← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

(و) ندب أيضاً: أن (يستبطن الوادي، و) أن (يستقبل القبلة، ويرمي على جانبه الأيمن)؛ لما روى عبدالرحمن بن يزيد (١) : " أنه مشى مع عبدالله وهو يرمي الجمرة. فلما كان في بطن الوادي اعترضها فرماها. فقيل له: إن ناساً يرمونها من فوقها فقال: من هاهنا والذي لا إله غيره. رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة] رماها " (٢) . متفق عليه. وفي لفظ: " لما أتى عبدالله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على جانبه الأيمن. ثم رمى بسبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة [ (٣) " (٤) . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. (ويرفع يُمناه) عند الرمي (حتى يُرى بياض إبطه)؛ لأن في ذلك معونة على الرمي. (ولا يقف) عندها؛ لما روى ابن عمر وابن عباس " أن النبي ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف " (٥) . رواه ابن ماجه. وروى البخاري معناه من حديث ابن عمر (٦) . ولضيق المكان. (وله رميها) أى: رمي جمرة العقبة (من فوقها)؛ " لأن عمر جاء ليرمي

стр. 1717

والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها ". (ويقطع التلبية بأول الرمي) في قول الجمهور؛ لما روى الفضل بن عباس: " أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة " (١) . أخرجاه في "الصحيحين ". وكان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره. وفعل النبي ﷺ مقدم (٢) على ماخالفه. ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة؛ للخبر. وفي بعض الفاظه: " حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة ". رواه حنبل في " المناسك ". وهذا بيان يتعين الأخذ به. وفي رواية من روى: " أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل حصاة " (٣) : دليل على أنه لم يكن يلبي. ولأنه يتحلل بالرمي. فإذا شرع فيه قطع التلبية؛ كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف. (ثم ينحر هدياً) إن كان (معه)، واجباً كان الهدي أو تطوعاً. فإن لم يكن معه هدي وعليه واجب اشتراه، وإن لم يكن عليه واجب وأحب أن يضحي اشترى ما يضحي به. وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي ﷺ : " أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر

стр. 1718

وأشركه في هديه " (١) . وإذا نحر الهدي فرَّقه على مساكين الحرم؛ لما روى أنس " أن النبى ﷺ نحر خمس بدنات. ثم قال: من شاء اقتطع " (٢) . رواه أبو داود. وإن قسمها فهو أحسن وأفضل؛ لأن بقسمها يتيقن إيصالها إلى مستحقها. ويكتفي المساكين تعب النهب والزحام. ويقسم جلودها وجلالها؛ لما روى علي قال: " أمرنى النبي ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئاً. وقال: نحن نعطيه من عندنا " (٣) . وإنما يلزم قسم جلالها؛ للخبر. ولأنه ساقها لله على تلك الصفة. فلا يأخذ شيئا مما جعله لله. قال في " شرح المقنع ". وقال أصحابنا: لا يلزمه إعطاء جلالها؛ لأنه إنما أهدى الحيوان دون ما عليه. (ثم يحلق. وسُن استقباله) أى: أن يستقبل القبلة؛ (وبداءة بشقه الأيمن)، وأن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصدغ من الوجه؛ " لأن ابن عمر كان يقول للحالق (٤) : ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية ". وكان عطاء يقول: من السنه إذا حلق أن يبلغ العظمين. (أو يُقصِّر من جميع شعره) نص عليه. قال في " الفروع ": قال شيخنا (لا من كل شعرة بعينها). قال في " الإنصاف ": قلت: هذا لا يعدل عنه ولا يسع الناس غيره،

стр. 1719

وتقصير كل الشعر بحيث لا يبقى ولا شعرة مشق جداً (١) . قال الزركشي: ولا يجب التقصير من كل شعرة، لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه. والأصل في ذلك قوله : (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)] الفتح: ٢٧ [وهذا عام في جميع شعر الرأس. و" لأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه " (٢) . فكان ذلك تفسيراً لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير فيجب الرجوع إليه. وعنه: يجزئ حلق بعضه، وكذا تقصيره. قال في " الإنصاف ": وظاهر كلامه في "الفروع ": أن محل الخلاف في التقصير فقط. انتهى. وحيث قلنا يجزئه بعض رأسه: فيجزئ ما نزل عن رأسه، لأنه من شعره. بخلاف المسح، لأنه ليس رأساً. ذكره في " الفصول " و" الخلاف ". قال: ولا يجزئ شعر الأذن على أنه إنما (٣) لم يجز؛ لأنه يجب تقصير جميعه. ومن لبّد شعر رأسه أو ظفره أو عقصه. فكغيره. ونقل ابن منصور: فليحلق. يعني: وجب عليه. قال في " الخلاف " وغيره: لأنه لا يمكنه التقصير من كله، لاجتماعه. قال في " شرح المقنع ": وبأى شيء قصر الشعر أجزأه، وكذلك إن نتفه أو أزاله (٤) بنورة؛ لأن القصد إزالته. ولكن السنة الحلق أو التقصير. (والمرأة تقصر) من شعرها (كذلك) أى: كما قلنا في الرجل الذي يقصر، لكن تقصير المرأة (أنملة فأقل)، لما روى ابن عباس مرفوعاً: " ليس على النساء حلق. إنما على النساء التقصير " (٥) رواه أبو داود.

стр. 1720

ولأن الحلق في حقهن مثله فيهن. فعلى هذا تقصر من كل قرن قدر الأنملة. ونقل أبو داود: تجميع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة. وفي " منسك ابن الزاغوني ": يجب أنملة. وقال جماعة: السنة أنملة للرجل والمرأة، ويجوز أقل. وقوله: (كعبد) يعني: أن العبد والمرأة حكمهما سواء. فيقصر، (ولا يحلق إلا بإذن سيده)، لنقص قيمته بالحلق. (وسن) لمن حلق أو قصر (أخذ ظفر وشارب، ونحوه) " كاًخذ شعر إبطه وعانته. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه قلََّم أظفاره. و" كان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره ". وكان عطاء وطاووس والشافعي يستحبون لو أخذ من لحيته شيئاً. (و) سن كونه (لا يشارط الحلاق على أجرة). قاله أبو حكيم. وقال: ثم يصلي ركعتين. (وسن إمرارُ الموسَى على من عدمه) أى: عدم الشعر. روي ذلك عن ابن عمر. وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأى. وقال ابو حنيفة: يجب " لقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فاًتوا منه ما استطعتم " (١) . وهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته بإمرار الموسى على رأسه. فإذا سقط أحدهما لتعذره بقي الآخر. ولنا: أن الحلق محله الشعر. فسقط بعدمه " كما يسقط وجوب غسل

стр. 1721

العضو في الوضوء بفقده. ولأنه إمرارٌ لو فعله حال الإحرام لم يجب به دم. فلم يجب عند التحلل، كإمراره على الشعر من غير حلق. (تم) إذا رمى وحلق أو قصر (قد حلّ له كل شيء) كان محظورا بالإحرام، (إلا النساء) على الأصح. نص عليه في رواية الجماعة. وقوله: إلا النساء، يشمل الوطء في الفرج، والمباشرة فيما دونه، والقبلة، واللمس لشهوة، وعقد النكاح؛ وذلك لما روت عائشة ان النبي ﷺ قال: " إذا رميتم وحلقتم فقد حلّ لكم الطيب والثياب وكل شيء، إلا النساء " (١) . رواه سعيد. وقالت عائشه: " طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (٢) متفق عليه. وعنه: يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأن تحريم المرأة ظاهر في وطئها. والأول المذهب. (والحلق والتقصير) في حق من لم يحلق (نسك) في الحج والعمرة. (في تركهما) جميعاً (دم). وعنه: أن كلاً منهما إطلاق من محظور لا (٣) شيء في تركه. والأول المذهب، لقوله : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ)] الفتح: ٢٧ [ فوصفهم وامتن عليهم بذلك. فدل أنه من العبادة مع قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)] الحج: ٢٩]. قيل المراد به: الحلق. وقيل: بقايا أفعال الحج من الرمي ونحوه.

стр. 1722

ولأمره ﷺ بقوله (١) : " فليقصر ثم ليحلل " (٢) . ولو لم يكن نسكاً لم يتوقف الحل عليه. و" لأنه ﷺ دعا للمحلقين وللمقصرين وفاضل بينهم " (٣) . فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء، ولما وقع التفاضل فيه، إذ لا مفاضلة في المباح. لا إن حلق أو قصر بعد أيام منى فإنه لا دم عليه. وإلى ذلك أشير بقوله: (لا إن أخرهما عن أيام منى) يعني: فإنه يباح له ذلك؛ لقوله : يو ولا تخلقوا رروسصئ بئلغ الهذى محلل!) أالبقرة: ١٩٦] فبين أول وقته ولم يبين آخره. فحيث أتى به أجزأ؛ كالطواف، لكن لا بد أن ياً تي به بنية كونه نسكاً؛ كالطواف. (أو قدم الحلق على الرمي، أو) قدم الحلق (على النحر، أو نحر) قبل رميه، (أوطاف قبل رميه) يعني: انه لا شيء عليه في شيء من ذلك؛ لما روى عطاء أن النبي ﷺ قال له رجل: " أفضت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج ". وعنه: أن النبي ﷺ قال: " من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج " (٤) . رواهما سعيد في "سننه ". ولما روى عبدالله بن عمرو قال: " قال رجل: يا رسول الله! حلقت قبل أن اذبح. قال: اذبح ولا حرج. فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج " (٥) متفق عليه. وفي لفظ قال: " فجاء رجل فقال: يا رسول الله! لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج … وذكر الحديث. قال: فما سمعته يُساًل يومئذ عن أمر بما ينسى المرء أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها، إلا قال: افعلوا (٦) ولا حرج " (٧) . رواه مسلم.

стр. 1723

وعن ابن عباس (١) معنا ٥ مرفوعاً (٢) متفق عليه. حتى (ولو) كان (عالماً) على الأصح. وهو قول عطاء وإسحاق؛ لإطلاق حديث ابن عباس، وكذلك حديث عبدالله بن عمرو من رواية سفيان بن عيينة. وقول النبي ﷺ : " ولا حرج "، يدل على أنه لا شيء عليه ولا إثم. قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم خلافاً بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء، ولا تمنيع (٣) وقوعها موقعها. وإنما اختلفوا في وجوب الدم على ما ذكرناه. (ويحصل التحلل الأول بإثنين: من رمي وحلق وطواف) على الأصح. وعنه: يحصل بالرمي وحده. وعنه: يحصل بالطواف وحده. والأول المذهب.

стр. 1724

قال في " الفروع ": وهل يحصل التحلل الأول باثنين من رمي وحلق وطواف؟ اختاره الأكثر، أو بواحد من رمي وطواف والثانى بالباقي؟ فيه روايتان. فعلى المذهب: لو نحر وطا ثم واقع أهله ثم رجع إلى أهله ولم يرم فعليه دم؛ لتركه الرمي، وحجه ﷺ ؛ لقول ابن عباس: " من نسي أو ترك شيئاً من نسكه فليهريق (١) لذلك دما " (٢) . (و) يحصل التحلل (الثاني: بما بقي) من الثلاث (٣) (مع سعي) من متمتع، أو مع سعي من مفرد وقارن إن لم يكونا سعياً مع طواف القدوم. (ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي). نص على ذلك أحمد؛ لما روى ابن عباس " أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر. يعني: بمنى " (٤) . أخرجه البخاري. وعن رافع بن عمرو المزنى قال: " رأيتُ رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حتى ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد " (٥) . وقال أبو امامة: " سمعت خطبة النبي ﷺ بمنى يوم النحر " (٦) . وقال عبد الرحمن بن معاذ: " خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى. ففُتِحَت أسماعنا حتى كنا نسمع ونحن في منازلنا. فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار " (٧) . رواه أبو داود غير حديث ابن عباس.

стр. 1725

ولأنه يوم تكثر فيه أفعال الحج ويحتاج إلى تعليم الناس أحكام ذلك. فاحتيج إلى الخطبة من أجله؛ كيوم عرفة. وأما يوم الحج الأكبر فهو يوم النحر. فإن النبي ﷺ قال في خطبة (١) يوم النحر: " هذا يوم الحج الأكبر " (٢) . رواه البخاري. وسمي بذلك؛ لكثرة أفعال الحج فيه: [من الوقوف بالمشعر الحرام، والدفع منه إلى منى، والرمي، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة، والرجوع إلى منى ليبيت بها. وليس في غيره مثله، وهو مع ذلك يوم عيد، ويوم يحل فيه [ (٣) من أفعال. الحج. (ثم يفيض إلى مكة فيطوف مُفرد وقارن لم يدخلاها) أى: لم يدخلا مكة (قبل) أى: قبل أن يقفا بعرفة طوافاً (للقدوم) في المنصوص (برمل)، ثم يطوف للزيارة. (و) يطوف (متمتع) للقدوم (بلا رمل، ثم) يطوف (للزيارة). نص على ذلك. واحتج بما روت عائشة قالت: " فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم حلقوا ثم طافوا (٤) طوافاً آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمره فإنما طافوا طوافاً واحداً " (٥) فحمل أحمد قول عائشة جملى أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم. ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع. فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له " كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس (٦) بصلاة الفرض.

стр. 1726

واختار ذلك الخرقي وأكثر الأصحاب وخالفهم الموفق وقال: لا اعلم أحداً وافق أبا عبدالله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقى، بل المشروع طواف واحد للزيارة؛ كمن فى خل المسجد وأقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها من تحية المسجد. ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه اللذين تمتعوا معه في حجة الوداع. ولا أمر به النبي ﷺ أحداً. وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت: " طافوا طوافاً واحداً بعد أن رجعوا من منى لحجهم " (١) . وهذا هو طواف الزياره،] ولم تذكر طوافاً آخر. ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة [ (٢) الذي هو ركن الحج لا يتم إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه. وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافاً واحداً فمن أين يستدل على طوافين؟ (وهي) أى: الزيارة التي (٣) يضاف الطواف إليها هي: (الإفاضة) يعني: أن هذا الطواف يسمى طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى. ويسمى أيضاً طواف الإفاضة، لكونه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة. (ويعيّنه) أى: يعين كونه طواف الزيارة (بالنية)؛ لحديث: " إنما الأعمال بالنيات " (٤) . و"لأن النبي ﷺ سمى الطواف صلاة" (٥) والصلاة لا تصح إلا بنيتها اتفاقا.

стр. 1727

(وهو) أى: طواف الزيارة: (ركن لا يتم حج إلا به) إجماعاً. قاله ابن عبدالبر؛ لقوله : (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] الحج: ٢٩]. وعن عائشة قالت: " حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية. فاًراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله. فقلت: يا رسول لِلَّهِ ﷺ إنها حائض قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! إنها قد (١) أفاضت يوم النحر قال: اخرجوا " (٢) . متفق عليه. فعلم من هذا أنها لو لم تكن أفاضت يوم النحر كانت حابستهم. فيكون الطواف المذكور حابساً لمن لم ياًت به. (ووقته) أى: وأول وقته: (من نصف ليلة النحر، لمن وقف) قبل ذلك بعرفات. (وإلا) أى: وإن لم يكن وقف قبل ذلك (فبعد الوقوف. و) فعله (يوم النحر أفضل)؛ لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ يوم النحر: " فاًفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر " (٣) . وقال ابن عمر: " أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر " (٤) . متفق عليهما. ويستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه ويصلي فيه ركعتين ويدعو الله . قال ابن عمر: " دخل النبى ﷺ وبلال وأسامه بن زيد البيب. فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين

стр. 1728

تلقاء وجهه. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى " (١) متفق عليه. (وإن أخَّره) أى: أخَّر طو اف الزيارة (عن أيام منى جاز)، لأن آخر وقته غير محدود، (ولا شيء فيه) أى: في تأخير الطواف، (كالسعي) أى: كما أنه لا شيء. في تأخير السعي. (ثم يسعى متمتع) بين الصفا والمروة، لأن السعي الذي سعاه المتمتع إنما كان للعمرة. فيجب عليه أن يسعى للحج. (و) كذا يجب أن يسعى (من لم يسع مع طواف القدوم) من مفرد وقارن، لأن السعي لا يكون إلا بعد طواف.] فإن لم يكن سعى بعد طواف القدوم وجب عليه أن يسعى بعد طواف الزيارة. وإن كان قد سعى بعد طواف [ (٢) القدوم لم يسع. فإنه لا يستحب التطوع بالسعي، كسائر الأنساك. قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم فيه خلافاً. فأما الطواف فيستحب التطوع به، لأنه صلاة. فإذا فعل ذلك فقد حصل له (٣) التحلل الثانى، وحل له كل شيء. فلو طاف ولم يكن سعى لم يحل حتى يسعى في الأصح. (ثم يشرب من ماء زمزم لما أحبَّ، ويتضلع) منه، (ويرشّ على بدنه وثوبه) " لما روى جابر في صفة حج النبي ﷺ قال: " ماء زمزم لما شرب له " (٤) وعن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر قال: " كنت عند ابن عباس جالساً فجاءه رجل فقال: من أين جئت؛ قال: من زمزم. قال: فشربت منها كما

стр. 1729

ينبغي؛ قال: فكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثاً من زمزم، وتضلَّع منها. فإذا فرغت فأحمد الله. فإن رسول الله ﷺ قال: آية (١) ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلَّعُون من زمزم " (٢) . رواهما ابن ماجه. (ويقول: بسم الله. اللهم! اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك). زاد بعضهم: وحكمتك، لأن هذا الدعاء لائق بهذا الفعل وهو شامل لخيري الدنيا والآخرة، ويرجى له حصوله. وقد ورد عن ابن عباس أنه كان إذا شرب منه يقول: " اللهم! إنى أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء " (٣) . قال الحاكم: صحيح الإسناد إن سلم من الجارود.

стр. 1730

] فصل: في الرجوع إلى منى [ (فصل. ثم يرجع) من أفاض إلى مكة فطاف طواف الزيارة وسعى السعي الواجب عليه إلى منى، (فيصلي ظهر يوم النحر بمنىّ) قضاء. نقله أبو طالب، وذلك لما روى ابن عمر: " أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" (١) . متفق عليه. (ويبيتُ بها) أى: بمنى (ثلاث ليال) إن لم يتعجل، وليلتين إن تعجل في يومين. (ويرمي الجمرات بها) أى: بمنى (أيام التشريق، كل جمرة بسبع حصيات) على الأصح. (ولا يجزئ رمي غير سُقاة ورُعاة إلا نهاراً بعد الزوال). وسيأتي حكم السقاة والرعاة إن شاء الله تعالى. فيعيد الرمي من رمى ليلا] أو رمى [ (٢) قبل الزوال، لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال؛ لقول جابر: " رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس " (٣) . وقد قال النبي ﷺ : " خذوا عني مناسككم " (٤) . وقال ابن عمر: " كنا نتحيّن إذا زالت الشمس رمينا " (٥) وأى وقت رمى بعد الزوال أجزاه، إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال.

стр. 1731

(وسن) كون الرمي (قبل الصلاة) أى: صلاة الظهر؛ لقول ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر " (١) . رواه ابن ماجه. فإذا زالت الشمس من أول أيام التشريق فإنه (يُبْدأ بـ) الجمرة (الأولى) وهي: (أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخَيْف. فيجعلها عن يساره)، ويكون مستقبل القبلة، ويرميها بسبيع حصيات، واحدة بعد واحدة. (ثم يتقدم) عنها (قليلاً) إلى مكان لا يصيبه الحصى، (فيقف يدعو ويطيل) رافعا يديه. نقل حنبل: يستحب رفع يديه عند الجمار. (ثم) يمشي حتى ياًتي الجمرة (الوسطى. فيجعلها عن يمينه)، ويكون مستقبل القبلة، ويرميها بسبيع حصيات، واحدة بعد واحدة. (ويقف عندها فيدعو. ثم) يمشي حتى يأتي (جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي)، ويرميها بسبيع حصيات، واحدة بعد واحدة. (ولا يقف عندها ويستقبل القبلة في الكل) أى: كل الجمار عند رميها. والأصل في ذلك ما روت عائشة قالت: " أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها " (٢) . رواه أبو داود. وعن ابن عمر: " أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم ويبتهل ويقوم قياماً طويلاً، ويرفع يديه. ثم يرمي الوسطى ويأخذ بذات الشمال ويبتهل، ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، ثم

стр. 1732

يرفع يديه ويقوم طويلاً. ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيتُ رسول الله عيلاً يفعله " (١) . رواه البخاري. وروى أبو داود: " أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفة، ويزيد: وأصلح أو أتم لنا مناسكنا ". وقال ابن المنذر: " كان ابن عمر (٢) وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم! اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً " (٣) . (وترتيبها) أى: ترتيب الجمرات وهو كونه يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف، ثم يرمي بعدها الجمرة الوسطى، ثم يرمي بعدها جمرة العقبة: (شرط) لصحة الرمي. فلو عكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى، أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث لم يجزئه إلا رمي الأولى وأعاد الوسطى والقصوى. نص عليه أحمد؛ " لأن النبي رتبها في الرمي " (٤) ، وقال: " خذوا عني مناسككم " (٥) . ولأنه نسك متكرر. فاشترط الترتيب فيه، كالسعي. (كالعدد) يعني: كما أن العدد شرط؛ في صحة الرمي. والأصح من الروايات: أن عدد كل جمرة سبع حصيات، لأن النبي ﷺ

стр. 1733

رمى كل جمرة بسبع حصيات. وتقدمت الأحاديث بذلك (١) . (فإن أخلّ) الرمي (بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية) أى: التالية (٢) التي أخل فيها بالحصاة، حتى يكمل الجمرة التي أخل فيها بحصاة أو اكثر؛ لإخلاله بالترتيب. (فإن جهل) الرامي (من أيّها) أى: أىّ الجمار (تُركت) الحصاة: (بنى) الرامي (على اليقين)، ليتقين براءة ذمته. (وإن أخَّر رمي يوم ولو) كان اليوم المؤخر رميه (يوم النحر إلى غده أو أكثر، أو) أخَّر رمي (الكل إلى آخر أيام التشريق: أجزأ) الر مي (أداء)، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي. فإذا أخره من أول وقته إلى آخره أجزأه، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته. (ويجب ترتيبه) أى: ترتيب الرمي (بالنية)، كالمجموعتين والفوائت من الصلو ات. (وفي تأخيره) أى: تأخير الرمي (عنها) أى. عن أيام التشريق كلها (دم)، لأنه ترك نسكاً واجباً. فيجب عليه بتركه دم؛ لقول ابن عباس: " من ترك نسكاً أو نسيه فإنه يهريق دما " (٣) . ولأن آخر أيام التشريق آخر وقت الرمي. فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي. (كتوك مبيب ليلة بمنى) يعني: انه يجب بترك المبيت بمنى ليلة من لياليها دم على الأصح، كترك مبيت ليالي منى كلها، لأن المبيت بمنى لياليها من واجبات الحج. (وفي ترك حصاة) واحدة (ما في) حلق (شعرة) واحدة، (وفي) ترك

стр. 1734

(حصاتين ما في) حلق (شعرتين)، وفي أكثر من ذلك دم. ومن كان مريضاً أو محبوساً أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه. قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: إذا رمى عنه الجمار يشهد هو ذاك أم يكون في رحله؟ قال: يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين يُرمى عنه (١) . قلت: فإن ضعف عن ذلك أيكون في رحله ويبعب من يرمي عنه؟ قال: نعم. وقال (٢) القاضي: المستحب أن يضع الحصى (٣) في يد النائب؛ ليكون له عمل في الرمي. وإن أغمي على المستنيب، لم تنقطع (٤) النيابة، وللنائب الرمي عنه؛ كما لو استنابه في الحج ثم أغمي عليه. (ولا مبيت) بمنى (على سُقاة ورعاة)؛ لما روى ابن عمر: " أن العباس استأذن النبى ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته. فاًذن له " (٥) . متفق عليه. ولما روى مالك بإسناده عن أبي البداج بن عاصم عن أبيه قال: " رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما " (٦) .

стр. 1735

قال مالك: " ظننت أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر " (١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. (فإن غربت) الشمس (وهم) أى: السقاة والرعاة (٢) (بها) أى: بمنى (لزم الرعاة فقط المبيت) بمنى دون أهل السقاية؛ لأن الرعاة (٣) إنما رعيهم بالنهار فإذا غربت الشمس انقضى وقت الرعي (٤) . وأما أهل السقاية فيسقون بالليل. وصار الرعاء كالمريض الذي يسقط عنه حضور الجمعة لمرضه. فإذا حضرها تعينت عليه. قال في " شرح المقنع ": وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم؛ كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي ﷺ رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم. فوجب إلحاقهم بهم؛ لوجود المعنى فيهم. انتهى-. (ويخطب الإمام) في (ثانى أيام التشريق خطبة، يُعلمهم) فيها (حكم التعجيل والتأخير، و) حكم (توديعهم)؛ لما روي عن رجلين من بني بكر قالا: " رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أواسط أيام التشريق ونحن عند راحلته " (٥) رواه أبو دا ود. ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم كيف يتعجلون وكيف يودعون. (ولغير الإمام المقيم للمناسك التعجل فيه) أى: في اليوم الثانى من أيام التشريق بعد الزوال وقبل غروب الشمس؛ لقول الله : (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)] البقرة: ٢٠٣]. قال عطاء: هي للناس عامة يعني: أهل مكة وغيرهم.

стр. 1736

وروى أبو داود وابن ماجه عن يحيى بن يعمر أن رسول الله ﷺ قال: " أيام منى ثلاثة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه " (١) . قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه سفيان. ولأنه دفعٌ من مكان. فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم؛ كالدفع من مزدلفة وعر فة. (فإن غربت) الشمس (وهو) أى: الذي يريد التعجل (بها) أى: بمنى (لزمه المبيت والرمي من الغد)، لأن من أدركه الليل وهو بمنى لم يتعجل في يومين. قال ابن المنذر: وثبت عن عمر أنه قال: " من أدركه المساء في اليوم الثانى فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس ". (ويسقط رميُ اليوم الثالث عن متعجل). قاله الإمام أحمد. (ويدفن حصاه) أى: حصى اليوم الثالث. قال في " الفروع ": في الأشهر، زاد بعضهم: في الرمي. وفي " منسك ابن الزاغونى ": أو يرمي بهن كفعله في اللواتي قبلهن. انتهى. (ولا يضر رجوعه) إلى منى بعد ذلك " لحصول الرخصة. قال بعض الأصحاب: ويستحب لمن نفر أن يأتي المحصب وهو الأبطح، وحده: ما بين الجبلين إلى المقبرة. فيصلي به الظهر والعصم والمغرب والعشاء، ثم يهجع يسيراً، ثم يدخل مكة. و" كان ابن عمر يرى التحصيب سنة " (٢) .

стр. 1737

قال ابن المنذر: " كان ابن عمر يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء ". وكان كثير الاتباع لسنة رسول الله ﷺ . وكان طاووس يحصب في شعب الجوز. وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة. قال ابن عباس: " التحصيب ليس بشيء، إنما هو منزلٌ نَزَلهُ رسول الله ﷺ " (١) . وعن عائشة " إن نزول الأبطح ليس بسنة. إنما نزله رسول الله ﷺ ، ليكون أسمح بخروجه إذا خرج " (٢) . متفق عليهما. ومن استحب ذلك، فلإتباع رسول الله فإنه كان ينزله (٣) . قال نافع: " كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعه، ويذكر ذلك عن رسول الله ﷺ " (٤) . متفق عليه. وقال ابن عمر: " كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح " (٥) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (فإذا أتى مكة) من دفع من منى من متعجل وغيره وأراد الخروج إلى بلده أو غيرها. قال في " الفروع ": قال القاضي والأصحاب: إنما يستحق عليه عند العزم

стр. 1738

على الخروج، واحتج به شيخنا على انه ليس من الحج. (لم يخرج) أى: لم يجز له أن يخرج من مكة (حتى يودِّع البيت بالطواف، إذا فرغ من جميع أموره) إن لم يقم بمكة أو حرمها. وطواف الوداع واجب على المذهب يجب بتركه دم (١) . وقال بعض العلماء: لا يجب بتركه شيء؛ لأنه يسقط عن الحائض. فلم يكن واجباً؛ كطواف القدوم. والأول المذهب؛ لما روى ابن عباس قال: " أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأه الحائض " (٢) . متفق عليه. ولمسلم قال: " كان الناسُ ينصرفون كل وجه. فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (٣) . وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره؛ كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها. بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها، إذ لو كان ساقطاً عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك معنى. ويسمى طواف الوداع؛ لأنه (٤) لتوديع البيت. ويسمى طواف الصدر؛ لأنه عند صدور الناس من مكة. وإنما كان وقته بعد فراغ الحاج من جمع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت؛ كما جرب العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه، ولذلك قال النبي ﷺ : " حتى يكون آخر عهده بالبيت " (٥) .

стр. 1739

(وسن بعده) أى: بعد طو اف الوداع (تقبيل الحجر) الأسود (وركعتان). إذا تقررهذا: (فإن ودَّع ثم اشتغل بـ) شيء (غير شد رحل). نص عليه، (ونحوه) أى: نحو شد الرحل، كما لو قضى حاجة في طريقه، أو اشترى [داراً، أو] (١) شيئا لنفسه، (او أقام) بعد ذلك: (أعاده) أى: أعاد الوداع وجوباً " لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت. ومن أخر طواف الزيارة ونصه أو القدوم فطافه عند الخروج: أجزأه عن طواف الوداع " لأن المأمور به أن يكون اخر عهده بالبيت وقد فعل. ولأن ما شرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه " كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد، وكإجزاء المكتوبة أيضاً عن ركعتي الطواف والركعتين للإحرام. فاًما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة، لقوله ﷺ " وإنما لكل امرئ ما نوى " (٢) (فإن خرج قبل الوداع رجع) إلى الوداع من غير إحرام إن لم يكن بعد عن مكه " لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به. أشبه من رجع لطواف الزيارة. (ويحرم بعمرة إن بعد) عن مكة. فيلزمه طواف وسعي لإحرامه بالعمرة (٣) وطواف لوداعه. (فإن شق) الرجوع على من بعد عن مكة دون مسافة قصر، (أو بعد) عنها (مسافة قصر) فأكثر (فعليه دم) ولا يلزمه الرجوع. ولا فرق في ذلك بين من ترك الوداع عمداً أو خطاً لعذر أو غيره " لأنه من واجبات الحج. فاستوى عمده وخطؤه. والمعذور وغيره " كسائر واجبات الحج.

стр. 1740

ولا يسقط الدم عمن رجع إلى الوادع بعد أن بلغ مسافة القصر عن مكة؛ لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافه القصر. فلم يسقط برجوعه؛ كمن تجاوز الميقات غيرمحرم فأحرم دونه ثم رجع إلى الميقات. وإن رجع القريب فطاف للوداع فلا دم عليه. سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا " لأن الدم لم يستقر عليه؛ لكونه في حكم الحاضر. (ولا وداع على حائض ونفساء، إلا أن تطهر) الحائض أو تطهر النفساء (قبل مفارقة البنيان) أى: بنيان مكة. فيجب (١) عليها ان تطوف للوداع. أما كون الوداع لا يجب على الحائض؛ فلحديث صفية حين " قالوا: يا رسول الله! إنها حائض. فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! ابها قد أفاضت يوم النحر. قال: فلتنفر إذا " (٢) . ولم يأمرها بفدية ولا غيرها. ولحديث ابن عباس: " إلا أنه خفف عن المرأة الحائض " (٣) . وأما كونه لا يجب على النفساء، فلأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يجب ويسقط. وأما كون الوداع يجب على الحائض والنفساء إذا طهرتا قبل مفارقة البنيان فتغتسل وتطوف للوداع؛ لأن من لم يفارق البنيان في حكم المقيم. بدليل أنه لا يستبيح الرخص. فإن لم يمكنها ذلك لعذر؛ كخوف فوت رفقة، أو مضت لغير عذر. فعليها دم في الصورتين. (ثم) يسن لمن فرغ من الوداع أنه (يقف في الملتَزَم)، وذرعه أربعة أذرع. وهو: (بين الركن) الذي به الحجر الأسود (والباب) أى: باب

стр. 1741

الكعبه. حال كونه (ملصقاً به) أى: بالملتزم (جميعه) أى: جميع بدنه، بأن يلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: " طفت مع عبدالله فلما جاء دبر الكعبة قلب: ألا تتعوذ؟ [قال: نعوذ] (١) بالله من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب. فوضع صدره وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطاً. وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل " (٢) رواه أبو داود. (ويقول) وهو في هذه الحالة: (اللهم! هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخَّرت لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسُكي. فإن كنت رضيتَ عني فازدَدْ عني رضى، وإلا فمُنَّ الآن) الوجه فيه ضم الميم وتشديد النون على أنه صيغة أمر من مَنَّ يمن مقصود بها (٣) الدعاء، ويجوز كسر الميم وفتح النون على أنها حرف جر " الابتداء الغاية. والآن هو الوقف وجمعه آونة " كزمان وأزمنة. (قبل أن تنأى) أى: تبعد (عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي) أى: زمنه، (إن اذنت لي غير مستبدِلٍ بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك. اللهم! فأصحِبني) بقطع الهمزة (العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة) وهي: منع الله عبده (٤) من المعاصي (في ديني، وأحسن) بقطع الهمزة (منقلبي، وارزقتي طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة. إنك على كل شيء قدير. ويدعو) بعد ذلك (بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ . و) ذكر أحمد: أنه (٥) (يأتي الحطيم أيضاً. وهو: تحت الميزاب) فيدعو.

стр. 1742

وذكر الشيخ تقي الدين: (ثم يشرب من ماء زمزم، ويستلم الحجر) الأسود، (ويقبّله) ثم يخرج. قال أحمد: فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت. فإذا التفت رجع فودع (١) . يعني: استحباباً. قال في " شرح المقنع ": إذ لا نعلم لإيجاب ذلك عليه دليلاً. وقد قال مجاهد: إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة ثم قل: اللهم لِلَّهِ لا تجعله آخر العهد. انتهى. وروى حنبل عن المهاجر قال: " قلت لجابر بن عبدالله؛ الرجل يطوف بالبيت ويصلي (٢) . فإذا انصرف خرج ثم استقبل القبلة فقام. فقال جابر: ما كنت أحسب يصنع هذا إلا اليهود والنصارى ". قال ابو عبدالله: أكره ذلك. (وتدعو حائض ونفساء من باب المسجد) أى: يسن لها ذلك. (وسُن دخوله) أى: أن يدخل من حج (البيت) أى: الكعبة (بلا خُف، و) بلا (نعل، و) بلا (سلاح). نص على ذلك. فيكبر في نواحيه، ويصلى فيه ركعتين، ويدعو الله . قال ابن عمر: " دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد. فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول الله؟ قال: نعم. قلت. أين؛ قال: بين العمودين تلقاء. وجهه. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى " (٣) . وقال ابن عباس (٤) : أخبرنى أسامة: " أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا فى نواحيه كلها، ولم يصل فيه حتى خرج " (٥) . متفق عليهما.

стр. 1743

فقدم أهل العلم رواية بلال على رواية أسامة؛ لأنه مثبت وأسامة نافٍ. ولأن أسامة كان حديث السن. فيجوز أن يكون اشتغل بالنظر إلى ما في الكعبة عن صلاة النبي ﷺ . وإن لم يدخل البيت فلا باًس. فإن إسماعيل بن خالد قال: قلت لعبدالله بن أبي أوفى: " أدخل النبي ﷺ البيت في عمرته؛ قال: لا " (١) . متفق عليه. وعن عائشة: " أن النبي ﷺ خرج من عندها وهو مسرور ثم رجع وهو كئيب. فقال: إنى دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها. إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي " (٢) . (و) يستحب له أيضاً (زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما)؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله و: " من حج فزار قبري بعد وفاتي. فكأنما زارني في حياتي " (٣) . وفي رواية: " من زار قبري وجبت له شفاعتي " (٤) . رواه باللفظ الأول سعيد. وقال أحمد في رواية عبدالله بن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ما من أحد يُسَلِّم عليَّ عند قبريَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇ " (٥) . قال أحمد: وإذا حج الذي لم يحج قط يعني: من غير طريق الشام لا يأخذ

стр. 1744

على طريق المدينة، لأني أخاف أن يحدث به حدث. فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق (١) ولا يتشاغل بغيره. ويروى عن العتبي قال: "كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك (٢) يا رسول الله. سمعت الله يقول (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: ٦٤] وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي. ثم أنشأ (٣) يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي. فحملتني عينيّ. فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: ياعُتبي! ألحق الأعرابي فبشره أن الله تعالى قد غفر له " (٤) . ثم إذا أتى الزائر إلى (٥) قبر النبي ﷺ (فيسلم عليه مستقبلاً له) بأن يولي ظهره القبلة، ويستقبل وسط القبر، ويقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله، وخيرته من خلقه وعباده، اشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أشهد أنك قد بلَّغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين. فصلى الله عليك كثيراً كما يحب ربنا ويرضى. اللهم! أجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحداً من النبيين والمرسلين، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، يغبطه به الأولون والأخرون. اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

стр. 1745

اللهم! إنك قلت وقولك الحق: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: ٦٤] وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فاً سألك يا ربّ أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته. اللهم! اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم يدعو لوالديه ولإخوانه وللمسلمين أجمعين. ثم يتقدم قليلاً ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبيَّ رسول الله ﷺ وضجيعيه ووزيريه. اللهم! اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيراً. (سنم علتوا صحبزتم فنغم عفبى الدار). اللهم! لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك محمد ﷺ ، ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين. (ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ويدعو) بما أحب. (ويحرُم الطواف بها) أى: بالحجرة. قال الشيخ تقي الدين: يحرم طوافه بغير البيب العتيق اتفاقاً. (ويكره التمسُّح) بالحجرة. قال الشيخ تقي الدين: واتفقوا أنه لا يقبله (١) ولا يتمسح به. فإنه من الشرك. وقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر. (و) يكره (رفع الصوت عندها) أى: عند الحجرة؛ لقول بعض العلماء: ولا ترفع الأصوات عند حجرته ﷺ ، كما لا يرفع فوق صوته؛ لأنه في التوقير والحرمة كحياته. قال في " الفروع ": رأيته في مسائل لبعض أصحابنا.

стр. 1746

وفي " الفنون ": قدم الشيخ أبو عمران المدينة. فرأى ابن الجوهري الواعظ المصري يعظ. فعلاً صوته. فصاح عليه الشيخ أبو عمران: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، والنبي ﷺ في الحرمة والتوقير بعد موته كحال حياته. فكما لا ترفع الأصوات بحضرته حياً، ولا من وراء حجرته. فكذا بعد موته. انزل. فنزل أين الجوهري، وفزع الناس لكلام الشيخ أبي عمران. (وإذا توجَّه) أى: قصد المسافر الوجه الذي جاء منه باًن بلغ غاية قصده وأدار وجهه إلى بلده (هلَّل) أى: قال لا إله إلا الله، (ثم قال: آيبون) أى: راجعون (تائبون، عابدون لربنا حامدون. صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحز اب وحده). قال في " المستوعب ": وكانوا يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب.

стр. 1747

(فصل): في العمرة (من أراد العمرة وهو بالحرم خرج فأحرم من الحل) وكان ميقاتاً له. (والأفضل): أن يحرم (من التنعيم)؛ " لأن النبي ﷺ أمر عبدالرحمن ابن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم " (١) . وقال ابن سيرين: بلغني " أن النبي ﷺ وقّت لأهل مكة التنعيم ". ] وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم. ومن أى الحل أحرم جاز. وإنما أعمر النبي ﷺ عائشة من التنعيم [ (٢) ؛ لأنه أقرب الحل إلى (٣) مكة. وقد روي عن أحمد-: في المكي: كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر. (قال جعرانة) يعني: أن الأفضل في العمرة بعد الإحرام من التنعيم الإحرام من الجِعْرانه بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء، وقد تكسر العين وتشدد الراء. وقال الشافعي: والتشديد خطأ. وهي موضع بين مكة والطائف خارج من حدود الحرم يعتمر منه. سمي (٤) بَريْطة بنت سعد، وكانت تلقب بالجعرانة. قال في " القاموس ": وهي المراد في قوله تعالى: (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)] النحل: ٩٢].

стр. 1748

(فالحديبية) يعني: أن الأفضل في العمرة بعد الإحرام من الجعرانة الإحرام من الحديبة على وزن] دويهية. وقد تشدد. بئر قرب مكة، أو شجرة حدباء كانت هنالك على الأ صح. (فما بعد) يعني [ (١) : أنه يلي ما تقدم في الأفضليه ما بعد عن مكة. (وحرُم) الإحرام با لعمرة (من) د اخل (الحرم، وينعقد) إحرامه، (وعليه دم) لذلك. أشبه من أحرم دون الميقات بالحج. (ثم يطوف ويسعى) لعمرته. (ولا يحل) منها (حتى يحلق أو يقصر) على الأ صح. (ولا بأس بها) أى: بالعمرة (في السنة مراراً). روي ذلك عن علي] وابن عمر [ (٢) وابن عباس وأنس وعائشة؛ " لأن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها " (٣) . ولأن النبي ﷺ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " (٤) . متفق عليه. وقال علي: " في كل شهر مرة " (٥) و"كان أنس إذا جِّمم رأسه خرج واعتمر" (٦) . رواهما الشافعي في " مسنده ". (و) العمرة (في غير أشهر الحج أفضل) منها في أشهر الحج. ذكره القاضي في " الخلاف "، ونقله الأثرم وابن إبراهيم عن أحمد، وقدمه في " الفروع ". وهذا الصحيح.

стр. 1749

وظاهر كلام جماعه التسوية. واختار في " الهداية " (١) : أن العمرة في أشهر الحج أفضل. (وكُره إكثارٌ منها) أى: من العمرة على الأصح والموالاة بينها. قال في " الفروع ": باتفاق السلف، اختاره الشيخ وغيره. قال أحمد: إن شاء كل شهر. وقال: لا بد، يحلق أو يقصر (٢) ، وفي عشرة أيام يمكن، واستحبه جماعة. ومن كره الحلق أطلق. انتهى. (وهو) أى: الإكثار (برمضان أفضل)؛ لما روى ابن- عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " عمرة في رمضان تعدل حجة " (٣) . متفق عليه. قال أحمد: من أدرك يوما من رمضان فقد ادرك عمرة رمضان. قال إسحاق: معنى هذا الحديث مثل ما روي عن النبي ﷺ : " من قرأ (قل هو ابله أحد) فقد قرأ ثلث القران " (٤) . وقال أنس: " حج النبي ﷺ حجة واحدة واعتمر أربع عمر: واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسَّم غنائم حنين " (٥) . متفق عليه.

стр. 1750

(ولا يكره إحرام بها) أى: با لعمرة (يوم عرفة، و) يوم (النحر، وأيام التشريق). قال في " الإنصاف ": على الصحيح من " المذهب ". نقل أبو الحارث: يعتمر متى شاء، وذكر بعض الأصحاب رواية: يكره. انتهى. (وتجزئ عمرُة القارن) عن عمرة الإسلام. (و) تجزئ العمرة (من التنعيم عن عمرة الإسلام) على الأصح. وعنه: أن عمرة القارن لا تجزئ؛ " لأن النبي ﷺ أعمر عائشة من التنعيم حين حاضت " (١) . ولو كانت عمرتها في قرانها أجزأتها لما أعمرها بعدها. ووجه المذهب: قول الصبي بن معبد: " إنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فأهللت بهما. فقال عمر: هديت لسنة نبيد " (٢) . وحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة فقال لها النبي ﷺ حين حلّت منهما: " قد (٣) حَللتِ من حجك وعُمرتك " (٤) . وإنما أعمرها من التنعيم؛ قصداً لتطييب خاطرها، وإجابة مسألتها؛ لا لأنها كانت واجبة عليها.

стр. 1751

[فصل: في أركان الحج] (فصل. أركان الحج) أربعة: الأول: (الوقوف بعرفة)، وهذا بالإجماع. وسنده ما روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي قال: " أتيت النبي ﷺ بعرفة. فجاءه نفر من أهل نجد. فقال يا: يا رسول الله! كيف الحج؟ قال: الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع فقد تم حجه " (١) رواه أبو داود. وقال (٢) محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه. (و) الثانى: (طواف الزيارة). قال ابن عبدالبر: هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء " لقول الله : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] الحج: ٢٩]. (فلو تركه) من أتى بفرائض الحج (٣) سوى طواف الزيارة: (رجع) إلى مكة (معتمراً) فاًتى به. قال في " الفروع،": نقله جماعة. وصل يعقوب فيمن طاف بالحِجْر (٤) ورجع بغداد يرجع، لأنه على بقية إحرامه. فإن وطئ أحرم من التنعيم على حديث ابن عباس، وعليه دم. ونقل غيره معناه. انتهى. (و) الثالث من أركان الحج: (الإحرام) به على الأصح، لأن الإحرام عبارة عن نية الدخول في الحج. فلم يتم بدونهما، لقوله ﷺ " إنما الأعمال

стр. 1752

بالنيات " (١) . وكبقية العبادات. (و) الرابع من أركان الحج: (السعي) بين الصفا والمروة على الأصح، لما روي عن عائشة قالت: " طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون- يعني: بين الصفا والمروة-. فكانت سنة .. فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة " (٢) . رواه مسلم .. وعن حبيبة بنت (٣) أبي تجزئة- إحدى نساء بني عبد الدائم- قالت: " دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين (٤) ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، حتى إني اقول: لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " (٥) رواه ابن ماجه. ولأن السعي نسك في الحج والعمرة. فكان ركنا فيهما، كالطواف بالبيت. (وواجباته) أى: واجبات الحج ثمانية: الأول: (الإحرام من الميقات) المعتبر له، إنشاءٌ ودواماً. قال في " التلخيص ": والإنشاء أولى، لأنه ﷺ ذكر المواقيت وقال: " هن لهن، ولمن مرَّ عليهن من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة " (٦) . (و) الثاني من واجبات الحج: (وقوف من وقف نهاراً) بعرفة (إلى الغروب) أى: غروب الشمس من يوم عرفة، لأن من أدرك عرفة نهاراً يجب عليه أن يجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل. ولو غلبه نوم بعرفة. نقله المروذي. (و) الثالث من واجبات الحج: (المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل:

стр. 1753

إن وافاها) أى: وافى مزدلفة (قبله) أى (١) : قبل النصف (٢) على الأصح. وعنه: أنه سنة. (و) الرابع من واجبات الحج: (المبيت بمنى) لياليها، لفعله وأمره ﷺ بذلك .. (و) الخامس من واجبات الحج: (الرمي) أى: رمي الجمرات. (و) السادس] من واجبات الحج [ (٣) : (ترتيبه) أى: ترتيب رمي الجمرات على الأصح. (و) السابع من واجبات الحج: (الحلق أو التقصير) على الأصح. فأى واحد فعل منهما فقد أتى بالواجب. (و) الثامن من واجبات الحج: (طو اف الوداع وهو: الصدر) بفتح الدال المهملة. يعني: ويسمى طواف الصدر على الصحيح. وقدم الزركشي: أن طواف الصدر هو طواف الزيارة. وكان طواف الوداع واجباً، لقوله ﷺ : " لا ينفرن (٤) أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت " (٥) رواه مسلم. وظاهره ولو (٦) لم يكن بمكة. قال الأزهري: يطوف متى أراد الخروج من مكة أو منى. وقال في " المستوعب ": لا يجب على غير الحاج. (وأركان العمره) ثلاثة: الأول: (إحرام) بالعمرة، لما تقدم في الإحرام بالحج.

стр. 1754

(و) الثا نى: (طو اف. و) الثالث: (سعي)؛ لأن كلا منهما نسك في الحج والعمرة. فكان ركناً فيهما. (وواجبها) أى: واجب العمرة شيء واحد وهو: (حلق (١) أو تقصير) فمتى أتى بواحد (٢) منهما فقد أتى بالواجب. إذا تقرر هذا: (فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه). سواء كان النسك حجاً أو عمرة. (ومن ترك ركناً غيره) أى: غير الإحرام، (أو) ترك (نيته) أى: نية ركن غير الإحرام: (لم يتم نسكه إلا به) أى: بالإتيان بالركن بنيته. (ومن ترك واجباً) عمداً أو سهواً أو جهلاً (فعليه) بتركه (دم. فإن عَدِمه) أى: عدم الدم (فكصوم متعة) يعني: أنه يصوم كما يصوم المتمتع إذا عدم الهدي، وكالإطعام عن دم المتعة. وفي " الخلاف " للقاضي وغيره: الحل والتقصير لا ينوب عنه ولا يتحلل إلا به على الأصح. انتهى. (والمسنون) من افعال الحج (كالمبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف القدوم)، ومن أفعال الحج والعمرة؛ (والرمل، والاضطباع، ونحو ذلك)؛ كإستلام الركنين، وتقبيل الحجر، والمشي، والسعى في مواضعهما، والخطبة، والأذكار، والدعاء، والصعود على الصفا والمروة، والاغتسال، والتطيب في بدنه وصلاته قبل الإحرام، وصلاته عقب الطواف، واستقبال القبلة عند رمي الجمرات ونحو ذلك: فإن المسنون كله (لا شيء في تركه). قال في " الفروع ": ومن ترك سنه فهدر. قال في " الفصول " وغيره: ولم يشرع الدم عنها؛ لأن جبران الصلاة

стр. 1755

أدخل. فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره. " ويكره تسمية من لم يحج صرورة، لقوله ﷺ : " لا صَرُورةَ في الإسلام " (١) . ولأنه اسم جاهلي. وأن يقال: حجة الوداع، لأنه اسم على أن لا يعود. قال: وأن يقال شوط، بل طوفة وطوفتان. وقال في " فنونه ": إنه لما حج صلى بين عمودي البيت إلى أربع جهات ". لتكون الموافقة داخلة. وسلم على قبور الأنبياء كآدم وغيره، لما روي أن بمكة ألوفاً من الأنبياء. ولم يرجم قبر أبي لهب، لما علم من كراهة النبي ﷺ ذلك في حق أهله. ونزل عن الظهر منذ (٢) لاحت مكة، احتراما وإعظاما لها. واختفى في الطواف عن الناس وأبعد عنهم. ولم يملأ عينه فيها، ولم يشتغل بذاتها، بل باستحضار الشرف. ولما تعلق بستورها تعلق بالعتيق، لطول ملابسته لها. وأذَّن في الحرم مدى صوته. وأكثر المشي فيه والصلاة؛ ليصادف بقعة فيها أثر الصالحين. ولم يدع بسعة الرزق. بل بالصلاح. وسلم على النبي ﷺ وعلى الأصحاب (٣) ، واعتذر لهم بالعجز (٤) عن النهضة، ونزل في الروضة، وصلى في موضع المحراب الأول (٥) . وتوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، وأشار إلى قبره حينئذ.
следующие страницы →