← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وعن عروة: " كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لا إله إلا أنت، وأنت تحيي بعد ما أمت ". (ويذكر ويدعو بما (٤) )؛ لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال، [ففي حالة تلبسه بهذه العبادة أولى. ويصلي على النبي ﷺ . ويدع الحديث] (١) ، إلا ذكر الله، أو قراءة القرآن، وأمراً بمعروف، أو نهياً (٢) عن منكر، أو ما لا بد منه؛ لقول النبي صص: "الطواف بالبيت صلاة. فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" (٣) . (وتسن القراءة فيه) أي: في الطواف. نص عليه، وقاله الاجري. ونقل أبو داود: أيهما أحب إليك فيه؛ قال: كل. وقال القاضي وغيره: ولأنه صلاة وفيها قراءة ودعاء. فيجب كونه مثلها. وعنه: تكره القراءة فيه. قال في " الترغيب ": كتغليطه مصلين. (ولا يسن رمل، ولا اضطباع في غير هذا الطواف) المتقدم ذكره؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا في ذلك. وذكر القاضى: أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة؛ لأنهما سنة امكن قضأوها. فتقضى؛ كسنن الصلاة. قال في " شرح المقنع " عن قول القاضي: وليس بصحيح لما ذكرنا من أن تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة، ولذلك من ترك الجهر في صلاة الفجر لا يقضيه في صلاة الظهر، ولا يقتضي القياس أن تقضى هيئة عبادة في عبادة آخرى.

стр. 1682

(ومن طاف راكباً أو محمولاً لم يُجزئه، إلا) إن كان ركوبه أو حمله (لعذر). أما كونه لا يصح مع عدم العذر على الأصح من الروايات؛ فلأن النبي ﷺ قال: " الطواف بالبيت صلاة " (١) . ولأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت. فلم يجز فعلها راكباً لغير عذر؛ كالصلاة. وأما كونه يصح مع العذر؛ فلأن [ابن عباس روى "أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن " (٢) . والمحجن: عصا محنية الرأس. وعن أم سلمة قالت: " شكوت إلى النبي ﷺ أنى أشتكي. فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " (٣) . متفق عليهما. وإنما طاف النبي ﷺ راكباً لعذر. فإن] (٤) ابن عباس روى: " أن النبي ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. وكان النبي ﷺ لا يضرب الناس بين يديه. فلما كثروا عليه ركب " (٥) . رواه مسلم. (ولا يُجزئ) الطواف (عن حامله) أي: حامل المحمول؛ لأن المقصود هنا الفعل وهو واحد. فلا يقع عن شخصين، ووقوعه عن المحمول أولى؛ لأنه لم ينو بطوافه إلا لنفسه، والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه. ولأن الطواف عبادة أدى بها الحامل فرض غيره. فلم تقع عن فرضه؛ كالصلاة.

стр. 1683

وصحة أخذ الحامل من المحمول الأجرة يدل على أنه قصده به؛ لأنه لا يصح أخذها عما يفعله عن نفسه. ذكره القاضي وغيره. (إلا إن نوى) (١) الحامل الطواف (وحده) أي: دون المحمول، (أو نويا) أي: الحامل والمحمول (جميعاً) الطواف (عنه) أي: عن (٢) الحامل. فيُجزئ عنه؛ لخلوص قصد كل منهما بالنية للحامل. (وسعي راكباً) أي: وحكم السعي راكباً (كطواف) راكباً. نص عليه، وذكره الخرقي والقاضي وغيرهما، وذكر الموفق إجزاء السعي راكباً لغير عذر. (وإن طاف) طائف (على سطح المسجد، أو قصد في طوافه غريماً، وقصد معه طوافاً بنية حقيقية لا حكمية: توجه الإجزاء. قاله في " الفروع "). وعبارته: وإن طاف على سطح المسجد توجه الإجزاء؛ كصلاته إليها. وإن قصد في طوافه غريماً وقصد معه طوافاً بنية حقيقية لا حكمية توجه الإجزاء في قياس قولهم. ويتوجه احتمال كعاطس قصد بحمده قراءة. . وفي " الإجزاء " عن فرض القراءة: وجهان. وفي " الإنتصار " في الضرورة: أفعال الحج لا تتبع إحرامه فتتراخى عنه، وتنفرد بمكان وزمن ونية. فلو مر بعرفة أو عدى حول البيت بنيه طلب غريم أو صيد لم يجزئه، وصححه في " الخلاف " وغيره في الوقوف فقط؛ لأنه لا يفتقر إلى نية. [وقيل له في " الإنتصار " في مسألة نية المبيت بمزدلف، ورمي الجمار، وطواف الوداع: لا يفتقر إلى نية؛] (٣) فقال: لا نسلم ذلك. فإنه لو عدى خلف غريمه، أو رجم إنساناً بالحصى وهو على الجمرة، أو أكره على البيتوتة بمزدلف لم يجزئه ذلك في حجه، ولكن نية الحج تشتمل على جميع أفعاله، كما تشتمل

стр. 1684

نية الصلاة على جميع أركانها وواجباتها، وهذه من الواجبات وقد شملتها نية الحج. وهذا بخلاف البدل عن ذلك وهو الهدي فإنه لم تشمله نية (١) الحج. وكذا ذكره القاضي وغيره: أن نية الحج تشمل أفعاله لا البدل وهو الهدي. وذكر غير واحد في مسألة النية: أن الحج كالعبادات؛ لتعلقه بأماكن وأزمان. فيفتقر كل جزء منه إلى نية. إنتهت عبارته في " الفروع ". (ويجزئ) الطواف (في المسجد من وراء حائل)؛ كالقبة وغيرها. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وقدمه في " الفروع " وغيره؛ لأنه في المسجد. (لا) إن طاف (خارجه) أي: خارج المسجد فإنه لا يجزئه. قال في " الأنصاف ": لو طاف حول المسجد لم يجزئه على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. انتهى. لأنه لم يرد به الشرع، ولا يحنث به من حلف لا يطوف بالبيت العتيق. (أو منكساً) يعني: أنه لا يجزئ طواف من طاف منكساً وهو: أن يجعل البيت عن يمينه؛ لأنه ﷺ قال: " خذوا عني مناسككم " (٢) . وقد جعل البيت (٣) في طوافه عن يساره. ولأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت. فكان الترتيب شرطاً لصحتها؛ كالصلاة. (ونحوه) يعني: أو طاف طوافاً نحو المنكس (٤) ، كما لو طاف متقهقراً فإنه لايجزئ؛ لماتقدم. (أو) طاف (على جدار الحجر) بكسر الحاء المهملة يعني: أنه لا يجزئه؛ لأن الله يقول: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩].

стр. 1685

والحِجْر منه. فمن لم يطف به لم يعتد بطوافه. ويدل لكون الحجر من البيت ما روت عائشة قالت: " سألت رسول الله ﷺ عن الحِجْر فقال: هو من البيت " (١) . وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " أن قومك استقصروا من بنيان الكعبة، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منها. فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوا. فهلمي لأريك ما تركو امنها. فأراها قريباً من سبعة أذرع " (٢) . رواهما مسلم. (أو) طاف على (شاذروان الكعبة) وهو: ما فضل من جدارها. يعني: أنه لا يجزئه؛ لأن ذلك من البيت. فإذا لم يطف به لم يطف بكل البيت. (أو) طاف طوافاً (ناقصاً ولو) نقصاً (يسيراً) يعني: أنه لا يجزئه؛ لأنه لم يطف بجميع البيت. و" قد طاف النبي ﷺ من وراء الحجر والشاذروان (٣) من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ". (أو) طاف (بلا نية) يعني: أنه لا يجزئه؛ لأن الطواف عبادة تتعلق بالبيت. فاشترط لها النية؛ كالصلاة. ولأن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة" (٤) . والصلاة لا تصح بدون النية. (أو) طاف (عرياناً) يعني: أنه لا يجزئه؛ لما روى أبو هريرة: " أن ابا بكر بعثه في الحجة التي أمر أبا بكر عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " (٥) . متفق عليه.

стр. 1686

(أو) طاف (محدثاً، أو) طاف (نجساً) يعني: أنه لا يجزئه؛ لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه " (١) . رواه الترمذي والأثرم. ولأن الطواف عبادة متعلقة بالبيت. فكانت الطهارة والستارة فيها شرطاً؛ كالصلاة. وعكسه الوقوف بعرفة. ولأن النبي ﷺ قال لعائشة حين حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " (٢) . ويلزم الناس في الأصح. وجزم به (٣) ابن شهاب إنتظار الحائض لأجل الحيض فقط إن أمكن. ونقل المروذي في المريض ببلد الغزو: يقيمون عليه؛ قال: لا (٤) ينبغي للوالي أن يقيم عليه. ويسن فعل المناسك كلها على طهارة. نص عليه. (و) إن طاف المحرم (فيما لا يحل لمحرم لبسه)، كما لو طاف وهو لابس للمخيط: فإنه (يصح) طوافه (ويفدي). قال في " الإنصاف ": لو طاف فيما لا يجوز له لبسه: صح، ولزمته الفدية. ذكره الآجري، واقتصر عليه في " الفروع ". (ويبتدئ) الطواف من أوله (ل) وجود (حدثٍ فيه) أي: في أثنائه، (و) ل (قطع طويل) على الأصح فيهما. اما كونه يبتدئه للحدث فيه بتعمد أو سبق؛ فلأن الطهارة شرط فيه. وإذا

стр. 1687

وجد الحدث بطلت. وأما كونه يبتدئه للقطع الطويل عرفاً؛ فلأن الموالاة شرط فيه، لموالاة النبي ﷺ بين طوافه وقال: " خذوا عنى مناسككم " (١) . ولأنه صلاة. فاشترطت له الموالاة؛ كسائر الصلوات. (وإن كان) القطع (يسيراً، أو أقيمت صلاة) وهو في أثناء الطواف، (أو حضرت جنازة) وهو في الطواف: (صلى وبنى) على ما مضى من طوافه (من الحجر) الأسود. أما (٢) قطعه إذا أقيمت الصلاة؛ فلقوله ﷺ : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " (٣) . والطواف (٤) صلاة فتدخل. في عموم النص. وأما قطعه إذا حضرت جنازة؛ فلأنها تفوت بالتشاغل عنها. وأما كونه يبتدئ الشوط من الحجر؛ (ف) لأنه (لا يعتّد ببعض شوط قطع فيه). قاله أحمد. وحكم السعي في ذلك حكم الطواف. (فإذا تم) طوافه (تنفل بركعتين. والأفضل: كونهما خلف المقام، و) كون القراءة فيهما (بالكافرون و) سورة (الإخلاص بعد الفاتحة)؛ لأن جابراً روى في صفة حجة)) النبي (٥) ﷺ قال: " حتى أتينا البيت معه استلم الركن. فرمل ثلاثاً ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: (واتخذوا من مقام غبراهيم مصلى) [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت. قال محمد بن علي: ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي ﷺ : كان يقرأ في الركعتين: (قل هو الله

стр. 1688

أحد)، و (قل يأها الكافرون) " (١) . ومهما قرأ فيهما وحيث ركعهما جاز. (وتجزئ مكتوبة عنهما) يعني: أنه يجزئ عن الركعتين المشروعتين بعد الطواف صلاة المكتوبة، لأنهما ركعتان شرعتا للنسك. فأجزأت المكتوبة، كركعتي الإحرام. (ويسن عودة) بعد الصلاة (إلى الحجر) الأسود (فيستلمه). نص عليه أحمد؛ " لأن النبي ﷺ فعل ذلك " (٢) . ذكره جابر في صفة حجة (٣) النبي ﷺ . (و) يسن (الإكثار من الطواف كل وقت)، وتقدم نص الإمام أحمد: أن الطواف لغريب أفضل من الصلاة. (وله) أي: ولمن أراد الطواف (جمع أسابيع: بركعتين لكل أسبوع منها) يعني: أنه إذا فرغ من الأسابيع ركع لكل أسبوع ركعتين. وممن فعل ذلك عائشة والمسور بن مخرمة (٤) . وكره ذلك مالك وأبو حنيفة؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله. ولأن تأخير الركعتين عن طوافهما يخل بالموالاة بينهما. ولنا: أن الطواف يجري مجرى الصلاة، والصلاة يجوز جمعها ويؤخر ما بينهما فيصليها بعدها كذلك هذا. وكون النبي ﷺ لم يفعله لم يوجب كراهة. فإن النبي ﷺ لم يطف أسبوعين ولا ثلاثة وذلك غير مكروه بالاتفاق. والموالاة غير معتبرة بين الطواف والركعتين بدليل: " أن عمر صلى الركعتين بذي طوى " (٥) .

стр. 1689

و" أخّرت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة بأمر رسول الله ﷺ " (١) . وإن ركع لكل أسبوع ركعتين عقيبه كان أولى. (و) لمن أراد السعي بعد طوافه (تأخير سعيه عن طوافه بطواف وغيره)؛ لأنه لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي. روي ذلك عن الحسن وعطاء. ولا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى آخره، وفعله القاسم وسعيد بن جبير. ولا يصح السعي إلا بعد الطواف؛ لأنه تبع له. (وإن فرغ متمتع) من العمرة والحج (ثم علم أحد طوافيه) أي: طوافي العمرة والحج أنه وقع (بلا طهارة، وجهله) أي: جهل هل هو طواف العمرة أو طواف الحج: (لزمه الأشد) في حقه؛ لتبرأ ذمته بيقين. (وهو) أي: الأشد والأحوط: (جعله) أي: جعل الطواف الذي بلا طهارة (للعمرة)؛ لما يترتب على ذلك. وإذا جعلنا كونه من العمرة (فلا يحل) منها (بحلق)؛ لأنا فرضنا أن طوافها فاسد. فكأنه حلق قبل أن يطوف للعمرة. (وعليه به) أي: بالحلق (دم)؛ لأنه فعل محظوراً في إحرامه. (ويصير قارناً)؛ لأنه أدخل الحج على العمرة. (ويجزئه الطواف للحج) أي: طواف الإفاضة (عن النسكين) أي: عن الحج والعمرة؛ كالقارن في ابتداء إحرامه. (ويعيد السعي)؛ لأنه وجد (٢) بعد طواف غير معتد به؛ لأنا قدرنا كونه وقع بغير طهارة. (وإن جعل) الطواف الذي قدرناه بلا طهارة (من الحج) بأن جعلناه طواف الإفاضة: (فيلزمه طوافه وسعيه) فيعيد طواف الإفاضة والسعي بعده. (و) يلزمه مع ذلك (دم)؛ لحله قبل تمام نسكه.

стр. 1690

(وإن كان وفى بعد حله من عمرته) وقد فرضنا طوافها بلا طهارة: (لم يصحا) أي: لم يصح الحج ولا العمرة؛ لأنه أدخل حجّاً على عمرة فاسدة بالوطء فيها. فلم يصح، ويلغو ما فعله من أفعال الحج. (وتحلل بطوافه الذي نواه لحجه من عمرته الفاسدة. ولزمه) دمان: (دم لحلقه، ودم لوطئه في عمرته). والله أعلم.

стр. 1691

[فصل: في السعي] (فصل. ثم يخرج للسعي من باب الصفا. فيرقى الصفا ليرى البيت) فيستقبله، (ويكبر ثلاثاً، ويقول) ثلاثاً: (الحمد لله على ما هدانا. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت (١) وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحز اب وحده). والأحزاب: هم الذين تحزبوا على النبي ﷺ يوم الخندق، وهم قريش وغطفان واليهود. والأصل في ذلك ما روى جابر في صفة حجة (٢) النبي ﷺ : " أنه رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعإئر الله) [البقرة: ١٥٨]. نبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبر. وقال: وذكر ما تقدم ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات " (٣) . لكن ليس (٤) في حديث جابر: " يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير ". واقتصر في "الفروع " على ما في الحديث. قال أحمد: ويدعو بدعاء ابن عمر. رواه إسماعيل عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: " أنه كان يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم فيقوم عليه. فيكبر سبع مرار ثلاثاً ثلاثاً ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ثم يدعو فيقول:

стр. 1692

اللهم! اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك. اللهم! جنبني حدودك. اللهم! اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين. اللهم! يسر لي اليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين. اللهم! قلت: (ادعونى استجب لكم [غافر: ٦٠] وإنك لا تخلف الميعاد. اللهم! إنك هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى توفاني (١) على الإسلام. اللهم لِلَّهِ لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن. قال: ويدعو دعاء كثيراً حتى أنه ليملنا ونحن لشباب ". (ويدعو بما أحب)؛ لما روى أبو هريرة: " أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى (٢) البيت ورفع يديه. فجعل يدعو بحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو " (٣) . رواه مسلم. (ولا يلبي)؟ لعدم نقله. (ثم ينزل) من الصفا (فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم) وهو: الميل الأخضر في ركن المسجد (٤) (نحو ستة أذرع. فيسعى ماشي سعياً شديداً إلى العلم الآخر) وهو: الميل الأخضر بفناء المسجد، حذاء دار العباس. (ثم يمشي حتى يرقى المروة) وهي في الأصل الحجارة البراقة التي يقدح منها النار ثم صارت علماً على المكان المعروف بطرف المسعى.

стр. 1693

ويستقبل القبلة (فيقول كما قال على الصفا) من التكبير والتهليل والدعاء. (ويجب استيعاب ما بينهما) أي: ما بين الصفا والمروة، (فيلصق عقبه بأصلهما) أي: أصل الصفا والمروة. فمن ترك مما بينهما شيئاً ولو دون ذراع لم يجزئه سعيه. (ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا. يفعله) أي: يفعل الساعي ذلك (سبعاً: ذهابه سعية، ورجوعه سعية) يفتتح بالصفا ويختم بالمروة. (فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط). ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك. قال أبو عبدالله: " كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، وتجا وز (١) عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم " (٢) . وقال النبي ﷺ : " إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر الله " (٣) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (ويشترط) للسعي (نيته). قاله في " المذهب " و" المحرر "؛ لأنه عبادة. فاشترط له النية؛ كبقية العبادات. (و) يشترط له أيضاً (موالاته) على الأصح، قياساً على الطواف. قاله القاضي. (و) يشترط للسعي أيضاً (كونه بعد طواف ولو) كان الطواف (مسنوناً)؛ لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف وقد قال لنا: " خذوا عني مناسككم " (٤) .

стр. 1694

فعلى هذا: أن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف غير متطهر أعاد السعي. وإن سعى المفرد والقارن بعد طواف القدوم لم يلزمهما سعي بعد ذلك. (وتسن موالاته) أي: موالاة الطائف والساعي (١) (بينهما) أي: بين الطواف والسعي. (وطهارة وسترة) يعني: أنه لا يجزئه أن يسعى عرياناً جنباً (لا اضطباع) يعني: أنه لا يسن الاضطباع في السعي. نص أحمد على ذلك. (والمرأة لا ترقى) الصفا ولا المروة. (ولا تسعى سعياً شديداً)؛ لأن القصد في ذلك إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حقهن. ولأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي ذلك تعرض للإنكشاف. (وتسن مبادرة معتمر بذلك) أي: بالطواف والسعي؛ لما روى أبو داود قال: سمعت أحمد سئل عمن دخل مكة معتمراً فلم يقصر حتى كان يوم التروية عليه شيء؛ قال: هذا لم يحل حتى يقصر ثم يهل بالحج، وليس عليه شيء، وبئس ما صنع. (و) سن أيضاً (تقصيره) أي: تقصير متمتع لم يكن معه هدي من شعره (ليحلق للحج)، ولا يحل إن كان معه هدي. (ويتحلل متمتع لم يسق هدياً ولو لبّد رأسه)، وذلك لما روى ابن عمر قال: " تمتع الناس مع رسول الله بالعمرة إلى الحج. فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل " (٢) . متفق عليه.

стр. 1695

قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه خلافاً. ومن كان معه هدي فإنه يدخل الحج على العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً. نص عليه؛ لما روت حفصة: " أنها قالت: يا رسول الله لِلَّهِ ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال (١) : إنى لبَّدت رأسي، وقلّدت هدي. فلا أحل حتى أنحر " (٢) . متفق عليه. وهذا التفصيل المذكور في المتمتع. وأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل. سواء كان معه هدي أو لم يكن، وسواء كان في أشهر الحج أو غيرها؛ " لأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته، بعضهن في ذي القعدة " (٣) . وقيل: كلهن، وكان يحل منها. ومتى كان معه هدي نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز؛ لأن النبي ﷺ قال: " كل فجاج مكة طريق ومنحر" (٤) . رواه أبو داود. ومن ترك التقصير أو الحلق في عمرته ووطئ قبله فعليه دم على الأصح، وعمرته صحيحة؛ لما روي عن ابن عباس: " أنه سئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن يقصر. قال: من ترك من مناسكه شيئاً أو نسيه فليهريق (٥) دماً. قيل: أنها موسرة قال: فلتنحر ناقة ". ولأن التقصير ليس بركن. فلا يفسد النسك بتركه، ولا بالوطء قبله؛ كالرمي في الحج.

стр. 1696

(ويقطع التلبية متمتع ومعتمر إذا شرع في الطواف). قال أبو عبدالله: يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن. وبهذا قال ابن عباس، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي؛ لما روي عن ابن عباس يرفعه قال: " كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر " (١) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر " (٢) . ولأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار للإقامة عليها، وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها وهو التحلل منها، والتحلل يحصل بالطواف والسعي. فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل. فينبغي أن يقطع التلبية؛ كالحاج يقطعها إذا شرع في رمي جمرة العقبة؛ لحصول التحلل بها. (ولا بأس بها) أي: بالتلبية (في طواف القدوم). قاله الإمام أحمد. (سراً). قال الأصحاب: لا يظهر التلبية فيه. وقال في " المستوعب " وغيره: لا يستحب. ومعنى كلام القاضي: يكره. وفي " الرعاية " وجه: يسن. والله أعلم. ***

стр. 1697

[باب: صفة الحج] هذا (باب صفة الحج) والعمرة. (يسن لمحل) كائن (بمكة و) ب (قربها، و) ل (متمتع حل) من عمرته: (إحرام بحج في ثامن ذي الحجة وهو: يوم التروية). [نص على ذلك] (١) . سمي بذلك، لأن الناس كانوا يتروون (٢) فيه الماء لما بعده. وقيل: لأن إبراهيم أصبح يتروى في أمر الرؤيا. وقيل: غير ذلك. والأصل في ذلك ما في " صحيح مسلم " وغيره في حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ قال: " فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى. فأهلوا بالحج. وركب رسول الله ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة. فسار رسول الله ﷺ ولاتشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. فأجاز رسول الله ﷺ حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة. قد ضربت له بنمرة. فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له. فأتى بطن الوادي. فخطب الناس وقال: إن دمائكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا. في شهركم هذا. في بلدكم هذا. ألا لِلَّهِ إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول (٣) دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة (٤) بن الحارث. كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية

стр. 1698

موضوع. وأول ربا أضع رِبانا ربا عباس بن عبدالمطلب. فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه. فإن فعلوا ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن (١) تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس: اللهم! اشهد. اللهم! اشهد. ثلاث مرات. ثم أذن، ثم أقام. فصلى الظهر، ثم أقام. فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً. ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف. فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات. وجعل حبل المشاة بين يديه. فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص. وأردف أسامة خلفه. ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق القصواء بالزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله (٢) ويقول [بيده اليمنى] (٣) : أيها الناس! السكينة السكينة. كلما أتى حبلا من الحبال (٤) أرخى لها قليلاً حتى تصعد. . حتى أتى المزدلفة. فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ولم يسبح بينهما شيئاً. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر. فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام. فاستقبل القبلة. فدعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً. فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن العباس. وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً. فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين. فطفق الفضل (٥) ينظر إليهن.

стр. 1699

فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل. فحول وجهه إلى الشق الآخرينظر. فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخرعلى وجه الفضل. فصرف وجهه من الشق الآخرينظر. حتى أتى بطن محسر. فحرك قليلاً. ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة. فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف. رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غَبَرَ وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة. فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم. فقال: انزعوا بني عبدالمطلب فلولا أن يغلبكم (١) الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلواً فشرب منه " (٢) . قال عطاء: كان منزل النبي ﷺ بمنى بالخيف. وقوله (٣) : " وجعل حبل المشاة بين يديه "أي: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقيل: أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرمل. ويستثنى من استحباب الإحرام بالحج يوم التروية صورة أشير إليها بقوله: (إلا من لم يجد هدياً) وكان متمتعاً (وصام) الثلاثة أيام الذي في الحج: (ف) يستحب (٤) له أن يحرم (في سابعه) أي: سابع ذي الحجة، ليكون صيامها في إحرام الحج. ويسن لمن يحرم بالحج من مكة أو قربها: أن يكون إحرامه (بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات، و) بعد (طواف، وصلاة ركعتين.

стр. 1700

ولا يطوف بعده) أي: بعد إحرامه (لوداعه) على الأصح. نقله الأثرم. فلو طاف وسعى بعده لم يجزئه عن السعي الواجب. (والأفضل): أن يكون إحرامه من المسجد (من تحت الميزاب). ذكره في " المنهج " (١) و" الإيضاح ". وكان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق مُهِلاً بالحج. . (وجاز وصح) أن يحرم من كان بمكة (من خارج الحرم) ولا دم عليه على الأصح. نقله الأثرم وابن منصور، ونصره القاضي وأصحابه، وقدمه في "الفروع ". (ثم يخرج إلى منى قبل الزوال) استحبابا، (فيصلي بها الظهر مع الإمام، ثم) يقيم بها (إلى الفجر) وهو يصلي مع الإمام. (فإذا طلعت الشمس) أي: شمس يوم عرفة (سار) من منى (فأقام بنمرة إلى الزوال. فيخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، مفتتحة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة. ثم يجمع من يجوز له) الجمع (حتى المنفرد) أي: حتى من يصلي منفرداً. نص عليه، (بين الظهر والعصر، ويعجل)؛ لما روي: " أن سالماً قال للحجاج بن يوسف يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة. فقال ابن عمر: صدق " (٢) . رواه البخاري. ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال. (ثم يأتي عرفة، و) هي (كلها موقف)؛ لأن النبي ﷺ قال: " قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف " (٣) . رواه أبو داود وابن ماجه. (إلا بطن عرنة)، لقول النبي ﷺ : " كل عرفة موقف. وارفعوا عن بطن عرنة " (٤) . [رواه ابن ماجه.

стр. 1701

ولا يجزئه الوقوف في بطن عرنة] (١) ، لأنه لم يقف بعرفة. أشبه ما لو وقف بمزدلفة. (وهي) أي: وحد عرفة: (من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر. وسن وقوفه) أي: وقوف الحاج بعرفة (راكباً)، كما فعل النبي ﷺ حيث وقف على راحلته (٢) . (بخلاف سائر المناسك) أي: بقية المناسك وهذا المذهب. وقيل: الأفضل وقوفه راجلاً. واختاره ابن عقيل. وقال: والنبي ﷺ ركب في المناسك؛ ليعلمهم ويروه. فرؤيته عبادة. وقيل: الراكب والراجل سواء. قال في " الفروع ": ويتوجه تخريج الحج عليها. وفي " الإنتصار " و" مفردات أبي يعلى الصغير " أفضلية المشي، وقاله عطاء وإسحاق وداود، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي في " مثير العزم الساكن " فإنه ذكر الأخبار في ذلك، وعن جماعة من العباد. وإن الحسن بن علي حج خمس عشرة حجة ماشياً. وذكر غيره خمساً وعشرين، والجنائب تقاد معه. وقال في " أسباب الهداية ": فصل في فضل الماشي. عن ابن عباس مرفوعاً: " من حج من (٣) مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل له: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة الف حسنة ". قال: وعن عائشة مرفوعاً: " أن الملائكة لتصافح ركبان الحج وتعتنق

стр. 1702

المشاة ". كذا ذكر هذين الخبرين. وسن أيضاً كون الواقف بعرفات (مستقبل القبلة)، وكون وقوفه (عند الصخرات وجبل الرحمة) واسمه إلال على وزن هلال. وذلك لقول جابر: " أن النبي ﷺ جعل بطن (١) ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة " (٢) . ويقال أيضاً لجبل الرحمة: جبل الدعاء. (ولا يُشرع صعودُه). قال الشيخ تقى الدين: إجماعاً.- (ويرفع) الواقف بعرفات (يديه) استحباباً، ولا يجاوز بهما رأسه، ولا يتكلف السجع في الدعاء. (ويكثر الدعاء) والاستغفار والتضرع والخشوع، وإظهار الضعف والافتقار، ويلح في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة، بل يكون قوي الرجاء للإجابة؛ لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي " (٣) . رواه البخاري ومسلم. وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: " ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا أتاه الله إياها، أو صرف من السوء مثلها. ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم. فقال رجل من القوم: إذاً نُكثر. قال: الله أكثر " (٤) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 1703

ورواه الحاكم في " المستدرك " من رواية أبي سعيد] وزاد فيه [ (١) : " أو يدَّخر له من الأجر مثلها " (٢) . ويستحب أن يكرر كل دعاء (٣) ثلاثا. (و) يكثر (من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. اللهم! اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، ويسر لي أمري)؛ لما رواه مالك في " الموطأ " بإسناده عن طلحة بن عبيدالله بن كَريز - بفتح الكاف وآخره زاى- أن رسول الله ﷺ قال: " أفضل الدعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: [لا إله إلا الله وحده لا شريك له " (٤) . ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة. لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير " (٥) . رواه الترمذي. وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال [ (٦) : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. قيل له: هذا ثناء وليس بدعاء؛ فقال: أما سمعت قول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفانى … حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء وما في المتن موافق لما في " المقنع " و" المحرر "، وهو ماً ثور عن علي، واقتصر في " الفروع " على ما في حديث عمرو بن شعيب.

стр. 1704

وفي " الوجيز ": يدعو بما ورد. ومنه: ما روي عنه ﷺ أنه دعا فقال: " اللهم! إنك ترى مكانى، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري. أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مساًلة المساكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته، وذُلّ لك جسده، وفاضت لك عيناه، ورغم لك أنفه ". وكان عبدالله بن عمر يقول: " الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد. اللهم! اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى ". ويرد يديه ويسكت قدر ما كان إنسان قارئاً فاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك. ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض. قال في " شرح المقنع ": وروينا عن سفيان الثوري قال: سمعت أعرابياً وهو مستلق بعرفة يقول: إلهي! من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفا، ومن أولى بالعفو عني منك، وقلمك فيَّ سابق، وأمرك بي محيط. أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك. فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتى، وبفقري إليك وغناك عني: أن تغفر لي وترحمني. إلهي! لم أُحسن حتى أعطيتني ولم أُسئ حتى قضيت علي. اللهم! أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك: الشرك بك. فاغفر لي ما بينهما. اللهم! أنت أنس المؤنسين لأوليائك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم. وسري اللهم لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف. إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أصبحت على الهموم لجاًت إليك استجارة بك، علماً بأن أزمة الأمور بيدك ومصدرها عن قضائك. (ووقته) أى: وقت الوقوف بعرفة الذي يصح الحج بالوقوف فيه: (من فجر يوم عرفة، إلى فجر يوم النحر).

стр. 1705

قال جابر: "لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؛ قال: نعم " (١) . وقال مالك والشافعي: أول وقته زوال الشمس يوم عرفة. واختاره أبو حفص العكبري، " لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال " (٢) . ولنا: ما روى عروة بن مضرس الطائي قال: " أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله! إنى جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؛ فقال النبى ﷺ : من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه " (٣) . رواه الخمسة وصححه الترمذي ولفظه له. ورواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط كافة أئمة الحديث. ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة لا من غيره. فكان وقتاً للوقوف؛ كما بعد الزوال. وترك الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتاً (٤) للوقوف، كما بعد العشاء. وإنما وقف النبي وقت الفضيلة. (فمن حصّل) من المسلمين المكلفين الأحرار (لا مع سكر أو إغماء فيه)

стр. 1706

أى: في وقت الوقوف (بعرفه و) لو (لحظة) مختاراً، (وهو) أى: الذي حصل بعرفة لحظة (أهل) بأن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً محرماً بالحج (ولو) كان (ماراً) بها راجلاً أو راكباً، (أو) مر به (نائماً، أو) مر بها (جاهلاً أنها عرفة: صح حجه)؛ لعموم قوله ﷺ : "وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً" (١) . ولأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل. فأجزاه؛ كما لو علم. (وعكسه) أى: عكس الوقوف (إحرام وطواف وسعي)؛ لأن كلا من الإحرام والطواف والسعي لا يصح إلا بنية تخصه. فلا يقال من حصل في ميقات الإحرام صار محرماً بدون نية الإحرام، ولا من دار حول البيت سبعاً صار طائفاً بدون نية الطواف، ولامن سعى بين الصفا والمروة صارساعياً بدون نية السعي. بخلاف الوقوف فإن من حصل بعرفة في وقت الوقوف مختاراً وهو محرم أهلٌ: صار واقفاً بدون نية الوقوف. (ومن وقف بها) أى: بعرفه (نهاراً، ودفع قبل الغروب ولم يعد) إليها بعد الغروب من ليلة النحر، (أو عاد) إلى عرفة (قبله) أى: قبل الغروب (ولم يقع) الغر وب (وهو بها) أى: بعرفة: (فعليه دم) أى: شاة، لأنه ترك واجباً لا يفسد الحج بتركه؛ كالإحرام من الميقات. وعلم مما تقدم: أنه إن عاد إليها ليلاً لا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف في الليل والنهار. فلم يجب عليه دم؛ كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه .. (بخلاف واقف ليلاً فقط) بعرفة فإنه لا دم عليه. قال في " شرح المقنع ": لا نعلم فيه خلافاً؛ لقول النبي ﷺ : " من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج " (٢) . ولأنه لم يدرك جزءاً من النهار. فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه.

стр. 1707

] فصل: في الدفع إلى مزدلفة [ (فصل. ثم يدفع بعد الغروب) من عرفة مع الإمام أو الوالي أمير الحج؛ لقول أحمد: ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام على طريق المأْزِمَين؛ " لأنه روي أن النبي ﷺ سلكها ". (إلى مزدلفة)، سميت به من الزلف وهو التقرب؛ لأن الحاج إذا أفاض (١) من عرفات ازدلفوا إليها أى: تقربوا ومضوا إليها. وتسمى أيضاً جَمْعاً؛ لإجتماع الناس بها. (وهي) أى: وحَدُّ مزدلفة: (ما بين المأْزِمَين ووادي مُحَسِّر) بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة. وعبارة " الفروع ": ما بين الجبلين ووادي محسر. ويسن كون دفعه (بسكينة)؛ لقول جابر في حديثه: " ودفع رسول الله وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة السكينة " (٢) . (مستغفراً). قاله أبو حكيم. (يُسرع في الفُرجة)؛ لقول أسامة: "كان رسول الله يسير الَعَنَقَ فإذا وجد فَجوة نَصَّ (٣) . أى: أسرع؛ لأن العنق انبساط السير، والنص: فوق العنق. (فإذا بلغها) أى: بلغ مزدلفة (جمع العشائين بها) يعني: أنه يسن لمن دفع من عرفة: أن لا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة فيجميع بين المغرب والعشاء من يجوزله الجمع.

стр. 1708

(قبل حطِّ رحله)؛ لما روى أسامه بن زيد قال: " دفع رسول الله ﷺ من عرفه حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضاً فقلت له: الصلاة يا رسول الله! فقال: الصلاة أمامك. فركب. فلما جاء مزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء. ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب. ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله. ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما " (١) . متفق عليه. (وإن صلى المغرب بالطريق ترك السنة وأجزاه)؛ لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما؛ كالظهر والعصر بعرفة. وفعل النبي ﷺ محمول على الأفضل. (ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو مزدلفة: جمع وحده) وبذلك قال مالك والشافعي؛ لفعل ابن عمر. (ثم يبيت بها) أى: بمزدلفة على سبيل الوجوب؛ لوجوب الدم بتركه؛ " لأن النبي ﷺ بات بها " (٢) ، وقال: " خذوا عني مناسككم " (٣) . وقال علقمة والنخعي والشعبي: من فاته جمع فاته الحج؛ لقول الله : ْ (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)] البقرة:١٩٨]. ولقول النبي ﷺ : " ومن شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً. فقد تم حجه وقضى تَفََثُه " (٤) . ولنا قول النبي ﷺ : "الحج عرفة. فمن جاء قبل ليلة جَمْع فقد تم حجه " (٥) . يعني: من جاءعرفة (٦) .

стр. 1709

وما احتجوا به من الآية والخبر قال منطوق فيهما ليس بركن في الحج إجماعاً. فإنه لو بات بجَمْع ولم يذكر اسم (١) الله ولم يشهد الصلاة صح حجه. فما هو من ضرورة ذلك أولى. ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله وكذلك شهود صلاة الفجر. فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر أمكنه ذلك. فيتعين حمل ذلك على الأىجاب أو الفضيلة (٢) والاستحباب. (وله) أى: للحاج (الدفع) من مزدلفة (قبل الإمام وبعد نصف الليل)؛ لما ورد من الرخصة في ذلك. فروى ابن عباس قال: " كنت فيمن قدّم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى " (٣) . متفق عليه. وعن عائشة قالت: " أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت " (٤) . رواه ابو داود. (وفيه) أى: في الدفع من مزدلفة (قبله) أى: قبل نصف الليل (على غير رُعاة و) غير (سُقاة: دم). سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلاً، وسواء كان عامداً أو ناسياً؛ لأنه ترك نُسكاً واجباً. والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم. لا في جعل المعدوم كالموجود. وإنما لم يجب على (٥) الرعاة والسقاة دم؛ " لأن النبي ﷺ رخص للرعاة في

стр. 1710

ترك البيتوتة " (١) . في حديث عدي (٢) . و" رخص للعباس في ترك البيتوتة لأجل سقايته " (٣) . ولأن عليهم مشقة في المبيت لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم، وسقي الحاج. فكان لهم ترك المبيت بمزدلفة؛ كليالي منى. وعنه: أن المبيت بمزدلفة ليس بواجب. والأول المذهب. ومحل وجوب الدم على غير الرعاة والسقاة (ما لم يعد إليها) أى: إلى مزدلفة (قبل الفجر). نص عليه. فإنه لا دم عليه؛ (كمن لم يأتها) أى: يأت مزدلفة (إلا في النصف الثاني) من الليل؛ لأنه لم يدرك فيها جزءاً من النصف الأول. فلم يتعلق به حكمه؛ كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار. (ومن أصبح بها) أى: بمزدلفة (صلى الصبح بغَلَََس)؛ لقول جابر: " أن النبي ﷺ صلى الصبح بها حين تبين له الصبح بأذان وإقامة " (٤) وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام. (ثم يأتي (٥) المشعر الحرام). سمي بذلك؛ لأنه من علامات الحج، واسمه في الأصل قُزَج، وهو جبل صغير بالمزدلفة (فرقى عليه) إن أمكنه، (أو وقف عنده، وحمد الله) سبحانه و (تعالى،. وهلل وكبر)؛ لما في حديث جابر: "أن النبي ﷺ أتى المشعر الحرام فرقى (٦) عليه فحمد الله وهلله وكبره " (٧) .

стр. 1711

(ودعا فقال: اللهم! كما وقفْتَنا فيه، وأريْتَنا إياه فوفِّقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) ويستحب قراءته (إلى (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)] البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]. ويكرر ذلك إلى أن يسفر، لأن في حديث جابر: " أن النبي ﷺ لم يزل واقفاً عند المشعر الحرام حتى أسفر جداًً " (١) . (فإذا أسفر جداً سار) قبل طلوع الشمس. قال عمر: " كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير. وإن رسول الله ﷺ خالفهم فاًفاض قبل أن تطلع الشمس " (٢) . رواه البخاري. ويكون سيره (بسكينة)، لقول ابن عباس: " ثم أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس وقال: أيها الناس! إن البر ليس (٣) بإيجاف الخيل والإبل فعليكم السكينة" (٤) . (فإذا بلغ مُحسِّراً، وهو: واد بين مزدلفة ومنى. سمي بذلك " لأنه يحسر سالكه: (أسرع رميةَ حجر) أى: قدر رمية حجر إن كان ماشياً، وإن كان راكباً حرك دابته " لأن جابر قال في وصف حج النبي ﷺ : " أنه لما أتى بطن محسر حرك قليلا " (٥) . ويروى " أن عمر رضي الله تعالى عنه (٦) لما أتى محسراً أسرع وقال: إليك نعدو قلقاً وصينها … مخالفاً دين النصارى دينها معترضاً في بطنها جنينها " (٧)

стр. 1712

(ويأخذ حَصى الجمار سبعين) حصاة. كل واحدة (أكبر من الحمص ودون البندق؛ كحصى الخذْف) بالخاء والذال المعجمتين. قال في " القاموس ": الخذف، كالضرْب: رَمْيُكَ بحصاةٍ أو نواةٍ؛ أو نحوهما، تأخُذَ بين سبَّابتيكَ تخذِفُ به. (من حيث شاء)؛ لأن ابن عباس قال: " قال رسول الله ﷺ غداه العقبة وهو على ناقته: القُط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف. فجعل يقبضهن (١) في كفه. ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثم قال: أيها الناس! إياكم والغلو في الدين. فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " (٢) . رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى. و" كان ابن عمر يأخذ الحصى من جَمْع " (٣) . وفعله سعيد بن جبير. وقال: كانوا يتزودون الحصى من جَمْع. وإنما استحب أن يأخذ حصى الجمار قبل أن يصل منى؛ لئلا يشتغل عند قدومه بشيء قبل الرمي؛ لأن الرمي تحية منى، كما أن الطواف تحية المسجد. فلا يبدأ بشيء قبله. (وكُره) أخذ الحصى (من الحرم، ومن الحَشِّ وتكسيرُه) أى: تكسير الحصى؛ لأنه لا يؤمن في التكسير أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه. (ولا يسن غسله) على الأصح. قال أحمد: لم يبلغنا ان النبي ﷺ فعله. قال في " شرح المقنع ": وهذا الصحيح، وهو قول عطاء ومالك وكثير من أهل العلم.

стр. 1713

فإن النبي ﷺ لما لقطت له الحصى وهو راكب على بعيره جعل يقبضهن في يده، ولم يغسلهن، ولا أمر بغسلهن، ولا فيه معنى يقتضيه. (وتجزئ حصاة نجسة، و) حصاة (في خاتم إن قصدها) بالرمي. (و) تجزئ حصاة (غير معهودة، كـ) حصاة (من مِسَنٍ وبِرَاٍم ونحوهما)؛ كمرمر، وكدّان. وسواء كانت الحصاة بيضاء أو سوداء أو حمراء أو غير ذلك. (لا) حصاة (صغيرة جداص أو كبيرة) يعني: أنها لا تجزئ؛ " لأن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف " (١) . فلا يتناول ما لا يسمى حصى. والكبيرة تسمى: حجراً. (أو ما) أى: حصاة (رُميَ بها) يعني: أنها لا تجزئ في المنصو ص؛ لأنها استعملت في عبادة. فلا تستعمل ثانيا؛ كماء الوضوء. ولأخذه ﷺ الحصى من غير المرمى. ولأنه لو جاز لما احتاج إلى أخذه من غير مكانه. (أو) كان المرمى به (غير الحصى؛ كجوهر)، وفيروزج، وزبرجد، ويا قوت، وبلخش، وزمرد. وكالمعادن المنطبعة؛ كفضمة (وذهب، ونحوهما)؛ كنحاس، ورصا ص وحديد. (فإذا وصل منى. وهي) أى: وحَدَّها: (ما بين وادي محسر وجمرة العقبة. بدأ بها) أى: بجمرة العقبة (فرماها بسبع) من الحصى، واحدة بعد واحدة. (ويُشترط الرمي فلا يُجزئ الوضع) في الرمي. (و) يشترط (كونه) أى: كون الرمي (واحدة بعد واحدة) أى: حصاة

стр. 1714

بعد حصاة. (فلو رمى) أكثر من واحدة (دفعة فواحدة) أى: كانب الدفعة كرمي حصاة واحدة؛ " لأن النبي ﷺ رمى سبع رميات " (١) ، وقال: " خذوا عني مناسككم " (٢) . (ويؤدب). نقله الأثرم. (و) يشترط أيضاً (علم الحصول) أى: حصول الحصى الذي يرميه (بالمرْمى). فلا يكفي ظن الرامي حصوله في المرمى، لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته. فلا يزول بالظن. وعنه: يكفي ظنه. والأول المذهب. (فلو وقعت) الحصاة (خارجه) أى: خارج المرمى (ثم تدحرجت فيه) أى: في المرمى، (أو) رماها فوقعت (على ثوب إنسان ثم صارت فيه) أى: في المرمى (ولو بنفض غيره) أى: غير الرامي: (أجزأته)؛ لأن الرامي انفرد برميها. (ووقته) أى: أول وقت الرمي: (من نصف الليل) من ليلة النحر؛ لما روى أبو داود عن عائشة " أن النبي ﷺ أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت " (٣) . وروي " أنه أمرها أن تُعجِّل الإفاضه وتوافي مكة مع صلاة الفجر " (٤) . احتج به أحمد. ولأنه وقت للدفع من مزدلفة. فكان وقتاً للرمي؛ كبعد طلوع الشمس (٥) . (ونُدب) الرمي (بعد الشروق)؛- لقول جابر: " رأيت رسول الله ﷺ يرمي

стр. 1715

الجمرة ضحى يوم النحر وحده " (١) . أخرجه مسلم. وما روى أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " (٢) . فمحمول على وقت الفضيلة. (فإن غربت) شمس ذلك اليوم الذي كان الرمي فيه ولم يرم فيه شيئا: (فـ) إنه يرمي جمار ذلك اليوم (من غد) أى: غد ذلك اليوم (بعد الزوال)؛ لقول ابن عبدالبر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها (٣) ، وإن لم يكن ذلك مستحباً. ولقول ابن عمر: " من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد ". (و) ندُب أيضاً (أن يكبر) الرامي (مع كل حصاة) رماها؛ لحديث جابر: "أن النبي ﷺ رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة" (٤) . رواه مسلم. (و) أن (يقول) أيضاً: (اللهم! اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً)؛ لأن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان ذلك (٥) . وروى حنبل بإسناده عن زيد بن أسلم قال: " رأيت سالم بن عبدالله استبطن الوادي ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: اللهم! اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً. فسألته عما صنع. فقال: حدثني أبي: أن النبي ﷺ رمى الجمرة من هذا المكان ويقول كلما رمى مثل ما قلت (٦) ".

стр. 1716

(و) ندب أيضاً: أن (يستبطن الوادي، و) أن (يستقبل القبلة، ويرمي على جانبه الأيمن)؛ لما روى عبدالرحمن بن يزيد (١) : " أنه مشى مع عبدالله وهو يرمي الجمرة. فلما كان في بطن الوادي اعترضها فرماها. فقيل له: إن ناساً يرمونها من فوقها فقال: من هاهنا والذي لا إله غيره. رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة] رماها " (٢) . متفق عليه. وفي لفظ: " لما أتى عبدالله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على جانبه الأيمن. ثم رمى بسبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة [ (٣) " (٤) . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. (ويرفع يُمناه) عند الرمي (حتى يُرى بياض إبطه)؛ لأن في ذلك معونة على الرمي. (ولا يقف) عندها؛ لما روى ابن عمر وابن عباس " أن النبي ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف " (٥) . رواه ابن ماجه. وروى البخاري معناه من حديث ابن عمر (٦) . ولضيق المكان. (وله رميها) أى: رمي جمرة العقبة (من فوقها)؛ " لأن عمر جاء ليرمي

стр. 1717

والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها ". (ويقطع التلبية بأول الرمي) في قول الجمهور؛ لما روى الفضل بن عباس: " أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة " (١) . أخرجاه في "الصحيحين ". وكان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره. وفعل النبي ﷺ مقدم (٢) على ماخالفه. ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة؛ للخبر. وفي بعض الفاظه: " حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة ". رواه حنبل في " المناسك ". وهذا بيان يتعين الأخذ به. وفي رواية من روى: " أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل حصاة " (٣) : دليل على أنه لم يكن يلبي. ولأنه يتحلل بالرمي. فإذا شرع فيه قطع التلبية؛ كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف. (ثم ينحر هدياً) إن كان (معه)، واجباً كان الهدي أو تطوعاً. فإن لم يكن معه هدي وعليه واجب اشتراه، وإن لم يكن عليه واجب وأحب أن يضحي اشترى ما يضحي به. وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي ﷺ : " أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر

стр. 1718

وأشركه في هديه " (١) . وإذا نحر الهدي فرَّقه على مساكين الحرم؛ لما روى أنس " أن النبى ﷺ نحر خمس بدنات. ثم قال: من شاء اقتطع " (٢) . رواه أبو داود. وإن قسمها فهو أحسن وأفضل؛ لأن بقسمها يتيقن إيصالها إلى مستحقها. ويكتفي المساكين تعب النهب والزحام. ويقسم جلودها وجلالها؛ لما روى علي قال: " أمرنى النبي ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئاً. وقال: نحن نعطيه من عندنا " (٣) . وإنما يلزم قسم جلالها؛ للخبر. ولأنه ساقها لله على تلك الصفة. فلا يأخذ شيئا مما جعله لله. قال في " شرح المقنع ". وقال أصحابنا: لا يلزمه إعطاء جلالها؛ لأنه إنما أهدى الحيوان دون ما عليه. (ثم يحلق. وسُن استقباله) أى: أن يستقبل القبلة؛ (وبداءة بشقه الأيمن)، وأن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصدغ من الوجه؛ " لأن ابن عمر كان يقول للحالق (٤) : ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية ". وكان عطاء يقول: من السنه إذا حلق أن يبلغ العظمين. (أو يُقصِّر من جميع شعره) نص عليه. قال في " الفروع ": قال شيخنا (لا من كل شعرة بعينها). قال في " الإنصاف ": قلت: هذا لا يعدل عنه ولا يسع الناس غيره،

стр. 1719

وتقصير كل الشعر بحيث لا يبقى ولا شعرة مشق جداً (١) . قال الزركشي: ولا يجب التقصير من كل شعرة، لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه. والأصل في ذلك قوله : (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)] الفتح: ٢٧ [وهذا عام في جميع شعر الرأس. و" لأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه " (٢) . فكان ذلك تفسيراً لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير فيجب الرجوع إليه. وعنه: يجزئ حلق بعضه، وكذا تقصيره. قال في " الإنصاف ": وظاهر كلامه في "الفروع ": أن محل الخلاف في التقصير فقط. انتهى. وحيث قلنا يجزئه بعض رأسه: فيجزئ ما نزل عن رأسه، لأنه من شعره. بخلاف المسح، لأنه ليس رأساً. ذكره في " الفصول " و" الخلاف ". قال: ولا يجزئ شعر الأذن على أنه إنما (٣) لم يجز؛ لأنه يجب تقصير جميعه. ومن لبّد شعر رأسه أو ظفره أو عقصه. فكغيره. ونقل ابن منصور: فليحلق. يعني: وجب عليه. قال في " الخلاف " وغيره: لأنه لا يمكنه التقصير من كله، لاجتماعه. قال في " شرح المقنع ": وبأى شيء قصر الشعر أجزأه، وكذلك إن نتفه أو أزاله (٤) بنورة؛ لأن القصد إزالته. ولكن السنة الحلق أو التقصير. (والمرأة تقصر) من شعرها (كذلك) أى: كما قلنا في الرجل الذي يقصر، لكن تقصير المرأة (أنملة فأقل)، لما روى ابن عباس مرفوعاً: " ليس على النساء حلق. إنما على النساء التقصير " (٥) رواه أبو داود.

стр. 1720

ولأن الحلق في حقهن مثله فيهن. فعلى هذا تقصر من كل قرن قدر الأنملة. ونقل أبو داود: تجميع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة. وفي " منسك ابن الزاغوني ": يجب أنملة. وقال جماعة: السنة أنملة للرجل والمرأة، ويجوز أقل. وقوله: (كعبد) يعني: أن العبد والمرأة حكمهما سواء. فيقصر، (ولا يحلق إلا بإذن سيده)، لنقص قيمته بالحلق. (وسن) لمن حلق أو قصر (أخذ ظفر وشارب، ونحوه) " كاًخذ شعر إبطه وعانته. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه قلََّم أظفاره. و" كان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره ". وكان عطاء وطاووس والشافعي يستحبون لو أخذ من لحيته شيئاً. (و) سن كونه (لا يشارط الحلاق على أجرة). قاله أبو حكيم. وقال: ثم يصلي ركعتين. (وسن إمرارُ الموسَى على من عدمه) أى: عدم الشعر. روي ذلك عن ابن عمر. وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأى. وقال ابو حنيفة: يجب " لقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فاًتوا منه ما استطعتم " (١) . وهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته بإمرار الموسى على رأسه. فإذا سقط أحدهما لتعذره بقي الآخر. ولنا: أن الحلق محله الشعر. فسقط بعدمه " كما يسقط وجوب غسل
следующие страницы →