← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

بها؛ لقول الله : (فجزاء مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥]. وقياس الحمام على جنسه أولى من قياسه على غيره. وقال الكسائي: كل مطوق حمام يعني: وإن لم يعبّ كالحجل. والمذهب خلاف ذلك. (النوع الثاني: ما لم تقض فيه) الصحابة من الصيد الذي له مثل من النعم. (ويُرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين)؛ " لقول الله : (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥]. فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به، من حيث الخلقة. لا من حيث القيمة. بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة. وتعتبر العدالة فيهما (١) . لأنها منصوص عليها، والخبرة؛ لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبره. ولأن الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الأحكام. لا أن يكون أحد العدلين فقيهاً؛ لأن ذلك زيادة على ما أمر الله به. وقد أمر عمر أربد أن يحكم في الصيد ولم يسأل أهو فقيه أم لا. (ويجوز كون القاتل) للصيد المحكوم فيه بالمثل (أحدهما) أي: أحد العدلين، (أو هما) يعني: أو يكون القاتلان هما الحاكمان بالمثل؛ لعموم قوله : (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥]، والقاتل مع غيره والقاتلان ذوا عدل منّا. وقد روى الشافعي في " مسنده " عن طارق بن شهاب قال: (خرجنا حجّاجّاً فأوطأ رجل منا يقال له: أربد ضباً. فقرز ظهره فقدمنا على عمر. فسأله أربد فقال: احكم يا أربد فيه. قال: أنت خير منى يا أمير المؤمنين!. قال: إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني. فقال أربد (٢) : أرى فيه جدياً. قد جمع

стр. 1647

الماء والشجر. فقال عمر: فذلك فيه " (١) . فأمره عمر أن يحكم وهو القاتل. وأمر أيضاً كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم (٢) . ولأنه مال يخرج فيه حق الله . فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه؛ كالزكاة. قال (ابن عقيل): إنما يحكم القاتل إذا قتل الصيد (خطأ، أو) قتله (لحاجة، أو) قتله (جأهلاً تحريمه)؛ لأنه لا إثم عليه في هذه الأحوال. قال (المنقح: وهو) أي: ما ذكره ابن عقيل (قوي، ولعله) أي: لعل ما قاله ابن عقيل (مرادهم) أي: مراد الأصحاب؛ (لأن قتل العمد ينافي العدالة). وعلم مما تقدم: أن الجزاء واجب بكل حال. (ويضمن صغير وكبير، وصحيح ومَعيب، وحامل وماخِض) وهي الحامل من الصيد (بمثله) من النعم. فيضمن الصغير من الصيد بصغير من النعم، والكبير من الصيد بكبير من النعم، وصحيح من الصيد بصحيح من النعم، ومعيب من الصيد بمعيب من النعم، وماخِض من الصيد بماخض من النعم [وذكر من الصيد بذكر من النعم] (٣) ، وأنثى بأنثى. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: لا يجزئ إلا كبير صحيح؛ لأن الله قال: (هديا بالغ الكعبة) [المائدة: ٩٥]. ولا يجزئ في الهدي صغير ولا معيب. ولأنها كفارة متعلقة بقتل حيوإن. فلم يختلف بصغيرة وكبيرة؛ كقتل الآدمي. ولنا على ذلك: قوله : (فجزاؤ مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥]، ومثل الصغير صغير، ومثل المعيب معيب.

стр. 1648

ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر؛ كالبهيمة. والهدي في الآية مقيد بالمثل. وقد أجمع الصحابة [﵃] (١) على إيجاب ما لا يصلح هدياً؛ كالجفرة، والعناق، والجدي. وكفارة الآدمي ليست بدلاً عنه ولا تجري مجرى الضمان. بدليل أنها لا تتبعض في أبعاضه، لكن إن فدى المعيب بصحيح كان أفضل. (ويجوز فداء) صيد (أعور من عين) يمنى أو يسرى، (و) صيد (أعرج من قائمة) يمنى أو يسرى: (ب) مثل من النعم (أعور) عن الأعور من الصيد. بخلاف العين التي الصيد أعور بها؛ كما لو كان الصيد أعور باليمنى. فيفديه بأعور باليسرى. (و) أن يفدي أعرج من قائمة يمنى بمثل (أعرج من) قائمة (أخرى)؛ كما لو كان الصيد أعرج بيده اليمنى فيفديه بأعرج بيده اليسرى؛ لأن هذا الاختلاف يسير، ونوع العيب واحد، وإنما اختلف محله. (و) يجوز فداء (ذكر بأنثى، وعكسه) يعني: وفداء أنثى بذكر. أما جواز فداء الذكر بالأنثى؛ فلأن لحمها أطيب وأرطب. وأما جواز فداء الأنثى بالذكر؛ فلأن لحمه أوفر فتساويا. وقيل: لا يجوز فداء الأنثى بالذكر. (لا) فداء (أعور بأعرج، ونحو ذلك) مما يختلف فيه نوع العيب؛ لعدم المماثلة. (الضرب الثانى) من الصيد: (ما لا مثل له) من النعم (وهو باقي الطير. و) يجب (فيه ولو) كان (أكبر من الحمام) في الأصح (قيمته مكانه) أي: في موضعه الذي أتلفه (٢) فيه؛ كإتلاف مال الآدمي.

стр. 1649

[فصل: بعض أحكام الصيد] (فصل. وإن أتلف) محرم أو من بحرم مكة (جزءاً من صيد. فاندمل) محل الجزء المتلف (وهو) أي: الصيد (ممتنع، و) كان الصيد المتلف مما (له مثل) من النعم: (ضمن) الجزء المتلف (بمثله، من مثله) من النعم (لحماً) في الأصح؛ لضمان أصله بمثله من النعم. ولا مشقة فيه؛ لجواز عدوله إلى عدله من طعام أو صوم. (وإلا) أي: وإن لم يكن له مثل من النعم (ف) إنه يضمنه (بنقصه من قيمته)؛ لأن جملته مضمونة بالقيمة فكذلك أجزأوه. (وإن جنى) محرم أو من بحرم مكة (على حامل فألقت) جنيناً (ميتاً ضمن فقصها) أي: نقص الأم (فقط؛ كلما لو جرحها)؛ لأن الحمل في البهائم زيادة. وإن ولدته حياً ثم مات. فقال جماعة منهم الموفق في " الكافي " وصاحب " التخليص " و" الرعاية ": عليه جزأوه. وقال جماعة: إن كان لوقت يعيش في مثله وإن كان لوقت لا يعيش في مثله فهو كالميت. وجزم به في " المغني " و" شرح المقنع ". (وما أمسك) من صيد (فتلف فرخه) ضمنه؛ لتلفه بسببه. (أو نفر) من صيد (فتلف) حال نفوره، (أو نقص حال نفوره: ضمن)؛ لحصول التلف أو النقص بسببه. (وإن جرحه) أي: جرح الصيد جرحاً (غير مُوح. فغاب ولم يعلم خبره): ضمن ما نقصه فقط في الأصح وذلك بأن يقوم الصيد صحيحاً ثم جريحاً غير مندمل، ثم يخرج بقسطه من مثله. (أو وجده) أي: وجد جارحه الصيد الذي جرحه (ميتاً ولم يعلم موته بجنايته: قُوّم) الصيد (صحيحاً وجريحاً غير مندمل، ثم يخرج بقسطه من مثله)

стр. 1650

فإن كان ربعاً وجب إخراج [ربع مثله، ولو كان سدساً وجب إخراج سدس مثله. وقيل: يجب إخراج] (١) قيمة ذلك. وإنما لم يجب عليه جزاء جميعه؛ لأنا لا نعلم هل مات بفعله أو لا. وقيل: يجب عليه جزاء جميعه إحالة على السبب المعلوم. (وإن وقع) الصيد الذي جرح (في ماء) يمكن موته به أو لا فمات، (أو تردى) من مكان عال (فمات: ضمنه) من جرحه؛ لتلفه بسببه. (و) يجب (فيما اندمل) جرحه من الصيد حالة كونه (غير ممتنع) ممن يقصده، (أو جرح) جرحاً (مُوحياً) أي: لا تبقى معه الحياة غالباً: (جزاء جميعه) أي: جميع الصيد المجروح في الصورتين؛ لأنه مع عدم امتناعه ومع وجود الجرح الموحي صار في حكم الميت. (وإن نتف) محرم أو من بالحرم (ريشة) أي: ريش الصيد، (أو شعره، أو وبره. فعاد: فلا شيء فيه) إن صار محفوظاً حتى عاد كما كان؛ لزوال النقص الحأصل بذلك. (وإن صار) الصيد بذلك (غير ممتنع. فكجرح) أي: فكما لو جرحه جرحاً صار به غيرممتنع. وإن نتفه فغاب ولم يعلم خبره فعليه مانقصه. (وكلما قتل) المحرم أو من بالحرم (صيداً، حكم عليه) على الأصح. وعنه: لا يجب عليه إلا في المرة الأولى؛ لأن الله قال: (ومن عاد فينتقم ألله منه) [المائدة: ٩٥]. ولم يوجب جزاء. ودليل المذهب: أن الجزاء كفارة عن قتل. فاستوى فيه المبتدئ والعائد؛ كقتل الآدمى. ولأن الجزاء بدل متلف يجب به المثل أو القيمة. فأشبه بدل مال الادمى. قال أحمد: روي عن عمر وغيره: أنهم حكمبوا في الخطأ وفيمن قتل ولم

стр. 1651

يسألوه: هل كان قتل قبل هذا أو لا؛ والآية اقتضت الجزاء على العائد بعمومها. وذكر العقوبة في الثانى لا يمنع الوجوب. (وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد) واحد (جزاء واحد) على الأصح. وعنه: على كل واحد جزاء. وعنه: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة. ويدل على الأول قوله : (فجزاؤ مثل ماقتل من النعم) [المائدة: ٩٥]. والجماعة إنما قتلوا صيداً وأحداً. فلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل. فلا يجب. ومتى ثبت اتحاد الجزاء في المثل وجب اتحاده في الصيام، لأن الله قال: (أو عدل ذلك صياما) [المائدة: ٩٥]. والاتفاق حأصل على أن الصوم معدول بقيمة الصيد أو قيمة مثله. فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص. وأما (١) إن كان شريك المحرم حلالاً أو سبعاً فالجزاء كله على المحرم في الأصح. وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرمي فالجزاء بينهما نصفين؛ لأن الإتلاف ينسب إلى كل واحد منهما. ولا يزداد (٢) الواجب على المحرم باجتماع حرمة (٣) الإحرام والحرم. ويجوز إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته. نص عليه أحمد؛ لأنها كفارة قتل. فجاز تقديمها على الموت، ككفارة قتل الآدمي. ولأنها كفارة (٤) . فأشبهت كفاره الظهار واليمين. والله أعلم.

стр. 1652

[باب: صيد الحرمين] هذا (باب) حكم (صيد الحرمين) يعني: حرم مكة وحرم المدينة، (و) حكم (نباتهما) أي: نبات الحرمين. (وحُكم صيد حرم مكة: حكم صيد الإحرام) فيحرم حتى على المحل إجماعاً. وسنده خبر ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض. فهو حرام بحرمه الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. ولا يُخْتلى خلاها، ولا يُعضد شوكها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها. فقال العباس: يا رسول الله لِلَّهِ إلا الإذخر فإنه لقيّنهم وبيوتهم. قال: إلا الإذخر " (١) . وفي خبر أبي هريرة (٢) وأبي شريح الخزاعي (٣) : نحوه. وفي خبر أبي هريرة: " وإنها ساعتي هذه حرام "، وفيه: " لا يختلى شوكها "، وفيه: " ولا يعضد شجرها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ". متفق عليهن. القين: الحداد.

стр. 1653

وللأثرم في خبر أبي هريرة: " ولا يحتش حشيشها ". ومكة وما حولها كانت حراماً قبل إبراهيم ﵇. في ظاهر كلام أحمد. قال في رواية الأثرم عن مكة: كانت حراماً لم تزل. ذكره القاضي في " الأحكام السلطانية "، وعليه أكثر العلماء، لما تقدم من الأحاديث. وعلى هذا يكون ما أخبر به في " الصحيحين " من غير وجه: " أن إبراهيم حرم مكة " (١) : أي: أظهر تحريمها وبينه. وقال بعض العلماء: إنما حرمت؛ لسؤال إبراهيم. قال في " الفروع ": والأول أظهر. وفي صيد الحرم البري الجزاء. نص عليه، وفاقاً؛ كصيد الإحرام؛ لما سبق عن الصحابة، ولا مخالف منهم. ولأنه مُنع منه لحق الله تعالى؛ كصيد الإحرام، والحرمتان تساوتا في المنع منه. وعن داود: لا يضمنه، لبراءة الذمة. وعند أبي حنيفة: لا يضمنه صغير وكافر. ولا مدخل للصوم فيه. وله في إجزاء الهدي فيه روايتان. ولنا: أنه يضمن بالهدي والإطعام. فدخله الصوم؛ كصيد الإحرام. ولأن الحرمة عامة. فضمنه الصغير والكافر، كغيرهما. قال القاضي وغيره: ولأن ضمانه كالمال، وهما يضمنانه. وقال بعض أصحابنا وغيرهم: هو آكد من المال؛ لأن حرمة الحرم مؤبدة. فلزم الجزاء. بخلاف الإحرام.

стр. 1654

ولأنهما ليسا من أهل العبادة. وحكم صيده حكم صيد الإحرام مطلقاً. نص عليه، (حتى في تملكه). نقله الأثرم وغيره، وذكره القاضي وغيره. ولا يلزم المحرم جزاآن. نص عليه. وقيل: يلزمانه. وتزيد حرمة الحرم على حرمة الإحرام بكونه لا يباح صيد البحر فيه. لكئه لا جزاء فيه، وإلى ذلك أشير. بقوله: (إلا أنه) أي: الحرم (يحرم صيد بحر به) (١) أي: بالحرم. (ولا جزاء فيه) أي: في صيد البحر إذا اصطاده في الحرم. وتقدم التنبيه على ذلك في محظوراات الإحرام (٢) . (وإن قتل فحل) أي: غير محرم (من الحل صيداً) والصيد (في الحرم كُلّه أو جزؤه. لا) إن كان بالحرم (غير قوائمه) أى قوائم الصيد حال كونه (قائماً) كرأسه أو ذنبه، لأنه إذا كانت قوائمه الأربع بالحل وهو قائم لم يكن من صيد الحرم. أشبه الشجرة إذا كان أصلها بالحل وأغصانها في هواء الحرم. أما لو كان رأسه أو ذنبه بالحرم وهو نائم فقتله أو غيره من صيود الحرم محل أو محرم (بسهم أو كلب) أو غيرهما، (أو قتله) أي: قتل الصيد وهو (على غصن في الحرم ولو أن أصله بالحل، أو أمسكه) أي: أمسك الصيد (بالحل فهلك فرخه) أي: فرخ الصيد بالحرم، (أو) هلك (ولده بالحرم: ضمنه) أي: ضمن القاتل أو المتسبب ما قتله أو هلك بسببه في الصور المتقدمة. وعنه: إذا قتل الحلال من الحل صيداً في الحرم بسهمه أو كلبه لم يضمنه. والأول المذهب، لقوله ﷺ : " ولا ينفر صيدها " (٣) . ولم يفرق بين من

стр. 1655

هو في الحل أو في الحرم. وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم وهذا من صيده. ولأن صيد الحرم معصوم بمحله بحرمة الحرم. فلا يختص تحريمه بمن في الحرم، كالملتجئ. ولا يضمن أم صيد هلك ولدها في الحرم إذا كان الصائد حلالاً؛ لأنها من صيد الحل وصائدها حلال. (وإن قتله) أي: قتل الصيد (في الحل محل) كائن (بالحرم، ولو) كان الصيد (على غصن) في هواء الحل و (أصله) أي: أصل الغصن (بالحرم). سواء كان القتل (بسهم أوكلب) أوغيرهما. (أو امسكه) أي: أمسك الصيد حلال (بالحرم فهلك فرخه، أو) هلك (ولده بالحل. أو أرسل) حلال (كلبه من الحل على صيد به) أي: بالحل (فقتله) أي: قتل الصيد الذي كان بالحل في الحرم. (أو) قتل (غيره) أي: غير الصيد الذي أرسل عليه الكلب (في الحرم. أو فعل ذلك بسهمه بأن) رمى مُحلّ صيداً في الحل [ف (شطح) سهمه (فقتل) صيداً (في الحرم. أو دخل (١) سهمه) أي: سهم مخل رمى صيداً في الحل] (٢) ، (أو كلبه الحرم ثم خرج) من الحل (فقتل) الصيد. (أو جرحه بالحل) ثم دخل الصيد الحرم (فمات في الحرم: لم يضمن) الصيد في هذه الصور، وفي بعضها خلاف. والأصح ما في المتن، لأن الأصل حل الصيد. حرم صيد الحرم بالنص

стр. 1656

والإجماع فبقي ما عداه على الأصل. ولأن ذلك صيد حِلّ أصابه حلال. فلم يحرم، كما لو كان الصائد والصيد في الحل. وأما ما رمي أو أرسل عليه الكلب في الحل، لأنه لم يرم ولم يرسل الكلب على صيد في الحرم، وإنما دخل الكلب باختيار نفسه. أشبه ما لو استرسل بنفسه، وكذا السهم إذا شطح بغير اختياره. وأما عدم (١) ضمان ما جرح بالحل ومات بالحرم؛ فلأن الذكاة (٢) وجدت بالحل. فلم يضمنه؛ (كما لو جرحه) أي: جرح صيداً (ثم أحرم ثم مات) الصيد بعد إحرامه. (ولا يحل ما) أي: صيداً (وُجد سبب موته بالحرم)، كصيد وجد سبب موته في الإحرام، لأنه ميتة.

стр. 1657

[فصل: شجر الحرم] (فصل. ويحرُم قلعُ شجره) أي: شجر الحرم الذي لم يزرعه آدمي إجماعاً " لقوله ﷺ : " ولا يعضد شجرها " (١) . (وحشيشه) أي: حشيش الحرم، لقوله ﷺ : " ولا يحتش حشيشها ". (حتى الشوك)، لقوله ﷺ : " لا يختلى شوكها " (٢) ، (ولو ضر) الشوك، لتناول اللفظ له (٣) . (و) حتى (السواك ونحوه، والورق) لتناول لفظ الشجر له. (إلا اليابس) من الشجر والحشيش. " لأنه كميت. وفيه احتمال؛ لظاهر الخبر. (و) إلا (الإذْخر) وهو: نبت معروف بمكة. قال في " القاموس ": حشيش طيب الريح. (و) إلا (الكمأة والفقع)، لأنهما لا أصل لهما. (و) إلا (الثمرة)؛ لأنها تستخلف. (و) إلا (ما زرعه آدمي) من بقل ورياحين وزرع إجماعاً. نص أحمد على الجميع. (حتى) لو كان ما زرعه آدمي (من الشجر). نقل ابن ابراهيم والمروذي وأبو طالب وقد سُئل عن الريحان (٤) والبقول في الحرم فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا.

стр. 1658

قال القاضي وغيره: فظاهره له أخذ جميع ما يزرعه. وجزم القاضي وأصحابه بهذا في كتب الخلاف؛ لأنه أنبته آدمي، كزرع وعوسج. ولأنه مملوك الأصل؛ كالأنعام. وقيل: فيه الجزاء، وفاقاً للشا فعي؛ للنهي عن قطع شجرها، وكالذي نبت بنفسه. وأجيب: بأن النهي عن شجر الحرم وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحد، وهذا يضاف إلى مالكه. فلا يعمه الخبر. (ويباح رعي حشيشه) أي: حشيش الحرم على الأصح؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه. ولم ينقل عن أحد أنه سد أفواهها. ولأن الحاجة تدعو إلى الرعي. أشبه قطع الإذخر. (و) يباح أيضاً (إنتفاع بما زال) من شجر الحرم (أو انكسر) منه (بغير فعل آدمي). نص عليه، (ولو لم يبن) من أصله؛ لأنه قد تلف بكسره فهو بمنزلة الظفر المنكسر. لا أن ينتفع بما يقلعه. قال أحمد في الدوحة: تقلع من شبهة بالصيد لم ينتفع بحطبها؛ لأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم. فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به؛ كالصيد يذبحه المحرم. (وتُضمن شجرة صغيرة عُرفاً) إن قلعت أو كسرت (بشاة. و) تضمن (ما فوقها) أي: فوق الشجرة الصغيرة من الوسطى والكبرى (ببقرة)؛ لما روي عن (١) ابن عباس أنه قال: " في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة ". قال: والدوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة. ونحوه عن عطاء. ولأنه ممنوع من قلع ذلك؛ لحرمة الحرم. فضمن؛ كالصيد. (ويخير بين ذلك) أي: بين إخراج الشاة أو البقرة (وبين تقويمه) أي: تقويم الواجب من ذلك بدراهم. (ويفعل بقيمته كجزاء الصيد) بأن يشتري بالقيمة طعاماً يجزئ في الفطرة. فيطعم كل مسكين مُد بُرّ أو نصف صاع من غيره.

стр. 1659

(و) يضمن (حشيش وورق بقيمته). نص على ذلك، لأن الأصل في تلف غير المثلي وجوب قيمته، يفعل بها كما تقدم. (و) يضمن (غصن بما نقص)، كأعضاء الحيوإن. ولأنه نقص بفعله. فوجب فيه ما نقصه؛ كما لو جنى على مال آدمي فنقص. (فإن استخلف شيء منها) أي: من الأشياء الذي وجب الضمان بإزالتها (سقط ضمانه) في الأصح؛ كما لو نتف ريش صيد ثم عاد، و (كرد شجرة فنبتت، ويضمن نقصها) أي: نقص الشجرة التي قلعها ثم ردها فتنبت أن نقصت. (ولو) قلع شجرة من الحرم ثم (غرسها في الحل، وتعذّر ردُّها أو يبست: ضمنها،)؛ لأنه أتلفها. (فلو قلعها) أي: قلع الشجرة التي نقلت من الحرم إلى الحل (غيره) أي: غير الذي غرسها في الحل: (ضمنها) أي: ضمنها القالع (وحده)؛ لأنه الذي أتلفها. (ويضمن منفِّر صيداً) من الحرم إلى الحل إذا (قتل بالحل) دون قاتله بالحل؛ لتفويت المنفر حرمته بإخراجه إلى الحل. (وكذا مخرجه) أي: مخرج صيد الحرم إلى الحل فيقتل بالحل. لا مع بقائه (إن لم يرده) إلى الحرم. (فلو فداه) لكونه أخرجه (ثم ولد) الصيد ثم قتل ولده (لم يضمن). المخرج (ولده) أي: ولد الصيد، لأن الولد ليس من صيد الحرم. (ويضمن غصن) قطع وهو كائن (في هواء الحل) إذا كان (أصله) أي: أصل ذلك الغصن (أو بعض أصله) كائناً (بالحرم)، لأنه من شجر الحرم؛ لأن الغصن تابع لأصله. (لا ما) قطعه من غصن (بهواء الحرم وأصله) كائن (بالحل) في الأصح؛ لأن الغصن تابع لأصله. وإن كان في الحرم فلا يضمنه، قياساً على المسألة التي (١) قبل هذه.

стр. 1660

(وكُره إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحل). نص على ذلك. قال الإمام أحمد: لا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل من الحل، كذلك قال ابن عمر وابن عباس، ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والخروج أشد. يعني: في الكراهة. قال في " الفروع ": واقتصر بعض أصحابنا على كراهة إخراجه. وجزم في مكان آخر بكراهتهما. وقال بعضهم: يكره إخراجه إلى الحل، وفي إدخاله إلى الحرم روايتان. (لا ماء زمزم) يعني: فإنه لا يكره إخراجه من الحرم؛ لما روي عن عائشة: " أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن النبي ﷺ كان يحمله " (١) . رواه الترمذي وقال: حسن غريب. ولأنه يستخلف كالثمرة. وسئل أحمد عن ذلك فقال: أخرجه كعب، ولم يزد على ذلك. (ولا وضع الحصى بالمساجد) يعني: أنه لا يكره، كما في مسجده فى زمنه ﷺ وبعده. (ويحرُم إخراج ترابها) أي: تراب المساجد (وطيبها) في الحل والحرم للتبرك وغيره على الأ صح. ولهذا قال أحمد: فإن (٢) أراد أن يستشفي بطيب الكعبة لم يأخذ منه شيئاً ويلزق عليها طيباً من عنده ثم يأخذه. وفي أخذ تراب المسجد، إنتفاع بالموقوف في غير جهته. قال في " الفروع ": وذكر جماعه: يكره للتبرك وغيره، ولعل مرادهم: يحرم. وفي " فنون " ابن عقيل: أن أحمد كرهه في مسألة الحل والحرم؛ لأنه قد كره الناس إخراج تراب المسجد تعظيماً لشأنه. فكذا هنا.

стр. 1661

[فصل: في حدود حرم مكة] (فصل. وحدُّ حرم مكة من طريق المدينة: ثلاثة أميال عند بيوت السقيا) ويقال لها: بيوت نِفار بالنون مكسورة وبالفاء وهي: دون التنعيم، (و) حده (من اليمن: سبعة) أي: سبعة أميال (عند أضاةِ لِبن) أما أضاةِ فبالضاد المعجمة على وزن قناة. ولِبن بكسر اللام وسكون الباء الموحدة. قال في " الفروع ": وهذا هو المعروف. انتهى. وفي " الهداية ": عند إضاحة لبن. (و) حده (من العراق كذلك) أي: سبعة أميال (على ثنية رِجْل) بكسر الراء وسكون الجيم وهو: (جبل بالمنقطع. و) حده (من الطائف وبطن نمرة كذلك) أي: سبعة أميال (عند طرف عرفة. و) حده (من) طريق (الجعرانة: تسعة) أي: تسعة أميال (في شعب عبدالله بن خالد. و) حده (من) طريق (جُدة: عشرة) أي: عشرة أميال (عند مُنقطع الأعشاش) بشينين معجمتين. جمع عُش بضم العين المهملة. (و) حده (من) طريق (بطن عُرَنة: أحد عشر) ميلاً. (وحكم) صيد (وَجٍ) وهو (١) (واد بالطائف) وشجره وحشيشه (كغيره) أي: غير وج (من الحل) لا يحرم ولا ضمان فيه. خلافاً للشافعي في أحد قوليه. ودليله: ما روى أحمد وأبو داود عن محمد بن عبدالله بن سفيان عن أبيه عن

стр. 1662

عروة بن الزبير عن أبيه مرفوعاً: " أن صيد وَجِ وعضاهه حرم محرم لله. وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفاَ " (١) . وجوابه: أن الخبر ضعفه أحمد. وقال أبو حاتم في محمد: ليس بقوي. في حديثه نظر. وقال البخاري: لا يتابع عليه. وتفرد عن أبيه عبدالله. فلهذا قال ابن القطان وغيره: لا يعرف. وقال ابن حبان والأزدي: لم يصح حديثه. وحمل القاضي ذلك على الاستحباب؛ للخروج من الخلاف. (وتُستحَب المجاورة بمكة. وهي أفضل من المدينة)؛ وذلك لما روى الزهري عن أبي سلمة عن عبدالله بن عدي بن الحمراء: " أنه سمع النبي ﷺ يقول وهو واقف بالحزْوَرَة في سوق مكة: والله إنك لخيرُ أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله. ولولا أنى أُخرجت منك ما خرجت " (٢) . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. وهو كما قال. وأرسله ابن عيينة عن الزهري، ورواه الأكثر كما سبق. ورواه يعقوب بن عطاء ومعمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. واختلف عن يونس فرواه ابن أخي الزهري عن عمه عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبدالله بن عدي، ورواه حماد بن سلمة، ورواه أبو ضمرة (٣) عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ورواه إسماعيل بن جعفر عن أبي سلمة مرسلاً. والصحيح الأول. ذكر ذلك الدارقطني. وللترمذي من حديث ابن عباس: " ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن

стр. 1663

قومي أخرجونى منك ما سكنت غيرك " (١) . وقال: حسن صحيح غريب. واحتج القاضي وابن البنا وابن عقيل وغيرهم بمضاعفة الصلاة فيه أكثر. قال القاضي: وهو نص. إلا أنه أخبر أن العمل فيها أفضل. وقيل: إن المدينة أفضل من ذلك. واستدل القائل بذلك بأنه قد روي عن رافع مرفوعاً: " المدينة خير من مكة " (٢) . ورد ذلك بأن هذا الحديث لم يصح. وعلى تقدير صحته فهو محمول على كون مكة دار حرب، أو على الوقت الذى كان فيها، والشرع يؤخذ منه. واستدل أيضاً بأنه رُوي أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لِلَّهِ إنهم أخرجونى من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك " (٣) . ورد أيضاً بأن ذلك الحديث لا يعرف. وعلى تقدير صحته فمعناه: أحب البقاع إليك بعد مكة. ولمالك عن يحيى بن سعيد مرفوعاً: " ما على الأرض بقعه أحب إلي أن يكون قبري بها منها ثلاث مرات " (٤) . وله وللبخاري أن عمر قال: " اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتى في بلد رسولك " (٥) . والجواب عن ذلك: أنهما هاجرا من مكة فأحبا الموت في أفضل البقاع بعد مكة. ولهذا عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا دخل مكة قال: " اللهم! لا تجعل منايانا بها حتى تخرجنا منها " (٦) .

стр. 1664

والأخبار الصحيحة إنما تدل على فضلها. لا أفضليتها على مكة. واستدل القائل بأفضلية المدينة أيضاً بأنه ﷺ خلق منها، وهو خير بشر، وتربته خير الترب. وأجابه القاضي: بأن فضل الخلقة لا يدل على فضل التربة " لأن أحد الخلفاء الأربعة أفضل من غيره، ولم يدل أن تربته أفضل. وكذا قال غير القاضي. قال ابن عقيل في "الفنون ": الكعبة أفضل من مجرد الحجرة. فأما والنبي ﷺ فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة؛ لأن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح. قال في " الفروع ": فدل كلام الأصحاب على أن التربة على الخلاف. قال شيخنا: لم أعلم أحداً فضّل التربة على الكعبة غير القاضي عياض، ولم يسبقه أحد، ولا وافقه أحد. وفي " الإرشاد " وغيره: الخلاف في المجاورة فقط. وجزموا بأفضلية الصلاة وغيرها، واختاره شيخنا وغيره، وهو أظهر. وقال: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان. ومعنى ما جزم به في " المغني " وغيره: أن مكة أفضل، وإن المجاورة بالمدينة أفضل. وذكر قول أحمد: المقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه، لأنها مهاجر المسلمين. وقال النبي ﷺ : " لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة " (١) . وهذا الخبر رواه مسلم من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث سعد، وفيهن: " أو شهيداً ". وفي حديث سعد: " ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير

стр. 1665

منه، ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء " (١) . وعن ابن عمر مرفوعاً: " من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل. فإنى أشفع لمن مات بها " (٢) . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح غريب. (وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان) فاضل (وزمان فاضل). ذكره القاضي وغيره. وسئل أحمد في رواية ابن منصور: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا. إلا بمكة؛ لتعظيم البلد. ولو أن رجلاً بعدن وهمَّ أن يقتل (٣) عند البيت: أذاقه الله من العذاب الأليم.

стр. 1666

[فصل: في حرم المدينة] (فصل. ويحرم صيدُ حرم المدينة)، وقد تواتر عن النبي ﷺ تسمية بلده بالمدينة. قال قوم: سميت مدينة؛ لأنها مأخوذةمن الدين، والدين الطاعة. ويقام بها طاعة وإليها. وقال آخرون: لأنها دين أهلها أي: ملكوا. يقال: دان فلان بني فلان أي: ملكهم، وفلان في دين فلان: في طاعته. وفي "الصحيحين " من حديث أبي حميد أن النبي ﷺ قال: " هذه طابة " (١) . وعن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: " أن الله سمى المدينة طابة " (٢) . وعن زيد بن ثابت مرفوعاً: " أنها طَيبَة يعني: المدينة. وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة " (٣) . رواهما مسلم. سميت بذلك؛ لأنها طهرت من الشرك. وتحريم صيد حرم المدينة: يدل على أنه لا يصح ذكاته. قاله القاضي. (وشجره وحشيشه) يعني: أنه يحرم قلع شجر حرم المدينة وحشيشه؛ لخبر عليّ أن النبي ﷺ قال: " المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا " (٤) . وفي لفظ: " حرم من عير إلى كذا " (٥) . رواهما البخاري.

стр. 1667

ولمسلم: " حرم ما بين عائر إلى ثور " (١) . وعن أنس أن النبي ﷺ قال: " المدينة حرم من كذا إلى كذا. لا يقطع شجرها " (٢) . رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ: " لا يختلى خلاها. فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (٣) . ولهما عنه مرفوعاً: " اللهم لِلَّهِ إجعل بالمدينة ضعْفَي ما بمكة من البركة " (٤) . وعن عبدالله بن زيد بن عاصم أن النبي ﷺ قال: " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإنى حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت في صاعها ومدِّها، بمثْلَي ما دعا إبراهيم لأهل مكة " (٥) . متفق عليه. إذا تقرر هذا: فإنه يستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله: (إلا لحاجة المساند والحرث والرَّحل) من الشجر. (و) إلا (العلف) من الحشيش (ونحوها) أي: ونحو ما ذكر مما تدعو الحاجة إليه. وذلك لما روى أحمد عن جابر بن عبدالله: " أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله لِلَّهِ إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند. فأما غير

стр. 1668

ذلك فلا يعضد ولايخبط منها شيء ". والمسند: عود البكرة. فاستثنى الشارع ذلك وجعله مباحاً؛ كاستثناء الإذخر بمكة. وعن عليّ عن النبيّ ﷺ قال: " المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور. لا يختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا يصلح أن يقطع منها (١) شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره " (٢) . رواه أبو داود. لأن المدينة يقرب منها شجر وزرع. فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الضرر. بخلاف مكة. (ومن أدخلها) أي: أدخل المدينة (صيداً فله إمساكه وذبحه). نص على ذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: " يا أبا عمير! ما فعل النغير- بالغين المعجمة- وهو طائر صغير كان يلعب به " (٣) . متفق عليه. (ولا جزاء فيما حرم من ذلك) يعني: أنه لا جزاء في صيد حرم المدينة، ولا في شجره، ولا في حشيشه على الأصح. قال أحمد في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحداً من أصحابه حكموا فيه بجزاء؛ لأنه يجوز دخولها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء النسك، ولا لذبح الهدايا. فكانت كغيرها من البلدان. ولا يلزم من الحرمة الضمان، ولا من عدمها عدمه. (وحرَمُها: بريد في بريد). نص أحمد على ذلك وهو: ما (بين ثور)

стр. 1669

وهو (جبل صغير) لونه يضرب (إلى الحمرة بتدوير) (١) فيه. يعني: ليس بالمستطيل. وهو: (خلف أُحد من جهة الشمال)؛ لما روى عليّ أن النبيّ ﷺ قال: " حرم المدينة ما بين ثور إلى عير " (٢) . متفق عليه. وقد أنكر جماعة من العلماء أن يكون بالمدينة جبل يسمى ثوراً، واعتقدوا أن ذكر ثور خطأ من بعض رواة الحديث. قال في " المطلع " (٣) : وهذا لأنهم لا يعرفون ثوراً بالمدينة. وقد أخبرنا العلامة عفيف [الدين] عبد السلام بن مزروع البصري قال: صحبت طائفة من العرب من بني هاشم (٤) قال: وكنت إذا صحبت العرب أسألهم عما أراه من جبل أو واد أو غير ذلك. فمررنا بجبل خلف أحد. فقلت: ما يقال لهذا الجبل؟ فقال: هذا جبل ثور. فقلت: ما تقولون؟ قالوا: هذا ثور (٥) ، معروف من (٦) زمن آبائنا وأجدادنا. فنزلتُ وصليت [عنده] ركعتين. انتهى. وقال العلامة ابن حجر في " شرح البخاري ": وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في " مختصره لأخبار المدينة ": أن خلَف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم: أن خلف أحد من جهة الشمال جبلاً صغيراً إلى الحمرة بتدوير، يسمى ثوراً، قال: وقد تحققته بالمشاهدة. انتهى. (و) ما بين (عَيْر جبل مشهور بها) أي: بالمدينة. قال في " المطلع ": وقد أنكره بعضهم. انتهى. قال القاضي عياض: أكثر الرواة في البخاري ذكروا عيراً. فأما ثور فمنهم (٧)

стр. 1670

من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضاً؛ لأنهم اعتقدوا ذكر ثور خطأ. (وذلك) أي: وحَدّ المدينة المذكور الذي هو: ما بين ثور إلى عير هو: (ما بين لابتيها)، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما بين لابتيها حرام " (١) . متفق عليه. واللابه: الحرة. وهي أرض تركبها حجارة سود. قال أحمد: ما بين لابتيها حرام بريد في بريد. كذا فسره مالك بن أنس. (وجعل النبي ﷺ حول المدينة، اثني عشر ميلاً حمى). روى ذلك مسلم من رواية أبي هريرة (٢) . والله اعلم. ***

стр. 1671

[باب: دخول مكة] هذا (باب) يذكر فيه (دخول مكة)، ومسائل من أحكام الطواف والسعي وغير ذلك. (يسن) لمن أراد دخول مكة أن يدخلها (نهاراً). قال في " الفروع ": وقيل: وليلاً. نقل ابن هانئ: لا بأس به. وإنما كرهه من السُّرَّاق. (من أعلاها) أي: أعلا مكة: (من ثنية كداء) بفتح الكاف والدال ممدودة مهموز، مصروف وغير مصروف. كل ذلك عن صاحب " المطلع ". والثنية في الأ صل: الطريق بين جبلين. (و) يُسن لمن أراد أن يخرج من مكة (خروج من أسفلها) أي: أسفل مكة (من ثنيّة كُدى) بضم الكاف وتنوين الدال عند ذي طوى، بقرب شعب الشافعيين. وأما كدي مصغراً فأباحه لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء. ويدل لذلك شعر قيس الرقيات: أقفرت بعدعبد شمس كداء فكدي فالركن فالبطحاء فمنى فالجمارمن عبد شمس مقفرات فبلدح فحراء (و) يُسن (دخول المسجد الحرام: من باب بني شيبة)؛ لما روى جابر: " أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل " (١) . رواه مسلم وغيره.

стр. 1672

ويُسن أن يقول عند دخوله: بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله. اللهم! افتح لي أبواب فضلك. ذكره في " أسباب الهداية ". (فإذا رأى البيت رفع يديه). نص عليه، لما روى الشافعي عن ابن جريج: " أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه " (١) . ولا يمنع من ذلك ما رواه النسائي بسنده إلى جابر بن عبدالله قال: " سُئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه؟ قال: ما كنت أظن أحداً يفعل هذا إلا اليهود. حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله " (٢) . ورد بأن قول جابر عن ظنه، وخالفه ابن عمر وابن عباس. ولأن الدعاء مستحب عند روية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء. (و) إذا رفع يديه (قال: اللهم لِلَّهِ أنت السلام، ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام)، لى " أن عمر كان يقول ذلك " (٣) . رواه الشافعي. ومعنى السلام الأول: اسم الله تعالى. والثانى: من أكرمته بالسلام. والثالث: سلمنا بتحيتك إيانا من جميع الآفات. ذكر ذلك الأزهري. (اللهم لِلَّهِ زد هذا البيت تعظيماً) أي: تبيجلاً، (وتشريفاً) أي: رفعة وإعلاء، (وتكريماً) تفضيلاً، (ومهابةً) أي: توقيراً وإجلالاً، (وبراً) بكسر الباء. وهو: اسم جامع للخير. (وزد من عظَّمه وشرفَّه ممن حجَّه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابةً وبراً) (٤) . رواه الشافعي بإسناده عن ابن جريج. (الحمد الله رب العالمين كثيرأ كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه

стр. 1673

وعِزِّ جلاله، والحمد لله الذي بلّغني بيته، ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال. اللهم لِلَّهِ إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام). سمي بذلك، لأن حرمته إنتشرت، وأريد بتحريم البيت سائر الحرم. قاله العلماء. (وقد جئتك لذلك. اللهم! تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله. لا إله إلا أنت). ذكر ذلك الأثرم وإبراهيم الحربي. قال في " الفر وع ": وقيل: ويكبر، وقيل: ويهلل. وكان النبي ﷺ إذا رأى ما يحب قال: " الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال " (١) ٠ انتهى. (يرفع بذلك) أي: بالدعاء المتقدم (صوته)، جزم به (٢) في " المحرر " و" المقنع " و" الوجيز " وغيرهما؛ لأنه ذكر مشروع. فاستحب رفع الصوت به؛ كالتلبية. وحكاه في " الفروع " قولاً. (ثم يطوف متمتع) أي: محرم بالعمرة (للعمرة) أي: طواف العمرة. (و) يطوف (مفرد) أي: محرم بالحج وحده، (وقارن) أي: محرم بالحج والعمرة (للقدوم. وهو: الورود) يعني: أنه يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يبدأ بالطواف بالبيت؛ اقتداء برسول الله ﷺ فإن جابر قال في حديثه: " حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً " (٣) . وعن عائشة: " أن النبي ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت " (٤) . متفق عليه. وُروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبدالله بن عمر وغيرهم.

стр. 1674

ولأن الطواف تحية المسجد الحرام. فاستحب البداءة به؛ كما استحب لداخل غيره من المساجد البداءة بتحية المسجد بصلاة ركعتين. (ويضْطَبع) استحباباً (غير حامل معذور) يحمله بردائه (١) (في كل أسبوعه) نص عليه. وصفة الاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر. مأخوذ من الضبع وهو عضد الإنسان. افتعال منه، وكان أصله اضتبع بالتاء فقلبوا التاء طاء؛ لأن التاء متى وقعت بعد ضاد أوطاء ساكنة قلبت طاء. والأصل في استحباب الاضطباع في طواف العمرة للمتمتع، وفي (٢) طواف القدوم للمفرد والقارن ما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية " أن النبي ﷺ طاف مضطبعاً " (٣) . ورويا عن ابن عباس: " أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة. فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى " (٤) . فإذا فرغ من الطواف ازال الاضطباع. (ويبتدؤه) أي: يبتدئ الطواف (من الحجر الأسود)؛ " لأنه ﷺ كان يبتدئ به " (٥) . (فيحاذيه) أي: يحاذي الطائف الحجر (أو بعضه) أي: بعض الحجر

стр. 1675

(بكل بدنه) أي: بدن الطائف؛ لأن (١) ما لزم استقباله لزم بجميع البدن " كالقبلة. وقيل: يكفي محاذاته ببعض بدنه. والأول المذهب. (ويستلمه) أي: يمسح الحجر (بيده اليمنى)، لأن الاستلام افتعال من السلام وهو التحية، ولهذا يسمون أهل اليمن الحجر الأسود المحيا، لأن الناس يحيونه بالاستلام. وقد ثبت عن النبي ﷺ " أنه نزل من الجنة أشد بياضاً من اللبن " (٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. (ويقبله)، لما روى عمر " أن النبي ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي. فقال: يا عمر! هاهنا تسكب العبرات " (٣) . رواه ابن ماجه. وفي " الصحيحين " أن أسلم قال: " رأيت عمر بن الخطاب قبّل الحجر وقال: إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك (٤) ما قبلتك " (٥) . نقله الأثرم. (ويسجد عليه). فعله ابن عمر وابن عباس. (فإن شقَّ) استلامه وتقبيله (لم يزاحم، واستلمه بيده وقبّلها). روي ذلك عن ابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس (٦) .

стр. 1676

وذلك لما روى ابن عباس: "أن النبي ﷺ استلمه وقبّل يده " (١) . رواه فسلم. (فإن شقّ ف) إنه يستلمه (بشيء وقبلّه) أي: قبّل ذلك الشيء الذي استلم الحجر به (٢) . روي ذلك عن ابن عباس موقوفاً. (فإن شق) أن يستلمه بيده أو بشيء (أشار إليه) أي: إلى الحجر (بيده أو بشيء) غيرها، لما روى البخاري عن ابن عباس قال: " طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر " (٣) . (ولا يقبله) أي: لا يقبل ما أشار به إليه. (و) إذا أراد أن يشرع في الطواف (استقبله) أي: استقبل الحجر (بوجهه، وقال: بسم الله والله اكبر. اللهم! إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ ، يقول ذلك كل ما استلمه، لحديث عبدالله بن السائب: " أن النبي ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه " (٤) . (ثم يجعل البيت عن يساره)، لأن النبي ﷺ طاف كذلك وقال: " خذوا عني مناسككم " (٥) . فيقرب جانبه الأيسر إلى البيت. قال في " الفروع ": قال شيخنا: لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى

стр. 1677

على اليسرى. فلما كان الإكرام في ذلك للخارج جعل لليمين (١) . فأول ركن يمر به يسمى الشامي والعراقي، وهو جهة الشام، ثم يليه الركن الغربي والشامي، وهو جهة المغرب، ثم اليماني جهة اليمن. (ويرمل) طائف (ماش غير حامل معذور، و) غير (نساء، و) غير (محرم من مكة أو) من (قربها). وصفة الرمل ما أشير إليه بقوله: (فيسرع المشي ويقارب الخطى). ويكون الرمل (في ثلاثة أشواط. ثم) بعد أن يرمل الثلاثة (٢) أشواط (يمشي أربعة) أي: أربعة أشواط مشياً من غير رمل؛ وذلك " لأن النبي ﷺ رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً " (٣) . روى ذلك جابر وابن عباس وابن عمر وأحاديثهم متفق عليها. فإن قيل: إنما رمل النبي ﷺ وأصحابه، لإظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى، إذ نفى الله المشركين. فلم قلتم أن الحكم يبقى بعد زوال علته؟ قلنا: قد رمل النبي ﷺ وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت أنها سنة ثابتة. وقال ابن عباس: " رمل النبي ﷺ في عُمَره كلها وفي حجه، وأبو بكو وعمر وعثمان والخلفاء من بعده " (٤) . رواه أحمد في " المسند ". وإذا ثبت أن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة. فإنه يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود لا يمشي في شيء منها، لما روى ابن عمر: " أن النبي ﷺ

стр. 1678

رمل من الحجر الى الحجر " (١) . ومن رواية مسلم عن جابر قال: " رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر حتى انتهى إليه (٢) " (٣) . (ولا يقضى فيها) أي: في الأربعة أشواط (رمل) فاته من الثلاثة أشواط السابقة؛ لأن الرمل هيئة فات موضعها. فسقطت؛ كالجهر في الركعتين الأولتين من المغرب والعشاء. ولأن المشي هيئة في الأربعة أشواط المتأخرة، كما أن الرمل هيئة في الثلاثة الأول. فإذا رمل في الأربعة الأخيرة كان تاركاً للهيئة في جميع طوافه. فلو ترك الرمل في الشوط الأول أتى به في الثانى والثالث، وإن تركه من الأول والثاني أتى به في الثالث. ومن ترك الرمل لم يكن عليه بتركه شيء؛ كالاضطباع. (والرمل أولى من الدنو من البيت) يعني: أنه لو كان قرب البيت زحام لايتمكن من الرمل مع دنوه من البيت، وإذا طاف في حاشية الناس تمكن من الرمل كان طوافه في حاشية الناس برمل أولى من طوافه قرب البيت بدون الرمل. (والتأخير) أي: تأخير الطواف ليزول الزحام (له) أي: لأجل الرمل (أو للدنو) من البيت حتى يقدر على الرمل والدنو (أولى) من عدم الرمل ومن البعد عن البيت مع التعجيل. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. (وكلما حأذى) الطائف (الحجر) الأسود (والركن اليماني استلمها) استحباباً؛ لما روي عن ابن عمر قال: " كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم

стр. 1679

الركن اليمانى والحجر في طوافه. قال نافع: وكان ابن عمر يفعله " (١) . رواه أبو داود. قال ابن عبدالبر: جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني والأسود لايختلفون في شيءمن ذلك. واما الذي فرقوا بينهما التقبيل. فرأوا تقبيل الأسود ولم يروا تقبيل اليمانى. وأما استلامهما فأمر مجمع عليه. قال: وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال: " رأيت رسول الله ﷺ إذا استلم الركن قبله ووضيع خده الأيمن عليه " (٢) . قال: وهذا لا يصح. وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده. انتهى. (أو أشار إليهما) أي: إلى الحجر والركن اليماني إن شق استلامهما في كل شوط. (لا) استلام الركن (الشامي وهو: أول ركن يمر به، ولا) استلام الركن (الغربي وهو: ما يلي) أي: يلي الشامي. نص على ذلك؛ لقول ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا (٣) الحجر والركن اليمانى " (٤) . وقال: " ما أراه - يعني: النبي ﷺ لم يستلم الركنين (٥) اللذين يليان الحجر. إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك " (٦) . وروى ابن عباس: " أن معاوية طاف فجعل يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن النبي ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية:

стр. 1680

ليس شيء من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة. فقال معاوية: صدقت " (١) . ولأنهما لم يتما على قواعد إبراهيم. فلم يسن استلامهما؛ كالحائط الذي على الحجر. (ويقول) الطائف (كلما حاذى الحجر) الأسود: (الله اكبر)؛ لما روى البخاري بإسناده عن ابن عباس قال: " طاف النبي ﷺ على بعير، كلما أتى الركن أشار بيده وكبر " (٢) . (و) يقول (بين الركن اليمانى وبينه) أي: وبين الحجر الأسود: ((ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار))؛ لما روى أحمد في المناسك عن عبدالله بن السائب: " أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود: ( ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) " (٣) . وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "وكل الله به - يعني: الركن اليماني- سبعون الف ملك فمن قال: اللهم! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. (ربناءاتنا فى الدنياحسنة وفى الأخرة حسنة وقناعذاب النار) " (٤) . (و) يقول (في بقية طوافه: اللهم! اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً. رب! اغفر وارحم، واهدنى السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم. وأنت الأعز الأكرم). وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: " رب قني شح نفسي ".

стр. 1681

وعن عروة: " كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لا إله إلا أنت، وأنت تحيي بعد ما أمت ". (ويذكر ويدعو بما (٤) )؛ لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال، [ففي حالة تلبسه بهذه العبادة أولى. ويصلي على النبي ﷺ . ويدع الحديث] (١) ، إلا ذكر الله، أو قراءة القرآن، وأمراً بمعروف، أو نهياً (٢) عن منكر، أو ما لا بد منه؛ لقول النبي صص: "الطواف بالبيت صلاة. فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" (٣) . (وتسن القراءة فيه) أي: في الطواف. نص عليه، وقاله الاجري. ونقل أبو داود: أيهما أحب إليك فيه؛ قال: كل. وقال القاضي وغيره: ولأنه صلاة وفيها قراءة ودعاء. فيجب كونه مثلها. وعنه: تكره القراءة فيه. قال في " الترغيب ": كتغليطه مصلين. (ولا يسن رمل، ولا اضطباع في غير هذا الطواف) المتقدم ذكره؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا في ذلك. وذكر القاضى: أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة؛ لأنهما سنة امكن قضأوها. فتقضى؛ كسنن الصلاة. قال في " شرح المقنع " عن قول القاضي: وليس بصحيح لما ذكرنا من أن تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة، ولذلك من ترك الجهر في صلاة الفجر لا يقضيه في صلاة الظهر، ولا يقتضي القياس أن تقضى هيئة عبادة في عبادة آخرى.

стр. 1682

(ومن طاف راكباً أو محمولاً لم يُجزئه، إلا) إن كان ركوبه أو حمله (لعذر). أما كونه لا يصح مع عدم العذر على الأصح من الروايات؛ فلأن النبي ﷺ قال: " الطواف بالبيت صلاة " (١) . ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت. فلم يجز فعلها راكباً لغير عذر؛ كالصلاة. وأما كونه يصح مع العذر؛ فلأن [ابن عباس روى "أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن " (٢) . والمحجن: عصا محنية الرأس. وعن أم سلمة قالت: " شكوت إلى النبي ﷺ أنى أشتكي. فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " (٣) . متفق عليهما. وإنما طاف النبي ﷺ راكباً لعذر. فإن] (٤) ابن عباس روى: " أن النبي ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. وكان النبي ﷺ لا يضرب الناس بين يديه. فلما كثروا عليه ركب " (٥) . رواه مسلم. (ولا يُجزئ) الطواف (عن حامله) أي: حامل المحمول؛ لأن المقصود هنا الفعل وهو واحد. فلا يقع عن شخصين، ووقوعه عن المحمول أولى؛ لأنه لم ينو بطوافه إلا لنفسه، والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه. ولأن الطواف عبادة أدى بها الحامل فرض غيره. فلم تقع عن فرضه؛ كالصلاة.

стр. 1683

وصحة أخذ الحامل من المحمول الأجرة يدل على أنه قصده به؛ لأنه لا يصح أخذها عما يفعله عن نفسه. ذكره القاضي وغيره. (إلا إن نوى) (١) الحامل الطواف (وحده) أي: دون المحمول، (أو نويا) أي: الحامل والمحمول (جميعاً) الطواف (عنه) أي: عن (٢) الحامل. فيُجزئ عنه؛ لخلوص قصد كل منهما بالنية للحامل. (وسعي راكباً) أي: وحكم السعي راكباً (كطواف) راكباً. نص عليه، وذكره الخرقي والقاضي وغيرهما، وذكر الموفق إجزاء السعي راكباً لغير عذر. (وإن طاف) طائف (على سطح المسجد، أو قصد في طوافه غريماً، وقصد معه طوافاً بنية حقيقية لا حكمية: توجه الإجزاء. قاله في " الفروع "). وعبارته: وإن طاف على سطح المسجد توجه الإجزاء؛ كصلاته إليها. وإن قصد في طوافه غريماً وقصد معه طوافاً بنية حقيقية لا حكمية توجه الإجزاء في قياس قولهم. ويتوجه احتمال كعاطس قصد بحمده قراءة. . وفي " الإجزاء " عن فرض القراءة: وجهان. وفي " الإنتصار " في الضرورة: أفعال الحج لا تتبع إحرامه فتتراخى عنه، وتنفرد بمكان وزمن ونية. فلو مر بعرفة أو عدى حول البيت بنيه طلب غريم أو صيد لم يجزئه، وصححه في " الخلاف " وغيره في الوقوف فقط؛ لأنه لا يفتقر إلى نية. [وقيل له في " الإنتصار " في مسألة نية المبيت بمزدلف، ورمي الجمار، وطواف الوداع: لا يفتقر إلى نية؛] (٣) فقال: لا نسلم ذلك. فإنه لو عدى خلف غريمه، أو رجم إنساناً بالحصى وهو على الجمرة، أو أكره على البيتوتة بمزدلف لم يجزئه ذلك في حجه، ولكن نية الحج تشتمل على جميع أفعاله، كما تشتمل

стр. 1684

نية الصلاة على جميع أركانها وواجباتها، وهذه من الواجبات وقد شملتها نية الحج. وهذا بخلاف البدل عن ذلك وهو الهدي فإنه لم تشمله نية (١) الحج. وكذا ذكره القاضي وغيره: أن نية الحج تشمل أفعاله لا البدل وهو الهدي. وذكر غير واحد في مسألة النية: أن الحج كالعبادات؛ لتعلقه بأماكن وأزمان. فيفتقر كل جزء منه إلى نية. إنتهت عبارته في " الفروع ". (ويجزئ) الطواف (في المسجد من وراء حائل)؛ كالقبة وغيرها. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وقدمه في " الفروع " وغيره؛ لأنه في المسجد. (لا) إن طاف (خارجه) أي: خارج المسجد فإنه لا يجزئه. قال في " الأنصاف ": لو طاف حول المسجد لم يجزئه على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. انتهى. لأنه لم يرد به الشرع، ولا يحنث به من حلف لا يطوف بالبيت العتيق. (أو منكساً) يعني: أنه لا يجزئ طواف من طاف منكساً وهو: أن يجعل البيت عن يمينه؛ لأنه ﷺ قال: " خذوا عني مناسككم " (٢) . وقد جعل البيت (٣) في طوافه عن يساره. ولأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت. فكان الترتيب شرطاً لصحتها؛ كالصلاة. (ونحوه) يعني: أو طاف طوافاً نحو المنكس (٤) ، كما لو طاف متقهقراً فإنه لايجزئ؛ لماتقدم. (أو) طاف (على جدار الحجر) بكسر الحاء المهملة يعني: أنه لا يجزئه؛ لأن الله يقول: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩].

стр. 1685

والحِجْر منه. فمن لم يطف به لم يعتد بطوافه. ويدل لكون الحجر من البيت ما روت عائشة قالت: " سألت رسول الله ﷺ عن الحِجْر فقال: هو من البيت " (١) . وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " أن قومك استقصروا من بنيان الكعبة، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منها. فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوا. فهلمي لأريك ما تركو امنها. فأراها قريباً من سبعة أذرع " (٢) . رواهما مسلم. (أو) طاف على (شاذروان الكعبة) وهو: ما فضل من جدارها. يعني: أنه لا يجزئه؛ لأن ذلك من البيت. فإذا لم يطف به لم يطف بكل البيت. (أو) طاف طوافاً (ناقصاً ولو) نقصاً (يسيراً) يعني: أنه لا يجزئه؛ لأنه لم يطف بجميع البيت. و" قد طاف النبي ﷺ من وراء الحجر والشاذروان (٣) من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ". (أو) طاف (بلا نية) يعني: أنه لا يجزئه؛ لأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت. فاشترط لها النية؛ كالصلاة. ولأن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة" (٤) . والصلاة لا تصح بدون النية. (أو) طاف (عرياناً) يعني: أنه لا يجزئه؛ لما روى أبو هريرة: " أن ابا بكر بعثه في الحجة التي أمر أبا بكر عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " (٥) . متفق عليه.
следующие страницы →