← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الأضحية (بلا إذن. فإن) كان الذابح قد (نواها) بالذبح (عن نفسه مع علمه أنها أضحية الغير، أو فرَّق لحمها) مع علمه أنها أضحية الغير: (لم تجزئ) واحداً منهما. (وضمن ما بين القيمتين) أى: ما بين قيمتها صحيحة وقيمتها مذبوحة (إن (١) لم يفرق لحمها، و) ضمن (قيمتها) صحيحة (إن فرَّقه) أى: فردق لحمها. ويكون عدم الإجزاء والضمان لغصبه واستيلائه على مال الغير، وإتلافه إياه عدواناً. (وإلا) وإن لم يكن الذابح يعلم أنها أضحية الغير؛ لاشتباهها عليه باًضحيته: (أجزأت) عن مالكها، (ولا ضمان) على ذابحها. ونص أحمد على الصورتين في رواية ابن القاسم وسندي مفرقاً بينهما. وإنما لم يضمن إذا لم يعلم أنها أضحية الغير؛ لأن الذبح فعل لا يفتقر إلى النية. فإذا فعله غير صاحبه أجزأ عن صاحبه؛ كغسل ثوبه من النجاسة. ولأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها. فلا ضمان على ذابحها حيب لم يكن متعديا. ولأن الذبح إراقة دم تعين إراقته لحق الله . فلم يضمن مريقه؛ كقاتل المرتد بغير إذن الإمام. ولأنه لو وجب أرش كان ما بين كونها مستحقة الذبح في هذه الأيام متعينة له، وما بينها (٢) مذبوحة. ولا قيمة لهذه الحياة ولا تفاوت بين القيمتين. فتعذر وجودا لأرش. ولأن الأردش لو وجب لم يخلُ من أن يجب لمالكها أو للفقراء، ولا جائز أن يجب للفقراء؛ لأنهم إنما يستحقونها مذبوحة، ولو دفعها إليهم في الحياة لم يجز، ولا جائز أن يجب له؛ لأنه بدل شيء منها. فلم يجز ان يأخذه؛ كبدل عضو من أعضائها.

стр. 1787

(وإن ضحى اثنان، كل) من المضحيين ضحى (بأضحية الآخرغلطاً (١) : كفتهما).؛ لوقوع كل واحدة موقعها بذبحه في وقتها. (ولا ضمان) على واحد منهما لصاحبه استحساناً. والقياس ضدهما. ذكره القاضي وغيره. ونقل الأثرم وغيره في اثنين ضحى هذا] باً ضحية هذا [ (٢) : يترادان اللحم ويجزئ. ولو فرق كل منهما لحم ما ذبحه لإذن الشرع في ذلك. (وإن بقي اللحم) أى: لحم ما ذبحه كل منهما (ترادَّاه) أى: ترادا اللحم؛ لأنه أمكن كل منهما أن يفرق لحم أضحيته بنفسه. فكان أولى به من الذابح. (وإن أتلفها) أى: أتلف الأضحية المعينة (أجنبي، أو) أتلفها (صاحبها: ضمنها) متلفها (بقيمتها يوم تلف)؛ لأنها من المتقومات. (تصرف في مثلها). وهذا المذهب؛ لأنه إتلاف أوجب القيمة. فلا يجب به أكثر منها. فلو كانت المتلفة شاة فرخصت الغنم فزادت قيمتها على مثلها مثل: إن كانت قيمتها يوم إتلافها عشرة فصارت قيمة مثلها خمسة فعليه عشرة. فإن شاء اشترى بها شاة تساوي عشره، وإن شاء اشترى بها شاتين. فإن اشترى واحدة وفضل من العشرة ما لا يجيء به أضحية اشترى به (٣) شركاً في بدنة أو بقرة على ما يأتي تفصيله. وقيل: يلزمه أكثر القيمتين من الإيجاب إلى التلف. وقيل: منه إلى النحر. وقيل: من التلف إلى وجوب النحر. وذلك (بخلاف) إتلاف (قِنّ تعين لعتق)؛ كما لو قال: لله عليّ أن أعتق

стр. 1788

هذا العبد ثم أتلفه فإنه لا يجب صرف قيمته إذا أتلف في مثله؛ لأن القصد من العتق تكميل الأحكام. وهو حق للرقيق (١) وقد هلك. (ولو مرضت) الأضحية (فخاف عليها) صاحبها أن تموت من المرض (فذبحها: فعليه) بذ بحها (بدلها. ولو تركها) بلا ذبح (فماتت: فلا) شيء عليه. قاله الإمام أحمد. ولو فقاً عين أضحية أو هدي معينين لزمه أن يتصدق بأرش نقصه بذلك. (وإن فضَل عن شراء المثْل شيء) في صورة وجوب القيمة ووجوب صرفها في مثلها: (اشترى به) أى: بالشيء الذى فضل عن شراء المثل (شاة، أو) اشترى به (سبع بدنة او بقرة. فإن لم يبلغ) الفاضل أن يشتري به شيء من ذلك (تصدَّق به) أى: بالشيء الفاضل، (أو) تصدق (بلحم يُشترى به) أى: بالشيء الفاضل؛ (كـ) ما يفعل هذا الفعل بـ (أرش جناية عليه) أى: على الهدي المعين أو الأضحية المعينة؛ لأنه إذا لم يحصل له التقرب بإراقة الدم؛ لكون الفاضل أو أرش الجناية لا يمكن أن يشترى به شاة أو سبع بدنة كان التصدق باللحم وثمنه سواء في الأصح. (وإن عطبَ بطريق هدي واجب أو تطوع بنية دامت)، أو عجز الهدي عن المشي صحبة الرفاق (٢) (ذبحه موضعه) وجوبا؛ لأنه لو لم ينحره حتى مات ضمنه بقيمته يوصلها إلى فقراء الحرم؛ لأنه لا. يتعذر عليه إيصالها إليهم. بخلاف ما عطب. (وسُن غمسُ نعله في دمه، وضربُ صفحته بها) أى: بالنعل المغموسة في دمه؛ (ليأخذه الفقراء. وحرم أكله و) أكل (خاصَّتِه منه) أى: من الهدي الذي عطب.

стр. 1789

والأصل في ذلك ما روى ابن عباس أن ذؤيباً أبا قبيصة حدثه: " أن رسول الله ﷺ كان يبعب معه بالبدن. ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليها فانحرها. ثم اغمس نعلها في دمها. ثم اضرب به صفحتها. ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل (١) رفقتك " (٢) . رواه مسلم. وفي لفظ: " ويخلها (٣) والناس، ولا ياً كل منها هو ولا أحد من أصحابه ". رواه الإمام أحمد. وهذا صحيح متضمن للزيادة ومعنى خا ص. فيجب تقديمه على عموم ما خالفه. ولا يصح قياس رفقته على غيرهم؛ لأن الإنسان يشفق على رفقته، ويحب التوسعة عليهم، وربما وسع عليهم من مُؤْنته. وإنما مُنع السائق ورفقته من الأكل منه؛ لئلا يُقّصَر في حفظه. فيعطبه لياًكل هو ورفقته منه. فتلحقه التهمة في عطبه لنفسه ورفقته. فحرموه لذلك. (وإن تلف) الهدي (أو عاب بفعله أو تفريطه)، أو أكله او باعه، أو أطعمه غنياً أو أطعمه رفقته: (لزمه بدله؛ كأضحية)، وإيصال بدل الهدي إلى فقراء الحرم. وإن أطعم من العاطب فقيراً أو أمره بالأكل منه فلا ضمان عليه؛ لأنه أوصله إلى مستحقه. فأشبه ما لو فعل ذلك بعد بلوغ الهدي محله (٤) . (وإلا) أى: وإن لم يتلف او يتعيب بفعله أو تفريطه: (أجزأ) من ذلك (ذبح ما تعيَّبَ من واجب بالتعيين). نص عليه فيمن جر بقرة بقرنها إلى المنحر

стр. 1790

فانقلع؛ (كتعيينه معيباً فبرئ) من العيب. والأصل. في ذلك ما روى أبو سعيد قال: " ابتعنا كبشا نضحي به فاًصاب الذئب من أليته. فساًلنا النبي ﷺ فاً مرنا ان نضحي به " (١) . رواه ابن ماجه. ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة. فلم يمنع الإجزاء. (وإن وجب قبل تعيين)؛ كما لو كان عليه دم واجب (كفدية) وهي: الدماء الواجبة من هدي تمتع وقران، وما وجب بترك واجب أو فعل محظور-، (و) كدم (منذور في الذمة) ثم عين ما في ذمته من الواجب صحيحاً فتعيب (فلا) يجزئه ذبحه عما في ذمته؛ لأن الواجب في ذمته دم صحيح. فلا يجزئ عنه دم معيب ويعود الوجوب إلى الذمة؛ كما لو كان لشخص على آخر دين فاشترى به مكيلاً ثم تلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمة من هو عليه. ولأن الذمة لم تبرأ من الواجب بالتعيين عنه؛ كالدين يضمنه ضامن أو يرهن به رهناً. فإنه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المدين. فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن أو تلف الرهن بقي الحق في الذمة بحاله. ويحصل التعيين عما في ذمته بالقول. (وعليه) أى: على من في ذمته دم وانجب (نظيرُه) أى: نظير ما تعيب، (ولو زاد) الذى عينه (عما) أى: عن الذي (في الذمة)؛ كما لو كان في ذمته شاة فعين عنها بقرة فتعيبت. فإنه يلزمه بقرة نظير التي تعيبت. (وكذا لو سرق) المعين عما في الذمة (أو ضَلَّ ونحوه)؛ كما لو غصب. فإنه يلزمه بدله. ويلزمه أفضل مما في الذمة إن كان تلفه بتفريطه. قال أحمد: من ساق هدياً واجباً فعطب أو مات فعليه بدله، وإن شاء باعه. وإن نحره جاز (٢) أكله منه ويطعم؛ لأن عليه البدل. قاله في " الفروع ".

стр. 1791

(وليس له) أى: لمن نحر بدل ما عطب أو تعيب أو ضل أو سرق أو غصب (استرجاع عاطب ومَعيب وضال) ومسروق (وُجد، ونحره)، كما لو قدر على مغصوب على (١) الأصح؛ لما روي عن عائشة: " أنها أهدت هديين فأضلتهما. فبعث إليها ابن الزبير بهديين (٢) فنحرتهما. ثم عاد الضالان فنحرتهما. وقالت: هذه سنة الهدي " (٣) . رواه الدارقطني. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ . ولأنه تعلق حق الله بهما (٤) بإيجابهما على نفسه. فلم يسقط بذبح بدلهما.

стр. 1792

] فصل: في نذر الهدي [ (فصل. ويجب هدي بنذر)؛ لقول النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (١) . - ولأنه نذر طاعة. فوجب الوفاء به؛ كبقية نذور الطاعات. ولا فرق بين كون النذر منجزاً أو معلقاً. (ومنه) أى: من صور النذر لو قال إنسان: (إن لبستُ ثوباً من غزلك فهو هدي) فوهبت له ثوباً من غزلها (فلبسه) فإنه يصير هدياً واجباً، يلزمه إيصاله إلى مساكين الحرم. (ونحوه) أى: وكذا نحو الصورة. ثم إن كان الهدي مما ينقل، بعثه إلى الحرم. نقل المروذي فيمن جعل دراهم هدياً. فللحرم. وإن كان غير منقول؛ كالعقار ونحوه باعه وبعث ثمنه؛ لتعذر إهدائه بعينه. فانصرف إلى بدله. يؤيده ما روي عن ابن عمر: " أن رجلا سأله عن امرأة نذرت أن تهدي داراً قال: تبيعها وتتصدق بثمنها على فقراء الحرم ". (وسُن سَوْقُ) هدي من (حيوان من الحل)؛ " لأن النبي ﷺ ساق في حجته مائة بدنة " (٢) ، و " كان يبعث بهديه وهو بالمدينة " (٣) . (و) سُن أيضاً (أن يَقِفَه بعرفة). روي استحباب ذلك عن ابن عباس. وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأى.

стр. 1793

و" كان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما وقفه بعرفة ". ولنا: أن المراد من الهدي نحره ونفع المساكين بلحمه، وهذا لا يتوفف على وقوفه بعرفة، ولم يرد بذلك دليل يوجبه. (و) سُن أيضاً (إشعارُبُدْن) بضم الباء جمع بدنة، (و) إشعار (بقر) أيضاً. ويكون الإشعار: (بشقِّ صفحة اليمنى من سنام) بدنة، (أو) شق (محله) من بقرة، (حتى يسيل الدم. و) سُن أيضاً (تقليدُهما) أى: البقر والبدن (مع) تقليد (غنم: النعل، وآذان) البقر (القِرَب والعُرَى) بضم العين، جمع عروة. وقال أبو حنيفة: الإشعار مُثله غير جائز؛ " لأن النبي ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان " (١) . ولأنه أىلام. فهو كقطع عضو منه. ولنا: ما روت عائشة قالت (٢) : " فتلتُ قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم أشعرها وقلدها " (٣) . متفق عليه. وفعله الصحابه أيضاً. ولأنه إيلام لغرض صحيح. فجاز؛ كالكي والوسم والحجامة. وفائدته: أن لا تختلط بغيرها، وأن يتوقاها (٤) اللص، ولا يحصل ذلك

стр. 1794

بالتقليد بمفرده؛ لأنه يحتمل أن يحل ويذهب. وأما كون الإشعار في صفحة السنام اليمنى؛ لما روى ابن عباس: " ان النبي ﷺ صلى بذي الحليفة، ئم دعى ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها بيده " (١) . رواه مسلم. وأما كون الغنم لا تشعر؛ فلأنها ضعيفة. ولأن صوفها وشعرها يستر موضع إشعارها لو أشعرت. ومن ساق الهدي من قبل الميقات (٢) استحب إشعاره وتقليده إذا بلغ الميقات؛ لحديث ابن عباس. وأما كون الغنم تقلد كما تقلد البدن والبقر؛ فلما روي عن عائشة قالت: " كنب أفتل قلائد الغنم للنبي ﷺ " (٣) . رواه البخاري. ولأنه إذا سن تقليد الإبل مع أنه يمكن تعويضها بالإشعار قال غنم أولى. (وإن نذر هدياً وأطلق) يعني: أنه من نذر ان يهدي ولم يعين ما يهديه؛ كما لو قال: لله علي هديّ، (فأقلُّ مجزئ) عن نذرة (شاة، أو سُبع من بدنة، أو) سُبع من (بقرة)؛ لأن المطلق في النذر يحمل على المعهود الشرعي والهدي الواجب في الشرع من النعم] ما ذكر [ (٤) ؛ لقوله : (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)] البقرة: ١٩٦]. (وإن ذبح إحداهما) أى: بدنة أو بقرة (عنه) أى: عن نذره، (كانت) البدنة أو البقرة (كلها واجبه)؛ لتعينها عما في ذمته بذبحها عنه. (وإن نذر بدنة أجزأته بقرة إن أطلق) البدنة، (وإلا) أى: وإن لم يطلق بأن نوى كونها من الإبل (لزمه ما نواه)؛ كما لو نوى كونها من البقر.

стр. 1795

(و) من نوى بنذره (معيناً أجزأه) ما عينه (ولو) كان (صغيراً، و) لو كان (معيباً، او) كان (غير حيوان)، كثوب. (وعليه) أى: على الناذر (إيصاله) إن كان مما ينقل (١) ، (و) إيصال (ثمن غير منقول لفقراء الحرم)، لقوله : (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] الحج: ٣٣]. ولأن النذر يُحمل على المعهود شرعاً، والمعهود في الهدي الواجب بالشرع " كهدي المتعة وشبهه: إن ذبحه يكون بالحرم. فكذا يكون المنذور. (وكذا إن نذر سوقَ أضحية إلى مكة، أو قال: لله عليَّ ان أذبح بها) فإنه يلزمه ذلك. (وإن عين) بنذره (شيئاً لى) مكان (غير الحرم، و) الحال أنه (لا معصية فيه) أى: في نذره لذلك المكان: (تعين) كونه فيه (ذبحاً وتفريقاً لفقرائه) أى: فقراء ذلك المكان، لما روى أبو داود: " أن رجلاً ساًل النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أذبح بالأبواء قال: أبها صنم؛ قال: لا. قال: أوف بنذرك " (٢) . ولأنه قصد نفع أهل ذلك المكان. فكان عليه إيصاله إليهم، واحترز بقوله: ولا معصية عما لو كان بالمكان صنم أو شيء من أمور الكفر أو المعاصي، كبيوت النار والكنائس وأشباه ذلك. (وسن أكلُه وتفرقُته) أى: أن يأكل المهدي ويفرق (من) لحم (هدي تطوع) أى: ما نحره تطوعاً من غير أن يوجبه " لقوله سبحانه. وتعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا)] لحج: ٢٨ [وأقل أحوال الأمر الاستحباب. و" لأن النبي ﷺ أكل من بدنه " (٣) .

стр. 1796

وقال جابر: " كنا لا نأكل من بدننا] فوق ثلاث. فرخص لنا النبي ﷺ فقال: كلوا وتزودوا فاًكلنا وتزودنا [ (١) " (٢) . رواه البخاري. والمستحب أن ياًكل اليسير؛ لما روى جابر " أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة فجُعلت في قدر فاًكلنا منها وحسينا من مرقها " (٣) . ولأنه نسك. فاستحب الأكل منه؛ (كأضحية). وله التزود والأكل كثيراً، كما جاء في حديث جابر. وتجزئه الصدقة باليسير منها.- (ولا يأكل من) هدي (واجب ولو) كان إيجابه (بنذر أو تعيين. غير دم متعة وقران). نص على ذلك؛ لأن سببهما غير محظور. فاً شبها هدي التطوع. وهذا قول أصحاب الرأى. وعن أحمد: أنه يحرم الأكل من النذر وجزاء الصيد، وياًكل مما سواهما. والأول المذهب؛ " لأن أزواج النبي ﷺ تمتعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة ثم ذبح عنهن النبي عي البقر فاًكلن من لحومها " (٤) . قال أحمد: قد أكل من البقر أزواج النبي صلى الله عليه وسلمفي حديث عائشة خاصة. وقالت عائشة: " إن النبي ﷺ أمر من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل. فدُخل علينا يوم النحر بلحم. فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي عن أزواجه " (٥) .

стр. 1797

وقال ابن عمر: " تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة " (١) . متفق عليه. وقد ثبت " أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعليّ من لحمها وشربا من مرقها " (٢) . رواه. مسلم. فإن أكل مما منع من أكله ضمنه بمثله لحماً؛ لأن الجميع (٣) مضمون عليه بمثله. فكذلك أبعاضه. وكذا إن أعطى الجزار باًجرته شيئاً منها.

стр. 1798

] فصل: في التضحية [ (فصل. التضحية) وهي: ذبح الأضحية أيام النحر: (سنة مؤكدة، عن مسلم تام الملك)، وفي الأصح: (أو مكاتَب بإذن). وعنه: أنها واجبة؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا " (١) . وعن مخنف بن سليم أن النبي ﷺ قال " يا أيها الناس لِلَّهِ إن على أهل كل بيت في كل عام أَضحاةً وعتيرة " (٢) . والأول المذهب؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس أن النبى قال: " ثلاث كتبت عليّ وهن لكم تطوع ". وفي رواية: " الوتر والنحر وركعتا الفجر" (٣) . ولأن النبي ﷺ قال: " من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره وبشرته شيئا " (٤) . رواه مسلم. فعلّقه على الإرادة، والواجب لا يُعلّق على الإرادة. ولأن الأضحية ذبيحة لم يجب تفريق لحمها. فلم تكن واجبة؛ كالعقيقة. والحديث الدال على الوجوب (٥) قد ضعفه أصحاب الحديث. ثم نحمله

стр. 1799

على تأكد الاستحباب، كما قال: " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " (١) . وقال: " من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا " (٢) . (و) الأضحية (عن ميت أفضل) منها عن حي. (ويعمل بها) أي: بالأضحية عن الميت، (كعن حي) على ما يأتي. قاله الشيخ تقي الدين، وقال: كل ما ذبح بمكة يسمى هديا، ليس فيه ما يقال له أضحية. (وتجب) الأضحية (بنذر)؛ كالهدي. (وكانت) الأضحية (واجبة على النبي ﷺ ؛ كالوتر وقيام الليل. (وذبحها و) ذبح (عقيقة أفضل من صدقة بثمنهما) (٣) . يعني: أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها. نص عليه؛ لأن النبي ﷺ ضحى والخلفاء (٤) ، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها. وروت عائشه أن النبي ﷺ قال: " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم، وإنه ليأتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا " (٥) . رواه ابن ماجه. ولأن إيثار الصدقه على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله ﷺ . وما روي عن عائشة من قولها: " لأن أتصدق بخاتمي هذا أحب إلي من أن أهدي إلى البيت ألفا ": فهو في الهدي لا في الأضحية. وكذا ذبح العقيقة، فإنه أفضل من الصدقة بثمنها. نص عليه.

стр. 1800

قال أحمد: العقيقة [ (١) سنة عن رسول الله ﷺ "قد عق عن الحسن والحسين " (٢) ، وفعله أصحابه. وقال النبي ﷺ : " الغلام مرتهن بعقيقته " (٣) . وهو إسناد جيد. وقال: إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض رجوت أن يخلف الله عليه، أحيى سنه. قال ابن المنذر: صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل. (وسن ان يأكل منها) أي: من الأضحية، (ويهدي، ويتصدق أثلاثا) يعني: أنه يستحب للمضحي أن يأكل هو وأهل بيته من أضحيته الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث. (حتى من) أضحيه (واجبة) بنذر، (و) حتى كون الإهداء (لكافر من) أضحية (تطوع). قال احمد: نحن نذهب إلى حديث عبدالله: " يأكل هو الثلث، ويطعم من اراد الثلث، ويتصدق بالثلث] على المساكين ". قال علقمة: بعث معي عبدالله بهدية فأمرنى أن اكل ثلثا، وان أرسل إلى أهل اخيه بثلث، وأن أتصدق بثلث [ (٤) . والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس في صفة أضحيه النبي ﷺ قال: " ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُؤّال بالثلث ". رواه الحافظ أبو موسى في " الوظائف " وقال: حديث حسن. وهو قول ابن مسعود وابن عمر ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة.

стр. 1801

ولأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾] الحج: ٣٦ [والقانع: السائل، يقال : قنع قنوعا، إذا ساًل. والمعتر: الذي يعتر لك. أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل. فذكر ثلاثة اصناف. فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثاً. وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها. ولا يجوز الصدقة بجميعها؛ للأمر به في قوله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾] الحج: ٣٦]. ولنا على هذا القول: " أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات. وقال: من شاء فليقتطع " (١) . ولم يأكل منهن شيئا. ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله (٢) . فلم يجب الأكل منها؛ كالعقيقة،. فيكون الأمر للاستحباب أو للإباحة؛ كالأمر بالأكل من الثمار والزروع والنظر إليها. وأما كونه يجوز ان يهدى للكافر من أضحية التطوع؛ فلأنها صدقة تطوع. فأشبهت سائر صدقة التطوع. ولأنها طعام له اكله. فجاز إطعامه للذمي؛ كسائر طعامه. فأما إذا كاتب واجبة فلا يجزئ دفعها إلى كافر؛ كما لا يجوز أن يدفع إليه. شيء من الزكاة ولا من الكفارات. (لا مما ليتيم ومكاتب في إهداء وصدقة) يعني: أن ولي اليتيم إذا ضحى عنه لا يهدي منها ولا يتصدق ويوفرها له؛ لأن الصدقة لا تحل بشيء من مال اليتيم تطوعا، وكذا المكاتب إذا ضحى بإذن سيده؛ لأنه ممنوع من التبرع بشيء من ماله، ولا يلزم من إذن سيده في التضحية أن يكون إذنا في التبرع. (ويجوز قول مُضح ٍ) إذا ذبح أضحيته: (من شاء اقتطع) منها؛ لما تقدم

стр. 1802

من " أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات وقال: من شاء فليقتطع " (١) . (و) يجوز للمضحي أيضا (أكل أكثر) من الثلث من اضحيته؛ لأن الأمر بالأكل والإطعام مطلق. (لا) أن ياً كلها (كلها)؛ للأمر بالإطعام منها. (ويضمن) بأكلها كلها (اقل ما يقع عليه الاسم، بمثله لحما)؛ لأن ما أبيح له اكله لا تلزمه غرامته، ويلزمه غرم ما وجبت الصدقه به؛ لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه. فلزمته غرامته إذا أتلفه (٢) ؛ كالوديعة. قال في "المبدع " في قوله: اقل ما يقع عليه الاسم بمثله لحما وهو الأوقية. وقيل: يضمن ما جرت العادة بالتصدق به. وقيل: يضمن ثلثها. وكذا الهدي المستحب. وقيل: يأكل منه اليسير. (وما ملك) المضحي او المهدي (اكله فله هديته. وإلا) أي: وإن (٣) لم يملك اكله فأهداه، (ضمنه بمثله) لحما؛ (كبيعه وإتلافه) يعني: كما لو باعه او اتلفه. (ويضمنه اجنبي) أتلفه (بقيمته). وفي " كتاب النصيحة ": وكذا هو يعني: أنه يضمنه بقيمته؛ كالأجنبي. (وإن منع الفقراء منه) أي: مما لا يملك أكله (حتى أنتن: ضمن نقصه إن انتفُع به) أي: إن كان مما ينتفع به. (وإلا) أي: وإن لم يكن بقي فيه نفع: (ف) إنه يضمن (قيمته)؛ كما لو أعدمه.

стр. 1803

(ونُسخ تحريم الادخار) أي: ادخار لحوم الأضاحي؛ لأن النبي ﷺ قال: " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم " (١) . رواه مسلم. وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: " إنما نهيتكم للدافة التي دفت. فكلوا وتزودوا وتصدقو اوادخروا " (٢) . ولم يجز ذلك علي وابن عمر. قال أحمد: فيه أسانيد صحاح. فأما علي وابن عمر فلم تبلغهما الرخصة، وقد كانا سمعا النهي فرأوه على ما سمعوا. قال في " الفروع ": ويتوجه احتمال: لا في مجاعة؛ لأنه سبب تحريم الادخار. انتهى. وقوله ﷺ : " إنما نهيتكم للدافة التي دفت " أي: لورود قوم من الأعراب عليهم ليتوسعوا بلحوم الأضاحي؛ لأن الدافة هم القوم من الأعراب يردون المصر. والله أعلم. (ومن فرق نذرا) أي: منذورا من هدي أو أضحية (بلا إذن، لم يضمن) منه شيئا؛. لأن تفرقة ذلك على الفقراء ليست بواجبه على الناذر، وإنما استحب في حقه. فإذا فرق ذلك غيره بغير إذنه لم يمنع ذلك من الإجزاء. فلا أثر لذلك في الضمان. (ويُعتبر تمليك فقير. فلا يكفي إطعامه)؛ كالواجب في الكفارة. (ومن مات بعد ذبحها) أي: بعد أن ذبحها (قام وارثه مقامه) في الأكل والإهداء والصدقة ولم تبيع في دينه. (ويفعل) مالك (ما شاء) من أكل وبيع وهبة (بما ذبح قبل وقته)؛ لأنه لم

стр. 1804

يقع في محله. وعليه بدله إن كان واجبا. (وإذا دخل العشر) أي: عشر ذى الحجة (حرم على من يضحًي أو يضحًى عنه) في ظاهر ما نقله الأثرم وغيره (١) : (اخذ شيء من شعره او ظفره او بشرته) من أول العشر (إلى الذبح) على الأصح؛ لما روت أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي " (٢) . رواه مسلم. وفي رواية: " ولا من بشره " (٣) . رواه مسلم. وظاهر هذا التحريم. وقال القاضي وجماعة من أصحابنا: يكره. وبه قال مالك والشافعي؛ لقول عائشة: " كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها. ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي " (٤) . متفق عليه. وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يكره له الوطء واللباس. فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظافر؛ كما لو لم يرد أن يضحي. ولنا: ظاهر حديث ام سلمة. وهو يرد القياس. وحديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص يجب تقديمه وتنزيله على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص. ولأنه يجب حمل حديثهم على غير ما تناوله محل النزاع؛ لوجوه: منها: أن أقل احوال النهي الكراهة، والنبي ﷺ لم يكن ليفعل ما نهى عنه

стр. 1805

وإن كان مكروها. قال الله إخبارا عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. ومنها: أن عائشة إنما تعلم ظاهر ما يباشرها به من المباشرة، او ما يفعله دائماً؛ كاللباس والطيب. اما قص الشعر وتقليم الأظافر مما لا يفعله في الأيام العشرة. فالظاهر أنها لم ترده بخبرها. فإن احتمل إرادته فهو احتمال بعيد، وما كان كذا فاحتمال تخصيصه قريب. فيكفي فيه أدنى دليل، وخبرنا دليل قوي. فكان أولى بالتخصيص. ولأن عائشة تخبر عن فعله، وأم سلمة تخبر عن قوله، والقول مقدم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون خاصا به. إذا ثبت هذا فمتى فعل شيئا من حلق شعر او غيره مما ثبت تحريمه قبل أن يضحي، قال (المنقح: ولو بواحدة لمن يضحي بأكثر) استغفر (١) الله ، ولا فدية عليه إجماعا. سواء فعله سهوا أو عمدا. (وسُن حلقٌ بعده) أي: بعد أن يضحي على الأصح. قال أحمد: على ما فعل ابن عمر تعظيم لذلك اليوم. ووجهه: أنه كان ممنوعا من ذلك قبل أن يضحي. فاستحب له ذلك بعد أن يضحي؛ كالمحرم. ***

стр. 1806

] فصل: في العقيقة [ (فصل: والعقيقة) الذبيحة التي تذبح عن المولود. وقيل: هي الطعام الذى يصنع ويدعى إليه من أجل المولود. قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود، وجمعها عقائق. ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه او ما يجاوره. ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية بحيث لا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة. وقال ابن عبدالبر: أنكر احمد هذا التفسير وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه. " ووجهه: ان اصل العق القطع، ومنه: عق والديه إذا قطعهما. . والذبح: قطع الحلقوم والمريء والودجين. والعقيقة (سنة) مؤكدة في قول عامة أهل العلم على الأصح، (في حق اب ولو) كان (معسرا. ويقترض) استحبابا. وقال أصحاب الراي: ليست سنة، وهي من أمر الجاهلية؛ لما روي: " أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: إن الله لا يحب العقوق فكأنه كره الاسم. وقال: من ولد له مولود فأحب ان ينسك عنه فليفعل " (١) . رواه مالك في " الموطأ ". وعنه: أنها واجبة. اختاره أبو بكر وأبو إسحاق البرمكي وأبو الوفاء. والأول: المذ هب. قال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ " قد عق عن الحسن

стр. 1807

والحسين " (١) . وفعله أصحابه. وقال النبي ﷺ : " الغلام مرتهن بعقيقته " (٢) . وهو إسناد جيد يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ . ومن جعلها من أمر الجاهلية؛ فلأنه لم يبلغه ما رود فيها من الأحاديث. (ف) إذا تقرر هذا فإنما تكون (عن الغلام شاتان متقاربتان سنا وشبها. فإن عدم) الشاتين (فواحدة. وعن الجارية شاة) واحدة؛ لما روت أم (٣) كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة " (٤) . وفي لفظ: " عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة ")). (٥) ، وما روي مما ظاهره الوجوب فمحمول على تأكد الاستحباب جمعا بين الأحاديث. فإنه أولى من التعارض. ولأنها ذبيحة لسرور حادث. فلم تكن و (٣) ة؛ كالوليمة. (ولا تجزئ بدنة او بقرة) ذبحها عقيقة (إلا كاملة) نص عليه. قال في " النهاية ": وأفضله شاة. والسنة كون العقيقة: (تذبح في سابعه) أي: سابع المولود، (ويحلق فيه راس) مولود (ذكر، ويتصدق بوزنه ورقا)؛ لما روى سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: " كل غلام رهين بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى

стр. 1808

ويحلق رأسه " (١) . وعن ابي هريرة مثله. قال احمد: إسناد جيد. وروى حديث سمرة الأثرم وأبو داود. وأما كونه يتصدق بوزن شعره فضة؛ فلما روي: " أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما ولدت الحسن: احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين والأوقاص يعني: أهل الصفة " (٢) . رواه الإمام أحمد. (وكُره لطخُه) اي: لطخ المولود (من دمها) أي: دم العقيقة على الأصح. ونقل حنبل: أنه سنة؛ لما روي في حديث سمرة عن النبي ﷺ وأنه قال: " الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويدمى " (٣) . رواه همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة. والأول المذهب؛ لقول ابن عبدالبر: لا اعلم أحدا قال هذا إلا الحسن وقتادة. وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه (٤) ؛ لأن النبي ﷺ قال: " مع الغلام عقيقة. فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى " (٥) . رواه أبو داود. وهذا يقتضي أن لا يمس بدم؛ لأنه أذى. وروى يزيد بن عبد المزنى عن ابيه ان (٦) النبي ﷺ قال: " يُعقُّ عن الغلام ولا يمس راسه بدم " (٧) .

стр. 1809

قال مهنا: ذكرت هذا الحديث لأحمد فقال: ما اظرفه. رواه ابن ماجه. ولم يقل عن أبيه. ولأن هذا تنجيس له. فلا يشرع؛ كلطخه بغيره من النجاسات. وقال بريدة: " كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة، ويلطخ رأسه بدمها. فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران " (١) . رواه أبو داود. وأما من روى: ويدمى فقال أبو داود: ويسمى- يعني مكان: يدمى-. هكذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة وإياس بن دغْفَل عن الحسن، ووهم همام فقال: ويدمى. قال أحمد: قال فيه: ابن ابي عروبة: يُسمى. وقال همام: يدمى. وما أراه إلا خطأ. (و) يسن ان (يُسمى) المولود (فيه) أي: في سابعه؛ لحديب سمرة على قول ابن أبي عروبة. قال في " الفروع ": وقيل: أو قبله. انتهى. ويستحب (٢) أن يحسن اسمه؛ لأنه روي عن النبي ﷺ انه قال: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم واسماء ابائكم. فاً حسنوا أسمائكم " (٣) . رواه أبو داود. (وحرُم) ان يسمَّى (بمعبَّد لغير الله) ؛ (كعبد الكعبة)، وعبد شمس. (و) حرم أيضا ان يسمَّى (بما يوازي أسماء الله تعالى، وما لا يليق إلا به) ؛ كملك الملوك، وملك الأملاك، وشاهِ شاه؛ لما روى

стр. 1810

أحمد: " اشتد غضب الله على رجل تسمى ملك الأملاك. لا ملك إلا لله " (١) . وعلى قياس (٢) ذلك: القدوس والبر والخالق والرحمن. وفي هذه قول: تكره. (وكره) ان يسمى (بحرب، ويسار، ونحوهما)؛ كرباح ونجيح. والنهي عنهما في مسلم. وقال ابن هبيرة في حديث سمرة: " لا تسم غلامك يسار ولا رباح ولا نجيحا ولا افلح. فإنك تقول اثم هو؛ فلا يكون. فتقول: لا " (٣) . فربما كان طريقا إلى التشاوم والتطير. فالنهي يتناول ما يطرق الطيرة. إلا ان ذلك لا يحرم؛ لحديب عمر: "ان الاذن (٤) على مشربة رسول الله ﷺ عبد يقال له: رباح ". و (لا) يكره أن يسمى (بأسماء الأنبياء والملائكة). قال ابن عبدالبر: قال ابن فاسم: قال مالك: سمعت أهل مكة يقولون: ما من اهل بيت فيهم اسم (٥) محمد إلا رزقوا، ورزق خيرا. اما اسماء الأنبياء؛ فلا يكره ان يسمى بها وفاقا. واما أسماء الملائكة فكره مالك ان يسمى بجبريل وياسين. والمذهب: لا يكره أن يسمى بمثل ذلك. (واحبها) أي: (٤) الأسماء (عبدالله، وعبدالرحمن). قا له النبي ﷺ (٦) . رواه مسلم. ويسن ان يغير الاسم القبيح.

стр. 1811

قال أبو داود: وغيّر النبي ﷺ اسم العاص، وعزيز، وعقدة (١) ، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب، وشهاب فسماه هشاماً، وسمى حرباً سلماً، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضاً عَفِرَة سماها خَضِرَة، وشعب الضلالة شعب الهدى، وبنو الزنية سماهم بني الرَّشْدَة، وسمى بني مُغْوِيَة بني مرشدة. قال: وتركت أسانيدها للاختصار (٢) . (فإن فات) الذبح في اليوم السابع، (فـ) يسن أن يكون الذبح (في أربعة عشر. فإن فات) الذبح في اليوم الرابع عشر، (فـ) يسن أن يكون الذبح (في أحد وعشرين) من ولادته. وهذا قول إسحاق؛ لأنه يروى عن عائشة، والظاهر: أنها لا تقول ذلك إلا توقيفاً. (ولا تُعتبر الأسابيعُ بعد ذلك) في الأصح. فيعق في أي (٣) يوم أراد؛ لأن هذا قضاء دم فائت. فلم يتوقف على يوم؛ كقضاء الأضحية وغيرها. . فإن لم يعق الأب فبلغ المولود لم يسن له أن يعق عن نفسه. نص عليه؛ لأن العقيقة مشروعة في حق الوالد. فلا يفعلها غيره؛ كالأجنبي. (و) سن له أنه (ينزعُها اعضاء، ولا يكسر عظمَها)؛ لما روي عن عائشة انها قالت: " السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة تطبخ جدولاً لا يكسر لها عظم " (٤) . أي: عضواً عضواً، وهو: الجدل بدال مهملة، والأرب والشلو والعضو والوصل كله واحد.

стр. 1812

وإنما يفعل بها ذلك؛ لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود. فاستحب فيها ذلك؛ تفاؤلاً بالسلامة. لذلك قالت عائشة. وروي أيضا عن عطاء وابن جريج، وبه قال الشافعي. (وطبخُها أفضل). نص عليه، (ويكون منه) أي: من الطبخ شيء (بحُلو). قال في " المستوعب ": ويستحب ان يطبخ منها بطبيخ حلو تفاولاً بحلاوة أخلاقه. وجزم به في دا الرعايتين " و" الحاويين " و" تجريد العناية ". وقال أبو بكر في " التنبيه ": يستحب أن تعطى القابلة فخذاً. يعني: من العقيقة. (وحكمُها) اي: حكم العقيقة (كأُضحية). فلا يجزئ فيها إلا ما يجزئ في الأضحية، ويستحب فيها من الصفة ما يستحب في الأضحية، ويكره فيها ما يكره في الأضحية. وكذا حكمها في الأكل والهدية والصدقة حكم الأضحية؛ لأنها نسيكة مشروعة. فأشبهت الأضحية في صفتها وسننها وشروطها ومصرفها. (لكن) العقيقة: (يباع جلدٌ ورأسٌ وسواقطُ) منها. (ويُتصدق بثمنه). بخلاف الأضحية؛ لأن الأضحية ذبيحة شرعت يوم النحر. فأشبهت الهدي. والعقيقة ذبيحة (١) شرعت عند سروز حادب، وتجدد نعمة. أشبهت الذبيحة في الوليمة. ولأن العقيقة لم تخرج عن ملكه بذبحها. فكان له أن يفعل بها ما شاء من بيع وغيره. والصدقة بما يباع منها بمنزلة الصدفة به في فضلها وثوابها وحصول النفع به. فكان له ذلك. (وإن اتّفق وقت عقيقة وأضحية) بأن يكون يوم من أيام النحر سابع يوم الولادة، أو رابع عشرة، أو حادي عشريه (فعق) أجزأ عن الأضحية، (او ضحى اجزأ عن الأخرى) أي: عن العقيقة؛ كما لو وقع العيد يوم الجمعة واجتزأ بالعيد عن الجمعة، وكما لو ذبح المتمتع او القارن شاة يوم النحر فإنها

стр. 1813

تجزئ عن الهدي الواجب وعن الأضحية، وكما لو صلى عقب الطواف مكتوبة فإنها تجزئ عن ركعتي الطواف. (ولا تسن فرعَةٌ) وتسمى أيضا: الفرع بفتح الراء فيها (١) . وهي: (نحر أول ولد الناقة. ولا) تسن (العَتيرة) أيضا، وهي: (ذبيحة رجب). ونقل حنبل عن احمد: تستحب العتيرة؛ لقول عائشة: " امرنا رسول الله ﷺ بالفرعة من كل خمسين واحدة " (٢) . قال ابن المنذر: حديث ثابت. والجواب: أن هذا الحديث منسوخ بما روى أبو هريرة ان النبي ﷺ قال: " لا فرع ولا عتيرة " (٣) . متفق عليه. ويدل لنسخه امران: أحدهما: ان رواية ابي هريرة متأخرة؛ لأن إسلامه متأخر، كان في سنة فتح خيبر، وهي السنة السابعة من الهجرة. الأمر الثاني: أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام. فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له. (ولا يُكرهان)؛ لأن المراد بالخبر نفي كونهما سنة لا تحريم فعلهما ولا كراهة. فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب، او ذبح أول ولد الناقة للصدقة به، أو لحاجته إلى ذلك لم يكن ذلك مكروها. والله أعلم. ***

стр. 1814

[كتاب الجهاد] هذا (كتاب) يذكر فيه جمل من أحكام الجهاد. ثم (الجهاد) مصدر جاهد جهادا ومجاهدة. ومجاهد اسم فاعل من جَهِد إذا بالغ في قتل عدوه. وعلى كل تصاريفه هو لغة: بذل الطاقة والوسع. وشرعا: (قتال الكفار) خاصة. وهو مشروع بالإجماع. وسنده قوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾] البقرة: ٢١٦]، ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾] التوبة: ٤١]. ومن السنة قوله ﷺ : " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق " (١). رواه مسلم. وغيره من الأحاديث الصحيحة. والجهاد أفضل تطوع البدن؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي: فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، او ارجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمه " (٢). متفق عليه. ولمسلم: " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم " (٣). وعن انس قال: قال رسول الله ﷺ : " غَذوةٌ في سبيل الله أو روحة خيرٌ من

стр. 1815

الدنيا وما فيها " (١) . رواه البخاري. (وهو فرض كفاية) ومعنى فرض الكفاية: أنه (٢) إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإن لم يقم به من يكفي أثم الناس كلهم. فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان ثم يختلفان باًن فرض الكفايه يسقط بفعل البعض، وفروض الأعيان لا تسقط عن أحد بفعل غيره. ولنا: على انه فرض كفاية قوله : ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾] النساء: ٩٥]. وهذا يدل على أن القاعدين غير اثمين مع جهاد غيرهم. وقال : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾] التوبة: ١٢٢]. ولأن النبي (٣) ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه. فاً ما قوله : ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ إلى اخر الاية] التوبة: ٣٩ [: فقد قال ابن عباس: " نسخها قوله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾] التوبة:١٢٢ [ (٤) . رواه الأثرم وأبو داود. ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي ﷺ إلى غزوه تبوك وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم. و" لذلك هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وأصحابه الذين خُلفوا حتى تاب الله عليهم " (٥) .

стр. 1816

ولذلك يجب الجهاد على من استنفره الإمام؛ لقول النبي ﷺ : " إذا استنفرتم فانفروا " (١) متفق عليه. ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض إلى الجهاد قوم يكفُون في قتالهم: إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من اجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم له تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم. ويكون (٢) في الثغور من يدفع العدو عنها. ويبعث في كل سنة جيشا يغيرون على العدو في بلادهم. (وسُن) الجهاد (بتأكد مع قيام من يكفي به) أي: بالجهاد؛ لما روى أبو داود بإسناده عن انس قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من اصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا تكفره بذنب، ولا تخرجه عن الإسلام بعمل. والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل اخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. والإيمان با لأقدار " (٣) . (ولا يجب) الجهاد (إلا على ذكر). فلا يجب على امراة، لما روت عائشة قالت: " قلب: يا رسول الله! هل على النساء جهاد؛ فقال: جهاد لا قتال فيه. الحج والعمرة " (٤) . ولأنها ليست من اهل القتال لضعفها وخورها، ولذلك لا يسهم لها. ولا يجب على خنثى مشكل، لأنه لا يعلم كونه ذكرا. فلا يجب مع الشك في شرطه. (مسلم) لأن الإسلام شرط لوجوب سائر الفروع.

стр. 1817

(حرِّ) فلا يجب على عبد، لما روي " أن رسول الله ﷺ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد " (١) . ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة. فلم تجب على العبد؛ كالحج. (مكلف)، لأن التكليف شرط لوجوب سائر " الفروع ". (صحيح) بأن يكون سليما من العمى والعرج والمرض؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾] الفتح: ١٧]. فيجب على الصحيح. (ولو) كان (أعشى) اي: ضعيف البصر (او) كان (أعور. ولا يُمنع الأعمى) إذا اراد الخروج. ثم اعلم ان العرج الذي يَسقط به الوجوب هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب. أما العرج اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر معه شدة العدو فلا يمنع وجوب الجهاد؛ لأنه يتمكن منه. فاً شبه الأعور. وان المرض الذي يسقط به الوجوب هو المرض الشديد. فأما اليسير؛ كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب " كالعَوَر. (واجد بملك، أو) واجد ب (بذل إمام ما يكفيه و) يكفي (اهلَه في غيبته)، لقول الله : ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾] التوبة: ٩١]. ولأن الجهاد لا يُتمكن منه إلا بالة. فاعتبرت القدرة عليها. (و) أن يجد (مع) كون محل الجهاد (مسافة قصر) فأكثر من بلده (ما

стр. 1818

يحمله)؛ لقول الله (١) : ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾] التوبه: ٩٢]. (وسن تشييعُ غاز. لا تلقِّيه). نص عليه؛ " لأن عليا شيع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ولم يتلقه ". وروي عن ابي بكر الصديق؛ " انه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ويزيد راكب وأبو بكر يمشي. فقال له: ما تريد يا خليفة رسول الله ﷺ ؛ إما أن تركب وإما ان أنزل انا فأمشي معك. فقال: لا أركب ولا تنزل. انى أحتسب خطاي هذه في سبيل الله تعالى (٢) " (٣) . ولأن تلقيه تهنئة له بالسلامه من الشهادة. قال في " الفروع ": ويتوجه مثله حج وانه يقصده للسلام. ونقل عنه في حج: لا. إلا إن كان (٤) قصده أو ذا علم أو هاشميا او يخاف شره. وشيع احمد أمه لحج. ونقل ابناه انه قال لهما (٥) : اكتبا اسم من سلم علينا ممن حج حتى إذا قدم سلمنا عليه. قال القاضي: جعله مقابلة، ولم يستحب أن يبدأهم. قال ابن عقيل: محمول على صيانة العلم لا على الكبر. وفي " الفنون ": تحسن التهنئة بالقدوم للمسافر كالمرضى تحسن تهنئة كل منهم بسلامته. انتهى. (واقل ما يُفعل) الجهاد (مع قدرة) عليه (كل عام مرة)؛ لأن الجزية

стр. 1819

تجب على أهل الذمة كل عام مرة، وهي بدل عن النصرة فكذلك مبدلها وهوالجهاد. (إلا ان تدعو حاجة إلى تأخيره)، مثل: أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو منتظرين لمدد يستعينون به، أو يكون بالطريق إلى الكفار مانع، أو ليس فيها علف أو ماء، أو يعلم من العدو حسن الرأي في الإسلام ويطمع في إسلامهم مع تأخير قتالهم، ونحو ذلك مما تكون المصلحة معه في تأخير القتال. فيجوز تأخيره بهدنة وبغير هدنة، " فإن النبي ﷺ قد صالح قرشيا عشر سنين وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده " (١) . وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة. أما إن دعت الحاجة إلى القتال في كل عام أكثر من مرة وجب " لأنه فرض كفاية. فوجب منه ما تدعو إليه الحاجة. (ومن حضره) أي: حضر صف القتال، (او حصر، أو) حصر (بلده، أو احتيج) في القتال (إليه) أي: إلى أن يقاتل، (او استنفرَه من) أي إنسان اله استنفاره: تعين) القتال (على من لا عذر له) في الصور المذكورة (ولو) كان كل ممن تقدم (عبدا). أما وجوبه على من حضر الصف أو حصر بلده، فلقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾] الأنفال: ٤٥]. ولقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾] الأنفال: ١٥]. ولأن من حُصر بلده تعين على أهله دفعهم وقتالهم، كحاضري الصف. وأما وجوبه على من استنفره من له استنفاره، لقول الله (٢) :

стр. 1820

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾] التوبة: ٣٨]. ولقول النبي ﷺ : " وإذا استنفرتم فانفروا " (١) . متفق عليه. (ولا ينفر في) حال (خطبة الجمعة، ولا بعد الإقامة). نص عليهما. ونقل أبو داود فيما إذا نفر بعد الإقامة: ينفر إن كان عليه وقت. قلت: لا ندري نفير حق أم لا؛ قال: إذا نادوا بالنفير فهو حق. قلت: إن أكثر النفير لا يكون حقا. قال: ينفر. يكون يعرف مجيء عدوهم كيف هو. (ولو نودي بالصلاة والنفير. والعدو بعيد: صلى ثم نفر. ومع قربه) أي: قرب العدو (ينفر ويصلي راكبا: افضل). نص على ذلك. (ولا ينفر لابق) أي: ولا ينادى بالنفير من أجل آبق من رقيق. لا يهلك الناس بسببه. (ولو نودي: الصلاة جامعة، لحادثة يشاور فيها لم يتأخر احد بلا عذر) له، لوجوب الجهاد بغاية ما يمكن من البدن والراي والتدبير. والحرب خدعة. (ومنع النبي ﷺ من نزع لأمة الحرب إذا لبسها، حتى يلقى العدو)، لحديث علقه البخاري وأسنده أحمد وحسنه البيهقي (٢) . واللأمه تجمع على لأم؛ كتمرة وتمر، وعلى لؤم كصرد على غير قياس. قال الجوهري: ولعله (٣) جمع لُؤمة " كجمعة وجمع. (و) مُنع ايضا ﷺ (من الرمز بالعين والإشارة بها)، لخبر: " ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " (٤) . رواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم.

стр. 1821

وهي الإيماء إلى مباح من نحو ضرب أو قتل. على خلاف ما هو ظاهر. وسمي خائنة الأعين " لشبهه بالخيانة بإخفائه. ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور. (و) منع ﷺ أيضا من (الشعر والخط وتعلُّمهِما) " لقوله : ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾] العنكبوت: ٤٨]، ولقوله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾] يس: ٦٩]. ومما منع منه أيضا ﷺ إعطاؤه العطايا مستكثرا؛ لقوله : ﴿وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾] المدثر: ٦] أي: لا تعط شيئا لتاً خذ اكثر منه. (وافضل متطوَّع به) من العبادات (الجهاد) نصا. قال أحمد: لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض افضل من الجهاد. روي ذلك عن جماعة من الصحابه. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبدالله وذكر له أمر الغزو فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر افضل منه. وقال عنه غيره: ليس يعدل لقاء العدو شيء ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال. والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأيّ عمل أفضل منه؛ الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم. وروى أبو سعيد قال: " قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؛ قال (١) : من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " (٢) . متفق عليه. ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، ذكرهم وانثاهم، وغيره لا يساويه في نفعه

стр. 1822

وخطره. فلا يساويه في فضله. (وغزو البحر أفضل) يعني: من غزو البر، لما روى أنس قال: " نام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك. قالت أم حرام. فقلت: ما يضحكك يا رسول الله! قال: ناس من أمتي عُرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله. يركبون ثَبّج هذا البحر، ملوك على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة " (١) . متفق عليه. قال ابن عبدالبر: أم حرام بنت ملحان أخت أم لسليم، خالة رسول الله ﷺ في الرضاعة أرضعته أخت لهما ثالثة. وروى ابن ماجه بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: " شهيد البحر مثل شهيد البر، والمائل في البحر كالمتشحط في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله. وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواج إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين " (٢) . ولأن البحر اعظم خطرا ومشقة. فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق. ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه. فكان غزوه افضل من غيره. (وتكفر الشهادة) الذنوب (غير الدين). فال في " الفروع ": قال (٣) شيخنا: وغير مظالم العباد؛ كقتل وظلم وزكاة وحج أخرهما. وقال شيخنا: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الصلاة والزكاة فإنه يستتاب. فإن تاب وإلا قتل. ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج إجماعا.

стр. 1823

وقال الاجري بعد أن ذكر الخبر: إن الشهادة تكفر غير الدين، قال: هذا إنما هو لمن تهاون بقضاء دينه، أما من استدان ديناً وأنفقه في غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه فإن الله يقضيه عنه، مات أو قتل. وتكفر طهارة وصلاة ورمضان وعرفه وعاشوراء الصغائر فقط. قال شيخنا: وكذا حج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه. ويتوجه وجه. ونقل المروذي: بر الوالدين كفارة للكبائر. وفي "الصحيحين " أو " الصحيح ": " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" (١) . قال ابن هبيرة: فيه إشارة إلى أن كبار الطاعات يكفر الله ما بينهما؛ لأنه لم يقل كفارة لصغار ذنوبه، بل إطلاقه يتناول الصغائر والكبائر. قال: وقوله: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " (٢) أي: زادت قيمته. فلم يقاومه شيء من الدنيا. وقوله: " فلم يرفث ولم يفسق " (٣) أي: أيام الحج. فيرجع ولا ذنب له، وبقي حجه فاضلا له؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. والمذهب: لا تذهب. انتهى. (ويُغزَى مع كل برِّ وفاجر يحفظان المسلمين)؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، براً كان أو فاجراً " (٤) . رواه أبو دا ود. ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه وظهور الكفار على المسلمين

стр. 1824

واستئصالهم، وظهرر كلمة الكفار. وفيه فساد عظيم. قال الله : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾] البقرة: ٢٥١]. و (لا) يغزى (مع مُخذِّل ونحوه). قال أحمد: لا يعجبني ان يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين. (ويقدَّم اقواهما) اي: أقوى الأميرين ولو كان يعرف بشرب الخمر والغلول، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " (١) . (وجهاد) العدو (المجاور متعين)، لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. ولأن الاشتغال بالعدو البعيد يمكن القريب من انتهاز الفرصة في المسلمين " لاشتغالهم عنه. (إلا لحاجة) إلى قتال الأبعد، لكونه أخوف، او لمصلحة في البداءة بالأبعد، لقوته، او لإمكان الفرصة منه، او لكون الأقرب مهادنا، أو يمنع مانع من قتاله: فإنه لا بأس بالبداءة بقتال الأبعد للحاجة. (ومع تساو) بين عدوين في القرب أو البعد، وأحدهما أهل كتاب (جهاد أهل الكتاب افضل). وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم. فقيل له في ذلك. فقال: إن هؤلاء يقاتلون عن دين. وقد روي عن رسول الله ﷺ : " أنه قال لأم خلاد: إن ابنك له أجر شهيدين. قالت: ولم ذاك يا رسول الله! قال: لأنه قتله اهل الكتاب " (٢) . رواه أبو داود.

стр. 1825

(وسُن رباط) في سبيل الله. (وهو: لزوم ثغر لجهإد) مقويا للمسلمين (ولو) كان اللزوم (ساعة) نصا. قال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط. والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم. واصله من رباط الخيل " لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم، كل يعد لصاحبه. فسمي المقام بالثغر رباطا، وإن لم يكن خيل. وفيه فضل عظيم واجر كبير. قال احمد: ليس يعدل الجهاد والرباط شيء. والرباط: دفع عن المسلمين وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو. فالرباط عندي أصل الجهاد وفرعه، والجهاد افضل منه للعناء والتعب والمشقة. وقد روي في فضل الرباط أخبار: منها ما روى سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه. فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان " (١) . رواه مسلم. وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتّان القبر " (٢) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن عثمان أنه قال على المنبر: " إني كنت كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ] كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي ان أحدثكموه ليختار امرو منكم
следующие страницы →