان لوقت يعيش في مثله وإن كان لوقت لا يعيش في مثله فهو كالميت.
وجزم به في " المغني " و" شرح المقنع ".
(وما أمسك) من صيد (فتلف فرخه) ضمنه؛ لتلفه بسببه.
(أو نفر) من صيد (فتلف) حال نفوره، (أو نقص حال نفوره: ضمن)؛ لحصول التلف أو النقص بسببه.
(وإن جرحه) أي: جرح الصيد جرحاً (غير مُوح. فغاب ولم يعلم خبره): ضمن ما نقصه فقط في الأصح وذلك بأن يقوم الصيد صحيحاً ثم جريحاً غير مندمل، ثم يخرج بقسطه من مثله.
(أو وجده) أي: وجد جارحه الصيد الذي جرحه (ميتاً ولم يعلم موته بجنايته: قُوّم) الصيد (صحيحاً وجريحاً غير مندمل، ثم يخرج بقسطه من مثله)
стр. 1650
فإن كان ربعاً وجب إخراج [ربع مثله، ولو كان سدساً وجب إخراج سدس مثله. وقيل: يجب إخراج] (١) قيمة ذلك.
وإنما لم يجب عليه جزاء جميعه؛ لأنا لا نعلم هل مات بفعله أو لا.
وقيل: يجب عليه جزاء جميعه إحالة على السبب المعلوم.
(وإن وقع) الصيد الذي جرح (في ماء) يمكن موته به أو لا فمات، (أو تردى) من مكان عال (فمات: ضمنه) من جرحه؛ لتلفه بسببه.
(و) يجب (فيما اندمل) جرحه من الصيد حالة كونه (غير ممتنع) ممن يقصده، (أو جرح) جرحاً (مُوحياً) أي: لا تبقى معه الحياة غالباً: (جزاء جميعه) أي: جميع الصيد المجروح في الصورتين؛ لأنه مع عدم امتناعه ومع وجود الجرح الموحي صار في حكم الميت.
(وإن نتف) محرم أو من بالحرم (ريشة) أي: ريش الصيد، (أو شعره، أو وبره. فعاد:
فلا شيء فيه) إن صار محفوظاً حتى عاد كما كان؛ لزوال النقص الحأصل بذلك.
(وإن صار) الصيد بذلك (غير ممتنع. فكجرح) أي: فكما لو جرحه جرحاً صار به غيرممتنع.
وإن نتفه فغاب ولم يعلم خبره فعليه مانقصه.
(وكلما قتل) المحرم أو من بالحرم (صيداً، حكم عليه) على الأصح.
وعنه: لا يجب عليه إلا في المرة الأولى؛ لأن الله قال:
(ومن عاد فينتقم ألله منه) [المائدة: ٩٥]. ولم يوجب جزاء.
ودليل المذهب: أن الجزاء كفارة عن قتل. فاستوى فيه المبتدئ والعائد؛ كقتل الآدمى.
ولأن الجزاء بدل متلف يجب به المثل أو القيمة. فأشبه بدل مال الادمى.
قال أحمد: روي عن عمر وغيره: أنهم حكمبوا في الخطأ وفيمن قتل ولم