← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

[فصل: في أركان الحج] (فصل. أركان الحج) أربعة: الأول: (الوقوف بعرفة)، وهذا بالإجماع. وسنده ما روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي قال: " أتيت النبي ﷺ بعرفة. فجاءه نفر من أهل نجد. فقال يا: يا رسول الله! كيف الحج؟ قال: الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع فقد تم حجه " (١) رواه أبو داود. وقال (٢) محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه. (و) الثانى: (طواف الزيارة). قال ابن عبدالبر: هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء " لقول الله : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] الحج: ٢٩]. (فلو تركه) من أتى بفرائض الحج (٣) سوى طواف الزيارة: (رجع) إلى مكة (معتمراً) فاًتى به. قال في " الفروع،": نقله جماعة. وصل يعقوب فيمن طاف بالحِجْر (٤) ورجع بغداد يرجع، لأنه على بقية إحرامه. فإن وطئ أحرم من التنعيم على حديث ابن عباس، وعليه دم. ونقل غيره معناه. انتهى. (و) الثالث من أركان الحج: (الإحرام) به على الأصح، لأن الإحرام عبارة عن نية الدخول في الحج. فلم يتم بدونهما، لقوله ﷺ " إنما الأعمال

стр. 1752

بالنيات " (١) . وكبقية العبادات. (و) الرابع من أركان الحج: (السعي) بين الصفا والمروة على الأصح، لما روي عن عائشة قالت: " طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون- يعني: بين الصفا والمروة-. فكانت سنة .. فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة " (٢) . رواه مسلم .. وعن حبيبة بنت (٣) أبي تجزئة- إحدى نساء بني عبد الدائم- قالت: " دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين (٤) ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، حتى إني اقول: لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " (٥) رواه ابن ماجه. ولأن السعي نسك في الحج والعمرة. فكان ركنا فيهما، كالطواف بالبيت. (وواجباته) أى: واجبات الحج ثمانية: الأول: (الإحرام من الميقات) المعتبر له، إنشاءٌ ودواماً. قال في " التلخيص ": والإنشاء أولى، لأنه ﷺ ذكر المواقيت وقال: " هن لهن، ولمن مرَّ عليهن من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة " (٦) . (و) الثاني من واجبات الحج: (وقوف من وقف نهاراً) بعرفة (إلى الغروب) أى: غروب الشمس من يوم عرفة، لأن من أدرك عرفة نهاراً يجب عليه أن يجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل. ولو غلبه نوم بعرفة. نقله المروذي. (و) الثالث من واجبات الحج: (المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل:

стр. 1753

إن وافاها) أى: وافى مزدلفة (قبله) أى (١) : قبل النصف (٢) على الأصح. وعنه: أنه سنة. (و) الرابع من واجبات الحج: (المبيت بمنى) لياليها، لفعله وأمره ﷺ بذلك .. (و) الخامس من واجبات الحج: (الرمي) أى: رمي الجمرات. (و) السادس] من واجبات الحج [ (٣) : (ترتيبه) أى: ترتيب رمي الجمرات على الأصح. (و) السابع من واجبات الحج: (الحلق أو التقصير) على الأصح. فأى واحد فعل منهما فقد أتى بالواجب. (و) الثامن من واجبات الحج: (طو اف الوداع وهو: الصدر) بفتح الدال المهملة. يعني: ويسمى طواف الصدر على الصحيح. وقدم الزركشي: أن طواف الصدر هو طواف الزيارة. وكان طواف الوداع واجباً، لقوله ﷺ : " لا ينفرن (٤) أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت " (٥) رواه مسلم. وظاهره ولو (٦) لم يكن بمكة. قال الأزهري: يطوف متى أراد الخروج من مكة أو منى. وقال في " المستوعب ": لا يجب على غير الحاج. (وأركان العمره) ثلاثة: الأول: (إحرام) بالعمرة، لما تقدم في الإحرام بالحج.

стр. 1754

(و) الثا نى: (طو اف. و) الثالث: (سعي)؛ لأن كلا منهما نسك في الحج والعمرة. فكان ركناً فيهما. (وواجبها) أى: واجب العمرة شيء واحد وهو: (حلق (١) أو تقصير) فمتى أتى بواحد (٢) منهما فقد أتى بالواجب. إذا تقرر هذا: (فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه). سواء كان النسك حجاً أو عمرة. (ومن ترك ركناً غيره) أى: غير الإحرام، (أو) ترك (نيته) أى: نية ركن غير الإحرام: (لم يتم نسكه إلا به) أى: بالإتيان بالركن بنيته. (ومن ترك واجباً) عمداً أو سهواً أو جهلاً (فعليه) بتركه (دم. فإن عَدِمه) أى: عدم الدم (فكصوم متعة) يعني: أنه يصوم كما يصوم المتمتع إذا عدم الهدي، وكالإطعام عن دم المتعة. وفي " الخلاف " للقاضي وغيره: الحل والتقصير لا ينوب عنه ولا يتحلل إلا به على الأصح. انتهى. (والمسنون) من افعال الحج (كالمبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف القدوم)، ومن أفعال الحج والعمرة؛ (والرمل، والاضطباع، ونحو ذلك)؛ كإستلام الركنين، وتقبيل الحجر، والمشي، والسعى في مواضعهما، والخطبة، والأذكار، والدعاء، والصعود على الصفا والمروة، والاغتسال، والتطيب في بدنه وصلاته قبل الإحرام، وصلاته عقب الطواف، واستقبال القبلة عند رمي الجمرات ونحو ذلك: فإن المسنون كله (لا شيء في تركه). قال في " الفروع ": ومن ترك سنه فهدر. قال في " الفصول " وغيره: ولم يشرع الدم عنها؛ لأن جبران الصلاة

стр. 1755

أدخل. فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره. " ويكره تسمية من لم يحج صرورة، لقوله ﷺ : " لا صَرُورةَ في الإسلام " (١) . ولأنه اسم جاهلي. وأن يقال: حجة الوداع، لأنه اسم على أن لا يعود. قال: وأن يقال شوط، بل طوفة وطوفتان. وقال في " فنونه ": إنه لما حج صلى بين عمودي البيت إلى أربع جهات ". لتكون الموافقة داخلة. وسلم على قبور الأنبياء كآدم وغيره، لما روي أن بمكة ألوفاً من الأنبياء. ولم يرجم قبر أبي لهب، لما علم من كراهة النبي ﷺ ذلك في حق أهله. ونزل عن الظهر منذ (٢) لاحت مكة، احتراما وإعظاما لها. واختفى في الطواف عن الناس وأبعد عنهم. ولم يملأ عينه فيها، ولم يشتغل بذاتها، بل باستحضار الشرف. ولما تعلق بستورها تعلق بالعتيق، لطول ملابسته لها. وأذَّن في الحرم مدى صوته. وأكثر المشي فيه والصلاة؛ ليصادف بقعة فيها أثر الصالحين. ولم يدع بسعة الرزق. بل بالصلاح. وسلم على النبي ﷺ وعلى الأصحاب (٣) ، واعتذر لهم بالعجز (٤) عن النهضة، ونزل في الروضة، وصلى في موضع المحراب الأول (٥) . وتوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، وأشار إلى قبره حينئذ.

стр. 1756

ولم يعظ في الحرم؛ لإغتنام الأوقات. وليس من تمام الحج ضرب الجمالين. خلافاً للأعمش. وحمل ابن حزم قوله على الفسقة منهم. ويتوجه ان يمشي ناوياً بذلك الإحسان إلى الدابة وصاحبها، وأنه في سبيل الله. وقد " كان ابن المبارك يمشي كثيراً. فساًله رجل: لم تمشي؟ فلم يُرد أن يخبره. فقبض على كمه. وقال: لا أدعك حتى تخبرني، قال: فدعني حتى أخبرك. فقال: [أليس يقال في حسن الصحبة؟ قلت: بلى. قال: فإن هذا من حسن الصحبة مع الجمال [ (١) . أليس يقال: من أغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار؟ قلت: بلى. قال: هذا (٢) في سبيل الله ونحن نمشي فيه. أليس يقال: إدخال السرور على المسلم صدقة؟ قلت: بلى. قال: فإن هذا الجّمال كلما مشينا يسره. قلت: بلى. قال السائل: هذا أحب إليّ من ألف درهم ". رواه الحاكم في " تاريخه ". ويعتبر في ولاية (٣) تسيير الحجيج كونه مطاعاً ذا رأى وشجاعة وهداية، وعليه جمعهم وترتيبهم وحراستهم في المسير والنزول والرفق بهم والنصح (٤) . ويلزمهم طاعته في ذلك. ويصلح بين الخصمين، ولا يحكم إلا أن يفوض إليه. فيعتبر كونه من أهله. وقال الاجري: يلزمه علم خطب الحج والعمل بها. قال شيخنا: ومن جرد معهم وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق أبيح له، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد.- وهذا كأخذ بعض

стр. 1757

الإقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا اختلاف، ويلزم المعطي بذل ما أمر به. وشهر السلاح عند قدوم تبوك] بدعة. زاد شيخنا: محرمة. قال: وما يذكره الجهال من حصار تبوك [ (١) كذب. فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة. فإن مغازي النبي ﷺ كانت بضعاً وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وفتح حنين، والطائف أنتهى.

стр. 1758

] باب: الفوات والإحصار [ هذا (باب الفوات و) باب (الإحصار. الفوات): [مصدر فات يفوت فَوْتاً وفَواتاً. وهو: (سبقٌ لا يٌدرك. والإحصار) [ (١) مصدر أحصره إذا حبسه. وهو: (الحبس). وأصل الحصر: المنع، يقال: أحصره فهو محصر. (من طلع عليه فجر يوم النحر، ولم يقف بعرفة لعذر) من (حصر أو غيره) أى: غير حصر لعذر، (أوْ لا) لعذر: (فاته الحج) أى: حج ذلك العام؛ لأن وقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم. النحر؛ لقول جابر: " لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك قال: نعم " (٢) رواه الأثرم. ولقول النبي ﷺ : " الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليله جَمْع فقد تم حجه " (٣) : فإنه يدل على فوات الحج بخروج ليلة جَمْع. (وانقلب إحرامه) بالحج (إن لم يختر البقاء عليه) أى: على إحرامه بالحج، (ليحج من قابل) أى: من العام القابل من غير إحرام متجدد: (عمرة) أى: إلى عمرة على الأصح. قال في " الإنصاف ": وهذه الرواية هي المذهب. نص عليه. انتهى. قال في " الفروع ": اختاره الأكثر، قارناً وغيره؛ لأن عمرة القارن لا تلزمه أفعالها، وإنما يمنع من عمرة على عمره إذا لزمه المضي في كل منهما.

стр. 1759

ويدل لانقلابه إلى العمرة " قول عمر لأبي أيوب لما فاته الحج: اصنع ما يصنع (١) المعتمر. ثم قد حللت. فإن أدركتَ الحج قابلاً فحج، واهد ما استيسر من الهدي " (٢) . رواه الشافعي. وروى البخاري (٣) بإسناده عن عطاء مرفوعاً نحوه. ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات. فمع الفوات أولى. (ولا تجزئ) هذه العمرة المنقلبة (عن عمرة الإسلام) في المنصو ص لوجوبها؛ (كمنذورة). وعنه: لا ينقلب إحرامه ويتحلل بعمرة. اختاره ابن حامد. ذكره القاضي. فيدخل إحرام الحج على الأولة فقط. (ؤعلى من لم يشترط أولاً) أى: عند ابتداء إحرامه بأن لم يقل حين (٤) ذاك: وإن حبسني حابس فمحلي حيثما حبستني: (قضاء) الحج الذي فاته (حتى النفل) أى: وحتى ولو لم تكن الحجة التي فاتته حجة الإسلام على الأصح (٥) . وعنه: لا قضاء عليه. إلا إن كانت الحجة التي فاتته حجة الإسلام؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الحج هل عليه أكثر من مرة واحدة؛ قال: مرة واحدة (٦) ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة. ولأنه معذور في ترك إتمام حجه. فلم يلزمه القضاء؛ كالمحصر. ولأنها عبادة تطوع. فلم يجب قضاوها إذا فاتت؛ كسائر التطوعات. والأول: المذهب.

стр. 1760

ووجهه ما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من فاته عرفات فقد فاته الحج، وليتحلل بعمره، وعليه الحج من قابل " (١) . وعموم هذا شامل للفرض والنفل. ولأن الحج يلزم بالشروع فيه. فيصير كالمنذور. بخلاف سائر التطوعات. وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة، وهذه إنما وجبت بإيجابه لها بالشروع فيها. فهي كالمنذورة. وأما المحصر فإنه غير منسوب إلى التفريط. بخلاف من فاته الحج. على أن في المحصر رواية بوجوب (٢) القضاء عليه. ولو كان "الذي فاته الحج قارناً حلّ وعليه مثل ما أهل به من قابل. نص عليه؛ لأنه يجب القضاء على حسب الأداء في صورته ومعناه. فيجب أن يكون هنا كذلك. (و) على من لم يشترط أيضاً (هدي من الفوات يؤخَّر إلى القضاء) على الأصح؛ لأنه حل من إحرامه قبل إتمامه. فلزمه هدي؛ كالمحصر، والمحصر لم يفت حجه؛ لأنه يحل قبل فواته، وسواء كان ساق هدياً ام لا. نص عليه. (فإن عَدِمه) أى: عدم الهدي (زمن الوجوب صار كمتمتع)؛ لما روى الأثرم بإسناده: " أن هبار بن الأسود حج من الشام. فقدم يوم النحر. فقال له عمر: ما حبسك؟ قال: حسبت أن اليوم يوم عرفة. قال: فانطلق إلى البيت فطف به سبعاً، وإن كانت معك هدي فانحرها، ثم إذا كان قابل فاحجج فإن وجدت سعة فاهد. فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاءالله " (٣) . والهدي ما استيسر مثل هدي المتعة؛ لحديث عمر. وحكم المتمتع والمفرد

стр. 1761

والقارن والمكي وغيره في ذلك سواء. (وإن وقف الكل) أى: كل الناس الثامن أو العاشر من ذي الحجة بعرفات خطأ، (أو) وقف الناس (إلا يسيراً) منهم (الثامن أو العاشر خطأ: أجزاهم). نص عليهما، لما روى الدارقطني بإسناده عن عبدالعزيز بن عبدالله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : " يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه " (١) . وقد روى ابو هريرة ان رسول الله س قال: " فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون " (٢) رواه الد ارقطني وغيره. ولأنه لا يؤمن مثل ذلك فيما إذا قيل بالقضاء. قال في " الفروع ": قال شيخنا: وهل هو يوم عرفة باطناً؛ فيه خلاف في مذهب أحمد. بناء على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء، أو لما يراه الناس ويعلمونه. وفيه خلاف مشهور في مذهب أحمد وغيره. وذكر في موضيع آخر: أن عن أحمد فيه روايتين. قال: والثانى هو الصواب. فيدل عليه (٣) أنهم لو أخطؤوا لغلط في العدد أو في الطريق ونحوه فوقفوا العاشر لم يجزئهم إجماعاً. فلو اغتفر الخطأ للجميع لاغتفر لهم في غير هذه الصورة بتقدير وقوعها. فعلم أنه يوم عرفة باطناً وظاهراً. يوضحه أنه لو كان هنا خطأ وصواب لا يستحب الوقوف مرتين، وهو بدعة لم يفعله السلف. فعلم أنه لا خطأ. ومن اعتبر كون الرائي من مكة دون مسافة قصر أو بمكان لا تختلف فيه المطالع: فقول (٤) لم يقله أحد من السلف في الحج. فلو رآه طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور. ويتوجه وقوف مرتين إن وقف بعضهم. لا سيما من رآه.

стр. 1762

وصرح جماعة إن أخطؤوا لغلط في العدد أو في الروية أو الاجتهاد مع الإغماء أجزأ. وهو ظاهر كلام الإمام وغيره. انتهى. وعلم مما تقدم أنه إن (١) كان المخطى غير الأكثر فقد فاته الحج. وعبارة غالب الأصحاب: وإن اخطأ بعضهم فقد فاته الحج. وقال في " الانتصار ": إن أخطأ عدد يسير. وفي " التعليق ": فيما إذا أخطؤوا القبله، قال: العدد الواحد والاثنان. وقال (٢) في " الكافي " و" المحرر ": إن اخطأ نفر منهم. قال ابن قتيبة: يقال: إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة. (ومن مُنِعَ البيت) أى: منع من الوصول إلى الكعبة بحيب لم يمكنه التوصل إليها بوجه ولو بعيداً (ولو) كان منعه (بعد الوقوف) بعرفة، (أو) كان المنع (في عمرة) أى: في الإحرام بعمرة: (ذبح هديا بنية التحلل وجوباً)؛ لقو له سبحانه وتعا لى: وان أصرتم فا آشتيسر من اقذى مهو [البقرة: ١٩٦]. و" لأن النبي ﷺ أمر أصحابه حين حصروا في الحديثية ان ينحروا ويحلقوا ويحلوا " (٣) . قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية. وأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه. فوجب الهدي في صورة ما لو حصر بعد الوقوف. أشبه ما لو حصر قبله. ولا فرق بين الحصر العام في حق كل الحاج وبين الحصر الخا ص] في حق شخص واحد؛ مثل: أن يحبس بغير حق أو تأخذه النصو ص؛ لعموم النص [ (٤) ووجود المعنى في الكل. فإن من حبس بحق عليه يمكنه الخروج منه. فلا يجوز

стр. 1763

له التحلل، لأنه ليس بمعذور. فإذا كان عاجزاً عن أدائه فحبس بغير حق فله التحلل كما ذكرنا. (فإن لم يجد) هديا] باًن لم يكن معه ولا يقدر عليه [ (١) (صام عشرة أيام بالنية) أى: بنية التحلل، (و) قد (حلّ) بذلك. نقله الجماعة. (ولا إطعام فيه) أى: في الاحصار على الأصح. وقال الاجري: إن عدم الهدي مكان إحصاره قوّمه طعاماً، وصام عن كل مدّ يوماً، وحل، وأوجب أن لا يحل حتى يصوم إن قدر. فإن صعب عليه حل ثم صام. وظاهر ما تقدم: أن الحلق والتقصير لا يجب هنا. ويحصل التحلل بدونه وهو أحد القولين، لعدم ذكره في الآية. ولأنه مباجح ليس بنسك خارج الحرم، لأنه مع توابع الإحرام " كالرمي والطو اف. وقدم في " المحرر " عدم الوجوب، وهو ظاهر كلام الخرقي، وقدمه ابن رزين في " شرحه ". وقيل: فيه روايتان مبنيتان على أنه نسك أو إطلاق من محظور. وجزم بهذه الطريقة في " الكافي "، وقدم الوجوب في " الرعاية "، واختاره القاضي في " التعليق " وغيره، وأطلق الروايتين في " الفر وع ". (ولو نوى) المحصر (التحلُّل قبل أحدهما) أى: قبل ذبح الهدي أو صوم من عجز عن الهدي (لم يحل)، لأن التحلل لا يحصل إلا بذبح الهدي بنية التحلل او بالصوم بنية التحلل. فإن قيل: فلم اعتبرتم النية هنا ولم تعتبروها في غير المحصر؟ قلنا: لأن من أتى بأفعال النسك فقد أتى بما عليه فيحل من النسك بإكمالها. فلم يحتج إلى نية .. بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها.

стр. 1764

فافتقر إلى نية. ولأن الذبح قد يكون لغير التحلل .. فلا يتخصص إلا بقصده. (ولزمه) أى: لزم من تحلل بغير الذبح أو الصوم (دم لتحلله) في (١) الأصح، (و) دم (لكل محظور بعده) أى: بعد تحلله. (ويباج تحلل) من إحرام (لحاجة) في الدفع إلى (قتال، أو) لحاجة إلى (بذل مال) كثير أو يسير لكافر (لا) لحاجة إلى بذل مال (يسير لمسلم) في الأصح. والقتال مع كفر العدو مستحب إن قوي الصبحلمون، وإلا فترك القتال أولى. (ولا قضاء على من) أى: على محصر (تحلل قبل فوت الحج)، ويلزمه فعل الحج في ذلك العام إن أمكنه، وإن لم يمكنه فلا قضاء عليه نصا. نقلها الجماعة. (ومثله) في عدم وجوب القضاء (من جن أو أغمي عليه). قاله في " الانتصار ". (ومن حصر عن طواف الإفاضة فقط) يعني: وقد رمى وحلق: (لم يتحلل حتى يطوف) للإفاضة بفعل الطواف؛ لأن إحرامه إنما هو عن النساء. والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته. فلا يثبت الحكم بماليس مثله. ومتى زال الحصر أتى بالطواف وقد تم حجه. (ومن حصر عن) فعل (و (٣) لم يتحلل) في الأصح، (وعليه دم)؛ لعدم فعله، كما لو تركه اختيارا، (وحجه صحيع)؛ لتمام أركانه. (ومن صد عن عرفة) دون البيت (في حج، تحلل بعمرة مجانا) يعني: ولو لم يكن عليه بذلك شيء؛ لأننا أبحنا له ذلك من غير حصر. فمع الحصر أولى. فإن كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر أو مرض أو فاته الحج، تحلل

стр. 1765

بطواف وسعي اخرين؛ لأن الأولين لم يقصد بها طواف العمرة ولا سعيها (١) . وليس عليه أن يجدد إحراما في الأصح. (ومن أُحصر بمرض، أو) بمقتضى (ذهاب نفقة، أو ضلَّ الطريق: بقي محرماً حتى يقدر على البيت) على الأصح. وعنه: لمن مرض أو ذهبت نفقته التحلل بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة اخرى " (٢) . رواه النسائي. ولأنه محصور فيدخل في عموم قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)] البقره: ١٩٦ [يحققه أن لفظ: الإحصار إنما هو للمرض ونحوه، يقال: أحصره المرض إحصاراً فهو محصر، وحصره العدو فهو محصور. فيعون اللفظ صريحاً في محل النزاع، وحصر العدو مقيس عليه. ولأنه مصدود عن البيت. أشبه من صده العدو. والأول المذهب؛ لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حالة إلى حالة خير منها، ولا التخلص من الأذى الذي به. بخلاف حصر العدو. و" لأن النبي ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير. فقالت: إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال: حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني " (٣) . فلو كان المرض يبيح التحلل ما احتاجت إلى شرط. وحديث: " من كسر أو عرج فقد حل " (٤) : متروك الظاهر. فإن مجرد الكسر والعرج لا يصير به حلالاً. فإن حملوه على أنه يبيح له التحلل حملناه على] ما إذا اشترط الحل. على أن في الحديث كلاماً لإبن عباس يرويه ومذهبه بخلافه. وأما [ (٥) من ضل الطريق؛ فبالقياس على من مرض أو ذهبت نفقته. ذكره في " المستوعب ".

стр. 1766

(فإن) لم يقدر على البيت حتى (فاته الحج تحلل بعمرة) على الأصح. نقله الجماعة. (ولا ينحر هدياً معه إلا بالحرم). نص أحمد على التفرقه بين هذا وبين من حصره عدو فيبعث ما معه من الهدي فيذبح بالحرم. ومثل المريض في الحكم حائض تعذر مقامها وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزياره، أو لعجزها عنه أو لذهاب الرفقة. والصغير والبالغ في صوره يجب فيها القضاء سواء. لكن لا يصح قضاء الصغير إلا بعد بلوغه. نص عليه. والحج الصحيح والفاسد (١) في ذلك سواء. فإن حل ثم زال الحصر وفي الوقت سعة فله أن يقضي في ذلك العام. قال الموفق وشارح " المقنع " وجماعة من الأصحاب: وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسأله. (ومن شرط في ابتداء إحرامه: أن محلِّي حيثُ حبستني. فله التحلل مجانا في الجميع)؛ لأن للشرط تأثيراً في العبادات. بدليل أنه لو قال: إن شفا الله مريضي صمت شهراً متتابعاً أو متفرقاً كان على شرطه. وإنما لم يلزمه هدي ولا قضاء؛ لأنه إذا شرط شرطاً كان إحرامه الذي فعله إلى حين وجود الشرط. فصار بمنزلة من أكمل افعال الحج. ثم ينظر فى صيغة الشرط فإن قال: إن مرضت فلي أن أحل، أو إن حبسني حابس فمِحلِّي حيب حبستني فإذا حبس كان بالخيار بين التحلل وبين البقاء على الإحرام. وإن قال: إن (٢) مرضت فاًنا حلال. فمتى وجد الشرط حل بوجوده؛ لأنه شرط صحيح. فكان على ما شرط. والله أعلم.

стр. 1767

] باب: الهدي والأضاحي [ هذا (باب الهدي والأضاحي) والعقيقة (١) . ثم (الهدي: ما يُهدى للحرم، من نَعَم وغيرها). وقال ابن المنجى: هو ما يذبح بمنى. سمي بذلك؛ لأنه يهدى إلى الله . (والأُضحية) بضم الهمزة وكسرها واحدة الأضاحي. وهي: (ما يذبح من إبل وبقر وغنم أهليَّة، أيام النحر، بسبب العيد، تقرُباً إلى الله تعالى) .. ويقال في الأضحية: ضحية، وجمعها ضحايا. وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها. وسند الإجماع قوله سبحانه وتعا لى (٢) : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)] الكوثر: ٢]. قال جماعة من المفسرين: المراد بذلك: التضحية بعد صلاة العيد. وما روي: " أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما " (٣) . متفق عليه. الأملح: الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر. قاله الكسائي. وقال ابن الأعرابي: هو النقي البياض. ويستحب لمن أتى مكة ان يهدي هديا؛ " لأن النبي ﷺ أهدى في حجته مائة بدنة" (٤) .

стр. 1768

وقد " كان ﷺ يبعث بالهدي إلى مكة ويقيم بالمدينة " (١) . (ولا تجزئ) الأضحية (من غيرهن) أى: من غير الإبل والبقر والغنم الأهلية. (والأفضل) في الأضحية: (إبل فبقر فغنم إن أخرج كاملاً) أى: إن ضحى ببدنة أو بقرة كاملة. فتكون الشاة أفضل من شرك في بدنة أو بقرة؛ لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، والمنفرد يتقرب بإراقته كله. ثم يلي ذلك شرك في بدنة ثم شرك في بقرة؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من اغتسل يوم الجمة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة " (٢) . متفق عليه. ولأن الأضحية ذبح يتقرب به إلى الله . فكانت البدنة فيه أفضل؛ كالهدي. ولأنها أكثر ثمناً ولحماً، وأنفع (٣) للفقراء. و" لأن النبي ﷺ سُئل: أى: الرقاب أفضل؛ فقال: أغلاها ثمناً، وانفسها عند أهلها " (٤) . والإبل أغلى ثمناً وأنْفَس من الغنم والبقر. (و) الأفضل (من كل جنس: أسمن. فأغلا ثمنا)؛ لقوله : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)] الحج: ٣٢]. قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها.

стр. 1769

ولأن ذلك أعظم لأجرها، وأكثر لنفعها. (فأشهب) يعني: أن الأفضل في الألوان الأشهب، (وهو: الأملح وهو الأبيض أو ما بياضه أكثر من سواده)، لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت: قال رسول الله ﷺ : " دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين " (١) . رواه أحمد بمعناه. وقال أبو هريرة: " دم بيضاء (٤) إلىَّ الله من دم سوداوين ". ولأنه لون أضحية النبي ﷺ . (فأصفر فأسود) يعني: أن كل ما كان أحسن لوناً فهو أفضل. (و) أفضل (من ثني معز: جذع ضأن) وهو: ما له ستة أشهر؛ لقول أحمد: لا تعجبني الأضحيه إلا بالضاًن. ولأن الجذع من الضاًن أطيب لحماً من ثني المعز. (و) افضل (من سُبع بدنة أو) سُبع (بقرة: شاة) من المعز. (و) أفضل (من إحداهما) أى: من البدنة أو البقرة: (سبع شياه. و) أفضل (من المغالاة: تعدد في جنس) على الأصح. سأله ابن منصور: بدنتان سمينتان بتسعة وبدنة بعشرة؛ قال: بدنتان أعجب (٢) إلى. (وذكر كأنثى)، لأن الله قال: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ)] الحج: ٣٤ [، وقال: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) [الحج: ٣٦ [، ولم يقل ذكرًا ولا أنثى. وممن أجاز ذكران الإبل في الهدي ابن المسيب وعمر بن عبدالعزيز وعطاء ومالك والشافعي.

стр. 1770

وقد ثبت: " أن النبي ﷺ أهدى جملاً كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة " (١) . رواه أبو داود وابن ماجه. قال أحمد: الخصي أحب إلينا من النعجة؛ لأن لحمه أوفر وأطيب. قال الموفق: والكبش في الأ صحية أفضل النعم؛ لأنها أضحية النبي ﷺ . (ولا يجزئ) في الأضحية (دون جذع ضأن) وهو: (ما له ستة أشهر). ويدل لإجزائه (٢) ما روت أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: " يجزئ الجذع من الضأن أضحية " (٣) . رواه ابن ماجه. والهدي مثله. وإنما يجزئ الجذع من الضأن ولا يجزئ من المعز؛ لأن الجذع من الضاًن ينزو فيلقح. بخلاف الجذع من المعز. قاله إبراهيم الحربي. ويُعرف ذلك بنوم الصوفة (٤) على ظهره. قال الخرقي: سمعت أبي يقول: ساًلت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا أجذع قالوا: لا تزال الصوفه قائمة على ظهره ما دام حملاً. فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه قد أجذع. (و) لا يجزئ دون (ثني معز). وهو: (ما له سنة) كاملة؛ لأنه قبل ذلك لا يلقح. (و) لا يجزئ دون (ثني بقر). وهو: (ما له سنتان). (و) لا يجزئ دون (ثئي إبل). وهو: (ماله خمس سنين) كوامل. قال الأصمعي وأبو زيد الكلابي وأبو زيد الأنصاري: إذا مضت السنة الخاممسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني، ونرى أنه

стр. 1771

إنما سمي ثنياً؛ لأنه ألقى ثنيته. (وتجزئ شاة عن واحد، و) عن (أهل بيته وعياله). نص على ذلك. قال صالح: قلت لأبي: يضحى بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم. لا باًس. قد " ذبح النبي ﷺ كبشين فقال: بسم الله. هذا عن محمد وأهل بيته. وقرَّب الآخر وقال: بسم الله. اللهم! هذا منك ولك عمَّن وحدَّك من أمتي " (١) . ويدل لذلك ما روى أبو أيوب قال: " كان الرجل فى عهد رسول الله يضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته فياًكلون ويطعمون " (٢) . قال في " شرح المقنع ": حديث صحيح. (و) تجزئ (بدنة أو بقرة عن سبعة) في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة. ويدل لذلك ما روى جابر قال: " نحرنا بالحديبية مع النبي عييه البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة " (٣) . وفي لفظ: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما " (٤) . وفي لفظ: " فنذبح البقرة عن سبعة. نشترك فيها " (٥) . رواه مسلم. (ويُعتبر ذبحها) أى: ذبح البدنة أو البقره (٦) (عنهم). نص عليه.

стр. 1772

ومحل ذلك: إذا أرادوا كلهم القربة. وإن أراد بعضهم القربة وبعضهم اللحم جاز. نص عليه، وإلى ذلك أشير بقوله: (وسواء أرادوا) كلهم (قُربة، أو بعضهم) قربة، (وبعضهم لحماً، أو كان بعضهم ذمياً)؛ لأن الجزء المجزئ لا ينقص أجره بإرادة الشريك غير القربة، كما لو اختلفت جهات القُرَب بأن أراد بعضهم المتعة والآخر القران. ولأن القسمة هنا إفراز حق وليست بيعاً. ولأن أمر النبي ﷺ بالإشتراك مع أن سنة الهدي والأضحية الأكل منهما دليل على تجويز القسمة، إذ به يتمكن من الأكل، وكذلك الصدقه والهدية. (ويجزئ فيهما) أى: في الهدي والأضحية (جّماء) في الأصح، وهي: التي (١) لم يخلق لها قرن. (و) يجزئ فيهما أيضاً (بتراء)، وهي: التي لا ذنب لها. سواء كان خلقة أو مقطوعاً. والصمعاء بالصاد والعين المهملتين وهي: الصغيرة الأذن. (وخصي) وهو (٢) : ما قطعت خصيتاه أو سُلَّتا. (ومرضوض الخصيتين)؛ " لأن النبي ﷺ ضحى بكبش موجوئين " (٣) . والرجاء: رض الخصيتين. ولأن الخصاء إذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويسمن. قالط الشعبي: ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه. (و) يجزئ أيضاً في الهدي والأضحية من الإبل والبقر والغنم (ما خُلق بلا أذن، أو ذهب نصف أليته. لا) العوراء التي هي (بينة العور، بأن انخسفت عينها) فإنها لا تجزئ في الهدي ولا الأضحية.

стр. 1773

(ولا قائمة العينين مع ذهاب إبصارهما)؛ لأن العمى يمنع مشيها مع رفقتها ويمنع مشاركتها في العلف. ولأن في (١) النهي عن العوراء تنبيه على العمياء. (ولا عجفاء لا تَنْقى، وهي: الهزيلة التي لا مُخَّ فيها، ولاعَرْجاء لاتُطيق مشيا مع صحيحة. ولا بيِّنة المرض). والأصل في ذلك ما روى البراء بن عازب قال: " قام فينا رسول الله ﷺ فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلفها، والعجفاء التي لا تنقى " (٢) . رواه أبو داود والنسائى. ولأن العين عضو مستطاب. فانخسافها نقص. أما لو كان على عينها بياض ولم تذهب لم يمنع ذلك إجزاءها؛ لأن عورها ليس بين، ولا ينقص ذلك لحمها. (ولا) تجزئ (جِدَاء. وهي: الجدباء، وهي: ما شاب ونَشِف ضَرْعها)؛ لأن هذا أبلغ من الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين. (ولا هَتْماء. وهي: التي ذهبت ثناياها من أصلها). ذكره جماعة. وقال " التلخيص ": هو قياس المذهب. (ولا عَصْماء). وهي (ما انكسر غِلافُ قرنها). قاله في " المستوعب " و" التلخيص ". (ولا) يجزئ (خصي مجبوب). نص على ذلك. وجزم به في " التلخيص "، وقدمه في " الرعاية الكبرى ". قال في " المستوعب " و" الحاويين " و" الرعاية الصغرى " وغيرهم:

стр. 1774

ويجزئ الخصي غير المجبوب. (ولا عضْبَاء) وهي: (ما ذهب أكثرُ أُذنها أو) أكثر (قرنها)؛ لما روي عن علي قال: " نهى النبي ﷺ أن يضحى بأعضب الأذن والقرن. قال قتادة: ذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: العضب النصف أو أكثر من ذلك " (١) . رواه الخمسة وصححه الترمذي. وقال أحمد: العضباء ما ذهب أكثر أذنها أو قرنها. نقله حنبل وغيره؛ لأن الأكثر كالكل. وهذا المذهب. ونقل أبو طالب: أن العضب ذهاب (٢) النصف فأكثر من الأذن أو القرن. (وتُكره مَعيبتَهما) أى: معيبة الأذن أو القرن (بخرق أو شق، أو قطع نصف) منهما (فأقل)؛ لما روى علي قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نَسْتَشْرِفَ العين والأذن، ولا نضحي بمقابَلَة، ولا مُدَابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأذن. قلت:. فما المدابرة؟ قال: تقطع من مؤخر الأذن. قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن. قلت: فما الخرقاء؟ قال: تُخَْرقُ أذنها للسمة " (٣) . رواه أبو دا ود. وقا ل القاضي: الخرقاء: التي (٤) انتقبت (٥) أذنها. والشرقاء: التي تشق أذنها وتبقى كالشتاخين. وهذا نهي تنزيه، ويحصل الإجزاء بها؛ لأن اشتراط السملامة من ذلك يشق إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله.

стр. 1775

(وسُنّ نحر الإبل قائمة، معقولة يدُها اليسرى). وصفه نحرها: (بأن يطعنها) بحربة أو نحوها (في الوَهْدة) وهي المحل الذي (بين أصل العنق والصدر) من الإبل؛ لما روى زياد بن جبير قال: " رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنة لينحرها. فقال: ابعثها قائمة مقيدة. سنة محمد ﷺ " (١) . متفق عليه. وروى أبو داود باسناده عن عبدالرحمن بن سابط: " أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها " (٢) . وفي قول الله : (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)] الحج: ٣٦ [: دليل على أنها تنحر قائمة. وقيل في تفسير قوله : (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)] الحج: ٣٦ [أى: قياماً. لكن إن خشي عليها تنفر أناخها. (و) سُنّ (ذبح لقر وغنم على جنبها الأيسر، مُوجهة إلى القبلة). قال الله سبحانه وتعا لى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)] البقرة: ٦٧]. وروى أنس: " أن النبي ﷺ ضحى بكبشين ذبحهما بيده " (٣) . فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح: جاز وأبيح-؛ لأنه لم يتجاوز محل الذبح. ولأن النبي ﷺ قال: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " (٤) . وقد روي عن أحمد: أنه توقف في أكل البعير إذا ذبح ولم ينحر. والأول المذهب.

стр. 1776

وكره ابن عمر وابن سيرين الأكل من الذبيحة إذا وجهت لغير القبلة. والصحيح خلافه، لأنه لم يقم على وجوب ذلك دليل. (ويسمي حين يحرِّك يده بالفعل) وجوباً. وسيأتي حكم ما إذا نسي التسمية في باب الذكاة. (ويكبر) استحباباً (ويقول: اللهم! هذا منك ولك)، لما روى ابن عمر: " أن النبي ﷺ ذبح يوم العيد كبشين. ثم قال حين وجههما: وجهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. بسم الله والله أكبر. اللهم! هذا منك ولك " (١) . رواه أبو داود. فإن اقتصر على التسمية ترك الأفضل، وأجزأه. (ولا بأس بقوله) أى: أن يقول: (اللهم! تقبل من فلان). نص عليه، لما روي أن النبي ﷺ قال: " اللهم! تقبل من محمد وآل محمد، وأمة محمد. ثم ضحى " (٢) . رواه مسلم. قال في " الفروع ": وذكر بعضهم يقول: اللهم! تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، وقاله شيخنا. وأنه إذا ذبح قال: وجهت وجهي … إلى قوله: وأنا من المسلمين. (ويذبح واجباً) من هدي وأضحية (قبل) ذبح (نفل) منهما. (وسن إسلامُ ذابح)، لأن الأضحية قربة. فينبغي أن لا ياً تيها إلا أهل القربه. فإن استناب ذميا في ذبحها أجزأت مع الكراهية. وهذا المذهب- وعن أحمد: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم. (وتولِّيه) أى: تولي المضحي الذبح (بنفسه أفضل). نص عليه، " لأن

стр. 1777

النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" (١) . "ونَحَرَ البدن التى أمسكها بيده، ونحر من البدن التي ساقها في حجته ثلاثاً وستين بدنة بيده " (٢) . ولأن فعل الذبح قربة، وتولي القربه بنفسه أولى من الاستنابة فيها. والاستنابة في ذلك جائزة. فإن النبي ﷺ استناب في نحر ما بقى من بدنه (٣) . (ويحضر إن وكّل) يعني: أنه يسن له إن وكّل في الذبح أن يحضره؛ لأن في حديث ابن عباس الطويل: " واحضروها إذا ذبحتم. فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها ". وروي " أن النبي ﷺ قال لفاطمة: أحضري أضحيتك يغفر لك باً ول قطرة من دمها " (٤) . نص. عليه. (وتعتبر نيته) أى: نية الموكِّّل (إذاً) أى: عند التوكيل في الذبح. (إلا مع التعيين) أى: تعيين الأضحية باًن تكون معينة. فلا تعتبر النية، كما (لا) تعتبر (تسمية المضحى عنه) اكتفاء بالنية. (ووقت ذبح أضحية، وهدي نذر أو تطوع، و) هدي (متعة وقران: من بعد اسبق صلاة العيد بالبلد) لمن صلى، (أو) من بعد (قدرها) أى: قدر الصلاة (لمن لم يصل) بعد حل الصلاة. يعني: أنه متى دخل وقت صلاة العيد على من بالقرى والأمصار. فدخول وقت الذبح على من فيها بتمام أسبق صلاة بالبلد. ولا فرق في ذلك بين من شهدها مع من صلى ومن لم يشهدها.

стр. 1778

واما أهل البوادي من أصحاب الطنب والخركاوات ونحوهم ممن لا يصلون. فدخول وقت الذبح في حقهم بمضي قدر ما تفعل فيه الصلاة بعد حلها. وليس لمن بالمصر أو بقرية يصلى فيها صلاة العيد أن يذبح قبل الصلاة حتى تزول الشمس. (فإن فاتت) الصلاة (بالزوال ذبح) بعده. والأصل في ذلك ما روى جندب بن عبدالله البجلي أن النبي ﷺ قال: " من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " (١) . وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " (٢) . متفق عليه. وقال الخرقي ومن تبعه: لا يدخل وقت الذبح إلا بمضي قدر الصلاة والخطبه. قال في " الفروع ": ووقته بعد صلاة العيد وأسبقها بالبلد. وعنه: والخطبة. وقال الخر قي وغيره: قدرهما. وهو رواية. وعنه: لا يجزئ قبل الإمام. قيل: لمن ببلده. وجزم به في " عيون المسائل ". وإن فات العيد بالزوال ضَحّى إذاً. وقال ابن عقيل: يتبع الصلاة قضاء، كما يتبع إذا ما لم يؤخر عن أيام الذبح. فيتبع الوقب ضروره.

стр. 1779

والمقيم بموضع لا يلزمه قدر ذلك على الخلاف. وفي " الترغيب ": هو كغيره في الأصح. انتهى. ويستمر وقت الذبح (إلى آخر ثاني) أيام (التشريق). فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده. قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ . وفي رواية: قال: خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ " لأنه ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث " (١) . ويستحيل أن يباج ذبحها في وقت يحرم أكلها فيه. ونسخ أحد الحكمين وهو الادخار لا يلزم منه رفع الآخر وهو إجزاء الذبح فيما زاد على الثلاثة أيام. وفي " الأيضاح ": إلى آخر أيام التشريق. والأول المذهب. (و) الأضحية (في أولها) أى: أول (٢) أيام الذبح وهو يوم العيد (فما يليه) أى: يلي يوم العيد (أفضل). قال في " الإنصاف ": قلت: وأفضل اليوم الأول عقيب الصلاة والخطبة وذبح الإمام إن كان. انتهى. (ويجزئ) ذبح الأضحية (في ليلتيهما) أى: ليلتي اليوم الأول واليوم الثانى من أيام التشريق على الأصح؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي، وداخل في مدة الذبح. فجاز فيه؛ كالأيام.

стр. 1780

(فإن فات الوقت) أى: وقت الذبح على من عليه و (٣) لعدم ذبحه في وقته (قُضيَ الواجب) وفعل به (كالأداء) أى: كما يفعل به لو ذبحه في الوقت. ولا يسقط ذبحه (١) بفوات] الوقت؛ لأن الذبح أحد مقصودي الأضحية. فلا يسقط بفوات [ (٢) وقته؛ كما لو ذبحها في الوقت ولم يفرقها حتى خرج الوقت. (وسقط التطوع) بخروج وقت الذبح؛ لأن المحصل للفضيلة الزمان وقد فات. فلو ذبحه وتصدق به كان لحماً تصدق به لا أضحية في الأصح. قاله في " التبصرة ". (ووقت ذبح واجب) وجب (بفعل محظور من حينه) أى: من حين فعل المحظور. (وإن فعله) أى: أراد فعل محظور (لعذر) في فعله: (فله ذبحه) أى: ذبح ما يجب بفعل المحظور الذي يريد أن يفعله لعذر (قبله) أى: قبل فعل المحظور. (وكذا ما) أى: وكذا دم (وجب لترك واجب) يعني: أنه يكون وقت ذبحه عند ترك الواجب. والله أعلم.

стр. 1781

] فصل: في بيان ما يتعين به الهدي [ (فصل. ويتعين هَدي بـ: هذا هدي) أى بقوله: هذا هدي؛ لأنه لفظ يقتضي الإيجاب. فوجب أن يترتب عليه مقتضاه. (أو) بـ (تقليده) بنية الهدي، (أو) بـ (إشعاره بنيته) أى: نية الهدي؛ لأن الفعل مع النية يقوم مقام اللفظ إذا كان الفعل يدل على المقصود؛ كمن بنى مسجداً وأذن للناس فى الصلاة فيه. (و) تتعين (أضحية بـ: هذه أضحية) أى بقوله: هذه أضحية. فتصير واجبة بذلك؛ كما يعتق العبد بقول سيده: هذا حر. (أو) بمو له: هذه (لله، ونحوه)؛ كقو له: هذا (١) صد قة (فيهما) أى: في الهدي والأضحية. (لا بنيته) يعني: أنه لا يصير الهدي بنية كونه هدياً (حال الشراء)؛ لأن التعيين إزالة ملك على وجه القربة. فلم تؤثر فيه النية المقارنة للشراء؛ كالعتق والو قف. وقيل: بلى. قال صاحب " المحرر ": وهو ظاهر كلام أحمد فيما نقله عنه الحسن بن ثو اب (٢) وأبو الحارب. (ولا بسوْقه مع نيته) أى: مع نية كونه هدياً من غير تقليد أو إشعار؛ (كإخراجه) أى: كإخراج ذي مال (مالاً للصدقة به) فإن التصدق به لا يكون واجباً للخبر فيه.

стр. 1782

وقدم في " المستوعب ": لا تعيين إلا بقول. وكذا في " الرعاية " وقال: وقيل: أو بالنية فقط. وقيل: مع تقليد وإشعار. قال في " الفروع ": وهو سهو. (وما تعين) من هدي وأضحية (ونقل الملك فيه وشراء خير منه) على الأصح نصاً. نقله الجماعة عن أحمد، واختاره الأكثر؛ " لأن النبي ﷺ ساق في حجته مائة بدنة، وقدم علي من اليمن فأشركه في بدنه " (١) . رواه مسملم. والتشريك: نوع من البيع أو الهبة. ولأنه يجوز إبدلها بخير منه. والإبدال نوع من البيع. (لا بيعه في دين ولو بعد موت) ولو (٢) لم يترك شيئاً غيره؛ لأنه قد تعين ذبحه. فلم يبع في دينه؛ كما لوكان حياً. إذا ثبت هذا فإن ورثته يقومون مقامه في الأكل والصدقة والهدية؛ لأنهم يقومون مقام مورثهم فيما له وعليه. (وإن عُيّن) في هدي أو أضحية معيب (معلوم عيبُه تعيَّن. وكذا) لو عين المعيب (عما في ذمته) وللزمه ذبحه، (ولا يجزئه) عما في ذمته من الواجب. (ولملك) من عين معيباً يجهل عيبه (رد ما علم عيبَه بعد تعيينه) فيخير بين رده أو أخذ (٣) أرشه. (وإن أخذ الأرش فـ) حكمه (كالفاضل من قيمة) في الأصح. (ولو باتت معينة) أى: التي عينها (مستحقة): بطل تعيينها، و (لزمه

стр. 1783

بدلها) نصاً. نقله علي بن سعيد. قال في " الفروع ": ويتو جه فيه كاًرش. (ويركب) أى: ويباج له أن يركب هدياً وأضحية معينين (لحاجة فقط بلا ضرر) على الأ صح. قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة؛ لأن النبي ﷺ قال: " اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً " (١) . رواه أبو داود. ولأنه تعلق بها حق المساكين. فلم يجز ركوبها من غير ضرورة؛ كملكهم. وإنما جوزناه عند الضرورة؛ للحديث. (ويضمن النقص) إن حصل بركوبه نقص؛ لأنها تعلق بها حق غيره. (وإن ولدت) أضحية معينة أو هدي معين (ذُبح) ولدها (معها). سواء كان حملاً حين التعيين أو حدث بعده؛ لأن استحقاق المساكين الولد حكم ثبت بطريق السراية من الأم. فثبت للولد ما ثبت لأمه؛ كولد أم الولد (٢) ، وولد المدبرة الذي ولدته بعد تدبيرها. ومحل ذلك: (إن إمكنه حملُه) أى: حمل الولد (أو سوقه) إلى المنحر، (وإلا) أى: وإن لم يمكن حمله على ظهرها أو ظهر غيرها، أو سوقه إلى المنحر، (فـ) يكون حكمه (كهدي عطب) على ما ياًتى حكمه. وكذا ولد المعينة عن واجب في الذمة إذا تعينت؛ لأنه تبع لها. (ولا يشرب من لبنها) أى: لبن من معها ولدها (إلا ما فضل عنه). فإن لم يفضل عن ولدها شيء، أو كان الحلب يضر بها أوينقص لحمها، لم يكن له أخذه (٣) ، وإلا فله أخذه والانتفاع به؛ لأن ذلك انتفاع لا يضر بها ولا بولدها. وإن حلبها مع الإضرار بها أو بولدها حرم وعليه الصدقة به، وإن شربه ضمنه؛

стр. 1784

لأنه تعدى باً خذه. (ويُجزُّ) أى: ويباج له أن يجز (صوفها) أى: صوف الأضحية المعينة، (ونحوه)، كوبرها (لمصلحة) مثل: أن تكون بزمن تخف أو تسمن بجزه. (ويتصدق به)، لأنه ينتفع به على الدوام فجرى مجرى جلدها وأجزائها. وعلم مما تقدم انه لو كان بقاؤه أنفع لها، لكونه يقيها الحر أو البرد لم يجز له جزه، كما لا يجوز أخذ بعض أعضائها. (وله) أى: وللمضحي والمهدي (إعطاءُ الجازر منها هدية وصدقة. لا بأجرته) " لما روي عن علي قال: " أرنى رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئاً. وقال: نحن نعطيه من عندنا " (١) . متفق عليه. ولأن ما يدفعه إلى الجازر عن أجرته عوض عن عمله وجزارته، ولا تجوز المعاوضة بشيء منها. بخلاف ما يعطاه صدقه أو هدية فإنه فيه (٢) كغيره، بل هو أولى " لأنه باشرها وتاقب نفسه إليها. (ويتصدق) استحبابا (أو ينتفع بجلدها وجُلِّها). قال في " شرح المقنع ": لا خلاف في جواز الانتفاع بجلودها وجلالها؛ لأن الجلد جزء منها. فجاز للمضحى الانتفاع به، كاللحم. و" كان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه ". وعن عائشة قالت: " قلت: يا رسول الله! قد كانوا ينتفعون من ضحاياهم يجْمِلون منها الوَدك ويتخذون منها الأسقية. قال: وما ذاك؟ قالت: نهيتَ عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث. قال: إنما نهيتكم للدافة التي دفت. فكلوا وتزودوا وتصدقوا " (٣) . حديث صحيح.

стр. 1785

ولأنه انتفاع به. فجاز، كلحمها. انتهى. (ويحرم بيع شيء منها) أى: من الأضحية (أو منهما) أى: من الجلد والجُلِّ. ولا فرق في ذلك بين كون الأضحية واجبة أو تطوعاً، لأنها تعينت بالذبح، لقوله ﷺ في حديث قتادة بن النعمان: " ولا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدقوا واستمتعوا بجلودها " (١) . قال أحمد: سبحان الله كيف نبيعها؟ وقد جعلها الله ﵎ أضحية. قال الميموني: قال قالوا لأبي عبدالله: فجلد الأضحية نعطيه السلاخ؛ قال: لا. وحكى (٢) قول النبي ﷺ : " لا تعطى جزارها شيئاً (٣) منها " (٤) . قال: إسناد جيد.] وهذا المذهب. وعنه: يجوز بييع الجلد ويتصدق بثمنه. وعنه: ويشتري به الة البيت [ (٥) " كالغربال ونحوه. لا ماًكولاً (٦) . (وإن سُرق مذبوج من أضحية) معينة (أو هدي معين ابتداء، أو عن واجب في ذمة ولو بنذر: فلا شيء فيه)؛ لأنها أمانة في يده. فلم يضمنها بتلفها من غير تعد ولا تقصير، كالوديعة. (وإن لم يعين) ما سرق وهو مذبوج: (ضُمن)؛ لأنه غير متميز عن ماله. فكان من ضمانه؛ كبقية ماله. (وإن ذبحها) أى: ذبح الأضحية (ذابح في وقتها) أى: وقت ذبح

стр. 1786

الأضحية (بلا إذن. فإن) كان الذابح قد (نواها) بالذبح (عن نفسه مع علمه أنها أضحية الغير، أو فرَّق لحمها) مع علمه أنها أضحية الغير: (لم تجزئ) واحداً منهما. (وضمن ما بين القيمتين) أى: ما بين قيمتها صحيحة وقيمتها مذبوحة (إن (١) لم يفرق لحمها، و) ضمن (قيمتها) صحيحة (إن فرَّقه) أى: فردق لحمها. ويكون عدم الإجزاء والضمان لغصبه واستيلائه على مال الغير، وإتلافه إياه عدواناً. (وإلا) وإن لم يكن الذابح يعلم أنها أضحية الغير؛ لاشتباهها عليه باًضحيته: (أجزأت) عن مالكها، (ولا ضمان) على ذابحها. ونص أحمد على الصورتين في رواية ابن القاسم وسندي مفرقاً بينهما. وإنما لم يضمن إذا لم يعلم أنها أضحية الغير؛ لأن الذبح فعل لا يفتقر إلى النية. فإذا فعله غير صاحبه أجزأ عن صاحبه؛ كغسل ثوبه من النجاسة. ولأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها. فلا ضمان على ذابحها حيب لم يكن متعديا. ولأن الذبح إراقة دم تعين إراقته لحق الله . فلم يضمن مريقه؛ كقاتل المرتد بغير إذن الإمام. ولأنه لو وجب أرش كان ما بين كونها مستحقة الذبح في هذه الأيام متعينة له، وما بينها (٢) مذبوحة. ولا قيمة لهذه الحياة ولا تفاوت بين القيمتين. فتعذر وجودا لأرش. ولأن الأردش لو وجب لم يخلُ من أن يجب لمالكها أو للفقراء، ولا جائز أن يجب للفقراء؛ لأنهم إنما يستحقونها مذبوحة، ولو دفعها إليهم في الحياة لم يجز، ولا جائز أن يجب له؛ لأنه بدل شيء منها. فلم يجز ان يأخذه؛ كبدل عضو من أعضائها.

стр. 1787

(وإن ضحى اثنان، كل) من المضحيين ضحى (بأضحية الآخرغلطاً (١) : كفتهما).؛ لوقوع كل واحدة موقعها بذبحه في وقتها. (ولا ضمان) على واحد منهما لصاحبه استحساناً. والقياس ضدهما. ذكره القاضي وغيره. ونقل الأثرم وغيره في اثنين ضحى هذا] باً ضحية هذا [ (٢) : يترادان اللحم ويجزئ. ولو فرق كل منهما لحم ما ذبحه لإذن الشرع في ذلك. (وإن بقي اللحم) أى: لحم ما ذبحه كل منهما (ترادَّاه) أى: ترادا اللحم؛ لأنه أمكن كل منهما أن يفرق لحم أضحيته بنفسه. فكان أولى به من الذابح. (وإن أتلفها) أى: أتلف الأضحية المعينة (أجنبي، أو) أتلفها (صاحبها: ضمنها) متلفها (بقيمتها يوم تلف)؛ لأنها من المتقومات. (تصرف في مثلها). وهذا المذهب؛ لأنه إتلاف أوجب القيمة. فلا يجب به أكثر منها. فلو كانت المتلفة شاة فرخصت الغنم فزادت قيمتها على مثلها مثل: إن كانت قيمتها يوم إتلافها عشرة فصارت قيمة مثلها خمسة فعليه عشرة. فإن شاء اشترى بها شاة تساوي عشره، وإن شاء اشترى بها شاتين. فإن اشترى واحدة وفضل من العشرة ما لا يجيء به أضحية اشترى به (٣) شركاً في بدنة أو بقرة على ما يأتي تفصيله. وقيل: يلزمه أكثر القيمتين من الإيجاب إلى التلف. وقيل: منه إلى النحر. وقيل: من التلف إلى وجوب النحر. وذلك (بخلاف) إتلاف (قِنّ تعين لعتق)؛ كما لو قال: لله عليّ أن أعتق

стр. 1788

هذا العبد ثم أتلفه فإنه لا يجب صرف قيمته إذا أتلف في مثله؛ لأن القصد من العتق تكميل الأحكام. وهو حق للرقيق (١) وقد هلك. (ولو مرضت) الأضحية (فخاف عليها) صاحبها أن تموت من المرض (فذبحها: فعليه) بذ بحها (بدلها. ولو تركها) بلا ذبح (فماتت: فلا) شيء عليه. قاله الإمام أحمد. ولو فقاً عين أضحية أو هدي معينين لزمه أن يتصدق بأرش نقصه بذلك. (وإن فضَل عن شراء المثْل شيء) في صورة وجوب القيمة ووجوب صرفها في مثلها: (اشترى به) أى: بالشيء الذى فضل عن شراء المثل (شاة، أو) اشترى به (سبع بدنة او بقرة. فإن لم يبلغ) الفاضل أن يشتري به شيء من ذلك (تصدَّق به) أى: بالشيء الفاضل، (أو) تصدق (بلحم يُشترى به) أى: بالشيء الفاضل؛ (كـ) ما يفعل هذا الفعل بـ (أرش جناية عليه) أى: على الهدي المعين أو الأضحية المعينة؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم؛ لكون الفاضل أو أرش الجناية لا يمكن أن يشترى به شاة أو سبع بدنة كان التصدق باللحم وثمنه سواء في الأصح. (وإن عطبَ بطريق هدي واجب أو تطوع بنية دامت)، أو عجز الهدي عن المشي صحبة الرفاق (٢) (ذبحه موضعه) وجوبا؛ لأنه لو لم ينحره حتى مات ضمنه بقيمته يوصلها إلى فقراء الحرم؛ لأنه لا. يتعذر عليه إيصالها إليهم. بخلاف ما عطب. (وسُن غمسُ نعله في دمه، وضربُ صفحته بها) أى: بالنعل المغموسة في دمه؛ (ليأخذه الفقراء. وحرم أكله و) أكل (خاصَّتِه منه) أى: من الهدي الذي عطب.

стр. 1789

والأصل في ذلك ما روى ابن عباس أن ذؤيباً أبا قبيصة حدثه: " أن رسول الله ﷺ كان يبعب معه بالبدن. ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليها فانحرها. ثم اغمس نعلها في دمها. ثم اضرب به صفحتها. ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل (١) رفقتك " (٢) . رواه مسلم. وفي لفظ: " ويخلها (٣) والناس، ولا ياً كل منها هو ولا أحد من أصحابه ". رواه الإمام أحمد. وهذا صحيح متضمن للزيادة ومعنى خا ص. فيجب تقديمه على عموم ما خالفه. ولا يصح قياس رفقته على غيرهم؛ لأن الإنسان يشفق على رفقته، ويحب التوسعة عليهم، وربما وسع عليهم من مُؤْنته. وإنما مُنع السائق ورفقته من الأكل منه؛ لئلا يُقّصَر في حفظه. فيعطبه لياًكل هو ورفقته منه. فتلحقه التهمة في عطبه لنفسه ورفقته. فحرموه لذلك. (وإن تلف) الهدي (أو عاب بفعله أو تفريطه)، أو أكله او باعه، أو أطعمه غنياً أو أطعمه رفقته: (لزمه بدله؛ كأضحية)، وإيصال بدل الهدي إلى فقراء الحرم. وإن أطعم من العاطب فقيراً أو أمره بالأكل منه فلا ضمان عليه؛ لأنه أوصله إلى مستحقه. فأشبه ما لو فعل ذلك بعد بلوغ الهدي محله (٤) . (وإلا) أى: وإن لم يتلف او يتعيب بفعله أو تفريطه: (أجزأ) من ذلك (ذبح ما تعيَّبَ من واجب بالتعيين). نص عليه فيمن جر بقرة بقرنها إلى المنحر

стр. 1790

فانقلع؛ (كتعيينه معيباً فبرئ) من العيب. والأصل. في ذلك ما روى أبو سعيد قال: " ابتعنا كبشا نضحي به فاًصاب الذئب من أليته. فساًلنا النبي ﷺ فاً مرنا ان نضحي به " (١) . رواه ابن ماجه. ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة. فلم يمنع الإجزاء. (وإن وجب قبل تعيين)؛ كما لو كان عليه دم واجب (كفدية) وهي: الدماء الواجبة من هدي تمتع وقران، وما وجب بترك واجب أو فعل محظور-، (و) كدم (منذور في الذمة) ثم عين ما في ذمته من الواجب صحيحاً فتعيب (فلا) يجزئه ذبحه عما في ذمته؛ لأن الواجب في ذمته دم صحيح. فلا يجزئ عنه دم معيب ويعود الوجوب إلى الذمة؛ كما لو كان لشخص على آخر دين فاشترى به مكيلاً ثم تلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمة من هو عليه. ولأن الذمة لم تبرأ من الواجب بالتعيين عنه؛ كالدين يضمنه ضامن أو يرهن به رهناً. فإنه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المدين. فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن أو تلف الرهن بقي الحق في الذمة بحاله. ويحصل التعيين عما في ذمته بالقول. (وعليه) أى: على من في ذمته دم وانجب (نظيرُه) أى: نظير ما تعيب، (ولو زاد) الذى عينه (عما) أى: عن الذي (في الذمة)؛ كما لو كان في ذمته شاة فعين عنها بقرة فتعيبت. فإنه يلزمه بقرة نظير التي تعيبت. (وكذا لو سرق) المعين عما في الذمة (أو ضَلَّ ونحوه)؛ كما لو غصب. فإنه يلزمه بدله. ويلزمه أفضل مما في الذمة إن كان تلفه بتفريطه. قال أحمد: من ساق هدياً واجباً فعطب أو مات فعليه بدله، وإن شاء باعه. وإن نحره جاز (٢) أكله منه ويطعم؛ لأن عليه البدل. قاله في " الفروع ".
следующие страницы →