← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وهي الإيماء إلى مباح من نحو ضرب أو قتل. على خلاف ما هو ظاهر. وسمي خائنة الأعين " لشبهه بالخيانة بإخفائه. ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور. (و) منع ﷺ أيضا من (الشعر والخط وتعلُّمهِما) " لقوله : ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾] العنكبوت: ٤٨]، ولقوله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾] يس: ٦٩]. ومما منع منه أيضا ﷺ إعطاؤه العطايا مستكثرا؛ لقوله : ﴿وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾] المدثر: ٦] أي: لا تعط شيئا لتاً خذ اكثر منه. (وافضل متطوَّع به) من العبادات (الجهاد) نصا. قال أحمد: لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض افضل من الجهاد. روي ذلك عن جماعة من الصحابه. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبدالله وذكر له أمر الغزو فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر افضل منه. وقال عنه غيره: ليس يعدل لقاء العدو شيء ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال. والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم فأيّ عمل أفضل منه؛ الناس آمنون وهم خائفون قد بذلوا مهج أنفسهم. وروى أبو سعيد قال: " قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؛ قال (١) : من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " (٢) . متفق عليه. ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، ذكرهم وانثاهم، وغيره لا يساويه في نفعه

стр. 1822

وخطره. فلا يساويه في فضله. (وغزو البحر أفضل) يعني: من غزو البر، لما روى أنس قال: " نام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك. قالت أم حرام. فقلت: ما يضحكك يا رسول الله! قال: ناس من أمتي عُرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله. يركبون ثَبّج هذا البحر، ملوك على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة " (١) . متفق عليه. قال ابن عبدالبر: أم حرام بنت ملحان أخت أم لسليم، خالة رسول الله ﷺ في الرضاعة أرضعته أخت لهما ثالثة. وروى ابن ماجه بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: " شهيد البحر مثل شهيد البر، والمائل في البحر كالمتشحط في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله. وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواج إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين " (٢) . ولأن البحر اعظم خطرا ومشقة. فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق. ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه. فكان غزوه افضل من غيره. (وتكفر الشهادة) الذنوب (غير الدين). فال في " الفروع ": قال (٣) شيخنا: وغير مظالم العباد؛ كقتل وظلم وزكاة وحج أخرهما. وقال شيخنا: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الصلاة والزكاة فإنه يستتاب. فإن تاب وإلا قتل. ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج إجماعا.

стр. 1823

وقال الاجري بعد أن ذكر الخبر: إن الشهادة تكفر غير الدين، قال: هذا إنما هو لمن تهاون بقضاء دينه، أما من استدان ديناً وأنفقه في غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه فإن الله يقضيه عنه، مات أو قتل. وتكفر طهارة وصلاة ورمضان وعرفه وعاشوراء الصغائر فقط. قال شيخنا: وكذا حج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه. ويتوجه وجه. ونقل المروذي: بر الوالدين كفارة للكبائر. وفي "الصحيحين " أو " الصحيح ": " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" (١) . قال ابن هبيرة: فيه إشارة إلى أن كبار الطاعات يكفر الله ما بينهما؛ لأنه لم يقل كفارة لصغار ذنوبه، بل إطلاقه يتناول الصغائر والكبائر. قال: وقوله: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " (٢) أي: زادت قيمته. فلم يقاومه شيء من الدنيا. وقوله: " فلم يرفث ولم يفسق " (٣) أي: أيام الحج. فيرجع ولا ذنب له، وبقي حجه فاضلا له؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. والمذهب: لا تذهب. انتهى. (ويُغزَى مع كل برِّ وفاجر يحفظان المسلمين)؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، براً كان أو فاجراً " (٤) . رواه أبو دا ود. ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه وظهور الكفار على المسلمين

стр. 1824

واستئصالهم، وظهرر كلمة الكفار. وفيه فساد عظيم. قال الله : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾] البقرة: ٢٥١]. و (لا) يغزى (مع مُخذِّل ونحوه). قال أحمد: لا يعجبني ان يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين. (ويقدَّم اقواهما) اي: أقوى الأميرين ولو كان يعرف بشرب الخمر والغلول، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " (١) . (وجهاد) العدو (المجاور متعين)، لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. ولأن الاشتغال بالعدو البعيد يمكن القريب من انتهاز الفرصة في المسلمين " لاشتغالهم عنه. (إلا لحاجة) إلى قتال الأبعد، لكونه أخوف، او لمصلحة في البداءة بالأبعد، لقوته، او لإمكان الفرصة منه، او لكون الأقرب مهادنا، أو يمنع مانع من قتاله: فإنه لا بأس بالبداءة بقتال الأبعد للحاجة. (ومع تساو) بين عدوين في القرب أو البعد، وأحدهما أهل كتاب (جهاد أهل الكتاب افضل). وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم. فقيل له في ذلك. فقال: إن هؤلاء يقاتلون عن دين. وقد روي عن رسول الله ﷺ : " أنه قال لأم خلاد: إن ابنك له أجر شهيدين. قالت: ولم ذاك يا رسول الله! قال: لأنه قتله اهل الكتاب " (٢) . رواه أبو داود.

стр. 1825

(وسُن رباط) في سبيل الله. (وهو: لزوم ثغر لجهإد) مقويا للمسلمين (ولو) كان اللزوم (ساعة) نصا. قال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط. والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو ويخيفهم. واصله من رباط الخيل " لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم، كل يعد لصاحبه. فسمي المقام بالثغر رباطا، وإن لم يكن خيل. وفيه فضل عظيم واجر كبير. قال احمد: ليس يعدل الجهاد والرباط شيء. والرباط: دفع عن المسلمين وعن حريمهم وقوة لأهل الثغر ولأهل الغزو. فالرباط عندي أصل الجهاد وفرعه، والجهاد افضل منه للعناء والتعب والمشقة. وقد روي في فضل الرباط أخبار: منها ما روى سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه. فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان " (١) . رواه مسلم. وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتّان القبر " (٢) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن عثمان أنه قال على المنبر: " إني كنت كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ] كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي ان أحدثكموه ليختار امرو منكم

стр. 1826

لنفسه. سمعت رسول الله ﷺ [ (١) يقول: رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل " (٢) . رواه أبو داود والأثرم. (وتمامه) أي: تمام الرباط (اربعون يوماً)؛ لما روى أبو الشيخ في " كتاب الثواب " بإسناده عن النبي ﷺ انه قال: " تمام الرباط أربعون يوما " (٣) . ولما روى سعيد بإسناده عن أبي هريرة قال: " رباط يوم في سبيل أحب إليَّ من ان اوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ . ] ومن رابط ثلاثة أيام في سبيل الله فقد رابط [، ومن رابط اربعين يوما فقد استكمل الرباط " (٤) . (وافضله) اي: افضل الرباط (بأشد خوف) اي: بأشد الثغور خوفا؛ لأنهم احوج ومقامه به أنفع. قال أحمد: افضل الرباط اشد كلبا. (وهو) أي: المقام بالثغر (افضل من مقام بمكة). قال في " الفروع ": وذكره شيخنا إجماعا. (والصلاة بها) أي: بمكة (افضل) من الصلاة بالثغر. نص على ذلك. قال احمد: فأما فضل الصلاة هذا شيء خاصة فضل لهذه المساجد. (وكره) لمن يريد ثغرا (نقل اهله إلى مخوف) من الثغور. نص على ذلك؛ لما روى يزيد بن عبدالله قال: قال عمر: " لا تنزلوا المسلمين خيفةء البحر ". رواه الأثرم. ولأن الثغور المخوفة لا يؤمن من ظفر العدو بها وبمن فيها واستيلاوهم على الذرية والنساء.

стр. 1827

قيل لأبي عبدالله: فيخاف على المنتقل بعياله إلى الثغرالإثم؛ قال: كيف لا أخاف الإثم وهو يعرض ذريته للمشركين. (وإلا) أي: وإن لم يكن الثغر مخوفاً (فلا) يكره نقل أهله إليه (كأهل الثغر) أي: كإقامة أهل الثغر بأهليهم. فإنه لا يكره لهم الإقامة بأهليهم؛ لأنه لا بد لهم من السكنى بأهليهم، ولولا إقامة أهل الثغور فيها بأهاليهم (١) لخربت الثغور وتعطلت. وفي الحرس في سبيل الله ثواب عظيم وفضل كبير. قال ابن عباس: سمدت رسول الله ﷺ يقول: " عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتب تحرس في سبيل الله " (٢) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وعن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها " (٣) . رواه ابن سنجر. (و) يجب (على عاجز عن إظهار دينه بمحل يغلب فيه حكم كفر، او) يغلب فيه حكم ب (بِدَع مُضلة)؛ كرفض واعتزال: (الهجرة). والهجرة: الخروج من دار أهل الكفر إلى دار أهل الإسلام. ويقاس على ذلك الخروج من دار أهل البدع إلى دار أهل السنة. والأصل في ذلك قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا … ﴾ الايات] النساء: ٩٧]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " أنا بريء من مسلم بين مشركين. لا تراءى

стр. 1828

ناراهما " (١) . رواه أبو داود والنسائي والترمذي. ومعناه: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا اوقدت. ولأن القيام باً مر الدين واجب على القادر. والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومحل الوجوب: (إن قدر) العاجز عن إظهار دينه على الهجرة؛ لقوله : ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ الاية [النساء: ٩٨]. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. (ولو) كانت (في عدة بلا راحلة و) بلا (محرَم). وهذا المذهب. وقال في " الرعايتين " و" عيون المسائل " في مساً لة الحج بمَحرم: إن أمنت على نفسها من الفتنة في دينها لم تهاجر إلا بمحرم. وقال المجد في. " شرحه ": إن أمكنها إظهار دينها وأمنتهم على نفسها لم يبح إلا بمحرم؛ كالحج، وإن لم تاً منهم جاز الخروج حتى وحدها. بخلاف الحج. انتهى. (وسُنت) الهجرة (للقادر) على إظهار دينه وإقامته في دار الكفر؛ ليتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ويتمكن من جهادهم، وإعانة المسلمين. ويحصل بهجرته تكثيرهم. وذكر ابن الجوزي في قوله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ ] النساء: ٨٨ [عن القاضي: أن الهجرة كانت فرضاً إلى أن فتحت مكة. كذا قال. وقد اختاره ذلك جماعة مستدلين بقوله ﷺ : " لا هجرة بعد الفتح " (٢) .

стр. 1829

وبقوله ﷺ : " قد انقطعت الهجرة. ولكن جهاد ونية " (١) . ولنا على من يقول بانقطاع الهجرة ما روى معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " (٢) . رواه أبو داود. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد " (٣) . رواه سعيد وغيره. مع إطلاق الآيات والأخبار الدالة وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان. وأما قوله ﷺ : " لا هجرة بعد الفتح " (٤) . يعني: من مكة. ويلحق به كل بلد قد فتح، لأن الهجرة الخروج من بلاد الكفار. فإذا فتح لم ييق بلد الكفار فلا يبقى معه (٥) هجرة. (ولا يتطوع به) اي: بالجهاد (مَدين آدمي) أي: من عليه دين لادمي، (لا وفاء له). سواء كان حالاً او مؤجلاً. (إلا مع إذن) من رب الدين، (أو) مع (رهن يُحرز) الدين بأن يمكن وفاؤه منه، (أو) مع (كفيل مليء) بقدر الدين، لأن الجهاد يقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس فيفوت الحق بفواتها.

стр. 1830

وقد روي " أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسباً تكفر عني خطاياي؛ قال: نعم. إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك " (١) . وأما إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لغريمه؛ لأن الجهاد تعلق بعينه. فكان مقدما على ما في ذمته؛ كسائر فروض الأعيان. ولكن يستحب له أن لا يتعرض لمظان القتل من المبارزة والوقوف أول المقاتلة؛ لأن في ذلك تغريراً بتفويت الحق. وعلم مما تقدم انه إن ترك وفاء أو أقام كفيلا فله الغزو وبدون إذن غريمه. نص عليه أحمد فيمن ترك وفاء؛ " لأن عبدالله بن عمرو بن حرام خرج إلى أحد وعليه دين كثير فاستشهد وقضاه عنه ابنه جابر بعلم النبي ﷺ ، ولم يلمه النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر فعله بل مدحه " (٢) . وقال: " ما زالت الملائكة تظله باً جنحتها حتى رُفع " (٣) . وقال لابنه جابر: " أشعرتُ ان الله أحيا اباك وكلمه كِفاحا " (٤) . (ولا) يجوز ايضا أن يتطوع بالجهاد (مَن احد أبويه حر مسلم، إلا بإذنه)؛ لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أجاهد؛ قال: لك أبوان؛ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد " (٥) .

стр. 1831

وروى ابن عباس نحوه (١) . قال الترمذي: هذا حديب حسن صحيح. وفي رواية قال: " جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان. قال: ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما " (٢) . وعن أبي سعيد: " أن رجلاً هاجر إلى رسول الله ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : هل لك باليمن أحد؛ قال: نعم أبواي. قال: أذنا لك؛ قال: لا. قال: فارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما " (٣) . رواهما أبو داود. ولأن بر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية. وفرض العين يقدم. فاًما إن كانا غير مسلمين فلا إذن لهما؛ لأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يجاهدون وفيهم من أبواه كافران ولم يستاًذنهما، منهم أبو بكر الصديق. وأبو حذيفة بن عتبة كان مع النبي ﷺ يوم بدر وأبوه رئيس المشركين يومئذ. وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد. فاً نزل الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية] المجادلة: ٢٢ [، وهذا مخصص لعموم الأخبا ر. وكذا إن كانا رقيقين على الأصح؛ لأنه لا ولاية لهما. وكذا إن كانا مجنونين؛ لعدم اعتبار قولهما. ومن خرج في جهاد تطوع بإذن أبويه ثم منعاه منه بعد سيره قبل تعينه عليه: فعليه الرجوع؛ لأنه معنى لو وجد في الابتذاء منع. فمنع إذا وجد في أثنائه؛ كسائر الموانع. إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر من مرض أو نحوه. فإن أمكنه الإقامة في الطريق، وإلا مضى مع الجيش. وإذا حضر الصف تعين عليه بحضوره وسقط إذنهما.

стр. 1832

ولو أذنا له في الجهاد وشرطا عليه أن لا يقاتل فحضر القتال تعين عليه وسقط شرطهما؛ لأنه صار واجبا. فلم يبق لهما في تركه طاعة. (لا جَدّ وجَدّة) يعني: أن الجد والجدة لا يكون حكمهما حكم الأب والأم في الاستئذان. قال في " الفروع ": ذكره الأصحاب، ولا يحضرنى الآن عن أحمد. ويتوجه تخريج واحتمال في الجد أب (١) الأب. وقد قال ابن حزم: اتفقوا] أن بر الوالدين فرض، واتفقوا [ (٢) أن بر الجد فرض. انتهى. (ولا في سفر لواجب) يعني: أنه لا يلتفت إلى إذن أحد من الأبوين ولا رب دين لا وفاء له في سفرلواجب. وفي " الروضة ": أو كان فرض كفاية. - (ولا يحل للمسلمين فرارٌ من) كفار (مثليهم. ولو) كان الفار (٣) (واحداً من اثنين) كافرين؛ لقول ابن عباس: " من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر " (٤) . (او مع ظن تلف) يعني: ولو مع ظن المسلمين التلف إن لم يفروا. (إلا مُتَحَرَّفين لقتال، او مُتَحيّزين إلى فئة وإن بعدت) الفئة؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾] الأنفال: ١٦]. وقد " عد النبي ﷺ الفرار يوم الزحف من الكبائر " (٥) .

стр. 1833

ومعنى التحرف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن؛ كما لو كان المسلمون مقابلين للشمس أو الريح (١) ، أو في مكان ينكشفون فيه. فينحرفون إلى غير تلك الجهة، أو يستندون إلى جبل او نحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب. قال عمر: " يا سارية بن ديثم! الجبل. ظلم الذئب من استرعاه الغنم. فأنكرها الناس. فقال علي: دعوه. فلما نزل سأله عما قال. فلم يعترف به. وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق لغزوهم. فلما قدم ذلك الجيش أَخبروا أنهم لقوا عدوهم يوم جمعة فظهر عليهم فسمعوا صوت عمر. فانحازوا إليه فانتصروا على عدوهم " ومعنى التحيز إلى فئة: فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين؛ ليكون معهم فيقوى بهم على عدوه. وسواء بعدت الفئة أو قربت. قال القاضي: لو كانب الفئة بخراسان والزحف بالحجاز جاز التحيز إليها؛ لما روى ابن عمر ان النبي ﷺ قال: " إنى فئة لكم " (٢) . وكانوا بمكان بعيد منه. وقال عمر: " أنا فئة لكل مسلم " (٣) . وكان بالمدينه وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد. (وإن زادوا) اي: زاد الكفار على مثلي المسلمين (فلهم) اي: للمسلمين (الفرار. وهو) اي: الفرار مع زيادة الكفار على مثلي المسلمين (مع ظن تلف اولى) من الثبات. قال في " الإنصاف ": فإن زاد الكفار فلهم الفرار. قال الجمهور: والفرار أولى والحالة هذه مع ظن التلف بتركه. انتهى. (وسن الثبات مع عدم ظن التلف). وقيل: يجب.

стр. 1834

والأول المذهب؛ لأنهم لا يأمنون العطب، والحكم علق على مظنته وهو كونهم اقل من نصف عددهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا نصف عددهم فاً كثر. (والقتال مع ظنه) أي: ظن التلف (فيهما) اي: في الفرار والثبات (أولى من الفرار والأسر)؛ لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين. فيكونوا افضل من المولين. ولأنه يجوز ان يغلبوا ايضا فقد قال الله : ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾] البقرة:٢٤٩]. ومتى حصر العدو بلداً للمسلمين فلأهله التحصن منهم وإن كانوا أكثر من نصفهم؛ ليلحقهم مدد او قوة. ولا يكون ذلك توليا ولا فرارا. إنما التولي بعد اللقاء. وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التحيز إلى الحصن؛ لأنه بمنزلة التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة. وإن غزوا فذهبت دوابهم فليس ذلك عذرا في الفرار؛ لأن القتال ممكن للرجالة. وإن تحيزوا إلى جبل ليقاتلوا فيه رجالة فلا بأس؛ لأنه تحرف للقتال. وإن ذهب سلاحهم فتحيزوا إلى مكان يمكنهم القتال فيه بالحجارة والتستر بالشجر ونحوه، أو لهم في التحيز إليه فائدة جاز. (وإن وقع في مركبهم) أي: مركب المسلمين (نار) فاشتعلت فيه (فعلوا ما يرون)] اي: يظنون [ (١) (السلامة فيه: من مُقام، ووقوع في الماء)؛] لأن حفظ الروح واجب، وغلبة الظن كاليقين في أكثر الأحكام. فهاهنا كذلك. (فإن شكوا) [ (٢) فيما فيه السلامة (او تيقَّنوا التلف فيهما) أي: في المقام والوقوع في الماء، (او ظنوا السلامة فيهما) أي: في المقام والوقوع في الماء (ظنا متساوياً: خُيِّروا) بين المقام وإلقاء نفوسهم في الماء؛ لأنه لا مزية لأحد الأمرين على الآخر. ***

стр. 1835

] فصل: في تبييت الكفار [ (فصل. يجوز تبييتُ كفار ولو قُتل بلا قصد من يحرم قتله). ومعنى تبييت الكمار: كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارّون. قال أحمد: لا بأس بالبيات، وهل غزو الروم إلا البيات. قال: ولا نعلم أحداً كره بيات العدو؛ وذلك لما روى الصعب بن جثّامة الليثي قال: " سمعت رسول الله ﷺ يساًل عن الديار من ديار المشركين يبّيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؛ فقال: هم منهم " (١) . متفق عليه. وقد قال سلمة بن الأكوع: " أمر رسول الله ﷺ أبا بكر فغزونا أناسا من المشركين فبيتناهم " (٢) . رواه أبو داود. فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والذرية؛ قلنا: هذا محمول على التعمد لقتلهم. قال أحمد: أما أن يتعمد قتلهم فلا. (و) يجوز أيضا (رميهم بمنجنيق). نص عليه؛ " لأن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف " (٣) . رواه الترمذي مرسلا. و" نصبه عمرو بن العاص على الاسكندرية " (٤) . ولأن القتال به معتاد. أشبه الرمي بالسهام. فظاهر كلام أحمد: جواز ذلك

стр. 1836

مع الحاجة وعدمها. (و) يجوز أيضا رميهم (بنار، وقطع سابِلة) عنهم، (و) قطع (ماء) عنهم، (وفتحُه ليغرقهم، وهدم عامرهم) وإن تضمن ذلك إتلاف النساء والصبيان " لحديث الصعب بن جثامة في البيات. وهذا في معناه. (و) يجوز (أخذ شهد، بحيب لا يُترك للنحل) منه (شيء) على الأصح " لأن الشهد من الطَّعام المباح. ولأن هلاك النحل بأخذ جميع الشهد يحصل ضمناً غير مقصود. فأشبه قتل النساء والذراري في البيات. (لا حرقه) أي: حرق النحل، (او تفريقه) فإنه لا يجوز؛ لما روي عن أبي بكر الصديق: " انه قال ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه أميرا على القتال بالشام: ولا تحرقن نحلاً ولا تفرقنه " (١) . ولأن ذلك إفساد. فيدخل في عموم قوله : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾] البقره: ٢٠٥]. ولأن النحل حيوان ذو روح. فلم يجز قتله ليغيظهم؛ كنسائهم وذراريهم. (او عقرُ دابة) يعني: أنه لا يجوز ايضا عقر دابة (ولو لغير قتال) " كالبقر والغنم. (إلا لحاجة اكل). سواء خفنا أخذهم لها أولم نخف، لأن أبا بكر الصديق قالى في وصيته ليزيد حين بعثه أميراً: " يا يزيد! لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شجرا مثمرأ، ولا دابة عجماء، ولا شاة إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلا ولا تفرقنه، ولا تغلل ولا تجبن " (٢) . و" أن النبي ﷺ نهى عن قتل شي. ء من الدواب صبرا " (٣) .

стр. 1837

ولأنه حيوان ذو حرمة. فأشبه النساء والصبيان. وأما عقرها لحاجة الأكل فيباج؛ لأن الحاجة تبيح مال المعصوم. فمال الكفار أولى. وأما إن لم تكن حاجة داعية وكان الحيوان لا يراد إلا للأكل؛ كالدجاج والحمام والصيود فحكمه حكم الطعام؛ لأنه لا يراد لغير الأكل وتقل قيمته. ] فأشبه الطعام [ (١) . (ولا) يجوز أيضا (إتلاف شجر أو زرع يُضِرُّ) إتلافه (بنا). سواء كان الإتلاف بقطع أو حرق أو غيرهما على الأصح؛ لما في ذلك من الإضرار بالمسلمين. أما لو لم يقدر عليهم إلا به؛ كالذي يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم، أو يستترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعه الطريق، أو كاثوا يفعلوه بنا. فإنه يجوز قطعه. قال الموفق ومن تبعه: بغير خلاف نعلمه. (ولا) لجوز (قتل صبي، و) لا (أنثى، و) لا (خنثى، و) لا (راهب، و) لا (شيخ فان، و) لا (زمن، و) لا (أعمى) لا) وأي لهم، ولم يقاتلوا، أو) لم (يحرضوا) على القتال؛ لما روى ابن عمر " أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان " (٢) . متفق عليه. ولأن الصبي يصير رقيقاً بنفس السبي ففي قتله إتلاف للمال، وإذا سبي منفردأ صار مسلماً فإتلافه إتلاف من يمكن جعله مسلماً. وروي عن ابن عباس " في قوله سبحاته وتعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُواْ﴾] البقرة: ١٩٠ [يقول: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير " (٣) .

стр. 1838

وروي عن ابي بكر الصديق: أنه أوصى يزيد حين وجهه إلى الشام فقال: " لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما " (١) . وعن عمر: " انه وصى سلمة بن قيس فقال: لا تقتلوا امرأة ولا صبياً ولا شيخاً هماً (٢) " (٣) . رواهما سعيد. واما كون الراهب لا يقتل؛ فلأن في حديث أبي بكر الصديق ﵁: " وستمرون على اقوام في مواضع لهم احتبسوا أنفسهم فيها. فدعهم حتى يميتهم الله على ضلالتهم " (٤) . ولأن الراهب لا يقاتل بدنيَّا. فاً شبهوا من لا يقدر على القتال. وعموم قوله : ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾] التوبة: ٥]. وقوله ﷺ : " اقتلوا شيوخ المشركين " (٥) : مخصوص بما تقدم من الأحاديب. ولأن الهرم ليس من اهل القتال. فلا يقتل؛ كالمراة. وقد أومأ النبي ﷺ إلى هذه العلة في المرأة فقال: " ما بالها قتلت وهي لاتقاتل " (٦) . وأما الزمن والأعمى فالعلة موجودة فيهما. لكن يشترط أن يكون الشيخ الفانى والزمن والأعمى لا رأي لهم قي القتال، اما إن كان لأحد منهم رأي في القتال جاز قتله؛ " لأن دريد بن الصمة قتل يوم

стр. 1839

حنين وهو شيخ فان، وكانوا قد خرجوا به معهم يستعينون (١) برأيه ". فلم ينكر النبي ﷺ قتله. ولأن الرأي من أعظم المعونة في الحرب، وربما كان أبلغ من (٢) القتال؛ كما قال المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة بلغت من العلياء كل مكان ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأي قبل تطاعن القرنان وقد جاء عن معاوية " أنه قال لمروان والأسود: أمددتما عليا بقيس بن سعد وبرأيه ومكايدته. فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية الاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك ". ويشترط: أن لا يقاتل السبي ولا المرأة فإن قاتلا جاز أن يقتلا (٣) ، " لأن النبي ﷺ قتل يوم قريظة امرأة ألقت رحى على محمود بن سلمه ". وروى ابن عباس " أن النبي ﷺ مرَّ على امرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من قتل هذه؛ فقال رجل: أنا، نازعتني قائم سيفي. فسكت " (٤) . ويشترط: أن لا يحرض أحد ممن قلنا لا يقاتل على القتال. فإن حرَّض جاز أن يُقتل. فإن تحريض النساء والذرية أبلغ من مباشرتهم القتال بأنفسهم. وشمل عموم كلامهم المريض والقن والفلاج. وقال في " المغني " و" شرح المقنع ": لا يقتل عبد ولا فلاح.

стр. 1840

وفي " الإرشاد ": ولا حَبر إلا لرأي او قتال او تحريض. (وإن تُتُرِّس) بالبناء للمفعول (بهم) يعني: أنه إذا تترس المقاتلة بالنساء والصبيان ومن قلنا لا يقتل: (رُمُوا) أي: جاز رميهم (بقصد المقاتِلة)؛ " لأن النبي ﷺ رمى الكفار بالمنجنيق وفيهم النساء والصبيان " (١) . ولأن ترك رميهم إذا فعلوا ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد. ولأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم. وسواء كانت الحرب ملتحمة حين ذاك أو لا؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يتحين بالرمي حالة التحام الحرب. وإن تترسوا (ومسلم لا يجوز) رميهم؛ لأن ذلك يؤول إلى قتل المسلمين. مع أن لهم (٢) مندوحة عنه؛ لكون الحرب غير قائمة. ولإمكان القدرة عليهم بغير الرمي. (إلا إن خيف علينا) بترك رميهم: فيرموا. نص عليه للضرورة. (ويقصد الكفار) بالرمي، لأنهم هم المقصودون بالذات. فلو لم يخف على المسلمين لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي لم يجز؛ لقوله ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ الآية] الفتح: ٢٥]. (ويجب إتلاف كتبهم المبدَّلة). ذكره في " البلغة ". (وكُره نقل راس) من بلد إلى بلد، والمثلة بالقتل؛ لما روى عقبة بن عامر: " أنه قدم على أبي بكر الصديق براس يناق البطريق. فاً نكر ذلك. فقال: يا خليفة رسول الله! فإنهم يفعلون ذلك بنا. قال: فاستِنان بفارس والروم؛ لا تحمل إلي رأس. فإنما يكفي الكتاب والخبر " (٣) .

стр. 1841

(ورميه بمنجنيق بلا مصلحة). ونقل ابن هانئ في رميه: لا يفعل ولا يحرقه. قال أحمد: ولا ينبغي أن يعذبوه. وعنه: إن مَثَّلوا ُمثل بهم. ذكره أبو بكر. قال في " الفروع ": قال شيخنا: المثلة حق لهم. فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها والصبر أفضل. وهذا حيب لا يكون في التمثيل بهم زياده في الجهاد، ولا يكون نكالاً لهم عن نظيرها. فاً ما إذا كان في التمثيل السائغ دعاء لهم إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان: فإنه هنا من إقامة الحدود، والجهاد المشروع، ولم تكن القصه في أحد كذلك. فلهذا كان الصبر أفضل. فأما إذا كان المغلب حق الله فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار. ويحرم الجزع. هذا كلامه، وكذا قال الخطابي: إن مثَّل الكافر بالمقتول جاز أن يُمثَّل به. انتهى. (وحرم أخذ مال) منهم (لندفعه إليهم) أي: إلى الكفار. ذكره في" الانتصار ". وروى الترمذي وقال: غريب، وفي نسخة حسن. عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري (١) عن سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مِقسَم عن ابن عباس: " أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين. فأبى النبي ﷺ ان يبيعهم " (٢) . قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحكم، رواه الحجاج أيضا عن الحكم. قال غيره: ابن أبي ليلى ضعفه الأكثر. وقال العجلي: جائز الحديث. وضعف عبدالحق وابن القطان هذا الخبر من جهة ابن أبي ليلى.

стр. 1842

وقال: منقطع، لأن الحكم سمع من مقسم خمسة أحاديب ليس هذا منها. ورواه أحمد، وعنده: " ادفعوا إليه جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية. فلم يقبل منهم شيئا " (١) . وله في رواية: " فخلى بينهم وبينه " (٢) . (ومن اسر) منهم (أسيراً، وقدر ان يأتي به) اي: بالأسير (الإمام) ولو بإكراهه على إتيانه إلى الإمام (بضرب اوغيره)؛ كسحبه ونحوه، (وليس) الأسير (بمريض: حرُم قتله) أي: قتل أسيره (قبله) أي: قبل ان يأتي به الإمام فيرى فيه رايه، لأنه إذا صار أسيرا فالخيرة فيه إلى الإمام. وعلم مما تقدم انه متى امتنع من الانقياد معه ولم يمكنه إكراهه بضرب ولا غيره، أو كان مريضا او جريحا لا يمكنه المشي معه: أن له قتله؛ لأن في تركه حيا ضررا على المسلمين وتقوية للكفار. فتعين القتل، كحالة الابتداء، وكجريحهم إذا لم يأسره. وكذا له قتله إن خافه او خاف هربه. (و) كذا يحرم على الإنسان قتل (اسير غيره). إلا ان يصير إلى حال يجوز قتل أسير نفسه. فيجوز له حينئذ قتل اسير غيره. (ولا شيء عليه) أي: على قاتل الأسير مع تحريم قتله. (إلا ان يكون) الأسير (مملوكاً) فيضمنه بقيمته لمالكه. ولا فرق في ذلك بين قتله قبل أن ياً نى به الإمام وبين قتله بعده في الأصح؛ " لأن عبدالرحمن بن عوف اسر أمية بن خلف وابنه عليا يوم بدر. فراهما بلال فاستصرخ الأنصار عليهما حتى قتلوهما " (٣) . ولم يغرموا شيئا. ولأنه اتلف ما ليس بمال. فلم يغرمه، كما لو أتلفه قبل ان يأتي به الإمام.

стр. 1843

فأما إن قتل امرأة أو صبياً غرمه بقيمته؛ لأنه صار رقيقاً بنفس السبي. وإن ادعى الأسير أنه كان مسلماً قبل الأسر لم يقبل قوله في ذلك بمجرده؛ لأنه يدعي أمرا الظاهر خلافه يتعلق به إسقاط حق تعلق برقبته. فإن شهد له واحد بذلك حلف معه وخلى سبيله على الأصح. قال في " الإنصاف ": جزم به ناظم " المفردات " وهو منها. وعنه: لا يقبل إلا بشاهدين. انتهى. ويدل للأول ما روى عبدالله بن مسعود أن النبي ﷺ قال يوم بدر: " لا يبقى منهم أحد إلا أن (١) يفدي أو تضرب عنقه. فقال عبدالله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإنى سمعته يذكر الإسلام. فقال النبي ﷺ : إلا سهيل بن بيضاء " (٢) . فقبل (٣) شهادة عبدالله وحده. (ويخير إمام في اسير حر مقاتل: بين قتل)؛ لعموم قوله سبحانه وتعا لى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾] التوبة: ٥]. و" لأنه ﷺ قتل رجال بني قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة " (٤) . و" قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث " (٥) . وفيه تقول أخته: ما كان ضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المغيظ المخنق فقال ﷺ : لو سمعت شعرها ما قتلته ". (و) بين (رق)؛ لقول أبي هريرة: " لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث

стр. 1844

سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هم اشد امتي على الدجال. وجاءت صدقاتهم فقال النبي ﷺ : هذه صدقات قومنا. قالت: وكانت سبية منهم عند عائشة فقال النبي ﷺ : اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " (١) . متفق عليه. ولأنه يجوز إقرارهم. على كفرهم بالجزية فبالرق أولى؛ لأنه أبلغ في صغارهم. (و) بين (منِّ) عليهم، (وفداء بمسلم)؛ لقول الله : ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾] محمد: ٤]. و" لأن النبي ﷺ من على ثُمامة بن أثال " (٢) . و" على ابي عَزَّة الشاعر " (٣) . و" على أبي العا ص بن الربيع " (٤) . و" لأن النبي ﷺ فدا رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل " (٥) . رواه أحمد والترمذي وصححه. (و) بين فداء (بمال) مطلقا على الأصح؛ "لأنه ﷺ فادى (٦) أهل بدر بمال " (٧) .

стр. 1845

(ويجب) على الإمام (اختيار الأصلح) للمسلمين. يعني: ان هذا التخيير تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة. فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز أن يختار غيرها؛ لأنه يتصرف للمسلمين على سبيل النظر لهم. فلم يجز له ترك ما فيه الحظ؛ كولي (١) اليتيم؛ لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى. فإن منهم من له قوه ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له. مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يُرجى إسلامه بالمن عليه، أو معونته للمسلمين بتخليصه أسراهم أو الدفع عنهم فالمن عليه أصلح، ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح. (فإن تردِّدّ نظرُه) أي: نظر الإمام في الخصال المذكورة (فقتلٌ) أي: فقتل الأسر ى (أولى). قال مجاهد في اميرين أحدهما يقتل الأسرى: هو أفضل، وكذلك قال مالك، وكذا قال الموفق وشارح " المقنع " وصاحب " الفروع " وغيرهم. ومتى رأى القتل فإنه يكون بضرب العنق بالسيف؛ لقول الله : ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾] محمد: ٤]. و" لأن النبي ﷺ أمر بضرب أعناق الذين قتلهم ". ولا يجوز التمثيل بأحد؛ لما روى بريدة " ان النبي ﷺ كان إذا أمر رجلا على جيش أو سرية قال: اغزوا بسم الله. قاتلوا من كفر بالله، ولا تعذبوا، ولا تمثلوا" (٢) . (ومن فيه نفع) من الأسرى، (ولا يقتل) اي: ولا يحل قتله؛ (كأعمى، وامرأة، وصبي، ومجنون، ونحوهم)؛ كخنثى: (ر قيقٌ بسبي)؛ " لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والولدان " (٣) . متفق عليه.

стр. 1846

و" كان ﷺ يسترقهم إذا سباهم ". (وعلى قاتلهم) اي: من قتل من ذكر، ومن قتل من حكم الإمام باسترقاقه (١) : (غرم الثمن) أي: غرم قيمته. ويكون الغرم (غنيمة)؛ لأنه مال تعلق به حق الغانمين. اشمبه إتلاف عروض الغنيمة. (و) على قاتله أييضاً (العقوبة) أي: التعزير لقتله] من لا يحل قتله [ (٢) . (والقن غنيمة)؛ لأنه مال للكفار (٣) استولي عليه. فكان للغانمين؛ كالبهيمة، (ويُقتل) القن (لمصلحة) يراها الإمام؛ لأن مثل هذا لا قيمة له. اشبه المرتد. (ويجوز استرقاق من لا تُقبل منه جزية) على الأصح. نص عليه في رواية ابن الحكم؛ لأنه كافر اصلي. أشبه من تقبل منه الجزية. (أو عليه ولاء لمسلم) يعنى: انه يجوز استرقاق من عليه ولاء لمسلم في الأصح. واختار أبو بكر: أنه لا يسترق من عليه ولاء لمسلم. بخلاف ولده الحربي؛ لبقاء نسبه. ) ولا يبطل استرقاقٌ حقا لمسلم). قال في " الإنصاف ": قاله ابن عقيل، وهو ظاهر ما قدمه في " الفروع ". قال في " الانتصار ": لا عمل لسبي إلا في مال. فلا يسقط حق قود له أو عليه. وفي سقوط الدين من ذمته- لضعفها برقه- كذمة مريض: احتمالان. وقال في " البلغة ": يُتبع به بعد عتقه. إلا ان يغنم بعد استرقاقه. فيقضى

стр. 1847

منه دينه. فيكون رقه كموته، وعليه يخرج حلوله برقه. وإن أُسر وأُخذ ماله معاً فالكل للغانمين، والدين باق في ذمته. انتهى. (ويتعين رق بإسلام عند الأكثر) يعني: أنه متى أسلم الأسير صار رقيقا في الحال وزال التخيير فيه، وصار حكمه حكم النساء. وهذا إحدى الروايتين واختيار الأكثر، جزم به في " الوجيز " و" الهداية " و" المذهب " و" مسبوك الذهب " و" الخلاصة " و" تجريد العناية "، وقدمه في " المحرر " و" شرح المقنع " و" الرعايتين " و" الحاويين " و" الزركشي " وقال: عليه الأصحاب. (وعنه:) أي: والرواية الثانية: أن إسلامه إنما يحرم قتله فقط، و (يخير) الإمام فيه (بين رق) أي: بين استرقاقه، (ومنِّ) عليه، (وفداء). صححه الموفق وشارح " المقنع " وصاحب " البلغة "، وقاله في " الكافي " وقدمه في " الفروع ". وقا ل (المنقح) في " التنقيح ": (وهو المذهب). وقال في " الإنصاف ": وهذا المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة. (فـ) على هذه الرواية التي ذكر المنقح أنها المذهب: (يجوز الفداء) أي: أن يفديه الإمام بمال ياً خذه " (ليتخلص من الرق). وله أن يمن عليه " لأنه إذا جاز المن عليه في حال كفره ففي حال إسلامه أولى، لأن الإسلام يقتضي إكرامه والإنعام عليه. (ويحرم ردُّه) أي: رد من أسلم من الأسرى (١) (إلى الكفار). قال في " الفروع ": اطلقه بعضهم. وذكر الموفق: أن لا يكون له من يمنعه من الكفار من عشيرة أو نحوها. (وإن بذلوا) أي: بذلوا الأسارى من أهل الكتاب (الجزية: قُبلت جوازاً) أي: على سبيل الجواز لا الوجوب. (ولم تُسترق) منهم (زوجة و) لا (ولد

стр. 1848

بالغ). وأما النساء غير المزوجات والصبيان منهم فإنهم صاروا غنيمة بنفس السبي. وأما إذا امتنع الإمام من قبول الجزية منهم فتخييره فيهم باق " لأن ما بذلوه من الجزية لا تجب إجابتهم إليه بعد أن صاروا في يد المسلمين بغير أمان " كما لو بذل ذلك عبدة الأوثان. (ومن اسلم) من الكفار (قبل أسره ولو) كان إسلامه (لخوف فكأصلي) يعني: فهو كمسلم أصلي " لأنه لم يحصل في أيدي الغانمين. ***

стр. 1849

] فصل: في سبي الصبي [ (فصل. والمسبي) من الكفار حال كونه (غير بالغ)، وحال كونه (منفرداً) عن أبويه، (او) كونه (مع احد ابويه) وسابيه (مسلم): فهو مسلم. اما ما سباه مسلم من أطفال الكفار منفردا عن ابويه فإنه يصير مسلما إجماعا؛ لأن الدين إنما يثبت (١) له] تبعاً. وقد انقطعت تبعيته لأبويه؛ لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومصيره إلى دار الإسلام [ (٢) تبعا لسابيه المسلم. فكان تابعاً (٣) له في دينه. وأما ما سباه مسلم مع أحد ابويه فإنه يصير مسلما على الأصح؛ لقول النبي ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة فاً بواه يهودانه او ينصرانه أو يمجّسانه " (٤) . رواه مسلم. وفسر أحمد الفطرة فقال: الفطرة التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد. قال القاضي: المراد به: - الدين (٥) من كفر او إسلام. قال: وقد فسر أحمد هذا في غير موضع. وذكر الأثرم: معنى على الفطرة: على الإقرار بالوحدانية حين أخذهم من صلب ادم واشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؛ قالوا: بلى، وبأن له صانعا

стр. 1850

ومدبراً وإن عبد شيئا غيره وسماه بغير اسمه، وأنه ليس المراد على الإسلام؛ لأن اليهودي يرثه ولده الطفل إجماعا. (ومعهما على دينهما) يعني: أن (١) من سُبي من الأطفال مع ابويه فهو باق على دينهما. (ومسبي ذمي). من اولاد الحربيين (يتبعه) اي: يتبع سابيه الذمي في دينه. قال في " الإنصاف ": لو سبى ذمي حربياً تبع سابيه حيث يتبع المسلم، على الصحيح من المذهب. وعلم مما تقدم أن غير البالغ متى سبي مع أبويه كان على دينهما؛ لقوله ﷺ : " فاًبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " (٢) . وهما معه، ومُلك السابي له لا يمنع إتباعه لأبويه في الدين. بدليل ما لو ولده في ملكه من عبده وأمته الكافرين. (وإن اسلم) أحد أبوي غير بالغ، (او مات) احد ابوي غير بالغ، (او عُدم أحد أبوي غير بالغ بدارنا)؛ كزنا ذمية ولو بكافر فتأتي بولد فالولد مسلم نصاً؛ لحديث مسلم المتقدم (٣) . (أو اشتبه ولد مسلم بولد كلافر) فولد الكافر الذي اشتبه بولد المسلم مسلم نصا. ولا يقرع خشية ان يقع ولد المسلم للكافر. (أو بلغ) ولد الكافر (مجنوناً فـ) هو (مسلم)؛ لعدم قبوله من أبويه التهود أو التنصر أو التمجس. (وإن بلغ) ولد الكافر حال كونه (عاقلاً، ممسكاً عن إسلام و) عن (كفر: قُتل قاتله). قال في " الفروع ": وفيه احتمال.

стр. 1851

وقيل: يقتل إن حكم بإسلامه بما تقدم، لا بالدار. ذكره أبو الخطاب وغيره ١٠ نتهى. (وينفسخ نكاج زوجة حربي بسبي) إن سبيت دون زوجها؛ لقوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾] النساء: ٢٤]. قال المفسر ون: با لسبي. وقد روى أبو سعيد الخدري قال. " أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾] النساء: ٢٤ [" (١) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ولأن السبي استيلاء على محل (٢) حق الكافر. فزال عنه بملكه (٣) بذلك. (لا) إن سبيت (معه ولو استرقا) بأن اختار الإمام استرقاقه مع زوجته؛ لأن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاج. فلا يقطع استدامته؛ كالعتق. ] لكن لا يحرم التفريق بينهما في قسمه ولا بيع؛ لأن الشرع لم يرد بذلك [ (٤) . قال في " شرح المقنع ": ولم يفرق أصحابنا في سبي الزوجين بين أن يسبيهما رجل واحد أو رجلان (٥) . (وتحل) المرأة المسبية السابيها) إذا سباها وحده. وقد علم مما تقدم أن الرجل إذا سبي وحده لا ينفسخ نكاح زوجته التي بدار الحرب؛ " لأن النبي ﷺ أسر سبعين من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم وفادى بعضهم، ولم يحكم عليهم بفسخ انكحتهم ". ولأننا إذا لم نحكم بفسخ النكاح فيما إذا سبيا معا مع الاستيلاء على محل

стр. 1852

حقه. فلئلا ينفسخ نكاحه مع عدم الاستيلاء على محل حقه من باب اولى. ولأنه لا نص فيه ولا قياس يقتضيه. (ولا يصح بيع مُسترق منهم) اي: من الأسرى (لكافر) ولو كان المسترق كافرا على الأصح. نص على ذلك. قال أحمد: ليس لأهل الذمة أن يشتروا مما سبى المسلمون. قال: وكتب عمر بن الخطاب ينهى عنه أمراء الأمصار. هكذا (١) حكى اهل الشام. انتهى. ولأنه لم ينكر ما قاله عمر منكر. فكان كالإجماع. ولأن فيه تفويتاً للإسلام الذي يظهر وجوده إذا بقي مخالطاً للمسلمين. بخلاف ما إذا كان رقيقا لكافر. (ولا) يصح ايضا (مُفاداتُه) أي: مفاداة من استرق من الكفار لكافر (بمال) على الأصح. قال في " الإنصاف ": حكم المفاداة بمال حكم بيعه، خلافاً ومذهباً. (ويجوز) مفاداته (بمسلم). قال في " الإنصاف ": وأما مفاداته بمسلم فالصحيح من المذهب جوازه. وعليه الأصحاب. وعنه: المنع بصغير. ونقل الأثرم ويعقوب: لا يرد صغير ولا نساء إلى الكفار. انتهى. (ولا يُفرَّق) ببيع ولا هبة ولا غيرهما (بين ذوي رحم محرم)؛ كاًب وابن، وكاًخوين، وكالعم وابن اخيه، وكالخال وابن اخته ونحو ذلك. ولو بعدالبلوغ على الأصح. اما التفريق بين الأم وولدها] الصغير فحرام بالإجماع؛ لما روى أبو ايوب

стр. 1853

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من فرّق بين والدة وولدها [ (١) فرق الله بينه وببن أحبته يوم القيامة " (٢) . قال الترمذي: حديث حسن غريب. قالى أحمد: لا يفرق بين الأم وولدها وإن رضيت. وذلك والله أعلم لما فيه من الإضرار بالولد. ] ولأن المرأة قد ترضى بما فيه ضررها ثم يتغير قلبها فتندم. وأما التفريق [ (٣) بين الأب وولده فقال مالك والليث: يجوز؛ لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه. ولأنه لا نص فيه ولا في معنى المنصوص؛ لأن الأم أشفق منه. ولنا على تحريم التفريق بين الأب وولده: أنه أحد الأبوين. أشبه الأم. ولا نُسلّم أنه ليس من أهل الحضانة. وأما تحريم التفريق بين الجدة وولد أولادها وبين الجد وولد أولاده؛ فلأن الجد والجدة يقومان مقام الأبوين في استحقاق الحضانة والميراث والنفقة. فقاما مقامهما في تحريم التفريق. ويستوي في ذلك الجد والجدة من قبل الأب ومن قبل الأم؛ لأن لهم ولادة ومحرمية فاستووا في ذلك؛ كاستوائهم في منع شهادة بعضهم على بعض. وأما تحريم التفريق بين ذوي الرحم المحرم؛ كالإخوة والأخوات ونحوهما؛ فلما روي عن علي أنه قال: " وَهَب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين. فبعت أحدهما، فقال رسول الله ﷺ : ما فعل غلامك؛ فأخبرته فقال: رده رده (٤) " (٥) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. ولأن تحريم التفريق بين الوالدين والأولاد؛ لما بينهما من الرحم

стр. 1854

المحرم (١) . فقيس عليهما تحريم التفريق بين كل ذي رحم محرم. فأما من ليس بينهما رحم محرم فلا يمنع من التفريق بينهم؛ لعدم النص فيهم (٢) ، وامتناع قياسهم على المنصوص. ولذلك يجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها، والأخت من الرضاع وأخيها. ولأن قرابة الرضاع لا توجب عتق أحدهما على الآخر ولا نفقة ولا ميراثاً. فاًشبهت الصدقة. إذا تقرر هذا فإنه يستثنى من عموم تحريم التفريق ثلاث صور: اشير إلى الأولى منها (٣) بقوله: (إلا بعتق). وأشير إلى الثانية بقوله: (او افتداء اسير) إذا كان الأسير مسلماً، والذي افتديناه به من ذوي الرحم (٤) كافر. او هذا مراد من أطلق والسابق إلى الأذهان. وأشير إلى الثالثة بقوله: (او بيع فيما إذا ملك اختين، ونحوهما)؛ كامرأة وعمتها، او امرأة وخالتها. فإنه إذا وطئ إحداهما وأراد وطء الأخرى فإنه يجوز له أن يبيع الموطوءة ليباج له وطء الأخرى؛ لاضطراره حينئذ إلى بيعها. (ومن اشترى منهم) أي: من الأسرى (٥) (عدداً) أي: اثنين فاً كثر (في عقد يُظن ان بينهم) أي: بين الذين أبيعوا (اُخُوَّة) اي: يظن أنهم إخوة (او نحوها) أي: نحو الأُخوة؛ كالعمومة والخؤولة فباعهم الإمام جملة بدون ثمن مثلهم مع التفريق لتحريم التفريق بينهم؛ لوجود القرابة لو كانت. (فتبين عدمُها لا أي: عدم القرابة التي يحرم التفريق معها: (رُدَّ إلى المقسَم) من المشتري (الفضل الذي فيه) أي: في المبيع (بالتفرق) أي: بجواز (٦) تفريق المبيع.

стр. 1855

وهذا إذا فات المبيع، وأما مع بقائه بيد مشتريه فللبائع فسخ البيع واسترجاعه ليباع بقيمته متفرقاً. (وإذا حضر إمام) أو نائبه الأمير (حصناً: لزمه) فعل (١) (الأصلح) أي: أن يجتهد فيفعل ما يراه الأ صلح (٢) (من مُصابرته) أي: مصابرة الحصن، (و) من (مُوادعته بمال، وهدنة بشرطها). نقله المروذي. (ويحبان) الموادعة بمال والموادعة بغير ما ل (إن سألوهما) أي: ساً لهما اهل الحصن (وثَم مصلحة) موجودة؛ لأن الغرض إعلاءُ كلمة الإسلام وصغار الكفرة. وهو حاصل بسؤالهم الموادعة. فيجب؛ كالمن عليهم مع وجود المصلحة فيه. وله ايضا الانصراف عن الحصن بدون ما ذكر إذا رأى المصلحة في الانصراف. إما الضرر في الإقامه عليه (٣) أو للياًس منه؛ لما روي " أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا. فقال: إنا قافلون إن شاء الله غدا فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتحه؛ فقال رسول الله ﷺ : اغدوا على القتال فغدوا عليه فاًصابهم الجراج. فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا قافلون غدا. فأعجبهم. فقفل رسول الله ﷺ من عليه " (٤) . وقيل: لا يجوز أن يوادعهم، إلا أن يعجز عنهم ويستضر بالمقام عليهم. (وإن قالوا) اي: قال أهل الحصن للمسلمين:) ارحلوا عنا، وإلا قتلنا اسراكم) الذين (٥) عندنا (فليرحلوا) اي: فيجب على المسلمين أن يرحلوا عنهم. . . (ويحرز من أسلم منهم) أي: من أهل الحصن قبل إحرازنا إياه (دمه وماله

стр. 1856

حيث كان) أي: سواء كان معه في الحصن او خارجه. (ولو) كان ماله (منفعة إجارة)؛ لقوله ﷺ : " أمرت ان أقاتل الناس. . . " الحديث (١) . (و) يحرز ايضاً (اولاده الصغار، وحمل امرأته) للحكم بإسلامهم تبعا لإسلامه (لا هي) اي: لا امراته فإنه لا يحوزها؛ لأنها لا تتبعه في الإسلام، ويجوز استرقاقها؛ لأنها كافرة استولينا عليها بدون أمان. فجاز استرقاقها؛ كما لو لم تكن زوجة مسلم. (ولا ينفسخ نكاحه) أي: نكاح زوجها الذي اسلم (برقها)؛ لأن منفعة النكاح لا تجري مجرى الأموال. بدليل أنها لا تضمن باليد، ولا يجوز أخذ العوض عنها. (وإن نزلوا) اي: نزل أهل الحصن (على حكم) رجل (مسلم حر، مكلف عدل، مجتهد في الجهاد) من غير أن يُشترط أن يكون مجتهدا في جميع الأحكام. (ولو) كان (أعمى)؛ لأن المقصود رايه ومعرفة المصلحة في أحد أقسام الحكم. بخلاف القضاء، فإنه لا يستغنى عن البصر؛ ليميز المدعي من المدعى عليه، والشاهد من المشهود له والمشهود عليه، (او) كان الذي نزلوا على حكمه (متعددا)؛ كما لو كانوا رجلين فأكثر: (جاز)؛ " لأن النبي ﷺ لما حاصر بني قريظة رضوا باًن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأجابهم لذلك " (٢) . ومتى نزلوا على حكم رجلين فاً كثر كان الحكم فيهم ما اجتمعا او اجتمعوا عليه من الأمر. (ويلزمه) أي: يلزم من نزلوا على حكمه (الحكم بالأحظِّ لنا) من قتلهم او سبيهم أو فدائهم. (ويلزم) العمل بحكمه (حتى) في الأصح (بمنِّ) عليهم.

стр. 1857

و" كان حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم. فقال النبي ﷺ : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة " (١) . (وليس للإمام قتل من حَكم) من نزلوا على حكمه (برقه)؛ لأن (٢) الإمام إذا حكم برق إنسان ليس له أن يقتله بعد حكمه برقه. ولأن القتل أشد من الرق، وفيه إتلاف القيمة على الغانمين. (ولا رق من حَكم بقتله) يعني: انه ليس للإمام استرقاق شخص حكم من نزلوا على حكمه بقتله؛ لأنه قد يكون ممن يخاف من بقائه النكاية في المسلمين، ودخول الضرر عليهم بذلك. (ولا رق ولا قتل من حَكم بفدائه) يعني: أنه ليس للإمام أن يسترق ولا ان يقتل شخصا حَكَم من نزلوا على حكمه بفدائه؛ لأنه ليس له (٣) ذلك فيمن حكم هو بفدائه؛ لان القتل والرق أشد من الفداء. فلا يجاوز الأخف مما حكم به إلى الأثقل. ويكون ذلك نقضا للحكم بعد لزومه. (وله) اي: للامام (المنُّ مطلقا) أي: على من حكم بقتله او رقه أو فدائه؛ لأن المن أخفُّ من الثلاثة. فإذا راه الإمام مصلحة جاز له فعله؛ لأنه اتم نظرا، وكما لو راه ابتداء. (و) للإمام أيضا (قبول فداءٍ ممن حَكم) من نزلوا على حكمه (بقتله أو رقه)؛ لأنه نقض حكم برضى المحكوم له. فإذا رضي به جاز. ولأن ذلك حق الإمام. فإذا رضي بتركه إلى غيره كان له ذلك. (وإن أسلم من حَكم) من نزلوا على حكمه (بقتله أو سبيه عصم دمَه فقط)

стр. 1858

اي: دون ماله وذريته؛ لقول النبي ﷺ : " امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم واموالهم " (١) . وقد وجد (٢) منه قول: لا إله إلا الله فحرم قتله بذلك. وأما ماله وذريته. فإنهما صارا بالحكم ملكا للمسلمين. فلا يعودان إليه بإسلامه. (ولا يُسترق) في الأصح؛ لأنه اسلم قبل الاسترقاق. فلم يجز استرقاقه؛ كما لو اسلم قبل القدرة عليه. (وإن سألوا) أي: سأل أهل الحصن (ان يُنزلهم على حكم الله تعالى: لزمه ان يُنزلهم. ويخير) فيهم (كأسرى) في يده في الأصح. جزم به في " الرعاية الكبرى " وقدمه في " الفروع ". وقال في " الواضح ": يكوه. وقال في " المبهج ": لا ينزلهم؛ لأنه كإنزالهم بحكمنا ولم يرضوا به. (ولو كان به) أي: بالحصن (من لا جزية عليه. فبذلها لعقد الذمة عُقدت مجانا، وحُرم رقه)؛ لأن العقد معهم أمان لهم وإن لم يجب به مال. (ولو خرج عبد) من دار (٣) الحرب (إلينا بأمان، او نزل من حصن) إلينا بأمان: (فهو حر) نص على ذلك. (ولو جاءنا) عبد (مسلما واسَر سيدَه، او) أسر (- غيره) أي: غير سيده: (فهو حر)، ولهذا لا نرده في هدنة. قاله في " الترغيب " وغيره. (والكل) اي: كل ماجاءبه (له) أي: للعبدالذي جاء مسلما. (وإن أقام) العبد بعد ان أسلم (بدار حرب: فرقيق) أي: فهو باقٍ على رقه.

стр. 1859

(ولو جاء مولاه مسلماً بعده) اي: بعد عبده الذي جاء قبله مسلماً: (لم يُرد إليه)؛ لتأخره عن الحكم بحرّية عبده حين جاء إلينا مسلما. (ولو جاء) مولاه (قبله مسلما، ثم جاء هو) أي: عبده بعده (مسلماً فهو) أي: فالعبد (له) أي: لمولاه؛ لعدم زوال ملكه عنه. (وليس لقن غنيمة. فلو هرب إلى العدو ثم جاء) من العدو (بمال فهو) أي: فالعبد (لسيده والمال) الذي جاء به (لنا) غنيمة. والله اعلم. ***

стр. 1860

] باب: ما يلزم الإمام والجيش [ هذا (باب ما يلزم الإمام) عند سيره بالجيش إلى الغزو او نائبه في ذلك وهو امير الجيش، (و) ما يلزم (الجيش) السائر معه. (يلزم كل أحد إخلاص النية لله تعالى في الطاعات، وأن يجتهد في ذلك). ويستحب أن يدعو سراً. قال أبو داود: باب ما يدعو عند اللقاء. ثم روى باسناد جيد عن انس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا. غزا قال: اللهم! انت عضُدي ونصيري. بك أحولُ، وبك أصولُ، وبك أقاتل " (١) . ورواه النسائي والترمذي وقال: حسن غريب. قال ابن الأنباري: الحول معناه في كلام العرب الحيله، يقال: ما للرجل حول، وما له محالة، قال: ومنه: لا حول ولا قوة إلا بالله. اي: لا حيلة في دفع سوء ولا قوه في درك خير إلا بالله. وفيه وجه آخر وهو: ان يكون معناه المنع والدفع. من قولك: حال بين الشيئين إذا منع احدهما عن الاخر، يقول: لا امنع ولا ادفع إلا بك. قال في " الفروع ": وكان غير واحد منهم شيخنا يقول هذا عند قصد مجلس علم. (وعلى الإمام عند المسير) أي: مسير الجيش، وقيل: يستحب له: (تعاهد الرجال والخيل) أي: رجال الجيش وخيلهم؛ لأن ذلك من مصالح الغزو. فلزمه فعله؛ كبقية المصالح. (و) عليه أيضاً (منع من لا يصلحُ لحرب) من الرجال والخيل. فيمنع من الرجال الضعفاء والزمنى، ولا يدع فرساً حَطِماً وهو الكسير، ولا قَحماً وهو
следующие страницы →