وانما لم أذكر ما صححه في " الإنصاف " وعزاه إلى جماهير الأصحاب من وجوب الاستنجاء من الطاهر وغير الملوث؛ لأنه لم يذكره في " التنقيح ".
(ولا يصح وضوء ولا تيمم قبله) أي: قبل الاستنجاء.
قال في " الفروع ": ولا يصح تقديم الوضوء عليه اختاره الأكثر. وعنه: يصح وفاقاً للأئمة الثلاثة وكذا التيمم. وقيل: لا يصح وفاقاً للشافعي. انتهى. ووجه المذهب: قوله ﷺ في حديث المقداد المتفق عليه: " يغسل ذكره ثم يتوضأ " (١) . ولأنها طهارة يبطلها الحدث. فاشترط تقديم الاستنجاء عليها؛ كالتيمم.
والحكم في التيمم مخرج على الروايتين في الوضوء. وقيل: لا يصح وجها واحدا؛ لأنه لا يرتفع الحدث، وانما تستباح به الصلاة، ولا تباح مع قيام المانع؛ كالتيمم قبل الوقت.
فائدة:
قال في " الإنصاف ": لو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو على السبيلين غير خارجة منهما: صح الوضوء قبل زوالها على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به أكثرهم. وقيل: لا يصح. قاله القاضي في بعض كلامه.
قال ابن البنا (٢) : وليس بشيء. ثم قال بعد ذلك بأسطر: فعلى القول بعدم الصحة في التيمم: لو كانت النجاسة في غير السبيلين: صح تقديم التيمم على غسلها على الصحيح من المذهب، اختاره ابن عقيل في " الفصول ". قال المصنف في " المغني " وتبعه ابن منجى في " شرحه ": والأشبه الجواز. وصححه في " الرعاية الكبرى ". انتهى.
стр. 212
تذنيب:
قال في " الفروع ": قال شيخنا: ويحرم منع المحتاج إلى الطهارة ولو وقفت على طائفة معينة، كمدرسة ورباط، ولو في ماله " لأنها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج، ولو قدر أن الواقف صرح بالمنع فانما يسوغ مع الاستغناء، وإلا فيجب بذل المنافع المختصة للمحتاج " كسكنى داره، والانتفاع بماعونه، ولا أجرة في الأصح.
قال: وان كان في دخول أهل الذمة طهارة المسلمين تضييق أو تنجيس أو إفساد ماء ونحوه وجب منعهم، قال: وان لم يكن ضرر ولهم ما يستغنون به عن مطهرة المسلمين، فليس لهم مزاحمتهم. والله أعلم.
стр. 213
[باب السواك]
هذا (باب) يذكر فيه مسائل من أحكام السواك والادهان والاكتحال والختان والحلق ونحو ذلك.
وسنن الوضوء: (التسوك). مصدر تسوك إذا دَلَّك فمه بالعود.
(وكونه) أي: التسوك) عَرْضاً) بالنسبة إلى الأسنان طولاً بالنسبة إلى الفم، وكونه (بيسراًه) أي: بيده اليسرى (على الأسنان) جمع سن بكسر السين، (و) على (لِثًة) بتخفيف المثلثة وفتحها وكسر اللام، (و) على (لسان بعود رطب ينقي) الفم (ولا يجرح) ما يستاك به عليه، (ولا يضره ولا يتفتت) في الفم.
(ويكره بغيره) أي: بغير الرطب وبغير الذي ينقي الفم وبغير الذي لا يجرح ولا يضر ولا يتفتت.
(مسنون) خبر للتسوك (مطلقاً) أي: في جميع الأوقات؛ لما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: " السواك مطهرةٌ للفم مرضاة للرب " (١) . رواه الشافعي وأحمد وابن خزيمة والبخاري تعليقاً. ورواه أحمد أيضاً عن أبي بكر وابن عمر ﵄ (٢) .
стр. 214
وعن عائشة أيضاً قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته يبدأ بالسواك " (١) . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
(إلا لصائم بعد الزوال فيكره)؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:
" لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " (٢) . متفق عليه.
وهو انما يظهر غالباً بعد الزوال. فوجب اختصاص الحكم به. ولأنه أثر عبادة تستطاب شرعاً. فتستحب إدامته، كدم الشهيد عليه.
وعنه: يباح بعد الزوال.
وعنه: يستحب. قال في " الفروع ": اختاره شيخنا، وهو أظهر.
(ويباح قبله) أي: قبل الزوال (بعود رطب). وعنه: يكره به قبل الزوال أيضاً.
والأول أصح " لما روى عامر بن ربيعة قال: " رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم " (٣) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ورواه البخاري تعليقاً.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " من خير خصال الصائم:
стр. 215
السواك " (١) . رواه ابن ماجه.
وهذان الحديثان محمولان على ما قبل الزوال؛ لما روى البيهقي بإسناده
عن علي أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشية " (٢) .
(و) التسوك للصائم قبل الزوال (بيابس يستحب).
قال في " الإنصاف ": وأما الصائم قبل الزوال: فان كان بسواك غير رطب استحب له. ولم يذكر في ذلك خلافاً ويستدل لذلك بالحديثين المذكورين المتقدمين.
(ولم يصب السنة من استاك بغير عود) كمن استاك بأصبعه أو بخرقة؛ لأن
الشرع لم يرد به، ولا يحصل بذلك الانقاء الحاصل بالعود. وقيل: يصيبها.
وظاهر قوله في استحباب التسوك بعود رطب: التساوي بين جميع ما يستاك
به من العيدان.
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب وعليه الأصحاب، وقال في
" الفر وع ": ويتوجه احتمال: أن الأراك أولى. انتهى. قلت: ويتوجه أن أزال أكثر.
وذكر الأزجي: انه لا يعدل عن الأراك والزيتون والعرجون إلا لتعذره.
قال في " الرعاية الكبرى ": من أراك أو زيتون أو عرجون. وقيل: أو قتاد. واقتصر كثير من الأصحاب على هذه الثلاثة. انتهى كلامه في " الإنصاف ".
قال في " الفروع ": ويكره بقصب؛ كريحان ورمان وآس ونحوها.
стр. 216
وقيل: يحرم وكذا تخلله به، قال بعضهم: ولا لتسوك بما يجهله؛ لئلا يكون من ذلك. انتهى.
(ويتآكد) استحباب السواك في خمسة مواضع: (عند صلاة): لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ انه قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " (١) . رواه الجماعة.
يعني: لأمرتهم به أمر إيجاب.
ولما روى الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: " لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء " (٢) . قال الشافعي: لو كان واجباً لأمرهم به شق أو لم يشق.
(و) عند (انتباه) من نوم؛ لما روى حذيفة قال: " كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك " (٣) . متفق عليه.
يعني: يغسله، يقال: شاصه وماصه إذا غسله.
وعن عائشة قالت (٤) : " كان النبي ﷺ لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ " (٥) . رواه الإمام أحمد.
(و) عند (تغير رائحة فم) بمأكول أو غيره؛ لأن السواك مشروع لتطييب الفم
стр. 217
وإزالة رائحته فتأكد عند تغيره.
(و) عند (وضوء)؛ لما جاء في حديث أبي هريرة: " لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء " (١) . رواه الإمام أحمد وهو للبخاري تعليقاً.
(و) عند (قراءة) قرآن. قاله في " الفروع " و" الفائق " و" الرعاية الصغرى "
و" الحاويين " و" النظم " و" تذكرة ابن عبدوس " وغيرهم، زاد في " التسهيل ": وعند دخول المنزل، واختار المجد في " شرح الهداية " وزاد في " الرعاية الكبرى ": وعند الغسل. وقيل: عند دخول المسجد وجزم به الزركشي.
(وكان) السواك (واجباً على النبي ﷺ . اختاره القاضي وابن عقيل. وقيل: لا. اختاره ابن حامد.
ويدل للأول ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبي حنظلة بن أبي عامر: " أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً وغير طاهر. فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة " (٢) .
قال في " الفروع ": والسواك باعتدال يطيب الفم والنكهة، ويجلو الأسنان ويقويها، ويشد اللثة.
قال بعضهم: ويسمنها، ويقطع البلغم، ويجلو البصر، ويمنع الحفر ويذهب به، ويصح المعدة، ويعين على الهضم، ويشهي الطعام، ويصفي الصوت، ويسهل مجاري الكلام، وينشط، ويطرد النوم، ويخفف عن الرأس، وفم المعدة.
قال الأطباء: واكل السعد والأشنان ينقي رأس المعدة، ويشد اللثة، ويطيب النكهة، ومضغ السعد دائما له تأثير عظيم في تطييب النكهة، ومن استفّ
стр. 218
من الزنجبيل اليابس واللبان الخالص أذهبا عنه رائحة خلوف الفم، وما هو أشد من الخلوف.
(وسن بداءة ب) الجانب (الأيمن) من فم وبدن (في سواك وطهور و) في (شأنه كله)؛ كترجل وانتعال ونحو ذلك؛ لحديث عائشة: " أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله " (١) . متفق عليه.
(و) سن (ادهان غبّا يوماً) يدهن (ويوماً) لا يدهن.
قال في " الفروع ": واحتجوا ب " انه ﷺ نهى عن الترجل إلا غباً " (٢) ،
و" نهى أن يتمشط أحدهم كل يوم " (٣) .
فدل على انه يكره غير الغب.
والترجل: تسريح الشعر ودهنه. وظاهر ذلك أن اللحية كالرأس.
وفي " شرح العمدة ": ودهن البدن.
والغب يوماً ويوماً. نقله يعقوب.
وفي " الرعاية ": ما لم يجف الأول، لا مطلقاً للنساء خلافاً للشافعى.
ويفعله لحاجة للخبر. واختار شيخنا فعل الأصلح للبدن " كالغسل بماء حار ببلد رطب " لأن المقصود ترجيل الشعر. ولأنه فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وان مثله نوع اللبس والمأكل.
وانهم لما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده، ويلبس من لباس بلده. من غير أن يقصدوا قوت المدينة ولباسها. قال: ومن هذا أن الغالب عليه وعلى أصحابه الإزار والرداء، فهل هما أفضل لكل أحد ولو مع القميص، أو الأفضل مع القميص السراًويل فقط؛ هذا
стр. 219
مما تنازع فيه العلماء. والثانى أظهر، فالاقتداء به: تارة يكون في نوع الفعل وتارة في جنسه، فانه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره، لا لمعنى يخصه، فيكون المشروع هو الأمر العام. قال: وهذا ليس مخصوصا بفعله وفعل أصحابه، بل وبكثير مما أمرهم به ونهاهم عنه.
وعن أبي أمامة مرفوعا: " أن البذاذة من الإيمان. يعني: التَّقَحُّل " (١) .
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وفي لفظ يعني: " التَّقَشُّف " (٢) .
وقال أحمد: البذاذة: التواضع في اللباس.
وعن فضالة بن عبيد قال: " كان رسول الله ﷺ ينهانا عن كثير من الإرفاه ويأمرنا أن نحتفي احيانا " (٣) . رواه أبو دا ود.
وعن عبد الله بن سفيان عن صحابي عامل بمصر قال. " كان النبي ﷺ ينهانا عن الإرفاه والترجيل كل يوم " (٤) ٠ انتهى.
(و) سن (اكتحال) كل ليلة قبل النوم (في كل عين ثلاث)، لما روى ابن
عباس عن النبي ﷺ " انه كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال " (٥) . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. وقيل: المسنون أن يكتحل ثلاثاً في اليمين واثنين في إليسار؛ لأنه إذا اكتحل في كل عين ثلاثة لم يحصل الوتر في العينين.
стр. 220
والأول أولى؛ للحديث. ولأن لكل عين حكمها فلا يعتبر المجموع.
ويسن اتخاذ الشعر.
قال في " الفروع ": ويتوجه لا ان شق إكرامه وفاقاً للشافعي، ولهذا قال أحمد: هو سنة ولو نقوى عليه اتخذناه، ولكن له كلفة ومؤونة.
ويسرحه، ويفرقه، ويكون إلى أذنيه، وينتهي إلى منكبيه " كشعره ﷺ .
ولا بأس بزيادة على منكبيه وجعله ذؤابة.
قال أحمد: أبو عبيدة كانت له عقيصتان، وكذا عثمان.
ويعفي لحيته، وفي " المذهب " ما لم يستهجن طولها وفاقاً لمالك. ويحرم حلقها ذكره شيخنا.
ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة. ونصه: لا بأس بأخذه وما تحت حلقه كفعل ابن عمر. لكن " انما فعله إذا حج أو اعتمر " (١) . رواه البخاري.
وفي " المستو عب ": وتر أولى. وقيل: يكره، وأخذ أحمد من حاجبه وعارضه. نقله ابن هانئ.
(ونظرٌ في مرآة).
قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط فإذا
فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط.
والحكمة في ذلك: أن يزيل ما عسى أن يكون بوجهه من أذى، ويفطن إلى نعمة الله تعالى عليه في خلقه.
(وتطيب)؛ لما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : " أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح " (٢) . رواه الإمام أحمد.
стр. 221
(ويجب ختان ذكر) بأخذ جلدة الحشفة.
قال في " الفروع ": ذكره جماعة وفاقاً للشافعي، ونقل الميمونى: أو أكثرها، وجزم به صاحب " المحرر ".
(و) ختان (انثى) بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج شبه عرف الديك. ويستحب أن لا تؤخذ كلها نص عليه للخبر.
والدليل على وجوبه ما روي " أن النبي ﷺ قال لرجل أسلم: ألق عنك شعر الكفر واختتن " (١) . رواه أبو داود.
وفي الحديث " اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة " (٢) . متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وقال تعالى: (ثم أؤحتنآ إليك أن آتبع ملى إئرهيو حنيفا) [النحل: ١٢٣]. ولأنه من شعار المسلمين. فكان واجباً؛ كسائر شعارهم. ولأنه يجوز كشف العورة والنظر إليها لأجله لغير التداوي، ولو لم يكن واجباً لما جاز النظر إلى العورة من أجله.
قال أحمد: وكان ابن عباس يشدد في أمره حتى قد روي عنه: انه لا حج له
ولا صلاة.
وفي قول النبي ﷺ : " إذا التقى الختانان وجب الغسل " (٣) دليل على أن النساء كن يختتن.
стр. 222
ولأن هناك فضلة. فوجبت إزالتها؛ كالرجل.
وعنه: لا يجب على النساء ختان؛ لأنه انما وجب على الرجال لما يستر
الكَمَرَة من الجلدة المدلاه عليها من أجل انه لا ينقي ما تحته، والمرأة ليست
كذلك.
وعنه: لا يجب مطلقاً.
والأول أصح.
(و) يجب ختان (قبلي خنثى) مشكل احتياطا. ومحل وجوبه (عند بلوغ)؛ لأنه قبل كذلك ليس بأهل للتكليف.
قال في " الفروع ": قال شيخنا: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة.
ووجوبه مقيداً بـ (ما) إذا (لم يخف على نفسه) التلف؛ لأن الوضوء والغسل
وما هو آكد من الختان يسقط بخشية التلف وهذا أولى.
قال في " المنور " و" المنتخب ": ويجب ختان بالغ أمن.
قال في " الفصول ": يجب إذا لم يخف عليه التلف.
(ويباح) الختان (إذا) أي مع خوف التلف فيكون مخيرا بين الفعل وعدمه. قال في " الفروع ": وان خاف على نفسه فقال أحمد: لا بأس أن لا يختتن، كذا قال أحمد وغيره، مع أن الأصحاب وغيرهم اعتبروه بفرض طهارة وصلاة وصوم من طريق الأولى، ومنعه صاحب " المحرر " وفاقاً للشافعى.
قال ابن قندس في " حواشيه على الفروع ": وجد في بعض النسخ لا بأس أن يختتن. ولعله أقرب بسياق اللفظ لقوله: كذا قال أحمد وغيره. مع أن
الأصحاب اعتبروه بفرض طهارة وصلاة وصوم من طريق الأولى، وظاهره أن كلام الأصحاب بخلاف كلام أحمد وغيره، وكون الأصحاب اعتبروه - أي:
قاسوه- بفرض طهارة وفرض الطهارة يسقط بالخوف كالوضوء فانه يسقط فرضه بالخوف من استعمال الماء فيكون كلام أحمد: أن الختان لا يسقط بالخوف،
стр. 223
ولا يحصل هذا المعنى إلا بقوله: لا بأس أن يختتن بإسقاط لا، وهذا دقيق فافهمه، وفرض الوضوء في هذه الصورة المتقدمة هو الماء واستعماله يسقط بالخوف. قاس الشيخ في المعنى سقوط الختان بالخوف على سقوط الغسل والوضوء، وان سقوط الختان بالخوف أولى. فظاهر ذلك أن الخوف المسقط للغسل والوضوء مسقط للختان. وفيه قولان: هل هو خوف التلف، أو الضرر على ما ذكره في التيمم؛. ويزاد هنا قول آخر وهو: عدم السقوط كما هو ظاهر رواية حنبل. انتهى كلام ابن قندس.
قال في " الفروع ": وان أمره به ولي الأمر في حر أو برد فتلف ففي ضمانه وجهان، وان أمره به وزعم الأطباء انه يتلف أو ظن تلفه ضمنه؛ لأنه ليس له. وفي " الفصول ": أن فعله في شدة حر أو برد أو في مرض يخاف من مثله الموت من الختان فحكمه كالحد في ذلك يضمن، وهو من خطأ الإمام، فيه الروايتان. (و) فعله (زمن صغر أفضل).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، زاد جماعة كثيره من الأصحاب: إلى التمييز.
قال الشيخ تقي الدين: هذا المشهور.
وقال في " الرعايتين " و" الحاويين ": يسن ما بين سبع إلى عشر.
قال في " التلخيص ": ويستحب أن يختتن قبل مجاوزة العشر سنين، إذا
بلغ سنا يؤمن فيه ضرره.
قال في " المستوعب " في العقيقة: والأفضل أن يختن يوم حادي عشرين،
فان فات ترك حتى يشتد ويقوى، وعن أحمد: لم أسمع فيه شيئاً. وقيل:
التأخير أفضل، واختاره المجد في " شرحه ".
(وكره في سابع) للتشبه باليهود خلافاً للشافعي. وعنه: لا.
قال الخلال: العمل عليه.
(و) كره الختان (من ولادة إليه) أي: إلى اليوم السابع.
стр. 224
قال في " الفروع ": ولم يذكر كراهة الأكثر.
(وسن استحداد وحف شارب وتقليم ظفر ونتف إبط)، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط " (١) . متفق عليه.
وقد تقدم الكلام على الختان.
وأما الاستحداد فهو: حلق العانة. وحكمه الاستحباب " لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه. وله قصه وإزالته بما شاء. والتنور (٢) في العورة وغيرها فعله أحمد وكذا النبي ﷺ (٣) . رواه ابن ماجه من حديث أم سلمة وإسناده ثقات.
قال في " الفروع ": وقد أُعل بالإرسال، وقال أحمد: ليس بصحيح " لأن قتادة قال " ما اطّلى النبي ﷺ " كذا قال أحمد، وفي " الغنيه ": ويجوز حلقه، لأنه يستحب إزالته كالنورة، وان ذكر خبر بالمنع حمل على التشبه بالنساء، وكره الآمدي كثرة التنوير. ويدفن ذلك نص عليه، ويفعله كل أسبوع، ولا يتركه فوق أربعين يوماً عند أحمد، وفي " الغنية " روي عنه انه احتج بالخبر فيه أو صححه، وروي عنه انكاره وقيل له في رواية سندي: حلق العانة وتقليم الأظفار كم يترك؛ قال: أربعين للحديث. فأما الشارب ففي كل جمعة، لأنه يصير وحشا. وقيل: عشرين. وقيل: للمقيم. انتهى.
ويدل لكون ذلك كل جمعة ما أخرجه البغوي بسنده إلى عبدالله بن عمرو بن العا ص " أن النبي ﷺ كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة " (٤) .
قال في " الفروع ": ويحف شاربه خلافاً لمالك أو يقص طرفه، وحفه أولى
стр. 225
في المنصوص وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، ولا يمنع منه خلافاً لمالك. وذكر ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، وأطلق أصحابنا وغيرهم الاستحباب.
وأمر رسول الله ﷺ بذلك وقال: " خالفوا المشركين " (١) . متفق عليه.
ولمسلم " خالفوا المجوس " (٢) .
وعن زيد بن أرقم مرفوعا: " من لم يأخذ شاربه فليس منا " (٣) . رواه أحمد
والنسائى والترمذي وصححه.
وهذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم.
ثم قال: ويقلم ظفره مخالفا يوم الجمعة قبل الزوال. وقيل: يوم الخميس. وقيل: يخير. ويسن أن لا يحيف عليها في السفر؛ لأنه يحتاج إلى حل حبل أو شيء نص عليه. وينتف إبطه. انتهى.
ويستحب دفن ما قلَّم من أظفاره أو أزال من شعره، لما روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مسرح الأشعرية قالت: " رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها ويقول: رأيت النبي ﷺ يفعل ذلك " (٤) .
وعن ابن جريج عن النبي ﷺ قال: " كان يعجبه دفن الدم ".
قال مهنا: ساً لت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؛ قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شيء؛ قال: كان ابن عمر يفعله.
стр. 226
(وكره حلق القفا لغير حجامة ونحوها).
قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن حلق القفا قال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقال: لا بأس أن يحلق قفاه بالحجامة.
(و) كره (القزع. وهو: حلق بعض الرأس وترك بعض)، لما روى ابن عمر: " أن النبي ﷺ نهى عن القزع وقال: أحلقه كله أو دعه كله " (١) . رواه أبو داود.
وفي شروط عمر رضي الله تعالى عنه على أهل الذمة: أن يحلقوا مقادم رؤوسهم " ليتميزوا عن المسلمين، فمن فعل ذلك فقد تشبه، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وذكر ابن عبد البر عن ابن عباس قال: " حلق القفا يزيد في الحفظ ".
وعن أحمد: انه امتنع من الحجامة في نقرة القفا. وكرهه بعض الأطباء
للنسيان، وخالفه غيره منهم.
وحلق رأس امرأة وقصه يكرهان. وقيل: يحرمان عليها، نقل (٢) الأثرم:
أرجو أن لا بأس لضرورة.
ولا يكره حلق رأس ذكر كقصه. وعنه: يكره لغير نسك وحاجة وفاقاً لمالك.
قال في " الفروع ": وحرم بعضهم حلقه على مريد لشيخه " لأنه ذل وخضوع لغير الله تعالى.
(و) كره أيضاً (نتف شيب)، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب. وقال: انه نور الإسلام " (٣) .
وعن طارق بن حبيب: " أن حجاما أخذ من شارب النبي ﷺ فرأى شيبة في لحيته فأهوى إليها ليأخذها. فأمسك النبي ﷺ يده، وقال: من شاب شيبة في
стр. 227
الإسلام كانت له نورا يوم القيامة " (١) . رواه الخلال في " جامعه ".
(و) كره أيضاً (تغييره) أي: تغيير الشيب (بسواد).
قيل لأبي عبد الله: يكره الخضاب بالسواد قال: إي والله. قال: و" جاء
أبو بكر بأبيه إلى رسول الله ﷺ ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا. فقال
رسول الله ﷺ : غيروهما وجنبوه السواد " (٢) .
(و) كره أيضاً (ثقب أذن صبي) لا جارية. نص عليه. وقيل: يحرم واختاره
ابن الجوزي. وقيل: على الذكر، وفي " الفصول " يفسق به في الذكر، وفي
النساء يحتمل المنع، ولم يذكر غيره.
(ويحرم نمص ووَشْرٌ ووشم ووصل ولو بشعر بهيمة أو بإذن زوج)؛ لما روي
عن النبي ﷺ : " انه لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمنتمصة والواشرة والمستوشرة " (٣) .
وفي خبر آخر: " لعن الواشمة والمستوشمة " (٤) . ذكرهما في " الشرح ".
فأما النامصة: فهي التي تنتف الشعر من الوجه. والمنتمصة: المنتوف
شعرها بأمرها.
وأما الواشرة: فهي التي تبرد الأسنان لتحددها وتفلجها وتحسنها.
والمستوشرة: المفعول بها ذلك بإذنها.
وأما الواشمة: فهي التي تغرز الجلد بإبرة ثم تحشوه كحلا. والمستوشمة
стр. 228
التي يفعل بها ذلك بإذنها.
والواصلة: التى تصل شعرها أو شعر غيرها بشعر غيره.
والمستوصلة: الموصول شعرها بأمرها؛ لأن لعن فاعلة ذلك يدل على تحريمه؛ لأن فاعل المباح لا يجوز لعنه.
وأما وصل الشعر بغير الشعر قال في " الشرح ": فان كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس للحاجة، وان كان أكثر من ذلك ففيه روايتان:
إحداهما: انه مكروه غير محرم؛ لما روي عن معاوية " انه اخرج كبة من شعر. وقال سمعت النبي ﷺ ينهى عن مثل هذا. وقال: انما هلك بنو إسراًئيل حين اتخذ هذا نساؤهم " (١) .
فخص التي تصله بالشعر، فيمكن جعل ذلك تفسيرا للفظ العام في الحديث الذي ذكرناه. ولأن وصله بالشعر فيه تدليس. بخلاف غيره.
والثانية انه قال: لا تصل المرأة برأسها الشعر والقرامل ولا الصوف؛ وذلك لما روى الإمام أحمد في " مسنده " عن جابر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئاً " (٢) .
قال شيخنا (٣) : والظاهر أن المحرم انما هو وصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس. واستعمال الشعر المختلف في نجاسته وغير ذلك لا يحرم؛ لعدم
стр. 229
ذلك فيه، وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة، وتحمل أحاديث النهي على الكراهة والله أعلم. انتهى.
وعموم الأحاديث تتناول ما إذا كان ذلك بإذن الزوج. وقيل: يجوز بإذن زوج. وقيل: يكره الوصول، ولا يحرم نمص ووشر ووشم.
(وتصح الصلاة مع) وصل شعر (طاهر). وقيل: تصح ولو كان نجسا حكاه
في " الرعاية " وتبعه في " الفر وع ".
قال في " الإنصاف ": قلت: وفيه نظر ظاهر. ولا بأس بالفتايل (١) ، وتركها أفضل. وعنه: هي كالوصل بالشعر ان أشبهه كصوف. وقيل: ولا بأس بما يحتاج إليه لشد الشعر، وأباح ابن الجوزي النمص وحده، وحمل النهي على التدليس، أو انه كان شعار الفاجرات، وفي " الغنية " وجه يجوز بطلب زوج ولها حلقه وحفه نص عليهما، وتحسينه بتحمير ونحوه، وكره ابن عقيل حفه كالرجل، كرهه أحمد له، والنتف أو بمنقاش لها. ويكره له التحذيف وهو: إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة، لا لها "
" لأن علياً كرهه ". رواه الخلال.
ويكره النقش والتطريف. ذكره الأصحاب. رواه المروذي عن عمر، وبمعناه عن عائشة وأنس وغيرهما.
قال في " الإفصاح ": كره العلماء أن تسود شيبا بل تخضب بأحمر، وكرهوا النقش.
قال أحمد: لتغمس يدها غمساً.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه إباحة التحمير ونقش وتطريف بإذن زوج فقط. انتهى.
стр. 230
[فصل: في سنن الوضوء]
(فصل) هو عبارة عن الحجز بين شيئين. ومنه فصل الربيع؛ لأنه يحجز بين الشتاء والصيف. وهو في كتب العلم حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها. (وسنن وضوء) أي: ما يسن فيه. وسمي وضوءاً؛ لتنظيفه المتوضئ وتحسينه: (استقبال قبلة) أي: أن يستقبل القبلة في الوضوء.
قال في " الفروع ": وظاهر ما ذكره بعضهم يستقبل القبلة ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعه إلا لدليل. انتهى.
(وسواك) وتقدم الكلام عليه.
(وغسل يدي غير قائم من نوم ليل ناقض لوضوء)؛ " لأن عثمان بن عفان
وعلياً وعبد الله بن زيد وصفوا وضوء النبي ﷺ وذكروا انه غسل كفيه ثلاثاً " (١) . ولأنهما آلة نقل الماء إلى الأعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء. (ويجب) غسلهما (لذلك) أي: للقيام من نوم ليل ناقض لوضوء (تعبداً) كغسل الميت (ثلاثاً) فلا يجزئ أقل منها (بنية شرطت وبتسمية).
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن غسلهما تعبد لا يعقل معناه: على الصحيح من المذهب. فعلى هذا تعتبر النية والتسمية في أصح الأوجه.
والوجه الثاني: لا يعتبران.
стр. 231
والوجه الثالث: يعتبران أن وجب غسلهما، وإلا فلا.
والوجه الر ابع: تعتبر- النية دون التسمية. ذكره الزركشي.
وعلى الصحيح: لاتجزئ نية الوضوء عن نية غسلهما على المذهب المشهور، وانها طهارة مفردة، لا من الوضوء. وقيل: تجزئ. وقيل:
غسلهما معلل بمبيت يده ملابسة للشيطان. انتهى.
فعلى هذا يكون غسلهما لمعنى فيهما. فلو استعمل الماء ولم يدخل يده في
الاناء: لم يصح وضوءه وفسد الماء. وقيل- وذكره أبو الحسين رواية -: لإدخالهما الاناء فيصح وضوؤه.
(ويسقط غسلهما والتسمية سهوا): أما سقوط وجوب غسلهما بالنسيان فذكر في " الإنصاف " أن صاحب " الرعاية " قدمه؛ لأنه طهارة مفردة. بخلاف ما لو كان من فروض الوضوء. وقيل: لايسقط؛ لأنه من تمام الوضوء.
قال في " المبدع ": والأول أقيس؛ لأنه يجوز تقديم غسلهما قبل الوضوء بزمن طويل. انتهى.
وأما التسمية فانها تسقط بالنسيان في الوضوء فهنا أولى.
(و) من سنن الوضوء أيضاً: (بداءة قبل غسل وجه بمضمضة فاستنشاق بيمينه واستنثار بيساره)؛ لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه: " انه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ففعل هذا ثلاثاً. ثم قال: هذا طهور نبي الله ﷺ " (١) . رواه أحمد والنسائى وهو مختصر.
قال في " الإنصاف ": يستحب تقديم المضمضة [على الاستنشاق] (٢) .
على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. انتهى.
стр. 232
(و) من سنن الوضوء أيضاً: (مبالغة فيهما) أي: في المضمضة والاستنشاق (لغير صائم)؛ لما روى لقيط بن صبرة قال: " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ أخبرني عن الوضوء. قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما " (١) . رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثاً " (٢) .
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وعنه: أن المبالغة في الاستنشاق واجبة؛ لظاهر الحديث المتقدم.
وعنه: انها واجبة في المضمضة والاستنشاق.
وعنه: في وضوء. ذكره ابن عقيل في " الفنون ".
والمنصوص عنه انها سنة؛ لسقوطها بصوم النفل والواجب لا يسقط بالنفل. وعنه: أن الاستنثار واجب في الوضوء؛ لظاهر الحديث.
قال في " الفروع ": وهو مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف أو هو. انتهى.
وأما المبالغة في حق الصائم فتكره على الصحيح من المذهب.
(و) من السنن أيضاً: المبالغة بالغسل (في بقية الأعضاء مطلقاً) أي: في الوضوء والغسل ومع الصوم والفطر. (ف) المبالغة (في مضمضة: إدارة الماء بجميع الفم، وفي استنشاق: جذبه بنفس إلى أقصى أنف).
стр. 233
قال في " الفروع ": وتسن المبالغة فيهما إلى أقاصيهما، وفي " الرعاية " أو أكثره.
(والواجب الإدارة) ولو ببعض الفم، (وجذبه) أي: جذب الماء (إلى باطن أنف) ولو لم يبلغ أقصاه، (وله بلعه) أي: بلع الماء الذي تمضمض به (لا جعل مضمضة أولاً) أي: ابتداء قبل الإداره (وجوراً و) لا جعل (استنشاق سعوطاً).
قال في " الشرح ": والمبالغة في المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه، ولا يجعله وجوراً ثم يمجه، وان ابتلعه جاز، لأن الغسل قد حصل. ومعنى المبالغة في الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، ولا يجعله سعوطا.
(و) المبالغة (في غيرهما) أي غير المضمضة والاستنشاق من باقي الأعضاء،
و (دلك ما ينبو عنه الماء) أي: لم يطمئن عليه.
(و) من سنن الوضوء أيضاً: (تخليل لحية كثيفة) بالثاء المثلثة (بكف من ماء
يضعه من تحتها بأصابعه مشتبكة)؛ لما روى أنس بن مالك: " أن النبي ﷺ كان إذا توضأأخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه وخلل به لحيته وقال: هكذا أمرنى ربي " (١) . رواه أبو داود.
(او) يضعه (من جانبيها ويعركها).
قال يعقوب: سألت أحمد عن التخليل فأرانى من تحت لحيته فخلل بالأصا بع.
وقال حنبل: من تحت ذقنه من أسفل الذقن يخلل جانبي لحيته جميعا بالماء.
قال في " الإنصاف ": ويكون ذلك عند غسلها، وان شاء إذا مسح رأسه.
نص عليه. انتهى.
(وكذا عَنْفَقَة وشارب وحاجبان ولحية أنثى وخنثى).
قال في " الإنصاف ": شعر غير اللحية كالحاجبين والشارب والعَنْفَقَة ولحية
стр. 234
المرأة وغير ذلك: مثل اللحية في الحكم على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور، وجزم به في " الرعاية " في لحية المرأة. وقيل: يجب غسل باطن ذلك كله مطلقاً. انتهى.
(و) من سنن الوضوء أيضاً: (مسح الأذنين بعد رأس بماء جديد)، لما روى
عبد الله بن زيد: " انه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ فأخذ ماء خلاف الذي لرأسه " (١) . رواه البيهقي وقال: إسناده صحيح.
وعنه: لا يسن ذلك. وتأتي صفة مسحهما.
(و) من السنن أيضاً: (تخليل الأصابع) من اليدين والرجلين، لأن في حديث لقيط بن صبرة المتقدم: " وخلل بين الأصابع " (٢) .
قال في " الشرح ": وهو في الرجلين آكد، قال المستورد بن شداد:
" رأيت النبي ﷺ إذا توضأ دلَك أصابع رجله بخنصره " (٣) . رواه أبو داود. ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها إلى إبهامها، وفي اليسرى من إبهامها إلى خنصرها، ليحصل التيامن في التخليل.
وذكر ابن عقيل في استحباب تخليل أصابع اليدين روايتين:
إحداهما: يستحب لما ذكرناه. ولأن النبي ﷺ قال: " إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك " (٤) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
والثانيه: لا يستحب، لأن تفريقها يغني عن التخليل. والأول أولى. انتهى.
(و) من سنن الوضوء أيضاً: (مجاوزة محل فرض) بالغسل؛ لما روى نعيم
стр. 235
المجمر " انه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ان أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " (١) . متفق عليه.
ولمسلم عنه: " سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " (٢) .
(و) من سننه أيضاً: (غسلة ثانية و) غسلة (ثالثة)؛ لما روى علي- رضي الله تعالى عنه- " أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً " (٣) . رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا أحسن شيء في الباب وأصح.
وليس ذلك بواجب، لما روى ابن عباس قال: " توضأ النبى ﷺ مرة
مرة " (٤) . رواه الجماعة إلا مسلماً.
وعن عبد الله بن زيد: " أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين " (٥) . رواه أحمد والبخاري.
стр. 236
(وكره فوقها) أي: فوق الغسلة الثالثة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده قال: " جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثاً وقال: هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم " (١) . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
стр. 237
[باب: فروض الوضوء]
هذا (باب) يذكر فيه فرض الوضوء وشرطه وصفته.
(الوُضوء) بضم الواو الذي هو فعل المتوضئ هو في عرف الشرع: (استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة) التي هي الوجه واليدان والرأس والرجلان (على صفة مخصو صة) من قبل الشارع، وهي المستكملة لفروض الوضوء وشروطه.
والحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون غيرها: أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع منها. فاً مر بغسلها ظاهراً؛ تنبيها على طهارتها الباطنة. ورتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة. فأمر بغسل الوجه وفيه الفم والأنف فابتدأ بالمضمضة؛ لأن اللسان أكثر الأعضاء وأشدها حركة؛ لأن غيره قد يسلم، وهو كثير العطب قليل السلامة غالبا، ثم بالأنف؛ ليتوب عما يشم به، ثم بالوجه ليتوب عما نظر، ثم باليدين لتتوب عن البطش، ثم خص الرأس بالمسح؛ لأنه مجاور لمن تقع منه المخالفة، ثم بالأذن لأجل السماع، ثم بالرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الإيمان
بالشهادتين.
(ويجب) الوضوء (بحدث).
قال في " الفروع ": ذكره ابن عقيل وغيره، وفي " الانتصار " بإرادة الصلاة بعده.
قال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة عن حدث ونجس قبل إرادة الصلاة، بل يستحب، ويتوجه قياس المذهب بدخول الوقت لوجوب الصلاة إذن، ووجوب
стр. 238
الشرط بوجوب المشروط، ويتوجه مثله في غسل.
قال شيخنا: وهو لفظي. انتهى.
(ويحل) الحدث الموجب للوضوء (جميع البدن كجنابة). ذكره القاضي
أبو الخطاب وأبو الوفاء وأبو يعلى الصغير.
قال في " الفروع ": ويتوجه وجه: أعضاء الوضوء. انتهى.
ويؤيد الأول: أن المحدث لا يحل له مس المصحف بعضو غسله في الوضوءحتى يتم وضوءه.
(وتجب التسمية) أي: أن يقول: بسم الله على الوضوء " لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه " (١) . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
ولأحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد مثله (٢) .
قال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن يعني حديث سعيد بن زيد. وسئل إسحاق بن راهويه أي حديث أصح في التسمية؛
فذكر حديث أبي سعيد.
وعنه: لا تجب وتستحب.
(و) على المذهب (تسقط سهوا) نص عليه (كـ) سقوطها سهواً (في غسل)، لأن الوضوء عبادة تتغاير أفعالها. فكان من واجباتها ما يسقط سهواً " كالصلاة.
стр. 239
(ولكن ان ذكرها في بعضه) وقد نسيها في أوله (ابتدأ) الوضوء؛ لأنه أمكنه أن يأتي بها على جميعه. فوجب؛ كما لو ذكرها في أوله. وقيل: يكفي أن يأتى بها حيث ذكرها ويبني على وضوئه.
وعنه: أنها فرض لا تسقط بحال.
وعلم مما تقدم انه لو لم يذكرها حتى فرغ من وضوئه لم يلزمه إعادته (١) .
(و) على المذهب (تكفي إشارة أخرس ونحوه) كالمعتقل لسانه (بها)؛ لأن
ذلك غاية ما يمكنه.
(وفروضه) ستة:
الأول: (غسل الوجه)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
(ومنه) أي: من الوجه (فم وأنف)؛ لدخولهما في حده.
ولأنهما في حكم الظاهر. بدليل أن الصائم لا يفطر بوصول شيء إليهما، ويفطر بعود القيء بعد وصوله إليهما، وانه يجب غسلهما من النجاسة.
وعنه: أنهما ليسا من الوجه.
(و) الثانى: (غسل اليدين مع المرفقين)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. نص على هذا الإمام وقطع به أكثر الأصحاب وهو قول أكثر أهل العلم.
وعنه: لا يجب إدخال المرفقين في الغسل، وبه قال ابن داود (٢) وبعض المالكية وحكي عن زفر؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل إلى المرافق وجعلها غاية بحرف " إلى " وهو لانتهاء الغاية فلا يدخل ما بعده فيما قبله. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
стр. 240
وأجيب على ذلك: بأن الغاية ان كانت بحيث لو لم تدخل كلمة: " إلى " لم يتناولها صدر الكلام لم تدخل تحت المعنى كالليل في الصوم، وان كانت بحيث يتناولها صدر الكلام كالمتنازع فيه فتدخل تحت المعنى. على أن للنحويين في كلمة: " إلى " أربعة مذاهب:
الأول: دخول ما بعدها فيما قبلها حقيقة وعدمه مجازاً.
الثانى: عكس ذلك.
الثالث: أنها حقيقة فيهما فيكون من باب الاشتراك.
الرابع: الدخول ان كان ما بعدها من جنس قبلها، وعدمه ان لم يكن كذلك.
فهذا المذهب الرابع يوافق ما ذكرنا في الليل والمرافق، وأما الثلاثة الأول فالأول يعارضه، الثاني فتساويا، والثالث أوجب التساوي أيضاً فوقع الشك في موضع استعمال كلمة " إلى " ففي مثل صورة الليل في الصوم انما وقع الشك في التناول والدخول فلا يثبت التناول بالشك، وفي مثل صورة النزاع انما وقع الشك في الخروج بعدما ثبت أن صدر الكلام تناوله فلا يخرج بالشك.
وأيضاً فكلمة " إلى " تستعمل بمعنى " مع " كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [ال عمران: ٥٢] ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
وأجيب عنه أيضاً: بأن نص الكتاب يحتمله وهو مجمل فيه، وفعله ﵇ بيان لمجمل الكتاب في قدر الغسل المأمور به. وقد روى جابر قال: " كان النبي ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه " (١) . أخرجه الدارقطني. وروي أيضاً عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- انه قال: " هلم أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ . فغسل وجهه ويديه حتى مسح أطراف العضدين. ثم مسح
стр. 241
برأسه. ثم أمر بيديه على أذنيه ولحيته. ثم غسل رجليه " (١) .
(و) الثالث: (مسح الرأس كله).
قال في " الإنصاف ": هذا المذهب بلا ريب وعليه جماهير الأصحاب متقدمهم ومتأخرهم. وعفى في " المنهج " و" المترجم " عن يسيره؛ للمشقة. قلت: وهو الصواب.
قال الزركشي: وظاهر كلام الأكثرين بخلافه. انتهى.
وعنه: يجزئ مسح أكثره.
وعنه: يجزئ مسح قدر الناصية.
وعنه: يجزئ مسح بعضه من غيرتحديد.
وعنه: يجزئ مسح بعضه للمرأة دون الرجل.
ووجه المذهب أن " الباء " في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] للإلصاق. فكأنه قال: " وامسحوا رؤوسكم ". وهذا كقوله تعالى في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
قال ابن برهان: من زعم أن "الباء " للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. ولأن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ ذكروا " أنه مسح رأسه كله " (٢) .
وما روي انه ﵊ " مسح مقدم رأسه " (٣) فمحمول على أن
ذلك مع العمامة كما جاء مفسراً في حديث المغيرة بن شعبة ونحن نقول به. (ومنه الأذنان)؛ لما روى ابن ماجه من غير وجه عن النبي ﷺ انه قال:
стр. 242
" الأذنان من الرأس " (١) . فيجب مسحهما.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه. قال الزركشي: اختاره الأكثرون وقدمه في " الشرح " وغيره. انتهى.
وعنه: لا يجب مسحهما يعني مع القول أنهما من الرأس.
وعنه: هما عضوان مستقلان، فيجب لهما ماء جديد في وجه.
(و) الرابع: (غسل الرجلين مع الكعبين).
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب بلا ريب وعليه الأصحاب. وعنه:
لا يجب إدخالهما فيه. انتهى.
والكلام في الكعبين كالكلام المتقدم في المرفقين.
(و) الخامس: (ترتيب) بين أعضاء الوضوء كما ذكر الله تعالى. وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وإسحاق.
وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية بعدم وجوبه، وهو مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي واختاره ابن المنذر، لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بواو الجمع وهي لا تقتضي ترتيبا فكيف ما غسل كان ممتثلا.
وروي عن علي انه قال: " ما أبالي إذا تممت وضوئي بأي اعضائي بدأت ".
وعن ابن مسعود انه قال: " لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك فى الوضوء ".
ووجه المذهب: أن في الآية قرينة تدل على الترتيب فانه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره، والعرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة والفائدة هي: الترتيب.
стр. 243
فان قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية انما صيغت لبيان الواجب ولهذا لم يذكر السنن فيها. ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به. ولأن الحاكين لوضوء النبي ﷺ انما ذكروه مرتباً، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى.
و" توضأ رسول الله ﷺ مرتباً وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة
إلا به " (١) . أي: بمثله.
وما روي عن علي. قال أحمد: انما عنى به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما في الكتاب واحد.
وروى الإمام أحمد بإسناده " أن عليا سُئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئاً قبل شيء فقال: لا. حتى يكون كما أمر الله تعالى ".
وما نقل عن ابن مسعود فلا يعرف له أصل.
وأما الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين فلا يجب. حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، لأن الله ذكر مخرجهما واحداً فقال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ .... وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وقال في " الإنصاف ": واختار أبو الخطاب في " الانتصار " عدم وجوب الترتيب في نفل الوضوء، ومعناه للقاضي في " الخلاف ". ثم قال: أعلم أن الواجب عند الإمام أحمد والأصحاب: الترتيب، لا عدم التنكيس. فلو وضأه أربعة في حالة واحدة لم يجزئه. ولو انغمس في ماء جار ينوي رفع الحدث، فمرت عليه أربع جريات أجزأه أن مسح رأسه، أو قيل بإجزاء الغسل على ما يأتي. ولو لم يمر عليه إلا جرية واحدة لم يجزئه، وهذا الصحيح من المذهب. انتهى.
стр. 244
قال في " الشرح ": فان نكس وضوءه فبدأ بشيء من أعضائه قبل وجهه لم يحتسب بما غسله قبله، وان بدأ برجليه وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، وان توضأ منكساً أربع مرات صح وضوؤه إذا كان متقاربا يحصل له من كل مرة غسل عضو، ومذهب الشافعي نحو هذا. ولو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح إلا غسل وجهه. انتهى.
(و) السادس: (موالاة).
قال في " الإنصاف ": وهو المذهب نص عليه في رواية الجماعة وعليه
الأصحاب.
قال الزركشي وغيره: وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله في مسح الخفين: فان خلع قبل ذلك أعاد الوضوء. وهو من مفردات المذهب. انتهى.
وعنه: أن الموالاة سنة.
واستدل للأول بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦] لأن الأول شرط، والثاني جواب، وإذا وجد الشرط وهو القيام وجب ألا يتآخر عنه جوابه وهو غسل أعضاء الوضوء.
وبما روى خالد بن معدان: " أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلى وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء " (١) . رواه أحمد وأبو داود، وزاد: " والصلاة "، وفي سنده بقية، وهو ثقه روى له مسلم.
ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة فقط. ولأن الوضوء عبادة يفسدها الحدث. فاشترطت لها الموالاة، كالصلاة.
و" لم ينقل عن النبي ﷺ انه توضأ إلا متواليا " (٢) .
стр. 245
وانما لم تشترط في غسل الجنابة؛ لأن المغسول فيه بمنزلة العضو الواحد. (ويسقطان) أي: الترتيب والموالاة (مع غسل) أي: مع الطهارة الكبرى.
وسيأتي الكلام على ذلك في باب الغسل (١) .
(وهي) أي: الموالاة: بـ (ان لا يؤخر غسل عضو حتى يجف ما) أي:
العضو الذي (قبله بزمن معتدل أو قدره) أي قدر الزمن المعتدل (من غيره) أي:
غير المعتدل من زمن حار أو بارد.
قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب وعليه جمهور الأصحاب.
قال الزركشي: هذا المشهور عند الأصحاب. ثم قال: وقيل: هو ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف أي عضو كان. حكاه ابن عقيل.
وعنه: يعتبر طول المكث عرفا. انتهى.
(ويضر) أي: وتفوت الموالاة (ان جف) العضو قبل إتمام الوضوء (لاشتغال) المتوضئ (بتحصيل ماء) فدمه الزركشي و" الرعاية " وفيه رواية وأطلقهما في " الفروع ".
(أو جف لإسراًف أو إزالة نجاسة أو وسخ ونحوه) كجبيرة يرى ما تحتها الغير طهارة) بأن كان في غير أعضاء الوضوء، أما إذا كان ذلك في أعضاء الوضوء فلا يضر؛ لأنه إذن من أفعال الطهارة كما (لا) يضر اشتغاله (بسنة) من سنن الوضوء (كتخليل) اللحية أو الأصابع، (وإسباغ) الماء بأن يبلغه مواضعه من أعضاء الوضوء ويوفي كل عضو حقه، (وإزالة شك) بأن يكرر غسل ذلك العضو حتى يعلم انه استكمل غسله (او) إزالة (وسوسة) وفيها وجه، وأطلقهما في " الفروع "، وصحح ما في المتن في " الرعاية الكبرى "، قطع به في "التنقيح ".
ووجه ذلك: أن الوسوسة شك في الجملة.
стр. 246
فصل [في شروط الوضوء]
وأما شروط الوضوء فعشرة منها ما يشاركه فيها الغسل. وإلى ذلك أشير بقوله:
(ويشترط لوضوء وغسل ولو مستحبين نية) خلافاً لأبي حنيفة.
قال في " الفروع ": لأن الإخلا ص من (١) عمل القلب وهو النية مأمور به وفاقاً؛ لخبر " انما الأعمال بالنيات " (٢) . أي: لا عمل جائز ولا فاضل. ولأن النص دل على الثواب في كل وضوء، ولا ثواب في غير منوي إجماعاً. ولأن النية للتمييز. ولأنه عبادة ومن شرطها النية؛ لأن ما لم يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كصلاة وغيرها.
وهذا معنى قول الفخر إسماعيل وأبي البقاء وغيرهما: العبادة ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. قيل لأبي البقاء: الإسلام والنية عبادتان ولا يفتقران إلى النية؛ فقال: الإسلام ليس بعبادة لصدوره من الكافر وليس من أهلها. سلمنا، لكن للضرورة؛ لأنه لا يصدر إلا من كافر.
واما النية فلقطع التسلسل. وفي " الخلاف " لأن ما كان طاعة لله فعبادة.
فقيل له: فقضاء الدين ورد الوديعة عبادة؛ فقال: كذا نقول. قيل له:
стр. 247
العبادة ما كان من شرطه النية؛.
فقال: إذا لم يجز أن يقال في طاعة الله والمأمور به هو الذي من شرطه النية كذلك لا يجوز ذلك في العبادة. انتهى.
قال ابن قندس في " حواشيه ": أي إذا امتنع أن يقال: الطاعة والمأمور هو الذي من شرطه النية كذلك يمتنع أن يقال: العبادة هي التي من شرطها النية. انتهى.
قال في " الفروع " بعد ذلك: ونية الصلاة تضمنت السترة واستقبال القبلة لوجودهما فيها حقيقة، ولهذا يحنث بالاستدامة. انتهى.
قال ابن قندس: هذا جواب عن سؤال وتقديره أن يقال: السترة واستقبال القبلة شرط من شروط الصلاه فلم اعتبرت النية للوضوء دونهما مع انه شرط كالسترة؛ فأجاب بأن السترة تضمنتها نية الصلاة وكذلك استقبال القبلة فلم يحتاجا إلى نية مفردة.
فان قيل: فلم لم يحكم على الوضوء بهذا الحكم وهو أن يقال: نية الصلاة تضمنت الوضوء، كما قيل في السترة واستقبال القبلة؛
فأجاب بأن السترة واستقبال القبلة موجودان في الصلاة حقيقة. والدليل على ذلك: انه لو حلف لا يستتر فاستدام السترة التي عليه، أو حلف انه لا يستقبل
وهو مستقبل فاستدامه حنث. وليس الوضوء كذلك؛ لأن استدامة الوضوء ليست وضوءاً؛ لأن الوضوء عبارة عن الهيئة المعروفة فإذا توضأ ثم دام على ذلك لا يقال أن دوامه على الوضوء يكون وضوءا. دليله: انه لو حلف لا يتوضأ وكان متوضئا ودام على ذلك لا يحنث؛ لعدم وجود الهيئة المعروفة. وانما الدائم من الوضوء حكمه وهو ارتفاع الحدث لا حقيقة الوضوء؛ لأن حقيقته هي غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، وتلك الصفة ليست دائمة، وانما الدائم حكمها وهو ارتفاع الحدث. انتهى.
стр. 248
إذا تقرر أن النية شرط لطهارة الحدث فانه يستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
(سوى غسل كتابية) لزوج مسلم من حيض، (و) سوى (مسلمة ممتنعة) من غسل لزوج من حيض حتى انه لا يطؤها ما دامت كذلك. (فتغتسل قهراً) من أجل حق الزوج، ويباح له وطؤها. (ولا نية) مشترطة هنا (للعذر) كالممتنع من زكاة. (و) الصحيح (لا تصلي به) ذكره في " النهاية " نقله عنه في " الفروع "، وقياس ذلك منعها من الطواف وقراءة القرآن ونحو ذلك مما يشترط له الغسل، لأنه انما أبيح وطؤها لحق زوجها فيه فلا تستبيح به العبادة المشترط لها الغسل.
وانما لم يصح أن ينوي عنها، لعدم تعذرها منها. بخلاف الميتة.
(ويُنوى) الغسل (عن ميت ومجنونة غسلاً) " لتعذر النية منهما.
وقال أبو المعالي في المجنونة: لا نية " لعدم تعذرها مالا. بخلاف الميت، وانها تعيد الغسل إذا أفاقت.
(و) الشرط الثاني لهما: (طهورية ماء).
(و) الثالث: (إباحته) أي: الماء. فلا يصح وضوء ولاغسل بماء غير طهور ولا بماء محرم الاستعمال.
(و) الرابع: (إزالة مانع وصوله) أي: الماء إلى البشرة.
(و) الخامس: (تمييز) المتوضئ والمغتسل، لأن سن التمييز أدنى سن يعتبر قصد الصغير فيه شرعا. فلا يصح الوضوء ولا الغسل ممن لم يميز " لعدم اعتبار قصده.
(وكذا) يشترط لصحة الوضوء والغسل: (إسلام وعقل) وهما الشرط السادس والسابع (لسوى من تقدم). وما تقدم هو عدم اشتراط الإسلام في الكتابية إذا اغتسلت لزوجها المسلم من الحيض، وعدم اشتراط العقل في المجنونة إذا اغتسلت من الحيض " ليطأها زوجها.
(و) ما يشترط (لوضوء) فقط وهو الشرط الثامن: (دخول وقت على من
стр. 249
حدثه دائم لفرضه) أي: لفرض ذلك الوقت؛ لأن طهارة من حدثه دائم طهارة عذر وضرورة. فتقيدت بالوقت؛ كالتيمم.
(و) الشرط التاسع: (فراغ خروج خارج) لمنافاته للوضوء.
(و) الشرط العاشر: فراغ (استنجاء) بالماء (أو استجمار) بحجر أو نحوه. وتقدم التنبيه على ذلك في المتن.
(و) يشترط (لغسل الحيض أو نفاس فراغهما) أي: فراغ خروج دم الحيض أو دم النفاس لمنافاة وجودهما الغسل لهما.
(والنية) المشترطة في الوضوء والغسل: (قصد رفع الحدث) بذلك الوضوء أو الغسل، (او) قصد (استباحة ما) أي: فعل أو قول (تجب له الطهارة)؛ كاستباحة الطواف بالوضوء، وقراءة القرآن بالغسل.
(وتتعين) الصورة (الثانية) وهي قصد الاستباحة (لمن حدثه دائم)؛ كمستحاضة، ومن به سلس ونحوه.
قال في " الإنصاف ": ينوي من حدثه دائم الاستباحة، على الصحيح من المذهب. ثم قال: وقيل: أو ينوي رفع الحدث. وقيل: هما.
قال في " الرعايتين " و" الحاويين ": وجمعهما أولى. ولا يشكل تعين نية الاستباحة لمن حدثه دائم.
(وان انتقضت طهارته بطروء) حدث (غيره) أي: غير الدائم لتناولها الدائم والطارئ. وانما نقض الطارئ دون الدائم؛ لأن الدائم انما لم ينقض للضرورة وما عداه على الأصل.
(وتسن) النية (عند أول مسنون) في الطهارة إذا (وجد قبل واجب)؛ كغسل الكفين قبل المضمضة والاستنشاق، وغسل بقية الوجه لتشمل النية مفروض الوضوء ومسنونه فيثاب على كل منهما.
(و) يسن (نطق بها) أي: بالنية (سراً)؛ ليوافق لسانه قلبه.
قال في " الإنصاف ": لا يستحب التلفظ بالنية على أحد الوجهين، وهو المنصو ص عن أحمد قاله الشيخ تقي الدين، وقال: هو الصواب.
стр. 250
والوجه الثانى: يستحب التلفظ بها سراً، وهو المذهب قدمه في " الفروع " وجزم به ابن عبيدان و" التلخيص " وابن تميم وابن رزين.
قال الزركشي: هو الأولى عند كثير من المتأخرين. انتهى.
قال في " الفروع ": قال الشيخ تقي الدين: واتفق الأئمة انه لا يشرع الجهر بها وتكريرها، بل من اعتاده ينبغي تأديبه وكذا بقية العبادات. وقال: الجاهر بها مستحق للتعزير بعد تعريفه. لا سيما إذا آذى به أو كرره. وقال: الجهر بلفظ النية منهي عنه عند الشافعية وسائر أئمة الإسلام وفاعله مسيء، وان اعتقده ديناً خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه، ويعزل عن الإمامة ان لم ينته. قال في " سنن أبي داود ": " أن النبي ﷺ أمر بعزل إمام لأجل بصاقه في القبله " (١) . فان الإمام عليه أن يصلي كما كان النبي ﷺ يصلي. انتهى.
(و) يسن (استصحابُ ذكرها) بأن يكون مستحضراً لها في جميع الطهارة؛ لتكون أفعاله كلها مقترنة بالنية.
(ويجزئ استصحاب حكمها) بأن لا ينوي قطعها. فان غربت عن خاطره لم يؤثر ذلك في الطهارة؛ كما لا يؤثر ذلك في الصلاة.
(ويجب تقديمها على الواجب) من العبادة؛ لأن النية شرط لصحة واجباتها. فيعتبر كونها كلها بعد النية. فلو فعل شيئاً من الواجبات قبل وجود النية لم يعتد به.
(ويضرّ كونه) أي: التقدم (بزمن كثير).
قال في " الإنصاف ": ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. وقيل: يجوز مع ذكرها وبقاء حكمها بشرط أن لا يقطعها. قال ابن تميم: وجوّز الآمدي تقديم نية الصلاة بالزمن الطويل ما لم يفسخها وكذا يُخَرّج ها هنا، وجزم به في " الجامع الكبير ".